Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2011, جريدة النهار, مقالات

توما رسول الشك واليقين / السبت 30 نيسان 2011

يسمى الأحد غدا أحد توما في كنيستي ووضحت مشكلته في القراءة الإنجيلية. وقبل ان أذكر المقول عنه في انجيل يوحنا رأيت أن الكلام على بساطة الرسل فيه شيء من الأسطورة. وهذا وارد في الأدب الديني العام ليقال ان الله يعلم الناس العلم وانهم ما كانوا منه على شيء.

بادئ بدء لم يكن من يهودي لم يدرس الكتاب المقدس في مقامات مختلفة من العلم أقله في ما نسميه نحن «الكتاتيب». ثم لم يظهر العهد الجديد على ان تلاميذ يسوع كانوا جهلة ولو صيادين فاذا قال بطرس الرسول للسيد «انت المسيح ابن الله الحي» كان على الأقل يفهم كلمة المسيح وهي من اللاهوت اليهودي المعاصر وكذلك عبارة «ابن الله» كان في نطقه بهذا إلهام لم يعن هذا ان العقل كان خارجا عن الإلهام.

وتوا بعد هذا كان بين الرسول والمعلّم اختلاف حول موته. وعلى مد الإنجيل كله ما بدا الرسل على انهم كانوا سريعي التصديق ولا شيء بدا على انهم كانوا يؤمنون برسالته بمعناها الروحي وبقوا بعد القيامة ظانين انه سيعيد الملك لاسرائيل. هذا الالتباس بينه وبينهم حول طبيعة رسالته يدلّ على انهم لم يكونوا سذجة.

الى هذا لم يقم دليل على ان الاثني عشر كانوا على مستوى من المعرفة واحد. اولا لم يكونوا كلهم صيادين. متى كان رئيسا بين الجباة ما كان يعني انه كان عالما بالمحاسبة واذا قرأنا انجيله نرى انه مكتظ بمعرفته للعهد القديم وهذا لا يعني انه عرف ذلك فيما بعد موت السيد فقط.

على هذه الخلفية أريد ان اقرأ وضع توما في علاقته مع المعلم قبل القيامة. انجيل يوحنا يذكره غير مرة وفي سرد بعث اليعازر نلمس ايمانه. ماذا حدث بعد هذا؟

يقول النص الذي يلي القيامة انهم كانوا مجتمعين خوفا من اليهود، اذ لا يكفي المجرمين ان يقتلوا رئيس العشيرة. يجب ان يباد اسمه بإبادة انصاره ان امكن او بعض منهم. جاء، عند ذاك، يسوع ووقف في الوسط وأعطاهم سلام القيامة. وبعد هذا أراهم يديه وجنبه. الايمان ليس اعتباطيا. ليس خيالا. كان ينبغي ان يشاهدوا الانسان نفسه الذي شاهدوه على الخشبة. لا يمكن ان يصدق الناس خيالا. كان يجب ان يكشف لهم انهم ليسوا امام خيال يمكن ان ينتجه الخوف الجماعي. كان لا بد لهم من رؤية عيونهم لمواضع من هذا الجسم يمكن لمسها. اكتفوا بالعيون. وهي قالت لهم انهم رأوا الرب. ما يدعم تصديقي لكلام الانجيل ان الاثني عشر لم يكونوا بسطاء. احاديث كثيرة بينه وبينهم دلت غير مرة انهم لم يكونوا سذجة. السؤال الكبير قد يكون لماذا اختار صيادين للقيام بالرسالة معه. الجواب البديهي هو انهم كانوا من منطقته. من راجع خريطة بحيرة طبرية والبلدات الصغرى التي حولها يعرف ان بطرس واندراوس ويوحنا ويعقوب ابني زبدى كانوا من تلك القرى.

الى هذا هذه رسالة قلوب وحنان وإشفاق على المرضى ورسالة من فقراء الى فقراء. ببساطة كلية لم يفتش يسوع في الجليل عن علماء العهد القديم والإنجيل يقول ان الكثير من هؤلاء كانوا مستكبرين ومرائين. لم تكن أدمغتهم مفتوحة على قلوبهم ليتقبلوا منها الحب. كان الناصري عارفا بقدرته على تفجير الحب من قلوب اهل الصناعات الصغرى ومن اولئك القادرين ان يأكلوا خبز الفقراء.

كان ظهوره في قاعة اظن انها كانت تخص احد أصحاب التلاميذ اذ ما كانوا يملكون بيتا في اورشليم. رأوه لما تراءى لهم فيه مساء يوم القيامة. عند حضوره وبعد تعرفهم اياه نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس. هل هذه هي العنصرة التي يعبر عنها انجيل يوحنا؟ انتصار يسوع على الموت ترجمته ليس فقط ظهورات لأصدقائه وهي احدى عشرة ولكن ترجمة الغلبة قدرة التلاميذ على حل الخطايا للناس اي نقلهم بالتوبة الى عهد جديد. لعل الجدة الكبيرة في العهد الجديد قوة المسيح على غفران الخطايا اذ كان هذا الغفران مجهولا بالكلية في العهد القديم. لم يقم نبي ولا معلم في اسرائيل مرة بالغفران للناس.

عند هذا الترائي الأول لم يكن توما معهم. فلما حضر قال له التلاميذ قد رأينا الرب. فقال: «ان لم ابصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في اثر المسامير واضع يدي في جنبه لا اؤمن«. بالذهنية المعاصرة نقول هذه روح نقدية يقدرها كل من كان له عقلية حديثة. حادثة جرت هي القيامة ويجب امتحان الرؤية. هل هذا الذي تقولون انه السيد هو حقا الذي شاهده بعضنا معلقا على الخشبة وشاهده آخرون دفينا. انا لا أريد ان أكون ضحية تخيل. يجب اثبات القيامة. توما التي ودت يده التفتيش وبخه المخلص وقال له: »هات اصبعك الى هنا وابصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا».

لا شيء يدل على ان الرسول لمس ما قال انه يود لمسه. رأى النور على وجه السيد ويديه وعينيه وثيابه. شاهد في عيني القلب ما كان يتمناه فاعترف فورا بقوله: «ربي وإلهي». الربوبية والألوهة بدتا له مما هو فوق المدرك وعاد الى حبه الأول.

ولكن كيف لم يكن مؤمنا اذا أصر على الرؤية؟ لم يكن مؤمنا بشهادة الرسل الذين شاهدوا سمات الآلام. لا نحتاج الا لكلام الذين لازموا السيد. في كل جيل كلامهم كلام الروح القدس.

اهمية توما الاولى انه ما اراد ان يتخلى عن عقله. اهميته الثانية انه اقتبل نور المسيح. رؤيته كانت عنده مصدر القناعة. والرؤية يعطيها صاحبها ولا تحتاج الى المحسوس.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

القيامة / السبت 23 نيسان 2011

غدًا نقيم ذكرى لحادثة القيامة ونسعى الى معناها. الحادثة ان يسوع الناصري قام من بين الأموات وتغلب على الموت حسب منطوق النشيد الفصحي في كنيستنا «ووطئ الموت بالموت».

اما الحادثة فقد اهتم لتبيانها الذين كتبوا العهد الجديد بسبب صعوبة تصديقها وبسبب اعتبارهم انها اساس الايمان المسيحي. فإن لم تكن لا يكون الإيمان وتكون البشارة بالمسيح كلها باطلة. المسألة ان القيامة واقعة ولكن يجب إثباتها كواقعة. هذا من جهة ومن جهة ثانية هي صُلب الايمان. عندنا اذًا وجهان لهذه القضية. الوجه الاول شهادة الشهود لظهورات المسيح والوجه الثاني اليقين بالإيمان.

اما ان الأمر هو لب الإيمان المسيحي فيأخذ به بولس الرسول لأنه اول من كتب في المسيحية بمعنى أن هذه القيامة التي علّم عنها انما أخذها من الأوائل ولم يفرق بين الحادثة ومعناها ووضع لاهوتا يختزل بهذه الكلمات: «إن كان المسيح يُكرز به انه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم ليس قيامة اموات». ما يدعم اذًا الاعتقاد بالقيامة قول الرسول «دُفن وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وانه ظهر لبطرس ثم للرسل الاثني عشر، ثم ظهر لأكثر من خمس مئة أخ معا لا يزال معظمهم حيا وبعضهم ماتوا، ثم ظهر ليعقوب، ثم لجميع الرسل حتى ظهر لي آخرا أنا أيضا كأني سقط» (1كورنثوس 15: 4-8).

إلى هذا الايضاح، عندنا شهود عيان لموته وبقوا شهودا عيانا لظهوراته من بعد القيامة بمعنى أنهم عرفوا أن هذا الذي تراءى لهم هو إياه الذي عُلّق على الخشبة وهؤلاء هم مريم المجدلية، وحاملات الطيب، وسمعان بطرس، وتلميذا عمواس، والرسل المجتمعون في غياب توما ثم في حضوره، وبعض الرسل على بحيرة طبرية، والرسل في الجليل، وإليهم ايضا عند صعوده الى السماء. وهذه الظهورات هي إحدى عشرة نقرأ عن واحدة منها كل أحد في الكنيسة الارثوذكسية.

سرد هذه الظهورات يدلّ على الروح النقدية عند الرسل. وظاهر لي في هذا السرد أن الرسل كانوا متحررين من كل عقلية شعبية متهوّرة. كانوا بعيدين عن كل تصديق متسرع متهيّج.

ان رفض توما في البداءة للقيامة يدلّ على انه كان على روح نقدية كبيرة وأنه لم يؤخذ بكلام التلاميذ. في الأسبوع اللاحق تراءى لهم ومعهم توما.

#   #

#

غير أن العيد لا ينحصر في أن يكون خروج الناصري من القبر وهو مغارة وليس حفرة ترابية. العيد تعبير عن كل الخلاص الذي أُوتيناه منذ تجسد ابن الله وبخاصة الذي نلناه من الصليب. فقبل لحظة الصلب قال يسوع «قد أُكملَ» أي اني أَتممت ما كلّفني الآب به وحقّقت كل كلمة من الأنبياء. ولنا نحن أن نفهم أن كل جليل وطاهر وحق من بعد يسوع إنما نحن مدينون به له أي ان كمال الفكر والنتاج العقلي والفنّيّ وانتصار الإنسان المظلوم كلها استمدّت إلهامها من حياة يسوع وأقواله. من هذه الزاوية نرجو في هذا اليوم قيامة من التعب الشخصي والسقوط ونطلب التطلعات الى السماء. من ناحية العقيدة عندنا بالفصح وعد أننا سنقوم في اليوم الأخير. لقد ظهر في المسيح كمال الله. قيامة المخلّص تُنبئنا بأن دعوة يسوع لنا أن «كونوا كاملين».

العيد هو الخلاص من كل انواع الموت في حياتنا الشخصية وحياة الذين حولنا ومن نخدمهم. هو حدث مستمر فينا الى أن ينتهي الدهر. ولذلك يمتد عيد القيامة من يوم الجمعة العظيم الى صباح العيد. هذه الثلاثية اذا دخلت إلينا بقوة كل يوم فيها نكون قد أقمنا العيد ووعدنا بأن كل أيام حياتنا تكون فصحا أبديا. الفرح عندنا مؤسّس في انتصار يسوع ولسنا نستقبل بهجة في هذا اليوم وحزنا في ذاك. «افرحوا ايضا في كل حين وايضا أقول افرحوا». لذلك اذا قال بعض الناس اننا نتألم مع المسيح لا نريد أن وجع الجسد او النفس أفضل من السلامة. لنا أن نتقبّل الآلام على أنها أحيانا وجه من وجوه السلامة الداخلية. اذا كانت السماء في الأخير هي انتصارنا على الخطيئة والموت فنحن فيها، واذا انسكبت السماء علينا في حياتنا اليومية فنكون قوما فصحيين، ولنا أن نُنشد عند ذاك: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت».

لذلك لا حقيقة في ما قيل لي يوما: «المسيحية ديانة مأسويّة». قلت لهذا الذي كلّمني بهذا الكلام: المأساة بمعناه اليوناني أن تكون سجين غرفة مغلقة. نحن على الأقل ليس فوقنا سقف. ليس فوق رؤوسنا الا السقف السماوي. نحن خرجنا من كل السجون الى «حرية أبناء الله». لذلك نحت أحد قديسينا مؤخرا تحيةً كان يقولها لكل صديق التقاه: «يا فرحي، المسيح قام».

هذه كلمة أُسلّم بها على كل من قرأني بين اليوم والغد حتى يزول الحزن عن هذا الوجود.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الدخول إلى أورشليم / السبت 16 نيسان 2011

صعد يسوع من الجليل الى أورشليم قاتلة الأنبياء. هناك كان ينبغي له ان يموت حسبما أُعدّ له. استقبله أنصاره. وهللوا له بكلمات الكتاب. ارتضى موته. «انا ان ارتفعت عن الأرض أجذب اليّ الجميع». سيؤمنون به بعد قتله لأنه بث روحه منذ لحظة موته فيهم.

في فترة انتظار الموت علم كثيرا وعلم بكثافة. التعليم عنده أخذ شكل عمل لما غسل أرجل التلاميذ اثناء العشاء الأخير. لم يشر إنجيل يوحنا الى طبيعة العشاء لكنه قال «لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليل». ليل في الخارج، ليل في قلبه. عتمة الكون كلها لقت يهوذا العارف المسيح اذا خانه يصبح لا شيء في الظلام.

أبقى في الانجيل الرابع مع يوحنا محاولا رفض الليل في الأسبوع العظيم الآتي الينا وقارئا خطبة الوداع لألتصق بها وأخرج من الدينونة والا اساق قبلها الى المحاكمة. لذلك استهلّ الخطبة بقوله: «لا تضطرب قلوبكم… آمنوا بي… انا هو الطريق والحق والحياة». اي انا طريقكم الى الآب ولكنكم لستم تسمعون بحق تعليم كلام وتنظيرا شخصيًا انا الحق والحياة التي يسكبها الآب فيكم. ليس الحق فوق كلامي او امتحان كلامي اذا قبلتني تقبل قلب الله الحقيقة ليست واقفة مقابل الله. هي فيه ولا تقابله. ولكن كل هذا يقتضي موتي لأن العالم لا يعرف اندماج شوقي اليكم وشوقكم اليّ الا بموتي. واذا قمت بعد هذا من بين الأموات يموت الموت.

بعد هذا قال: «لا احد يأتي الى الآب الا بي». أي ان من يعرفني اكشف له روح الله وأفعاله وصفاته وقواه فهذا معناه انه يرى الآب اذ لا يمكن احدا ان يرى الآب مباشرة ويحيا ولما نسي فيليبس هذا قال: «يا سيد أرنا الآب وكفانا قال له السيد: «الذي رآني فقد رأى الآب» ما الاب الا المحبة وفق قول يوحنا الحبيب: «الله محبة» وقال القديسون: «المحبة هنا ليست اسما أو صفة. هي جوهر الله نفسه». وأفعال الله المذكورة وغير المذكورة في الكتاب أي الأفعال المنسوبة الى الرب تممها المسيح في الجسد وليس من عمل إلهي يختلف في طبيعته وعمقه عن عمل المسيح ولهذا استطاع ان يقول من رآني فقد رأى الآب وحتى لا يتوهم الناس ان ثمة أعمالا تختلف عن اعمال الآب أو بين اعمال هذا وأعمال الابن هوة قال: «صدقوني اني في الآب والآب فيّ» ولا يمكن ان يكون يسوع في الآب لو كان الآب أعلى منه او أقدم.

#   #   #

كيف تتصاعد فوق هذا الكلام: «اني انا في ابي وأنتم فيّ وانا فيكم». هنا ينزل محبة الله لذاته الى محبته للبشر ويصعد محبة البشر الى فوق وتأخذ كل قوتها بأنها تبقى فوق ولو نزلت: «والذي يحبني يحبه ابي وانا احبه وأظهر له ذاتي». لا يبقى فرق بين المحبة النازلة وتلك القائمة فوق او بين حب الله للانسان وتلقي الانسان لهذه المحبة.

ثنائية الكيانين اعني المسيح وشعبه يتجاوزه هو بوحدة الحب. وفي هذا الجزء الثاني من خطبة الوداع على وحدة المحبة الواضحة يكشف المسيح نفسه منشئ الوحدة فيسمي نفسه الكرمة ويسمينا الأغصان. الأغصان تثبت في الكرمة. صورة الوحدة في هذا الفصل تنبع من الآب الى المسيح ومن المسيح الى المؤمنين ثم يوضح صورة محبته انه يبذل نفسه عنهم ويلح على نشر المحبة فيما بينهم حتى يصل الى حياتهم في العالم اي الى الاضطهاد. ولكنه يعد بأنه سيشددهم بالروح القدس. كل اللغة المتعلقة بالروح القدس في خطبة الوداع تعني استمرار المسيح حبيب الله بالروح القدس.

اخيرا تأتي صلاة الكاهن العظيم. حديث مستفيض عن مجده. «انا مجدتك على الأرض». كلمة يوحنائية بامتياز. رددها يسوع في إنجيل يوحنا منذ عرس قانا الجليل.

قال يسوع كل هذا الكلام وخرج مع تلاميذه الى عبر وادي قدرون والطريق نازلة جدا ونلت بركة المشي هناك وسطحها مليء بالغبار وذلك السنة الـ 1947 أي سنة قبل احتلال الأرض ومن هناك سار الى موته المجيد الذي سنشترك بكل بهائه خلال الأسبوع القادم. ومن خلال كلامه أخذت اليوم لكم «مملكتي ليست من هذا العالم». هذا ملك آخر يستقر في قلبك ان انت أصغيت في كل ظرف الى كلام المخلص فيجعلك تشهد للحق كما شهد هو للحق. ولما سأله بيلاطس ما هو الحق لم يقل كلمة.

الحق ليس نظرية تُشرح. هو سبق فقال ان شخصه هو الحق. ان انت سمعت كلامه وخضعت له لا يبقى من مسافة بينك وبين الحق الكثير يلفت القارئ في وصف آلامه. «اقتسموا ثيابه بينهم وعلى لباسي اقترعوا». يجب الا يتركوا عليه شيئا للزيادة في اذلاله. لماذا أتى الانجيلي بتفصيل يبدو صغيرا «وكان القميص بغير خياطة منسوجا كله من فوق». لم يستطيعوا شقه. من بعد الواقعة يبدو هذا كلاما مجازيا. لا يستطيع احد ان يشق ثوب المسيح لأن وحدة المسيح قائمة الى الأبد. من اعتدى على ثوب المسيح ينهي ذاته.

آخر كلمة قالها يسوع: قد أُكمل. في المعنى العادي أتممت النبؤات. كلها كتبت عني بطريقة او بأخرى، بمعنى دقيق أو بمعنى عام، ولكن قد أُكمل تعني ان كل شيء جميل وجليل وطاهر. قيل في الفلسفة وفي آداب الشعوب وفنونها، في كل فكر حي يجد كما له ومجده في هذا الجسد الدامي المعلق على الخشبة. كل شيء تم في الجلجلة ومنها سطع المجد.

بعد هذه الكلمة الأخيرة يقول يوحنا الرسول: «ونكس رأسه وأسلم الروح». الحقيقة ان الجسد الذي يحتضر يسلم الروح اولا ثم ينكس رأسه. لماذا كسر الإنجيل التتابع البيولوجي وجعل إسلام الروح قبل تنكيس الرأس؟ قراءتي الحدسية انه اراد انه مات وبعد هذا أسلم لا الروح البشرية فقط بل الروح القدس الذي كان فيه. اي في موته كانت العنصرة الأولى. كل شيء وصل الى قمته يوم الجمعة العظيمة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المستشفى / السبت في 9 نيسان 2011

المشفى في اللهجة الشامية مكان الشفاء وهذا غير مؤكد. المستشفى عندنا المكان الذي يلتمس فيه الشفاء وربما من الأطباء. هذه المؤسسة قديمة في الإسلام وفي القدم نفسه تقريبا في أوربا. طبعًا هذا كله إلهامه ديني. لذلك سميت المؤسسة في الغرب أوتيل ديو أي فندق الله أو بيت الله اذ المريض من هموم الله.

من كانت علته شديدة يذهب به من بيته الى هذا الموضع الذي يتجمع فيه السقماء ليعرف الطبيب حالهم الصحية ويقدم لهم وسائل السلامة لكون السلامة مبتغى العليل والمعالج معا. وكلاهما يكافح الموت. وعندما تبطل عند المريض خشية الموت يواري الإنسان مأواه. من ثبتت عنده سلامته يلازم بيته.

هناك دائما صراع عميق في النفس ولو على شيء كبير أو قليل من الوضوح اننا في الاعتلال على طريق الموت أو لم نسلكه بعد. واذا وصل الإنسان إلى تأكيد الحياة فيه يلازم بيته ويستغني عن المؤسسة. المستشفى اذًا تحديدًا مؤسسة الموت نستقبله أو نحاربه. هي ليست مكان استجمام أو راحة. هي مشوار بين القياس وانكسار القياس حتى اذا سلم الإنسان من بعد علاج يتحرر من صورة المستشفى.

المجتمع اذًا مجتمعان مجتمع الأصحاء ومجتمع المرضى، مجتمع الذين لا يفكرون باقتراب نهايتهم ومجتمع الذين يذوقون الاختلال أو اقتبال نهايته بالموت. لذلك أنت في هذا الموضع خائف أو غير خائف فلا تستطيع ان تنتمي إلى مجتمع الأصحاء ومجتمع المرضى نفسيا في آن واحد. واذا انتقلت من هذا إلى ذاك تكون في حالة انتظار النهاية أو بدء جديد.

#   #

#

الأصل في الإنسان السلامة والمرض انشطار الكيان. الإنسان في أسقامه يرجو العودة إلى الأصل اذ لا يحب نفسه منكسرا. يتوق الى الخلق الذي كان قلبه فاذا اعتراه خلل ما في بدنه يحس ان الأذى أخرجه من الخلق الاول ولا يرى كماله الا في عودة السلامة ما لم يصالح تشويها ثابتا فيه كالشلل أو بتر ساق أو ذراع أو كفاف البصر فيتربى على ما هو معروف بنقصان ويتدبر شؤون حياته بما تيسر لها. هذه أوضاع متركزة تشبه السلامة والعظيم فيها يحولها إلى أصل اذا فهم ان أصله هو القائم فيه.

#   #

#

غير هذين الوضعين وضع ثالث أو مجتمع ثالث زالت فيه الحسرة بعد تروض طويل ومبدئيا يزول فيه الإحباط لأن الله يسوسه. أما اذا بقينا على مستوى الطبيعة أي بلا إله مقيم فلا مصالحة بين التقصان والكمال.

«في البدء كان الإنسان الطبيعي ثم كان الإنسان الروحاني». الإنسان الروحاني وحده لا ينتمي إلى المجتمع السليم ولا إلى المجتمع العليل. استقل عنهما لإنتمائه إلى الله الذي يرحم المرضى والأصحاء معا وكلاهما على نقص. فهناك عطب السلامة الذي هو الاستغراق في الجسد وهناك عطب المعطوب الغارق في الخوف الذي هو توق لبعد الله. والبعد عن الله هو اللاشيء لأن القياس هو سكنى الله فيك. أما الذي أقام في الله فيخرجه ربه من العطب ليقيمه في الحب الإلهي أي في المجتمع السماوي ويشده إلى حضرته فتأتي سلامته من الحضرة وبهجته من الرؤية.

فاذا عدنا المريض ينبغي ان نعزيه بالله أي بكلمات الكتاب التي تنقله من المجتمع السليم أو العليل إلى المجتمع الإلهي توا.

لا سفر من الاستشفاء لأن الصحة هي القياس وصورة الملكوت وهي تنجينا من الضجر والإحباط ومن هزات كثيرة اذا عرفنا ان الأصل فينا الحياة الأبدية.

هذا المجتمع الإلهي يمكن ان يؤلفه الأصحاء والمرضى معا. انه اذا يخترق المجتمعين البشريين اللذين هما من عالم الخطيئة. المهم الاستقلال من الطبيعة الساقطة المختلة وغير المختلة لنلتحم بما هو فوق الطبيعة ونجلس فوق عن يمين العظمة. السماويات هي المجتمع الأخير حيث يزول انكسار الجسد ولا يبقى من معنى لسلامته فالمعطوبية والسلامة كلتاهما من هذه الأرض والقوي من تحرر من هذه الأرض وجمالها حتى يحيا الحياة السماوية هنا.

#   #

#

غير ان المريض مصدوما أكثر من السليم ينبغي علينا حمله في كل يوم. نطلب من أجله كثيرا لينال في عطبه سلامة الله. وهو أخونا باستمرار لكونه معذبا في كل حين ومرميا على كل التجارب. وعيادتنا له ما استطعنا تشفينا كما تشفيه وبهذا نسعى الى إخراجه من مجتمع المرضى الى المجتمع الإلهي.

وفي هذا إنقاذ من الموت الروحي والتعبير عن المشاركة عاليا. «كل نفس ذائقة الموت». المبتغى ان نخفف وطأة المواتية عن الآخرين ليصبحوا أبناء القيامة. وبذا نخفف المواتية عن أنفسنا ونحاول خلق المجتمع الإلهي الذي ينشلنا من محض السلامة البدنية أو علاتها.

هنا في الجسد الصحيح أو العليل تبدو إلهيتنا اذا لمستنا النعمة لنسير إلى الفصح. من كان قادرا على فصحيته كبيرة في جسده يعلن انتهاء الموت.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

مجد لبنان / السبت 3 نيسان 2011

كل ملمّ بالكتاب المقدس قرأ في أشعياء (35: 2): «مجد لبنان أُعطي له». وهذا عند النبي قول في المسيح. الآية مكتوبة بالأحرف السريانية على نصف حائط يفصل في الديمان بين مدى الكهنة، ما نسميه في الدارج الأرثوذكسي الهيكل وصحن الكنيسة وما كنت أعلم حتى وجدتني واقفا في الكنيسة وراء غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير في البيعة منذ سنتين او ثلاث اذ كان يستضيفني غداة عيد رقاد السيدة في بداية المنتصف الثاني من شهر آب. والبطريرك صفير عنده عادة استحبها اذ يقود ضيوفه بعد الغداء ليتسنى لكل منهم خلوة دقائق مع ربه واذ بي التفت الى الكتابة وأقول لسيدنا انا لا أقرأ السريانية أرجو اليك ان تقول لي هذا بالعربية فتأخر بعض لحظات ولم أفهم سبب ذلك فقلت له لماذا الحرج يا سيدنا هذا لا بد ان يكون كلاما الهيا، عند ذاك، قال: الكتابة هي: «مجد لبنان أعطي له». وما كان مكتوبا بين هلالين انها من أشعياء.

لماذا ذكرت هذه النبوءة هنا، عمّن تقرأ، ما موقعها من هذا الجدار كل هذا جلاه لنا غبطة البطريرك بشارة بطرس (الراعي) في خطاب تنصيبه الذي أوضح فيه انها لاشعياء وانه ليس فيها احتكار. ما كان هاما في كلمة السيد البطريرك إرجاعه الكلام الى الوحي أكان منطبقا -بغير احتكار- على الكنيسة المارونية او على رأسها مجد لبنان ينزل من المسيح الذي ورثه على «الكهنوت الملوكي والأمة المقدسة» التي الكنيسة المارونية جزء منها باعتبارها ممسوحة بالميرون المقدس مع كل أبنائها.

البطريرك اغناطيوس الذي يقود كنيستنا بما فيه من حكمة وحب قال لي منذ أيام قليلة: الكنيسة المارونية فيها نهضة. وكان قد عبر لي عدة مرات عن وجوه هذه النهضة بما يعني ان غبطته ذائق للنمو الروحي الذي تعرفه الكنيسة المارونية في كبار مؤمنيها الأشداء بالروح، التائقين الى الخلاص بعيدين عن إغراء هذا العالم ليسكنوا الى المسيح وحده فيتم فيهم رضاؤه اذ أصبحوا امة مقدسة له.

ما يجمعنا نحن المسيحيين، النعمة التي يعطيها المسيح. ما عدا ذلك باطل وقبض الريح. معا نحن لسنا بوجه أحد «المحبة تطرح الخوف الى خارج». ان كنت تأكل جسد الرب كل أحد فأنت أقوى من الدهر. ان تتحصن في هذه الدنيا وحدها خيانة.

#…#

#

ان ترى هذه الكنيسة او تلك فيها خصائص أمر لنا ان نتعلّمه ونقتبس منه ما نقتبس على الا يكون في هذا فخار من الدنيا «مملكتي ليست من هذا العالم». ماذا يعني هذا في المسألة السياسية؟ ما هو فكر المسيح في هذا؟ لا بد ان يكون لنا فكر لاهوتي واحد في هذا المبحث ليكون لنا تصرف واحد وتاليا شهادة واحدة.

ان يكون المسيحي في هذا الشرق يسلك بالمسيح يعني ان في المسيح وطنه وليس للكنيسة المسيحية تحالف مع اي وطن. انها فيه كالسائح ومقصدها السماء. لا تستريح الكنيسة في مكان او اليه. كذلك لا يكفي ان نحسب اننا، مسلمين ومسيحيين، في خدمة له واحدة، راهنة، المبتغى ان نحس اننا قادرون على ان نكون من كيانه ومن قلبه.

كيف يتم هذا مع قراءتين مختلفتين لعلاقة الدين والدنيا. الوحدة في فلسفة هذا الموضوع هي ان كل كتلة لها واقعها في قراءة العلاقة بين الدين والدنيا وتختلف عن الرؤية النظرية، فمن المسيحيين من هو أقرب الى الإسلام في انتقاء الدين والدنيا والسياسة ودمجها. نقتبس بعضنا من بعض في الواقع السياسي وننقح تنظيرنا. انت لا تتعامل مع إسلام او مسيحية. انت تتعامل مع مسلمين ومسيحيين يتطورون ويتلاقون في الفكر والقلب وانت تسير على الرجاء، رجاء ان يصير الآخر مثلك او أعظم في ولاء الأمة الواحدة.

الاختلاط لا بد ان يغير المجتمعات وان ينشئ نماذج بشر جديدة. لا مفر من نشوء لبنان مدني هو في الحياة العامة جمع بين المسيحية والاسلام وعناصر حضارية أخرى.

هذا لن يكون تلفيقا غير محمود. هذا يكون انتظارا لانسانية لا نتوء فيها، تفرح بالعظائم وبما تقدر عليه الحرية. الشكل يكون مدنيا اي اصطفاء الأحسن في الاجتماع البشري وما من اصطفاء الا من انسجام وفي هذا يكون قد نزل علينا الخيار الالهي. ان الآخر انسكب عليه مجد لبنان وتكون قد فهمت ما قاله البطريرك الذي قدم بالبركات ان ليس هناك من احتكار لأن الاحتكار رفض الآخر وفي الرفض لا ينزل مجد لبنان.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

أنا من أنا؟ / السبت 25 آذار 2011

الانسان في بشرته من هو وليس لنا لمعرفته الا بشرته؟ تبدأ لمعرفته بجسده. ترى في عينيه عيني أبيه او أمه ويختلف الناس في الوصف والحقيقة ان هذا الرضيع موصول وعلم الجنات يعلمك عما هو أدق حتى يصل هذا الطفل الى سن توضح القربى في الطبائع بينه وبين ذويه والقربى في بعض الحركات، في المشية والقعود فتلحظ الوحدة وتلحظ الافتراق حتى يكتمل البدن او يكاد. واذا تعمقت التدقيق ترى الشبه يعظم او يقل. ففي هذه العائلة تأتي الاثنينية أقوى وفي تلك هي أضعف.

في علم الجنات بدا اكثر من الماضي الشبه ليس فقط في البنية وليس فقط في ما هو للبشرة ولكن في ما هو في أعماق النفس اي في بنية الانسان العميقة. بدا الاختلاف الكبير، الشرخ بينك وبين ذويك لأن النفوس ليست خلايا تتشابه او تتراكم فقد يكون ابوك عاقلا او معتدلا او متوازنا وأنت على عكس ذلك قليلا او كثيرا. تقول، من اجل التفسير، انها البيئة. ولكن لا تستطيع ان تحلل لماذا او كيف كان تأثير البيئة. لا تستطيع ان تربط بين البيئة والتغيير التي أحدثته. هناك شيء يدخل الى هذا الكيان من فوقه او من تحته او من جنباته. هناك شيء غير البشرة الموروثة. هناك مخالفات عندك لما كنت تلمسه. فقد يكون ابوك غضوبا جدا وتأتي انت هادئا. ماذا لامسك، ماذا هب فيك لتبدو وكأنك منقطع عن أبيك وأمك؟ هل انت ابن واحد من الناس او لست ابن واحد من هذه الأرض؟

هل ضُربت الاثنينية بعامل هو خارج هذه البشرة. يصير الانسان واحدا اذا أحس بمحبوبيته. كان قد اتى من رحم امه تشكله كل العوامل التي رُكب منها فبعد ان اخذ يستقل بقطع حبل السرة صار يسير نحو وحدته. اخذت احاسيسه تشعر مؤتلفة انه قادر ان يقول انا . موقف ليس ضد الأنا الأخرى. لا يريد ان يذوب في الآخرين ولكنه لا ينغلق دونهم. اناه هي اياها بتناغمها. هذا ما نسميه جدلية الوحدة والكثرة. تثبت الشخصية بالتوحد والتمايز متلازمين. الخوف من الصدام بينهما.

ليس التلاحم فقط بين الأحياء. ليس أدل على استمرار النفس من بعد موت من كونها تعطي او من كونك تأخذ منها. كم من ميت يعايشك بقوة ما كنت تعرفها في حياته. من اين جاءت هذه المشاركة؟ ليس هذا حوارا كلاميا. لا تحدث هذه المعايشة تداخلا عاطفيا لأن هذا الداخل يتطلب وجها. الوجوه غابت. لم يبقَ الجسد ركيزة لشيء. ما في الأمر خيال وما فيه عاطفة كهذه التي كنا. نبديها، انت واحد، منصهر ولكنها وحدة مصبوبة فيها ينابيع يجب ان تكون هي ايضا مصبا. الانسان الواحد انسانية مع انه ليس بجمهور.

#   #

#

كل هذا يفيد ان كلا منا وحيد بمعنى انه ليس مثله شيء. ان يكون خصوصيا لا يعطيه فضلا. يعطيك هو فضلا فتصير به وقد يمدك بما لا يعرف فتأخذ انت حسب موهبة الأخذ فيك وتحب وتعرف ما تحب في الآخر وصديقك يعرف ما يأخذ وانه ينمو بك ويحسن هذه هي التربية التي لا يتبجح فيها احد انه المعلم. هذا تكامل الندية التي يحرص فيها كل واحد على ان الآخر افضل منه لأنه يراه المعطي.

وعلى قدر وعي هذا السر تتشكل الصداقة وقد قال أحدهم لما سُئل عن سر ارتباطه بصديقه نحن هكذا لأنه هو هو وانا انا اي هناك ما كان أعمق من المعرفة العقلانية. العلاقة تتكوّن مما يسمو طبائعك وطبائع آخر وهذه هي المحبة الصافية التي ننمو بها وحدها.

خارج العنصر البشري اذا كنت ذواقة يهذبك الجمال. منا من يأتي من حبه للطبيعة ومنا من أتى من حبه للمنازل الحديثة او الأثرية او الفنون. شخصيتك، اذ ذاك، نضرة تنقذك من الحزن والجفاف. انت عطية الطبيعة وغني بها او انت عطية الفن. هكذا يتغذى التدفق الذي فيك ويزول جفافك. هكذا تنغرس فيك الجنات.

الأنا اذًا كونية ووجدانية معا. هناك من يأخذ من الطبيعة قليلا ومن الفنون قليلا ولكنه يأخذ من البشر كثيرا. اية كانت المصادر الإنسان متشعّب الغنى وعليك ان تكتشف جماله. ولك ان تنمي قدرتك على استيعاب ما انت مؤهل لالتقاطه لكونك في الأصل غير محدود. أنت انت ولكنك ايضا ما ستصير.

ومع انك غير محدود في الخط الذي انت سالكه الا انك لا تستطيع كل شيء. اقبل ما وُهبت وتوسّع فكل وزنة جاءتك مدعو انت ان ترد اضعافها لله الواهب وللناس الذين حولك. لقد اختصك ربك بما لم يختص سواك. استثمر ما بين يديك لأن انا الآخر يجب ان تكبر اهتمامك حتى لا يجف العالم. لا تستطيع ان تنام ما دمت موهوبا فالرب يكره ان تتصحر الدنيا.

#   #

#

تولد من أبيك ومن أمك ثم من بيئة الطبيعة والعلم والفن وخبرة الحياة ولكنك فوق ذلك تولد من الله الذي وحده يضمك بكليتك الى نفسه. انت تنفصل عن أمك بالولادة. الولادة خروج ولكن اذا وُلدت من الله بنعمته يكون قد اعطاك من كيانه ويقول علماء كنيستي انك جئت من أزليته وهو يحبك بالحب نفسه الذي يحب به مسيحه. يجعل لك انا غير هذه التي استمددتها من أمك. منها ومن أصدقائك تصير آخر بالدرجة. من الله فقط تصير آخر بالنوع. تصبح إلهيا ولن تبقى فقط جسدا آتيا من جسد. فقط «المولود من الروح هو روح» اي ذو كيان آخر من هذا الذي اطلقته فيه امه الى العالم. يصير من عالم آخر، هذا الذي ينزل عليه بالحب الإلهي.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

رهبة الموت / السبت 19 آذار 2011

ما من رهبة تقارَن برهبة الموت لأنه العدو وان كان من عداوات اخرى فهي مهيئة له. ولعل شيئا من الخصومة بيننا وبينه ناتجة من كوننا لا نستطيع ان ننتظره اذ لا نعرف اليوم ولا اللحظة اللذين يحل فيهما. يأتيك مرض رهيب وتبقى في الوجود ولا يأتيك مثل هذا وتخفى.

أنسباء من مات وأصدقاؤه يحسون هذا الرحيل وكأنه قصاص ينسبونه الى الله. هذا يعبرون عنه بقولهم ان »الله يميت ويحيي« اذ لا بد ان يحل حدث كهذا بأمر من كان سببا لكل شيء. أليست وظيفة الخالق ان يكون مصدرا لكل شيء والشيء يعني الوجود كما يعني العدم. غير ان هذا الاعتقاد يعني ان لله خطة في الغاء الحياة كما له خطة في استمرارها. هذا يعني بصورة أبسط ان ربك منذ الأزل يمسك بدفتر سجل عليه اسمك وكتب عليه السؤال هو لماذا يهتم لك حتى تبلغ المئة او أكثر او لماذا يتخلى عنك كما تقول العامة. أليس الاقرار بالتخلي الالهي إقرار بتحيز الرب في هذا الأمر او ذاك.

في الحقيقة لسنا نعرف المقاصد الإلهية اذ تركنا في السر الكامل امام حدث لا مهرب منه. أعترف ان هذا مخيف ولكن كثافة الخوف تزداد عندنا اذا اعترفنا ان الرب سبب انخطافنا عن هذا الوجود وتتغير مواقفنا كليا اذا آمنا ان الله يحب استمرارنا في الوجود وليس له موقف اعتباطي ولا يملك دفترا يفتش فيه عن اسمك وزمان رحيلك لأنه ليس بمزاجي ويبقى على صعيد العاطفة البشرية الموت محجوبا سره عنا وقد ينكشف السر في اليوم الآخر.

#   #

#

في سورة الزمر، الآية 48: «الله يتوفى الأنفس حين موتها» تمييز بين فراق النفس عن الجسد والتوفي الذي يقوم به الله. هذا القسم من الآية يبدي اننا امام امرين: الأمر الاول: موت النفوس وتوفي الله النفوس التي فارقت. يستعيد الله من النفس وديعته. هذا هو عمله. اما بأي سبب تعود اليه من اصطفافها في الطبيعة فهذا سؤال لا يبدو ان ثمة جوابا عنه.

انا لا دخل لي في حديث القضاء والقدر. أتمسك بقراءة مستقلة تبين لي الفرق بين الوفاة وما يسميه الكتاب «موت الأنفس» لأقول ان النفوس تذهب الى الله كما تذهب ويتقبلها الله برحمته وكل شيء عند المؤمن هو هذا التقبل.

ولا يتعزى المؤمن اذا شرحت له السبب البيولوجي للحدث . انه على فهم نسيبه او صديقه ذلك، الحزن حزن وفي الحقيقة ان المعرفة البيولوجية للفراق ترجيح والترجيح العلمي لا يعزي لأن حبيبك قد ذهب وما كنت تريده ان يذهب.

القصة كلها انك لا تحب الغياب. الألم ان من كان في عينيك أمسى خارجا عن النظر وكل شيء هو اللقاء الدائم في العيون وفي باقي الحواس. الوجود هو في اللصوق. لا أحد يصالح الغياب ويبقى الانفجار على مقدار الحب ولا يقوم الكون على قاعدة الفهم العقلي والبكاء تسجيل لعدم الفهم.

اذا جعلت ميتك في حالة انحسار عن ناظريك وذاكرتك يكون هذا بدء تحررك من صورة له قابضة عليك ولا ينفع ان تنقله من بصرك الى بصيرتك اذ يبقى هذا انكماشا لك فيه ويختزن عناصر موات فيك. انت عليك ان تتحرر من الأموات لأن حياتك فقط في الله. اذا جعلت المائتين في رعاية الرب اي في حقيقة محبته تكون قد رفعتهم الى الحق. لقد سمعنا كثيرا في مآسي الحرب: هذا الشهيد او ذاك فينا. اذا كان هذا القتيل او ذاك حيا فيك فأنت عبده. انت مدعو الى الحرية من كل الأموات واللقاء بينكم هو فقط في الصلاة اي في حركة دفعك اياه الى ربك اذ لا يحتاج هو اليك ولكن الى انعطاف الله عليه.

ما يسميه المسيحيون شركة القديسين لا علاقة له بتذكر الأحياء للذين ذهبوا. هي المشاركة في القداسة فقط. الكنائس التي تؤمن بالاستشفاع ليس فيها ارتكاز على الانفعال العاطفي. انه الارتكاز على الروح القدس الذي يطهر الأرواح كلها ويؤلف منها كنيسة واحدة.

الجهد الذي لا بد من بذله تأسيسا على ما قيل هو ان نرى الميت الذي نعز متكئا على صدر المعلّم فإن العشاء السري مستمر وفي انسلاخنا عن هذا العالم نستمع الى قلب السيد ويبدأ الفهم ويصعدنا الى الآب الذي في حضرته نتكئ على الرحمة التي هي مجالنا عنده. في الملكوت نذوق القيامة شيئا فشيئا. القيامة ليست زمنا. هي حنان واذا كنا نرجو هنا الغفران فإنه ينزل علينا مذ ارتحال النفس عن الجسد اذ لا يمكن عند الافتراق ان نكون امام العدم. منذ اللحظة الأولى نحن في الرؤية تأكلنا القيامة بحيث نبدأ الدخول الى الفصح.

فصحيتنا ليست مرجأة ولكن الفصح الواحد المشترك يعلن في القيامة الأخيرة ليسطع حب الله علينا وحبنا له.

من هذا المنظار المجد ليس مجزأ. انه سعة متسعة. من قدر ان يعيش هذا بقناعة تامة لا يموت.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الكلمة والروح / السبت 12 آذار 2011

النفس البشرية ميدان التوتر بين القيام والسقوط. هي في طريق القيام وفي طريق السقوط. ليس للخير وجه يساير وجه الشر. انهما يتصادمان. هناك نزف لا نعرف كيف يتفجر وانت مفطور على الخيرات ولا يسكنك الا الله. ما من ذات اخرى تنثني فيك. هناك انبثاث الهي يتسرب اليك وانبثاث ابليسي او وساوس شيطان يوما بعد يوم وتتشرب بثا بعد بث حتى ساعة شفاء.

ليست القضية قضية ميزان بين نوازع خير ونوازع شر في النفس. ليس ثمة كفة ترجح وما في الأمر حساب. السؤال هو ما في عمقك. سؤال ربك في الأخير هو هل انت معي. في اللحظة الأخيرة، في الدينونة السؤال هو هل انت معي في كثافة وجودك البادي أمامي. الإنسان لحظة، وجود أمام الوجود الإلهي. فليست المسألة ان يفحصك ربك في الوصايا العشر التي أعطاها الله موسى. هذه اشارات، جملة وتفصيلا، الى كونك صديق الله او عدوه.

انت في هذه الدنيا لا تخرج بالتوبة من رذيلة الى فضيلة. هذا يحدث مرات بالتوبات العظمى. ما يحدث، هو نقلة من سوء وضعك الى وجه الله، من انحجابك عنه الى انكشافه لك. المكشوف وجهه للناس بحسناتهم يقول لهم «تريدون وجه الله» (سورة الروم، 38). فمن بعد سيئة لا يحول عملك الى حسنة الا اذا أردت وجه الله ذاته اي اذا دخلت في حبه. بسبب من ذاته وبذاته يمحو خطاياك. ليس السؤال ماذا تطلب ولكن من تطلب. واذا كانت اللغة تقول لك انت تطلب الرحمة او الغفران او الاحسان وما اليها تكون في الواقع طالبا الله اذ لا تمتلئ النفس الا به. انه هو المالئ الكل بكل جمالاته. «ومن ملئه نحن جميعا أخذنا. ونعمة فوق نعمة» (يوحنا 1: 16). هناك اذًا نعمة تختلف عن نعمة ولكنها جميعا صادرة عن الملء الإلهي. ليس غلوا تاليا ان أقول ان الخاطئ ينتقل من مقاطعة ربه الى معاشرته. بلا هذه المعاشرة لا نرث شيئا ولا نرى شيئا.

هذه القربى تلاشي البعد بين القدرة الإلهية وما تستطيعه انت. قد تصل القربى الى حد اللصوق. ما الفرق بين اللصوق والوحدة؟ بينك وبينه فسحة في الجوهر اذ هناك هوة بين الخالق والمخلوق لئلا تزول الخالقية او تزول عبادة المخلوق للخالق. على ذلك هناك وحدة ما حتى نتمكن من الكلام عن صلة. بلا صلة حقيقية انت مشلوح في الخلق شلحا. لا بد اذًا من بث إلهي في الإنسان او من فعل إلهي أزلي في الإنسان يتم به الخلاص.

ينزل الله اليك بالحب الالهي حقيقة. بينك وبينه تواصل او ليس من شيء. كل مواجهة تواصل. ان يكون وجهك الى وجه آخر في المحبة. يوحدهما. ولو بقيتما على استقلال. الذات تقابل الذات ولكنها لا تتباعدان حتى الانفصال اذ تبطل، اذ ذاك، المواجهة. اذا استطعت ان تؤمن تنوجد في هذا اللقاء بينك وبينه.

#   #

#

هل ينطبق مفهوم الحوار في علاقتك مع الرب؟ الحوار يتضمّن مساواة ما بين شخصين. في اللامساواة القائمة بينك وبين الله ليس من حوار الا اذا تنازل الله بمشيئته ان يجعلك بمحبته متصلا به حتى الوصال. في المسيحية هذا ممكن بسبب التجسد الإلهي. يلبس فيه ربك التساوي. ليس ذلك تصنعا او اصطناعا ولكنه عمل تنازل على مستوى المشيئة الإلهية. يقابل ذلك منك تصاعدا بشريا. هذا ما يمكن تسميته حوارا بين الله والإنسان. في الحقيقة هو انضمام منك اليه والخضوع لكلمته.

ماذا لا يتضمّنه الحوار؟ اذا أنت أغرتك الخطيئة -وهذا ما نسميه التجربة- لا يناقشك الله. هو يأمرك أمرًا. أمرك ان تسكت الإغراء، ان تقول لا للخطيئة في اول ظهورها في ذهنك. انت لا تناقش الشيطان. ترفضه رفضا منذ البدء. لا تتردد في الكلام معه. ترده بحدة. تنكفئ في كلمة الله. تمتلئ منها كثيرا في خزانة قلبك حتى تنسكب فيك وتواجه الإغراء بشدة حتى لا تقيم مع الإغراء حوارا.

تجذبك لذة الخطيئة. فقط نور القيامة اذا نزل عليك ينتشلك من جاذبية اللذة الى فرحك بمعاشرة المسيح. «لا تترك لذة الا لذة أعظم» (باسكال). عندما يشدك فرح الرب اليه يهون خيارك. افرح في الرب كل حين حتى يقوى فرحك في أوان الضيق اي حتى يصبح ينبوع مقاومة منك. لك ان تألف الرب حتى يصبح مأواك وفي هذا المأوى تتشدد.

#   #

#

هنا يأتي السؤال عن تقوية الإرادة. ما من شك انك في كل مرة تقول للإغراء لا تتقوى وتستقوي بالروح الإلهي. الإرادة فيها رياضة روحية وفيها ما يهيئ دروب النعمة. غير اننا نلاحظ ان اباءنا لم يتكلّموا كثيرا عن ترويض الإرادة. انهم تكلّموا بخاصة عن الصوم والنسك وقراءة الكلمة والصلاة. هذه كانت عندهم وسائل ترويض الروح البشرية، ترويض الكيان الكامل.

التعفف عن الطعام والشراب واللهو وكل ما كان غير نافع في الأوان الذي نحن فيه، هذا التعفف بناء كامل يهيئنا لاستقبال النعمة. وان نتخطر في النعمة ونصبح بذا كلمة إلهية يجعلنا نرد ما كان يصدم الكلمة ويحولنا في كل مشاعرنا وأفكارنا عقلا الهيا ومسكنا لله بالروح.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الصوم آتٍ / السبت 5 آذار 2011

بعد غدٍ تدخل كنائس الشرق معا باب الصيام لإيمانها انه طريقها الى الفصح. والفصح وعد العبور من الظلمة الى النور. وإبادة الظلام تحققت مرة واحدة لما قام مسيح الله من بين الأموات وبتنا نذوق الحياة الجديدة بانبعاثه. ليس لنا في المسيحية ان نعرف غير هذا اذ لم ينزل علينا سر آخر ولا تفقهنا بمضمون تعليمي آخر. كيف تتقن ما نزل عليك، كيف تصيره؟ كيف ما كان في عمق الله وسلوك ابنه يتصور فيك ويصبح مسيرتك حتى يبطل التفريق بين ما هو وحده لله وما هو لك. يبطل السؤال اذا عرفت انك تكتمل بدنوك من الرب وان هذا في الحقيقة دنوه منك. هذا هو توقك وتوقه. توقك هدية نفسه اليك هو ليس عنده غير ذاته يهديك. قد رأى ربك انك ان تحسست هديته او تحسسته هدية تنمو به اليه.

انت لا تخرج من نفسك اليه لأن لقاءكما يتم فيك. ان توغل في نفسك لاستقباله وتقبله لا يختلف عن تقبله اياك في أنواره وهذا التحاقك به ووحدتك فيه. هذا هو التوحيد ان شئت البصيرة والا يكون قابعا في فوقيته وانت في دونيتك ولا يغدو احد منكما قد اجتاز الهوة. ردم الهوة تنازله اليك وتصاعدك اليه في اللامدى، في اللازمان، في ارتباط شاءه وأنعم به عليك، ارتباط لا يتروض هو عليه في سماء كماله وتتروض انت عليه بسبب من مخلوقيتك. ينبغي ان تنمو بشريتك فيك وينبغي ان يسر هو بها ليجعلك ابنا محبوبا. الصوم محاولة من محاولات نموك يراه هو عطاء منه وتلمسه انت التماسا للنعمة. هذا كله تروض فيك وبه اي خروج جهاد اليه ولكن من جهته هو ضمك اليه وهو ليس فيه جهاد. انه حنانه المسكوب يسهل لك الدرب اذ قلت له: «سهل خطواتي حسب قولك ولا يتسلط عليّ إثم. نجني من بغي الناس فأحفظ وصاياك».

#     #

#

كل قصة الصوم ان تحفظ وصاياه. «من أحبني يحفظ وصاياي». الصوم إذًا رياضة عميقة الجذور، أمتن من أن تكون مجرد إمساك او نظام طعام «الطعام لا يقدمنا الى الله لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص» (١كورنثوس 8: 8). الصوم لا يستغرقه إمساك على نمط معيّن. وفيه أنظمة مختلفة حسب الحضارات الدينية. فيها كلها انقطاع عن الطعام في فترة محددة نفهم منها ان هذا الانقطاع ضبط للرغبات ومراقبة لها، نوع من التسلط على الجسد ابتغاء لحرية النفس وانعتاقها من الشراهة.وقد استفاض آباؤنا النساك في الحديث عن هذه الرذيلة وجعلوا التحرر منها شرطًا للتحرر من الشهوات الاخرى. هذا اختبار الروحانيين ومن مارس الصوم طويلا مع شرط الصلاة المكثفة ومطالعات الكلمة الإلهية التي ترسخنا في معرفة الله.

الصلاة والصوم يبدوان في الكتاب القيم مجتمعين حتى التداخل او التلازم حسب إيقاع زمني يحدده هذا الدين او ذاك، هذا المذهب او ذاك. هناك قواعد روحية او نفسية الإخلال بها مؤذٍ، مرتبطة بالتراث أحيانًا كثيرة. على سبيل المثال قوة الصلاة والاستعداد للفصح او لقداس الأحد أمست أسسا ارتبطت بها نفس المصلي حتى يعسر عليك ان ترميها وتحافظ على سلامة توازن داخلي.

اهتزاز القواعد الموروثة من خبرة القديسين يعرض النفس الى خطر والى اعتبار الحياة الروحية غير متصلة بالجسد. هذا الجسد أساسي في تكويننا وفي حمله الروح التائبة. هذه الوحدة بينهما منعشة لكل منهما وتجعلهما في مسالمة تصل الى حد المصالحة.

#     #

#

اقتران الصوم بالصلاة ناتج من كون تفريغ الجسد من بعض طعام يستدعي ملء الكيان بالكلمة الإلهية لئلا نصل الى الفراغ الكامل. الروح ينادي الروح. بكلام آخر، الله اذا سكب نفسه فيك يخاطب ذاته وترتفع. غير ان ثمة جانبا عظيمًا في كل مواسم الصيام انك تصوم مع الاخوة. كلكم سائرون معا الى الفصح. كلكم تتنقون معا على مقدار النعمة التي تنسكب على الكنيسة، اذ ذاك تصبح الكنيسة كائنا فصحيا واحدا. شاهدا على انها تخلي ذاتها من ترابيتها لتصبح ضياء المسيح.

في حقيقة هذا الجهاد تسعى الكنيسة موحدة به ان تصبح عروس المسيح. الفصح، حقيقته لا العيد فقط. ان نخطب للسيد في عرس أبدي. هذا يتطلب ان نكون للآخرين إمساكا واستعطافا وافتقارا الى الله الذي يحبنا بوحدانيته. الله الأحد قادر وحده ان يجمعنا اليه وبعضنا الى بعض كي لا نتشرذم ونتماسك امام وجهه ونتدرج اليه فنتعلم الفقر اليه وانه هو الحاجة الوحيدة.

Continue reading
2011, جريدة النهار

الدينونة والصوم / السبت في 26 شباط 2011

كلمتان لا يبدو توا كيف نجمعهما. غدا في كنيستي يقرأ ما نسمّيه في تراثنا إنجيل الدينونة الوارد في متى وفيه يتحدث يسوع عن مجيئه الثاني في مجده ليدين الأمم كلها مع انه في انجيل آخر قال انه ما أتى ليدين العالم بل ليخلص به العالم. ويظهر من الفصل الذي نحن في صدده انه يفصل في اليوم الأخير بين أحبائه واولئك المعدين للعذاب الأبدي.

كل فكر الكتاب ان الدينونة في اليوم الآخر، في انقضاء الأزمنة. ما العلاقة بيننا وبين الرب قبل انتهاء الدهور؟ ما معنى انتهاء الدهور؟ لن أغوص على هذا الآن اذ ليس من انقطاع زمني بيننا وبين الألوهة. ليس من انقطاع بيننا قبل الموت. ونحن في مواجهة دائمة. لن أبحث اذًا في الأزمنة. زمان الرب حضوره. الله يفحصنا في كل حين ويفرق عن الذهب المعادن في البوتقة الذي يجعلها على نار تمحيصه.

هذه الرؤية الإلهية الخارجة عن الزمان تريدنا الكنيسة ان نكون فيها قبل ولوجنا نطاق الصوم المطل علينا بحب إلهي كبير والحب هذا يمحصنا ابتغاء النقاوة اذا قبلناها.

المواجهة مع الله استنطاق وحكم. والسؤال الوحيد على لسان الرب هو هذا: «ماذا فعلت بأخيك»؟ هل أحببته؟ هل قتلته؟ ألا يقول الله لك: هل اذا قتلت أخاك تكون قتلتني واذا أحببت أخاك تكون أحببتني.

يقول لك الرب: «اني جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني» الى ما هناك من أسئلة متشابهات. علاقتك بي علاقتك بالآخر. أنت لا تعطيني شيئا. انا معطيك. وأنت لا تؤذيني إذ لا يعنريني فساد ولا تنقص مني شيئا ان أهملتني. لا تسربلني حلة ضياء ولا تنشر علي ظلالك فأنا نور الى أبد الآبدين. لا تميتني وانا القيامة والحياة. انت ان أعطيت الآخر تعطيني به. انا في مخلوقاتي. كلي في مخلوقاتي.

يقول السيد لكل منا: لما انصرفت عنكم الى الآب تركت لك اخوتك الذين هم إخوتي. وجه كل واحد منكم صورتي. اذا اعتبرت هذه الصورة جميلة تراني انا جميلا واذا استقبحتها تكون قد استقبحتني.

#    #

#

لا تقدر ان ترجئ توبتك حتى ساعة موتك لأن التوبة لا تتحكم بها ساعتك ولا ييسرها لك أحد وليس فيها إنجاز. قد ينقض عليك الموت وانت سلمت نفسك للبشاعات الروحية الكثيرة والكثيفة.

واذا صرفت نظرك عن الموت وعشت لحظة بعد لحظة يدينك الله متى لقيك اي في كل حين وقد تبيد برؤيته وانت لا تستطيع ان تحجب عنه ذاتك لأنه فيك مهما فعلت وهو لا يحتاج الى عرش من ذهب يستوي عليه ليفحصك. لأنه يخشى عليك مصيرك يستبق الدينونة الأخيرة وتعذبك رؤيته ويحل فيك الخوف من عدم انعطافه ويخفي عنك قلبه وقلبه سره الكامل.

الله ديان في كل حين لأن وجهه في كل حين اليك ويريد المحاكمة مرة ومرتين ومرات حتى لا تغنج ولا تتكل على مرات قد لا تعود. هو لا يقبل اجتماع الذهب والمعادن غير الثمينة لأنه يريد الثمين الخالص. وهذا ما سماه هو الكمال وتلمسا للكمال خطوة خطوة رتبت الكنيسة الصيام موسما للتقشف وضبط الرغبات والانقطاع عن استلذاذ الدنيا طلبا للفرح الالهي.

وحتى لا يظن المؤمن انك قادر ان تنكب على الله دون انكبابك على الانسان جعلت محبتك للقريب مقياسا لطاعتك للرب فارتضى المسيح ان يتماهى مع الانسان تماهيا كليا فاذا أحببت هذا تكون أحببت ذاك ولا يفصل في كيانك اللاهوت المتنازل عن الناسوت المتصاعد ليتكامل في نفسك لاهوتك وناسوتك على صورة ما هو الحاصل في المسيح.

اختلاطك بالآخر دنوك من المسيح والآب في الروح القدس لتحل السماء على الأرض بحلول النعمة عليك ولا تقيم الهوة بينك وبين المخلوق الآخر لئلا تتيه. التماسا لهذا التلاقي بين الناسوت واللاهوت اسهر دائما على الانسان الآخر فيحس المسيح انك له.

#    #

#

الى هذا لا تقع في خطيئة الغفلة. لا يحاسبك الرب فقط على ما تقترف ولكنه يحاسبك على الغفلة، على الإهمال. ان لقيت جائعا فاطعمه لأنك تكون قد أطعمت المسيح. وان رأيته عريانا فاكسه اذ تكون قد كسوت المسيح وان لم تفعل تكون قد تركت المخلص عاريا.

إهمال الآخر يستفظعه الرب كاقتراف خطيئة. انتبه دائما الى أخيك ولا ترجئ الانتباه. قد يكون في حاجة اليك في الآن الحاضر وليس في الآن الآتي. هكذا الصوم. لا نصوم اليوم ونهمل صيامنا في الايام المقبلة. شيء من خلاصنا قائم على الاستمرار. ليس من انقطاع بين الصالحات. الدوام على الخير جانب من جوانب المحبة.

ادخل الصيام بإقبال وتجنح وهمة حتى لا تحسب بين الكسالى ولا تدان الهنيهة بعد الهنيهة. السماء، اذ ذاك، تهبط عليك حتى تعلنها القيامة مفتوحة.

Continue reading