Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2011, جريدة النهار, مقالات

أكرم أباك وأمّك / السبت 9 تمّوز 2011

أكرم أباك وأمّك لكي تطول أيّامك على الأرض التي يعطيك الربّ إلهك« (خروج 20: 13). هذه في الوصايا العشر التي أعطيت لموسى. يذكرها بولس في رسالته إلى أهل أفسس، ويقول إنّها أوّل وصيّة بوعد، ثمّ يؤكّد أنّ من يملكونها لهم خير ويكونون طوال الأعمار على الأرض (6: 2و3). في سفر الخروج الأرض هي أرض الميعاد، موضع البركات إذ لم تكن عند العبرانيّين آنذاك عقيدة القيامة وينتهي الإنسان هنا. غير أنّ بولس الرسول إذا ذكر الأرض لا يعني بها فلسطين، ولكن المكان الذي نعيش فيه.

في العهدين لا ذكر لمكافأة في الملكوت. هي تخصيص للإكرام الذي يليق حسب الكتاب بجميع الناس (1بطرس 2: 27). هذا لا يعني أنّي أضع إكرام الوالدين تحت السؤال، ولا سيّما العناية بهم إذا شاخوا. إلى أيّ جيل انتمينا هذه تربية لنا. هذا سلوك إلى الله. إنّ الطاعة واجبة إذا من تطيعه أمرك بمحبّة الله، وأمّا إذا أبوك حاد عنه فعليك واجب الافتراق عنه لئلاّ تكون عاصيًا لربّك.

في مطلع شبابي كنت أعترف عند كاهن صالح وبسيط معًا. كان يسألني: «هل تطيع أباك وأمّك» وأنا كنت أظنّ كلامه أقلّ من عاديّ، لأنّي كنت أرى أنّ كلّ شاب مهذّب سلس العلاقة مع والديه حتّى اللطف بهما.

من أساسيّات الوجود أن يشعر الإنسان بمحبوبيّته إذ يحيا بالآخرين. من أركان الأبوّة والأمومة أن يتلقّاها الوالدان من أولادهما، ليستمرّا في رعاية بانية متحرّرين من عشق السلطة ومتسلّحين بالبذل. ووجه من وجوه تلاقينا أن نتسابق في الإكرام كما يقول الكتاب عندنا، ليعرف كلّ منا أنّه مهمّ عند الآخرين وذلك في التواضع. وإكرامنا للوالدين يجعلهما مرتاحين إلى مسؤوليّتها وناميين في اكتشافها. وإذا كان القلب كلّ شيء تأتي مولوديّتك وإيلادك لذويك فيضًا دائمًا وإحياء وإذكاء للفضائل فهذه تتوطّد بالحبّ الذي تعطيه والحبّ الذي تتقبّله. وما من شكّ أنّ العاطفة تنتشر من البيت وقد بيّن كوستي بندلي هذا في أطروحته العظيمة، إذ أثبت أنّ إيمانك بالله متّصل بثقتك بذويك، وأنّ بغضك لله أو الإلحاد ناتج من بغضك لذويك. من هنا، تأكيد الله أن أكرم أباك وأمّك. يعطيانك النشأة وتلدهما أنت بنشأة لهما متقابلة فإذا بهما والداك وابناك فيما تدور الحياة.

ربّما ساعد هذا على انعاش يمدّ بالوجود على الأرض، على قاعدة أنّ المحبّة لا تسقط أبدًا كما يقول الرسول، وأنّها تاليًا تؤثّر فينا بيولوجيًّا، كما تؤثّر في الخلاص. السماويّات والأرضيّات متداخلتان بالرضاء الإلهيّ فينا إلى أن تقبض السماء الأرض.

#  #

#

هل ينتج من التسابق بالإكرام طول العمر؟ هل طول العمر بركة كما يقول العهد القديم؟ هل الشيوخ يدنون من الله بالضرورة أم يترسّخ بعضهم بخطاياهم؟ ليس عندي جواب قطعيّ فقد يقبض ربّك على شباب ممتازين حتّى درجة القداسة. لي صديق عاش في الجزيرة العربيّة يتوجّه دائمًا إليّ بقوله: يا طويل العمر وهي عبارة لا أتلقّاها بفرح مذهل، كما أنّي لا أرفضها بسبب من المحبّة التي تغلّفها، ولا سيّما أنّي قرأت عند المعرّي «تعب كلّها الحياة»، فلماذا الرغبة في الازدياد إلا إذا كنت طامعًا بالرحمة الإلهيّة. وجميل هذا الطمع إذا استحسنت قول المزامير: «خطايا شبابي وجهلي لا تذكر». المقول إنّ العمر يقدّم لك الهدوء. هذا هو المألوف ولكنّه ليس المؤكّد.

حسباني أنّ من تمنّى لك طول العمر متعلّق بما يظنّه حسنات فيك، وأنّه توّاق إلى الاستمتاع بها. ما يتمنّاه إذًا هو أن تمطر عليه أعطياتك، ألاّ تذهب أنت قبل أن يكتمل هو بك. ربّما لهذا ندعو للأسقف أن تكون سنوه عديدة. نخشى الخلف الضعيف ليتولّى مسؤوليّة هي غاية في الأهمّيّة. وربّما إذا التمسنا الشيخوخة للمقرّبين نخشى ألاّ يكتمل نضجنا بغيابهم ناسين أنّ لله طرائقه في إكمالنا.

«إنّ الشيخوخة المكرّمة ليست هي القديمة الأيّام ولا هي تقدذر بعدد السنين، ولكنّ شيب الإنسان هو الفطنة وسنّ الشيخوخة هي الحياة المنزّهة عن العيب… إنّه كان مرضيًّا لله فأحبّه وكان يعيش بين الخطأة فنقله». (الحكمة 4: 8-10). هناك اذًا شباب متلألئ بالنعمة. ليس للتعب الروحيّ علاقة بالسنّ. فكثيرًا ما كنّا في فتوّتنا أطهر من أيّام تلت الفتوّة. لذلك الذين يتفجّعون على فقدان أعزّة لهم في مطلع شبابهم يبكون على الفراق، وقد لا يرون أنّ هذا الفراق قد يكون سببًا لمتعة روحيّة كبيرة. «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». أي إذا متنا يستردّنا الله إليه ويذوقنا هو في أيّة سنّ كنّا. وإذا قرّبنا إليه متى استمتعنا خير من أن يستبقينا في هذه الأرض الفانية المفنيّة. قرباك يا ربّ وما دونها باطل.

سيواجه الغرب بعد سنوات معدودات مشكلة الشيخوخة الطاعنة، إذ ستظهر شريحة كبيرة من المواطنين ليس عندها إنتاج، وعلى الشريحة الأفتى أن تغذّيها وتحافظ عليها، ما يعني تقصيرًا ماليًّا في البلد لا تحمد عقباه. لا مواجهة حتّى الآن ممّا يعتبره أهل الغرب كارثة. غير أنّ ما يقف أمام هذا الرعب أنّ هؤلاء الطاعنين بالسنّ قد يقدّمون لمجتمعاتهم عطاء عقليًّا أو روحيًّا كبيرًا، ولا يسوغ إهمال مداواتهم حتّى يموتوا. إذ نكون دخلنا عمدًا في إفناء الجماهير.

كيف يأتي إذًا الحل الاقتصاديّ لهذه الظاهرة، هذه ستكون المسألة، ولا بدّ من الاستعداد لمواجهتها منذ الآن. «لكي تطول أيامك على الأرض»، لا تبقى نتيجة دعاء ولا نفع لهذا الدعاء إلاّ في تلك المجتمعات التي لا يطول فيها العمر، إذا اعتبرنا أنّ هذا الطول بركة.

دعاؤنا يجب أن ينحصر في ما نسمّيه نوعيّة الحياة لا امتدادها. كيف تعلو القيم في كلّ الأجيال؟ ما برامجنا للشباب والأطفال؟ ما اهتمامنا بالمرضى، بالمعوزين؟ أين نحن من الفكر العالميّ؟ على أيّ فكر نبني لبنان؟ ما قضايا الصحّة؟ أين السياسيّون من الأخلاق؟ كيف نكافح التشنّج الطائفيّ، أي كيف ننقل أبناءنا إلى المواطنيّة اللبنانيّة الواحدة؟ ماذا نعمل لنجعل لبنان قادرًا على العيش من دون أن يخضع للخارج؟ كيف نبني الدولة الحديثة؟ كيف نساهم في العلوم وكلّ مكوّنات الحضارة مع مشاركتنا الحياة العربيّة والثقافة العربيّة؟ هذه أسئلة يجب أن تقودنا إلى نوعيّة حياة متجدّدة.

# #

#

أمام هذا المنظور، لا يهمّ طول العمر أو قصر العمر، ولكن هذا يعني أنّ من طالت أعمارهم نعمل ليكونوا شباب الروح وعظماء فكر، هذا الذي تحييه قلوب طاهرة. كيف تكون الحياة السياسيّة طاهرة ما أمكن، ولا تكون ملعبًا للأغراض الشخصيّة أو الفئويّة؟ ربّما تقدّسنا ببعض الشيوخ التائبين، الأحرار من الاهتراء، الذي هو طابع وجود الكثيرين. أجل نحيا على هذه الأرض اللبنانيّة التي وهبنا الله بكرمه وعطفه، وتكون مكان ارتباطنا بالمقدّسات ومكان تحفزّنا للمستقبل الراقي. لن نكون كمن ينتظر الموت بل نصبح مبدعين للحياة في كلّ أبعادها وعمقها.

لا غرابة في ما صبا إليه دوستويفسكي العظيم وهو أن تصبح الدولة كنيسة، أو في لغتنا اصطفاف أطهار وعالمين. هل أفقنا أن نصير وطن الله إذا ربّينا على الأجيال ان تنضم إليه أو تجيء منه لتعمير الأرض؟ ألا تبدأ السماء هنا فيتبدّد الفرق لا بين الطوائف، ولكن بين من يتوق إلى الروح المطهّرة أو إلى الروح الدنسة؟ عندئذ لا نكتفي بإكرام الوالدين ومن إليهم ولكن بإكرام الانسان الجليل والعارف.

هذا ليس بالمستحيل إذا نحن آمنّا بأنّ تغيير الأوضاع الفاسدة بين أيدينا إذ تكون صارت يد الله عندئذ.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

العنف المنزليّ / السبت في 2 تمّوز 2011

يبدو أنّنا أمام سجال سيترسّخ بين علماء مسلمين أو «دعاة» والدولة حول مسألة العنف المنزليّ، وهو وجه من وجوه العنف. يرى هؤلاء الأخوة أنّ المشروع المقدّم يتنافى والشريعة الإسلاميّة ويستندون بذا إلى طاعة المرأة للرجل. هذا هو القليل الذي قرأته في الصحف، وعند غياب النصّ الكامل الرافض لا تستطيع أن تتّخذ موقفًا، ولا سيّما إذا كنت غير مسلم. غير أنّي أتوقّع انقسامًا في البلد كبيرًا لا يفصل الطوائف وحسب، ولكنّه يفصل شرائح من الدين الواحد.

ما من شكّ في أنّ العنف لا يمارسه إلاّ صاحب القوّة. هذا يؤكّد ذاته بالوسائل التي بين يديه، بعضلاته مثلا. إزاء الشدّة يتحدّث المجتمع الحديث عن الحوار. ولكنّ الحوار ليس دائمًا مقابلة الندّ للندّ إلاّ ظاهريًّا لأنّ القويّ كثيرًا ما يبدي لطفًا ليفرض نفسه. العنف على درجاته متأصّل في الطبيعة، ولكن يجب أن يقلبه العدل والمساواة التي يريدها الله جامعة بيننا.

والعنف يشدّده القانون أو البنية الاجتماعيّة التي يفيد منها الإنسان القويّ ويختبئ وراءها. عنف الزوج مغلّف بالكلام الإلهيّ، في هذا الدين أو ذاك، حتّى يكتشف المرء عمق التساوي في الكرامة، ويختبر أنّ التراحم أقوى من القوّة البدنيّة أو القوّة بمداها القانونيّ. هنا أيضًا نعود الى الأنا. هل أنا الشرطيّ مثلاً على ما هي عليه من الظهور من الله أم أنّه قادر على التوحّش محتميًا بسلطة القانون، ويطبّقه عمليًّا ضدّ مواطن خالف بتفسير هذا الشرطيّ لتعابير القانون؟ صاحب السلطة إغراؤه أنّها له وحقيقتها أنّه تسلّمها لينفّذ سلطان الله أو قل سلطان الحقّ.

إذا عدنا إلى العائلة، تقول المسيحيّة بخضوع المرأة للرجل، ولكنّها تخفّف من حدّتها بقولها إنّ الزوج ينبغي أن يحبّ امرأته كما أحبّ المسيح الكنيسة، أي حتّى الموت. ولكنّي قلّما وجدت رجلاً يقرأ هذا الجزء من النصّ الإلهيّ، ويكتفي بطلب الطاعة من امرأته. طبعًا النصوص يقرأها البشر وإن لم يحبّوا كثيرًا يبترونها لمصالحهم.

ماذا في الإسلام؟ أوضح ما في الأمر الآية 34 من سورة النساء: «والتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ». طرحت سؤال الضرب على الشيخ صبحي الصالح رحمه الله. المشكلة أن ليس عندي بعد وفاته شاهد. قال إنّ الضرب ينبغي ألاّ يكون مبرحًا، ويؤيّد هذا الرأي تفسير الجلالين. ما يعني أنّ هذا ضرب من ضروب التنبيه، لا عنفًا حقيقيًّا. أمّا السيّد محمد حسين الطباطبائيّ فيمرّ مرور الكرام على الضرب، ويعتبره وسيلة من الزجر أي ليس عندنا في سورة النساء ما يسوغ فهمه على أنّه عنف. وما أفهمه أنا تلطيفًا للضرب قول القرآن: «أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ» (البقرة، 187). في اللغة الفلسفيّة هذا تماثل أي تقابل بالمحبّة ما يلغي الضرب المبرح إلغاء مطلقًا.

#   #

#

لست أرى في التنزيل القرآنيّ ما يبرّر العنف المنزليّ على الإطلاق. كيف نتعامل وآيات الرحمة، وهي في العشرات، حتّى ساغ القول إنّ الإسلام دين الرحمة. هي واجبة في كلّ مكان، وليست ملزمة في المنزل وحده. السؤال الكبير هو ما منزلة الإحساس العصريّ في ما قاله الله. كيف نواجه الحضارة الحاليّة في ما هو ضدّ العنف؟ هل هي في إنجازها السلام في كلّ مكان كافرة؟ هل من تفسير في الزمن وفي كلّ حقب الزمن؟ هل التحسس الحاليّ لسلامة المنزل لا يرضي الله؟

هل سينقسم البلد حقًّا؟ هذه المرّة لن يتنازع الناس طائفيًّا. ستظهر في تصورّي الفئة التي ترى أنّ القانون الوضعيّ ضدّ الشريعة الإسلاميّة، وطائفة لبنانيّة أخرى فيها كلّ المسيحيّين والمسلمون الليبراليّون المتمسّكون بإيمانهم، ولكنّهم لا يأبهون لما يحسب أنّهم يتجاوزون العقيدة، لو قالوا بأنّهم ضدّ العنف المنزليّ، وهم أقرب إلى القول بتساوي الزوج والزوجة في إدارة شؤونهما العائليّة. هناك التقليد وهناك الحداثة أو التجديد في الفكر الإسلاميّ القريب من الحضارة المعاصرة. ولهذا الفكر المجدّد أصول في الإسلام في سورية ولبنان ومصر وتونس وغيرها.

إنّ مسيرة المرأة إلى المساواة بالرجل ظاهرة كبيرة في الإسلام الحديث ولن تقف وهي رافعة لواء إسلام أمين لنفسه، ولكنّه متطوّر بتطوّر الحضارة التي تلفّ العالم اليوم. في ظلّ هذه الحضارة لا يفهم أحد عنف الرجل ولا عنف المرأة. العنف المنزليّ ضدّهما كليهما. لقد سبق لي أن اطّلعت على قسوة المرأة على زوجها وعلى تصرّف شرس من قبلها. والفكرة من قانون يحمي السلامة موجّهة ضدّ اضطهاد أيّ من الفريقين للآخر. الطاعة للرجل التي يقول بها التعليم الدينيّ، لا تتضمّن حقًّا له بتأديبها، وإنّه لا يستطيع أن يكون طرفًا وحكمًا بآن. هذا طبعًا ينافي التراحم. لا أحد منهما يضمّ من جهة واحدة الآخر إليه. الانضمام غير الضمّ. إنّه حركة ثنائيّة ومحبّة متبادلة والمرأة لا تتلقّى العاطفة تلقّيًا من قبل قرينها. إنّها تعطيها أيضًا وتنتظر الاستجابة من قبل رفيقها في الوجود حتّى يصيرا كلاهما كيانًا واحدًا.

لا يزول الواحد بالآخر، ولكنّهما يتكوّنان معًا في وحدة العائلة، ولا ينمو الأولاد إلاّ إذا رأوا والديهما يسلكان في احترام كامل احدهما للآخر، فتقوى مودّة البنين والبنات لوالديهم معًا، إذ يرون التكامل بينهما. أنت ترحّب بقوّة زوجتك وذكائها وتكمّله بذكائك. ليس في هذا ذوبان. هذه مواجهة وهي تعني، في اللغة، أن يكون الوجه إلى الوجه أي الكيان الداخليّ إلى الكيان الداخليّ.

#   #

#

حلمي أن يفهم صاحب العضلات الأقوى وصاحب الجني أنّ الآخر قد يكون أعظم منه روحيًّا وثقافة، وأنّه كما يعطي يأخذ.

هذا يقودني إلى القول إنّه ليس بيننا عيش واحد إذا بقينا منقسمين بين أهل التقليد وأهل التجديد. أجل، أعلم أنّ كلّ المجتمعات منقسمة على هذا الصعيد، ولكن إذا بقينا على الانفصال بين أهل النصّ واهل الروح، يظلّ البلد ينتظر نهضته طويلاً. ولكن ما يفرحني أنّ الخلاف بيننا ليس الخلاف بين المسيحيّين والمسلمين، ولكن بين المتشدّدين وأهل التطوّر والنموّ والاستقبال، والفريقان في كلّ ديانة من الديانتين. سيتكوّن ولكن ببطء مجتمع مدنيّ حقيقة ومجتمع قديم، عتيق حتّى ينتصر المجتمع السائر إلى الحقائق الآتية غدًا أو بعد غد. الحقيقة البشريّة المنقذة فيها روحيّات ما في ذلك ريب، ولكن فيها أيضًا وقائع معاشيّة تدفع عن الإنسان الجمود والوهم.

على ضوء تجديد الإنسان من عمقه يجب النظر إلى موضوع العنف المنزليّ وغير المنزليّ. إن لم تأت وحدة ما قائمة على الفهم، نبقى في المسايرة والهدوء الكاذب القائم على المجاملات. بلا عمق قائم على التراث وإحياء كلّ الوجود القائم على الحقّ والمحبّة وعدم الخوف والاطمئنان إلى إمكانيّة الآخر على التقدّم ليس لنا من حياة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الجنون اللبناني / السبت 25 حزيران 2011

هناك لكل شعب قراءة بمعنى انك يمكن ان تتكلم على طبائع الشعوب او أقله مناطقها. فما من شك ان الأمم العائشة في شمالي اوربا اكثر هدوءا من ساكني الجنوب. ربما عاد بعض من هذا الى عوامل مناخية ولكن شيئا منه يؤول الى حوادث التاريخ التي ضغطت ضغطا شديدا.

وفق هذه النظرية تأملت في الأحوال النفسية والعقلية للبنانيين. وجدت – ما في ذلك ريب- ان التعلق الشديد بالمال -وهذا ليس حكرا علينا- يعود الى المجاعة التي افتعلها عندنا عمدا جمال باشا السفاح في الحرب العالمية الأولى والتي أباد فيها ثلث الشعب اللبناني. مخافة الجوع توَرث ولا يبيد هذا الخوف بحبوحة جديدة لأن ذكرى الجوع تبقى طويلا في العقل الباطن فاعلة بعد زوال السبب. ان تأكل كثيرا لا يشفيك. الحياة الروحية في عمقها هي وحدها الدواء.

الى هذا يلازمك التعصب الذي لا ينطلق من سبب واحد في الشرائح الدينية. بالتأكيد هناك أسباب مجتمعية. اذا اخذنا المسيحيين وحدهم مثلا فما كان تعصبا ارثوذكسيا- وهو الى الاختفاء او الى الاضمحلال اليوم- ضد الموارنة يفسره المؤرخ كمال الصليبي على انه صراع بين اهل المدن واهل الريف وهو لا يرى الأسباب اللاهوتية. لماذا نرى مثلا التعصب الماروني ينشأ مع مجيء الآباء اليسوعيين ولم يكن له أثر قبلا. تربية اليسوعيين قائمة على كراهية البروتستنتيين في اوربا وهذا في تأسيس جمعيتهم فلما جاؤوا الى بلادنا اعتبروا الأرثوذكسية ظاهرة تشبه الانجيليين. هذا التماهي في عقولهم بين الارثوذكسية والهرطقة صار بغضا اجتماعيا.

لست أريد ان أحلل اوضاع كل الشرائح الدينية ولكن يتربى القوم على كلمات رهيبة قد لا تكون مخيفة لغويا ولكن استعمالها خلق جوا من العداء راسخا في النفوس. ان استعمال ألفاظ مشتقة من كلمة كفر وكافر بلا فهم ولا وضوح يفسر وحده القهر الذي تلقاه المسيحيون في عصر المماليك المظلم وبقي ما بعد ذهابهم عنا اجيالا واجيالا وكل تكفير جنون بالمعنى الفني لأن الجنون ان تجعل الآخرين خارج دنيا، ان تبني دنيا اخرى وترسخ نفسك فيها. التعصب الديني اختراع للغة ليست من الوجود الحقيقي تميت نفسك فيها وتميت الآخرين. الشفاء من الجنون يكون بضرب لغته والغائها لأن استمرار اللغة إبادة الحياة.

التعصب الطائفي في الممارسة يختلف عن التعصب الديني وان كان متأصلا فيه. قد لا تعرف شيئا عن المسيحية مثلا ولا تكرهها ولكنك لأسباب سياسية او غيرها تكره المسيحيين وقد تخشى قوة المسلمين ولا تعرف الا القليل من الاسلام. هذه اجتماعيات من اصل ديني ولكنها جنون بمعنى انك تخلق مجتمعا الكثير منه من خيالك او جهلك او ضعف تحليلك اي هو شيء آخر عن الراهن. هو جو اردت ان تعيش فيه وتستلذه ويقتلك كما ان المجنون اخترع جوا لا علاقة له بالوجود وهو يقتله.

#  #

#

لا بد هنا ان أقول كلمة عن الجنون نفسه. مرة اجتمعت الى طبيب من أبرز أطباء الأمراض العقلية فقال لي: هذا البلد عنده أعلى نسبة من الجنون في العالم. سألته كيف؟ قال لي: كل بلاد العالم فيها مستوصفات للأمراض العقلية حيث يراقب الذي خرج من المصح كل فترة محددة خوفا من نكسة. الناس العاديون مثلي لا يستطيعون دائما ان يميزوا المجنون من العاقل.

اذا كانت عندنا هذه النسبة الكبيرة من الممسونين يمكنك ان تفترض حسب الأصول المتبعة ان من تعامل هو اصلا عاقل واستثنائيا مجنون. قد يكون العكس هو الصحيح. لذلك يحق لك ان تظن انك معرض للأذى انى توجهت. ولكن ان آثرنا رجاء العقل ايحاء لأنفسنا بالاطمئنان فلا مهرب من التحفظ بالكلام والتعامل حماية لأنفسنا من انتشار العصفورية في الطريق.

من آثار الخلل العقلي او النفسي في بلدنا اني لا أعرف مستوى من الغضب كهذا الذي اجده عند الكثيرين بحيث ان الهدوء او السلام الداخلي ليس القاعدة عندنا وان الصراخ كثيرا ما أحاط بنا فبتنا لا نعرف النقاش على قواعده فنخلط المقولات العقلية النازلة على اللسان بالانفعال ونحسب ان الاختلاف في المواقف عداء للشخص الآخر. الأنا المجروحة تلقى الأنا الأخرى المجروحة ويتأجج في كل من المتكلمين الجفاء فاما ان ندوس الآخر في شخصه او ان نداس ايا كان مضمون المناقشة وان كانت عقلية بحتة فنتلقاها كسباب وشتيمة فما من جدل يبقى الا موتا أدبيا لأحد الطرفين. الجدال عندنا سحق لأن المبدأ ان يبقى أحدنا حيا وان يتلاشى الآخر حتى الفناء. مملكة الموت هي مملكة الجنون.

المتأصل في الجنون من اعتبر ان كل العقلاء مجانين لأنهم خارجون عن العالم الذي اصطنعه لنفسه وهو عنده العالم الحقيقي. على مستوى أدنى من الجنون المطبق الانسان الغضوب الذي لوهلة صنع عالما لنفسه يزعجه ان من كان أمامه هادئ لإحساسه بأن الانسان الهادئ ينتمي الى عالم آخر. وكثيرا ما ينزعج الغضوب من الإنسان الهادئ لأن هذا ينتمي الى عالم السلام وذاك في فترة من الزمن يرفض ان يقيم في عالم السلام. على درجة أدنى من المرض العقلي. الغضوب اخرج نفسه من السكينة اذ يريدك ان تنضم الى عالمه بالصراخ ليثبت صحة الدنيا التي أوجدها لنفسه وحبس ذاته فيها. الغضوب ساكن في الخطيئة والمجنون بات غير قادر عليها. انه أمسى في عالم البراءة الى ان يعود الي إمكانية المعصية اذا استعاد عقله.

#  #

#

في ترجمة جديدة للعهد الجديد: «سمعتم انه قيل لآبائكم: لا تقتل، فمن يقتل يستوجب حكم القاضي. اما انا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القاضي (اي انه بمثابة القاتل) ومن قال لأخيه يا جاهل استوجب حكم المجلس، ومن قال له يا أحمق استوجب نار جهنم» (متى 5: 21 و22).

الفلسفة المبني عليها كلام السيد هذا هي ان الآخر موجود وانك تتلقاه لتنوجد وليس من لقاء بينكما اذا انفعل واحد منكما لأنه يكون قد خرج عن عالم السكون الذي يجعل الاثنين واحدا بالمحبة. يحتمل السكون ان يكون الآخر مختلفا عنك وتلتقيان بشركة القلوب . اذا كنت تؤمن بـِ«يا عبد كل شيء قلب» تكون الحقيقة في تلاحم القلوب اذ تسطع الحقيقة بهذا التناضح قبل ان يتم التفاهم. الحقيقة تصلان اليها معا ولا تهمك فرديتك المنعزلة ولكن يهمك النور. الغاضب يسعى الى ان يفرض أناه على أناك. القائم في السكون قادر على ان يزرع فيك السكينة ويشفيك. عندئذ فقط يستقيم العقل.

من الجنون عندنا السواقة التي اذا لم تستقم تبقى معرضا لجنون ينشأ فيك او جنون السائق الآخر. نموت مجانيا في هذا البلد الى ان نخضع جميعا للقانون الذي هو من نطاق العقل. لا نحب العقل في لبنان. متى يهبنا الله نعمة التعقل نرسي عليه بلدنا؟

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الحكم / السبت 18 حزيران 2011

لم ترد كلمة دولة في القرآن الا في الآية السابعة من سورة الحشر بمعنى التداول وليس مدلولها تاليا ما في اللفظة الحديثة من مدلول اي لا تحمل مدلولا سياسيا. حاولت ان أفهم كلمة حكم في القرآن فلم أجد لها مضمونا سياسيا. هذه المفردة معطوفة على لفظة الكتاب ومعطوفة عليها كلمة نبوءة في سورة النساء. العبارة هي حكم الله في سورة المائدة والانعام ويوسف وسور اخرى. لا يسعنا اذًا ان نفتش عن مقولة الدولة في المصدر الأساسي والاول في الإسلام.

في العهد الجديد كلمة واحدة عن قيصر ولا تحمل تنظيرا سياسيا انما هي ذكر لواقع. حتى عند بولس ليس الا من إشارة الى وجود دولة في رسالته الى أهل رومية. في كل الديانات التوحيدية ليس من حديث اطلاقا على شكل الدولة او تركيبها النظري وعلاقة سلطاتها. المعلم الأوضح والأعظم في هذا النطاق مونتسكيو والفكر الذي أحاط بالثورة الفرنسية. الفكرة المدنية كما شرعتها الديموقراطيات ملزمة ايانا لكون فكرة الدولة الدينية ايا كان الدين امرا عقليا، بشريا، تاريخيا لا علاقة له بالله من اي جانب.

هناك وقائع من نظام القبيلة الي الملكية والجمهوريات. سعينا ان نغهم على ما اجمعت عليه الأمم المتحضرة. فرأينا الحكم نظاما يتفق عليه الشعب حسب أسس باتت مقبولة.

هذه الشعوب لا تقبل، جملة، الثيوقراطية، اي الحكم الإلهي الذي رأينا ان الله لم يتكلّم عليه اذ الخطر الكبير تأويل بعض من النصوص الدينية التأسيسيّة وخلط الوحي بما هو بشري محض. فلا بد من اعتبار ان تبدل الأحكام بتبدل الأزمان. والعقول ترى اشياء جديدة لم تنزل في كتاب وترى التكنولوجيا التي لا تستطيع انت التماس وجودها قبل ان توجد ولكن يبقى العدل والمساواة امام القانون والحرية اي حريتك في ما تعتبره حقيقة وفي ما تعتبره شرائح اخرى حقيقة فمن كان مثلا كافرا لديك له في ذلك حق اي له في هذا سياسة والتزام. «ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف، ٢٩). وهذا يعني له في هذه العجالة ليس امرا خاصا وحسب ولكن امر جماعي يحتم تعايش المؤمنين والكفرة في دولة واحدة.

على هذا الأساس التعايش عند اهل الله واهل البعد عنه تركب الدولة التي تجعل الناس جميعا يطمئنون الى حرياتهم وسبل عيشهم ومشاركتهم في بنيان الحكم بما اوتوا من عقل.

#  #

#

وهذا يستلزم فصل السلطات الثلاث الإجرائية والتشريعية والقضائية تأمينا لمساواة المواطنين ايا كان اختلافهم والأمر الذي لا يسوغ الخلاف عليه هو حب الوطن وخدمته في الإخلاص والنزاهة والعطاء له.

هنا يبطل الفرق بين الحاكم والمواطن العادي لأن الحاكم مسؤول حسب دستور او أعراف امام المواطن الذي له البلد. الحاكم في حقيقته موظف عند من سمي المحكوم الذي يغيره في النظام الانتخابي الذي يضعه الشعب في مجلس النواب ويتغير في الدولة الحديثة لأن الدولة في العربية من دال، يدول اي يتغيّر المسؤولون فيها بالضرورة حسب درايتهم وفهمهم وكفاءتهم واخلاقهم لكي يتسنى لكل الناس المشاركة. ويبقى الشعب مراقبا للحاكم الموضوع لخدمته.

اجل ليس من نظام تتأمن فيه طهارة الحكم. هكذا المقامات كلها في دنياكم. فالوالد ليس دائما والدا صالحا ولكنك تعامله من حيث انه والد اي أقله بالاحترام. والموكل بشأن الجماعة الدينية كما في المسيحية فليس ما يدل على انه اعظم الناس ايمانا ولكنك تعامله على الأقل بالاحترام وهو في القانون الكنسي خاضع للمحاكمة امام المرجع الصالح.

في الدولة المدنية يحاكم رئيس البلاد في الخيانة العظمى وكل موظفيها وفيها تأديب قبل اجراء انتخابات جديدة الا اذا اصيب المسؤول بطبائع الاستبداد كما يقول الكواكبي.

الى هذا هناك صبر على الخطايا ومواجهات سلمية بالتعابير السياسية المختلفة. ولكني لست أوافق القديس توما الاكويني الذي أحل في حالات الظلم القصوى قتل الملك. الدم يجر الدم ودم الظالم مسؤوليتي امام الله. وانتظر ما دام ذلك ممكنا. واحترم عند ضرورة الاحتدام وأشتد اذا دعت الحاجة الى اشتداد. خارج احترام الحياة ليس من مقدس والله وحده صاحب الحياة والموت. الذي يستقبل البشر يوم القيامة وحده يدين.

#  #

#

آن لهذا البلد ان يقول لحاكميه ان يحبوا لبنان كما الله أحبه وكما يحبه أولو الله. الوطن ليس ملك واحد ليبيده. لا السيد ولا المسود أقامه الله للاستمتاع بمقدرات البلد.

«انتم تعلمون ان الذين يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وان عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكن هذا فيكم. بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما ومن اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدًا» (مرقس 10: 42-44).

هذه الروحية تحل المشاكل. لا يدار بلد بلا روح. الوطن لا تسوده فقط النصوص الموضوعة. القلب اهم من كل ترتيب وتنظيم. لبنان ينقصه روح وقوانينه من أجمل القوانين. والقضاة الذين كنت أتابعهم في مطلع شبابي من أهم القضاة علمًا وأخلاقًا. ويمكن الرجوع الى نوعيتهم. ولكن من يعطينا نفحات روحية اليوم نجدّد فيها قلوبنا فينبعث البلد.

الكيد وتحزب الشرائح والأفراد وربما اشتهاء المال والسلطة هي ليست اقل من كراهية البلد وايثار المنافع الشخصية. هي بيع البلد للشيطان وإعدامه في الفكر والسلوك. كبار في البلد وضعونا في اللاشيء. تدخل قوى خارجة عن لبنان في قضايانا لا يمنح احدا عذرا ليستقيم. لم ينزل من عند ربك سوى الحق. والحق وحده يجب ان يحكم الحاكم والمحكوم.

هذا البلد ممكن الوجود وممكن البقاء اذا شاء من يجب ان يشاء ومن ابى يستقيل او يغادر لأن اولادنا يريدون ان يعيشوا وان يفخروا ببلدهم ولكن لا بد له من وضع معقول لكي يعطي ويعطى. في هذا المعطى له ان يستلم الحق ويورثه اي ان يجعل الله حاكمه فيدخل في إدارة سليمة وبذل دائم. متى نعود الى ان نصير نموذجا للإخوة العرب لنتمكّن من خدمة الرب في سبيل الانسانية جمعاء. هذا سيتم ان قبلنا ان يكون فينا الحكم لله.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأنـا / السبت في 11 حزيران 2011

اضطررت ان أضيف ال التعريف على انا. هذا سمح لي بأن اقتل التركز على الذات والاكتفاء بها. الالتصاق الكامل بالذات هو الموت بالذات. اذ الموت هو الانقطاع الكامل عن الآخرين.

وعى باسكال العظيم خطر عشق الذات لنفسها فقال : “le moi est haïssable” اي ان الأنا مقيت. هذه ذروة حب السلطة ولكنها أضخم لأن تعلقك بالسلطة بمقدار معقول يترك وجودا ولو قليلا للآخرين. في الخطيئة التي ندرسها اليوم الإقصائية بمعناها الكامل. هي إلغاء في التعامل بالحد الأدنى ولكنها في العقل الكامل ادراكه والقلب المهترئ التابع له. هي نفي الآخر من وجودك كله وإماتة له غير منفذة جسديا.

لماذا هجومي القاسي على الأنا؟ لأن تحديدنا الفلسفي او اللاهوتي للانسان انه مخلوق على التواصل وان ليس كل مركزه فيه. ليس هو قطبا واحدا. الوجود ليس تراكم أفراد منفصلين لكل منهم ذاتية مغلقة. انهم ما نسميهم في الفلسفة الوجودية المؤمنة أشخاص. والشخص على ذاتيته نحدده بأنه منفتح اي قابل الآخر ليكون محررا من الانغلاق وموجودا لتكوين شخصيته مع الآخر. انا مسكوب فيك بالحب وانت مسكوب فيّ وليس مع ذلك ذوبان. هناك اتحاد بلا تراكم ولا التصاق. يبقى لك وجودك الداخلي ولي وجودي الداخلي.

وكل من الوجودين لغة بحيث لا اجترك ولا تجترني فعلى قدر الاجترار تذوب الشخصية في حيويتها وفرادتها وبهائها وهذه كلها يجب ان تقوى ليتقوى الآخر ويحمل نفسه ويحملني بآن في سر وحدة قائمة على اثنينية متشددة بالوحدة.

انا انسكب فيك حتى النهاية وتنسكب انت في حتى النهاية وبسبب من هذا الكمال في الانسكاب يتوطد كل واحد في اناه الشريفة الحلوة التي لا تصل الى العجرفة والغطرسة ومحو الآخر. اجل التواضع في الامحاء ولكن هذا الامحاء يجد صاحبه نفسه فيه ويوجد الآخر في نفسه فيأتي اكتمال كل واحد بالعطاء. كيف تمحى وتوجد، هذا هو سر التلاقي بالمحبة التي وحدها تؤكد الشخصية.

ما لم يقم هذا التلاقي الحواري وجدانيا وفي العمل اليومي يبقى كل منا سجين نفسه كما اهل الجحيم في لاهوت آبائنا الذين قالوا ان الذين في النار ظهر الواحد الى الآخر اي لا يرى وجهه.

هذا يترجم بشريا الثالوث المسيحي على أساس ما قال المسيح: «انا في الآب والآب فيّ». الآب يبقى الآب بأبوته، التي أعطت الابن ابنيته. والابن يبقى في محبوبيته بسبب ما يأخذ من الآب والوحدة بينهما المحبة. وحده الله ليس انه واحدا تتنافى فيه الاثنينية او الثلاثية. ليس الله واحدا بالعدد. «من عدّه فقد حدّه» (الإمام علي). الله وحيد. »الله محبة« (1يوحنا 4: 8). والمحبة ليست صفة له. هي اسمه اي هي كيانه بالذات. ومن قال ان الله ثلاثة أقانيم فهو لا يعدّها اي لا يدخل عليها الحساب. الله منزه عن ان يكون معدودا. اما الانسان فيمكن اعتباره واحدا عددا ولكنه ليس واحدا مغلقا. انه واحد بالمحبة التي يحب الآخرين بها والمحبة التي يحبونه بها. واذا لم يعرف الفرد هذا يكون عاشقا لأناه اي مغلقا ابواب قلبه كلها ومتحجرا في رؤية نفسه اي انه أراد ذاته صنما لنفسه وللآخرين. حبه لأناه عبادة منه لنفسه والتماس عبودية الآخرين له اي انه يدعوهم الى جعل ذواتهم اصناما وتاليا هم جميعا على العبودية.

ان مجرد جمع البشر في عائلة او مدينة او بلد او مدرسة او جامعة او معمل لا ينشئ بشرا متداخلة قلوبهم ولا يؤلفون مجتمعا موحدا الا بالقهر والقسر. هذا مجتمع سياسي قائم على القوة والتناصر المفروض من فوق. اما الحقيقة الانسانية فليست بالتجمعات ولكن بتلاقي القلوب. طبعا هناك ضوابط وقوانين لا بد منها لترتيب المجتمعات وتنسيق الأعمال المختلفة ولكن هذه روابط مجتمعية يقل بها الخلل.

المجتمع القائم سياسيا يرفع عنك الأذى في الحد الأدنى من مراقبة الدولة واجهزتها وهو موجه للانتاج الفكري والاقتصادي وعند النخبة المثقفة تتماس العقول وتقترب من نموذج المقابلة الوجدانية بين الأنا والأنا الأخرى المتفتحتين احداهما على الأخرى لأن كل انا تطلب الحقيقة من حيث المبدأ. اذا كنت في الحقيقة مبدعًا تتوخى الجمال والخير ولا تحسد المبدعين الاخرين. غير ان الخطيئة تتسرب احيانا الى النخب العقلية والفنية فتضعف الوجدانيات عندها.

#   #

#

لا تنكسر الأنا المغلقة الا بالزهد. عشق المال هنا الطامة الكبرى لان المال اذا احببته يجمدك او يحجرك وتضعف العاطفة فيك وتكون انت قد اغلقت اناك. فقط العطاء يفتحها ويدخلها في دائرة الـ »نحن«. من تطوع لشيء من الفقر يقيم الآخر امام عينيه كيانا حبيبا. بعض من أشيائك يجب ان يزول حتى تستقبل الاخر بالكرم. اهمية الكرم انك تحس فيه ببعض من الحرمان وهذا يعني شعورك بان الآخر يكملك.

المال الذي تستحوذ عليه وتتمسك به حاجز دون رؤية الفقراء الذين سماهم يسوع اخوته الصغار. ارمِ اذا عنك كل ما يحجب عنك هذه الرؤية وانت عليم ان المال اداة لبسط سلطتك. المتسلط في تصوره انه وحده في الوجود وان الكثيرين يستمدون وجودهم منه. هذا هو صاحب الأنا المنغلقة بامتياز. هنا تأتي صورة الحاكم المستبد الذي همه البقاء على سدة الحكم أعاش الناس ام ماتوا.

الاستبداد ان يوهم الحاكم نفسه انه بهذا هو فعال. في الحقيقة انه عابد لنفسه فيمكن عند هذا ان ينجح البلد نجاحا في مجالات ولكنه ساقط في مجال الفكر. واذا سيطر الخوف من الحكم يخاف المواطنون بعضهم بعضا اذ يشكون بانتساب الآخرين الى نظام الاستبداد.

يمكن للدولة نظريا ان تساعد الانسان على ان يصبح ينبوع حياة روحية. لها ان تكون مؤنسنة بحيث يشعر الشخص ان الدولة ليست اداة قهر وانها سند الفقراء. السياسة يجب ان تكون قاهرة للقهر والظلم وداعمة للعدل.

المسعى ان نحول المجتمع المدني الى مجتمع قلوب تحس بعضها ببعض و،يتقبل بعضها بعضا باخلاص وثقة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

القائد / السبت 4 حزيران 2011

تولد قائدا ولو كنت دون العشرة من عمرك او لا تولد. تعرف انك تحمل قضية اي قدرة على التغيير والتغيير يأتي من رؤية ما يجب ان يكون اذ الكائن لا يروقك. همك ان تخلق شيئا جديدا، عالما جديدا. والمادة التي بين يديك ناس بعضهم مستنير ولكن لا يحمل القضية على عاتقه او تكون كامنة فيه وتحتاج الى من يحركها.

تحس انت انك مفوض لتحريكها من فهمك ومن ربك. تعرف انك مسؤول لأن ما تشعر به رسالة عليك ان تؤديها لأنك بت لا تطيق العالم الذي تراه وتسعى الى عالم جديد انت تؤمن انه سيتحقق بك وبالذين انضموا اليك. ستنشئ اذًا حاملين للقضية لن يصبحوا لك بالضرورة تابعين ولكنهم معتقدون لهذا الذي تؤمن انت به فتراهم نواة لهذا العالم الجديد الذي «أُنزل» عليك من حيث لا تعلم وتلمس انك غير مستقر على حال حتى تظهر تباشير الجدة في رفقائك لتطلع الحياة فياضة من إخلاصكم والمعرفة.

غير ان الرسالة الجديدة جلاؤها ذو شروط ولعل اهم شرط فيها الزهد بالأنا والتنزّه الكامل عن إغراء الزعامة فإن الزعامة شهوة وصاحب الشهوات تقوده شهواته ولا يقودها الحق. لذلك لا يمكن ان يصبح الأغنياء قادة لأنهم يحمّلون أنفسهم قضية وهم ذاهبون الى أنفسهم ويتعذر عليهم ان يتلقوا رسالة من فوق أنفسهم.

اذا كنت لا تريد شيئا من هذه الدنيا تقودها. اما اذا اشتهيتها فهي تخضعك لها وتموت بهذا الاشتهاء للقضية. فاذا تنزهت ترى نفسك تحت عبء التكليف وتقبل العبء لأنك أيقنت ان رسالتك اهم منك وانك جئت لتموت من أجلها كائنة ما كانت أشكال الموت. اذ ذاك، تراه طريقا الى الحياة التي تسطع على وجوه كل من الجماعة المحملة فرض العطاء والتي تقوى بالحب، بالتضحيات، بالتجرد عن المنافع، بالخدمة الموصولة من اجل الفهم وسكب الفهم وإفناء الأنا بالـ «نحن» الذي ليس تجمع افراد ولكنه كثافة اليقين بأن هذا العالم مدعو الى التجدد بالتطهر والبذل وذلك كل يوم حتى لا تحصل لنا إلفة مع الكسل.

ليس المهم تنظيم الحركة التي هبت في النفوس. أتتخذ شكل ندوات او حلقات ام إصدار كتب وما اليها. المهم الشعلة أعني النار الداخلية التي تصبح نورا فيك وفي من يأخذ عنك. وهذا هو الايمان الذي تنظر فيه الى الآتي كأنه واقع اذ المؤمن لا يقبل بالحاضر او الجاهز ولكنه يسير الى ما لا يراه على رجاء ان يتحقق وتتبدل احوال هذا العالم.

#   #   #

الكون مسلّم الينا. كذلك الناس. كل منا راعٍ لأخيه حتى يصبح المرعي راعيا بدوره ويتفجر النور من كل قلب.

العالم فيه ابدًا سوء وانت المستنير تعرف ذلك ولكنك ترجو ان يتغير هذا العالم الذي تعهدته بما فيك من حماسة وبما ائتمنت عليه من توكيل. وأيقظت الناس الى وكالتهم فأحسوا بدعوتهم الى الحق وان خلاصهم بالايقاظ مجتمعين على الحب والخدمة.

الدنيا دنيا خطايا. «العالم كله تحت الشرير». ولكنك ترفض انت هذا السقوط وآمنت ان الكلام الذي كلّمك الله به قادر ان ينقي هذا العالم لأنه «نور وحياة». وغالبا ما ترى ان الخطيئة متحكمة في هذا العالم ومنتشر حكمها في كل نواحي الدنيا وفي ناس كثيرين: والوسوسات التي ينفثها فيك الشيطان هي هذه: ما نفع إنهاض البشر من كبوتهم فإنهم سيسقطون والذين يجيئون من بعدهم سيسقطون ايضا. هذا هو الراهن حتي قيام الساعة.

المهم الا تستسلم انت الى الراهن، الا تيأس من تغير الناس وقلوبهم. عندما يقول داود: «قم يا الله واحكم في الأرض» كان يعرف ان الأشرار كثر وان الخطيئة حاكمة كثيرا ومع ذلك كان يفهم ان الرب قادر على تغيير الكون وعلم ان الله يخترق القلوب اذا هي شاءت اي اذا صارت حساسة لكلماته.

أصحاب الدعوات الروحية هم عينا الذين يؤمنون ان الدنيا ليست تحت حتمية المعصية وان الطهارة ممكنة وان الله ليس قهارا للقلوب. ما قال الله ان كل اهل الدنيا سيحولونها فردوسا قبل ان نتمجد معا في القيامة.

ما جاء ابدًا في تعليمنا او في اي تعليم ديني ان الإيمان على نمو المسكونة. «هل سأجد ايمانا على الأرض» (لوقا 18: 8). على كل هذا نحن مدعوون الى النضال وكأننا نرجو تغييرا شاملا لكل انسان ولكل الناس.

اذا قلنا اننا نكافح على الرجاء نريد ان هذا الرجاء ينزل علينا من الله ولا نقول ان كل البشر يريدون التوبة. ولكن الرب حبا بالخير الذي زرعه بكلامه يلهم نفوسا بنعمته عظيمة الجهاد ومثابرة على العطاء وداعية للمشاركة الروحية بين اهل المحبة والبذل حتى يتركوا للإنسانية روح العطاء يوما فيوما ويقيموا فراديس وسط الجفاف العام.

وكأن هذه البشرية تتوق دائما الى الخير على معاصيها، كأن القاتل مثلا يحن الى المرحلة التي لم يقتل فيها، كأن البشرية يحرك فيها القديسون الأمل. القداسة حلم البشر جميعا ولكن الخطيئة جذابة فتبقى الرغبة في البر حلما لا يجرؤ عليه الكثيرون. الضعف والتخاذل أقوى عند الأكثرين على ما يبدو.

في الأوساط المسيحية اذا أعلنت الكنيسة قداسة كبير من كبار البر يبتهج الكثيرون ولكن معظمهم يقول: هذا كانت له مآثر عظيمة، هذا استثنائي.

ولكن هذه العظمة ليست لي وصعب لي ان اترك ملذاتي، كأن في الشعب المسيحي خطين متوازيين لا يلتقيان الا في الحلم: خط القداسة الكثيرة وخط الاهمال الكبير لأي جهاد من اجل ما يسمونه حياة عادية. عندما يدعو واعظ الى القداسة في حدتها يقول له مؤمن عنده صلاح كثير: هل تريد مني ان أكون مسيحا كأن المسيح عنده جاء يغني اغنية البر لنفسه لا ليعلمها الناس.

المسيحية في فهم كهذا تكون جاءت لتنتهي بيسوع الناصري. ولكن ما معنى قوله: «انا معكم حتى منتهى الدهر» (متى 28: 20) ان لم تعنِ اني اريد كلا منكم ان يكون مثلي. «الاعمال التي اعملها تعملونها وتعملون اعظم منها لأني ماض الى الآب» (يوحنا 14: 12). المسيحية مسحاء والا فليست شيئا. هي شخص يسوع يريد ان يكون كل مؤمن به على صورته. وهي، قبل كل شيء، ان نؤمن بان هذ ممكن لان المسيح صادق ولأنه فعال بروحه القدوس. غير ان فاعليته تقتضي تطوعا منا له.

اظن ان اخفاق عدد من المسيحيين كبير وعدم اهليتهم للمسيح ناتج من ضعف ايمانهم بقدرة المخلص على نفوسهم وبتخاذلهم امام الشهادة والاستمرار على انجيلية ارواحهم. «قم يا الله واحكم» كل نفس من نفوسنا ليرى العالم ضياءك العظيم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

هل المسيحيون صليبيون؟ / السبت 28 أيار 2011

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

أين نحن من الحقيقة؟ / السبت 21 أيار 2011

لما سقطت الشيوعية أحست الولايات المتحدة ان العالم في حاجة الى قطب آخر تعاديه واحتسب ان هذا القطب يمكن ان يكون الإسلام فوطدت علاقاتها بدول إسلامية وانشأت حركات اسلامية موالية لها ولكنها ظنت ان الموالاة تدوم وبينت الأحداث سرعة التغير عند الأصدقاء في الحيز السياسي.

أهملت هنا ذكر الشخصيات الكبرى في العالم العربي الذين صادقوا الإدارة الاميركية واسماؤهم نشرتها هذه الإدارة في كتاب مطبوع. ان التحول الذي حدث عند أسامة بن لادن نموذج فقط عن سلوك مألوف. من هنا لا يسوغ ان نستغرب عنف الأصدقاء الذين يصيرون اعداء. لا شيء يكفي المقربين اذا طرأ عليهم ما يجعلهم غرباء عن الإخلاص الاول.

ليست غاية هذه العجالة ان افسر عداء اسلاميا لأميركا هي لغتها هذا العداء. ما اود ان اؤكده هنا ان ما يسمى عنفا ليس حكرا على احد في أطوار التاريخ. العنف له ظروفه وينتقل من جماعة الى جماعة. فقد مارس مسيحيو الغرب العنف او الظلم الاجتماعي بحق اليهود حتى الثورة الفرنسية. ومارسوه بحق المسلمين في محاكم التفتيش قانونيا حتى طُرد او هُجر المسلمون من الأندلس في آخر القرن الخامس عشر واضطهد الأرثوذكس الروسيون المسيحيين المؤمنين القدماء الذين انشقوا عن الكنيسة الروسية. وللمسلمين انفسهم لا لي ان يفحصوا اذا كان تاريخهم مجيدا دائما من هذه الزاوية.

ما اؤكده مؤقتا ان المذابح ذات الطابع الديني قامت بخاصة في اوساط ديانات التوحيد بمعنى ان الذين لا يعبدون الإله الأحد لم يقوموا بمجازر الا اذا استثنينا احيانا قتل الهندوس للمسلمين.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو هل من علاقة في عملية العنف بين المؤمنين في كل دين وكتبهم المقدسة ام نستطيع ان نفصل بين الكتب وأتباعها؟ السؤال صعب جدا وكل مجزرة يجب ان تُدرَس على حدة. ربما كانت اسباب سياسية بحتة. ما من شك انه طرأت في الهند احيانا اعتبارات انتخابية.

#   #

#

ما يثير هذا السؤال في ذهني هو لماذا تمر اجيال ولا يصطدم اهل هذا الدين بذاك والكتب المقدسة واحدة. السؤال المتفرع هو هل ان النصوص التي تبدو عدائية او هي كذلك لا تولد عداء فعليا والنصوص الهادئة السلامية الحاملة بذار المحبة لا تنشئ سلوكا محبا؟

الصدق والمنهج العلمي يفرضان علينا ان نبحث في الرباط بين النص والمسلك. هل كان هناك رباط حتى لا نسترسل بالقول المتسرع ان هذا الدين او اذاك كله محبة وسلام وسماحة لتنزع عنه نوازع غذت الفريق المعتدي. الإنسان يأتي من النصوص الهاما في كثرة من الأحايين ولا يأتي احيانا ولا يسوغ ان نسقط على الدين سلوك ابنائه دائما وبالضرورة قبل ان نفتش عن الأسباب المجتمعية والسياسية التي قد تفسر الحادث.

المجموعة العنيفة تأتي أو لا تأتي من المصادر المكتوبة ولكنه يكون نوعا من الفصام ان نقول ان هذه المجموعة تأتي من العدم العقدي او من جهلها للمصادر وان ما تم قد تم صدفة بسبب من انفعالات طارئة. ليس في حياة الشعوب من طارئ. ان تقول مثلا ان المسيحية كلها محبة وان المسيحيين القتلة في هذا الحادث لم يستلهموا المسيحية لا يفسر شيئا. ان نقول في حالة قتل قام به مسلمون الاسلام براء من هؤلاء لا يفسر شيئا. هذان الموقفان تفرّج على الدم. لذلك تبقى التربية الدينية وقبلها يجيء اللاهوت. ماذا تقول المسيحية في مناهلها وتاريخها سيء جدا باعتباره مليء بالدم. ماذا يقول الاسلام في تاريخه وتاريخه فيه بعض قتل.

لكون اهل الديانات التوحيدية ارتكبوا ولأن بعض المرتكبين ما كانوا اغبياء لا بد ان نفحص ما اذا كان هذا الدين او ذاك فيه بذور من العنف او فيه عنف واضح وهذا لا يصير الا بتفسير أي قَرّاء عليم الى اي دين انتمى. لأن الدين لغة. انا مثلا لا يذهلني ان عالما يابانيا يعلم العهد الجديد ولست أذكر ان كان بوذيا او شنتويا وله ان يفهم العهد الجديد كما يفهمه اي عالم مسيحي. الإنجيل نصوص تعرب. والقرآن تصوص تعرب. لويس ماسينيون في ايام دراستي في باريس اي في مطلع الخمسينات اعطى خلال سنتين تفسير سورة البقرة ولم يتهمه احد بالجهل او التحامل وكان يتبع تعليمه طلاب مسلمون.

التفسير لكل النصوص التأسيسية في كل ديانة تفسير تاريخي. لأن النصوص قد قيلت لناس عاشوا في زمن معين. وما كان مرتبطا عضويا في زمن لا يؤخذ معناه كاملا من الزمن المحدد. لذلك هناك مرونة في التفسير لا ترتبط فقط باللغة. المعنى المطلق هو في الله. لذلك ليست اللغة مطلقة. ان لم يكن عند المفسر حس تاريخي يعسر عليه جدا ان يلهمك اليوم عمق المعنى الإلهي. معنى ذلك ان ما أجيز في فترة من الزمن قد لا يجوز في فترة أخرى.

هناك اذًا تفهّم للنص الديني كما تفهم اي نص آخر في أدبيات العالم.

الى هذا كل ديانة لها روحها اي منهجها الفكري العام ولها تراثها وحيويتها والأقدمون فيها. من هذا المنظار ليست الديانات واحدة. ظروف انكشافها وتلقيها وأبعادها الفكرية ليست واحدة ولا معنى للقول انها تختلف بالأحكام فقط. فهناك المسيحية التي ليس فيها نظم شرعية ولا أحكام. هي شيء آخر عن كل منظومة دينية. هناك تقارب مع انظومات اخرى. ولكنها قائمة في ذاتها. هكذا الإسلام قائم بذاته وله روحيته وحركيته وتراثه وعمقه. والفروق بينه وبين اية ديانة اخرى ليست قليلة. ولكن القلوب والعقول النيرة تجعلك تتبيّن حقيقته من ذاته بلا تشبيه بغيره. المهمة تبقى كيف تكشف الحب فيه وانسانيته وسموه لا تجعله مندمجا بالمسيحية او اليهودية ولكن لتذوقه من صميمه وتتركز على ما يدعو فيه الى المحبة وتتركز بالطريقة نفسها على المسيحية لتحس بتجلياتها  وقدرتها على صنع قلوب طيبة تستطيب كل بهاء خارج حدودها.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

مملكة المسيح / السبت 14 أيار 2011

الحوار بين السيد وبيلاطس درامي للغاية. بناءً على اتهامات اليهود سأل الوالي يسوع الناصري: أأنت ملك اليهود. لم يكن الحاكم مهتمًا للتهمة لأنها لا تهزّ عرش قيصر. تهمة لا توصل الى إعدام المخلص. الوالي، قاضيا، قال له أخيرا: ماذا فعلت؟ أجاب يسوع: «مملكتي ليست من هذا العالم». مصدرها ليس الأرض. مع ذلك اؤكّد اني ملك. وظيفتي تنحصر في هذا: «انا ما ولدت وأتيت العالم الا لأشهد للحق. فكل من كان من الحق يصغي الى صوتي».

في كل أمّة وفي الانسانية جمعاء انسان او بضعة أناس ليست وظيفتهم ان يحكموا اي ان يتعاطوا السياسة ولكن ان يشهدوا للحق. قال الناصري مرة: «من أجلهم (أي التلاميذ) أقدس ذاتي وهي تعني في الأصل اللغوي للكلمة اني مخصص لله او متخصص بشأن الله على صورته يقول المؤمن اي لي لغته لأنه نزل اليّ وساكنني لأني تواضعت امامه واما اذا بنيت لي برجا كما في بابل قديما لأصعد الى الله بقوتي مع بعض المستكبرين فإنه يهدم البرج ويبلبل ألسنتنا ومعناها انه يجعل في كل انسان نعاني تختلف عن المعاني الأخرى وليس لله مكانة في هذه اللغات ولا يملك الله علينا لأنه لم يبقَ هو ملك الألسنة كلها ولا هو الوحيد في القلب البشري فصار لكل انسان قلب اي بات القلب وكرا للأفاعي وتمزقت الأفاعي في القتال فيما بينها وصارت لهم ممالك كلها من الأرض وفي اللبنانية مزارع وبطلت الأنا ان تصير نحن. الأرض لا تنبت لله مملكة. لذلك قال يسوع النازل هو وكلماته من السماء لممثل روما الأرضية «مملكتي ليست من هذا العالم».

أنا والعالم ليس لنا لسان واحد الا اذا رأى هذا العالم انه مدعو ان يكون -على مداه- ملكا للسماء او سماء.

ربما كانت قلّة تعي انها جاءت لتشهد للحق وان لسانها لسان الحق فقط وربما لا تعي ان وسائل التخاطب عندها رسائل الحق بمعنى انها جاءت لتقدس ذاتها حتى اندماج لغتها بلغة الله، الأمر الذي يجعلها قائمة على قداسة الحق.

اعتقد ان كلام المسيح لبيلاطس «مملكتي ليست من هذا العالم» تعني ان الناصري جاء بلغة جديدة، بالكلمة وان عليك انت ان تتبعها وتتبناها لأنك ان لم تفعل لا تكون قد قبلت التغيير الكامل للتكوين البشري وانك تستعير فقط مصطلحات من كلام الناصري وقناعتك لا تأتي من حيزه في الحقيقة وتظن انها منه لأن لك دورا مجتمعيا او مكانة او نفوذا تبيح لك ان تكون مملكتك من هذا العالم ومكونة منه لتكون على حكمة هذا العالم وحذقه وتستمتع بذكائك الذي هو من هذا العالم وتحسب انه لك من الله لكون الله مصدر الذكاء.

#   #   #

وقبل ان يقول يسوع: «مملكتي ليست من هذا العالم» فكر بانتماء تلاميذه الى مملكته «ليسوا من العالم كما اني لست من العالم كرّسهم بالحق». ما هم عنه مسؤولون ان يشهدوا للحق لا ان يعملوا سياسة كما هيرودس والأحبار وبيلاطس. ان يشهدوا للحق هو ان يمتلئوا قداسة اي الا يكون فيهم غير لاهوت الله ولا على لسانهم الا ما جاء من الكلمة الذي كان من البدء اي قبل الكون وقبل سياسته.

«كما ارسلتني الى العالم فكذلك انا ارسلهم الى العالم» اي كما اني لست اقول شيئا من ذاتي اذ أخذت كل شيء منك كذلك لن يقولوا شيئا من ذاتهم ولكن مما أخذوه مني. ليس اهم هوية من ذاتهم. هم انا في اجتهادهم الأعلى وكأنهم من الأزل مثلي كما اني انا وانت قبل الأزل معا.

#…#   #

مع ذلك يقر بولس الرسول ان في هذا العالم حكمة ومنها حكمة الكلام غير انه يوضح ان العالم لم يعرف الله بالحكمة البشرية لأن المسيح «قوة الله وحكمة الله». هل يعني هذا ان ليس بين الحكمتين حوار وان لغة الإنسان الساقط سيبقى الى الأبد تباين بينها وبين لغة الله وان ثمة القديسين مفصولون عن الأثمة؟ السؤال صعب للغاية: ولكن اذا تبينا ان كلام الله هو سلطانه في العالم وان حقيقته هي الحقيقة فما من تسوية ممكنة بين الموقف الإلهي والموقف البشري الساقط في معظم الأحوال.

الإغراء الكبير ان تجعل كلمة الإنسان بديلة عن كلمة الله وهذه هي التسوية او هذا هو النزول من المستوى الفوقي الى ما هو تحت بحيث تستعير المنطق البشري لتغلف به المنطق الإلهي او تخفيه وتقنع نفسك بأنك حكيم وبأنك محب وانك تعمل كل هذا لمصلحة البشر.

ويسير منطق الحاصلين على حكمة الدهر هكذا. هكذا هم البشر وهذا ما يفهمون فلننزل اليهم. وتصير المسيرة في الواقع انك تتبنى حكمة هذا العالم حاسبا نفسك خادمًا للحقيقة. هذا هو الوهم الكبير فبرج بابل قد سقط وتبلبلت الألسنة وصرت انت من أهل الأرض وغطى ترابها القليل من النور الذي كان لا يزال فيك.

أما كيف تستخدم عبارات هذا العالم وأساليبه وزواريبه لتجعل الله ناطقا فيها فهذا عمل النعمة فيك وثمر السهر الدائم على طهارة موقفك. ان تكون بشرًا تائقًا الى الألوهة في كل التزام لك لتقديس اخوتك بالحق غير حاسب لنفسك اجرا وغير مجمل وجهك يجعلك متمكنا من حكمة هذا العالم غير خاضع لها.

كيف يتغيّر عالم الإثم؟ لا يتغير بفرط الذكاء وكثرة الأذكياء الذين حبل بهم بالإثم وولدوا ونشأوا في الخطيئة. يغيره الذين يجلدون أنفسهم بكلمات الحق كل يوم حتى لا تنثني الخطايا في جلودهم. فيكونون شهودًا للحق اي ليس من فاصل بينهم وبين الحق. العالم يخلص بقليل من الذكاء وكثير من الحق، الفقراء دائما الى بهاء القديسين حتى يتجلى الرب في الأكثرين فيدخلون مملكته الى مملكة هذا العالم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الهدية / الجمعة 6 أيّار 2011

احذر الهدية ان كنت تخشى إغراء تبطنه ورحب بها ان أحسست ان المهدي يريد منها محبة او صداقة. من كانت لك معه معاملات ذات طابع تجاري يبغي مما يعطيك ان تسهل المعاملة حتى تتجاوز حدود القانون. حيثما تظهر الفائدة او تتوقع حدوثها يكون الشيطان صاحبها وتتعطل سلامة العلاقة وطهارة طابعها. هناك دائما ضغط على قرارك ان لاح لك في الأفق مال تجنيه وقبول لتشيئتك اي لإبطال العنصر الوجداني القائم في كل صلة وإبداله بعنصر لا تواصل فيه بين ذات وذات. قمة ذلك الرشوة التي هي تحكم الأقوى ماليا بقرارك او استعبادك لما يريده آخر فاذا بك تؤثر علاقة شيئية على علاقة حريتين.

المال اصلا من أقوى ما في الوجود لإلغاء الحرية اذ رآه المسيح ربا يعبَد اي يستعبِد وتبيد في سبيله حريتك. بهذا يفترق هذا الرب عن الرب الحقيقي. ان هذا الأخير يحررك بالحق وذاك المعبود لا حق فيه. فاذا قبضت المال الحرام تقبل تسليم حريتك لآخر وتكون قد أعلنت للخالق ان كلمته لا تسير حياتك اذ سفكت حياتك الحقيقية. لهذا أعلن ما انفقه عليك سيدا على قلبك وقابضا على روحك.

ما يقلقك حقا في كلام المسيح انك لا تستطيع ان تهرب منه مهما اخترت من مزاريب. فإما ان تعبد خالق الكون ومطهر نفسك من الدنس او لا تعبده. واذا ظننت انك قادر ان تجمع اندفاعك الى المال الى اندفاعك الى الله بواسطة بعض طقوس تمارسها تكون قد بلغت قمة الضلال. هنا الاختيار القطعي يفرض نفسه.

#   #

#

دائما الخطيئة تتلبس المبررات اذ تزكي نفسها اذ بقي عند الإنسان الخوف من هذا الإله الذي يعاقب او يخيف كالفزاعة ويأبى الإنسان ان يمحى كليا من الوجود. مبررات الرشوة كثيرة عند الموظف الصغير والمسؤول الكبير ولكن ليس هذا موضوعنا اليوم.

موضوعنا الهدية المالية اللاحقة للعمل. هذا الذي يخولها لنفسه بعد العمل إغراؤه ان يشترط عليك مبلغا من المال قبل الشروع بالتفاهم. ممكن ان تنشأ الرشوة هكذا. تتعلمها من سقوطك بالهدية غير المشروع وتسقط في ديانة اسمها عبادة المال فيما انت تلهو بديانتك الموروثة التي تصبح في عيني الله لا شيء.

#    #

#

الى هذا الهدية المختلفة وراء الصداقة. كثيرا ما قامت اي كثيرا ما كانت صادقة ودائمة للمحبة ولكن على الانسان ان يتفحص قلبه قبل اعطائها. هل هو منزه كليا في العطاء عن كل ضعف. ادعو هذا الى اليقظة ولست ادعو الى الغاء التواصل بالهدايا. احيانا من اهدي اليه شيء يجب ان يتحصن عند ضعف ممكن ظهوره فيه تجاه من أهدى.

هنا يدخل موضوع حجم الهدية. بين المثقفين معروف اهداء كتاب او ما له علاقة بالفكر. والمتعارف عليها هدايا الأعراس ولكن كثيرا ما يقتنع المعطي انه يتقبل ما يبادلها في حال اقام عرسا لأحد ابنائه اي ليس هناك صداقة كاملة او غير مخروقة ولكن هناك شك في صدق الإهداء لشيء ثمين جدا ما لم تكن هناك محبة جارفة او نسابة منفوخة بالثرى. فقط شيء كوقف لمؤسسة دينية او خيرية او مجلس بلدي يمكن اعتباره عملا لمجد الله. اما اذا دعمنا علاقة شخصية بعطاء مالي كبير فالشك فيه كثير.

في الحياة العائلية خطر الهدية كبير. الآباء يهدون ابناءهم وبناتهم غالبا بصورة مرضية ولكن احيانا لتأكيد عاطفة مشكوك بها. غير ان هذا بسيط مقابل الإهداء الزوجي. العائلة لو كانت قائمة على المحبة الزوجية تصير سعادة قصوى. ولكن اذا سادها التوتر ممكن ان تصير شبه مصح لا شفاء فيه فيبدأ التعامل النفعي فتبيع المرأة دلعا تشتري به فساتين فيطغى هذا النوع من التجارة ليغطي خللا يتحكم كثيرا الى ان ينزل الله نفسه ليحكم العائلة. قبل هذا تنقضي الحياة البادية مشتركة على هذا اللون من التجارة.

#   #

#

ليس لكوننا نخشى سوء الاستعمال للهدية يجب الغاؤها في اي مجال من مجالات الحياة اذ يحيي الإنسان ان يرى نفسه محبوبا ومفتقدا. من ابهى مشاعر الانسان ان يحس بأنه محضون من يهتم له في صدق ويبدي الوحدة بينهما. هكذا نقتنع ان المحبة التي سكبها الله فينا بالروح القدس لا تزال حية، فاعلة. اما التفسير المشوه للمشاعر العاطفية فقد يحصل ولكن نشفيه بالحس الطيب الذي هو دواء الوجود.

اعطوا دائما بكرم غير منتظرين شكرا ولا مبادلة شعور. قد يساء فهمكم وقد يبتزكم بعض. لا تقيموا وزنا لهذه. المحبة التي نشأت فيكم تكفيكم لتحيوا ويحيا بكم الآخرون. انتبهوا الا تلطخوا انفسكم بالتماس المودات. حسن اذا وجدت من نفسها، في مجانيتها ولكن اعرفوا اننا في الحب مجانيون دائما ابدا. ابطلوا الأخطاء التي قد ترافق الاهداء ولكن ثابروا على الأحسن لتظل نفوسكم بلا جفاف.

التبادل في الله، من اجل الله ينبوع للحياة. لا تخشوا العطاء الذي تعرفون انه منبثق من إلهام إلهي. تكونون قد أهديتم الله نفسه كما قدم المجوس هداياهم لطفل بيت لحم غير متوقعين الا الرضاء الإلهي.

وكما انتم مقدسون بالدعاء تقدسوا بالهدية المباركة التي تقدمونها للرب بواسطة الإنسان. من تحبونه جسركم الى الله.

Continue reading