Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2012, جريدة النهار, مقالات

الحب فينا / السبت 4 شباط 2012

لماذا لا تجذبني الديانة الهندوقية ولا البوذية وهذا ما يفسر اني، سائحا، لا أتوق الى زيارة الهند. البوذية وهي التي أطلت ثانية اي بعد البرهمية لا إله لها او فيها وهذا يعسر على أهل بلادنا ان يفهموه لأن جوهر الدين عندنا هو الإله الذي يكوّنه او يسكنه. ماذا في الهند اذًا؟ الله الممدود كونا اي الحال في كل اجزاء هذه الدنيا وهذا ما يسمى الحلولية بحيث لا يمكنك ان تفرق بين الواجد والموجود، بين المرئي وغير المرئي. الهند اندماج، انصهار، ذوبان وليس من مواجهة بين اللاهوت والناسوت. انت  لست هو وهو ليس انت اذ ليس من مخلوق ازاء الخالق. ليس من اعلى ولا من ادنى. الوجود كله مد عظيم كالقارة الهندية.

هذه الرؤية لا تمنع ان يأتي البوذيون من خيرة الناس لأن الدين عندهم اخلاق وهم يجدّون في النسك ويتطهرون بلا إله. المركز هو هم واذا تنقوا فما حاجتهم الى إله؟ هكذا يفكرون.

اظن ان الفرق الاساس بيننا وبينهم انهم يبدأون بأنفسهم ونحن نبدأ بالله ونجيء من تأملنا به ونحس اننا ننشأ خلقيا منه واننا «به نحيا ونتحرك ونوجد» (أعمال الرسل 17: 28). نفحص عما اذا ارتضى ان يسكن فينا كما يقول انجيل يوحنا. وما نسميه تقوى ان هو الا تعبيرا عن سكناه فينا. وما نسميه فضيلة ان هو الا تجليا له. ليس اننا نحن موضعه اذ لا يتموضع ولكنا حضوره اذ لا يحضر في دنياه الا بنعمة سكبها فينا والكلمات التي كلمنا بها وصارت منا.

بيننا وبينه اتحاد ومن قال اتحادا قال باثنين اذ لا تتحد مع نفسك والمسيحيون يجرأون على تسمية ذلك مشاركة او شركة الروح القدس. لقد زال الانفصال بعد ان اعلن الله محبته لنا. والاتصال-الشركة يجيء من مشيئته ورحمته ونحن نتقبله تقبلا وتقابلا عملا بقوله: «لا احد يعرف الابن الا الآب ولا احد يعرف الآب الا الابن ومن أراد الابن ان يكشف له» (متى 11: 27). الثالوث هو الذي يعرف ذاته بمعنى انه قائم بالمحبة الدائرة فيه وهي وحدانيته. ثم بالانعطاف الإلهي يستدخلنا هو المشاركة الثالوثية. الاتحاد بيننا وبين الله هبة. وهذا يكشف استقلاله عنا ومحبته بآن.

#   #

#

يجب ان يكون مفارقا كما يقول الفلاسفة المسلمون. استعير كلامهم فقط لاؤكد إمكان الاتحاد بيننا وبينه والإسلام ليس عليه.

واذا كان الله غير قابل للاتحاد بي فما أمري معه واذ ذاك يكون كلامه فوقي وليس فيّ. يكون عليّ مشرفا ويهمه ان اراه فوقي وليس معي. اذ ذاك لا يحمل كلامه قوة الصلة الا بفهمي اياه. ويكون ارتباطي بكلامه وليس به وهو غير كلامي ولو كان ضامنا لكلامه.

أنا وبينه في تواجه اي ان له وجها وهولاهوته ولي وجه وهو ناسوتيتي واذا كانت اللاهوتية والناسوتية لا تفنى احداهما بالاخرى فنحن اثنان ولكنا قادران بحبه ان نلتقي.

ولكون الابن قائما في بشريته اصبح قادرا ان التقي بالبشر الآخرين اي اني اعطيهم ربي بحبي اياهم بمعنى اني امدهم بالحب الإلهي الذي يسكنني ولا بمعنى اني امدهم ببشريتي. يجب ان اعطيهم الله نفسه ليصير كل منهم بشرا سويا، لكي يخرجوا من خطاياهم التي تحدرهم الى هلاك بشريتهم. من هنا ان الله اساسي في التبادل البشري.

الملحد لا يفهم هذا وان لم يكن خاليا في صفائه وطهارته من الله ولو لم يرتبط عقله به. ولكن الملحد لا يعطي البشر بشرية. يعطيهم ألوهة حالة به ولو لم يعرف.

الشركة بين المؤمنين شركة إلهية تفسدها الخطيئة ولا تلغيها. تحمل هذه الشركة امة الله التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر.

بعد ان تنازل الابن الوحيد الى العالم تبنانا الله اذ كنا قبل ذلك ابناء الغضب وكشف ليس محبته لنا وحسب ولكنه كشف انه يحبنا بالمقدار نفسه الذي يحب به مسيحه. تبنينا ليس كلمة »شعرية«. انه جوهر العلاقة بيننا وبين الرب باعتباره مخلصا.

الله تاليا ليس جالسا فوق اذ ليس من فوق الا الهواء او ما بعد الهواء. ليس الله في مكان. لذلك ليست السماء مكانا. الله ساكن تحت اي في قلوب الناس الذين يحبونه والذين لا يحبونه اذ لا يستطيع الا ان يسكن بحقيقته الإلهية اي بالقوى غير المخلوقة الصادرة عنه أزليا كما يتكلم المسيحيون الأرثوذكسيون. لا تخلو لحظةً، النفس من الله فإن خلت تموت موتًا جوهريا. كل ذرة فينا قائمة بسبب العطف الإلهي المحيط بها. كل جسدنا متماسك بالنعمة المنحنية عليه. انه يقوم في اليوم الآخر او اليوم الأخير لأنه لبس النعمة ولا تفارقه. على ضوء هذا افهم الكلام القرآني: «الله يتوفى الأنفس حين موتها» (الزمر 42). المعنى ان الله لا يتركها ويضمها الى أجسادها في القيامة. فبعد ان استردها اليه بالوفاة يسترد لها اجسادها.

كل حياتنا لا معنى لها ما لم نعِ ان الله معنا والمسيحية تقول انه فينا وهو مصدر حبنا له وقوة طاعتنا وحبنا يأتي من حنانه وبين حبه وحبنا تماس وهو بدء الحب فينا ومنتهاه. «ادين بدين الحب انى توجهت ركائبه» اذ من اعطى هذا الحب بمجانية شفقته مصدر كل شيء فينا ومرجع كل شيء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

النور الذي لا يُدنى منه / السبت في 28 كانون الثاني 2012.

كل ما اختلج فينا من فكر او رغبة او شهوة اما ان يكون استدخال كل شيء الى الذات لتحيا او إخراج الذات لتستمتع. كل ما فينا علاقة نحيا بها او نموت فيها فإذا دخل الخير او المحبة نكون وإذا دخل الملل او دخلت الخطايا نتفتت. نحن في تحرك الى زيادة وجود او اقتراب من الموت. ما من جمود في الكيان. هناك هدأة الفضيلة ان شئناها او هناك التدرج الى اللاشيء والاندراج في العدم حتى يرى الله في يوم دينونته ان كنا تحت الإدانة او كُشفنا في اللامحاكمة. هو لا يحاكم الا اذا رأى فينا سوءا ولذلك كان السعي عند الجادين ان يتحرروا من المحاكمة منذ البدء حتى يتحولوا في وجه ربهم الى قامات من نور.

«الله نور السموات والأرض». يراك مثله او يراك ظلمة. وإن أصررت في اليوم الآخر الا تكون مثله يتكثف فيك الظلام وكأنك أشبه باللاشيء. اما إذا أحببت نوره الذي فيك تصبح لغة، لغة الله فيناجيك الأعلون في المجد اذ صرت من المجد.

طبعا ليس نور الله كالنور الحسي مخلوقا اي ليس شيئا من الأشياء. هو منه قبل ان تكون الأشياء. يجيء منه ولا تدركه اذا نزل عليك اي لا تدركه بالعقل لأن العقل مخلوق والجوهر الإلهي غير مخلوق ولكنك تشارك القوى الإلهية الصادرة عنه.

ما الفضائل او أين الفضائل من هذا الكلام اللاهوتي؟ هي ليست أعمالا. انها صفات أعمال بمعنى انك اذا أتممتها تكون حقيقتها النور الإلهي الذي فيك. هي إذًا إشعاع من النور الإلهي. انت نيّر ونتيجة ذلك انك بارّ بحيث انك تساهم في برّ الله وبمعنى ما تجالسه. وإذا كثرت فيك الخطيئة فهي في ظاهرها عمل او تراكم سيئات ولكنها في حقيقتها ظلام اي طرد لله نفسه من نفسك لتغرق في ادلهمام ما ليس من نور.

في السلوك العلاقة ليست بينك وبين اعمال لك. هذا هو الظاهر. انها علاقة شخصية بينك وبينه. هو يستقر فيك نورا او تتهالك في العتمات فلا ترى وجهه. أنت دائما تعود الى بدء الضياء او الى بدء العتمات فيك. فإذا كنت في دوام العودة تكون كالكلمة الذي قال عنه يوحنا: »في البدء كان الكلمة«. وكما عبر الكلمة عن الله أزليا بصورة كاملة تأتي فضائلك لتقول الكلمة. فأنت ان استنرت لا تقول الا المسيح. وان انطفأت لا تقول شيئا. يديم الله عليك صورته وان تشوهت ليخاطبك في يوم رضاه ويزيل عنك العتمة ويرسل اليك إحسانه فضيلة فتتحرك به من جديد وتناغمه بنغمة منه.

#   #

#

أن تكون هادئا، مسالما، صابرا، وديعا، متواضعا، عفيفا، مطيعا للأحبة هذا شيء واحد. طلبا للإيضاح او الاستيضاح نقول: هذا يتمتع بهذا البهاء او ذاك تميزا للظاهر وتعبيرا عن هذه القوة او تلك فيك ولكن في الحقيقة كل الفضائل متماسكة كما ان الرذائل متماسكة. بكلام آخر اذا حلت النعمة عليك فهي توحد شخصيتك وتضم حسناتك الواحدة الى الاخرى فيقوى مثلا التواضع بالوداعة والصبر بالهدوء وتتتشدد بالمسالمة. وما يبدو فيك فضائل هو في حقيقته حضور إلهي فيك.

كلامي هذا يقودني الى التأكيد ان الطهارة واحدة في كيانك وانها قادرة ان تعود بالرضاء الإلهي لأن الرب ليس بغافل اياك ولا هو يتوارى عنك بالكلية اذا انت ألححت ان تتوارى عنه لأنه يحبك اكثر مما تهوى خطاياك. لا يوضع المحب البشر كما نسميه بموازاة مع الخطيئة التي يمكن ان تمحوها الرحمة. غير ان مكافحة الخطيئة تتطلب ترويضا رهيبا غير منقطع لأنه إماتة شيء ضخم وهو الخطيئة.

وهذه لا تموت الا عند نزاعك اذا أهل الله في آخر لحظة من وجودك سلامه فيك. في هذا جاء في أدبنا الروحي: لما كان القديس سيسوي (ساسين بالسريانية) يحتضر تحلق حوله الرهبان الذي كان يرئسهم فقالوا له: «يا سيسوي اعطنا كلمة حياة». أجابهم: «انى لي ان اعطيكم كلمة حياة ولم أتب بعد». هذا البار الكبير كان يخشى انه لم يتطهر بصورة كاملة وانه تحت الحكم الإلهي. صراع لا بعده صراع يومي في النفس حتى يتسرب النور الينا ويملأ القلب في لحظة الرضاء لتستطيع ان تموت بهناء. لحظة الرضاء الإلهي نتهيأ لها بفضائل لا رجوع عنها تجلب علينا كثافة من نور. الحضور الإلهي تطلبه وليس الله ضامنك به الا بوعده. اما ان استلمت صادقا متواضعا هذا الوعد الإلهي فلا تعرف عنه شيئا الا في اليوم الأخير اذا تلفظ المسيح بهذا الكلام: «تعال يا مبارك أبي رِث الملكوت الذي أعددته لك».

هو معد لك قبل إنشاء العالم. هل تؤمن بذلك هل أحسست انك حبيب الله؟ انت تمشي في كلام الله وتعرف بالإيمان ان المسيح تنازل اليك ولكنك لا تعرف كل المعرفة انك استقبلته. لأن الله وحده «يفحص القلوب والكلى بعدل».

انت تعيش في الرجاء والرهبة معا يداخلهما الفرح اذا كنت مجاهدا مصلوبا اي باكيا على خطاياك سائلا النعمة المجانية التي تخلصك. كلمة الله اليك شيء واذا استقبلتها فأمر عظيم. انت تستقبلها اذا انكسرت وقبّلت قدمي المصلوب ومسحتهما بدموعك. قبل ان تتسلق تلك الجلجلة انت مجرد طاقة. يبدأ وجودك هناك.

واذا ادركت جراح المسيح تذهب الى الإخوة وتبشرهم بحبه علهم يتوبون لأنك ان لم توزع حبه عليهم لا تراه في نفسك ولا هم يخلصون واذا بكوا معك لأنهم احسوا بسقوطهم تتألف منك ومنهم كنيسة الرب.

هذه ستبقى حفنة صغيرة ولكن الآب يتمجد بها. دائما كان الخطأة التائبون القطيع الصغير الذي اذا فهم ان المسيح وحده حصتهم يناله بالبركات. هذا هو السلام الكامل الذي يجعلك تنقاد الى المخلص انقيادا كليا ويتفعل إيمانك فيك بالرجاء.

الرجاء وحده يمدك الى لحظة الموت الذي هو مدخلك الى الرحمة. عش من اجل لقاء الموت. هذه قيامتك منذ الآن. ان فعلت هذا ينسى الرب كل هفواتك ويغض النظر عن كل تقصير لك في حياتك ويكملك بالغفران فترى نفسك محضونا.

احتضانه هو النور الذي كنت تنتظره. في حضنه ينسكب النور عليك كاملا ويكون ربك قد رضي وأخذك على صدره لتفهم الفهم الأخير.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الله محبة / السبت 21 كانون الثاني 2012

الكلام في ذات الله غير وارد في المسيحية الشرقيّة اذ يقول عنه كل تراثها انه فائق الجوهر وغير قابل للإدراك وإدراكه هو الوصول إلى جوهره واذا وصلت إلى هذا تصيره فيختلط الخالق بالمخلوق وهذا محال ومع هذا ينبغي ان تتصل فاذا انتفى هذا تنتفي الربوبيّة فبلا تواصل الرب ربَّ من يكون.

قبل ان نصل إلى التوحيد  يجعل افلاطون الإله «فكرة الأفكار» فيجعل لكل موجود مثالا أو فكرة في «السماء» ويأتي الله جامعا لهذه الفِكَر أو ذروتها. اما عند تلميذه أرسطو فالله هو علّة العلل ولكنه لا يتحرّك. التوحيد العبري ينقلنا إلى جو آخر يعبّر عنه قول سفر الخروج: «قال موسى لله: «ها أنا ذاهب إلى بني اسرائيل فأقول لهم: إله آبائكم أرسلني اليكم فإن قالوا ما اسمه. فماذا أقول لهم؟» (خروج 3: 13). فقال الله لموسى. أنا يهوه. في الترجمة اليونانية: «أنا الكائن». أعود إلى الأصل العبري لأن يهوه (الاسم الذي اتخذه الله) فعل مضارع وليس اسما ويعني «أنا هو من هو» أو أيضا: «أنا هو من سأكون» اي انه يعرّف عن نفسه بالحركة في شعبه. هذا ليس تعريفا للذات ولكن للعمل الالهي. بهذا المعنى قال الله لإبراهيم: «وأقيم عهدًا بيني وبينك… فأكون لك إلهًا» (تكوين 17: 17). ليس هذا كلاما عن الذات القائمة في جوهرها. انه حديث عن مرافقة الله لإبراهيم ضمن العهد في هذا السياق «فأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا» (ارميا 7: 23). وأمثال ذلك في حزقيال ولوقا والأعمال، والمراد بما ورد في ارمياء ان كينونتي لكم إلها اني التفت اليكم اليوم وغدا واذا عرفتموني الها لكم تصيرون لي. اي كما أنا متحرك اليكم بعنايتي ورفقي وحناني تصيرون أنتم متحركين نحوي بالطاعة. وحدكم بلا إله عاطف أنتم مجرّد جمهور بالمعنى المجتمعي ككل جمهور آخر وليس لكم كيان الا برحمتي. في عبارة شعب الله المضاف اليه الله. الله يُعرف في علاقته ولا يُعرف في ذاته. كل هذا يتكرّر بعبارات مثل إله إبراهيم واسحق ويعقوب أو إله اسرائيل أو إله الجنود أو إله آبائنا.

#   #

#

في سلوك الله مع شعبه تفهم صفات الرب (بار، عادل، مقتدر، راعٍ، عريس، أب، أم). كل شيء يقوم به الله علاقة. حتى صفة «الخالقية» صفة علاقة اذ يفتتح سفر التكوين بقوله: «في البدء خلق الله السماوات والأرض». لعلّ من أفصح ما قيل عن الله انه «أبو ربّنا يسوع المسيح» (أفسس 1: 3 و2كورنثوس 1: 3). هذا تعريف حركي أيضًا.

هنا نواجه ما يمكن اعتباره لأول وهلة وصفًا لله وهو قوله: «الله محبة». في رسالة يوحنا الأولى الجامعة بعد ان يقول: «المحبة من الله سيقول: الله محبة» 4: 8.

زعمي ان المحبة ليست صفة من صفات الله. هي اسمه. هي اياه. انها تعطي مضمونا لكلمة الله وتعبر عن حركته بالمسيح وبالقداسة.

المحبة هي البداءة في الآب التي منها جاء الابن والروح القدس الآب هو الكائن قبل الأزل وهو مع ابنه وروحه في وحدانية هي المحبة. والوحدانية عمق الإله وليست رقما ولا يقع عليها الحساب. المحبة هي الوحدانية المتحرّكة التي تحيي البشر والله لصيق بالبشر منذ خلقهم وهم به يقومون اذا أحبوه من جهة وأحبوا بعضهم بعضًا. فاذا سكنوا فيها يكونون سالكين في الله فلا يعوزهم الا ان تسكنهم ويسكنوا اليها فتزول الهوّة بين السماء والأرض.

ولكون المحبة كاملة يلغي الله الآلهة الكاذبة التي اصطنعتها شهوات الإنسان. وهذه هي الصنميّة بالذات انك تعتمد شهواتك مصادر للحياة فتصبح أوثانا قتالة فتقول مع نيتشه «الله مات» وهو الحيّ القيّوم الذي يحيي الوجود.

ولكن حياة الله المتجددة فيك تقتضي ان تحارب الآلهة الكاذبة التي قبلت أنت ان تتكون منها وهي تزرع الموت الروحي فيك لأنها تمنعك عن المحبة.

هذه اذا ذقتها حقا تصبح عشير الله. نحن في معاشرته في الكلمة التي ينطق بها فينا فنصبح اياها وتصبح ايانا فاذا بمعاشرتنا الله نغدو روحا واحدا معه كما يقول بولس ولا نبقى مشتهين لغير وجهه هذا الذي ما تقناه ترتسم علينا أنواره.

اذا فهمت أنت ذلك تبطل الصفات الكاذبة التي نسبتها الأجيال إلى الله عن طبيعة سلوكه مع شعبه وتبدأ بفهم المحبة النازلة عليك وتنفي عن الله كل ما يناقضه. لا تبقى أسير كلمات مألوفة تنتج فيك الموت الروحي لا تنظر إلى الله معاقبا كشرطي أو باعثا اليك بأمراض أو قاتلا اياك بحادثة على الطريق.

أنت تموت بسبب من الخوف. والخوف يجعل الله عدوّ الحياة. الحياة في معناها الجسدي والروحي هبة من الله ليس فقط منذ خلقه ايانا ولكن باستمرار محبته جيلا بعد جيل.

إلى هذا ليس الرب ما يصوّره الانسان. هو يصوّر الانسان. ولذلك الخطأ في ان نرى إلى صفات البشر السيئة ونعكسها على الله كإرادة الموت. أنا اعرف ناسا ينسبون اليه تصميم اذى حل بهذا أو ذاك. الله لا يؤذي أحدا ولا يدخل جرثومة في انسان. كل ما يصدر عنه خير وصلاح وحق وإحسان.

الرب نقي ويجب ان تنقّي عقلك من كل ما يسيء إلى اقبالك عليه لأنك لا تكون قد استمتعت بالمحبة التي تنزل عليك منه.

كلّ ما عدا المحبة مملكة الخطيئة «وأجرة الخطيئة هي موت». أقصِ عنك الموت بالمحبة لتصير ابنا للنور فالمحبة وحدها ترميك على النور.

قرّر صادقًا الا يصدر عنك ما يحرج المحبة فيك وفي الاخرين. هذا هو الضياء كله بعد هذا لا تسأل عن تعب يداهمك أو عن تجربة تغريك. المحبة تغسل كلّ السيئات الصادرة عن الفساد الذي يحيط بك وعن الفاسدين.

أحبب هؤلاء أيضا واغفر لهم لأنهم اذا ذاقوا الحب الإلهي المعطى لهم منك يكتشفون شيئا لم يحلموا به من قبل. هناك إمكان لإنسانية جديدة ينزل أهلها بيننا من السماء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأعياد / السبت 14 كانون الثاني 2012

العيد كسر الزمان المكرور، خروج الي المطلق، الى المأمول، الى الفرح، الى مشاركة اهل الأمة احتسابا لما تصير اليه اذا عانقت الله. الثياب الجديدة واكل الطيبات صورة عن الجمالات الروحية التي تنزل علينا بالتعييد.

كل الشعوب على مختلف اعيادها تقطع زمانها المتكرر بأعياد. غير ان المسيحية أعطت العيد سعة ورحابة نادرتين. بادئ بدء تقحم الحياة الأبدية في كل يوم من زيام السنة اذ ليس من يوم واحد ليس فيه احتفال بما يتعلق بسيرة المسيح او قديس او مجموعة قديسين. وكل قديس مروية اعماله في كتاب يُدعى السنكسار تعود اليه ان اقتنيته كل يوم لمعرفة السيرة وتتقدس بها. من هذه الزاوية في كل يوم خروج عن زمنيته لتعود الى عظمة التقوى ووجوه البر الذي مارسه المُحتَفل به في عبادة ذلك اليوم. لا تطيق انت شبه اليوم بما يتلوه او يسبقه. تشد نفسك الى القداسة التي لا يحبسها زمان.

العيد اذا يمنحك حرية من يومياتك وايامك لتلتقيه، اذا تحررت من وطأة يومك تذهب الى يوم الذكرى التي تقيم. هذه مسيرة لك في التاريخ. تجعل الماضي حاضرا فيك وفي الجماعة. هذا ما اعتدنا مؤخرا ان نسميه تأوينا وهي ان تقيم الماضي في الآن الذي تحياه كأنه ليس بينهما زمان. وهذا ليس مجرد تذكر او تخيل. انت تعيش الماضي في الحاضر فلا يبقي في وجدانك ماضيا. انت تختبر الواقع اليوم.

هذا لا يمكن حصوله الا في تحرك روحي فيك. ولذلك كان العيد حدثا تذوقه الجماعة اليوم. جملةً، هذا يحتاج الى قداس او احتفال يشبهه. وتتوق انت الى عودة الموسم طلبا للتجليات في كل سنة. والاساس عندك ان عودة التجليات هي الوحدة التي تفوق الزمن اذ تأبى ان تستأخر الابدية.

#   #

#

الفرح مولد الفرح فكما كان العيد تلقيا يكون ايضا سباقا في الذوق لما يأتي اي كما كان تأوينا يصير ايضا اخرويا لأن الاتي هو الملكوت دائما فإن وجه الله سوف يطل عليك. اذ ذاك الأعياد حضور الله في الآن الذي يتجدد فيك وفي الجماعة.

انت تحيا الموسم مع الجماعة التي في تماسكها تتلقى المعنى الأبدي وتمتد الى المستقبلات التي تصير سماوية.

لا بهاء لعيد لا تكون مشاركا فيه بالتوبة فالموسم حاصل في القلب اذ القلب مكان لقاء الله والمواسم الله مضمونها او ليست بشيء.

هنا يختلف العيد الديني عن العيد الوطني او المدني بعامة فهذا اصلا مجرد انتقال بالذاكرة الى الماضي وحقيقته هي الحنين. اما الذكرى القائمة على الإيمان والتي تعيش بالإيمان فحقيقتها الذوق الالهي فينا فاننا معيدون بالنعمة. بكلام آخر الرب الذي فينا يعيد لنفسه.

#   #

#

ماذا يهدد الأعياد؟ غياب الله عن قلوب الناس يشوه الأعياد ويغير طبيعتها. عندما يصير عيد الميلاد عيد الأولاد او العائلة لا تبقى له علاقة بمولود بيت لحم. يكون جاءنا عيد آخر. ليس عندي اي اعتراض على عيد للأولاد او للعائلة ولا على سهرات هذه مع طيبات الطعام. أقول فقط هذا لا علاقة له بالميلاد. في الكتاب: »اسهروا وصلوا« (متى 26: 41).

لا تعرف المسيحية سهر اللهو سابقا للعيد. هناك أطعمة مرافقة للأعياد. هذا لم تمنع الكنيسة أبناءها عنه لأن الحياة المجتمعية العادية تحمل فرح العيد على الا يكون على الطعام التركيز. كل شيء جميل محاط بالخطر. لذلك يجب ان نحرص حرصا شديدا على ان تأتي علينا اعيادنا إلهية اي فرحا بالله وقديسيه حتى لا ينزل عليها اللهو سلطانا ويفسدها ويفسدنا بها.

#   #

#

أجيء من بيت بسيط ومتواضع يقيم الأعياد الكبرى والصغرى لئلا يفوته تقديس. والتقديس في هذه العائلة مكنون في الأيقونات وفي ترتيل اصولي رخيم ورثته امي عن والدها واورثته في الكنيسة.

الى ذلك كان والديّ يتلوان الصلاة الربية بما كان يُسمى في ذلك الجيل اللغة الروسية التي تعلمها فريق من ابناء كنيستنا المتواضعين وكان اولاد الأكابر كما نسميهم يدرسون على الفرنجة من الرهبان ونحن صغار القوم تأصلنا في مشرقية العائلة ولو تفرنسنا بعمق ما أتاح لنا ان نعبر بفرنسية بليغة عن تراث انطاكية عاصمة بلادنا القديمة وقلب المسيحية قبل فتح العرب لأراضينا.

ولدت في هذا الجو في البيت حسب الأعراف القديمة. وكانت امي ملازمة الفراش لما دخل عليها أبوها مرة بين اواخر تموز وأوائل آب ورأى بيت اهلي مملوءا امتعة معدة لنقلها الى الجبل فسأل امي ما هذا فأجابت نحن صاعدون الى المصيف فقال لها عني: ولكن هذا الولد غير معمد فأجابت: قررت تعميده في تشرين عند عودتنا. قال لها: هذا كلام من الدنيا، هبي ان الصبي أصابه عارض صحي. »كيف نرنم للرب في ارض غربة« (المزمور 136). اضطرت والدتي ان تطيع ونودي للكاهن فحضر مع كل مستلزمات العماد وعمدني على استقامة الرأي.

حاولت ان أفهم طوال حياتي اني جئت من هذا الوقت مع اعياده.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأذكياء والأغبياء / السبت 7 كانون الثاني 2012

الدنيا في كل مكان مقسومة الى أذكياء وأغبياء. يولد الانسان ذا فطنة او هي شبه غائبة ولا حيلة لنا في ذلك. وتنمو المواهب بالتربية ولكن من أُعطي القليل لا يمكن ان تطلب منه الكثير وليس عنده في ذلك مشكلة لأنه لا يعرف انه لم يتلقَ الحدّ الأدنى من الفهم لينتج ويبدع. فقط الذي عنده الكثير يشعر بحاجته الى الأكثر وهو وحده في دوام السعي اي في دوام التعب اذ يحتسب انه قادر على ابتلاع المعرفة في توقه الى إدخال الكون الى رأسه.

غير ان اهمال الدراسة والكسل يدمّران المعرفة ولو بقي الالتماع الأساسي. تسأل عن شيء ولا تجيب اذا جفّت فيك الينابيع. المعرفة شرطها النسك اي انها ذات بعد خلقي فيه الكثير من الجهد. قوة التحصيل الى جانب الفرح تؤتاها من غيرتك على ضعفاء المواهب لترفعهم الى مستوى أعلى ما قدروا. احيانا كثيرة يصطدمون بفراغ او جمود ويبقى التواصل عسيرا بين اصحاب المستويات المتباينة فتبقى القسمة بين ما ورثوا المعرفة الكبيرة والذين ورثوا القليل اذ الإرث جيني كما بان لنا.

قد تكون الوزنات مطمورة وهي قابلة النمو وصاحبها لا يعرف ولكن المجتمع الذي حولنا قامع احيانا ولا يستنهضنا اذ لا يحلو له الذكاء الكبير. وتبقى الشرائح العقلية منفصلة حتى الاختصام او الاستعلاء او الكراهية والجهل يثير عند المدركين عصبيّة مستكبرة ولا رجاء في الاكتساب عند اهل الضحالة وكاد يكفيهم بصيص نور.

دائما هناك سر جفاء عند من كانت له في العقل حصة كبيرة وسر حزن عند من ضعفت حصّته اذا ذاق استكبار اقوياء المعرفة. غير ان العظام الكبار لا يستكبرون وقد دعاهم نصيبهم ان يعرفوا ما يوزعون ولو بأمل قليل.

الأذكياء ايضا على درجات والأغبياء على درجات. الذين يغيرون وجه التاريخ عندهم من الفطنة مقدار عجيب التصور ولكنهم جميعا فريق واحد يفهم افراده بعضهم بعضا ولكن بعضا يحتكرون المعرفة العليا ويعترض بين هؤلاء ومن دونهم جدار بسبب من الاختصاص. الاختصاص يولّد انغلاقا لا مفرّ منه. خذ الأطباء. كل مختص بينهم يرفض التكلّم على اختصاص آخر لأن الطبقات العليا من المعرفة لا تتداخل . من هنا التواصل بين الأذكياء انفسهم يضيق جدا وانت مستسلم لأهل المعرفة العالية جدا وتتباين هنا مفردات العلوم المستقلة وتبقى انت على فرط علمك خارج حلبة العارفين.

#   #

#

وقد لا يرى من درس كثيرا ما يجب ان يراه ليكون انسانا سويا فالانسان ليس كله علم. هل يبقى للعالم قلب؟ هذا يحصل مرات عديدة. فعلى سبيل المثال الكثير من العلماء مؤمنون والكثير غير مؤمن. وعندي ان خط العلم وخط الايمان متوازيان وليس لنا ان ندعم الايمان بالعلم. فالعلم متغير والنصوص الإلهية يتغيّر فهمها اذ تفسيرها نفسه خاضع لعلوم اللغة والآثار والتاريخ.

اما جهل الأميين للدين فقليل وهكذا ننجر الى مجاورة الأميين ان كنا حريصين على الايمان. ولكن ان حرصنا على استقلال المجالين يبقى الايمان مكانه والجهل مكانه والمعرفة العلمية مكانتها والإنسان منفتح على الحقيقة السماوية او غير منفتح حتى ينزل الله العلم به علينا برحمته الواسعة.

ما يخيفني غي دعم الايمان بالعلم هو اني ارى في هذا الموقف هزالة الايمان الذي لا يحتاج الى قوة خارجة عن ذاته. كذلك من يرى من المدافعين عن العلم انه مكتف بذاته يقوّلونه ما ليس فيه لأن العلم لا يوصلك الى الايمان او الى الجحود اذ الايمان والجحود خارجان كليا عن نطاق العلم.

لذلك نحتاج الى ذكاء كبير لئلا يضللنا الذكاء القليل وهو وحده يذهب في كل الاتجاهات ويخلط الأشياء فيما بينها.

#   #

#

ان لم يكن من لقاء على صعيد العقل بين ممتازي الفكر وضعافه يجب ان يلتقوا بما هو اعمق من الفكر واعمق من الفكر المحبة. ولست اشير هنا الى الوحدة المجتمعية بل الى وحدة القلوب. ففي الاجتماع لكل من الناس ما يقدّمه للآخرين والبناء المجتمعي يقوم به المواطنون كلّ حسب قدرته او مواهبه.

المهم ان يرحم ذو العقل الثاقب الانسان العادي وان يتقبّله شريكا له في مكانته. البناء لا يقوم بالمهندس وحده. العمال اساسيون كالمهندس.

يجب أن يفهم العارف كثيرا ان العارف قليلا له عائلة وانه قادر على عطاء القلب وان اتحاد القلوب هو الذي يبني الناس. ذلك ان الفضيلة ليست ملكا لفئة او طبقة ثقافية. الفضيلة هي حال الفرد والجماعة معا. والضعاف على مستوى الدماغ لهم ان يصبحوا قديسين ومضمار القداسة لا يتطلب حجما دماغيا رهيبا. وليس المهم ان تجمّل الحس الخلقي بالكلمات ولكن المهم ان تكون انت كبير الروحانية.

جميل هذا المنظر في هذا الدين او ذاك، ان المتفلسفين والجهال يصلّون معا ولهم الكرامة الواحدة ويحاول الكل ان يتواضعوا ويتحدوا بطاعة الله واستماع الكلمة الحلوة التي ترفع الكل الى لقاء الرب ولقاء كل الإخوة على مستواياتهم. ان الله يتمجّد بالفاهمين وغير الفاهمين.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

٢٠١٢ / السبت 31 كانون الأول 2011

المؤمن لا يهمّه التكهّن اذ لا يؤمن به والحزن ان اناسا يقامرون في هذه الليلة وما قامروا ابدًا ليعرفوا حظهم في السنة المقبلة كأنه مهيأ لهم في بقعة من الوجود المستور اذ كان ثمة جبرية تدفعه اليهم فترة بعد فترة من السنة المقبلة والمؤمن لا ينتظر حظا بل من ينتظر من الرب رحمته ويقبل الابتلاء وقد يكون حاملا بركات وكل شيء من الحب الإلهي. الإنسان منفتح لاستقبال النعمة مصحوبة بالهناء او مصحوبة بالوجع وكلاهما احتضان اذ لا يصدر عن الرب سوى حنانه.

من هذا المنظار ليست السنة سنتي فما انا بمركز لشيء. هي سنة الآخر الذي جعلني الله في خدمته وانا شوقي الى فرحه والى ان تخف آلامه ويصبح مع من يحب في مشاركة تنمو ليتذوقوا معا في نفوسهم ملكوت الله يتمم نفسه.

المؤمنون يقضون بعضا من هذه الليلة في  الصلاة لتتبارك السنة القادمة وتحسرا عما فاتهم من الرضاء وتكفيرا عما اقترفوه من خطيئات على رجاء نزول النقاوة عليهم. السنة القادمة ذات فحوى إلهية او هي مجرد مرور زمان. هذا الزمان المقبل نفتتحه بالرجاء، برجائنا العطاء الإلهي الكبير الذي اذا لم يحمله العام الذي ندشّن غدا يأتي العام فارغا من المعنى والهدف لعلّ عبارتنا في دستور الإيمان: «وأترجى قيامة الموتى» تعني ايضا قيامة الحزانى والمتألمين والمتقلبة عليهم خطاياهم من منزلقاتهم عساهم يستقيمون اذ ينتصب قوامهم امام وجه الله.

ما يلفتني امام الأيام الآتية هو كيف تواجه البشرية وجعين لها: الجوع والدم. اما الجوع فعميم في بلدان كثيرة. يموت به ملايين من الناس ولا سيما الأطفال. وليس من مورد لهم في بلادهم وليس هذا المورد ممكنا بلا مساعدة البدان الغنية. كيف نقدر ان نحيا وهؤلاء يموتون مع اخوتهم وأقربائهم. هل يريد لبنان ان يساهم في نهضة الشعوب المحرومة بحسب مقدرته؟ اجل عندنا 30.% تحت مستوى الفقر وهذا يجعل نسبة من شعبنا قريبة من الجوع وهذا يقربها من الاضطراب الكبير والخوف الكبير الى ان نرفع خطر الفاقة الموجعة عن كاهل الشعب.

#   #   #

ما يطلب الرب ان نفهمه ان ما نظنه ملكنا من طعام وشراب أودعناه لصالح الذين لا يملكون شيئا او يملكون القليل. نحن شركاء في كل ما عندنا لأن هذا ملك الله فلا يحرم منه احد وتدعي انه اخونا. الأخوّة بلا ترجمة حقيقية وهم هي. والسؤال لا يبقى عندنا بعد رأس السنة ماذا نأكل وماذا نشرب ولكن ماذا يأكل جارنا ويشرب.

هالني مرة مشهد رأيته في أديس أبابا. كان مشهد قصر عظيم والى جانبة كوخ. كنت على يقين كامل ان صاحب القصر لا يعرف اسم صاحب الكوخ ولا يزوره.

ما العهد الذي نقطعه غدا امام الله للفقراء؟ ما يجوز لي ان اختزن وما لا يجوز؟ كيف أصير واحدا مع محتاج أعرفه وكأنه اخي او ابن؟ اذا تزوجت وكنت انت وزوجتك عديم المقتنى الا تتصرف وكأن الملك مشترك. كل دعوة الى المحبة غير مقرونة بنتفيذ باطلة حتى الكذب. اعتبر روح العام الآتي لا يسوده السعي الى الاقتناء ولكن السعي الى العطاء ليكون عامك حقيقة جديدا.

#   #   #

اما الدم فكان السائد في الأرض ليس فقط في الدم الذي ينتهي ولكن في القرن العشرين كله والسنوات العشر التي مضت من هذا القرن. الدم الذي سفك منذ الثورة البلشفية والحكم الهتلري فاق كل سكيب دم في كل العصور السابقة في الفترة التاريخية. والأكثر تجريحا للشعور البشري ان القاتلين الكبار أتوا بمبررات كثيرة ظاهرها فيه شيء من الفلسفة وحقيقتها إجرام محض.

أي شيطان يستولي على قلب المجرم ليستولي هذا على حياة آخر؟ القتل الفردي يأتي من الغضب والغضب يأتي من البغض. هذا كله عنف لم يذب امام لطف الله. هناك قتل جماعي تقوم به القبائل وما لم تتحول هذه الى جماعات الهية كل شيء يدفعها الى التقاتل اي الى إفناء كل كيان مخالف. متى نرى الناس جميعا اخوة، متى نحب بالبساطة التي دعا الله اليها؟

لست أعرف تعريفا للقتل الا قولي انه الإلحاد  بمعناه الكامل. أليس الالحاد الاعتقاد  ان الله ليس إلهًا، ليس صاحب الكلى والقلوب، ليس سيد وجودي وووجود من أبعدته عني.

هكذا الشعوب الشغوفة بالحروب والطمع بالشعوب الضعيفة او المستضعفة، حب السيطرة والامتداد هذا كله غضب وبغض وقتل ودم. هناك شعوب تحاول ان تربي نفسها على السلام وبعضها أدرك الغاية. متى تقف الحروب؟ هل نعيش ذلك السلام الذي يريده الله؟

لا يبقى لنا ان أقمنا العيد الا ان نسلم هذه السنة التي نفتتح غدا الى رب البلدان وأزمنتها لكي تأتينا مليئة بالحب حتى نتحرر من صنع السلاح وإبادة البشر به.

الله إله المصالحة بين الأفراد والشعب وأهل الأديان وكل حسب نفسه قائما بذاته. انت تقوم بالله فقط وتحيا به. انت لا تغلب احدا بالقهر. ترجو ان يتحوّل قلبه الى مسكن الله ليصير بشرا سويا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الميلاد غدا / السبت 24 كانون الأول 2011

المسيحية في مطلعها لم تكن لتهتم بتاريخ كل أحداثها. برز الفصح فيها منذ القرن الأول لكونه المركز من حيث انه التعبير عن الخلاص. من بعد هذا تفكّرت الكنيسة بعيد اقامته في السادس من كانون الثاني وسمّته الظهور الإلهي جمعت فيه في الشرق والغرب مولد المسيح وذكرى عماده. ثم دفاعا عن نفسها رأت في أواخر القرن الرابع ان تفصل الاحتفالين فجعلت المولد في الخامس والعشرين من كانون الأول لتكافح عيدا وثنيا يقع في هذا التاريخ وهو عيد الشمس غير المقهورة.

وكان عيد طيش للشباب الوثني الذي كان يجرّ الى طيشه الشبيبة المسيحية. فأعلنت في رومية والقسطنطينية عزل مولد السيد عن تذكر عماده لقولها ان عندنا نحن شمسا اخرى هي شمس العدل وحررت الشباب المسيحي من الخطر الخلقي المحدق بهم وبقي الظهور الإلهي على دلالة المعمودية الى هذا اليوم.

فاذا كان العيد لقاء الله والإنسان يبدو الميلاد اول لقاء لهما في انسانية الانسان. جاء العهد الجديد بقلم يوحنا يقول: »في البدء كان الكلمة« وخشية فهم سيء لمضمون الكلمة اي هربا من الفلسفة اليونانية أكمل الإنجيل الرابع قوله: والكلمة كان الى الله او عند الله كما يترجمون ولكن حتى لا يقع القارئ بالالتباس قال: وإلهًا كان الكلمة.

ولكن بعد تأكيد ألوهيّة الكلمة كان لا بد له ان يتحدّث عن ناسوته (الكلمة مذكّر باليونانية) أضاف في الآية الرابعة عشرة من مدخل يوحنا (وهذا ترجمتي): «والكلمة صار لحما ونصب خيمته في حينا» اي ان الابن المتجسد ساكننا ولم يبقَ في الحيّز اللاهوتي فقط وتبدّى بشريا معنا حتى الموت.

لم يهتم الإنجيل لتأريخ هذه المساكنة بين الله والناس. لذلك لا نعرف على وجه الدقة زمان التجسد. الإنجيل لم يورد شيئا كهذا لأن الإنجيل يريدك في الإيمان لا في الزمان ولا نعرف شهر الميلاد ولا يومه. وجاء شبه معرفتنا للتاريخ من حساب وضعه راهب يدعى ديونيسيوس الصغير تفسيرا له لبعض ما ورد في الكتاب مثل ان المسيح ولد لما كان كيرينيوس واليا على سوريا. نحن أبناء عقيدة تقول ان المسيح «نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق».

#   #   #

في التجسد المعبّر عنه اولا بالبشارة والظاهر في الميلاد نتبيّن اللحمة بين الألوهيّة والبشرية في شخص المسيح. العيد الذي نحن فيه غدًا يجعلنا نشعر بأن الله غير بعيد وبأنه أحبّنا حتى بذل ابنه الوحيد عنا . كان الرب يقول في العهد القديم انه يحبّنا. الآن يكشف لنا ذلك بأن ارتضى ان يصبح ابنه بشرا. نحن نعرف الآن بوضوح ان المولود من الآب قبل كل الدهور صار ايضا مولودا من امرأة ليجعلنا نحن أبناء الله بالتبني اي ليجعلنا أحباء الله لنا المحبة ذاتها التي للمسيح من أبيه.

لقد زال الانقطاع بيننا وبين الرب، هذا الانقطاع الذي أوجدته الخطيئة. زوال الانقطاع يأتي من السلام والمسيح هو السلام. لقد تمّ السلام بالصليب وتدرّجنا اليه بكل كلمة تفوّه بها المعلّم وبكلّ عجيبة من عجائبه وبكل خطوة خطاها منذ مولده من البتول. ما أجملها حقيقة ان يقدر الإنسان ان يقول: انا حبيب الله اي انا شبيه بالمسيح.

انا شبيه بالمسيح الأزلي الذي أعدّ الآب له قالبا بشريا منذ الأزل وسكبه فيه لمّا حلّ ملء الزمان بحكمة الآب. لذا نهتف للمخلّص في ذكرى ميلاده: «ان مملكتك الأبديّة تجدّدت أزليّتها» كأنه يقول ان الميلاد في بيت لحم ينقلنا الى المولد الإلهي الأزلي من الآب ويجعلنا مع المسيح كأننا بلا بدء آتين من النعمة الأبدية.

ان لم نصبح على هذا الشعور غدا لن يكون لنا عيد، لن نكون قد امتددنا الى الأبد.

#   #   #

هذه الإلهيات المشرقة علينا كيف ندركها؟ كان يسوع موضع اقصاء من الفندق الى مذود البهائم. «ليس لابن الانسان موضع يسند اليه رأسه». هل نحن اليوم تائبون اليه، قابلوه في فقره، في عرائه؟ هل قبلنا منذ الآن مسيرته الى الصليب، هل غدًا نتمم الفصح اذ هو وحده شوقنا؟

ان مسكنته التي سوف نراها غدا هي سكناه نفوسنا المتكسّرة المنتظرة منه تضميدها حتى تصير كلها من حنانه ورأفاته ومحبته للبشر. منذ الآن اتخذ اوجاعنا وستلازمه حتى الجلجلة لتفنى في قيامته. كل شيء منا يحمله في ميلاده ليجعلنا على صورة لاهوته الكامل.

انه غدا سوف يأخذ صورة فقراء الدنيا. «المساكين يبَشرون». هم الذين سماهم إخوته بامتياز. الميلاد ميلادهم في الرجاد اليه وليس لهم من دنياهم رجاء. أمسى هو كل دنياهم وكل غذاء لهم. واذا نحن لم نلتقهم بمشاركة الحب لن نلتقيه هو ابدًا. واذا لم نذكر الأغنياء بهم يموت هؤلاد من جفافهم. وان لم نخضّ الدول الغنيّة في سبيل الشعوب الفقيرة يكون كلامنا في المسيح كلاما فارغا.

اذا قبلنا كل هذا يبدأ رجاؤنا الى الحياة الأبدية. اذا أحببنا المحتاجين بالقدر الذي نحب به المسيح يكون لنا غدا عيد.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

لغة الله / السبت 17 كانون الأول 2011

ان اقتراب الميلاد لا يحرّك عندي الشعور ان مسيحيي لبنان يقدمون المسيح لشرائح لبنان بما فيها شرائحهم. هم يكشفون انفسهم طوائف اي شعوبا منبسطة بتعددها لا ترق لها ان تصبح شعبا واحدًا اذ لا تتحسس لمسيح يعطيها هذا التوق. بكلمة أخرى هي شعوب فاهمة سوسيولوجيتها على هذا القلبل من الروحانية التي تحمل.

واذا بقيت على ذلك فهذه الشعوب على دوام صراع والقضية باقية مجتمعيات ازاء مجتمعيات الى ان ينفجر هذا التعدد. عندما يفتخر اهل السياسة بعدديتنا هم يشيرون الى كثرة الطوائف التي لا تتقاتل ظاهرا ولكنها لمصالحها تضبط الانفجار حتى حين يأتي بلا قوة لتردعه ولكن المسيحيين لا يفتشون عن دور لمسيحهم لأن الدوام لهم لا له. لقد قبل المسمون مسيحيين انهم والآخرين في حالة تراكم لا في ابتغاء اتحاد اذ الاتحاد من قبلهم يأتي من القلب والقلب يأتي من المسيح.

لست أرى طائفة مسيحية مجموعة بالجامع الوحيد الذي هو المخلص واذا شعرت ببعض من تجمع فهذا يكون ازاء تجمعات أخرى بما هو الأقرب اليها في العقيدة. ما تتميز بها الجماعات ليس الوحدة حضورا او شوقا ولكن الإزائية ولكون المسلم آخر تسمي وجودها معه تعددية والتعددية مذهب مجتمعي او منحى. التعددية لا تعدو كونها اصطفافا اي لصوق اجساد وأجساد وليس قربى فكر لفكر او انسكاب روح في روح.

للمسلمين نظام كامل شرعي او شريعي للتحدث عن لقائهم واهل الكتاب كما لهم لغة محدثة اي ملونة للشرع في هذا التلاقي. ما قوتها، ما سر نجاحها عليهم ان يبينوا ذلك ولكن المسلمين نظريا امة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وهم على الأقل يريدون ان يستشعروا انفسهم قريبين من الله ليعاملونا والدين عندهم معاملة.

وسط ذلك ما سمعت مسيحيا متزعما في قومه  يقول ان مسيحيتنا في العيش اللبناني تفرض علينا هذا وذاك في المسالك. قد يكون هذا من المرتادين الكنائس وتقيا على نوع ولكن مسيحه حبيس الكنائس ولا يعرف هذا الزعيم ان مسيحه احيانا يتنزه في المجتمع ليحييه وان المجتمع كائنة ما كانت عقيدتنا لا يقوم الا بروح عيسوية وهذا قول كثير عند مفكري الإسلام. ولكنا نحن على مقربة اسبوع من الميلاد لا نلد فيه الناس كل الناس بحنان يسوع اي بشمولية محبته للقوم جميعا كائنا ما كان شكل صلاتهم او شكل صومهم.

وبلا اي تعميم او حكم اقصده وبلا دينونة الكثير من كلام عند الرعاة كلام عن الطوائف اذ لست أرى انهم يريدوننا كنيسة بقدر ما يريدوننا طائفة اي تجمعا سياسيا. انهم لقد اعتمدوا لغة هذا العالم حين قال لهم المعلّم: «انهم لا ينتمون الى هذا العالم كما انا لا أنتمي الى هذا العالم» (يوحنا 18: 17).

#   #   #

هذا من خطبة الوداع. من قرأها بإمعان اذا قرأ الإنجيل كله يفهم ان يسوع الناصري أتى بلغة جديدة وانه أنهى كيانات وبداء كيانات. بنعمته انت ترى عالما جديدا ولا تغرق بالمؤسسات القائمة وان اضطررت ان تقوم معها بتعامل. على هذه الصورة تأبى ان تكون الكنيسة طائفة لها امجادها التافهة. انك انت اصطنعت مجدها لتقيم عليه مجدك الباطل ومجد المنتمين الى مجموعتك. انت واياهم تريدون هذه الأرض وتريدون ملكا ارضيا بغطاء سماوي وما هو بسماوي.

تغيير اللغة شيء خطير. يجعلك من المنحدرين  من برج بابل لا وحدة لك مع الحق ويجعل لسانك من ألسنة الناس حين جعل لك الروح القدس في العنصرة لسانا واحدا هو لسان الله الفائق السنة الملائكة واذا عطفنا هذا على نشيد بولس عن المحبة نفهم ان اللسان الوحيد المتروك لك  من الله هو لسان المحبة. من هنا تبدأ حساسية. ومن هنا تبدأ الرعاية في الكنائس.

ما نقرأ في كنيستي اليوم ان مريم كانت عذراء. «ستحبل العذراء، فتلد ابنا يدعى عمانوئيل، اي الله معنا» (متى 23: 1). اذا قرأنا هنا سياسيا  افهم ان الطوائف المسيحية مدعوة ان تنقلب كنائس اي لا يكون فيها الا زرع الله بحيث لا تأتي من العالم بل تنزل من فوق الى هذا العالم. وكما ان يسوع لم يكن له أب جسدي لا يكون لها هي مشاعر دنيوية تحركها ولكنها تشعر شعورا الهيا كأنها الله على الأرض. وهذا يتمشى مع فلسفة التجسد التي عليها نرتكز. وعند ذاك، نكون جميعا ومعا عمانوئيل اي الله معنا ونكون ردمنا الهوة بين اللاهوت والناسوت فينا ليكون كل واحد منا حاملا لاهوتا عظيما.

وعلى غنانا الكبير نبقى فقراء الى الله والناس معا كأننا مولودون في مذود نعطي من فقرنا الغنى، مولودون في البرد ونعطي البشر جميعا الدفء والسياسة تحل بعضها ببعض ويدرك اخوتنا في الكنيسة والناس ان لنا لغة اخرى واننا قائمون لنعلمها الناس ونلح على ان نخاطبهم بها وعليهم ان يتعلّموا.

تبدو السياسة من علم الاجتماع ولكنها في تبلورها هي علم اللاهوت فكيف اذا صار اللاهوتيون علماء اجتماع ونسوا ما انتدبوا له لما كانوا على محبتهم الأولى. هل يعني هذا اهتداء، عنصرة يومية تميت هي وحدها الطائفية وتجعلنا مطلات السماء على الأرض؟ سنسعى الى ذلك حتى لا يتقيأنا الله من فمه على ما ما يقول الكتاب.

#   #   #

اذ لم نقبل هذا نكون تذاكينا. هذا يعني في هذا السياق اننا أبدلنا الذكاء الإلهي فينا بالذكاء الدنيوي اي اننا اعتقدنا ان حكمة هذا العالم يجب ان تدخل الكنيسة لتصبح هذه فاعلة. بكلام آخر نكون قد ألحدنا. ما الإلحاد اليومي، العملي (اذ ليس من ينكر وجود الله من حيث هو كيان). الإلحاد العملي هو ان تتصرف كأن الرب لم يوحِ لك يوما كيف تتصرف كأنه خالٍ من كلمة يبنيك عليها في هذا العالم كما هو هذا العالم الملحد. هو من احتسب ان الله ليس عنده شيء يقوله عن العالم وعن مخاطبتك اياه. انت في هذا العالم ولكن تكلمه بلغة الله وتحييه بها.

عودا في هذا المنطق الى لبنان. التعددية ليست كثرة الطوائف ولا احترام الواحدة للأخرى. هو، بدءًا ان تخاطب كل مجموعة كما تفهم ان الله خاطبها فتطلب منها ان تأمر بالمعروف وتنهىv عن المنكر وتطلب ذلك من نفسك بالزخم نفسه ولا نفور بين الله وذاته.

اما كيف ترتب العلاقات بين شعوب هذا الوطن فيأتيك من بعد ذلك. كيف يريدك الله ان تلتصق بالآخرين لتعظيمهم وطهارة نفسك هذا هو السؤال. هذه شعوب مدعوة ان تكون الهية حسبما تفهم علاقتها بربها وبعد ذلك تقترن بالشعوب الأخرى فيأتي لنا بلد لامسه الله. والباقي يعطانا زيادة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

العتاب / السبت 10 كانون الأول 2011

في آذار 1952 بعد انهاء دراستي في باريس عدت الى دمشق حيث مركز كنيستنا وفيما كنت أزور احد أصدقائي سألني أتريد سماع أغنية «عتاب» لفيروز فسمعتها وفهمت انها معاتبة لفقدان حب. كنت أفهمها على انها تعني لوم الآخر لأنه أنقص ما يفرض عليه واجبا نحوي. انا اذًا مركز وما همّني من الناس أنّ عليهم اداء واجب انا أستحقه مكتوب عليهم بسبب ود مفروض انه يربطنا. الود يتطلّب تعبيرا وان لم يؤدَ حسابًا وانا المحبوب أحاسب لأني أقضي وانت كنت ناقص الواجب ولست على الحرارة التي كنت أتوقعها منك. انت تحت القضاء وانا القاضي. كيف يكون المحبوب قاضيا؟ سلوا اللذين ألّفا عتاب رحمهما الله.

الصداقة تنزل على من تنزل وكذلك ما يسمى الحب. هذا سرهما وانت تتقبل ذلك بشكر وانفعال قلب وهذا يغنيك وقد يكون غنى شخصيتك الأول او الاهم. المحبة تعطي ولا تنتظر ردا. وقد يأتي من قلب شكور. هي تعطي لأنها نعمة من الله المجاني العطاء وتمارس مجانيته في خلقه. المحب فقير الى المحبة التي يبذلها لا الى المحبوبية التي قد تعود اليه وقد لا تعوده.

الضعف الروحي في العتاب انه ينقصه الغفران. من امثال ذلك ان كنت مريضا ولم يعدني صديق ان أقول له لماذا لم أرك في مرضي. ما تطلبه المحبة ان أعذر فقد لا يعرف الصديق بمرضي او يكون مسافرا ولم يستطع العيادة او كان شيء يعطّل نفسه. هناك اشياء وأشياء تحول دون تعبيرنا عن المودّة. المودّة ليست دينا. انت تشكر ان تدفقت عليك لأنها منّة من الله على صديقك. خذ القسط الذي يستطيع عطاءه لأنك، اذ ذاك، تكون قمت بشكر لله المعطي في الحقيقة وحده. اشكر له انه لم يدعك في الصحراء في هذا القليل الذي آتاك صديقك. دائما كن في حالة شكر لأنك فقير.

ما وجدت فقيرًا يعاتب اذ يظن ان ليس له حق على آخر. من حسب نفسه لا شيء. لا يفرض على الآخر شيئًا. المصلّي لا يعاتب ربّه لإيمانه بأن الله يوزّع مواهبه على أصحاب الحاجة ولا يبخل.

#   #

#

من يحق له اللوم وحده هو الله لأن هذا الغني عنك هو في حقيقته الفقير اليك. الرب جائع اليك او عطشان لأنه عند خلقك تاق اليك وانت لا تعلم الا اذا تربّيت على معرفة انه يحبّك ولعلّ كل تدبير الخلاص كما نسميه في المسيحية أعني صليب المسيح هو ان يدبّرك على معرفة محبته او هذا هو الاستنتاج من التعبير. لومه انك لا تميت خطيئتك ليس فقط لأنها جرح لجلالته ولكن لأنها تؤذيك وكل ما يريده من حنانه ان تعرف محبوبيته عندك.

اللائم وحده هو الله لأن كل شيء له، لأنك له. واذا طلبك فليرحمك او يجبلك من جديد اذ يرى انك خدشت خلقه. يلومك من اجل نفسك، اكراما لنفسك حين انت لا تعاتب الآخر من اجل ذاته ولكن من اجل ذاتك. الخالق الذي هو المركز جعلك مركزا ليخلقك كل يوم خلقا جديدا وانت تظن انه لا يعرفك مركزا له وحيدا.

كشف الله نفسه لك بالوحي لتعرف حاجتك اليه وتاليا ان تسلم بحقه عليك ومنه حقه بلومك. كل مشكلتك انك لا تفهم حتى تتوب اذ التوبة تشفيك من العمى الروحي حتي ترى فيبطل لومك الله وتدخل معه في تلك الموآنسة التي ترفع العتب والموآنسة هي تلك المجاورة التي تجعلكما كأنكما واحد.

فقط اذا وصلت الى محو اللوم الإلهي عنك تقبل عتاب صديقك بتواضع وتدعو له حتى يراك ولا يرى انك لم تفتقده. واذا بقي على عتاب تغفر فيرى وجه الله مرتسما عليك فتؤتيه الهدى.

كل موضوع الفضائل ان تخرج من نفسك والا تطلبها لها الا نعمة الله. واذا قبلت ما يعطيك الانسان فلاعتبار عطائه منّة له من أجلك. لا حسن في الإنسان الا منزلا عليه. كل جلال وحق وطهر فينا ان هو الا إطلالات من فوق حتى يرتفع. كل الناسوت فيك قائم ليتقبل نفحات الله. لذلك ليس لك شيء من هذه الدنيا. كل ما فيها ملك الله ودعوتك ان تكون على هذا الملك أمينا.

#   #

#

ان ترفع العتاب عنك لا تؤتاه الا اذا أبيت الطمع بالناس ليس الطمع فقط بالمال. أشرس الطمع استغلال البشر بالشراهة العاطفية وهي شبق ان تكون محبوبا. ليس شيء في كتبنا يقول اطلب ان يحبك الناس. الوحي يقول أن أحبب. يقول الله لإبراهيم ان اخرج من أرضك ومن بيت أبيك وكأنه كان يقول له ان اخرج من نفسك واذهب الى كل نفس لتخدمها فهذه كلها لي او تصير لي ان تحررت من انقباضها. الرسول هو الذي يذهب بالكلمة التي تسلّم له ليقولها وحدها اذ ليس في الانسان الحق الا ما استودعه الله فيه.

تقول صلاة السحر صباح الأحد في العبادة البيزنطية: «لنخرج ايها المؤمنون الى القيامة». اذا توسعنا في المعنى هذه لها ان تعني لنخرج بعد ان ننال قيامتنا من الانطواء او الانغلاق لنكون خداما للآخرين ولا نسعى الى ان نلفتهم الينا لأننا نحن في رعاية الله كاملة وتكفينا حياة. واذا رعانا الآخرون فنزداد حبا لهم ونفهم انهم رسل الحب الينا وانهم طريقنا الى القيامة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأرض الجديدة / السبت 3 كانون الأول 2011

هل المهنة غايتها الإرتزاق؟ انها وسيلة اليه اذ لا بد ان نعيش. ولكن الرزق يأتي من اية مهنة. اذًا هناك موضوع اختيارها وقد يكون الانسان في حيرة من ذلك. فكل المهن تدر. هناك اذًا ذوق لهذه الحرفة او تلك. هناك عنصر غير عنصر المال. هناك العمل في مضمار يلازم دواخلنا اي هناك حماسة كيان وشعور بضرورة الانتاج بأدوات معينة وأذواق مختلفة. الى المال طريقة الخلق وإحقاق الذات واقتناع الانسان ان شيئا ما يدعوه الى سلوك طريقه التي هي بعض من نفسه. المهنة امتداد للذات كما اللغة التي نستعمل او اللباس الذي ترتديه.

لذلك كانت الحاجة الابداع او ما نحسبه كذلك. بمعنى انه قد يأتي ضعيفا ولكنه مساهمتنا من حيث ان ثمة دفعا داخليا يجعلك تحس انه موجود في العمل الذي تقدمه، انك تطل بما تنتج وتأخذ مما تنتج شيئا من وجود.

لفتني منذ سنوات ان الطعام الذي تقدمه امرأة افضل نهائيا من ذاك الذي تنتجه اخرى مع ان المواد الموضوعة هي اياها. ما هو هذا الفارق بينهما.

هناك خلق ما، ابتداع ما، شخصية مودعة في الطعام او اعداده. هكذا الأمتعة في البيت. كيف أتت هذه بمهارة وتلك بما دُرس. المجتمع الاقتصاي فيه كثير من المبدعين الا في تلك الصناعات الضخمة حيث لا مكانة كبرى للذاتية في الانتاج.

في الابداع تمجيد لله الخالق، نوع من الامتداد لخالقيته او من مشاركته كما يمكن ان يعبر عن نفسه اللاهوت المسيحي. هناك جماعية بيننا وبين الله ترفع المواد التي ننتجها الى مستوى أعلى من كون ناسوتنا مسها. ان لم يكن الأمر كذلك بكون هناك عزل بين الناسوت واللاهوت وتكون الأرض ليست السماء غايتها او كأن ثمة مبتدأ مقطوع عن الخبر او ألفا لا تنتظر ياءها او كأن هناك خلقا وجد ليرى.

لذلك كان في النهاية الاقتصاد لاهوتا. ان لم يكن كذلك لا يكون الله مرجع كل شيء. هل رُمي الانسان في الأرض لينتج ام ليسبح اي ليسبح فيما هو ينتج.

الى هذا غالبا ما تكون عاملا مع الآخرين. هذا ليس فقط في الصناعات الكبرى ولكن في معمل للنجارة بسيط. واذا كان احساس بالجماعية يتصور مجتمع روحي وليس فقط مجتمعا سياسيا جافا يقوم على التراكم لا على التعاون. المجتمع الروحي بمعنى سري كيان واحد او كائن واحد، عضوي، يعقل واحدا على تعدديته. هذه ليست التشرذم. التشرذم خطيئة وهو ضد المشاركة والتدخل الصميمي بين الكائنات.

#   #

#

مما ينقذ هذه الانسانية ان المال لا يدخل كل الميادين ولا تتلطخ تاليا. طوبى لذلك الانسان الذي لا يحسب للمال حسابا او لا يقتني منه الا القليل. عند ذاك، هو حر ولا يضطر الى الكذب. عندما سأل سقراط حاكموه من يثبت لنا انك تقول الحقيقة. قال: انا فقير. مات كبير في الرسامين وهو فان غوغ معوزا. هذا لم يمنع جمال أعماله. الكبار، الكبار في كل مجالات الفن كثيرا ما يجاورون العدم الاقتصادي. المبدع اذًا حر.

القديسون كلهم كانوا فقراء ويسعون الى الاقامة في الفقر ليقتنوا الثروة الوحيدة التي هي الله، هذا الذي يستغنوا به عن كل شيء. هؤلاء وحدهم ما كان لهم هم ما يأكلون وما يشربون وما يأويهم او يكسيهم. اللاشيء كان عندهم شرطا لاقتناء الروح القدس حسب عبارة القديس سيرافيم ساروف. هذا الفقر كان ضمانة وصولهم.

هذا التجرد شرط لحراثة الأرض التي أمرنا الله بها عند التكوين. جعلها ملكا بشرط الشغل وهكذا يكون الانسان على صورة ربه. «انا أعمل حتى الآن وأبي يعمل» ( يوحنا 5: 17).

غاية العمل الانسان وليس الانتاج من اجل نفسه. غاية العمل نمو الانسان في الفضيلة. ليس بنايات فكر او حجر. هذه ترافق التطور الانساني الذي يحتاج الى تعقيدات كثيرة ليكون. تبدو الأمور وكأننا نسعى الي حضارة اي الى طبقات فكرية ومادية قائمة من اجل جمالها والحقيقة ان المبتغى من كل بنائنا للحضارات فرح الانسان بالملائكية التي له ان يصل اليها وان يقوم بهذا الحضارات صورة عن الحياة الإلهية التي ترعانا من فوق.

العمل كان في الفردوس قبل سقوط آدم والدنيا الحالية فردوس مستعاد او كذا يرجى ان تكون. غير ان هذا لا يتحقق الا اذا سعى كل منا الى ما يكمل وجوده بما ينزل عليه من فوق فتتحد السماويات التي في قلوبنا بالتراب الذي يؤلفنا وفي نهاية النهايات لا يبقى فينا غير الضياء الإلهي.

اذا استثنينا الذين يتبعون منهجا نسكيا خاصا لا يبقى لنا سوى العمل الذي يجعلنا نفكر وبه نخدم هذا اذا ابتغيناه طريقا الى الفضيلة التي هي وحدها نورنا.

ضمن العمل نصير قديسين والقداسة في السعي الدؤوب  الذي لا كلل فيه ولا سأم. في المجتمعات الحديثة يدور البحث حول الإنتاج حتى يأكل الأغنياء وبلدانهم اي حتى يظلّوا راسخين في الأرض وكأنهم استقلّوا عن السماء. وليمت الفقراء وتمّت بلدانهم. لم يخطئ آباؤنا لما قالوا: كل الخطايا تبدأ بالشراهة لأنها هي التي تثبت جسدك وتعلنه من حيث انه مستقل عن اجساد القديسين.

نحن في حاجة الى بناء فلسفة جديدة اساسا للاقتصاد السياسي الذي يكشف لنا انسانا جديدا اي نحن في حاجة الى إعادة الاقتصاد الى الله وداخل الإنسان الى فضائله والفضيلة الكبرى المحبة التي لولاها لما كانت الأرض وما كانت السماء.

انت تتوب ولكن ضمن عملك اذا وجدت وسيلة لتصير انسانا جديدا عاملا صلاحا. هل أتى زمان الكنيسة – العروس؟

Continue reading