Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2012, جريدة النهار, مقالات

هل من عائلة؟ / السبت 30 حزيران 2012

بعد ان قلت كلمات مؤخرًا عن الأب والأم والطفل لاحظت في الرؤية اللاهوتية ان كتابنا لا يجمع هؤلاء الثلاثة في متحد يسمى العائلة. ليس عندنا تاليًا كلام إلهي عنها ولو ورد كلام مستفيض نسبيا عن كل فريق من هؤلاء الثلاثة يتعلّق بخاصة في العلاقة الرعائية أو السلوكية ضمن هذا الثالوث.

العائلة، قائمة متحدا واحدا، ليست في الرؤية الإلهية ذاتا ولكنها اجتماع والعلاقات فيها بين شخص وشخص ككل علاقة بين الناس فينفتح الواحد على الآخر بالمحبة والقربى تقررها وصية المحبة القائلة ببساطة «أحبوا بعضكم بعضا كما انا أحببتكم» اي تفانوا حتى الموت. النسب لا يزيد مواهبك شيئا ولكنك تعظم ان مارست فيه عطاء النفس فتنمو نفسك اذا انسكبت في النفوس الأخرى.

انت تعطي الآخر ما استلمته من ربّك أكان لك نسيبا ام لم يكن. ليس عند امرئ شعور مخزون. هناك للعاطفة استعداد مكنون بسبب هذا الجسد كشفناه في مقالاتنا الثلاث الأخيرة. ولكن العاطفة تعطيها انت ان كنت ابا او اما ولا تعود اليك بالضرورة من اولادك ولا تدور بين الإخوة والأخوات بالضرورة. احيانا تدور بينهم شراسة او عداء. اما الشعور الأخوي فتؤتاه انت من مدى المعاشرة وامتداده وقد يغذي الله العشرة بنعمته.

لذلك كانت العلاقات  في العيلة ثنائية وتصبح ثالوثية فقط اذا اختار الرب هدفا لها. لذلك لا يقنعني من قال ان العائلة خلية للكنيسة. انها تحيا على الصعيد الطبيعي واذا دخلت الكنيسة اليها تقدسها واذا بقيت العائلة تعيش على صعيد الطبيعة ولم تستلهم ربها لا تكون عنده شيئا.

ختاما لهذا الجزء من حديثي أقول ان العائلة ليست في الكنيسة ولكن الكنيسة في العائلة.

#   #   #

من هنا يتضح لك ان العائلة قادرة على الفساد ان ابتعدت عن ربها واذ ذاك، تصبح خطرا فتضطر انت ان تؤدبها بأدب الرب. انت مدعو ان تبشر اباك وامك والإخوة والأخوات فتنشأ عائلة روحية بين المؤمنين منكم هذه العائلات الجديدة غير القائمة على رباط الدم حبيبة الى الله. محبو الرب نسميهم رعية واما الذين نأوا عن الرب فيصيرون من عائلته اذا التقطته قلوبهم.

#   #   #

تبقى العائلة على كونها طبيعية، مجتمعية هيكليا، مكانا من أماكن المحبة. لك ان تجعل نسيبك قريبك بالمعنى الانجيلي اي حبيبا واذا لم تحب ذويك حسب قلب الرب تفسد العلاقة وتصبح ضحية العائلية اي فريسة العصبيّة التي هي من مشاعر هذا العالم الشرير لكونها عداء للمتحدات العائلية الأخرى. العصبيّة تشديد للعواطف المنكمشة حتى الاختناق. الطبيعة مجرّدة من الانعطاف الإلهي عليها تقتل فينا الكيان الطيب. ولكن اذا احببت الأقربين تتروض بهم على محبة الناس جميعا. ليس الدم يجعل أنسباءك أقربين. الله وحده يقيم بالنعمة لحمة بين من تقاربوا. النسب ييسر القربى ولكنها حاصلة فقط بالرضاء الإلهي.

يقول الرسول ان المحبة لا تتباهى. انها نازلة عليك. لذلك كان الافتخار بعضوية لك في عائلة تحسبها انت مجيدة كان لها في العظمة مكانة من أتفه المشاعر البشرية. انت، عند ذاك، صريع المجد وهو طبيعيا باطل لأنه يأتيك من العالم الباطل. القلب الخاشع، المتواضع  هو وحده المجد. وانت وحدك تأتي من النور او تأتي من الظلمة. لذلك كان التفاخر بالآخرين او بالأنا من صميم التفه.

كل افتخار بالعائلة تحقير للعوائل التي لم تحفظ لها مجدا من هذه الدنيا الزائلة. ان تنأى بنفسك عن كل مجد شرط لإقرارك بالمجد الإلهي. ان لم تولد من هذا تكون مقرًا بأن دنياك تعطيك جمالات وانك تاليا آت من تراب هذه الدنيا.

العائلية تنشئ القبلية التي هي اليوم تحالف عائلات هي بقبولها الحلف هذا تقبل نفسها من لحم ودم واللحم والدم لا يرثان ملكوت الله اذ لا تدخله اسرة بل يدخله أفراد. انت تأخذ هويتك من النعمة وليس لك خارجها من هوية. كل تكوينك الباطني معطى لك من فوق ويبقى لك التراب. ويعرف التراب انك مغادره في اليوم الأخير وانك عائد الى الوجه الذي احبك وكونك بحبه.

احفظ نفسك من صنميّة العائلة ومن صنميّة القبيلة لكي تصير من عائلة الآب. انت بتحررك من كل صلة بشرية آسرة تدخل عائلة الآب وتبقى فيها ما دامت طاعتك. وفي مفهومنا هي الكنيسة التي بلا حدود، المكونة ممن يعترف الله ببنوتهم له اذا تابوا اليه وتاب اليهم. الأبوة الإلهية لا تقوم على خط تجميع ولكن على انتقاء الرب لمختاريه. الله ليس رئيس قبيلة او حلف قبائل او حضور قومي. هذا كله من طبيعة الدم. الله سالت دماء ابنه ليبطل الدم وشرعية الدم. الرب يؤلف ذريته من روحه ويضع فيها كلمته ونفحاته. ويكتب مجده بروحه واذا انت أسهمت بكتابة هذا المجد تصبح ايقونة المسيح الذي عندما تخلى عن مجده بالموت سر الله الى الأبد.

واذا انت أمتّ مجدك الموروث يجعل الله لك مجدا آخر لك ان تكفر به ان عدت الى عالميتك ولك ان تثبّته بانتهاجك القداسة اي باعتزالك هيكليات هذا العالم وبناء هيكل الله في جسدك ونفسك لأن الله يبغي ان يضع مجده فيك.

كل هذا لن يحصل لك الا بعد ان تفهم انك على الدوام صنع الله بعطائه المجاني وتكون، اذ ذاك، معمدا بالروح والنار. الكائن الناري فقط يدخل عائلة الآب.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الطفل / السبت 23 حزيران 2012

حرّكتني الجملة الأخيرة من مقال أنسي الحاج الرائع في عدد السبت الماضي في جريدة الأخبار اذ يقول «سلام على الأطفال يوم ولدوا ويوم يموتون ويوم يبعثون أحياء في عالم لا يقتل الأطفال». لماذا يهتز كل كياننا عند قمع الأطفال؟ أظن ان الجواب العميق هو لكونهم لا يملكون أدنى مقاومة للبالغين وان هؤلاء في حال تعذيبهم الصغار او قتلهم انما يخلون من كل انسانية. اذا فعلوا هذا يكونون قد صاروا اسوأ من الوحش لأن الوحش لا يفترس وحشا من جنسه. هم في ذلك خارج المعقولية.

في الكنيسة عيد الأطفال الذين أبادهم هيرودس اذ كان سيقتل المسيح مع الجمهور. كل صغير آنذاك، حمل الطفولة التي كان عليها يسوع الناصري. كل صغير يحمل فجر الوجود. والفجر تمتمة النور لنفسه. جمال الفجر ان فيه طيب الانتظار.

دائما سألني الغربيون لماذا شعبكم يأكل الثمار على فجاجتها. نوع من الشراهة قد يعني اننا نحب الاشياء قبل نضجها. عند الأجانب بلوغ الفواكه نضجها هو أعلى مستوى فيها. هذا كسب وليس بالضرورة المعيار.

ألف الإنسان فكرة النمو اذ يولد وينمو وكأن الولادة بدء الوجود والموت آخره. هل حقيقة الانسان الجسدي اطوار ام هي حالات مختلفة تلعب فيها النفس دورا كبيرا. واذا كانت رؤيتنا صحيحة تكون الطفولة نعمة وجود لها كمالها بذاتها ولو كان فيها تهيؤ بحيث ساغ القول ان الطفل ليس رجلا (أو امرأة) صغيرا كتبت عليه قفزات تبلغ به الكمال. انه في الحقيقة كامل وليست الكهولة او الشيخوخة كماله. كل سن تحمل اكتمالها في ذاتها. لذلك كان للولد لغته وللراشد لغته. وللصغير منطق وللكبير منطق وعليك ان تقرأ اذا استطعت والنفس تدخل النفس وان كانت ذات مقاييس مختلفة. الحب وحده العمق. لذلك امكن الولد ان يكون قديسا في اواخر الطفولة وهي تنتهي في تصنيف العلماء عند الثانية عشرة.

#   #

#

ذاتية الطفولة لا تعني انها منقطعة عما ورثته. فالكثير فينا ميراث فتجد طفلا اسمر وأخاه اشقر لأن احدهما ورث عن والد من والديه والاخر عن جده او جد جدّه. هذه مسائل لا قاعدة لها اذ ليس في الطبيعة منطق صارم. نحن نتقبل الأسلاف ونبني على ما اتخذناه منهم. التربية امر ضخم وحركتها فينا سر ولا تعرف شيئا عن مستقبل الاولاد اي لا تعرف كيف سيتصرفون او دوافع النفس عندهم وبخاصة لا تعرف النعمة التي تنزل عليهم وكيف يتقبلونها او كيف يرفضونها. نحن في رعاية الله الذي يعرف وحده سر عمله في العقول والأمزجة. انت، طفلا، مسيرتك كلها في استجابتك لعطاء الله او تمنعك عن افتقاده. هناك من يقرأ محبته وهناك من لا يقرأ الى ان يكسر هو الحواجز ويقر في الروح كما يشاء ويكمل القداسة في من شاء.

#   #

#

الله معطى للجنين في مقدار. هذا امر خفي ومستور عنّا. وعند تشكّل الجنين في لحظة تشكّله يحمل اساس كل عمره وتلتصق به التغييرات فيما بعد. تبقى المواهب او لا تبقى فاعلة اذا مرت الأيام. هذا ايضا تحجبه الأسرار. ولكن الهيكلية العقلية والعاطفية تتكوّن في حشا الأم فيصح القول ان أفلاطون تصورت شخصيته منذ البدء كما آلت اليه من بعد والذين يسبرون غور النفوس في ايامها او اشهرها الأولى يعرفون كيف تتفتق المواهب وتنشئ البالغين.

حدسي – هو مجرد حدس – ان الشعراء لما كانوا أجنة انما اعدهم تكوين ما للشعر وان العلماء مدعوون عند خلقهم ان يصيروا كذلك. لذلك كان عليك ان ترافق طفلك وفق عطاياه ليعطي من حوله فيما بعد ما أعدّه الله له.

هناك أطفال ادهشوني جدا. جيء اليّ بطفلة عمرها ثماني سنين مع أبيها ودهشت دهشا كبيرا لما سمعتها تجيب عن أصعب أسئلتي في شتى حقول المعرفة. يزيّن لي ان اباها رباها على معارف دقيقة جدا ولكن هذا لا يفسّر كل العمق التي كانت عليه.

في مثل هذه القوة كان موزار لما اخذ في الخامسة من عمره ليقدم حفلة موسيقية (Concert) في باريس في حضرة الملك والبلاط. والموسيقى الكلاسيكية من اصعب الفنون. في ايماني اقول ان الله كان دخيل هذه الموهبة.

كل الأطفال في كل بلدان العالم تأتيك بنماذج كهذه. كلمة «ولد استثنائي» لا تكفي تفسيرا. طرحي ان الطفولة عالم كامل يتمتع بمواهب خاصة محجوبة على كثيرين منهم ولكنها مكشوفة لبعض.

هنا يحضرني ما جاء في انجيل لوقا عن حادثة فقدان يسوع في اورشليم لما بلغ الثانية عشرة من عمره. لما وجده يوسف ومريم في الهيكل شاهداه في وسط المعلّمين يسمعهم ويسألهم وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته».

هذا طبعا فيه لاهوت كثير. وهذا قادر عليه بعض الأطفال الذين بلغوا نهاية الطفولة او قبلها.

واذا انت علمت بهذا ينبغي ان تفهم مسؤوليتك الكبرى تجاه اولادك الصغار حتى تكون بلا عيب أمامهم اذ ويل لك ان اعثرتهم أو ضربتهم أو شتمتهم أو جعلت بيتك مليئا بالصراخ وبذاءة الكلام.

اعلم ان اولادك يصلون الى الله بك. هذا هو الذي يرثونه وهذا هو الذي يبقى فيهم. كيف تجمع بين اللطف والحزم والحب الزوجي النقي هذه معرفة ينبغي ان تجهد لاقتنائها. اعلم تاليا ان الطفل مقدس وجمال وجهه ليس هاما عند الله.

طلع الفجر. لك فيه طيب قبل سطوع النهار. افهم انك مؤتمن على طهارة اولادك واتساع ادراكهم ليكون لك في عطائك هذا بنيان روحي لك لتهيئ لنفسك شيخوخة يلقاها الله فيك عافية حلوة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 16 حزيران 2012

المرأة ليست متسمة بالأنوثة فقط. انها متجهة الى الأمومة ايضا. الكيانية الأنثوية لا تبدو لي واردة في سفر التكوين الا اذا رأيناها مندرجة في الوحدة الزوجية التي عبر عنها آدم عند ظهور حواء بقوله: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي» (2: 23). اما الأمومة فواضحة في قول الله للمرأة: «بالوجع تلدين اولادًا» (3: 16). هذا قيل بعد السقوط. توا بعد هذا يقول: «والى رجلك يكون اشتياقك». هل هذا متعلق بطبيعة الأنثى؟ الفكر العبري لا يتحدث في جوهر الأشياء ولكن في حركيتها. يبقى ان سفر التكوين يتحدث عن الرجل والمرأة معا اي عن الزوجية كما يتحدث عن المرأة مع اولادها. اذ ذاك نحن في صميم الأمومة.

لن اغوص على التحليل النفسي. الغوص الذي ادخله فرويد على العلم لقلة معرفتي به ولكني أبسط للقارئ تأملات في بساطتها. سمعت غير مرة غسان تويني يستعمل للدلالة على اي انسان عبارة «ابن امرأة» فأخذت اتأملها. لماذا هذا الوصل بين كل منا وامه بإقصاء الوصل بأبيه؟

في الكتاب كلمة عن الأم مذهلة ليس ما يوازيها في الكلام عن الرجل وهي قول الرب انها «ستخلص بولادة الأولاد ان ان ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل» (1تيموثاوس 2: 25). هذا ليس «تقديسا» للولادة. انه تقديس للتربية. هذا غير الحديث عن الزوجية التي فيها كلام كثير ومرتبط بالقداسة. انه حديث ليس عن وضع الزوجية ولكن عن الأمومة المتصلة بالربوبية هدفا للأولاد.

يجري حديث العامة دائما عن عاطفة الوالدة. هنا ينبغي التدقيق وقول ان هذه العاطفة مرتبطة مباشرة بأن الولد كان طوال تسعة اشهر محضون امه. هناك وظائف كالتنفس بالرئتين ليست عنده وهو في حشا امه اي انه، بصورة ما، جزء منها لكونه لصيقا بها ولا يأخذ استقلاله الا اذا خرج منها او ادرك فطامه. تبعيته لها في الظاهر الجسدي تتحقق بقطع حبل السرة وبالفطام.

هنا يدخل العنصر السيكولوجي. بعد انفصاله عنها ماذا يبقى منها فيه على صعيد النفس؟ ما العقد التي ورثها؟ ما قرباه وما بُعده؟ هذه اشياء تصدى لها علماء النفس من بعد فرويد ولكن العامة في خبرة اجيال تعرف الكثير منها.

غير ان الأم ليست معقدة. تعاني من اخلاقها هي التي تؤثر في تربيتها. من الأمومة لا ترث الا الانعطاف الناتج من الحضن الرحمي. وفي الحديث الشريف -انقل من الذاكرة- أطلق الله اسم رحمته على رحم المرأة.

#   #

#

مهما يكن من امر الاشتقاق يبدو من الوجهة السيكولوجية ان الوالدة لا تقبل قطع حبل السرة ولا الفطام فتحس ان وليدها تابع لها او هي مسؤولة عن الاشراف عليه طوال حياته. تعنى به مهما بلغ من العمر كما كانت تعنى به لما كان طفلا.

ما وددت قوله ان الأم مندفعة بهذا الشعور تأسيسا على تركيبها الجسدي او تأثرا به ومما يقوي الشعور حملها الطفل على ذراعيها او في حضنها. القضية فيها شيء من اللصوق. شعور الأب مرتبط ايضا بكونه حمل ولده على ذراعيه. هي قضية لصوق هنا ايضا يختلط بها استقواء الوالد بارتباطه بالذرية. شعور الأم فرادته انه مدعوم بأساس جسدي.

ربما قويت عاطفة الأم بكونها راعية (تطعم الولد، تهتم بكسائه، بنومه). هي ربة البيت. في العربية يسكن الولد الى امه اي يجد عندها السكينة والدفء. بكلام آخر يجد الولد عندها الحضور.

تحمل الحياة بمعناها الشامل ومن هذا التقوى. هي مميزة بنقلها الإيمان الى اولادها وأحفادها وهذا لوحظ في القرن العشرين في الأنظمة الملحدة التي أغلقت الكنائس. كان الايمان ينقل من الجدات الى الأحفاد لأن الجدة كانت لا تخشى دوائر الاستخبارات. ولعل الجدين معا يقدمان عطفا للأحفاد لشعورهما باستمرار الحياة فيهم.

تقديس الانسان لأمه قوي في هذه البلاد بحيث لا يحتمل احد ان تشتم امه لإيمانه بطهارتها، هذه الهالة بادية بسبب ما أخذ الولد من والدته من عطف شديد يتسم بطابع القداسة.

على ذلك كله ما أردت ان أقول ان هذا الذي يبدو فضيلة في الأم ليس ناتجا حصرا من تركيبتها الجسدية فالأمهات لسن متساويات في العطاء الروحي يوزعنه مما نزل عليهن من فوق. فهناك نساء مهملات، غائبات، قليلات الحكمة، غير مؤهلات للتمييز بين اولادهن ما يؤثر على نمو الاولاد تأثيرا كبيرا. غير ان الولد الحكيم يرعى امه وما كان عندها رعاية قادرة. في الحقيقة ان العائلة دائرة كل منا فيها يستلم ويعطي في كل الجهات.

طوبى للتي تستطيع ان تصبح على صورة مريم عظيمة العطاء. هذا لا يعني انه ليس للأم الا وظيفة الأم. انها كائن بشري كامل »يعمل ويعلّم«، قادر على الإبداع في كل مجال من مجالات المعرفة والتضحية. وبهذا تعظم امومتها. هي انسان كامل الانسانية مبذول في كل محبة أفي البيت كانت ام خارج البيت. مثل الرجل تعطي الخيرات لمن كان فقيرا اليها. هذه الانسانية الكاملة متوفرة عند التي لم ترزق ولدا او عند التي تبتلت لله. هناك قوة عطاء عندنا جميعا. الوالدة ايقونة من ايقونات العطاء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأب / السبت 2 حزيران 2012

الوالد تدل على لحظة الحبل عند المرأة والأبوة استمرار وبهاؤها في انها على صورة الأبوّة الإلهيّة. اجل لا يخفى عني ان الخبرة في هذا الموضوع أصل الكلام ولكني سأحاوله بسبب من حاجتنا اليه.

ما أودّ قوله بدءًا على الصعيد السيكولوجي ان الزوجية شيء والأبوة شيء آخر فقد يكون ربّ البيت ضعيفا مع امرأته ويقول العامة، عند ذاك، انه ليس برجل لأن هذه الكلمة مرادفة للسلطان المعترف به للرجل وكثيرا ما كان هذا الزوج متسلطا وهو ضعف آخر.

الولد في حاجة الى سلطان والسلطان عنده يمثله والده. ولعلّ هذا ميزة الرجولة علما بأن الوالدة قد تكون شرسة حتى العنف. كيف يكون الانسان ذا سلطة بلا تسلط اي كيف يكون حازما للتربية ورقيقا بآن؟ هذه موهبة هذا الجنس البشري الذي يسمى الرجال ولكن الموهبة في حاجة الى تنمية.

تقويم السلطة الأبوية بالوداعة يعاش مع الأم بمواهبها الطبيعية ما لا يعني ان عاطفتها اقوى من عاطفة الزوج. انها لون آخر من الشعور يقوم بخاصة على رعاية الطفل ثم الحدث باستمرار وانتباه اي خدمة. هذا يختلف عن قيادة الأب. واذا جاء الأب كثير الحنان وقويا بآن لا يعوّض عن المرأة التي جعلتها الطبيعة دفوقة العطاء. الأب والأم معا في توافق المواهب وتمايزها هما مصدر التربية العظيمة والعافية النفسية عند الولد.

صورة الأب في ذهن ولده حاسمة في مشاعر الولد. هي تنشأ من المعاملة وردة الفعل عليها. فإن كانت المعاملة سليمة، محبة، دائمة السلامة، هادئة يشدّ الأب ابنه اليه ويصبح كائنا حاضنا في أعمق معاني الكلمة فيرى الطفل او الشاب ان الله أب وانه هو من عائلة الآب. هذا ما تعلّمته من اطروحة الدكتوراة التي قدّمها كوستي بندلي الى جامعة ليون. لقد أثبت ان ثمّة علاقة حميميّة بين الأبوة العظيمة والايمان.

الأمومة تحضن والأبوّة تحضن. لم يبقَ من شكّ عند العلماء ان ثمّة سيكولوجية ذكورية وسيكولوجية انثوية وهما في وضع مشاركة في الحياة الزوجية. لذلك كان اليتم صعبا على الصغار غير ان الله يتمم في كل جنس ما كان في حاجة اليه بحيث يغدق احيانا كثيرة نعمته على التي توحّدت بوفاة قرينها.

#   #   #

ماذا نعني بقولنا ان السلطان يكمن اولا اوكليا في الأب؟ قبل الاشراف على تربية الأولاد التي هي مسؤولية يبدو لي ان ماهيّة الأبوّة قائمة في رغبة الرجل في الاستمرار. في تأكيد  ذاته. يولد ذكر يتماهى معه لأن الذكر حامل الاسم والاسم هو الشخصية في عقل الساميين وانتشر هذا الموقف في كل مكان. لما أراد موسى ان يعرف اسم الله كان يلتمس معرفة طبيعته. والله كشف لبني اسرائيل لا اسمه ولكن عمله اي استمراره فيما بينهم بقوله: «سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا» اي عندما تعرفون اني راعيكم ومبدئ حياتكم من كل جوانبها. قال: سأكون ما سأكون اي تعرفون هويتي بالنسبة الى عملي في وسطكم. واذا رأيتم حركتي فيكم تعلنون أنفسكم شعبي. انتم اذًا ذرية الله. «به نحيا ونتحرك ونوجد كما قال بعض شعرائكم ايضا لأننا ايضا ذريته. فاذ نحن ذرية الله…» (أعمال الرسل 28: 17 و29). هذا هو معنى العبارة المسيحية التي تقول اننا ابناء الله.

من هذا المنظار ساغ القول ان بين الرجل واولاده وحدة. من هنا كان اهتمام جميع الشعوب باسم العائلة وصحة النسب. ما عدا بعض الشعوب في حضارة اليوم الإنسان منسوب الى أبيه وهذا ما يفسّر امتياز الذكر في الإرث عند الكثير من الأمم. هذه صورة من صور الخلود على هذه الأرض.

هذا ما يفسّر ايضا انكباب الوالد على الانتاج. الذين سيرثون اسمه ينبغي ان يتمتعوا بالحياة التي يتمتع هو بها. العاطفة الأبوية تجعل الوالد يساوي شعوريا بين كل اولاده او يفضل احيانا الإناث ولكن الإناث محفوظات معاشيا في الزواج واولادهنّ من رجل آخر ومن هويته في حين ان الأحفاد الذكور يلبثون في العائلة. ذرية الرجل التي يؤلفها الصبيان هي هو.

#   #   #

الأبوّة تمرّ بامتحان صعب احيانا. السلطوية تغريها واذ ذاك، يصبح الاولاد أدوات بيد الوالد. يستبدّ هذا بذريته فتقتله انانيته. انسان لا يخرج من نفسه كان لا ينبغي ان يتزوج ويبقى في الواقع الشعوري منبوذ ذريته وتنفك العائلة عاطفيا.

لذلك كان على الوالد ان يعتبر نفسه خادما لأولاده، ساهرا عليهم لكي ينموا في ما عندهم من مواهب. عليه ان يفهم انه كان وسيلة حياة لآخرين وانه ليس رب واحد ولكن الله وحده هو الرب وشخصيّة الأولاد تبنى على الحرية وعلى الفضيلة والعائلة ليست ذاتا انما هي مشاركة احرار والمشاركة هي التواضع من حيث انك به ترفع الآخرين الى أعلى درجات الرقي اذا أحبّ الانسان ان يترقى.

الأبوة تعززها زوجية صالحة فلا يستأثر احد من الرجل والمرأة بكل شيء ولا يعطل فاعلية الآخر او دوره في التربية او استقلال شخصيته. بالتعاون الوثيق الصادق تسير الأبوة في منحاها والأمومة في منحاها. اي الغاء فريق للآخر يعطل أثر الوالد او الوالدة. الزوجية المعطاء عند الرجل تساعده على ان يبقى ابا صالحًا ودودًا. وبخاصة في تربية رائدة يقوي حبه الزوجي.

الأبوّة تفويض إلهي من اجل حراسة العيلة. والتفويض يفرض عناية الرجل بفضائله وحسناته فلا يبدد الموهبة التي نزلت عليه. لذلك لا يخرج عن الإخلاص الزوجي ولا يبدّد أمواله في طريق الرذائل ويسلك على الدوام طريق العفة وملازمة اولاده خارج ساعات عمله وبهذا يقدس بيته ويتقدس اذا فهم ان عليه ان يتشبّه بأبوّة الله لنا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

البشرية والألوهية معًا / السبت 26 أيار 2012

الخميس الماضي يسمى عندنا خميس الصعود لقول الكتاب في لوقا ان المسيح بعد القيامة فيما كان يبارك تلاميذه انفرد عنهم وأُصعد (همزة مضمومة) إلى السماء. واما في أعمال الرسل ومؤلفها لوقا نفسه جاء «ارتفع إلى السماء». هذا حدث أربعين يومًا بعد القيامة كما ورد في مطلع أعمال الرسل.

ماذا يعني انه ارتفع إلى السماء؟ ما السماء؟ ليست السماء مكانا وقد رأينا في ظهورات السيد في الأناجيل ان يسوع بعد القيامة ما كان محصورا في مكان ولكنه يدخل المكان أو يُشاهد (ياء مضمومة) في مكان. في سياق الحديث عن الصعود جاء القول انه ارتفع على سحابة والكلمة يجب ان تؤخذ رمزيا فالسحابة في العهد القديم ترافق الحضرة الالهية وتظهرها. الفكرة اذا ان جسد المسيح رفع إلى الآب أو جلس على عرش الآب (أعمال 2: 30). المعنى طبعا ان الجالس هو يسوع القائم من بين الأموات بجسده. وهذا ما أكده دستور الإيمان في القرن الرابع »وجلس عن يمين الآب».

عندما يجلسك كبير القوم عن يمينه فهو ليدل انه يعترف لك بكرامته نفسها واذا أجلسك في مكان آخر لا يقول شيئا عن كرامتك أو عن تساويك. كل العهد الجديد يتكلم عن مساواة الابن للآب وعن انه لم يترك احضان الاب لما نزل إلى هذه الأرض.

لا معنى للصعود اذا حسبنا ان ألوهة المسيح اعتبرت مساوية لألوهة الآب لأنها هي إياها. هناك اذًا شيء آخر عن ألوهة المسيح. هو يشريته المكملة بالآلام أُعلنت (همزة مضمومة) واحدة مع ألوهة الآب. المسيح ليس دون أبيه وقد كفرنا السنة الـ325 في المجمع المسكوني الأول اريوس لأنه قال ان المسيح دون ابيه ومخلوق. القول بمخلوقية المسيح يلغي كل سر الخلاص ويبطل فاعلية الصلب. بلا الوهية المعلم كل الفداء لفظ لا معنى له.

المسيحية، معتقدا، هي ان ابن الله الوحيد المشارك الله ازليته هو الذي تجسد وبقي إلها طوال حياته على الأرض وكانت ألوهيته مصاحبته على الصليب وان لم يقع الموت عليها ورافقته في القبر وبعد القبر بمعنى ان جسده لا يحصرها. فعند تجسد ابن الله لم يحد جسده ألوهته وظلت مالئة السماوات والأرض. وعند دفنه كانت مالئة السماوات والارض.

واذا دخل المسيح كيان البشر عند تناولهم جسده ودمه الكريمين لا يحده الانسان المتناول ويبقى مالئا السماء والارض. كذلك السماء لا تحده لانها ليست مدى.

#   #

#

وهي تعرف به ولا يعرف بها. واذا قلنا ان القديسين في السماء لا نوحي بأنهم في مكان فإنهم مع الله أو في الله. ومعيتهم هذه اي صفة كونهم متحدين بالرب هي سماؤهم وهي تسمية تدل على التحاقهم بالرب أو دخولهم فيه. وهذا معنى العبارة «في المسيح» التي يكررها بولس مرات عديدة.

فالله من حيث هو اياه لا يصعد ولا ينزل ولكن الانسان يصعد اليه بالنعمة ويغادره بالخطيئة. والصعود سماؤه والسقوط جحيمه الا اذا انقذه ربه بالرحمة. ليس من فوق ولا من تحت اذ الله فيك وانت فيه وهذا فيه حديث يطول. وانت لا تكون حقا ما لم تكن فيه بعد ان كنت وراءه. تبقى في مخلوقيتك في اية حال ولكن لها ان تكون منورة أو ان تكون مظلمة. واذا كانت نفسك مظلمة فكأنها عدم. جوهريا من حيث مخلوقيتها هي قائمة وتبقى على محبوبيتها في تنورها وعتمتها إلى ان تبدد العتمات بالتوبة فيحل فيها الروح القدس نورا وكأنها خلقت منذ بداءة التكوين حسب قوله المبارك: «ليكن نور فكان نور».

هنا لا بد ان اعرج على القرآن بلا استفاضة اذ بعد قوله «وما قتلوه يقينا يقول بل رفعه الله اليه» (النساء 158). توا بعد هذا يتكلم على موته وقد أكده في سورة مريم بقوله: «والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا» (الآية 33). هل حصل رفع الله للمسيح قبل الموت كما يبدو من سورة النساء؟ في هذه الحال لماذا يجب ان يموت اذ أكد الله هذا الموت؟ ليس من مجال في هذه العجالة لاستعرض التفاسير المختلفة لموته. فقط ما اردته كشفه ان القران يذكر رفع الله للمسيح اليه.

#   #

#

الألوهة والبشرية معية في المخلص بلا انقسام ولا انفصال ولا اختلاط لأن الألوهة لما نزلت إلى مريم حلت بشرا. هذه ليست صيرورة لأن الألوهة لا تصير. انها سكنى. لا تحتمل تهمة الحلولية كما أراد أحد اصدقائي الكبار ان يلصقها بي. قلت له ان الألوهة لا تصير بشرا. تلازم البشرة، تداخلها، تتحد بها والطبيعتان طبيعتان لا تخسر احداهما خصائصها وان تلاقت والخصائص الأخرى. المسيح في الكون وخارج الكون، في المدى الذي كان فيه واللامدى الذي صار اليه بصعوده. هو إله متأنس في جسدانية متألهة.

وهذا كله ينعكس فينا وفق ما تقدر بشريتنا. لهذا قال القديس أثناسيوس الكبير: «تأنس الله ليتأله الانسان». هذا عليه ايضاح كثير في اللاهوت الأرثوذكسي اذ ليس المعني ان تكتسب جوهر الله الخالق ولكن المعنى ان تسهم في قوى من الله الأزلية ونحن نقول بأزلية النعمة.

يكون عندك أو فيك شيء غير مخلوق والا لما استطعت ان ترتفع. لا رفعة لك من ذاتك البشرية ولكن لك رفعة من الوهية سكنتك بصورة غير مدركة.

كل غير هذا القول يعني ان ليس من تلاحم بينك وبين الله وان ربك لم يردم الهوة بين السماء والأرض. كل هذا القول يعني ان الله فوق وانك تحت وانه يحكمك بالكلمة، تلك التي لا يمكن ان تدخلك ما لم تصر حبا اليك. والكلمة لا تصير حبا لمجرد ان الله قالها. وجب ان ينزل الكلمة الذي كان من البدء إلى لحمنا وعظامنا.

ان ارتفاع الرب يسوع إلى السموات سبب تحويلنا اليه فإنه «سيغير جسد تواضعنا ليكون على صورة مجده» (فيليبي 3: 21). لكونه جعلنا بانبعاثه قياميين نستطيع ان نصبح تواقين إلى المجد الذي سنسكنه في اليوم الأخير.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

العائلة / السبت 19 أيار 2012

فتشت عبثًا في العهد الجديد عن لفظةعائلة او عيلة الا اذا سعيت الى المعنى مداورة في كلام متى على المنحدرين من ابراهيم وفي كلام لوقا على المنحدرين من آدم. ذكر العائلةككيان غائب لأن المسيح جاء ليخلّص الإنسان لا كتلة مجتمعية فيها السوء والصلاح واختلاف الطبائع. الفرد هو الذي يهتدي الى الرب او ينشز فيصبح اذا اهتدى من عائلة الآب ويبقى ابواه واخوته من شراذم الدنيا. تتبعثر الجماعة ويبقى المهتدي الى ربه والضالّون الى شياطينهم.

غير ان العهد الجديد لا ينسى مسؤولية الوالد والوالدة والأبناء والبنات. اما القول في بعض الأوساط ان العائلة خليّة في الكنيسة فلم أجد له أثرًا في ما دفع مرة واحدة الى القديسين. ليس من دعوة الى ان تصلّي العائلة معا في وقت واحد وان تستخدم كلّها النصوص اياها فهذا من باب التربية وقد ينجح الأمر هنا ولا ينجح هناك.

العيلة واقع عملاني وليست واقعا كينونيا. على مستوى العمل والرعاية والافتقاد لا غنى عن هذا الواقع وقد أجمع علماء النفس المعاصرون انه وان كثرت المساكنة وتشريعها بالزواج في عدة بلدان من الغرب تبقى العائلة حاجة انسانية لا غنى عنها. قرأت بسرعة هذا الأدب غير انه يزيّن لي ان التوازن النفساني والنضج العاطفي معرضان للاختلال الكبير ان كان احدنا لا يعرف اباه وامه او عاش صريع خلافاتهما او رأى احدهما يرتكب الكبائر والظلم والعسف والغضب الشديد بحيث امكن القول ان انفكاك العائلة ينتج عنه انفكاك الشخصية.

في الطائفة الارثوذكسية قاضيت كل العائلات التي تقدّمت استئنافا بدعاوى طلاق خلال اثنتي عشرة سنة كما قاضيت جزءًا من هذه الطائفة بداءة. لن أحدّثكم عن فحصي للعائلات التي رغبت في الانفصال. هذا يخرج من اهتمامي في هذا المقال يهمني الأذى النفساني اللاحق بالاولاد. هنا امكن التقرير ان الاضطراب النفسي وخلل الطبائع والاكتئاب سيئات تلحق بالبنين والبنات لا سيّما اذا كانوا صغيري السن لا أطفالا رضعا ولا متقدمين في الرشد. ولكن القاعدة العامة ان الأذى يحلّ بالأولاد كذلك الخيبة من الأهل ولاسيّما  اذا بانت خطاياهم للولد. كل خطيئة تولّد صدمة وكل صدمة تصدعا في النفس بمقادير مختلفة حسب الوضع العائلي المنهار.

في الواقع كان الانهيار واقعا قبل الخلاف واستدعاء الطلاق وكان الحزن قد دخل الى هذه النفس او تلك النفوس التي تؤلّف العائلة.

لست أعرف نفسيّة الأولاد في الكنائس المسيحية الأخرى التي ليست عندها قانونيا طلاق ولكن عندها الإبطال. تصوّري انه مهما كانت التسمية فالعائلة الكاثوليكية تعرف الانفصال ونتائجه.

لا أعرف شيئا عن سيكولوجية الأولاد المسلمين الذين ينفصل ذووهم بالطلاق. هل تشريع الطلاق في الإسلام يجعل الولد أكثر قبولا لهذه المؤسسة؟ نحن في حاجة الى دراسة سوسيولوجية مستفيضة هنا ولكن ظنّي ان الولد المسلم اية كانت الشريعة التي يألفها يحب بقاء ذوويه معا وان يظلّ ملتصقًا بهما.

#   #

#

ما يجعلني أوافق على ان مؤسسة الزواج باقية هو ان الزواج وحده يرعى صحة الأولاد وعافيتهما السيكولوجية بدءا من انه ليس من بديل عن الأم. يهمّ كل انسان ان يعرف ممن جاء الى هذا العالم. لذا يبقى الغربي سنوات اذا فقدهما او فقد معرفتهما يفتش عنهما في كل اقاصي الأرض. هكذا الانسان مفطور على انه يريد صلة على الأقل بأمّه. هو يعرف انه نما فيها طوال تسعة أشهر وانها حاضنته مهما طال عمره لأن حبل السرة وان قطع حسيا لا يقطع نفسانيا وكأن الانسان ابدا جنين وعندما يوارى الثرى يعود ابنا للأرض التي منها أُخذ. الأم والأرض والمدينة واحد ومنها جميعا جاء الانسان.

علاقتنا بالأب هي علاقتنا بالتاريخ العائلي المعروف عند اهل المال وغير معروف عند الفقراء ولكن الشعور بالماضي يلهمنا الشعور بالاستمرار. هناك رعاية للأب تتمثل في قوته وسيادته. وهذه القوة نعرفها متصلة بالأحشائية. كيف تتواصل سيادة الوالد على ولده والتصاقية الأم به في هذه الموهبة التي تدعى العائلة لمن استعملها سالمة هذا هو من نعم الله علينا. هذا يكشف حب الله لنا في هذا الثالوث الذي هو الأب والأم والوليد.

هنا تثار علاقة الأخ بأخيه او أخته. كيف تتجلّى العائلة عند ذاك؟ هل من مكانة لهذا التعدّد؟ اذا كان حب الأهل للأولاد عموديا فالحب الأخوي أفقي بمعنى تشابه الإحساس عند الإخوة والأخوات بقوة الأب او سيادته من جهة وبالأصول الرحمية تجاه الأم. طبعا هذا كله غارق في العقل الباطن. شعور هذا الولد تجاه امه وأبيه ليس واحدا او ليس بالعمق نفسه بين الاخوة والأخوات. لهذا أرى ان الصداقة بين البنين والبنات هي الطاغية على شعور أحدهم للآخر. من هذا المنظار كانت العائلة مكان التلاقي الشعوري بين الإخوة.

واذا كانت الأخوة هي صداقة أكثر من انتمائها الى اللحم والدم يكون ايثار الولد الواحد على بعض من الكثرة إضعافا لنمو الصداقة عند الإنسان في العيلة. البيئة العائلية دفء مفيد جدًآ للنمو الأسري. قد يعطل الخفر والخجل او عوامل أخرى تنمية المودات خارج العائلة وكثيرا ما يظهر العداء بين الإخوة ولكن الناموس الطبيعي ان ينشأ الحب ويكبر في اخوّة سليمة.

أنا أجيء من عائلة فيها ثمانية أولاد وما كان أبي على ذلك اليسر الذي يقال اليوم انه واجب لإكثار الولادات. ولم أسمع اصلا ان والدي يتأفف من اقتصاد علئلي معتدل. ذقنا صعوبات قليلة في الحرب العالمية الثانية. أءخلنا جامعات وما كان احد يقول في وسطنا الجامعي كيف يسجل هذا  ابن متري خضر في جامعة ويعيش في العاصمة ونحن لسنا ابناء العاصمة.

كنّا ندرس على ضوء القنديل اذ لم تكن الكهرباء تضيئنا آنذاك ونمشي على أقدامنا وكانت العائلة تصادق عائلات مسلمة. كنا نعيش معا في الحي وتعلّمنا نحن ان نحب المسلمين وما سمعت واحدا من الناس يقول لفقره لا أريد ان استخلف.

النصيحة الوحيدة التي كنت استمعها من الكهنة ان أطع أباك وأمك وعليها كانوا يزيدون احبب قريبك كنفسك. المسيحية العملية كانت هذه عند مرشدينا الروحيين والمسيحية النظرية تأتي من القداس واذا انت أتممت هذا كانوا يعتبرون انك بلغت الرشد الروحي الذي يكلل فيك كل مسعى.

العائلة كانت في عمقها الروحي تقوم على انشاد امي وبهاء ايقوناتها والخفر يضطرني الا أتكلّم على نقاوة والدي. الطهارة الكاملة في الكلام كانت مما لا يناقش لزومها. واستقامة الرأي التي كنا عليها مذهبيا كانت تقتضي استقامة السلوك اذا اردت ان تحس انك من هذه العائلة.

لست أعلم اذا تقيدنا بكل ذلك ولكن هذه كانت سياسة العائلة اذا أريد للعائلة البقاء. هي لا تبقى في الإيلاد ولكنها كانت تنمو بالولادة الجديدة التي من فوق.

العائلة تتلاشى في عائلة الآب او لا تكون.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

المرأة / السبت 12 أيار 2012

ماذا تقول كلمة الله عن المرأة قبل ان تقول الخبرة البشرية شيئًا. غير ان صعوبة الحديث عن الخبرة انها ليست واحدة عند جميع الناس وثانيا تكمن الصعوبة في كون الرجل اذا تكلّم على المرأة تعوزه الموضوعية لكونه متأثرا بنجاح علاقته بها او إخفاقها.

بدء الكلام عن المرأة ما جاء في سفر التكوين: «فخلق الله الانسان على صورته». بعد هذا يقول: «ذكرًا وأنثى خلقهم». وكأنه يقول ان البشرية مجموعة بلا تفريق بين الجنسين هي على صورة الله.

في رواية ثانية للخلق بعد ان استل الله من آدم حواء قال: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي…» ويكشف الكتاب لنا ان الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان كلاهما جسدًا واحدًا وفي الخلفية العبرية الجسد الواحد يعني الكيان الواحد.

في هذه المرحلة من الوحي لا يرى الله اليهما الا من حيث انهما معا اي متحدان، متعاطفان. عبارة آدم عن حواء «عظم من عظامي ولحم من لحمي» تشير الى اولية الرجل بوضوح. لغة وجودية، عملانية ولعل الحياة لا تطلب اكثر من هذا.

غير ان سفر التكوين بعد ان اهتم كثيرا بمن انحدر من ابراهيم عن طريق الزواج قال عن ابنه اسحق انه احب رفقة زوجته. هذا أفهوم جديد. نحن مع حضارة مشرقية تعرف الحب منذ القرن الثاني قبل الميلاد وهو تاريخ تدوين سفر التكوين على ما اصطلح عليه علماء عصرنا.

ويذهب سفر التكوين الى ابعد من هذا اذ يقول عن احد الناس ان «نفسه تعلقت بدينة ابنة يعقوب واحب الفتاة ولاطف الفتاة» (34: 3). نحن هنا مع أفهوم العشق وهو Eros في اليونانية.

قمة الشعور العشقي تجده منذ مطلع نشيد الأنشاد. «ها انت جميلة يا حبيبتي ها انت جميلة» (1: 25)، «اني مريضة حبا»، «احلفكن يا بنات اورشليم بالظباء وبأيائل الحقول الا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء».

والى هذا حب الله لشعبه بتسميته عروسا مستعار من لغة الحب البشري وهذا عند انبياء العهد القديم.

في كل ما ذكرنا عندنا بين الرجل والمرأة خطاب حب. موضوع الزواج شيء آخر.

#   #

#

اذا انتقلنا الآن الى العهد الجديد لا نجد اثرا لمقولة الحب بين الرجل والمرأة. هناك حديث عن الزواج فقط او عن عرس ولكن لا ذكر لعلاقة عاطفية مرتبطة بالجنس او تقود الى الزواج. ما يتعلق بالرقة غير مذكور. هناك فقط دعوة الى المحبة بمعناها الروحي كما في قوله: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم». طبعا لا حديث هنا اطلاقا عن تلاقي الجنسين. هناك فقط حديث عن التضحية بالنفس حتى الموت. المحبة عند الرجل للمرأة في تعليم بولس هي حصرا تضحية حتى الموت بلا اشارة الى اي انفعال  مرتبط بالجسد.

ينفرد العهد الجديد في اعتبار المرأة وحدها في قضية مريم. فتاة تحبل بلا مشاركة رجل وتصير قطبا اساسيا في الحياة المسيحية بلا تماس مع مقولة الحب. علاقتها بالمخلص ترتكز على مقولة العطاء وحده.

شفى يسوع نساء كثيرات لا ذكر لرجال لهنّ. نساء خاطئات يطيّبن قدميه وواحدة تبلّ قدميه بالدموع وتمسحهما  بشعر رأسها. ونساء كثيرات كنّ يخدمنه من اموالهنّ منهن مريم التي تدعى المجدلية وهي الاولى التي بشرت بالقيامة. رجال اسرائيل كانوا يكرهون المرأة ويعبرون عن هذا في صلواتهم. وحده في تاريخ هذا الشعب رفع من شأن المرأة. هو القائل عن الزانية: »من كان منكم بلا خطيئة فليرمها اولا بحجر« وبعد ان تركوه قال للخاطئة: «يا امرأة اين هم اولئك المشتكون عليك. اما  دانك احد. فقالت لا احد يا سيد فقال لها يسوع ولا انا ادينك. اذهبي ولا تخطئي بعد».

بعد هذا كانت واقفة عند صليبه امه والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. فقال لهذا عن مريم: هذه امك«. هل يعني ان لنا في العمق الذي لا يدرك اما واحدة واننا ان صرنا الى النعمة لنا والد واحد وهو الآب. في هذه الوالدية السامية ليس من أب ولا أم. فاذا نظر الله الينا لا يرى الا أبوّته وكأننا بتنا مثل ملكي صادق «بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة ايام لنا ولا نهاية حياة» (عبرانيين 3: 7).

#   #

#

في الرسالة الى أهل غلاطية «ليس ذكر وأنثى» (28: 3) واو العطف الواردة بعد ليس بين لفظة ذكر ولفظة أنثى هي لتنفي جمعهما ولإقرار استقلال الأنوثة عن المذكورة. في ما يختص بما نعالجه المرأة قائمة بنفسها وهي على صورة الله بنفسها. في الأصل هما كائنان منفصلان وليس أحدهما مخلوقا للآخر كأنه ناقص بلا زواج. المرأة لإمكانها ابتغاء الكمال الروحي لا تكتمل قداستها بالرجل ولا هو تكتمل قداسته بها وأعلى درجات القداسة هي لامرأة وعنيت بها مريم.

مستوي الطبيعة شيء آخر. هناك اختلاف في النفسانية حسب قول العلماء وهم يؤكدون سيكولوجيا ذكورية وسيكولوجيا أنثوية غير انهم يوكدون ايضا ان قوة العقل واحدة وان ليس من علم لا تستطيع المرأة ان تحصله. ظروف الحياة والتربية والمجتمعات تجعل بينهما اختلافا غير ان قوة الإدراك تؤهلهما للمعرفة الواحدة.

ربما اختلف الانفعال او حدّة الانفعال ولكن استيعاب القوة العاقلة واحدة فتستوي بها المرأة والرجل. في الأمور الجوهرية كل منهما وحده كامل الكيان وقد تجاوزنا علميا النقاش حول المساواة بين الرجل والمرأة.

لا أحب كلمة تكامل لأنها تتضمّن دونية ما ولكني اؤثر كلمة انسجام  بين الجنسين بسبب التباين النفساني. ولكن من المؤسف ان الأوربيين في دنيا العمل الراقي يفرقون في المعاش بين الرجل والمرأة ولو كانا على مستوى علمي واحد.

برهنت المرأة على علوّ مستواها وانتصرت. مع ذلك في بلدان عديدة في الحياة الزوجية تبقى مقموعة ومذَلّة والذلّ ان الرجل يمارس شدّة بسبب من أمواله.  هذه هي حقارته الى ان يرى زوجته كما يرى امه او اخته في البهاء الإلهي الذي خُلقت عليه.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

لبنان المرجو / السبت 5 أيار 2012

في لبنان الصغير كان الأرثوذكسيون ممثلين في مجلس الادارة بعدل وعاشوا في نظام المتصرفية. لم يرتضوا لبنان الكبير اذ كانوا مع فيصل حامل صيغة العروبة آنذاك. مع ذهاب فيصل تلبننوا سياسيا في حفاظهم العاطفي على رحابة مشرقية. بمعنى انهم لم يعيشوا عقدة اقليتهم العددية وما قبلوها لسواهم ولكن هذا التجمع الاقلوي الذي كرسه دستور 1926 فذلكه ميشال شيحا الكلداني الحامل ذكريات العراق.

في بلدنا شرخ بين الشعور العميق والواقع السياسي. فقد اقتبس المسلمون العروبة من مؤسسيها الفكريين اي موارنة باريس ثم انسلخ الموارنة عنها سياسيا  مع انهم اكتب العرب في لغتهم. ومع ان الموارنة اخوة الارثوذكسيين في المسيح لم يعطوا لهذا ترجمة سياسية وصاروا اسياد البلد. وبعد ان تلبنن المسلمون كليا ولكن تدريجيا كانت لهم قراءة للبنان نافعة لهم وخسر الموارنة لبنان سياسيا وبقوا له عاطفيا. في كل هذه اللعبة ما افاد الارثوذكسيون بعروبتهم شيئا من المسلمين وما افادوا من الموارنة دنيويا اذ حفظ الموارنة في لاهوتهم الكاثوليكي ودا للارثوذكس ولا سيما السنوات الاخيرة غير ان هذا لم يؤتِ بترجمة سياسية.

التشرذم الطائفي لا تستطيع انت بجرة قلم ان تحل محله الوطنية اللبنانية وهي شعور لا يولد نظاما. لا بد ان تضرب النظام الطائفي وهو قائم بسيادة طوائف نافذة على طوائف مستضعفة. الى ان ينشأ عندك نظام مدني كيف تقيم عدلا خارجا عن العدد او خارجا عن تسلط اعتباطي او عشوائي لناس على ناس؟

تمتمة الجواب ان تحول السؤال الى هذا: انت عندك شعوب مؤمنة بأديان مختلفة وفي كل دين مذهب او اكثر وأصحاب المذهب لهم ثقافة خاصة بهم.  لنأخذ الطهو مثلا. هناك طهو سني لورق العنب رائع وهناك كبة شيعية او جنوبية تختلف عما يطبخ في المناطق الشمالية والوسطى. وهناك لهجات بعضها مختلف كثيرا عن غيره وهناك مواقف حاسمة في الزواج وديمومته ودرجات قدسيته وكل الموضوع الجنسي. الى جانب ذلك ذاكرات جماعية متنوعة المضمون بحيث لا تستطيع ان ترى نموذجا إناسيا واحدا وبحيث يعسر جدا ان تتكلم عن طبائع لبنانية كثيرة التقارب الا في الخطايا الموحدة لما يسميه الدستور الامة اللبنانية وهو يريد التجمع السوسيولوجي لهذا الحلف الطوائفي الذي سماه الجنرال غورو في اول ايلول 1920 لبنان الكبير بقرار منه. هذا املاء فرنسي يجمع فوقيا مجموعة شعوب لتؤلف معا الشعب اللبناني وهي لم تستطع تأليفه.

ولم تدفع هذه الشعوب ثمنا لوحدة اريدت لها وكل شيء في الوقت الحاضر يدل على ان بعض القيمين على البلد لا يريدون اي خير له او يبذلون ادنى تضحية لتنصهر هذه الشعوب بعضها ببعض ولأية غاية تنصهر روحيا وثقافيا؟ ماذا نفعل بالنكهة الشيعية ذات الفرادة الساطعة؟ هل من محاولة جدية لاقتراب الكاثوليك والارثوذكس؟ هذه امور ليست بتفاصيل لدنو شعب من شعب آخر. توحيد المذاهب الاسلامية الذي ينادي به جامع الأزهر من عقود لم يبق له أثر.

الانقباض هو الطابع الوحيد الذي يميز كل طائفة وأعجوبة الانفتاح الديني والمجتمعي لم تطل حتى اليوم.

هل نقرر في سبيل حلم الوحدة اللبنانية اننا بتنا شعبا واحدا ونرضى في الواقع بتطويع شعب لشعب؟

متى تتم الوحدة اللبنانية وعلى اي أساس؟ هل ندعو كل شعب الى فقدان دسمه او ملامحه او نقوم بعمل توحيدي رمزي في هذه المناسبة او تلك لنوهم انفسنا اننا ذاهبون الى الانصهار؟ هل تعرفون خارج لبنان بلدا يعزف النشيد الوطني في كل مناسبة؟

كل هذه الامة كما يحلو للدستور ان يسميها تذهب خلال 12 ساعة لتضع ورقة في صندوق اقتراع مكتوبة عليها اسماء مرشحين لتقنع نفسها بأنها صارت واحدة بهم وتعود في اليوم الثاني الى انقسامها شعوبا مختلفة لا تعاون بينها الا في التجارة والقطاع الاقتصادي والتنافس المالي ونعت ذاتها باللبنانية لأن هناك علما واحدا وتركيبة دولة غير قادرة او غير مريدة على بناء طريق لا حفرة فيها او إقامة كهرباء لا تضيء او جر مياه لا تروي او ذبح لحم فاسد وإذاعة رعب في النفوس وتوهم انها تحكم وهي لا تحكم بانتظار دولة تكون غبيا اذا توقعتها بمعطيات اليوم.

ان تكون في لبنان غير طائفي أمنية لا أساس لها سياسيا. ان تكون محبا شيء آخر لا علاقة له بالسياسة. يمكن المحبة ان تشفي الطوائف من حدتها، من كبريائها، من أناها المقيت. ولكن هذا لا يصلح النظام الطوائفي. وهو لا ينهدم منطقيا. يجب ان يتفجر كليا. ولن يتفجر ما لم تأتِ بنظام آخر كليا. حتى الآن لسنا نعرف النظام المدني الذي يتجاهل الطوائف كليا. وليس لبنان مؤهلا لاكتشاف نظام لنفسه لا يعرفه علماء الدستور.

هل نصل، هل يمكننا ان نصل الى وضع كهذا؟ هذا يعني اننا قادرون ان نفصل بين شعورنا الديني وقيام طوائف لنا لا معنى سياسيا لها. هل اللبناني حر من السياسة الى هذا الحد؟ وهل هو متدين الى هذا الحد حتى يعتقد ان الإيمان اخروي كليا وليس له مردود سياسي؟ انا ليس عندي وصفة تحرير من الطائفية ولست اعرف مرحلية لوصولنا الى نظام علماني.

انت لست مضطرا ان تؤمن بإمكانات هذه الشعوب لتصير شعبا واحدا. انت مضطر ان تحب جميع هذه الشعوب لكي تتحرر من الانقباض او الانغلاق وتبني بالإخلاص دولة تعرف نفسها خادمة لكل هذه الجماعات وهذا يتطلب فهما كبيرا لخصائص هذه الشرائح وكيف تقربها بعضها من بعض.

من المعيب ان تسود طائفة طائفة اخرى بأية صورة من صور السيادة. من المعيب الا تجعل كرامتك ككرامة الآخر وان تعليه فوق رأسك لتدخلوا بالمساواة الى ندوة برلمانية تسعون فيها الى بناء لبنان عظيم وتفتخرون بالبهاء الروحي الذي تجعله فيه اخلاقكم السامية.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

القيامة الكونية / السبت 28 نيسان 2012

القيامة حدث وفكر اي انها كانت واقعا في مسيرة يسوع الناصري ولكنها كانت معنى. هذا تعبّر عنه أنشودة الفصح القائلة: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت». المراد بهذا القول ان الموت لمّا دخل المسيح لم يتحكّم به وكأنّ هناك شيئا يتجاوز وطأة الحدث ويعبر عن انتصار المخلّص ضمن واقعة الميتة.

الموت حدث توضحه الأناجيل الأربعة في فصول عديدة كما يركّز عليه بولس ايضًا. في رواية لوقا: «وتبعه جمهور كثير من الشعب والنساء اللواتي كنّ يلطمن ايضا وينحن عليه» (23: 27). وبعد ان رفع على الخشبة «أسلم الروح» (23: 46). عبارة أسلم الروح ترد حرفيا في بقية اأناجيل مع ذكر شهود بأسمائهم. الصلب حدث ماديا اذا اتخذت الأناجيل صحافة تلك الأيام آمنت بالخلاص ام لم تؤمن. تقول الروايات عن موت يسوع الناصري متوافقة وصحيحة لثبوت النص الإنجيلي الحاضر  الذي استشهد به أهل القرن الأول وأكّدوا الحدث قبل تدوين الأناجيل كاملة.

قتل يسوع الناصري بتحريض من جماهير اليهود وحكم قضائي روماني اساسي لنقول بحدث آخر هو القيامة. هذه تكشف المعنى الرئيس لموت الناصري عند أتباعه. السؤال الباقي هو هل ان القيامة حدث لك ان تلمسه. بداءة جواب ان يسوع دُفن في مغارة اي فوقه سقفها وليس فوقه تراب وان هذا القبر الواسع شوهد شاغرا صباح الأحد. حسب رواية متى قول الملاك لمريم المجدلية ومريم الأخرى اللتين جاءتا الى القبر: «هلّما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعا فيه». بعد هذا قال: «انه قد قام». يبدو اذًا ان إثباتا حسيا للقيامة قائم على عدم وجود جثمان في القبر. عند مرقس شاب جالس في القبر قال للنساء اللواتي أتين الى القبر ليطيّبن الجسد. «قد قام. ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه». هنا ايضًا تأكيد على الشغور.

لوقا يعبّر عن شغور القبر بقوله ان بطرس كان هناك «ونظر الأكفان موضوعة وحدها» اي بلا جثمان. وهذه الشهادة هي اياها عند يوحنا.

لا تقول الأناجيل ان جسد يسوع تحرّك في اليوم الثالث وخرج ولكنها تقول كلها انه ظهر لأتباعه. القيامة ليست حدثا ماديا، كالصلب بمعنى انها غير موصوفة ماديا ولكنها حدث استقرأناه او تبيناه من ظهورات المعلّم للتلاميذ ولمريم المجدلية في البستان. له تاليا حدثية او حادثية اي واقع مادي آخر. كانت تحررا واقعيا من موت واقعي. نقبله من شهادة الشهود اي الرسل وصحبهم الذين قالوا انهم رأوه.

#   #

#

نحن نفهم معنى صلبه من القيامة. الصلب حدث ولكنك في حاجة الى من يفسره لك اي ان ينقلك من الواقعة الى السبب الذي من اجله كانت غاية الصليب وهو ان نحيا بالقيامة كما المسيح حيا. بتعبير آخر قصد القيامة هو نحن ولكن هذا لم يكن ليحصل الا اذا أدان المسيح الخطيئة بجسده كما يقول باسيليوس. ولهذا جاء عيد الفصح ليقول اننا بعد الحياة الجديدة التي نلناها بالمسيح لا ننتظر شيئا آخر فقد «حلّ ملء الزمان» كما قال بولس وبتنا بالصليب أبناء الله وصارت الأرض سماء ودعينا الى عرش المجد.

لم يترجم احد معنى القيامة وقبولنا امتدادها كما فعل بولس اذ قال: «الا تعلمون اننا حين تعمّدنا لنتحد بالمسيح يسوع تعمّدنا لنموت معه فدفنا معه بالمعمودية وشاركناه في موته حتى كما أقامه الآب بقدرته المجيدة من بين الأموات نسلك نحن ايضا في حياة جديدة» (رومية 66: 3 و4) فإن لم نشأ ان نحيا حياة جديدة فكأن قيامة المخلّص لم تعننا، كأننا لم نأخذها وبقينا في خطايانا.

ما كانت القيامة لهذا الرسول العظيم حدثًا مضى يُغنى. صارت وجودًا في حياة المؤمنين، يجيئون من نورها، من دفئها، من ديمومتها. لذلك وضع القديس سيرافيم الروسي تحية يوميّة: «يا فرحي، المسيح قام». هذا يستدعي في ذاكرتي القديس مرداريوس الذي كان نبيلا رومانيا. سمع مرة فيما كان يتمشى في قصره في الطابق العلوي اغاني صاعدة من الشارع. اطلّ من الشرفة، رأى جمهورا يغني. سأل الخدم من هؤلاء ولماذا يغنون. قالوا هؤلاء قوم جاؤوا من الشرق مسوقون الى الإعدام ويرتلون لاعتقادهم، انهم بموتهم يتحدون بمخلصهم الذي يدعى يسوع. فقال مرداريوس في قلبه: ناس تجعلهم ديانتهم في هذا الفرح في طريقهم الى الموت يجب ان تكون ديانتهم صحيحة. فنزل وانضمّ اليهم. وعمّد بدمه. ونعيّد له من حيث انه شهيد.

كلّ من التمع عندنا ببهاء روحي يكون قد قام من خطيئة كما قام يسوع. اذا نظرنا الى ايقونة في كنيستنا وفرحنا بها نكون في اللحظة آتين من القيامة وذكرها بدء الأسبوع لأنّ كل قداس فصح.

المسيحيون الأوائل كانوا يرتدون البياض اذا مات لهم عزيز لكونه انتقل الى القيامة اذ له عند موته حديث مع الآب كما يقول امبروسيوس أسقف ميلان.

غير ان الله لا يهتمّ فقط للأفراد. يريد القيامة ان تعمّ الكون ولذلك في اليوم الأخير الكون ضياء. تعليمنا ان قيامة يسوع دشّنت الكون الجديد وتنير المادة فيه في اليوم الأخير. اذا صحّ تعبيري لا تبقى المادة مادية ولكنها تستضيء بنور المسيح وتصير كلّ حركة كونية جزءا من الفصح الأخير.

اذ ذاك، نفهم كلّ مدى ترتيلتنا: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور». قول ان الموتى يقومون ونبقى عند هذا القول لا يروي غليلا. ينبغي ايضاح ذلك بقولنا ان الكون يصبح رداء المسيح والمسيح لا يرتدي الا النور.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الحشمة / السبت 21 نيسان 2012

في اللغة الحشمة هي الحياء او الاستحياء. اللفظة في ترجماتنا العربية تتعلق بالمرأة. والمعنى هو نفسه بالترجمات الفرنسية. وما يرفضه بولس في رسالته الأولى الى تيموثاوس هو التزين «بالذهب واللؤلؤ والثياب الفاخرة» (1تيموثاوس 2: 9). الفكرة نفسها نجدها في احدى مواعظ يوحنا الذهبي الفم في نبرة شديدة.

في هذا الفصل عند بولس يرافق الحشمة «الورع والتعقل وتقوى الله بأعمال صالحة» كأنه يقيم تناقضا بين العمل الصالح وغياب الحشمة او ضعف الحشمة. حسب التناص في رسالة بولس الاولى الى تيموثاوس يبدو ان ما يكرهه الرسول في الدرجة الاولى هو ترف الملبس والجواهر.

النص الأساسي في موضوع الحشمة هو ما ورد في سفر التكوين عن آدم وحواء لما قال: «وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان». بعد هذا بقليل يقول: «وصنع الرب الإله لآدم وامرأته اقمصة من جلد وألبسهما» (تكوين 3: 21). وبعد ان أخطأ آدم «أخرجه الرب من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها» (تكوين 3: 23).

يتبين من كل هذا ان الخجل رافق اللباس، رافق أقمصة الجلد والعري عودة الى الخجل.

هذه هي الصورة في بدء سفر التكوين. هذه الصورة تعطينا الجدلية بين اللباس والعري.  العري استبعده الله بعد اعطائه الجدين الاولين أقمصة الجلد. وبعض اللباس ممجوج بسبب من مرافقته للذهب واللؤلؤ وما اليهما. هنا القضية متكونة من محبة الله للفقراء. يبقى ان اللباس مرافق للوضع الخاطئ الذي وقع فيه الانسان ونحن في وضع الخطيئة هذا. لذلك عندنا مشكلة اللباس وعدم اللباس او مشكلة طريقة اللباس ومشكلة الأزياء ان أردنا ان نترجم الكلام الإلهي ترجمة اجتماعية.

#   #

#

في الكلام الحالي الحشمة تفيد التستر ولكن هذه اللفظة لا تحتويها كليا اذ الشخص المتستر يمكن ان يكون إباحيا.

المسألة كلها كامنة في حركة الجسم التي تنبثق عن النية فهل التحرك هو الاسترضاء او الجذب او الاخضاع او التسيير بحيث يأتي الجسد وما عليه قليلا كان ام كثيرا وسيلة لإثارة هذه المشاعر ام يأتي لغة للتواصل الوجداني. بكلام آخر هل الجسد وصل بينه وبين عيون ام هو خطاب قائم ليتلقى خطابا آخر بحيث يكون المتخاطبون اشخاصا يعطون حياة ويتفاهمون على مستوى الكيان الذي لا بيع فيه ولا شراء ولكن يبدو الكيان لكيان او كيانات اخرى حديثا انسانيا غير مقول بكلمات ولكنه تداخل افكار وتعبير عن مشاعر بلا رهن ولا ارتهان.

من الواضح ان الثياب لا تنحصر وظيفتها بارتداء ما يقينا البرد او الحر فالانسانية جعلتها جميلة في كل العصور للذكر وللأنثى وجعلتها للمقام (لباس عسكري او ديني او قضائي او أكاديمي او لعرس او لحداد وما الى ذلك). والتماس الجمال يفسح في المجال للحلال في ظرف تاريخي او يسيء او لما يعتبره الناس غلوا في الزينة وهتك العفة في جو حضاري محدد.

هنا نلحظ ان ما كان موفوضا في زمن يصبح مقبولا في زمن آخر وما كان مثيرا في زمن يرتضيه القوم في زمان لاحق. يزين لي ان الحجب الكامل للجسم من الرأس الى الأرض من مستلزمات الطهارة عند بعض ومن القوم من اعتبر ان معظم الرجال يبقى نصيبهم من النقاوة قائما دون هذا التشدد، الامر الذي يعني تبدل الأذواق بتبدل الأزمنة والأمكنة.

ما لا بد من تأكيده ان المرأة في عصرها تعرف على وجه الوضوح ما يتقبله القوم وما لا يتقبلونه تبعا للبلد الذي يعيشون فيه. لا يمكن لامرأة فائقة الجمال ان تخفيه مهما احتجبت ومهما قصدت عفة نظراتها. ولكن قصد النقاوة يساعد على حمل النقاوة كما ان سوء القصد ايا كانت صورة الاحتشام من شأنه ان يحدث خللا في العلاقات بين الجنسين.

#   #

#

على رغم كل النسبية في هذا الموضوع لكونه متحركا يبقى عندنا تساؤل اساسي ليس متعلقا بالمرأة وحدها وهو السؤال حول الإغراء. المغري هو ذلك الذي يريد إثبات انه مهم، جذاب في هذا الحقل او ذاك من الوجود ابتغاء استلذاذ الآخر بعقله او شكله وليس ابتغاء التواصل الانساني. الرجل يستخدم الكلمة والكرم حتى يطوع الآخر اليه. يكتب احيانا متوسلا الانشداد الى شخصه وليس من دفع قارئه الى الحقيقة او يستخدم احيانا الحقيقة لكي يعود اليه لا الى الحقيقة تقدير القارئ.

المرأة تسر بجمالها احيانا كثيرة، تعرفه، تعرّف به وتغالي احيانا في ابدائه لاعتقادها الصريح او الضمني انه اهم ما فيها وانه هو الذي يستحق الاهتمام. وهذا الوصف ليس تعديا مني على احد. ما قلته باسلوبي قاله الفلاسفة الابيقوريون بلغتهم قديما.

ليس لمؤمن عداوة مع الجسد ولا سيما ان بولس جعله هيكلا للروح القدس وكلنا جاء منه. ولكن ما كان مقدسا الى حد كلام بولس لماذا نجعله قبل الزواج او الى جانب الزواج متعة للعين بتحويلنا اياه الى شيء وهو في لاهوت كنيستي بعض من صورة الله التي خلق عليها. واذا حان ملء زمانه في الحياة الزوجية يصبح كلاما غير منفصل عن الحب الزوجي وعن كلمة الوعد ونحن نصر ان نقرأه بث منية للعين او تلقي منية للعين.

انعطفت اوربا على هذه الرؤية في عصر نهضتها في القرن الخامس عشر وبان عند ذاك الجسد العاري والذريعة دراسة الجسد بحد نفسه مفصولا عن قداسته وأهملت الحشمة بعد استبعاد الله عن الوجود حتى أعلن نيتشه موت الله وبعد هذا الكفر كان لا بد ان يجن نيتشه.

لا حاجة بعد هذا الى عرض ازياء. امست الدنيا كلها استعراضا كبيرا. هذه نتيجة محتومة لعبادة الانسان كلامه المنمق او زينة جسده. لم يبق لنا أفق بعد ان صرنا اشياء. للرب وحده ان يعلن إيقاظه للروح اذا شاء ان يقول للانسان انه ليس فقط من تراب الارض.

Continue reading