Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2011, جريدة النهار, مقالات

الخاطئ / السبت 19 شباط 2011

ان سألت أي انسان عن الخطيئة يجيبك انها تعدي الوصية. يؤتى الجواب من اعتقاده ان الله آمر ناه. هذه صورة الله الشارع والقاضي. والرب هكذا لأنه يواجه الإنسان. بما في الخالق من جوهر وما في الإنسان من جوهر بمعنى انه لا يأمر اعتباطا ولا ينهى اعتباطا ولكنه ينطلق من ذاته ليقول واذا بدا لك قاضيا فلكونه يمدّك بصفات هي فيه. انه يقاضيك لأنه يريدك على صورته، لأنه جعل بينك وبينه مجانسة. انت تخطئ لأنك اخترقت هذه الوحدة الأولى، المنشئة اياك التي جعلها الله شبها بينك وبينه.

في اللغة من أخطأ الطريق عَدَلَ عنه ومن أخطأ الغرض لم يصبه. في المصطلح الديني انت تريد شيئا أمر الله به ولا تفعله او تفعل شيئا لم ترده وانت قاصد هدفًا ولم تبلغه واذا كان الله الهدف ولم تصل اليه او لم تفلح في الوصول اليه فأنت خاطئ او آثم او مذنب لأنك سهوت عن البلوغ. انت اذًا غير منشغل بالله، غير مخطوف اليه. واذا كان حب الله هو القوة للثبات فيه فأنت ما سعيت الى المكث فيه. فلا فرق عندك بين ان تلازمه او تجانبه او لا فرق بين ان تتصل وتنفصل. فاذا قررت الانفصال او ارتضيته تحسب انك قائم بنفسك، ما لك لذاتك. لذلك كان الآثم ملحدا وضح عنده هذا ام لم يتضح. الخطيئة أقسى كثيرا مما نتصوّر. لا تأتي عرضا. هي فعل كينوني في غاية العمق والاجتراء.

الخطيئة قاسية لأن الله يتقبل بالخطيئة صفعة من الانسان اذ يقول هذا لربه بتركيب لفظي او غير تركيب انا الله. كانت العلاقة بينهما قبل سقطة آدم علاقة اشتياق. والله أمين لشوقه. اما الإنسان فانقطع عنده الاشتياق اذ «دخلت الخطئة الى العالم وبالخطيئة الموت» و «خوفا من الموت بتنا جميعا كل حياتنا تحت العبودية» اي اننا نخطئ خشية من الموت ظنا ان ما يحرّك فينا الإثم حياة لا بعدها حياة وكلما تعددت وتنوّعت وجوه الإغراء ننأى عن وجه الله فيمحى او يكاد.

#     #

#

كل إثم غرور لأنه شبع الاستكبار. في كل أحواله قتل للأنا المحبة او تجريح للآخر. الذنوب اذا خرجت تصل الى كل آفاق الكون فيهتز بامتدادها حتى التصدّع. «العالم كله تحت الشرير». والصلاة التي علّمنا اياها يسوع تقول: «نجّنا من الشرير» وكأن الرب يوحي انا في حاجة الى صلاة لا تنقطع حتى لا يسيطر علينا روح الشر ونبقى ملاصقين الرب لنعود الى الوجه الذي انفصلنا عنه بشهواتنا. المشكلة الوحيدة التي تواجهنا هي مشكلة الخطيئة. ليس المرض ولا الفقر ولا الاضطهاد شيئا تجاه وطأة ذنوبنا علينا.

ما يلفت في الإنسان الخاطئ تماسك الشهوات حسب طبيعتها فالحسد والغيرة والبغض والغضب انما هي اصول لذنوب متشابهة بحيث ان الواقع في ذنب من هذه الذنوب ينجر الى أخرى متلازمة. شهوة الشراهة ملتحمة بما هو قريب منها في الجسد بحيث ان من أخطأ الى جسده بتعبير ما يخطئ اليه بتعبير آخر. من هذا المنظار امكن القول ان الخاطئ كتلة من الخطايا او صار خطيئة.

كذلك الفضائل متماسكة فاللطف والوداعة والتواضع متلاحمة ويصعب الانفكاك الواحدة دون الانفكاك عن الأخرى واذا قوى الانسان الروحاني حسنة واحدة فيه يقوي الأخرى تشدد القوى الروحية مجتمعة قد يأتي من شدة فضيلة واحدة.

هذا قد يقود الى مسؤوليتنا في تقوية الإرادة. فيما تقرأه عند الآباء. النساك لا نرى تشديدا على ما يسمى الإرادة كما نرى ذلك في الإرشاد العصري. نرى كلاما على الجهاد الروحي اي تقديس الروح بالصلاة وقراءة الكلمة.

الإلهية والصيام اذ القضية عودة وجوهنا الى وجه الآب بعد ان تحولنا عنه. ما نفتش عنه هو تجديد الكيان البشري كله بالكيان الإلهي. فالصوم مثلا يوجّهنا الى التسامي عن الشراهة وتاليا عما يتعلّق بشهوة الجسد وعشقنا للمال المتصل بشهوات عديدة نبتعد عنه بالكرم ومحبة الفقراء.

هذه الفضائل تعود اليك اذا كشف الله وجهه اليك. وضم كيانك كله اليك وأنزل عليك جمالاته مجتمعة فتكون فيك مجتمعة اي يصير كيانك شبيها بكيان الله.

#     #

#

هنا تعترضنا فكرة الندم. التوبة اقوى من الندم او من الحسرة اذ لا ينبغي ان نفكر كثيرا في ما مضى الحزن الشديد على الخطيئة اذا مضت والتركيز عليه كثيرا يعيدنا الى الخطيئة. اما التوبة الحقيقيّة فهي انطلاقة دائمة نحو وجه الله ونقاوته من جهة ونحو المستقبل الذي نطلب ان نتجدد فيه بالنعمة.

التوبة التي هي تجديد فكرنا وقيمنا تجعل لنا سلوكا قويمًا يهبط علينا من علُ. سرها قول الرسول: «صلّوا بلا انقطاع» اي استردوا افكاركم الى الله بتبني فكر المسيح وهذا يحصل باكتساب الكلمة واستنزالها وعودتها الى الرب بكلماتنا التي يضعها فينا بالروح القدس.

المبتغى الا نصالح الخطيئة، اي خطيئة من اي فئة. ان نبقى يقظين لئلا يتسرب الينا ضعف. كل شيء ما عدا بهاء الله استعداد للضعفات اذا اخذنا هذا المجد نكون ذائقين لبر الملكوت منذ الآن وقائمين في الفرح.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

غيرك / السبت 12 شباط 2011

كل سياسة احتمال خصومة. كل تكتل مجتمعي يحمل بذرة سياسة. الكتل إبراز بشر اي إبراز للدنيا والدنيا وما فيها الى فناء. والنظام الطوائفي هو بحد نفسه تهيؤ لصدامات لأنه يعني الأنا في ديمومتها تجاه الأنا الأخرى وقد تنتهي مقابلة الأنا السياسية بالأنا الأخرى اذا سقط حائط العداوة بالحب.

التاريخ وظلمه يفرزان رؤية عندك للكتل الأخرى لأن الجماعات تقرأ نفسها والأخرى من إحساس مجروح اوجامع وتفخر فتتشنج او تسترخي حتى المحضونية وتتمايز فتغنج فتتسلط. كل لعبة التصدي او الذوبان لا مهرب منهما ليستقيم وجه التلاقي بين الناس على صورة من الصور.

في بلدنا نقرأ الآخر من تاريخنا المشترك او الزمن الذي تريده في الآتي وقد تأتي قراءة الآتي مما نشتهيه وفق العلاقات التي ورثنا او التي نريدها. نقرر المستقبل حتى مشتهانا في الحاضر وصورة المستقبلات هي ما ينفعنا اليوم، ما يعززنا. كل تعزيز لفريق لا بد أن يؤذي الآخر او ينتقص شأنه او يحجم ماضيه. لا بد من انثلام في وقت ذهب من اجل الافتخار اليوم وبلا افتخار تتوحد بالآخرين.

من الصعب جدا ألا يكون عند اللبناني رأي في الطوائف ذات الأهمية السياسية لأنه يريد مصيرا لنفسه وسط  هذه الجماعات . اي لأن لهذه الجماعات وزنا في تقرير مصيره فمنها يأتي وزنه ولذلك يريد  ان يعرف وزنها ازاءه وفي الكتلة الوطنية كلها. خطر التحليل لرؤى الطوائف الأخرى انه غالبا ما أتى من المؤرخين وعلماء الاجتماع حصرا فيرى مثلا المؤرخ كمال الصليبي ان استعلاء الروم الأرثوذكس على الموارنة هو التعبير عن ان اهل المدن او التجار يحسون انهم اعلى من المزارعين. هذا اولا تجاهل لكون المزارعين الكبار بينهم اغنياء كثر. المجموعات المسيحية كلها فيها عدد من الفلاحين والأهم من هذا كله ان الدكتور الصليبي يرى التعصّب في فريق واحد والأخطر من كل هذا ان هذا المؤرخ البارز لا يرى الحشو الكاثوليكي في عقول الذين انضموا الى الكرسي البابوي  من مسيحيي الشرق.

#      #

#

التكثيف العقدي يكفي وحده احيانا لفهم ظواهر التشدد في هذه الطائفة او تلك.

مع تقدم الحركة المسكونية اعني حركة التقارب الروحي بين المسيحيين وهي لا علاقة لها بالوضع السياسي نرى ان ما سمي استعلاء طائفة على طائفة صار باطلا لأن الاتحاد بالمسيح طغى على كل اعتبار والوحدة باتت حسا عالميا والشعب العادي لا يفهم لماذا يستمر هذا الانقسام وهو لم يشارك فيه.

ان هذا التلاحم الرعائي هو النظام وهو ليس موجها ضد احد وهو ليس تلازما بين قبائل وقبائل ويفرح كل المسيحيين بالبهاء الطقوسي والالتماع اللاهوتي عند مسيحيين آخرين والعالمون الأعماق يسعون الى ما هو اعمق حتى يمنحنا الله الانصهار الكامل.

واذا نظرنا الى تقارب الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس ناهيك عن اللحمة شبه الكاملة مع الإخوة السريان يتبيّن ان الكثير من المجد قد أطل علينا جميعا حتى يجمعنا الله في نعمته الكاملة.

اذًا ما جرى في الصف المسيحي على الصعيد الروحي حطم الحواجز التاريخية وأنهى التعليل السوسيولوجي ليظهر ان روح الرب لا يحتاج فعله الى عوامل تاريخية لأن النعمة فاعلة بحد نفسها.

والنعمة تخترق جميع المجموعات الدينية اذا كشف الله مشيئته وهو غير مقيد بنصوص. بكلام آخر لا بد ان تبطل رؤية المسيحيين للمسلمين والمسلمين للمسيحيين  على انه لا اختراق روحيا بينهم. وهذا يبدأ بالبسيط. بتنقية كل واحد منا من الأفكار المسبقة عن الجماعة الأخرى بدءًا من تطهر الذاكرة الجماعية. لا ينفع مثلا ان نذكر ما فعله المماليك بالمسيحيين . انهم لقد  أبغضوا الشيعة بالزخم الواحد. وينفع كثيرا ان نفرح بالفن المملوكي العالي. اخطأ البشر كثيرا ونخترق بروح الله الساكن فينا ما افسده البشر. لا نحمل السنة وزر المماليك او وزر العثمانيين كما لا نحمل المسيحيين المشارقة وزر حروب الافرنج. لا معايشة بلا غفران ولا حاضر  اذا تذكرنا معاصي آبائنا.

لن نعرف قوة الغفران الإلهي فينا اذا استمررنا ان نقول عن الدرزي هذه طبائعه والسني هكذا الخ… لا شيء يتجمد في الزمان ولا شيء يدل على ان طبعك يتجمّد بسبب من عقيدة. بدل رأيك في انسان لا مسته النعمة واخرجته من تصوراتك لجماعته. بعض من جماعته يصبح مقرا لله. صورة الجماعة التاريخية تنكسر  احيانا وتتخالط الجماعات تخالطا روحيا اذا أراد لها عمادة بالروح لا بالماء.

الوطن له ان يصبح  جماعة جديدة لا ترث الماضي او ترثه قليلا. الوطن يمكن  ان يتجلى.

التجلي في العلاقات الشخصية حاصل كثيرا. هذا يعني ان نقتنع بقيم واحدة لجميع الناس. اجل كل القيم موحاة من التراثات الدينية. ليست القيم قائمة بالقوة نفسها في كل الديانات ولكنها تعلمنت جيلا بعد جيل . ما من شك ان تعدد الدين موروث قرآني بمعنى ان الله يريد هذا التعدد. انت لك ان تعيد المسلم الى فكرة التعدد ولو لم يمارسها بقوة في حالة سيطرته على الحكم.

على هذا المثال، فلسفة الثورة الفرنسية التي قامت ضد الكنيسة الكاثوليكية في تبنيها للحرية والمساواة والعدالة. هذه الكلمات جاءت مباشرة من الانجيل ولو تجاهلها التاريخ المسيحي كثيرا. انت تتخذها ايا كان مصدرها. طبيعي ان تتعلمن القيم بسبب من الفتور الديني او هبوط المستوى الكنسي.

تنشأ، اذ ذاك، عندك مجتمعات مدنية في ظاهرها التعبيري ناشئة من ايحاء ديني وتبقى الجماعات الدينية على أصولها ونظامها وهيكلياتها ولك ان تقرأ النص الديني كما تشاء وان تتقبل فقهه كما تشاء.

الواقع ان هناك فروقا بين الأديان كبيرة وانها تترجم في الطبائع والعقليات وتفاصيل معايشة. مع ذلك هناك تحرك نحو عقليات متشابهة ذات طابع مدني تقرب بين المواطنين بينها مباينات. هناك شبكة سلوكيات تنتج وضعا موحدًا او شبه موحد تتم فيها اختراقات مجتمعات صغيرة لمجتمعات أخرى في حلم مجتمع يربط الجميع.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المريض / السبت 5 شباط 2011

المرض ان لم يصبح موطن كشف يبقى تلفا في الكيان. غير ان له ان يفصح على انه طاقة انتقال من الانحدار الى لقاء الرحمة فتعرف ان ما بقي فيك معطى لأن فيك ما يقر وفيك ما يذهب وانت في انتظار. هذا نعيم الاسترحام وليس عذاب الحيرة. ولا تسترحم الا بعد ان يرحمك العلي. وهذا اخذ منه وقبول من لديك ليقوى التوق اليه.

ان كنت تؤمن بالنعمة ترى كل شيء. فيما انت تطلب الصحة تكافح لاستعادتها لاحتسابك انها علامة السلامة. ولكن السلامة ليست فقط عافية الجسد. بدءًا ما نستطيع تأكيده هو ان ثمة دائما تلفا ما يمكث ظواهر فينا وخفايا حتى يضع الله عليك قبضته كلها.. لذلك كانت علاقته بهذا المريض تختلف عن علاقته بذاك لأن التلف ليس واحدا عند الكل ما يلون عطف الله تلاوين مختلفة وقد يكشف هذا للسقيم فرادة الصلة بينه وبين ربه ومع هذا نعرف اننا قادرون برضاه ان نتلقى جميعا رحمته العظمى.

هبوط القوى محنة قد تصبح أزمة. وذلك ان الانسان يطلب الحياة كما عرف عنها. ما الحياة حقا؟ هناك حادثة شفاء في الإنجيل اذ أتي الى يسوع بمشلول والحاملون المشلول انتظروا من السيد الشفاء. هذه كانت فقط رغبتهم. للوهلة الاولى لم يكترث المسيح لهذه الرغبة فقال للمخلع: «مغفورة لك خطاياك». هل كان حاملو المريض في واد ويسوع في واد. هم يريدون شفاء بدن. وهو يريد شفاء كيان واسترجاع الكيان الساقط يكون بالتوبة. يكون المرض شيئا مباركا اذا قادك الى التوبة.

# #

#

يمكن ان تكون الوعكة معراجا الى تأمل الوجه الإلهي. هناك سلامتان: سلامة صغرى وسلامة كبرى. اما الصغرى فمرتكزة على ان معظمنا يحس ان الجودة في خلونا من آذى الجسد لأنه هو ما يبدو مكان الوجود. والوجود معطى من فوق. وما بدا خللا فليس من فوق فتحسه وكأنه من عالم الشر. واذا سألت احدا عن صحته وأجابك في صدق عميق انا في خير فاعلم انه يعيش امام الحضرة وانه دنا من قرباها دنوًا كبيرا في بعض من الأحايين. انت ترى بنور الله او ترى بنورك هذا هو وحده الموضوع.

ليس كل مرض افتقادا إلهيا. من حصل على هذا الافتقاد جعلته خبرته -او ما سميت كذلك- في طريق القداسة ولو الى حين. من هنا ينزل علينا دعاء من اشتاقوا الارتقاء حتى لا يبقى الوجود بدنا اذ المهم ان تأخذه الروح المتقدسة لتقيمه في الكيان.

للمريض شرف في الانجيل عظيم اذ يقول يسوع: «كنت مريضًا فعدتموني» كما قال «كنت جائعا فأطعمتوني». ليفيد انه لابس كل من أصيب، مندمجا به. هذا المرمي على فراش الألم ليس وحده مصلوبا. رفيقه هذا الذي الذي شُلح على الخشبة وسُحق تحت أقدام البشرية الظالمة وكأن الناصري يقول لكل من هوت صحته: انا معك لأرفعك الى الأقداس، لأشدك الى روحي، لتصبح شيئا غير البدن المبتلى، مقيما في الاسترحام لتسلك درب القيامات حتى تكتمل قيامتك في يوم يعينه الله بحكمته اذ ينزل عليك نعمة الموت لتنفتح فيه النوافذ الى النور. هذا وحده يضع حدا لنفاء الصبر. لا يزول التمرد حتى نقول للآب: «لتكن مشيئتك». اذ ذاك، يقيم الروح القدس في كل ثنايا قلبك ويبدأ الفهم.

الألوف المؤلفة من المرضى في العالم تحملك آلامهم ان انت بت واحدا منهم لأنهم واحد في الابتلاء والكثر منهم واحد في الشفاعة لأن الله مع المسكورين. انهم الممتازون في امة الله والمختارون في حبه. الذين مرضوا وصابروا وجاهدوا فزادهم الله حبا له هؤلاء يعدهم للمجد اذ لا شفاء قبل بلوغنا السماء.

في هذه الرؤية لا معنى للسؤال لماذا وقعت. اثناء المحنة وعند استعادة العافية بمعناها التقديسي تدرك كيف مارسك الله وكيف اتحد بك وانت في ما حسبته الهاوية ولم يكن من هاوية.

#    #

#

كل انسان مريض النفس ومنذ مولده ينتظر المعطوبية. هذه التي تتسم يها طبيعتنا في جانبها الجسدي والمعنوي لأنك في العطب تنمو في طريقك الى الموت. المعطوبية في يومياتنا تعني الهشاشة. هنيئا لمن اعتبر نفسه هشا. ربما كان في ذلك عبرة تواضع او أمثولة معرفة نتدبر فيها أمورنا فننجح ونخفق في حدود المحسوس.

اذا نظرت الى الانسان كاملا أراه مجروح النفس الى جانب هزالة البدن. بنكتة «مهضومة» قال لي أحدهم: «كلنا مجنون بدءا من نسبة ثلاثة بالمئة. ولما قرأت التحليل النفسي فهمت ان ليس من امرئ يخلو مما يسمى العصاب névrose. انت قبل الخامسة ان كنت ذكرا تتعلق بأمك في عقلك الباطن تعلقا يراه فرويد مرضيا اذ تنشأ مع عقدة او في عقدة ويؤثر هذا فيك طوال حياتك. معنى ذلك ان ليس من انسان سليم على صعيد النفس. عقدتك تبدو للعارفين الآخرون يحسبونك سليما ولكنك لست بسليم. الدنيا اذًا مصح مختلين وعلينا ان نتعايش ونحن جميعا على اختلال بطريقة او بأخرى.

هذه الانسانية المجروحة بلا استثناء واحد هي بشريتنا التي نحب على محدوديتها وسقطاتها ودموعها. بالعلم، بالطبابة وبخاصة بالتضحيات والتكريس لنا ان نصير الى أحوال أفضل والمهم في البذل ان نقدم أنفسنا اولا لفقراء المرضى المتروكين في بلدان كثيرة وغير المضمونين والمحرومين الدواء.

البشرية اذًا في حالة استشفاء دائم وفي حالة صلاة ان بقيت على الرجاء. المستقوون بالرب يرعون الضعاف فيشتد المعطي والمعطى. في هذا النضال لن ننسى اخوتنا المجانين والمعوقين النفسانيين الموعودين بالشفاء احيانا ولكنهم لا يعرفون انهم واحد في الأصل.

المهم الا ينقبض الموصَب ليبقى في وضع العطاء لأقرانه والمدعوين أصحاء ليتم اكتمال البشرية. بصلاتها وحبها. ان ازدياد الأتعاب فيها لا يعني بالضرورة انتقاص وجود. تدهور البشرة ليس بشيء. انفراط الكيان هو وحده المصيبة. الموت نفسه ليس الكارثة. هو انحجاب وجود اذ النهاية القيامة من بين الأموات وبها التعزيات أثناء فتك المرض حتى هذا الذي يتراءى لك فيه الموت. المفاضلة ليست بين جياة وموت. انها الخيار بين انقباض الكيان وانتشاره حتى يصير الله كل شيء فيك. فتعليه فتعلو به. ولا تبلغ هذا المقام الا اذا عاونك الفقراء والمرضى وهم اخوة يسوع الصغار.

#     #

#

لماذا اهتم يسوع بالمرضى ذلك الاهتمام البالغ الذي يضطرك الى وصفه بشرا مبشرا ومقترف عجائب وكأن الكتاب يقول تعريفا عن خدمته الشاملة: «وكان يسير في الجليل كله، يعلّم في مجامعهم ويعلن بشارة الملكوت، ويشفي الشعب من كل مرض وعلة فشاع ذكره في سورية كلها، فجاؤوا بجميع المرضى المصابين بمختلف الأمراض والاوجاع من الممسوسين والذين يُصرعون في رأس الهلال والمقعدين فشفاهم» (متى 4: 23و24).

ما كان دافع يسوع الى اقتراف المعجزات؟ «ورأى الجموع فأخذته الشفقة عليهم، لأنهم كانوا تعبين رازحين، كغنم لا راعي لها» (متى 9: 35و36).

انت تتقبل الحنان الإلهي في حالة التدهور الصحي وحالة النهوض لأن المهم احساسك بمرافقة المخلص اياك. همك ان تعرف اذا جاد الله عليك بالافتقاد وآتاك بالقربى كل شيء غير قرباه هو من هذا العالم.

هل حلت القربى، ربك يعرف. المؤمن ينتظر الدينونة. ايمانه الا يدان. اكثر من ذلك. ايمانه الا يستحضر الى المحكمة خشية ان يدان لأن حياته ان يُجعل في الحضرة اذ يقبل لومها ويخشى إماتتها. لذلك يصلي.

كل هذه الخواطر تعبر المريض. قد لا يكون السليم في مثل هذه المواجهة فيظن نفسه مرتاحا. هل يحمل المرضى نعمة التفكر اي نعمة الجدية؟ ماذا تعني «لا تدخلنا في التجربة»؟

ما من شك ان الضعف الجسدي ان كان شديدا يضعنا امام خوف الموت. هذا الذي خافه المسيح نفسه. الموت جدي وانا عرفت من لا يخشاه من اولئك الذين آمنوا بقيامة يسوع.

متى تقيمنا يا سيد من وطأة الخوف؟

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

دعاء من أجل لبنان / السبت 29 كانون الثاني 2011

هذا البلد، بلدنا، ربي، بين يديك. ارتضيناه، جيلا بعد جيل، لحياتنا. ولكن سر إجماعنا عليه اننا آمنا بنعمتك عليه ونحن نؤمن انها باقية عليه ان نحن اطعناك وأطعناك أمة واحدة لنشهد للعالم على اننا، على اختلافنا في ما ورثناه من ذاكرتنا الجماعية نحن مؤهلون، بنعماك على الايمان بك، وسنسعى مع الصابرين القديسين ان نتمم ما يرضيك.

قادنا التاريخ الى تلازم العيش على هذه البقعة من الدنيا ووثقنا بعد صراعنا الأرواح الشريرة التي في الجو انك تريدنا الا نهجر هذه الأرض استرحاما لأولادنا. لقد عشنا زمنا مديدا على جراح وعلى تضميد جراح. اغفر لنا كل خطيئة قادت الى جرح آخر وتغاضَ عن إغفالنا له. ولعلنا نسينا ان اثم الغفلة عظيم. قد يكون الصغار الصغار اعظم في عينيك من الكبار علّم الأكابر انهم واحد مع الأصاغر. أدعو ايضا من اجل المستكبرين الذين لا يعرفون انفسهم اذلة. على جهلهم هؤلاء هم لك ايضا فالقبيح عندك كالجميل اذ لا تستقبح انت ايضا من تاب.

ليس احد منا قائما بقوته. انت القدوس والقدير وحدك. المخدوعون بقدرة عقولهم وكيدهم وضمهم كل آفاق الدنيا الى شهوات صدورهم ارحمهم هم ايضا وأعدهم الى التواضع الذي ناديتنا جميعا به حتى يسكنوا اليك ويستمدوا منك طرق سلوكهم عسانا نحن التائبين اليك نضم الجميع الى حنانك. نجنا من الدماء يا الله اذ خشيتي ان تبغض قاتلي البلد ولا تغفر لهم. والأعزة عندك محتقرون في هذه الأرض.

قد همس الشيطان في آذان الكثيرين وقد سمعنا القليل او الكثير من هذه الوسوسات وصدقناها. قد يظن اهل الحل والربط ان في ايديهم الحلول لأنهم يؤمنون بذكائهم. لست انا ديانًا لشعبي فإنك جعلت الدينونة بين يديك. وليست نيتي ان اقول ان بينهم اغبياء ولكن كل منا يفحص عقله وقلبه يرى ان كان بطريقة او اخرى انقاد الى شيء من الغباء وأسهم في دمار هذه البلد.

#          #

#

انت رب لكل طوائف هذا البلد. كلها باللسان موحدة والقلب انت تعرفه. قوم قلوبنا، طهر نياتنا لنعبدك مما من القلب ينضح على اللسان فنستقيم.

إسلام العالم سيبقى بعد ملايين من السنين. وسترى الطاهرين منهم لك. وإيماني انك ستحفظ المخلصين من المسيحيين حتى نهاية الدهور. كذلك ايماني بأن جمع الشعوب في ملة واحدة ضرب من الخرافة. وما يؤنسني يقيني ان الانسان له ان يحب من اختلف معه في المعتقد وتقاليد المعتقد وما تحول منه الى جماهير حضنته كما تشاء او كما قدرت. كذلك يقيني ان بيننا عقلاء كثيرين يحافظون كل منهم على ما استلم من ربه وما خذله. ليست القضية ان يجتمعوا حول مصالح هذه الدنيا في حكمة هذا الدهر ولكن حسب الحكمة التي توحيها -انت لهم في قلوب منكسرة- لا تبح يا سيد لأحد منا اي نوع من الاستباحات ولا اي شعور بالاستعلاء ولا اي تنطح للسلطة ان كان حقا قادرا على الحب وعلى اجتماع المحبين لإعمار لبنان فكرا وعملا.

هذا طبعا يقتضي ترتيبا لأمور تبلغ احيانا ذروة في التعقيد ولكن هبنا الا نعقد الأمور استكبارا او طمعا في التسلط. حبهم لك يعني في ما يعني انه لا حق لأحد باسم الدين او المذهب ان يقود هذا البلد وحده وممنوع على اية طائفة ان تربط كرامتها بهذا المنحى او ذاك من السياسة. هذا يطرح مسألة الطوائفية التي ارجو ان تسمح لي بالا اجعلها بعضا من دعائي. هذه لن تذهب الا بدوس قدميك لها.

اما الطوائف فلا يهمك ان تكون مكونة فقط من اجساد. انت ترى وجوها جميلة في كل تكوين تاريخي ومن كان جميلا لديك يتعاون ومن تستحسن من كل صوب، لذلك ترتكب معصية ضد الانسان تلك المجموعة التي تعتبر نفسها الأبهى والأفعل والأبقى. «كل جمال عشب وكل جماله كزهر الحقل. يبس العشب، ذبل الزهر لأن نغمته الرب هبت عليه. حقا الشعب عشب» (اشعيا 40: 6 و7). وفق كلام نبيك أقول كل طائفة عشب. واذا قالت كلمتك تكون او الأحسنون فيها يكونون. وانت تتمجد فيهم ولا تنظر الى امكنة صلاتهم بل الى صلاتهم.

#            #

#

ليس مرادك ربي ان تلقن اللبنانيين فقه السياسة. هم خبراء في هذا الحقل، علمهم الصدق اولا والا ينتقصوا من مجد الجماعات الأخرى لأن كل مجد زائل كعشب البرية. هم يفرحهم كثيرا انهم يتقنون فن إدارة البلد. ولكن قلة منهم تعلم ان الله ليس حليف اي مكون مجتمعي في هذا البلد لأنه فقط حليف من احبه.

ولعل افضل إلهام يحتاجون اليه ان عشق المال باطل وانه كان خراب البلد في مرحلة ليست ببعيدة. قلت هذا لأني رجل طاعن في الشيخوخة ورأيت ازمنة اجمل. انت قادر الآن ان تجعل الأيام الآتية اجمل من كل ما مر علينا من ايام.

عالجنا يا رب علاجا سريعا لأننا مشرفون على الموت الروحي. من زكى نفسه لأي سبب سياسي بتحليل يعتبره صحيحا وقتل نتيجة تحليله هذا مآله غضبك.

ارحمنا يا رب ارحمنا لأننا لما جرحنا البلد اخطأنا اليك وهذا هو الموت الكبير. توبتنا اليك تسوقنا الى ان نتوب الى الآخرين والى ديمومة لبنان لخدمة بني الانسان. آمين.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

بناء الكنائس في دار الإسلام / السبت 22 كانون الثاني 2011

سأرى الى هذه المسألة في جانبيها النظري والعملي منذ بدء ظهور الإسلام. جاء في التنزيل: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيَع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا» (سورة الحج، ٤٠). يقول الله هنا ان البيع وهي الكنائس يذكر فيها اسم الله. هذا موقف من المعابد المسيحية ودي.

عند الفتح لدينا العهود العمرية التي تنهي عن هدم الكنائس في الكلام الآتي: «هذا ما أعلن عبد الله عمر، أمير المؤمنين، اهل ايلياء (هذه كانت التسمية الرومانية للقدس)، من الأمان. أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم. ولا يضار أحد منهم…». وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين.

وهذا طبعا يتمشى مع اعتبار التنويع الديني قصدا من مقاصد الله: «ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة« (هود، ١١٨) بحيث لم يشأ الوحي أن ينصهر الموحدون في ملة واحدة على قول الوحي: «ورضيت لكم الإسلام دينا». وقبل نزول هذه الاية لم ترد كلمة الإسلام مرة واحدة بمعنى ان اهل الاسلام هم حصرا الذين اتبعوا رسالة محمد. واذا كان اليهود والنصارى يصلون على طريقتهم فهذا يفترض اماكن تجمع لهم للصلاة. وفي حال اعتبر عمر ان العهد الذي اعطاه اهل ايلياء عهد الله أفهم من هذا انه لا يتبدل بتبدل الأزمان.

فيما كنت اتأمل في هذا سمعت منذ ايام معدودات ان دولة المغرب تمنع بناء كنيسة فلم أفهم القصد من ذلك اذ ليس في هذا البلد الطيب شقيق مواطن مسيحي واحد. من يخشى المغرب في حالة الفراغ الكامل من المسيحيين؟

المملكة العربية السعودية تحرم تحريما قاطعا بناء كنائس ربما استنادا الى حديث شريف مفاده ان لا تجتمع ديانتان في الجزيرة. ولست اظن ان المملكة تمنح جنسيتها لغير مسلم. فالمنع يقع تاليا على المسيحيين الأجانب الذين يقصدون المملكة للارتزاق. غير ان دولة الإمارات تشاد فيها كنائس بمعرفة السلطات وإذنها. وبهذا تكون اجتمعت غير ديانة في جزيرة العرب.

في هذا الاتساق نشرت “لجنة العمل ضد عدم التسامح في البلدان الاسلامية” في 17 كانون الثاني 1997 في باريس لصالح المسيحيين المميز ضدهم (وهذا تعبيرها) في المملكة العربية السعودية طالبين من السلطات منحهم الحق لممارسة دينية موافقة لإيمانهم الحق في المجمعات للصلاة.

بعد هذا التداخل نشر الشيخ أبو بكر جابر (أو الجابر) رئيس قسم الدعوة الاسلامية (انقل عن الفرنسية) في جامعة المدينة في لموند (20 /8/ 87) ردا أهم ما ورد فيه ان المملكة العربية السعودية ككل يعتبرها الاسلام مسجدا لا يمكن ان تجتمع فيه ديانتان.

في زمن هذه المناقشة الصحافية كان في المملكة ثلاثمئة ألف مسيحي من العرب والهنود وغيرهم قصدوا ذلك البلد للارتزاق وربما بلغوا اليوم عددا أعظم من هذا. فالمنع من صلاة الجماعة يقع على هؤلاء وهم يتوقون ان يقتربوا الى الله حسبما يعرفون وتعرف السلطات هناك ان لا خطر منهم على الاسلام اذ “لا ردة في الاسلام”.

اليس من الممكن في احترام متبادل بين السعوديين والأجانب ان يسمح لهؤلاء بما هو الحد الأدنى من الاعتراف بحريتهم، ان يسمح بدعوة قس أو بضعة قسوس لإقامة الصلاة في أيام الآحاد او أقله بدعوتهم مرة أو مرتين في السنة أي في الميلاد والفصح لإقامة الصلاة للمسيحيين وذلك في تخصيص قاعات لهم في المناسبات؟

هذا لا يكون الا اعترافا رمزيا بوجود انسانية كامل الاعتراف بها في هؤلاء المهاجرين ويكون هذا تطبيقا للقاعدة القرآنية: “لا اكراه في الدين”.

أما في مصر فالمسيحيون كانوا يصلون حتى فترة قصيرة متى شاء لهم رئيس جمهوريتهم ان يصلوا. يشيدون معابدهم ويرسمونها اذا أراد ومتى أراد. والآن انتقلت المشيئة في كل محافظة للمحافظ أعني المشيئة المطلقة بلا شرط ولا معيار قانوني ولا سؤال عن حاجة أصحاب الاستدعاء وعددهم. السيد المحافظ مرجع نفسه. ونفسه مرجعها مزاجه.

كل جزئية في حالة الكنيسة بأمر السلطة فالترميم قد تقتضيه حالة البناء وقد يسقط على رؤوس العباد. من الترميم المطلوب مثلا ابدال حنفية ماء معطلة بحنفية جديدة. هذا يتطلب استئذانا.

للدولة المصرية الحق باتخاذ الاسلام دينا لها ولكن هذا الدين هو يقول انه لا يقيد الآخرين بحيث يبيح لهم حق العبادة ويعتبر ان الاختلاف والتعدد مشيئة الله. أنا لا أود ان اتكلم هنا على الديموقراطية وحقوق الإلسان. هذه لغة غريبة احترمها. اني أريد ان أخاطب دولة اسلامية لشعب عزيز وشقيق من ضمن المنطق الاسلامي، من سورة الحج، من ايام فجر الاسلام كما سماه احمد أمين كان أعظم سماحة من أيامنا هذه. أنا في إطار التعامل المسيحي – الاسلامي أتحدث انطلاقًا من لغة الاسلام.

لقد فهمت دولة الامارات وربما دولة البحرين بان الاعتراف بالضيف هو أولا الاعتراف بحريته ان يصلي حسب قلبه.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المسيحيون المشرقيون / السبت 15 كانون الثاني 2011

العبارة لها دلالة لاهوتية لا جغرافية. فهناك لاهوت غربي خاص نما في القرن الثالث عشر وهناك لاهوت شرقي يحافظ على فكر الآباء القدامى بصورة حادة. غير اننا في هذه العجالة نتكلّم على كل المسيحيين القاطنين المشرق العربي، على اولئك الذين انضموا فكريا ونظاميا الى الكثلكة والذين لم ينضموا ذلك ان هناك مكونات مشتركة لكل الكنائس كالنظام البطريركي او المجمعي وأحيانا هيمنة للغة قديمة في العبادات مثل السريانية والقبطية والأرمنية والحبشية القديمة واتخاذ هذه الكنائس طابعا اثنيا ما لم يحل دون تفشي العربية في الصلاة. فاذا استثنينا إثيوبيا نرى هذه الجماعات المذهبية قاطنة الشرق العربي.

الى هذه الجماعات ظهرت الحركة الإنجيلية منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر التي لعبت دورا هاما في النهضة العربية وفي نشر مبادئ الإصلاح البروتستنتي وتأسيس التعليم الجامعي.

وعلى كون بعض من هذه الكنائس تفرعت عن الجذر القديم وعلى بقاء الأصل والفرع وما بينهما من خلاف واختلاف فإن ما يجمع كل المسيحيين في هذه المنطقة ايمانهم الواحد بالمسيح واتباعهم انجيلا واحدا ودستور ايمان واحد ما يجعل الرؤية الى وحدتهم امرًا شرعيا. وهم يتقاربون كثيرا في المحبة وذوق الإلهيات والتعاون على الأرض من بعد منتصف القرن التاسع عشر وتجمعهم المحنة اذا حلت بفريق اذ يحسون ان استضعاف هذا الفريق يصيب الجميع. من هذه الرؤية صح إحساسنا بوحدة المسيحيين المشارقة فعلى عدم احصاء دقيق ارى انهم لا يقلون عن خمسة عشر مليونا في العالم العربي وهم انتشروا فيه من بعد موت المسيح بقليل يحمل رسالته الى كل أصقاع هذه الديار تلاميذه الاثنا عشر ورفقاؤهم في الرسالة.

واذا اخذتهم جملة لا يصح السؤال متى جاؤوا. هم كانوا قبل تدوين الأناجيل في سوريا ولبنان وفلسطين وآسيا الصغرى (تركيا الحالية) ومصر. عندنا مد مسيحي منذ البدء ولم ينقطع وحسب المؤرخين المحدثين كانوا في اواسط القرن الثالث عشر 75% من اهل بلاد الشام والى فترة قريبة 30% فيها.

# #

#

وما كان أهم من العدد كانت سوريا بمعناها التاريخي ومدينة الاسكندرية في الألفية الأولى تحملان كل الفكر المسيحي اي في زمن لم تكن فيه اوربا شيئا. كل المسيحية عقيدة ونسكا ورهبانية كانت هنا. وكفاك ان تقرأ أعمال الرسل لترى ان الايمان المسيحي حمله الى العالم دعاة ذهبوا الى الغرب من انطاكية عاصمة ولاية المشرق الرومانية وحسبك ان تعرف ان المسيحية اجتاحت كل الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط انطلاقا من صور.

لذلك كان من جهل التاريخ ان يقرن اسم المسيحية بالغرب. الغرب ولدناه نحن في المسيح حتى استقام عقله الديني. ولما أحس بقوته العسكرية في آخر القرن الحادي عشر شن علينا (وقلت علينا) ما سميناه حروب الفرنجة في القدس فذبحوا الأرثوذكس والأرمن والمسلمين معا. وفي الحملة الرابعة التي شنوها على القسطنطينية السنة الـ 1204 دمروها ودنسوا كنيسة ايا صوفيا. لماذا تحولت هذه الحملة عن فلسطين لكسر امبراطورية مسيحية؟ نحن لم نكن اذًا حلفاء الغرب وما اشتركنا في إبادة المسلمين.

لذلك عندما يسمينا أيمن الظواهري صليبيين يكون غير قارئ للتاريخ او يتجاهله. لماذا ندفع نحن ثمن الغباء الغربي؟ ولماذا ينظر بعض القوم على اننا جالية مزروعة هنا وغير أصيلين؟ متى تهب ربي عقولهم العدل حتى يثقوا بنا ونحن لم نخرب كيان احد؟ عندما نتهم بمحالفة الاستعمار هل يعني ذلك اننا رفعنا المعاريض لندعو الاجنبي الى احتلال بلادنا؟ كلكم يعلم ان استعمار الفرنسيين والانكليز لمناطقنا كان مبنيا على قرار سايكس بيكو في تقسيم الدولة العثمانية؟ هل نحن ترجينا فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا القيصرية المجتمعة آنذاك لنعرب لها عن سرورنا باحتلال الغرب لديارنا؟

# #

#

ماذا يعني الحضور المسيحي في الشرق لكل انسان فيه. اذا أدرك ان هناك ما يفوق السياسة قدرا واذا فهم المسيحيون ان قضيتهم أثمن بكثير من تحصيل حصة في الحكم. اذا احسوا انهم بناة للبلد حصة من حصص الله ماذا عليهم؟ انهم عطاء روح لكل روح ودفق حب لكل قلب، لكونهم يعطون ما ركزت عليه رسالة الإنجيل في إلهام بولس ان يتمنى ان يصبح كل منهم إنجيلا حيا لا مكتوبا بحبر وقلم. واذا لم يحسوا بهذه المسؤولية فليذهبوا. لا محل لهم على تراب البلد الا اذا كانوا آتين اليه من الحضن الإلهي.

هذا لا يعني انهم بذلك يحمون انفسهم. هذا يعني انهم يحمون كل انسان من جهله. لم يبقَ مجال الآن للافتخار بالجسد، بترف العيش وان كانوا مترفين او بالاعتزاز بثقافتهم فكل الناس باتوا عارفين بكل شيء. وليس عند المسيحيين اي امتياز على الصعيد الثقافي في المثلث السوري-اللبناني-الفلسطيني واذا تمتع المواطنون جميعا ببهاء المعرفة فهذا يسرنا جميعا.

اذا تجمّل المسيحيون بكل جوانب الطهارة والصدق والإخلاص لاوطانهم هل يثمر هذا سلامة لهم؟ الطهارة وما اليها كثيرا ما كانت مقرونة بالشهادة اي بالموت. السفلة والأدنياء لا يقتلهم احد. اما الذين نالوا حرية الروح فليس لهم ضمانة الا من الروح. ان تعالوا والتمسوا القداسة يسكن الله في قلوبهم. في هذه الحال من اعتدى عليهم يكون معتديا على ذات الله. ان طلبوا الدرجات العلى من تأله يكمن فيهم قد يؤتاهم التأليه مجانا وان لم يلتمسوا الألوهة تصير حياتهم فراغا.

القولة ان لبنان بلا مسيحية لا ينفع شيئا يفترض من كل من آمن بها ان يطلب الى المسيحيين ان يصبحوا عظماء في القداسة. ومن طلب اليهم ذلك يكون قد تحول هو ايضا بالقداسة ورقت فيه الحان من السماء.

ان يبقى هذا الجسد يعني ان تبقى الترابية فيه. اما اذا زال فلا تنقطع من حوله رائحة المسيح الزكية. وسنبقى له شهودا بالحق. نكهتنا حب الى ان يحل ملكوت الله في كل الخلائق العاقلة ونصير انسانية واحدة معروفة بالحياة الجديدة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

مقتل المسيحيين في مصر / السبت 8 كانون الثاني 2011

لا إمكان لأحد أن يعرف من يموّل قتل المسيحيين في الشرق. الأمر على ضخامة وسياسة بحيث لا يقنعني ان هذه الجرائم يقوم بها أبناء الشارع يكفرون المسيحيين ولا يطيقون وجودهم. كما ان لا شيء يقنعني ان هذه الجرائم مجرد جرائم سياسية. هي خليط من سياسة لا أعرف طبيعتها وعمقها وبغض ديني واضح. ان ترد الأمر الى مجرد تحرك سياسي لا كراهية دينية فيه موقف سذاجة. كذلك ان ترد الأمر الى غضب ذي مصدر ديني لا يقنع. النفس الغاضبة لا تعبر عن هياجها جماعيا ما لم يحركها مدبرون أذكياء عائشون بالغضب او بالسياسة او بهما كليهما.

لا تكفيني كلمة تطرف او عبارة حركات متطرفة. دائما كنا نعرف التطرف على مستوى الفكر كلاما او كتابة ولكن هذا الهياج ما كان مدخلا الى الإبادة الجماعية. كان الناس يتساكنون حتى الصداقة ويظلون على آرائهم في ما يتعلّق بالديانة الأخرى ويحب المرء فيها ما يراه قابلا للحب ويقبل على ما يقبل ويهمل ما يهمل ولا يودّي هذا الى شجار ولا الى خصومة شخصية.

نحن اليوم في حالة هبوط خلقي يفسر وحده النحر الذي يذوقه المسيحيون من العراق الى مصر واذا اتهمنا ان لإسرائيل ضلعا بالموآمرة أفليس من الضعف الخلقي ان يسلم هؤلاء الناس لها بلا رعاية ولا هداية. واذا غابت عنهم الهداية فحقنا جميعا ان نذكر المسؤولين عنهم بضرورة إحاطتهم بالهدى لئلا يعبثوا بالأرض ومن عليها ويتفشى أذاهم في الدنيا كلها ويبقى الموت وحده لغتهم. نحن من اجل سلامة عقولهم وقلوبهم لا نرضى لهم نفوسًا مجرمة اذ سنقول لهم دوما ان الإله الذي ندرك رحمته يحبهم كما يرحمنا وسنبقى نرفع شأنهم وندعم عزتهم ونريدهم على أرقى ما يكون عليه الإنسان المتحضر لنتعايش بالرفعة ولا يبقى احد من البشر تحت رحمة المجانين.

القتل الجماعي ليس مسألة داخلية حتى يقال لحبر من الأحبار كبير الا دخل له في التعدي على مؤمنين مجتمعين للصلاة. هل إبادة أقوام بسبب دينها شأن داخلي في بلد من البلدان ام هو فعلة إجرامية يقضي الضمير بشجبها واستنكارها. والبلد لا يصبح بلدا سليما الا اذا تناغم مع الداعين الى حفظ الوجود. الى اين نحن ذاهبون بالمقاييس التي ورثنا منذ بدء الحياة الحضارية؟

# #

#

السؤال الذي يطرح نفسه بداهة هو لماذا استرخاء السلطات المصرية امام استفحال الإجرام. هل الحكم مشلول حتى الخوف؟ الخوف ممن والأقباط شعب سلس، طيب، متمسك بطابعه الوطني تمسكا شديدا، ورع، مذهلة تقواه، ممحو من الوجود السياسي لا يُنتخب (بضم الياء) منه احد. القتل ليس مرده اذًا الى عيب في المسلكيات القبطية، الى ضعف في الولاء للدولة. لا حافز قابلا للتحليل السياسي الداخلي.

السؤال المطروح عليك في كل يوم هو هذا: هل يمتد هذا الذبح الى بلدان عربية اخرى فيها مسيحيون؟ الجواب الذي اميل اليه هو اني لا اخشى مذابح في لبنان وسوريا وفلسطين التاريخية مصدرها اهل البلد لأنهم يرتضون بعضهم بعضا بكل قناعة ويؤمنون بأنهم متكالمون حضاريا وموحدون معاشيا ويحسون انهم محتاجون بعضهم الى بعض وان اذواقهم الحياتية متقاربة جدا حتى التوحد. جلاؤنا او اجلاؤنا لا ينفع احدا.

مع ذلك ظني ان ثمة إمكانا لوجود قوى رهيبة متعاونة او متلاقية ضدنا في وحدة الهدف أعني بالأقل تقزيمنا. الأذكى بين هذه القوى اسرائيل وعندها كراهية للمسيحيين خاصة صريحة في الأدبيات الصهيونية.

لا تكفي تدابير الوقاية للمصلين المسيحيين تحميهم عند اداء شعائرهم. هذه تدابير ممكن اختراقها ولا تستطيع الدول ان تجند الكثير من جنودها في سبيل هذه الحياة. كيف يصلي المواطن ان شعر بالحماية طوال صلاته؟ وهذا الخوف يثبت المسيحي انه يرث طمأنينته من الدولة او من المواطن غير المسيحي ولا يستجديها لكونه مواطنا من الدرجة الاولى.

يجب ان ينتهي العالم العربي من شعوره بوجود اكثرية وأقليات والأهم ان يموت عند المواطنين جميعا الشعور بأن فئة تحمي فئة. لم يوكل الله احدا بأحد. نحن جميعا متعاضدون متكافلون وإخوة ليس فقط بتفويض من الله ولكن بحق انساني ذي طبيعة مدنية لا دخل فيها لدين. الإنسان إنسان يولد مساويا للإنسان الآخر ويحاكَم اذا اعتدى عليه ويعتدي اذا ميّز نفسه عن الآخر ويدان أدبيا اذا جعل لنفسه كرامة تفوق كرامة الآخر.

# #

#

ازاء خطر اهل هذا الشارع على أهل الشارع الآخر لا بد لرجال الدين من كل فريق ان يرشدوا ابناء دينهم الى ما يقوله الله لهم بحيث يفهمون جيدا ان القتل مصيبة كبيرة والمعصية تدفعنا الى استمرارها وتعرضنا الى إفناء الآخر.

أدعيتنا اليوم من اجل احبائنا في العراق وفي مصر لكي يثبتوا في ايمانهم ويرجوا الى الله ان يجعل في قلوبهم الغفران من اجل الذين ذبحوا اهلهم لأنهم ما كانوا يعلمون ماذا فعلوا. انا اضم صلاتي الى صلاتهم كي لا يقيم الرب على قاتليهم خطيئة. هذه هي وصية الرب ونحن بها مقيدون. كذلك نرجو الى إلهنا ان يمنع كل ذابح من الذبح كما منع ابراهيم من قتل ابنه اسحق.

كل ذبيح من اجل الله يشهد للحق ويقيم في المجد الإلهي. لقد صاروا نورا لنبقى عازلين أنفسنا كليا عن البغضاء ولكن نتكلم عاليا عن عدالة قضيتنا وقضايا الآخرين ليصل الناس جميعا الى حرية ابناء الله في صفاء القلب. ألم تسمعوا قول الشاعر: «ما كان الصليب حديدا بل خشبا»؟ نحن لا نعرض أنفسنا للصليب. نقبله اذا فرض علينا ولا نتذمّر. ولكنا لا نرفض من احد خدمة يبديها لنا محبة بنا وحفاظا على شهامته. وكما نريد ان يرفع الظلم عنا ونسعى ان نحرر كل مظلوم. نحن حلفاء كل المقهورين في الأرض. نحن معنويا مقتولون مع المقتولين ومناشدون العارفين والاتقياء من كل دين ان يحثوا العارفين والأتقياء، من الدين الآخر ليظلوا اخوة، ويشعروا انهم واحد في انسانية راقية تبتغي الخير للجميع.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

2011 / الجمعة 31 كانون الأول 2010

اذا حزنا كثيرًا السنة المنصرمة فلتفتح أبواب السماء لنرث الرجاء. لا نستطيع ان ننسى آلام البشر وتبقى الذاكرة موسومة بالأوجاع حتى يغرس فينا الرب شوقًا إلى الفرح الذي وعدنا به المسيح. نمتد إلى الآتي النازل علينا من فوق حتى تتجدد أبديتنا في كل لحظة.

الأبدية دفق علينا. لا نصنعها بأشواق. نتلقاها نعمة ونوزعها بالحب على الجائعين اليها ولكن ماذا نعمل بالعقل المحلل والمضني. هو يقول ان الكوارث قد تحل، قد تعيد الينا الأحزان والفقر والمرض. تتشابه الأزمان في الشقاء ويقع الموت علينا كما تحل المسرة. وما يسمى تاريخًا هو تاريخ الخوف الذي فتك أو الذي نتوقعه ما خلا القداسة التي تحمينا وحدها من مخافة الموت.

السنة التي نستهلها اليوم موصولة بالتي عبرت وقد لا تكون أفضل منها لأن للأحقاد استمرارا وللتوترات بقاء والعداوة حاكمة حتى نهاية الدهور والهويات متناحرة فأنا عدوك لأني أنا أنا وأنت أنت وثروتي كثروتك، تشبهني فأكرهك أو أنت أذكى مني ولا أعترف بذلك فأنمّ عليك وكامنة فيّ ذئبيّة مفترسة لأقضي عليك وهذا كله يبيت في السياسة بغلاف الايديولوجية اذ الكلام كالمقول ستر لكلام غير مقول. البشرية قذارات ودم حتى يتجلى الله ويغسلنا من كل ذلك.

كيف اذًا نغير الكون؟ من يغيره؟ السؤال يفترض ان ثمة جماعات قادرة على تغيير السياسة. الناس عندنا يحسبون ان تغيير البلد في أيدي أهل الحكم ولكن القلة تؤمن ان الساسة يريدون بلدًا جديدًا وان ليس لهم مصلحة بظهور بلد حسن وجميل. ويؤتى بهم لمصالح الناس في آلية انتخابات نزيهة. ولكن لم يتبين حتى الآن إرادة تغيير. ماذا نعمل اذًا. هنا اليأس والقنوط يسودان وهذا يؤدي إلى تفجع ناتج من ان القديم على قدمه والتفجع من عدم ظهور دولة حاكمة أي قادرة.

#    #

#

انها لأعجوبة ان يعيش الناس في بلد لا حكم فيه أي لا عدالة فيه، بلد انقطع فيه الحوار بين الحاكم والمحكوم اذ لا يبدو فيه إرادة التعامل بينهما. وإذا نظرنا إلى غير لبنان، إلى الجوار العراقي مثلا أو الجوار المصري كل شيء يدل ان العنصرية تسود بشكل بشع عنوانه حسب الظاهر ان المطلوب تفريغ البلاد من المسيحيين. من هو العامل، من المخطط لكل ذلك، لمصلحة من؟ عند التحليل البسيط ليس ما يدل على ان المسيحيين العراقيين تحيزوا في العراق لفريق.

تعذرونهم اذا خافوا على وجودهم الجسدي وعلى شهادتهم الحضارية. وهم لا يربحون شيئا من فتنة اسلامية التي اذا حصلت، لا سمح الله، لا توفرهم. يقتلهم الغير مجانًا فإن موتهم ليس مربحا لأحد. لماذا صلاتهم في الكنائس يجب ان يحميها الجيش؟ هل جميل ان يصلي القوم خائفين أم يقبعون في بيوتهم لتصبح معابدهم أثارًا للسواح؟ من يمنع الذابحين ان يقضوا عليهم في منازلهم؟

كيف نشأت هذا البغضاء والمسيحيون قلة ليس لها قدرة ان تبغض أحدًا، قلة ليس لها أية وسيلة لتثبت نفسها في الوجود الجسدي فقط. أليس عيبًا ان تلتمس حماية بعد ان اقنعوها ان النظام في خدمة المواطنين جميعًا. ومن الثابت ان الدول الكبرى وكلها علمانية غير مهتمة بهذه الأقليات للحفاظ عليها جسديًا وهم لا ينفعون الدول بشيء. الصغار لا يدخلون في أية معادلة سياسة ولا يبدو ان أحدًا يتحرك لبقائهم واتكالهم على الله وحده.

الدنيا كلها ذبح حتى يعطل الرب أيدي الذابحين. لماذا لا يفهم القتلة ان الأخوة البشرية غير مستحيلة، انها أطيب عيش؟

#    #

#

حلول عالمية أو كونية ما بانت بعد. هل تنفع مناشدة الضمائر؟ السنة التي نستهلها اليوم ستراق فيها دماء ما لم تحصل أعجوبة سلام إلى هذا تفرغ فلسطين التاريخية منا بلا دم مهراق. ولكن من يقول هناك للمسيحيين الا يهاجروا؟ هل أرض المسيح معقولة حضاريا بلا أتباعه؟ هل تصبح كنيسة القيامة وكنيسة المهد أثرا بعد عين؟ هل يقال بعد بضع من سنين، هنا صلى قوم اسمهم المسيحيون ليذكرهم السواح ذكر قوم انقرضوا؟ معيب على العرب جميعا ان يتكلم يوما على كنيسة القيامة كما يتكلم الدليل عندنا على قلعة بعلبك. بلا المسيح عيسى ابن مريم اين تيقى بلاغة العرب؟

#  #

#

خارج الحديث عن الدول وحكامها، خارجا عن السياسة والدعاء يبقى الإنسان الفرد عربيا كان أم غير عربي وحده أمام الله. كان على كل منا ان يقول وحده لربه: ها انا لك مرميا في حضرتك، امام وجهك وحده اذ لم يبقَ لي وجه إزاء أحد. أنا لك في فقري وتعبي وأولادي الذين نسي القتلة ان يقتلوهم. أنا وهم في رحمتك. أنت طالبنا ونحن طالبوك. احينا انت في هذا الزمان الرديء الذي خلقه الأشرار وأهملنا فيه حكامنا. نعيش بفتات من الخبز وقد لا يبقى فتات. نحيا على الرجاء به نحن مخلصون. ادخل محبتك على ما تبقى لنا من هذا الجسد. ادخلها على تعبنا، على ضعف أجسادنا.

نحن عاهدناك الا نكره أحدا من حكامنا والمواطنين. ليس لنا سلاح نحمله ولا نريد. سوف نجوع إلى حبك اذ لم يبقَ لنا خبز نجوع اليه. بقوتك وحدها نحمل رجاءنا معنا ولو تشتتنا في دنياك الواسعة اذ ستكون أنت وطننا الوحيد. وفي شقاء سعينا سوف نجاهد الجهاد الحسن ونحفظ الايمان بهذا القليل الذي سيبقى لنا من التنفس.

علمنا ان نحب الذين يحبوننا والذين يبغضوننا. سنحب العراق ومصر وفلسطين حيثما استبقينا. سنحافظ على الجميع اذ لا ندين احدًا ولا نرى فيه السوء. ونسألك ان تفتقد كل البشر برحمتك الواسعة وتهديهم إلى الحق والدينونة لك وحدك في اليوم الآخر. لا نريد ان نقيم على أحد خطيئة فالقانون والراحمون كلهم ابناؤك.

امتحنا على قدر طاقتنا حتى لا تخور قوانا واجعل هذه السنة مرتعا لقدرتك أنت لنقول انها سنة جديدة. الجدة منك. أعدنا اليك وحدك حتى لا يخذلنا احد ولا نتمرمر فالتمرمر هو الجحيم. كل يوم، كل لحظة شدنا اليك حتى لا نموت حزنا. انك قضيت على الحزن بميلاد المخلص وموته وقيامته. بسبب منها نصبو إلى قيامتنا فيك كل يوم على رجاء القيامة الأخيرة والحياة الأبدية.

هل نفتتح معك السنة هذه بفضل من كلمتك ووعدك لنا بأرض يسكنها العدل. فاذا أتى أو لم يأتِ أنت وحدك مطرحنا ومطرح المطيعين لك الذين اعددت لهم ملكوتا لا يفنى.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الميلاد / السبت 25 كانون الأول 2010

ان لم يكن كل عيد تدفق حب يكون فقط قطعة من الزمان ولا يصبح الزمان نقطة فينا وقد يضحي زمانه زمانا رديئا نقضي فيه حاجتنا الى التفاهات. ارى هنا مساحات مضاءة تقول للناس ان الميلاد قادم او قدم. هل دخلنا نحن عالم المعنى؟ من صاحب العيد او هل للعيد صاحب ام نحن وأطفالنا المحتفى بهم ولا سيما اذا اكلنا وشربنا ولهونا. هل هناك فاصل بين المؤمنين الذين يصلون واولئك الذين لا يصلّون. أتحجب هدايانا من تقبل هدايا المجوس؟ شغفنا بالزينة اذا جملنا الموسم فارغا من المعبود أليس عبادة للمخلوق؟ الا اعطانا الله ان تنفع الذكرى.

في البدء كان الفصح اي عبورنا من خطايانا الى حرية ابناء الله بالبر وفي مرحلة ثانية أتت الكنيسة بعيد الظهور الإلهي الذي يعيد له في السادس من كانون الثاني ويتضمن ذكرى عماد السيد وذكرى ميلاده حتى فصلا لأسباب رعائية. فصلت الكنيسة الميلاد عن العماد فجعلت تاريخه في عيد مولد الشمس في الامبراطورية الرومانية لئلا ينضم الشباب المسيحي الى الشبيبة الوثنية فيلهوان معا.

في الشرق بقي الفصح غالبا شعبيا. في الغرب انتقلت الأهمية الى الميلاد مع بقاء الكنيسة اللاتينية محافظة طقوسيا على قوة القيامة. عيد الميلاد المدعو الصغير هو طريقنا الى العيد الكبير الذي هو قلب فرحنا. الميلاد بدء الخلاص الذي يكتمل بصلب المخلص وقيامته. وهما ينعكسان فينا غلبة على الخطيئة وخوف الموت. للرعاة قال ملاك انكم تصيرون عظاما اذا استقبلتم ملك الملوك الذي يدعى مخلص العالم. لقد ولد في الجسد في بيت لحم لتولدوا مع كل البشر من فوق فتصيروا فاهمين وبالفهم الروحي فيكم تتجدد الإنسانية كلها وتصبح أرضكم سماء يسكن فيها العدل والعدل الكبير هو المحبة.

# #
#

هي محبة الله لكم من الآب وابنه وروحه. فالكلمة صار جسدا وحلّ فينا وبعبارة اوضح لليونانية التي نزل فيها الكتاب «صار الكلمة جسدا لينصب خيمته في حينا» فإنه يساكننا حيث نبيت ونبيت في أرض الله الواسعة مع كل من احبهم الله فجعلهم ابناءه. انتم كذلك لأن المولود الجديد جعلكم بذلك »شركاء الطبيعة الإلهية« بحيث تقر فيكم كل قوة الله وتدنون من كل إشراقات الرب لتضحوا بدوركم مكللين بالضياء الإلهي.

لقد اختار الله ان يبعث اليكم بابنه لتعرفوا قرباه. هذا هو سره انه اراد هذه الصورة ليعبر لكم عن احتضانه. تبناكم بملاصقتكم بشريته لتدركوا حقيقة قرباه. اجل كان له ان يخلصكم بكلمة ويبقى في سمائه ولكنه أراد بمشيئته الأزلية ان يوضح لكم محبته بصورة محسوسة فيتصرف المسيح معكم بطريقة إلهية-انسانية لتدركوا انكم مدعوون الى ان تتصرفوا إلهيا. تدركون عند ذاك انكم قادرون على تقبل الألوهة فيكم فلا تبقى هوة بين السماء والأرض.

الا تعلمون ان المسيح بعد ان جلس عن يمين الآب قال لكم انكم انتم به وفيه مدعوون بالنعمة ان تجالسوا الله وان ترفعوا فكركم الى «الفكر الذي كان في المسيح يسوع».

هذا حقق التواصل بينكم وبين أبيه اذ ان طبيعتكم الجسدية قادرة ان ترتفع بلا انقطاع. غير ان هذا التواصل عطاء منه وهدية منكم اليه ليس كهدايا المجوس اذ ان هديتكم واحدة وهي التوبة. بها تفهمون ان المسيح كما كان فقيرا هو الذي يجعلكم فقراء الى أبيه وكما بات متواضعا يربيكم على التواضع الذي تفهمون فيه ان ليس لكم سوى كبر التواضع. بالتوبة تتحولون الى وجهه فيرتسم عليكم نوره وتغدون كلكم قامات من نور. تسقط، اذ ذاك، ترابيتكم فيراكم نورا.

هذا يقتضي ان تصيروا مسحاء اي ممسوحين بنعمته وثابتين امامه بالنعمة وممتلئين بالفرح النازل من عنده اذ ليس لكم بحق الا هذا الفرح. وما لكم من مقر الا قرب عرشه أبرارا مع كل الأبرار، أحياء بكل قداسة يغدقها هو عليكم يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل اذ ليس من تاريخ الا تراكم القديسين المذبوحة قلوبهم بالحب حتى يجيء الرب ثانية في آخر الأرمنة.

# #

#

«افرحوا في كل حين وايضا أقول افرحوا» ولا تخشوا كونكم قطيعا صغيرا. لا تحزنوا من هذا فالقطيع الصغير يولفه كبار النفوس ولطفاء القلب. ليس لكم ان تعدوا المؤمنين الذين يأتون من عمق الرب. العالم الإلهي لا يخضع للأرقام. هو توهج وفي التوهج تتكون الوجوه. «هلموا نصعد الى جبل الرب» ولا تصالحوا السقوط والذي قدر ان يخرجكم من العدم الى الوجود المنظور قادر ان يرفعكم الى الوجود غير المنظور الذي يؤلفه القديسون.

ميلاد الرب وعد لكم وموعد مع البرارة. ومتاع الدنيا يبقى في الدنيا وانتم منذ الآن مخطوفو النعمة ومتكونون منها. لا تخالطوا الظلمة ولا موضعا في الظلام لأن سكناكم الملكوت. هذا ليس مرجأ. فالملكوت يقترب دائما منكم لأن المليك قد جاء واختاركم وأحبكم واتكأتم على صدره وهناك سمعتم كلمات لا يسوغ النطق بها. وبعد هذا فالامَ تستمعون؟ «رنّموا للرب ترنيمة جديدة» كلما استمعتم الى كلمات الرب.

رتلوا امام المذود في فقركم الى مطرح في المذود. منه يأتيكم الهتاف اليه وبعد الهتاف اليه تخرجون الى العالم لتضموا اليكم أجواق السكارى بالحب الإلهي.

عيدكم اليوم زينتكم الداخلية وما من زينة أخرى حتى يحب الله جمالكم اذ هو جماله. يحبكم الله كما يحب ابنه الوحيد بالمقدار نفسه والزخم ذاته لأنكم حصلتم على مجد المسيح بين الجلجلة والقبر. لازموا بيت لحم كمنطلق الى العلى.

هذه معموديتكم الثانية. انكم لقد متم مع المسيح لتقوموا معه وذلك كل يوم في نباهة النفس واشتهاء الكمال الذي ينزل من عنده. بعد هذا لا يبقى لكم ما نطلبونه. انتم مقيمون عنده برغبة الإقامة.

الميلاد جاء لتطلبوا الميلاد الثاني لكم هذا الذي وعدكم به. الإنسان يولد من السماء قبل ان يبلغ السماء العلوية. هو أزال الهوة التي كنتم تتصورون بين ما هو فوق وما هو تحت. لأنه هو الذي أصعدكم منذ الآن الى فوق.

هذا هو ميلاد الرب وميلادكم. انهما واحد حتى تخرج من أفواهكم وقلوبكم ترنيمة أبدية.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

إخوة يسوع الفقراء / السبت 18 كانون الأول 2010

في ميلاد يسوع «قمّطته (مريم) وأضجعته لأنه لم يكن لهما موضع في المنزل» (لوقا 2: 10). المراد هنا هو إما «ردهة» خان والخان فيه زريبة، وإما مضافة احد المنازل. لم يأتِ حديث عن مغارة. ذكر المغارة متأخر. الإقامة كانت قياسا على ما بقي في هذا المشرق من خانات الطابق السفلي منها لدواب المسافرين الذين كانوا ينزلون في الطابق العلوي. اذ يبدو لي أن يسوع الطفل ظهر في هذا العالم محاطا بحيوانات ليست بالضرورة حمارا وبقرة وذكرهما غير وارد في النص. في نقاهة الوالدة بقي السيد عشير أدنى المخلوقات الحية المحسوبة لا شيء.

يسوع لمّا بلغ حوالى الثلاثين حسب تقاليد اليهود، أخذ يعلّم ولازم أدنى طبقة اجتماعية الصيادين على بحيرة طبرية ما كان عندهم دخل ثابت اذ يقول الإنجيل انهم أحيانا ما كانوا يحصلون على صيد. وكان فقرهم باديا اذ اخذوا مرة «يقطفون السنابل ويأكلون» (لوقا 6: 1).

بعد القيامة ظهر لهم مرة وقال: «يا غلمان ألعل عندكم إدامًا؟» (يوحنا 21: 5) وبتعبير آخر: هل عندكم شيء من المأكول؟ فقالوا لا. هذا يعني انهم لم يصيدوا في تلك الليلة شيئا.

الى هذا يذكر لوقا أن كانت نساء كن قد شُفين من ارواح شريرة وأمراض كن يخدمنه من أموالهن (8: 1-3). طبعا هذا لم يكن راتبا شهريا للجماعة. كان يسوع اذًا لا دخل له نظاميّ اي كان ينتمي الى الطبقة الدنيا من اهل فلسطين. فلما طوّب الفقراء عرف الشدة التي كانوا عليها وعلم أن الموسرين عليهم واجبات عظيمة لهؤلاء المحرومين. واذا قاموا بها يدخلون ملكوت السموات.

ان كنت انت محبا للمسيح تحب أهله هؤلاء فيكون لك معه نصيب. هذا في الميلاد القادم وفي كل ذكرى ميلاد. انضمامك الى يسوع يعني رفع الظلم عن الكواهل التي يُتعبها الفقر.

# #

#

لست اقول هذا للذين يتبعون ديانة الإنجيل وحسب ولكن لمن كانوا إنجيليي الروح على أيّ مذهب كانوا. أن تقبل أن يبقى الجائع على حاله وانت قادر على عنايةٍ ما به يعني قبولك بأن تأكل انت وعيالك وتُهمله ولك القدرة الا تهمله فهو من لحمك.

تعظم الخطيئة عندما نعرف هذا الوضع وليس احد اليوم في لبنان لا يعرف والأعلمون القيّمون على الحكم وعندهم دراسات. هالني ما سمعته من مدة قريبة على الإعلام. قالت امرأة معوزة (اي غير قادرة على التوفير) ان عائلتها تنفق ثلاثين ألف ليرة في النهار على الطعام. ضربت هذا بثلاثين يوما فكانت الحصيلة أن هذه العيلة في حاجة الى ما يقرب من مليون ليرة على الطعام. اكثر من نصف الناس ليس عندهم هذا المبلغ. واذا أضفنا الى هذا الكساء وإيجار البيت ونفقات الطبابة وأقساط المدارس، إن نسبة ضخمة جدا من المواطنين دخلها دون هذه المبالغ بكثير. ربما لم يمت احد جوعا بتقدير الأطباء ولكنه ضعف التغذية المؤذي للأطفال والمراهقين وشيخوخة مبكرة للكثيرين وأحزان ويأس عند غالبي السكان. الفاقة الفائقة الحد تجعلك بلا أفق ولا أمل.

هل من علاج سريع اسمه بالحد الأدنى إبعاد خطر الجوع الراهن او المحدق بنا؟ لقد أحلّ بنا المجاعة عمدا جمال باشا السفاح في الحرب العالمية الاولى إطعاما للعسكر الألماني والعثماني من جهة وقصد إبادتنا لرفضنا خدمة الدولة المستعمرة. أُبيد ما لا يقلّ عن ثلث شعبنا. هل هناك زمرة جشعة لا أتهمها بقصد الإبادة ولكنها تتصرف بلا وعي ولا تخطيط ولا شفقة فينكشف تباين رهيب بين المالكين الكبار وغير المالكين لنكبتهم؟

انا ليس عندي وصفة لحل هذه المشكلة. علماء الاقتصاد والمال هم الأعلمون. ويُطلب الإحساس من القائمين على الحكم، ويُطلب الفهم وتمييز الأولويات، وهل من شك أن الأولوية الأولى لتخفيض الاسعار بأية وسيلة يعرفها العلماء؟

من يكلّمكم عرف الجوع الحقيقي في غربته. أكل خبزا فقط ممسوحا بزبدة نباتية خلال خمسين يوما بلا خضار ولا لحم ولا جبنة ولا لبن ولا فاكهة وذلك في بدايات الخمسينات من القرن العشرين في فرنسا. انقطع عنه مصدر تمويله بلا سبب يعرفه حتى اليوم.

# #

#

لا يستطيع المواطن الظالمه جوعه أن ينتظر قيام الدولة في كل مرافقها. أُمورنا بعضها الى بعض لن تنتظم بسرعة. هناك ما يوجع وهناك ما نصبو اليه من تحسين أموالنا وترقيتنا. نتصدى أوّلا الى ما يوجع حتى نتمكن من ألا نصرخ، من ألا يبكي اولادنا.

من عاش في ضائقة يبقى وضعه معقولا بالنسبة الى من كان تحت الضائقة اي في حال كفر حقيقي وبكاء متواصل للأطفال. رتبوا شيئا معقولا للفم قبل اي مشروع قابل للتأجيل. أعرف أن العالمين بالأشياء قد يقولون لي مثلا ان تشجيع السياحة سيحلّ المشكلة. هل هم عارفون بأن الرضيع يجب أن يرضع الآن ولا يستطيع أن ينتظر تدفق السواح؟ من سنوات كتبتُ في هذا الزاوية ما قد أكون صغته هكذا: ماذا تنفع الطرقات التي يسير عليها الفقراء الى قبورهم؟ هناك تراتب بين النافع والأنفع، بين ما نقوم به اليوم وما نقوم به غدا.

هل تريدون مني هذا الكلام المجازي: أتريدون ان يولد الأولاد في زريبة كما وُلد يسوع أَم ان أمه ويوسف قبلا بذلك حتى لا تتكرر مثل هذه الحادثة؟ من له أن يعيّد بعد أسبوع ليفرح اولاده بهداياهم والعائلة بمآكلها والأطياب ألا يستطيع شيئا لجاره المحروم ولعله يستطيع أن يحرك الدولة وأقطابها ليقوى حسهم بإخوتنا الذين الفقر الكبير قاهرهم.

القداس الحقيقي للعيد يكون بعد القداس، على مذبح الفقير الذي يقول عنه يوحنا الذهبي الفم انه أعظم من مذبح القربان. من لم يقرأ أن الفقير اهم شخص يحبّه صاحب العيد ليس له عيد.

اذهبوا وافهموا وشاركوا ليستمع الله الى صلوات عيدكم.

Continue reading