Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2012, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكسيون / السبت 14 نيسان 2012

لم أكن لأخصص لهم مقالا لو لم تكن لهم فرادة. الفرادة لا تجعلهم أفضل من سواهم أو أسوأ. سأحكي عنهم بما تيسر لأنهم مجهولون إلى حد انهم لا يستطيعون لقلة عددهم ان تكون لهم مطامع في الأرض. ولكنهم هنا يعايشون سواهم بلا نتوء، بقليل من الصراخ.

مرة كنت ضيفًا على المثلث الرحمات مطران بيروت الماروني السيد إغناطيوس زياده. فلما استطعنا ان نختلي قال لي ما الفرق بين قداسنا وقداسكم. أجبته: سيدنا، هذا سؤال عارف، زودني أنت بالجواب. فبعد ان شرح لي خلفية القداس الماروني قال لي: أنتم تستهلون قداسكم بقولكم: «مباركة مملكة الآب والابن والروح القدس». هذا الكلام الملوكي أتاكم من معاشرتكم أباطرة الروم. لم أعارضه مع علمي انه غالى في تبجيلنا ولكني كنت أدرك عمق ما قال، رحمه الله. في هذا الخط وفيما كان ادنى إلى التواضع اذكر اني قلت غير مرة لغسان تويني nous sommes d’empire وعنيت بهذه القولة اننا نندمج بالامبراطورية القائمة من حيث هي دولة وعبرنا الامبراطورية الرومانية ثم العربية والمملوكية والعثمانية ودولة الانتداب وانطوينا طبعا في ما نحلم انهما دولة لبنان.

في رؤيتي الشخصية ان السنّة كانوا على حق بما جاهروا بطريقة أو بأخرى انهم لا يقبلون التصنيف الطوائفي ولعل ما جمعنا اليهم اننا مثلهم لم نقل بالطائفية لإيماننا اننا الكنيسة الجامعة أو من الكنيسة الجامعة واننا لا نرضى هذا الحبس الطائفي الذي اراده لنا دستور 1926. ولكن هنا يسمع صوتك اذا سمح لك ببوق. ربما آذانا دنيويا قداسنا الذي يجعلنا في السماء حيث نرى الناس كلهم سماويين وهم يريدون أنفسهم أيضًا من الأرض. المشكلة انه ممنوع عليك في لبنان ان تحلم ببلد لم تنزل بعد صورته من فوق وشفافيتك لا تُرى.

واذا رتلنا الأحد «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت» نحس انه يتكلم على دوسه لموته وان عيوننا مأخوذة إلى ترتيلنا بالقوة التي لا تجعلنا نرى مواتية لبنان وألاعيبه. ولكنا نصر على سعينا إلى الملكوت ونهمل ما كان على جنباتنا من تراب هذه الدنيا.

هناك من يقول منا نحن مع الآخرين. هذا كلام حسن. ولكن أليس من العدل ان ننتظر ان يكونوا هم أيضًا معنا وان يكون في الأرض شيء من السماء حتى نقبل نحن القول اننا نرتضي ان ندخل إلينا شيئًا من الأرض لنلتقي في مكان ما من الوجود؟

#  #

#

أما ضاقت الأرض بأنطون سعاده وميشال عفلق وقسطنطين زريق وأسد رستم وجورج حبش وبعض آخرين والإنجيليين الذين رئسوا في الحركة الفلسطينية وآباؤهم أو أجدادهم جاؤوا من صفوفنا. اعرف ان الاحتجاج لا ينشئ دائمًا أطروحة ولكن هل كان احتجاج هؤلاء غير ناتج من ضيق ما كشفته هويتهم الدينية؟ هناك خطأ ما في التركيبة اللبنانية اذ تجعل بعضًا أبناء الست وبعضًا أبناء الجارية. ولكن يمكن ان تكون أميرًا وأصر بعض ان يجعلوا أمك جارية.

لكني ما نويت ان اتأفف ولكن ان شئت ان تكتب يسمح لك بالوجع. غير ان آباءنا الكبار منعونا من الصراخ وسمحوا بأن تتكلم بهدوء لمن له اذنان ليسمع أصواتًا هادئة. في هذه الحالة تهمك وحدتك مع الإخوة الطقوسيين منهم وغير الطقوسيين. مع ذلك غير الممارسين منا يقولون الأحد: المسيح قام مدة أربعين يوما ويقبّلون بعضهم بعضا بقبلة مقدسة كما يقول بولس. وتساءلت طوال سنوات ما تعني صفة المقدسة حتى اهتديت ان من أنشد هذا النشيد أو أنشدته له أمه يعرف ان المؤمن الآخر بهذه العبارة أخ له صلّى في كل أحد وعيد أم أهمل صلاته ولكنه يذكر بين الفصح وخميس الصعود ان المسيح صعد بجسده إلى السماء وجلس عن يمين الآب أي اعطى ناسوتنا الممجد بالمسيح الكرامة نفسها التي للاهوت. ونحن اذا بالطاقة كما يقول الفلاسفة عن يمين العظمة في السماويات في رفقة الأبرار الذين سبقونا إلى وجه الآب.

هذا ما يُسمّى عند آبائنا السكر الصاحي. من رآنا صباح العيد بعد استهلالنا صلاة السحر بالمسيح قام نحمل الشموع مضاءة ونقبل بعضنا بعضًا لا بد ان يقول: من أين جاء هؤلاء القوم. لماذا كل هذه المحبة؟ هذا ليس فقط حبًا. هذا عشق. تعليقي على كلام هذا الغريب: ما ضرر العشق؟ تعال إلينا.

نحن لم نعمل شيئًا صالحًا على الأرض كما كان باسيليوس يقول لنا كل أحد في قداديس الصوم. ولكن فخرنا -وهذا ليس منا بل من الله- اننا في حضرة الله دائمًا في حالة غناء إلى ان يأتي المخلص إلى هذا العالم ثانية. غير اني لست أريد ان أترك للأعزة انطباعًا ان هذه الدنيا ليست للرب ونحن بكلمة الرب لا بدغدغات السياسة نشدها إليه. نحن لم نقبل يومًا ان نسمى طائفة. ربما كان هذا في الجريدة الرسمية وما يشبهها من قرطاسية هذه الدولة. فعند الناس أنت مصنف في مكان ما. ولكنا نحن نعرف مكانة الصالحين منا ومكانة الخطأة. ولكن بعد السكر الصاحي تنتقل من الخطيئة إلى البر فيعلمك «المسيح قام» في كامل إنشادها.

#   #

#

يقول باسيليوس في قداسه نقلا عن بطرس اننا «شعب خاص، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة». هذا فقط بسبب من الكأس المقدسة التي نرتشف. الخطأة شعب خاص لا لامتياز لهم ولكن لكون الرب يخصهم برحمته والحنان. كذلك الأمة مقدسة لكونها خاطئة والله يقدسها بدم ابنه. ان المخلص يرانا في هشاشتنا واذا ارتفع يرفعنا معه حتى نستوي على العرش ونحن جسده.

كل اعتراف ان تعترف انك آخر الناس من حيث البشرة وانك تصير أولهم بالدعوة. نحن فتات الأرض وبهذه الصفة لا يمكننا ان نستكبر لئلا يلغى الاعتراف. «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله». والله يعرف من يكسر ليجعله متواضعا ولكن اذا قرأت تواضع المسيح معلقًا على الخشبة تبكي وتجثو وهذا ما حاولنا ان نصنعه في الصوم وبعد هذا نتهلل بترنيمنا: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت» إلى ان تقوم الانسانية جمعاء من كبوتها ويستقيم كل رأي فيها وتصبح واحدة مع الحق.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

هل من إسلام سياسي؟ / السبت 7 نيسان 2012

الاسلام كامل لا يوصف بغيره. »ان هو الا وحي يوحى« بحسب ما يعرفه كتابه  (النجم 4) ولا يزاد على الوحي شيء ليس من طبيعته. والسياسة تعني الحكم ولفظة حكم لم تأتِ في التنزيل بمعنى دولة او هيكلية إدارية. أصول الحكم ليست مضمونة في الدين كما بيّن ذلك بصراحة وقوة الشيخ علي عبد الرازق وعندي ان كل الانتفاضة عليه ان كتابه صدر السنة الـ1925. اي عاما بعد الغاء مصطفى كمال للخلافة وكأن العلامة عبد  الرازق جاء ليدعم أتاتورك ويثبّت الغاء الخلافة التي كان المسلمون متعلّقين بها، كأن شيخا أزهريا مثل عبد الرازق ظهر ليقضي على مسرة المسلمين بنظام ظهر توا من بعد وفاة الرسول.

لا شيء يدلّ على ان مسلك الرسول كان يتضمّن حكما بالمعنى السياسي. أهل المدينة ما كانوا وحدهم الأمة. المسلمون في معيتهم في يثرب وخارج يثرب كانوا امة الله. ولم تكن هنا دوائر او شبه دوائر لشكل هيكلية إدارية. كان محمد في شخصه مرجعية كل شيء في الأمة. أمة المسلمين كانت مجتمعا ولم تكن محكومة دولة. فليس من معنى لقول الدارسين ان الاسلام دين ودنيا. هو دين بمعناه الإلهي وبمعناه المسلكي.

بوفاة الرسول كان لا بدّ من تنظيم فبويع ابو بكر ثم بقيّة الراشدين الى ان جاء بنو أمية فقوي التنظيم وظهرت أمة العرب والإسلام في وقت واحد لأن العرب قبل محمد ما كانوا أمة واشتدّت صفة العروبة برؤيتها امبراطورية الفرس وامبراطورية الروم. هذا زاد في إحساس المسلمين انهم دولة وقويت جدا فكرة الدولة بالفتوحات. الا ان إسلام محمد لم يكن شيئا من هذا لأن محمدًا لم ينقل الا كلام الله والله لم يتكلّم عن سياسة المسلمين.

#   #

#

اذا جئنا الى العصر الحديث نرى ان الطابع الدنيوي الذي اتخذه المسلمون العرب كان العروبة فقامت الأسرة الهاشمية في الحجاز على خليفة المسلمين العثماني اي اعتبرت ان ليس للمسلمين وحدة سياسية يؤمنها الخليفة وقضى أتاتورك رسميا على الخلافة اي اعتبر ان الأتراك بقوا مسلمين بلا نظام سياسي عالمي وآمنوا ان النظام المدني الذي تبنوه لا يناقض الإسلام وألغى الأتراك اباحة الشريعة الزواج بغير امرأة واحدة غير ناسين ان المسلمين يستوحون مصلحة الأمة.

ثم ماذا يعني الاسلام السياسي والبلدان الإسلامية تعرف كل الأنظمة فهناك نظام الأسرة الواحدة وهناك النظام الملكي والنظام الجمهوري الرئاسي والنظام البرلماني وهناك جمهورية لا تقول في دستورها ان دينها الإسلام ولا شيء يدلّ على ان المسلمين يريدون ان يتماثلوا في أنظمة الحكم.

حصيلة كل هذا ان القاعدة في السياسة عند المسلمين  كما في غير السياسة احيانا تبقى مصلحة الأمة. وأمة المسلمين في إبداعها ونموها وازدهارها الثقافي والاقتصادي والتماع حضارتها وسلامها وسلامتها والتحامها بالأمم الأخرى او الشرائح الأخرى بلا تسلّط منها ولا تسلّط عليها، بلا قوقعة ولا انفلاش ولكن في السعي في كل مجتمع الى ظهور الأكفياء منها او من غيرها لأن في الأكفياء من كل جماعة منفعة للمسلمين. ويحصل هذا اذا اعترف المسلمون بمفهوم الوحدة القائمة على التعدد.

ملآن القرآن بالحديث عن الانسان والناس لعلم ربّ العالمين بوجود عالمين متعايشين ومنتجين في كل الحقول لمنفعتم ومنفعة المسلمين. يعني هذا قبول المسلمين بالعيش الحقيقي مع كل أطياف البشر. في الإسلام مرونة تفسيرية كبرى جعل أحد علماء العراق يتلو علي آياتٍ كريمات تدلّ على ان المسيحيين ليسوا بكفّار. انا أعرف ديانات الهند في العصر الحديث هي تقول انها موحدة. تاليا ان ليس فيها شريك. اذًا انتقلنا الى طور تفسيري يجعل التوحيد عنصرا اساسيا في معظم ديانات العالم ما ييسر على رؤية المسلمين أنفسهم عائشين في مجتمعات تقبلهم وتريد لهم الخير وترى بين كل الناس نوعا من التجانس الروحي. تبقى الدعوة قائمةعلى أساس الحرية. والسلام. »فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر« (الكهف 29).

#   #

#

ويسعى الناس على اختلاف أديانهم ان يروا أنفسهم مواطنين يرحبون  بوحدتهم وبالانسان الكفء في كل مجالات الحياة. غير ان ثمة مبادئ يمسك فيها الانسان الحديث وهو ان ان الله لم يعين دينا ليتحكم بأهل الأرض جميعا شاؤوا ام أبوا ولم يجعل احدا في ذمة احد ولكن جعل كل مواطن في ذمة المواطن الاخر بحيث ندافع بعضنا عن  بعض ونرعى بعضنا بعضا ونراعي الجميع. الناس موجودون كائنا ما كان فكرهم وحياتهم غالية ومفيدة لمن لا يؤمن مثلهم.

هذه الخطوط في الفكر المجتمعي هي حياة المدنية وفي السياسة تعبيرها الحكم المدني. ولنا ان نختلف لأن هذا شأن البشر واختلفنا في الدين الواحد ولكن الانسان طبيعته الحرية ولو استأنس بالرأي الآخر. سميناه المجتمع القائم على الخلاف، ديموقراطية وليس من بديل لها الا النظام البوليسي او الاستبدادي.

اخذت الحرية ثمانمئة سنة لتصير قاعدة الحياة الجماعية في بريطانيا العظمى وهي قائمة في فرنسا منذ مئتي سنة فقط وكذلك في اميركا. ان العرب اذا اندرجوا في التفكير الذي ساد اداريا وسياسيا البلدان التي ذكرت يفهمون المجتمع المدني.

يأخذ العلماء والمناضلون السياسيون المسلمون دينهم بالفهم الكبير وروح المحبة للآخرين ويبنون في روحانية عالية الاوطان مع الآخرين ويكون لكل واحد منا طمأنينة كاملة للآخر على حريته.

الإسلام السياسي اختراع الناس، تعبئة لعاشقي السلطة وواضح ان المسلمين اذا ادركوا أعلى مقامات الحضارة تصبح لغتهم السياسية مدنية كعظماء الأرض. لكوني اريد ان أعيش جعلني ربي واحدا على الأرض مع المسلمين اريد لهم أعلى درجات الرقيّ. هذا ليساعدني على أن أبقى في حياة كريمة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الجهل / السبت 31 آذار 2012

أعرف اني لا أعرف الكثير. وفضل الله عليك اذا نجاك من الإدعاء على هذا الصعيد. وكارثة الجهل انه لا يسمح لك بمتابعة هذا الكون اي ان تكون مجردا من المعارف الضرورية للعيش او غريبًا عن نوعية عيش فتكون تاليا على نقص كبير قد لا يهم الله ولكن غيابه لا ينفعك في هذه الدنيا.

اذا ساغ هنا شيء من الاعتراف ينفع بعضا اقول اني لم احفظ شيئا من العلوم الطبيعية واني لا افهم شيئا من حديث اقتصادي على رغم من تحصيلي شيئا دقيقا في هذا العلم ولكن قبل ستين سنة. اذا لم تعرف، اذا لم تتطور بتطور قطاع من المعرفة لازم تعسر عليك الحياة. اضطررت تاليا ان الازم اللغة لئلا اطرح في الجهل الكامل. وهنا ايضًا ألحظ عندي نواقص كبيرة. لذلك اقتنيت اهم القواميس العربية لتتبع علوم اللغة. والقاموس يلغي ما تظنه اختلافا. مثال على ذلك كنت أسمع كاهنا يتقن العربية في تلاوته المزمور الخمسين يقول: تنضحني بالزوفى بكسر الضاد فتساءلت لماذا هذا الرجل بالذات يلحن حتى تبين لي ان لسان العرب يقبل كسرها ويقبل فتحها. الى هذا لاحظت منذ بضع من سنين ان جمهورا كبيرا في الرعية لا يفهم الفصحى فآثرت مزجها بالعامية عند الوعظ. عليك احيانا ان تتنازل عن الفصحى لتوصل معنى إلهيا اذ انك خادم للخلاص لا للغة.

لماذا نطمع بفهم الكون؟ الأمي او شسبه الأمي لا يطمع ولكن الدماغ اذا انتشى قليلا بالمعرفة يشتهي الأكثر وهذا حلال لا يجرح التواضع بالضرورة. العارفون الكبار الذين عرفتهم ذقت تواضعهم. ان تقرأ هذا الكون يرضي الله اذ طلب منا ان نتسلط على الأرض. والتسلط هنا يعني الخدمة وليس فيه استكبار. انت تقدر ان تقرأ الله من خلال الكون وان تلمس يده مخلوقاته. هذا باب من أبواب التخشع الى ان يخطفنا الرب الى وجهه. اذ ذاك »العلم سيبطل« وتغدو الرؤية كل شيء في السماء.

ولكن تدغدغك المعرفة اذا كانت عظيمة. وصلت الى هذه القناعة لما كنت مرة جالسا عند الشيخ عبدالله العلايلي على الأرض في بيته نتدفأ بجمر المنقل وطرحت عليه سؤالا في اللغة. قال لي دون ان يلتفت كثيرا: اذهب الى هذا الرف (وحدده) وخذ الكتاب السابع تر الجواب في الصفحة كذا. ذهلت، اذ ذاك، ذهولا صاعقا وعرفت كيف يكون العلماء وحاولت ان أدرس العربية.

عرفت جهلي يزداد لما رأيت الحاسوب وما يتفرع عنه من علم وانا لم امس الآلة هذه حتى اليوم ولو كانت في مكتبي في استعمال الموظفين. واتعجب عندما يجدون لي حلا لمسألة بسرعة فائقة فعرفت نفسي غريبا عن المعلوماتية واني انتمي الى حضارة متراجعة يمكن تسميتها الحضارة الأدبية. ادركت ان الشعر يتوارى في معظم البلدان وان الناس يؤثرون الكلام العادي الذي يصل بهم الى غايتهم وهي تطبيقية. هل ان الأدب كله ترف عقلي ام ان للجمال والحقيقة المكتوبة مكانة في هذه الدنيا؟ هل ان الحياة كلها طعام وشراب ومسكن وتحصيل معارف بواسطة الحاسوب ام ان هناك نفوسا تحب ان تتحرك مجانا. كانت امي تستعجلني الى تناول وجبة الغداء وتنزعج مني لأني استمر في القراءة. هل هذه الحرب تبقى قائمة بين اهل العلم واهل ما يعتبره هؤلاء حياة عادية لا تخلو من التفه.

#   #

#

سؤال شبيه يطرح نفسه حول العلاقة بين المعرفة والحياة الروحية. عندما قال بولس لتلميذه تيموثاوس: «اعكف على القراءة حتى مجيئي» (1تيموثاوس 4: 13) كان مدركا ان القراءة الروحية تقربنا من الله لأنها كلامه او ترجمة كلامه. وكلمته حياة. كيف يعامل الله الذين لا يعلمون عن وحيه شيئا او تعبيرهم فيه قليل؟ عند الرب وسيلة اتصال غير الكلمات الملهمة ما في ذلك ريب وهذه الوسيلة هي انسكابه في قلبك بالحب. المسيح لم يكتب شيئا ولكنه قال. ولا نعرف كل ما قال. «وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست أظن ان العالم نفسه يسع الصحف المكتوبة» (يوحنا 21: 25). ماذا يدخل في عقول المؤمنين البسطاء من مدلول الكلمات التي يسمعونها؟ ليس عندي شك ان الأيقونة تتكلم واللحن يتكلم وجو الخشوع يصير كالكلام كما ليس عندي شك اننا نستدخل معا الكلمات حسب طبقتنا الفكرية. خطر الأمية على أهلها انهم يجهلون كثيرا معنى ما يسمعون ويضعون تاليا مشاعرهم عوض الفكر النازل في الصلاة.

اما خطر النص المقدس على المثقفين فهو التأويل وجهلهم احيانا للتراث المحيط بالنص الإلهي فالمثقف عنده تراثه الذي فيه يتقبل الكلام الإلهي. بأي شيء يتقدس تعني اي شيء يستلم. مع كل هذه الأخطار لا بد من الكلمة النازلة. ايضا «اعكف على القراءة» و«عظ في الوقت المناسب وغير المناسب» (2تيموثاوس 4: 2) والوعظ بالكلمة.

اما خلاص العارف فمثل خلاص الجاهل. اجل تساعدك النصوص على معرفة الله ولكن شهواتك احيانا تعطلها. ونمثل امام الآب في عرائنا من الجهل وفي عرائنا من المعرفة. تظهر النفس امامه كما استلمت. ليس من مشهد في الكنيسة يلهمني حبا لبسطاء العقل والتحصيل مثل صف المؤمنين امام الكأس المقدسة. هؤلاء واللاهوتيون الكبار واحد في المحبوبية عند الله. لا يمر الله بكلمته ليعبر اليهم. هو يأتي بنفسه ويسكن القلوب.

#   #

#

لماذا أهلكت نفسي بالتحصيل الذي من الدنيا وذاك الذي من الحياة الأبدية؟

الاول جئته لاعتقادي ان الطبيعة والفن كتاب من الله الينا. اقرأ ربي حيث يمكنني من ذلك. لست اعلم اذا أخذت الكثير من الطبيعة. اظن اني حاولت اخذ الكثير من الفن. ما شجعني على ذلك كوني موقنا ان الله مخفي في الجمالات واني أغيب عنه إن غبت عنها.

ثم لإيماني بالكلمة أقبلت عليها حسبما استطعت. انت لست حرا من تجلياتها واذا نأيت عنها تضع نفسك في الجهالة. هل أعطتني الكلمة هذا الذي كان في البدء وتجسد من مريم؟ في ضعفي وانكساري أقر انها اسعفتني في ظروف التأزم والحزن اذ كنت في حاجة الى تلحينها لذاتها واحس اني كثيرا ما سمعت النظم الإلهي واللحن في البيعة.

هل اقتبلها قلبي اقتبالا غير مشروط؟ هل خضع لها وقد أراد الخضوع؟ هذا ما سيقوله الآب بعد ان يستردني اليه وارجو الا اخشى المواجهة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأقباط / السبت 24 آذار 2012

بعد رحيل الأنبا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ان افضل ما أقدمه له ان أكلّم قراء »النهار« عن كنيسته بعد ان عرفوا في صحافتنا الكثير عنه.

لفظة قبطي مشتقة من اليونانية القديمة التي تدلّ على الانسان المصري بما صار في الفرنسية  Egyptien وما يقاربها في لغات الغرب. القبطي هو اذًا المصري. واستعمل العرب عند فتحهم للبلد لفظة قبط او فقط. ولكون العرب عنصرا يختلف دينيا عن مسيحيي البلد سموا هؤلاء اقباطا.

الترادف الكامل بين قبطي ومسيحي يسقط عندما نعرف ان الكنيسة القبطية هي فقط غالبة عددا وان ثمة من نسميهم روم ارثوذكس الذين هم على عقيدة اخرى والكاثوليك على اختلاف طوائفهم والانجيليين. من هؤلاء من انشقّ عن الكنيسة القبطية وهم القبطيون الكاثوليك والانجيليون ومنهم من هاجر الى مصر من اليونان ومن منطقتنا. يبقى ان الأقباط الارثوذكس هم الأكثرية الكبرى.

يفترقون عن الآخرين الذين ذكرت اننا كنا ندعوهم أصحاب الطبيعة الواحدة ونسمي كل الآخرين أصحاب الطبيعتين. مشكلة الطبيعة والطبيعتين في المسيح ظهرت في المجمع الخليقدوني وهو الرابع المسكوني المنعقد السنة الـ451 والقائل بأن للمسيح طبيعة إلهية وطبيعة انسانية. هذا لم يعترف به من صاروا الكنيسة الأرثوذكسية القبطية في مصر وعلى عقيدتهم الأحباش والأرمن والسريان وهم القائلون بأن للمسيح طبيعة إلهية واحدة متجسدة. وبسبب قولهم بالطبيعة الواحدة حرمهم المجمع الرابع.

ولكن غدا في القرون الوسطى ومن المعاصرين من قال ان الاختلاف بين أصحاب الطبيعة وأصحاب الطبيعتين ليس خلافا اذ ان الاختلاف فقط لفظي فكل المسيحيين يذهبون الى ان المسيح إله كامل وإنسان كامل وهذا ما أكّده دائما الأنبا شنودة وتاليا مضمون الايمان واحد وليس من هرطقة في اي فريق. يبقى ان تتصالح القيادات وان تعكس الوحدة وصورة الاتحاد.

#   #

#

لا يبدو ان هناك احصاء للأقباط دقيقا ولا سيّما ان مصر ليس عندها نظام طوائفي. غير ان الأقباط يعتبرون انفسهم عشر الأمة اي ما يقارب ثمانية مليون نسمة. هم والمسلمون يتنافسون في الوطنية المصرية. كل فريق ديني يعتبر الآخر مصريا كاملا وكل مواطن عندهم يذكر ان المواطن الآخر حمل القضية الوطنية عاليا بحيث لا يتهم المسلم القبطي انه كان قريبا من الانكليز. ما هو السبب العاطفي اذًا لقتل مسيحي هنا ومسيحي هناك؟ مسألة لم أحلّها بعد.

غير ان الواضح ان البابا شنودة لم يضع الأقباط ازاء المسلمين ولم يتهم احدا بقتل شعبه وما كان يلجأ الا للدولة ولما كان بعض من اهل الغرب ولا سيما الاميركان يحاولون البحث عن حرية الدين ما كان شنودة يأخذ بموقفهم ورفض كل مرة اللجوء الى فكرة حرية الدين لئلا يلقي مسؤولية على المسلمين.

بقي شنودة ساهرا على التقوى الشعبية وهي عظيمة جدا. المصلّون والصوّامون كثر والايمان يبدو قويا على بساطته وذلك عند المثقفين ايضا. ولما كان شنودة يحاضر كل يوم اربعاء في الكنيسة المرقسية كان يحضره ما لا يقل عن خمسة آلاف انسان من كل الطبقات الفكرية وكنت أراهم خارجين من المحاضرة جمهورا تلو جمهور.

وعظت في كنائسهم بعض المرات وعند خروجي كانوا يتلمسون جبتي للتبرك مع علمهم اني لست قبطيا. عرفت من نال شهادات في اللاهوت عالية وصادقتهم. عندهم جميعا المسيحية واحدة. في التأزم الاجتماعي هكذا تبدو ويظلّون على قوة الشهادة. غير القادرين على التعبير الكلامي عندهم كان يبدو لي ان قلبه يعرف. بهؤلاء كنت أحسّ ان المسيح يمشي على ضفتي نهر النيل.

في حالات الضعف السياسي  لا بد لهم ان يتحلّقوا حول الإكليروس وهم يقدمون لمصر ما استطاعوا من المعرفة. علوا في العلم. كفاني هنا ان أذكر في الفنون عوض كامل ورمسيس ويصا واصف وسامي جبرا وحبيب جرجس ومراد كامل.

في الحياة الكنسية يقود الأقباط مجمع مقدس مؤلّف من أساقفة ومطارنة ورؤساء اديرة ومجلس اكليريكي لدى البطريرك.

انتخاب البطريرك يتمّ على درجتين. يشترك المؤمنون في الترشيح ويختار ثلاثة يأتي الناجح بالقرعة.

البطريرك يعيّن المطارنة بعد استشارة غير ملزمة للعلمانيين. عندهم مجلس ملّي يهتمّ بادارة الأوقاف والعلاقات الاجتماعية. الإصلاح الذي تمّ السنة الـ1955 جعل الأحوال الشخصية تحت سلطة الحكومة التي تفحص الخلافات الزوجية.

على رغم الحدود الموضوعة تبقى الكنيسة القبطية على حيويتها في الوعظ والنشر والحياة الرهبانية التي تجددت في العقود الأخيرة وانضمّ اليها مثقّفون كثيرون يزاولون كل ما استلموه من التراث القديم.

مع هذا لا يزال الأقباط منخرطين في الحياة العامة. لهم صحافتهم المنتظمة في جريدتي مصر ووطني. لهم حضورهم في القيادة السياسية وان كان لا يصل احدهم الى المسؤولية انتخابا. كان بعضهم مقربا من سعد زغلول عند تأسيس الوفد. كنت اتابع في مطلع شبابي نشاط القبطي العظيم مكرم عبيد. كان لواصف بطرس غالي دور حاسم في إعداد معاهدة السنة الـ1936 التي كرست استقلال مصر.

حافظ جمال عبد الناصر على كرامة الأقباط. رأيته السنة الـ1965، يضع حجر الأساس  للكاتدارئية الجديدة. هنا اسماء في الأدب والفن لا تنسى. كيف تنسى جورج حنين والبروفسور عزيز سريال عطية واضع الموسوعة القبطية؟

لا يسعني ان اسمي كل من ساهم في خدمة الفن القبطي في الرسم والعمارة. كيف نهمل ذكر الأطباء  والأساتذة والمعماريين والمهندسن والصاغة وعدة صناعات أخرى.

سيبقى الأقباط بالرضاء الإلهي اولا وبإخلاص المسلمين لبلدهم الذي له عظمة الا يتكلّم على الأكثرية والأقليّة لتعود مصر الى عمق حضارتها وذوقها وجمالها وعلى ريادتها للعالم العربي.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الفرح / السبت 17 آذار 2012

منتصف الصوم عندنا في الأسبوع القادم وقد أحس الكثير من الأقدمين ان نصف زمان الإمساك خالطه شيء من الملل وبعض من تعب فخشي علينا الأقدمون أن نقع ولا نتابع المسيرة بفرح. دائمًا الكنيسة تخاف من زوال الفرح لأن خلافه استباق لموت ما في حين ان رؤيتنا رؤية قيامة.

ما كنت اتمناه وانا أكتب لجميع الناس ان يدركوا ان المسيحية التي تتكلم برموز وليس فقط بكلمات ما جعلت الصليب مركزا لها الا لكونه تحولا الى الانبعاث. اذا كان المسيح لا ينطفئ فنور الفصح هو كل شيء ولسنا ديانة مأساوية، مسدودة النوافذ اذ دخل السيد على تلاميذه بعد القيامة والأبواب مغلقة. ليس من انغلاق للنفس، اذا هي أرادت، يحول دون دخوله اليها. يدخل ليزيل الألم والحزن اذا رافقه ويخطئ من ظن ان المسيحية ديانة الألم وتعذيب الذات المقصود وان فيه فضلا. الفضل للصابرين اذا صبروا وليس للمتوجعين لمجرد توجعهم.

الإنجيل كتاب مليء بالعجائب وأراد المسيح شفاء المرضى. «العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون» (متى 11: 5). ولكن لا يظنن احد انه قادر ان ينال التعزيات الإلهية وعظمة النعمة بهدوء الكسل. لا مفر من الخطيئة ولكن لا خروج منها الا بالتوبة ولا صعود على معارج التوبة الا بالصلاة.

المسيح لم يخترع الصليب. كان موجودا في العقوبات الرومانية. تقبله تقبلا ليعلمنا ان لنا به حراكا الى الله. النعمة المنسكبة علينا يتهيأ لها الانسان بشدائد تعتريه. كيف تشطب الشدائد روحيا وليس بالطب الجسدي او الطب النفسي بلا سكينة هي سكينة الله لنفسه.

لك ان تتوقع شفاء على صعيد الطبيعة ونحن نؤمن ان لله اصبعا في هذا. والطب النفسي يعالج العقد التي ورثتها ولكنه غير مكترث بعافيتك الروحية. اصلا لا يسعى الى هذا ومؤسس هذا الطب كان ملحدا. انا ما قلت ان بديل المعالجة الصلاة. والقديسون حضوا على طلب المعالجة الطبيعية. غير ان الانسان مصلوب على ما يعتريه وعلى ذاته حتى يتلقى الحنان الإلهي. لا احد يخترع صليبه الشخصي او يتوهمه. قد لا يروقك استعمالي لكلمة صليب. ولكن حقيقتها قائمة في وسط الوجود. نحن نبقى على التسمية لأنها أعطتنا حياة لما واجه الناصري الخشبة التي علق عليها بالمسامير وإكليل شوك.

#   #

#

لما وضعت كنيستنا يوم غد ذكرى للصليب ترى اذا قرأت النصوص كلها المتعلقة بالتعييد انها شبيهة جدا بنصوص الاسبوع العظيم ولا سيما الجمعة العظيمة وكأن الذكرى استباق لتلك العظيمة، كأننا لا نستطيع ان ننتظر الموسم الفصحي مدة تطول. واللاهوت الذي تقرأه منذ مساء اليوم حتى الاحد هو اياه اللاهوت الفصحي. النظام الطقوسي عندنا دائما يبدأ بيوم سابق لأي عيد عظيم كأن زمنا لا فرح فيه يعذبنا. نشتهي التذوق المسبق للموسم المرجو.

لست اذكر من هو العالم المسلم الذي قال من قرون عديدة ما مفاده ان الله لا يدع امة توحيدية تخطئ قرونا عديدة في فهمها للصلب او تقع في انحراف رهيب كهذا المنسوب اليها. انا ما أخذته على نفسي اني لا أساجل ولكني لست قائلا هذا القول. انا لست افهم ان اعظم قصيدة حب كهذه التي نحن في صددها يمكن ان تكون بالكلية غريبة عن الفكر الإلهي.

انا لا افهم ان الوفًا مؤلفة من الشهداء الذين قُتلوا من اجل هذه القضية او بسببها ماتوا عبثا اي انهم ماتوا في الكذبة الكبرى واذا انخدعوا فمن صاحب الخدعة. هم ما اتوا بجلال قداستهم الا من ايمانهم بما اعتبروه واقع خلاص.

نحن الصائمين نجيء الى التعبد غدا ليطهرنا الله من كل ادناسنا فنرث حامل الحياة اعني المسيح.

نطلب «صفحا الهيا ونورا سماويا وحياة وسرورا حقيقيا» ونعلم ان هذه هي المجد. ولكن قبل نزول المجد نقول «يا رب لا بغضبك توبخ شعبا خاطئا ولا برجزك تؤدبنا لأنك صالح».

#   #

#

في الأخير ماذا يعني الصليب الذي نتجدد غدا بمعرفته؟

كل فكرة موت المسيح لا تعني لنا الا انه وهو الحياة قد دخل نطاق الموت وأمات الموت. القصة كلها تختزل بأن ارتضاء يسوع الألم ألغى الألم واعطى الانسان المؤمن به طاقة الغلبة على كل ما هو سلبي في الوجود.

غير ان نصر القيامة يعيدنا الى الا ننسى المتألمين والفقراء والمرضى وان نستعد لنأخذهم معنا الى الفرح. نحن لا نحب صلب احد ولا ان يبقى تحت وطأة صليبه. واحد حمل الصليب حتى لا يبقى مخلوق رازحا. سعينا ان نصعد مع كل الناس الى اعلى ما في الكون وهذا ما نسميه السماء. رجاؤنا ان يتسلح البشر جميعا بالنصر على ما يعادي البشرية فيهم.

سنواصل الصوم بالرضاء الإلهي على رجاء رؤية الفصح نحن وكل المحبين ليسوع ونصلي عند ذاك لفرح الانسانية جمعاء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

حارة النصارى / السبت 10 آذار 2012

سألني مرة أحدهم في كهولتي: «أعندك عبارة واحدة تعرف نفسك بها منذ نشأتك حتى اليوم تكون عصارة فهمك لذاتك ولا تنتقص منك شيئا وتتوق ان تبقى عليها ولا يزيدها شيء آخر يراه الناس انه من هويتك»؟ قلت له: «انا صبي فقير من حارة النصارى».

انا ما كنت اعرف في طفولتي الأولى معنى نصارى اذ ما كان قومي يستعملونها ولكنها هي كلمة من القرآن ومن التنظيم المدني في عهد العرب بعد ان احتلوا بلادنا. الفكرة العمرانية والسياسية وراء اللفظة ان من سماهم العرب النصارى وهم يسمون انفسهم مسيحيين، الفكرة انه يجب ان يجتمعوا في حي واحد حول كنيستهم ليظلوا في حماية الحكم الإسلامي ولا يعتدي الرعاع عليهم. ما كنت افهم آنذاك لماذا تحدث احدا نفسه ان يعتدي عليهم. ماذا فعلوا؟ لما صرت شابا أخذت افهم ان كل مجتمع في العالم فيه من يعتدي عليه فعل ام لم يفعل وهذا مكتوب في كتب او الكتب احيانا تأتي هي من الشعوب.

ولكن قبل ان اولد اي قرونا بعد ان ظهرت شريعة الحماية للنصارى أخذ المسيحيون يسكنون بعيدا عن الكنيسة يخالطون اهل البلد الآخرين ولم يكن عند احد من الفريقين مسؤولية الحماية للاخر لأن العثمانيين بعد اختلاطهم بالغرب قالوا للرعايا: كلكم مواطنون واذا اعتدي على الامة العثمانية يؤخذ المسيحي العثماني الى الحرب. كان هذا النصراني عارفا ان اهل السلطنة واحد لأن الموت واحد ولأن تشريعات كثيرة أرادت ان تظهر ان هذا الشعب واحد.

مرة سألت احد الناس: لماذا اذا كانت شرائحنا متجاورة في بوابة الحدادين في طرابلس او يعملون جميعا في سوق واحدة لا يبقى من حاجة الى حماية احدنا للآخر بل يظل حسن الجوار هو القاعدة  وحسن الجوار يأتي من قربى الجار للجار او المزاملة في العمل ولا يطرح احدنا السؤال عن الحي الذي يستأجر فيه شقته ويتسامرون ويحترم كل منهم تقاليد الآخر. مرة كنت ازور صديقا في شهر رمضان في النهار. قال لي: سامحني لا استطيع ان اقدم لك القهوة لكوننا صائمين. قلت: ما كنت انتظر شيئا آخر. واذا سهروا بعضهم عند بعض ففي شوق يسهرون.

وعلى امتداد الناس جميعا في المدينة بقيت حارة النصارى وعند حدودها حارة اليهود ولكونها كيانًا مُدنيا آخر لم افكر قط باجتيازها او ان ادخل الكنيس. كل جماعة هي الأخرى.

لم ألحظ عصبية في حارة النصارى او تباعدا بين عائلاتها ربما لأن ما يوحدهم كانت هذه الكنيسة القائمة في وسطهم وكانوا دائما حولها فاذا قرع الجرس يعرفون انها صلاة الغروب مثلا ويهرول بعضهم اليها وعند انتهائها يعودون الى بيوتهم لتناول طعام العشاء او يسهرون قليلا عند الأنسباء ولو طالت المسافة اذ السيارة لم تكن معروفة عند غير الميسورين. فاذا حضرت يستقبلونك وهم لا يعرفون بمجيئك سابقا ويتحادثون احيانا بما هو شيق.

اذكر ان ابي كان طيب الحذيث ولا يؤتاه من الجرائد التي كان يتصفحها. كان يتحدث عن خبرته مع الأتراك. ما كان يكرههم ابدا. انهم اسياد الحرب. ما كنا نتساءل لماذا نحارب لهم. انهم اسياد البلد. ونموت في الترعة اي عند قناة السويس او نعود منها او من بعلبك بعد دفع البدل.

#   #

#

المثقفون كانوا يقولون انهم عرب. كانت هذه الفكرة ظهرت في باريس عند قاطنيها الموارنة الذين كانوا يكتبون بالفرنسية. اهلي كانوا يقولون انهم اولاد عرب. كبف وجدوا هذا لست اعلم. فقط بنهاية الحرب العالمية الاولى أخذت الهويات تظهر وتتصارع ولكني كنت اذكر من ايامي في آخر العشرينات من القرن التاسع عشر ان ذاك الجيل القديم كان لا يزال يقول اننا اولاد عرب. ولما كانوا يريدون ان يتحدثوا عما يحسونه اعماقا يقولون نحن مسيحيون ويريدون بذلك فقط انتماء لا علاقة له بهذه الدنيا. البلد كان في استلام الاتراك ثم صار في استلام الفرنسيين اما هم ففي استلام الله وكنيسته التي كانوا يتحلقون حولها وما يعرفون شيئا عن كنيسة اخرى الا اذا صعدوا الى قرى الاصطياف اذ كانوا يعرفون ان مسيحيين آخرين يسكنون الجبال ويصلون بلغة اخرى ويرتلون بألحان اخرى. وما كتنت المس عندهم تعصبا فالآخرون هم الآخرون.

اما جماعتي فيرعاها كهنة تلقوا بعض العلم الاساسي ليتمكنوا من أداء الخدمة وهي الكلمة التي تدل على الطقوس عندنا فالقيام السليم بكل الخدم على كثرتها كان الشرط لاقتبال الكهنوت. الأسقف وحده كان حائزا على العلوم اللاهوتية كاملة في الخارج والخارج يمتد من القسطنطينية (اي اسطنبول بالتركي) الى بطرسبرج في روسيا مرورا بكياف وقازان وموسكو بحيث ان كل اسقف كان عندنا يتقن اليونانية اوالروسية الى عربية متينة تؤهله للوعظ. وهذا الرئيس كان الى زمن ليس بعيد يسكن حمى الكنيسة اي في حارة النصارى.

ولد ابي وجدي لأبي فيها وانا ما كنت اتردد عليها الا لزيارة عمتي التي كانت تعيش مع ولديها بعد ان مات زوجها عند الأتراك في الحرب. والديّ عند زواجهما عاشا في حي جديد يدعى الزاهرية ثم في حي إسلامي يدعى باب الرمل حيث ولدت. لم يكن اذا في هويتي اي انتساب الى حارة النصارى.

لماذا أكون اذًا صبيا فقيرا من حارة النصارى؟ هل لأن جدي بنى قبة الكاتدرائية هناك ام لأني أحببت في شبابي ان أتأصل في هذه الهوية النازلة على اهل الحي من السماء؟ أين أصولهم الا في السماء؟ هل تبنيت الحارة ام هي تبنتني بعد ان دعي اهلها مسيحيين في انطاكية اولا (أعمال 26: 11).

ما همني ان اهل الحارة كلهم ما عدا قلائل نزحوا. حتى نهاية الأزمنة الإنسان في نزوح. المهم انهم يوم الأحد هم في الكنيسة ويصيرونها اذا اخذوا جسد ابن الله ودمه فينتشرون عالمين انهم في رعاية الله وحده وانهم يدفنون في مقبرة مسيحية مع القديسين.

تعزيتهم انهم في حارة النصارى العقلية لأن آباءهم شهدوا وانهم سيقيمونها في اللامدى ويعلمون اولادهم ان يصلّبوا وجوههم اتخاذا للغلبة التي اعلنها يسوع على الخشبة. عددهم ليس همهم واذا انقرضت حارة النصارى بكل معنى من المعاني سيذكرون ان واحدا قال لهم: «ها انا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر» (متى 28: 20).

سقطت قبة الكاتدرائية في حياة جدي جرجس خضر ولما رآها تتصدع صرخ بالمؤمنين ان اخرجوا ولم يمت منهم واحد لأن السماء كانت قبتهم.

سوف نتشتت في الأرض كلها. ما همنا. لسنا سكان الأرض. قاماتنا هنا ورؤوسنا تنطح العرش السماوي حتى يجلسنا الآب عن يمينه مع الابن. ذهبت حارة النصارى. أبقي المسيحيون الآن بين السماء والأرض حتى يوم تزول الأرض.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الصيام / السبت 3 آذار 2012

دخل المسيحيون الصيام منذ اسبوع او اسبوعين ووجهتهم الفصح اذ الفصح هو الرؤية وغاية الصوم ان تبصر مجد الله مرتسما على وجه القائم من بين الأموات. التقشف هو الوسيلة البشرية لإدراك النور والنور والجهاد يتآزران لتدخل اليك قوة الله. ما من وجود روحي خارج الإلتقاء بين النعمة الإلهية وجهادات الانسان. وعند الجهاد تتم دالتك على الله وتؤتى الحميمية المذهلة بينك وبينه.

لأن الرؤية كانت الغاية ولأن رؤية الفصح هي الرؤية رتبنا هذه الفترة الزمنية قبل ذكرى القيامة ما لم يمنع رياضات صومية مماثلة قبل أعياد اخرى اذ ما من عيد عظيم عندنا الا انعكاسا للعيد الكبير. وما من صوم طوعي تقرره انت ما شئت الا التماسا لوجه أبيك الذي في السموات وما من شك عندي ان إمساك يومي الاربعاء والجمعة الا استعدادا ليوم الأحد المقبل واليوم الأحد هو الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر وينفي تاليًا ما يذكر معه من العدد كما جاء في القاموس. أقمنا القداس الإلهي فيه فلنقول انه يوم المجد.

مدعوم هذا الكلام بما ورد في سفر الخروج عن موسى في جبل سيناء حيث «كان الرب يكلم موسى وجها لوجه كما يكلم المرء صديقه». غير ان مجد الرب لم يتراء لموسى «لأنه لا يرى وجهي انسان ويعيش». وكان موسى في الجبل بلا طعام اربعين نهارا واربعين ليلة.

شيء من شبه رؤية حدث مع ايليا في جبل سيناء ايضا. قبل إدراكه الجبل هاربًا من الملكة ايزابل بقي اربعين يوما واربعين ليلة بلا طعام وتراءى له الله رمزيا بشكل «صوت نسيم لطيف». غير ان النبيين أحضرهما الله الى جبل التجلي فشاهدا نور الله على المسيح. كان هذا اول اتصال لهما بالرب. قبل ذلك كان لهما التماس له.

المدة نفسها التي قضى موسى وايليا في الصوم قضاها المسيح بعد اعتماده. هذا الرقم كان يعتبر رقما مقدسا كأرقام اخرى في العهد القديم. رقم الأربعين كان يعني للأقدمين الرجوع الى الذات ويتضمن تاليًا معنى التوبة. غير ان مدة الصوم لم تكن عندنا محددة منذ البدء اذ كانت كل كنيسة تلتزم بالفترة التي تحددها هي الى ان استتب رقم الأربعين في المجمع المسكوني الأول السنة 325 ومجمع اللاذقية المنعقد السنة 365.

أكدت هذا لأقول ان الفترة التي نحافظ عليها جاءتنا من التراث الروحي المتأصل في القدم.

#   #

#

ما كان شكل الصوم قديما؟ اولى شهادة كلام القديس ابيفانيوس القبرصي في القرن الرابع القائل ان الصيام يقوم على وجبة واحدة خالية من اللحم. ويزين لي ان الأسقف القبرصي كان شاهدا لتراث سابق استمر حتى آخر القرن السابع حيث ينهي مجمع ترولو عن اكل اللحم ومشتقاته (القانون 56) وهو يريد بذلك البيض والجبن. واستمر هذا التقليد حتى يومنا هذا في الكنيسة الأرثوذكسية.

هنا لا بد ان نذكر ان ثمة كنائس غير ارثوذكسية تتحرر جزئيا او كليا من هذه الممنوعات باعتبار ان هذا ترتيب كنسي يتغير بتغيير الأزمنة. الأرثوذكسيون انكبوا منذ زمان على التطلع الى تعديل ما في هذا النظام وقد ينظر في هذا المجمع الأرثوذكسي الذي أخرت انعقاده ظروف مختلفة في السنوات الأخيرة.

هنا ايضا لا بد ان نذكر ان الصيام عندنا دعوة إلهية منصوص عنها في العهدين القديم والجديد ولكن الامر الإلهي لا يتضمن شكلا معينا من الطعام. هناك مرونة ذات طابع رعائي. ومن الواضح طبعا ان المشروبات الروحية غير مسموح بها في الصيام.

#   #

#

لا يتركز الصيام فقط على الامتناع عن الزفر ولكنه يقوم على التقشف اي الابتعاد عن الطيبات وطلب اللذات بالأطعمة الصيامية. الفكرة ان تقترب من الفقراء وطعام الفقراء والا تنفق كثيرا لتدنو من المحتاجين. هؤلاء كانوا هما أساسيا في المسيحية الأولى فقد كتب أحد المدافعين عن الإيمان الى الامبراطور الروماني في القرن الثاني قائلا: لماذا تضطهدنا ونحن قوم اذا وجدنا عائلة فقيرة بيننا نمتنع عن الطعام لإعطاء هذه العائلة ثمنه. المشاركة كانت، في البدء، تاريخيا. وتبقى الى اليوم الصدقة ملازمة للصوم بل أحد أركانه. فالمحسن متصل بالله ولا يكشف نفسه لأحد. كذلك الصائم يمسك ليصوم لله الذي يرى في الخفية والذي يرى في الخفية يجازيه علانية.

هذا المفهوم للصوم يجعله طريقا الى التواضع اي الى رؤية الانسان نفسه على انه لا شيء يلتمس من الله كل شيء ويتربى على ان يصير فقيرا لله. من جعلته النعمة هكذا يصبح مهيأ للاستغناء عن اشياء كثيرة. في الأخير الصوم ترويض النفس على كلام يسوع: »لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض … بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء«. الذي يربي نفسه على التشبه بواقع الفقراء ويتألم كما يتألمون من الحاجة يصبح قلبه مكانا لله.

واذا فعل هذا مرة في السنة وفي كل مواسم الامساك عندنا يكتسب روحية الفقر الدائم الى الله.

#   #

#

تبقى قضية اساسية عقائدية. ماذا يصوم فينا؟ هل النفس ام الجسد؟ الجسد لا يخطئ ولا يصوم. هو مكان للنفس الراغبة في التطهر. هو مظهر للذات الكاملة، العاقلة، المحبة ولكنه ليس آلة. هو بعض من الانسان الواحد القائم بالنفس والجسد معا المعبرين بالمشاركة عن الأنا التي تنزل عليها النعمة لتنقيها من الانغلاق والكبرياء. الأنا معرضة للغطرسة والتسلط والاستيلاء ومنفتحة للذات الإلهية بعطائها العلوي.

واذا صح الجسد فليس هذا بسبب من أنواع الأطعمة اولا ولكن بسبب خضوعه للكيان البشري الموحد بالحب والبذل. الجسد مشدود الى الروح المعطاء الذي يكون قد ذاق الامحاء امام وجه الله. ووجه الله مطل دائما على الذين يحبونه ليعطيهم حياة جديدة.

وهذه تعلن عن نفسها في الفصح الآتي على رجاء ان تعود الينا قبل ان يأخذنا الله الى رحمته.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

التوبة / السبت 25 شباط 2012

لكون التوبة رجوعا الى الله، الى كيانه، الى حياته تحصل بنزول حياته عليك. انت تتوجع اولا لكونك حجبت وجهه عنك لتعطي وجهك حق ان يرى ما لا يريد هو ان تراه وتعطي يديك حق ان تلمسا ما لا يجوز لمسه وقدميك ان تسيرا الى حيث لا موضع لك فيه. بمعنى آخر انت تعود من غربة اذ لا يقيم ربك حيث أقمت واعتقدت ان لك في ذا فرحا فهربت من المشقات ولا دخول الى الملكوت بلا مشقة.

ونسيت انك انت انت اذا استضافه قلبك وبلا هذه الاستضافة انت وكر أفاعٍ ووهم وجود. بالرب تحصل رؤيتك لنفسك ويبقى من صورته فيك على رغم الضلال ما يجعل فيك شوقا اليه. وذكرى بهائه القديم فيك يطلقك من جديد اليه. سر هو نقطة اللقاء بينكما. واللقاء يحدث برضاه وافتقاده اياك دائم ولكنك تؤثر لذاتك على إطلالاته عليك لأن الخطيئة جعلتك سطحيا واوهمتك انها هي الكيان اذ ظنت انها هي استمرار وجود وما كانت بوجود.

أنا لست مع القائلين ان ثمة انسانا طاهرا بالكلية. آباؤنا اشتهوا ذلك ولكنهم كانوا يحسبون انفسهم خاطئين. الاحتساب أدخلهم الى السماء. القلب البشري عند العظام بين فضائل ينهدون اليها ورواسب خطايا. لذلك كان عرين الصراع حتى يهدأ الانسان بالموت. ينقينا ذكر الموت ان كنا لله محبين. ذكر الموت التماس السماء حتى يستقبلنا الله فيها برحمته. قبل تفجرها فينا نحن مجرد توق. التوبة ان تحول التوق الى قرار واذا عرفك الله صادقا فيه يقبله. اذ ذاك يحل عليك التوق الأخير ان ترى المجد الإلهي.

#   #

#

التوبة ثمرة الإيمان فإن آمنت ان الخطيئة لطخة وان التوبة عمادة جديدة تبدأ مسيرة التوبة. واما اذا كان اشتياقك الخير تحركا عاطفيا، جماليا كان هذا نوعا من الشعر. ان استيطاب الخير كجمال للنفس ليس توبة. هذه استيطاب وجه الله. فيها عملية إبدال كل شيء بربك. فالنفس فيها رواسب الخطيئة ولو بكيت واسترحمت.

هؤلاء الذين نسميهم كاملين لا يبلغون النقاوة الكاملة ونحن في حدود الجسد ما يعني انه كتب علينا جهاد موصول. نصل الى الحد الأقصى في الفضيلة اذ بعد قيامنا بحركة محبة نلحظ ان هناك عنصر فساد في تصرفنا أحيانا. انت تُسر ان قال عنك الكثيرون حسنا وهذه درجة من درجات الكبرياء اي افتخار بعد إحسان يلطخ الإحسان. ان لم تقتنع انك لست بشيء كل ما يبدو لك فيك فضيلة هجمة من هجمات الادعاء فيك. من هنا ضرورة ما تسميه كنيستي فحص القلب في كل حين حتى لا تعود اليه الأفاعي.

تفحص نفسك على ضوء الوصية: احبب الرب إلهك … احبب قريبك كنفسك. في الجزء الأول من الوصية الوهم وارد كثيرا اذ تظن في نفسك التقوى لقيامك بالصلاة والصوم وتكون صلاتك كلاما مكرورا في بعض الأحايين ويأتي صيامك نظاما طعاميا لا انكسار فيه. وهنا تحتاج الى مرشد يعرف ما يفسد صلاتك والصيام. غير ان الامتحان الكبير محبة الآخر. هذه ايضا تداخلها اوهام ممكنة. المساءلة لا تنتهي بأنك غفرت له او لم تغفر. السؤال الرئيس هل جعلت قلبك مملوءا به لتجعل نفسك في خدمته الدائمة. والسؤال الكبير هو هل تفرق بين الناس فتخدم هذا وتهمل الآخر ام ان العطاء الإلهي الذي فيك تبدده على الجميع لأنهم بسبب من حنانك يعرفون حنان الله اي انهم يتوبون بتوبتك وتتألف، اذ ذاك، الكنيسة.

#   #

#

من أين لنا قوة التوبة او قوة استمرارها؟ من الرجاء اي من الثقة بالله، من اعتقادنا انه يصد عنا التجارب. لذلك كان عدو التوبة اليأس او هبوط الهمة ان كررنا السقطات. السر العظيم يكمن في هذا ان صلاة استغفار عابرة لا تنجينا. هناك سعي الى تركيز النفس بشدة على رؤية المجد الإلهي. ان لم يتأجج الشوق اليه فيزداد التعلق به لا نعود الى الفضيلة.

التوبة لهب في النفس هي عشق المسيح. هذا لا يعني انك ترمي نفسك بخفة في احضانه متوكلا على محبته. تحتاج دائما الى مخافة الله. يجب ان نخشى عودتنا الى الخطيئة. المخافة تربي وتحفظ واذا لازمتنا تدفعنا الى الحب الإلهي الذي هو التوبة.

الصيام زمان التوبة الكبير لأنه يحيطنا بالكلمة الإلهية ويجعلنا نمتصها حتى لا يبقى فينا الا حضورها وفعلها. واذا لم نسقط في اليأس تلوح أمامنا ملامح القيامة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

اللبناني / السبت 18 شباط 2012.

اللبناني مشكلتي وككل مشكلة يوجعني الخلل الذي يحدثه في رؤيتي اياه ان مواطنه لا يداخله فلا يلاصقه. اللبنانيون واقع ركام وليسوا واقع جماعة. ان رأيت الى نفسك فقط تذبل حتى الانعدام وان رأيت الى التواجه تقوم به وهو يقيمك في ذاتك ولا يلغيك اما ان بقيت في عزلتك لا تقدر ان تقرأ المشاركة التي تجعلك شخصا اي كائنا تخطى الفرديّة لتكون في الكل ومع الكل.

لست أعلم السبب التاريخي لعدم تجاوز الفرد انغلاقه. فلو قلنا انه منضم الى طائفته دون الكتلة الوطنية فهذا غير صحيح لأنه في طاذفته منعزل ولا يرى نفسه موصولا الا بعائلته. وهذه ليست، ضرورة، مكان اللقاء الكبير، لقاد قلبي الزوج والزوجة.

نحن وارثو البداوة في مظاهر لها كثيرة. نرث الصدامية والتكتل المبغض ولكن القبليّة ارقى منا لأنها تقوم على اجتماع الأفراد والشورى ورعاية شيخ القبيلة. القبليّة تمتمة حياة الحضر إلى أن تكتمل هذه في تجمع أوسع. هل بدأنا بجماعية انطفأت بسبب من خوف أو كنا مرميين في صحارى وجود لم يقم على تفاعل فيه تعددنا  ووحدتنا بآن. ذلك ان الوحدة لا تبنيها الا مشقات اي جهد روحي لم نكن مستعدين للقيام به. لذلك يأنف اللبناني من التآلف والتعاضد ويقبل المودات التي تحميه من العزلة.

مع هذا يربى الانسان على اكتساب روح التعاون فينتعش والروح الوطنية تأتي صدى لروحية المشاركة التي يعيشها المرء في الحي، في الضيعة. مجموعة اهل المهنة التي هي السوق في تنظيم المدينة المشرقية لا تقع تحت هذا الوصف اذ لم يكن فيها روح المنافسة كما أدرك ذلك المستشرق لوي ماسينيون بل قامت على التعاون بين المحترفين حرفة واحدة. في طفولتي ومطلع شبابي كنت ألاحظ هذا في بعض مدننا. يجب ان يساعدنا علماء الإناسة لنعرف كيف تشرش الانكفاء عندنا ولماذا لم نقفز فوقه لنرسم حياة سياسية على صورة التآخي.

#   #

#

ربّ معترض يقول ان تفتّت الأحزاب في اوربا الغربيّة يشبه تفتّتنا. جوابي ان اعضاء الحزب متعاونون ولو تباعدوا عن الأحزاب الأخرى. والجواب الأدق ان الحياة الحزبيّة على تنافسها هي قبول بالأحزاب الأخرى اي قبول جماعية ما لها مزايا مختلفة.

ليس الإنسان منفتحا في طائفته ومنغلقا دون الطوائف الأخرى. الطوائف تحد مواهبها بسبب من السياسة لا من زخم في القلوب. لا علاقة للتكوين الطوائفي بطبائع اللبنانيين. فاذا الغيت التركيبة الطوائفيّة لا ينتقل اللبناني آليا الى المشاركة. القضية روح والروح هو في حاجة الى تهذيب. والتهذيب مرتبط بالتربية ولكن التربية لا تنشئ الانسان تنشئة جديدة. هو في حاجة الى حب ينزل عليه من فوق.

يستنزل الانسان الحب الإلهي اذا شاء ربك ان يسكبه علينا. من هنا ان تغيير العقل اللبناني ثمرة أعجوبة او صلاة ان كنتم مؤمنين. هذا لا يعني اني أشك بعمل الدولة في تربيتنا. ما اشك فيه هو اجتهاد اهل الأديان لتقويم الانسان حتي يظهر ما يسميه بولس »الانسان الداخلي«، هذا الذي لا يرتضي المظاهر حياة له. عشنا حقبة زمان ليس ببعيد كان للقيم مكانة في هذا البلد وللوقار مكانة ولطراوة القلوب مكانة. وهذه كانت ترافق استقامة السلوك الى حد بعيد وكان في المظاهر اختزال ،كان المال قليلا الا عند فئة صغيرة من الناس.

افهم ان العلوم الجديدة والتكنولوجيا وسياسات كثيرة تؤثر في تدنّي الأخلاق احيانا وانك في حاجة الى صراع مع الشر شديد لتبقى سليما. والسؤال المطروح علينا هو كيف تحافظ على انجازات الحضارة وسلامة نفسك من الأذى الكبير. هل السقوط محتّم ام ان ابداع نفوس طاهرة يمكن جمعه الى حضارة في حالة التطوّر السريع.

انا أعرف ان الخطيئة وجدت منذ البدء وان اهواء الانسان هي هي وان المعاصي تجرحنا كما جرحت الأقدمين كما أعرف ان ثمّة ما يغري اليوم ويداعب شهواتنا ولكن ايماني بالله الحي الدائم الوجود والإحياء يدعوني الى القول بأنه ليس محكوما علينا بالموت الروحي بسبب من سيئات بدت جديدا في حياتنا اليوم.

#   #

#

لن نبني هذا البلد الا بشروط الإحياء الديني وأعني بذلك حضور الله في القلب نورا لا ينقطع. ليس الظرف للكلام عن الممارسة الدينية التي قد تكون عظيمة هنا وهناك ولكني اريد هذا التواصل الحقيقي بين قلبك والجمال الإلهي. هي الذوق او الخبرة العميقة للمحبة الإلهية فيك. في المصطلح المسيحي ان تكون في الله ويكون الله فيك. ان تحيا في التنزه الكبير عن »الطمع الذي هو عبادة أوثان« وعن مجد هذا العالم يجعلك ملتمسا لمجد الله ورحمته وحنانه فيصير هذا حياة مجتمعية قائمة على المشاركة الصادقة المعطاء ويصير هذا سياسة بكل تعقيداتها ولكنها سياسة معقولة بما يدعمها من روحانية واستقامة.

سياسة عملية، ممكنة ليست اوتوبيا وليست ميكيافيليّة. ليست الزرض بعد سماء ولكن السماء تتجلّى في الأرض اذا أراد ذلك بنوها. يمكن ان تظهر الخليقة الجديدة التي الله يرعاها ويجعلها تنطق بكلمته.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

طوائف ومذاهب وعلمانية / السبت 11 شباط 2012

درست ولاية الفقيه في كتاب فارسي معرّب يقع في 299 صفحة. مناقشة النظرية هذه ليست هدف هذا المقال. ولكن لفتني قوله في الصفحة 162 الى ان من كان على رأس الأمور هو من لا يرتكب معصية وانه صاحب العدالة وانه ينبغي ان لا يتبع هوى النفس حتى قال ما مفاده انك ترى هذا على امتداد العالم. افهم من هذا الكلام ان رؤساء الدول خارج العالم الاسلامي يمكن ان يتحلوا على المستوى الخلقي خارج كل عقيدة دينية بالفضائل النازلة على الفقيه حتى لا نضطر ان نحكم على كل روساء الدول وحكامها باللاخلاقية.

اذهب من هذا لأقول مع عالم شيعي كبير في هذا البلد انه ليس هناك من دول دينية. في المنطق الصوري العبارة لا معنى لها لأن الدائن (المؤمن بدين) فرد ذو عقل وقلب والدولة بنيان حقوقي ليس له وجود حسي ويستحيل ان يكون لها دين او الا يكون.

انا افهم ان يسيطر اهل دين ما على الحكم ويستلهموا عقيدتهم ليسوسوا الامة. من هذا المنظار الدول العلمانية تأخذ من العقيدة الدينية السائدة في شعبها بما يفسر سلوكها وبعضا من أحكامها. فأول دولة غارقة في العلمانية مثل فرنسا تتعطل دوائرها في ثلاثة أعياد كاثوليكية في السنة ويوم العطلة الاسبوعي الاحد. واذا قرأت القانون المدني الفرنسي ترى الكثير من دعائمه قائما على القانون الكنسي الكاثوليكي. تجيء من تراث لتحكم. لا احد يأتي من العدم. ادرك بالمنطق نفسه اذا كان المسلمون الكثرة انهم يجيئون في عقلهم الحقوقي من الاسلام ويبقى هو قناعة الافراد.

الناس يعيشون طوائف طوائف بما فيها طائفة الملحدين ويسعون الى احكام وقوانين تنطبق على وضعهم الحياتي الدائم التطور. السؤال المطروح على الدولة التي تظن نفسها اسلامية هو كيف توفق بين المطلق الإلهي وتقلبات الإحساس البشري المتصل بالحدث وهو بتحديد الكلمة خارج عن المطلق. كل شرع إلهي او المظنون هكذا انسكب على البشر في تاريخ اي كان ملائما لزمانهم وما نشأ في الزمان تكيف. اذا قرأت شيئا من علم النفس وعلم الإناسة (الانثروبولوجيا) وعلم الاجتماع والتاريخ تدرك ان الانسان في دوام التغير وفي دوام تحدي هذا التغير لعقله.

انا لا ابغي تحريف الكتب المقدسة ولكني اريد ان افهمها في إطار الزمن  وما إطلاقيتها وعدم إطلاقيتها. ان جعلت تلازما بين كل حرف منها وكل زمان تكون عديم الإحساس بحقيقة الزمان ومكانته من التدبير الإلهي لشؤون الأرض. الزمان ايضا كتاب الله.

اوربا لم ترجع الى الإنجيل لتقوم بثورتها الصناعية فتخترع القطار والسيارة والطائرة ودرس الجسم البشري وعلاجه. للبحث العلمي استقلال.

استغرب جدا هذه النزعة الحديثة التي تفتش عن الاكتشافات العلمية تحت نصوص ليست الدلالة فيها على أشياء لم يفكر بها احد من قبل ولا يحشر الإله الأبدي الكامل في امور هي بنات العقل البشري في سير تمخضاته. لماذا لا يسمي الله الأشياء بأسمائها ويضطر الى كلمات اخرى تغطيها قبل ان تظهر هذه الأشياء!

آن الأوان لنفصل الأبحاث العلمية على ما نظن ان الكتب المقدسة متعلقة بها. آن ان نؤمن ان العقل حر. يبقى هناك سلوكيات ادرك العلم انها ذات طابع أخلاقي. هنا ترد المناقشة مثل هل يجوز الاختبار على الجنين. الباحث يبحث كما يستطيع. الأفكار تبدو في الفكر على جواز التطبيق. ولكن ليست كل الاكتشافات لها مساس بالأخلاق.

#   #   #

عودا الى الدول الدينية انا لا اعرف واحدة منها ليس فيها علمانيون او ليبراليون. لست اصدق الذين يرفضون لفظة العلمانية لاحتسابهم انها ضد الدين ولا اعذرهم لعدم اطلاعهم على دلالة الكلمة. غير اني اود ان اسائل الإسلاميين عما اذا كانوا يعتمدون كثرة عددهم لفرض تشريعهم على الأمة واقصد بالامة مجموعة المواطنين. هل نحن بعضنا مع بعض نشرع ونحكم ام ان الأقليات اهل ذمة؟ في نهاية المنطق الأقليات يجب ان تهاجر. انا المسيحي في رعاية الله وحده وفي مشاركة المواطنين جميعا ونسن معا قوانين الدولة. انا في اشراف الله عليّ وفي بحث دائم عن الحقيقة السياسية بعقلي الحر المواجه للعقول الحرة.

ضمن هذا الاختلاط تقضي عليّ محبتي لحرية الغير الا افرض عليه باسم ديني قانونا. انا ليس عندي مشكلة في ذلك لأن ديني ليس فيه قانون يرعى الحياة المدنية. انا أجيء روحيا وثقافيا من حيث أجيء وسواي يجيء من حيث يجيء ونتعاشر ونتكلم. هو يهتدي بالفكر الذي يشاء واهتدي انا بالفكر الذي أشاء.

تبقى بعض الامور المتعلقة بالأحوال الشخصية. كقانون الإرث الذي لا يتصل بضميري، ابي وامي عاشا في ظل هذا القانون حتى صدر آخر لغير المحمديين. سكت المسيحيون عن نظام الزواج بأربع نساء. ألغته تونس المسلمة. سكت المسيحيون عن قطع يد السارق. ليس فكرا مدنيا ان يقول فريق من الشعب مثلا: ان زواج الاخرين شأنهم. ليس من فريق عنده شأن مستقل في دولة موحدة.

ماذا تعني اذا الدولة المدنية بعد الربيع العربي؟ حتى الآن لست اعلم. الديموقراطية التي يتشدق بها العرب هي تحديدا نظام المناقشة التي تكلم عليها الفلاسفة الانكليز قديما ومفكرو الثورة الفرنسية. عند هؤلاء تعني نظام العدد اذ لا دخل عندهم للمشكلة الدينية. اليهودي صار رئيس وزارة في فرنسا وكذلك البروتستنتي. ولكن كيف تجعل الديموقراطية ملازمة لنظام الاكثرية والاقلية والاقلية خرساء.

افهم انها ليست هكذا في لبنان حتى الآن. هذا بلد تحكمه المناصفة التي تدل عندي على كرم المسلمين. لا يمكن للمواطن ان يعيش في ايديولوجيات دينية. الدين للفرد كما قال صديقي الشيعي الكبير.

Continue reading