Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2012, جريدة النهار, مقالات

رياضة الجسد / السبت 8 أيلول 2012

«العقل السليم في الجسم السليم» مثل لاتيني قديم اتخذناه نحن ويبشر به دائمًا الأطباء الذين يقولون ان الخلل العقلي في كثرة من الحالات مرتبط بالخلل الجسدي وطبابته تسمى نفسية-جسدية. الكائن البشري كيان عضوي organisme كل شيء فيه مرتبط بالشيء الآخر. لذلك كان ترويض الجسد وسلامته اساسيان لحفظ القوى الفكرية حتى تأتي السلامة كاملة من كل جوانبها.

لقد لاحظ الأقدمون الضعف في كل جسد وحاولوا معالجته منذ هيبوقراط ابي الطب وكانوا قد ادركوا أهمية الأعشاب والوحدة القائمة بين جسدنا ومواد الطبيعة وكان غرضهم في تصنيف كل ما في الطبيعة انعاش الإنسان لبلوغه ما أمكنه من السلامة.

غير ان الإنسان ليس دائمًا مصابا ولو ضعف عنده هذا العضو او ذاك وفكر بدعم جسده السليم بالرياضة لئلا يسقط هذا الجسد اذا لم يتروض او تضعف قواه فاخترع العلاج الفيزيائي من جهة والرياضة البدنية من جهة التي يغلب فيها الآن المشي اليومي اذ يرى العلماء انك تعرض صحتك للضعف ان لم تمارس هذه الرياضة.

فلسفة هذا الكلام ان في الجسم دفاعا ذاتيا يعفي عنك احيانا ضرورة الاتخاذ للدواء. وما يذهلك حقا ان ثمة من يموت ولم يكن فيه مرض معروف.

هذا سر الموت الذي لم يعطَ لأحدنا حتى اليوم. نحن نعرف ان الأعمار طالت جيلا بعد جيل. سوف نصل قريبًا حسبما يقال الى معدل 120 سنة ونحن الآن بين الـ80 والـ85 تقريبا اي يبقى علينا ان نتحمّل عددا من الشيوخ كبيرا وهم لا ينتجون. ان نمو عمر الإنسان ينفعنا بفكر المسنين اذا تدفق ويضعفنا اقتصاديًا ما في ذلك ريب. ولكن ما الحيلة في العقود الآتية؟

يبقى انه واجب خلقي علينا ان نساعد آباءنا وامهاتنا على العيش الطويل لنستمد المحبة ونعطيها ونتشارك الوجود الطيب. هذا حلم الصابرين اذا صبروا ولكنه ضائقة معاشية لا مهرب منها الى ان يكشف لنا الاقتصاديون قدرة جديدة على احياء الإنتاج الزراعي والصناعي في صورة جديدة. بسبب من معرفتنا لكل ذلك ما هو في وسعنا ان نروض جسدنا ليقوى.

#    #

#

اعتقادنا نحن ان هذا الجسد ليس بدنا محضا. ليس مجرد مادة كالحديد والخشب. فيه مسعى. فيه نشأة الى اكتمال الشخصية في النفس او ذروتها في القلب كما علمنا الآباء الأقدسون. الجسد والنفس واحد بمعنى وحدة مسيرتهما الى المجد الالهي الذي سوف يكسو هذا الكيان المتكامل الذي ينبعث في اليوم الآخر ليتجلى كالنهار ويلتمع اكثر من الشمس.

نحن امام جسدنا في رؤية تهيوئه للقيامة. نحن في كليتنا مرافقوه اليها. وفي هذه المرافقة نناجي الله ويرد على نجاوانا بالحب. الحياة وثبة وليست فقط اعضاء من لحم ودم.

ولكون الجسد شريك هذه الوثبات نعنى به لنعطي الناس ما فينا فيقوى انتماؤهم الى الله ونجعل بيننا وبينهم قربى أقوى من النسب الذي هو من الدم فقط الى ان نصبح في اليوم الأخير عائلة الآب.

وحتى تكتمل المسيرة لا بد من عناية بالجسد كما العناية بالنفس وهنا تدخل مسألة الرياضة التي هي التماس للصحة ومحاربة للموت. والإهمال تسريع للمرض او الهزالة.

وليس هنا المجال لالقاء درس في التروض. نحن نقر المبدأ على انه واجب روحي واعتبار الصحة قيمة. الجهد لاكتسابها هو القيمة في الحقيقة ولكن المرض يصبح قيمة اعظم اذا اقتبلناه بصبر وكافحناه لأنه كثيرا ما يدنينا من الله ويطلقنا الى الصلاة.

#   #

#

هناك بد لنا ان نلاحظ المغالاة في الرياضة او تخصيص اوقات طويلة لها. هذا ربما أتى عند بعض عبادة للجسد وإهمال للنشاط الفكري. هناك من لا يستطيع ان يهرب من الضعف الجسدي ويبقى عظيم الفكر او الروح. القداسة تأتي قبل الرياضة البدنية والثقافة تأتي أيضًا قبلها. لا نتجاهلن سلم هذه القيم. مع ذلك تبقى الرياضة البدنية مسؤولية خلقية علينا لا بد من حملها.

في المدينة الحاضرة رياضيون محترفون يأتيهم راتبهم كاملا من الدولة التي تحتاج الى فرق مختلفة بسبب المباريات الدولية. هذا الرياضي الكبير لا يحق له ان يهمل تربية نفسه روحيا او فكريا لأن الإحتراف الرياضي لا يلغيه كائنا انسانيا يحتاج الى كل قواه النفسية والروحية والفكرية. لا يسوغ الغاء التغذية الفكرية في سبيل كسب المباريات.

يبقى من هذا كله انه لا يجوز لأحد ان يفتخر بصحته او قوته او جماله لأن كل هذا يؤول الى التراب. نحن مع الأخ الرياضي ولكنا اولا حول الأخ المريض لتعزيته وتقويته بالرب لأن الرب الساكن فيه لا يجعله يخشى الموت.

ما من شك ان اهل العصر يعبدون الجسد كما عبده اليونانيون القدامى والرومان وفي هذا منحى مادي واضح في معرفة الإنسان. وهذا تتبعه عبادة للجمال التي سادت مناطق البحر الأبيض المتوسط منذ نشوء الأديان الوثنية عندنا. والبدعة هذه استقوى به طب التجميل الذي لا نفع منه الا القليل لكونه قائمًا على التباهي بالحسن. وهذا التباهي باطل من أساسه. فأنت تقبل المرأة كما خلقها الرب وحسنها في الوداعة والطهر وهذه المنطقة او تلك لا تغير في حسناتها الروحية.

نقبل الجسد الذي الله خالقه ونروضه للحسنى والخدمة ابتغاء مجد الله العظيم.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الصحة والملكوت / السبت 1 أيلول 2012

ورد في لسان العرب الصحة خلاف السقم وذهاب المرض، وفي هذا اعتبارها الأصل أو المرجو وأن المرض سقطتها أو انحسارها وأنّ الرجوع اليها هو السلامة. لماذا أقرنا كلمتَي الصحة والملكوت ما لم تكونا مقرنتين في الكتاب العزيز. ولماذا هذا الإقتران؟

فكر الكتاب أن المرض بيان الموت المقبل وأنه هو أيضًا أجرة الخطيئة، أو انه من عالم الخطيئة. المخلّع كما تسميه الترجمة الأرثوذكسية أو المقعد بعد أن شفاه يسوع قال له: «ها إنك قد تعافيت، فلا تعد الى الخطيئة، لئلا تصاب بأسوأ» (يوحنا 5: 14) هنا لا يؤكّد الإنجيل أنّ الخطيئة كانت سبب العجز ولكنه يوحي بأن التوبة الحقيقية هي سلامة الكيان إذ جاء كلام المعلم عن الأعمى منذ مولده: «لا هذا خطئ ولا والداه» (يوحنا 9: 3). ولئن لم تكن الخطيئة سببا للمرض الا أن هذا يبقى من عالم الموت. ما من شك ان السقم شيء من زوال الى ان تبعثنا الصحة الى الوجود الكامل.

لذلك اهتمت الكنيسة لاستعادة السلامة والانتعاش وقد جاء في الوحي: «أمريض أحدكم فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب» (يعقوب 5: 14). الكنيسة اذًا تطلب السلامة وتصلّي في طلباتٍ كثيرة لعودتها إلينا.

أهمية المرض انه عميم بمعنى أنّ كلّ بشر يعاني قليلاً أو كثيرًا منذ نعومة أظفاره. بكلام أبسط السلامة الكاملة غير موجودة. نحن جميعا في مملكة الموت الى أن يقبضنا الله فعليّا الى رحمته. نحن إذًا، في مواجهة دائمة مع الحياة ومع العافية أي مع المستحيل. لذلك نحن عند المعاناة في اضطراب ما وربما في كآبة إذ السقم يساكننا ويؤذينا وقد أمسى الحالة الحقيقية للكيان.

هذا ما يفسّر أنّ يسوع الناصري يسكنه وجعه للإنسانية واسمه الحنان. بشريّته الموجوعة من رؤية المشلولين والعميان كانت تمتدّ الى بشريّتهم بالشفاء. هذا الشفاء رافق عنده التعليم. لذلك كان يكرز في مجامع اليهود ويشفي في شوارعهم حتى تنزل نعمة الله على الإنسان كاملة.

«وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كلّ مرضٍ وكلّ ضعفٍ في الشعب. فذاع خبره في جميع سورية فأحضروا اليه جميع السقماء المصابين بأمراضٍ وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم» (متى 4: 23 و24).

#           #

#

بعد هذا القول نعبر في رواية متى مسافات طويلة من التعليم حتى يجدّد الإنجيلي ما قاله في البدايات: «وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى ويعلّم في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى 9: 35) الدافع الى رعاية السيد للمتألمين قول الكتاب: «ولما رأى الجموع تحنّن عليهم اذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها». المحبة الواحدة تنزل على الناس تعليمًا أو تصحيحا للجسد الموجوع.

في آخر تعليم ليسوع عن المرض والسلامة، في ما نسميه إنجيل الدينونة يقول: «كنت مريضًا فزرتموني» (متى 25: 36). هنا وحّد نفسه مع الموجعين وكأنه يقول عنايتكم بهؤلاء هي عنايتكم بي. من وراء الواقعة أجسادهم أو عقولهم بناء مستشفى أو مستوصف أو كلية طب كان عند المؤمنين بيسوع سعيا اليه شخصيا. هنا لا يعني أنّ المنتسب اليه في الهوية هو وحده المحبّ. جلّ ما أوحي به هنا أن روح الناصري أنبثّت هنا وهناك وجعلتنا أطباء أو ممرضين أو بناة مؤسسات تعنى بالصحة لكوننا نريد الحياة للسقماء فلا يتألم أحد إذا كان قادرا على استعادة العافية.

المبتغى الأخير لكل هذا المسعى أن نقول للمريض اننا معه. يكفي أحيانا الجلوس اليه وحده بالأمل فقد يكون الأمل نصف العافية. نصلي معه وندعوه الى الصلاة التي الله ساكنها. المريض لا يكتفي برعاية الطبيب له. يريد أصدقاءه وأنسباءه حوله. فقد يكون هذا تعبيرًا عن دفق حياة جديد عنده أو يعني له ردّه الى الصحة. القصة كلّها قصة مشاركة على صعيد القلوب. الحب هو الجامع بين المريض والصحيح. الكلمة الجيّدة الصادرة عن هذه المشاركة الروحية بلسم ما في ذلك ريب على أن نلتزم الصدق فيها ولا نعطي آمالا كاذبة.

#      #

#

العناية بالجسد أمر إلهيّ. الجسد عطاء الهي كالنفس وكلاهما مشدود الى الرب. ينتج عن هذا أن اللجوء الى الطبيب طاعة للرب واننا مدعوون الى المعلم الحقيقي لا الى خرافات العجائز في ما يمكن القيام به وما لا يمكن، واتّباع الوصفة الطبية بعض من طاعة الله.

لا يجوز أن يموت الإنسان من جهله أو من كسله. بمبتغى أن نكون حاضرين في المرض نواجهه بالعلم وبالصلاة المكثّفة ان كنا مؤمنين.

في نطاق الأشفية يتكلّم الإنجيل عن علامات مجيء المسيح. «أما يوحنا (المعمدان) فلما سمع في السجن بأعمال يسوع أرسل اثنين من تلاميذه وقال له أنت هو الآتي أم ننتظر آخر. فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان  وتنظران. العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصمّ يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون» (متى 11: 2-5).

نلاحظ هنا أنّ التبشير ملازم لشفاء المرضى وأن فاعله المسيح أو تجلّيه هو في ثنائيّ هو البشارة والشفاء وتالياً ان حياة الكنيسة القائمة على الكلمة لا تنفصل عن طلب السلامة والعناية بالمرضى.

هذا لا يعني أنّ المسيحيّة ترفض الطبّ فقد كتب القديس باسيليوس الكبير رسالة الى الرهبان يدعوهم الى التماس عمل الأطبّاء. ولكن هذا يعني اننا الى هذا العلم نلجأ الى العالم الأكبر الذي هو الرب القادر أن يصنع العجائب.

كما يعني هذا أنّ الإنشداد الى الله بالإيمان يعني كفاحا للكآبة بمعناها العادي أو معناها العلمي الحديث. في هذا يتجلّى الملكوت فيما نحن لا نزال في هذا العالم الى أن يرث الله الأرض وما عليها.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأمّة / السبت 25 آب 2012

في الخطاب الاسلامي الديني ترد لفظة الأمة الكثيرة الاستعمال على جماعة المؤمنين بالإسلام وهذا مقتبس من القرآن: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» (آل عمران 11، 2). وتدل أحيانا على غير المسلمين كما في قوله: «من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله» أو كقوله: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة».

هذا الفكر القرآني لا يختلف عن فكرة شعب الله في العهد القديم إذ يقول الله عن العبرانيين: «تكونون لي شعبا». (إرميا 7: 23)، هذا بعد ان قال: «فأكون لكم إلها». الشعب يكونه الله. وهذا الاختصاص بالله ليس مبنيا على كونهم أكثر من سائر الشعوب. انه عطاء مجاني من محبة الرب (تثنية الاشتراع 7: 7 و8). هذا أمر ليس فيه استعلاء او اعتقاد عند العبرانيين بحسنهم الخلقي.

لا يختلف عند هذا المفهوم المسيحيون عن المسلمين واليهود. فقد ورد في العهد الجديد: «أما انتم فنسل مختار وكهنوت ملوكي وامة مقدسة وشعب اقتناه الله» (1بطرس 2: 9).

كل كتلة دينية من هذه الثلاث تسمي نفسها شعب الله أو امة الله وانه لشرعي ان تنظر الى نفسها كذلك اذا كانت لا تدعي في ناسها عظمة ولكنها تنظر الى الدعوة الالهية التي كونتها.

ومن الشرعي ايضا الا تنظر هذه الكتل الثلاث على انها واحدة او هي مدعوة بدعوة واحدة وهذا لا يعنينا الى انها جماعة واحدة في الوطن ما لم نتخذ غير المعيار الديني. هل ممكن ان نكون امة واحدة من هذه الدنيا ويحتفظ كل منا بانتسابه الى الله كما يشاء ويفهم علاقة الناس الذين ليسوا من «الامة» الدينية التي ينتمي اليها كما يشاء.

بعد الثورة الفرنسية نشأت فكرة الامة المتبناة اليوم في كل الشعوب ومن حيث هي كذلك لا رأي لها في اية أمة دينية. قبل الثورة الفرنسية لم تكن امة مدنية. كان الناس رعايا الملوك والارض كانت ارض الملوك يقطعون قطعا منها للافراد. بانتقال الارض اليهم قانونيا انتقل الملك. ولكون الناس صاروا مالكين وملتصقين بالارض باتوا امة وظل الله في السماء وهم اليه ولكن الله عندهم لم تكن له علاقة بملك الارض ولا للملوك علاقة. انت بت خاضعا للدولة ولك ان ترفض حكومتها لان الدولة تجعلك ماسكا بالارض وتعلنك مواطنا ولك حريتك في شأن الآخرة.

#   #

#

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الأساس الذي نبني عليه امة في العصر الحديث؟ مرة كنت أجالس صديقا مسلمًا متنورًا جدًا. فاجأني بهذا السؤال: لماذا اخترعنا العروبة نحن واياكم وما ارتضينا ان تقفوا انتم على ارض المسيحيين ونحن على ارض الاسلام. فاجاني سؤاله ولا سيما انه كان يتضمن خلسة اننا نحن المسيحيين اخترعنا العروبة لنهرب من التسلط الاسلامي الممثل آنذاك بالسلطنة العثمانية.

اليوم لا يبدو لي ان العروبة بقيت الارض السياسية الواحدة ولا سيما ان الدستور اللبناني يقول بالامة اللبنانية. العروبة ايديولوجية وكثرة من الامم لا تبني نفسها على ايديولوجية او على هوية قومية. ما هي اللحمة الحقيقية في بلدنا بين المسلمين والمسيحيين؟ لا نستطيع ان نقف على ارضية دينية اذ لا تربطنا وحدة عقيدة وهناك من كان ايمانه ضعيفا او من ألحد على طريقته. لا يبقى على ما ارى الا الانتماء الى الارض وجعلنا التاريخ في قطعة منها فيها لنا غذاء وامكانات تقدم ونتآزر فيها بالاستقامة والمعرفة. ويشرف علينا تاريخ هذه الارض واستمداد الاكثرين منا مبادئ ما نعتبره الوحي.

نجيء من الله  ونحيا به هذا لنا مجتمعين ونحكم بعضنا بعضا بقوانين جاء بها التاريخ وتشدنا الى المستقبل.

نستسيغ من التاريخ ما يروق حياتنا المشتركة ونستشف الآتيات نقتبس ما نقتبس من المصادر التي نستحب اي في ما يوافق الارضية المشتركة اعني ارضية البلد الواحد الذي يضبطه الحكم المدني اظن ان معظمنا لم يبقَ خائفاً من هذه العبارة. أظن أن هذه العبارةلا يراد بها أكثر من أن أهل المدينة واحد كما كان يقول اليونانيون القدامى ونحن نقول البلد.

#   #

#

غير ان القول بالحكم المدني لا يخلق بشرا جددا متلألئين بالفضائل. ماذا ينفع الحكم المدني ان لم يكن قائما على القيم الروحية التي لا مصدر لها في الحقيقة الا الاديان. المؤسسة الدينية لا تحكم ولكن الدين من حيث هو سماحة وسلام ومحبة هو الذي ينشئك في العمق ويثبتك امام المشقات ويجدد كيانك في كل حين. ليس من دولة دينية. هناك ناس دينيون يجعلون البلد على صورة بهائهم. اذا كان هؤلاء موجودين معا قد لا تحتاج الى حكم. الحكم ضروري لرفع شأن العدالة والفقراء. وهذا يتطلب فضائل كبيرة.

«المدينة الفاضلة» هو عنوان  لحسنات الناس الخلقية. اساسا الحكم عندهم. الحكم يشجع بعض النضال ويستمر به. ولكن لا حكم بلا مجتمع فاضل. الاساس هو المواطنون. والدولة تقوم بهم ولا يقومون بها.

من هنا كان الدور الاساسي للمعلمين الروحيين والوعاظ والتجمعات المصلية والداعين الى التقوى. من هنا اهمية الفكر الديني الخلاق الذي يجدد الدعوة بالتعبير المقبول لدى الانسان العصري. الكلام التقليدي لا ينفع شيئا. العبارة التي لا تجعل منك انسانا جديدا تكون لك كالجيفة.

تجند الكنائس للمسيح يدفعها ان قامت على العمق الى انشاء مجتمع فاضل. لا يكفيها ان تذكر الوصايا العشر. حسن ان يصبح هاجسها دعوة المؤمنين الى بناء «مدينة فاضلة» بكل تنوعاتها وبكل همومها، مدينة فيها اعضاء الكنائس وبقية الناس. هذه هي الامة المقدسة المبثوث فيها الروح القدس والعاملة في توجيهه في تقديس الذات والعمل الاجتماعي. قبل ذلك نحن نحلم.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الله والأعمار / السبت 18 آب 2012

خطايا شبابي وجهلي لا تذكر (مزمور 24: 7) وكأن داود بهذه الكلمات يرى تلازما بين المعصية وسن الشباب وكأنه كذلك ينظر الى الكهولة او ما بعدها على انها مرحلة توبة أخيرة. في الحقيقة اننا في الكنيسة الأرثوذكسية عندنا مصطلح الهوى الذي هو مصدر الزلات التي نرتكبها كما عندنا الحرب الروحية الشرسة على الأهواء بغية التطهر وفي سبيل إدراكه وضع آباؤنا النساك قواعد صارمة بحيث انك لا تتنقى من سقوطه ما لم تضرب مصدرها وهو الهوى الذي يتضمن كل أسباب السقوط في الجسد او في العقل كالغضب والبغض والكسل والشراهة وشهوة الجسد. ضدها الفضائل التي قمّتها المحبة.

إزاء كل شهوة تقانة كفاح روحي يستمر حتى استئصال الأهواء من جذورها. غير ان ما يُجمع عليه آباؤنا ان السبب الحقيقي لضرب كل الأهواء هو ان يتملكك الله.

فالقصة عندنا ليست ترويض الإرادة والرؤية العقلية لفساد الخطىئة. القصة كلها ان ترتمي في أحضان الرب الذي يحرق كل هشيم فيك ويضيء داخلك بحضوره الأخاذ. القضية ان تقيم في الأعماق الروحية التي هي أصل شخصيتك كما صنعها الله ببره فأورثك البر لتحقق كونك على صورته ومثاله وكانت الزلات تهزّ هذه الأعماق وتلطخها وتسلخك عن النشوء الأصلي الذي أتيت منه والناس لا يعلمون انهم خرجوا ناصعين من الفداء الذي اغتسلوا فيه فنالوا صبغة الله. حقيقتك الكبرى هي التي نزلت عليك لا التي نسجتها في ضعفك وظننتها خلابة وما هي بخلابة.

ووخز السقوط يجرحك ابدًا ويمزقك احيانًا ويفتتك وانت محتسب ان لك في سقطاتك تركيبة جديدة تجد فيها لذائذ وما تلبث ان تحس انها عابرة وانها تركتك مهشّمًا ليس فيك وحدة.

اجل الخطيئة توهم احيانا بوحدة اخرى ولكنك تحس بأنها صادمة للكيان الطيب المحجوب فيك وعبثا تحاول بدون العشق الإلهي ان تضرب البناء الفاسد وتدمّره انه كان لك بالفضيلة كيان عظيم.

#   #

#

اذا ارجأت توبتك قد تعود وقد لا تعود. الإرجاء يعني انك لا تزال عاشق الخطيئة ولم تتحسس فيك ذوقا لله. الله عندك مجرد حكي وليس وجودا مالئا كيانك. في هذا التردد لا تزال مشتتا مبعثرا بين الخطيئة المعششة فيك ورغبات صلاح لم يكتمل. لم تجلد نفسك بعد. لم ينزل منك دم ولم تذق حلاوات الله. لم تشنَ الحرب على زلاتك لكونك في الحقيقة لا تزال حليف السوء الذي فيك.

الويل لك ان داهمك الموت وانت غير تائب. معنى هذا ان الله يراك عند فراقك قبيحا اذ ابتعدت بعدًا رهيبا. لا يرى فيك ذلك الذي خلقه شبيهًا ببهائه. هذا لم يرضك فاستعرت الهًا مميتا ترضى ان يأخذك الى تيه قد يقودك الى الغرق النهائي. ماذا تعمل بعد هذا رحمته؟ هذا شأنه. هو كلّمك ولم تسمع او ما أردت ان تفهم. مَن قال انك بعد موتك ستسمع؟ هو لم يعد بذلك.

ليست التوبة مرتبطة بسن محددة. هي تنزل من فوق وكثيرا ما نزلت على شباب تراهم بيضا كالثلج. شيبك لا يعني شيئا. القلب كل شيء وفيه تختزن الكنز الإلهي. قد ينكسر جسدك ويتهاوى. هذا لا يسوق الى الاهتداء بالضرورة. انت لا تعرف سر الموت ولا تعرف ساعته. انه يأتي عليك كاللص كما قال الكتاب. الموت يسجل موتك الروحي او يسجل قيامتك. هل تريد لحنا ملائكيا بعده او صراخ شياطين. هل تشتهي لطفا الهيا او سخط إله. القرار بين يديك. اطلب من الله ان يُنزل عليك القرار لئلا تفنى في الجهالة.

#   #

#

لا احد يعرف حكمة الله في الأعمار. هناك ظاهرة بيولوجية لا ريب في ذلك ولكنها ليست مستقلة عن تدبير الخالق لها. ان يحفظ الانسان جسده معافى مرتبط به الى حد ومرتبط بالعناية الالهية الى حد. اكثر من هذا لا نعرف وليس من حاجة ان نعرف. جلّ ما يطلبه الله ان نكون مستعدين للقائه وما من لقاء حقيقي الا من بعد استعداد. عندنا نصوص يُفهم منها ان المسيح يستقبل الميت بما عنده من حنان ولكن هذا الحنان لا يتقبل من الميت فراغا. من هنا ضرورة تكليف الانسان نفسه ما في وسعها او أكثر حتى يكون قبولها مشاركة بينها وبين ربها. والرحمة لا حدود لها. هي فيض. هل للإنسان ان يحسن فقط؟ الحنان الإلهي اذا عنى شيئا فلا بد ان يعني تجميلا للنفس التي استُدعيت . بعض القديسين القلائل يقولون ان الرب لا يترك احدا في الجحيم الى الأبد. غير ان القديس اسحق السرياني الذي كان يؤمن بهذا منعنا من تعليمه رسميا خشية الانزلاق.

عندي ان المهم الاعتناء بذواتنا هنا روحيا مع الاتكال على الرحمة. المبتغى هو الجهد الأقصى لأن الرب جدي يطلب الينا الجدية ويكره الاسترخاء. ولكون الموت مداهما لا يسوغ اي تفريط. لذلك يجب ان نجعل أنفسنا امام الحساب وامام خوف الله والخوف تدرج لنا الى السماء.

اذا كان الله يحبك فلا تستغلّه لأن الاستغلال يعني انك لا تحب. انت حبيب الله. اذا لم ترضخ لمحبتك تكون خائنا له. السماء مفتوحة لك في كل مراحل حياتك. أحبب الدخول اليها.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الرموز والحقيقة / السبت 11 آب 2012

الرمزية عندنا ليست كالخيال. الحقيقة الروحية لا تنسكب فقط كلمات. تجيء صورا ايضا. صورة الحقيقة رمزها. ليسا شيئين منفصلين. عندما يتكلّم صاحب الرسالة الى العبرانيين عن المسيح يقول انه بهاء مجد الله ورسم جوهره. المجد في بهائه ورسم الجوهر من الجوهر.

عندما تصطبغ بماء المعمودية لا تدل على انك نلت الخلاص. تكون نلته حقا. ليس الماء دالا على شيء ليس فيه. انه يعطيك ما فيه اي واقع الخلاص الذي انتقل اليه. المادة تنقل من عالم المحسوس الى عالم المعقول . كذلك ما يبدو في المناولة لك خبزا اصبح في جوهره جسد الرب. لا يدل على الجسد. أمسى جسدا اي انه انتقل من المحسوس الى المعقول. لا نقول ان جسد الرب هو في الخبز او معه او تحته. نقول ان الخبز تحول جسدا ولا نتكلم عن الكيف.

السر هو في هذا ان ما يبدو لك رمزا لشيء آخر لم يبقَ كذلك. ليس هناك شيء آخر. الرمز في التعبير المألوف شكل يدلّ على المرموز اليه وليس بينهما الا علاقة التخيل. اما في الاصطلاح المسيحي فالرمز والمرموز اليه واحد. المرموز اليه يتجلى بالرمز ويستحيل عليك ان تفرق بينهما على مستوى الكيان.

هل اليد الى اليد عند المصافحة ام هو القلب الى القلب ان كنا صادقين. عندما يقول بولس: «سلّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة» ماذا يريد الا ان تكون القبلة بلا غش. بلا كذب؟ هل التلاقي في الحب الزوجي رمز ام حقيقة. في الكنيسة الأرثوذكسية عند ترتيل: «لنحب بعضنا بعضا» يقبّل الكاهن الكاهن الآخر. ولكن في الماضي كان كل الشعب يقوم بهذا التقبيل والمفهوم ان الكنيسة تتكون بالمحبة. هذا الجسد يحمل الروح التي تتواصل والروح الأخرى ولا بد من جسر بينهما وهو هذه الركيزة المؤلّفة من لحم ودم وعظام.

في الخط نفسه الكلام عن الكنيسة المبنية وموسيقاها ورسمها. فقد كان ممكنا الا تكون معابد وان يكتفى بالكلمة الإلهية في قراءتها غير ان عدد المؤمنين في تزايده اقتضى مكانا كبيرا للصلاة وكان لا بد من اجراء طقوس وهي رموز متناسقة بمعانيها واشكالها معا. والطقس في اجرائه يسكب عليك معنى ثم المعنى يعيدك الى صورته. والصلاة كلمات والكلمة صورة ومعنى بآن.

واذا أخذت الكتاب المقدس فهو كلمات تُعرب اي انك تدخل اليه باللغة واللغة تصوير. والكتاب المقدس ليس لغة واحدة. عندنا هو العبري والآرامي واليوناني. هذه اللغات رموز ككل الرموز ومن خلال هذه تطلب الحقيقة والحقيقة في كلماتها. وعندما يخضع المفسرون نص الكتاب الإلهي للتفسير فإنهم يخضعونه للغات اي لرموز الحقيقة ولكنهم يبتغون الحقيقة. هذه وصورها اذًا في طبق واحد الى ان يصير الله بلا صور عنه في اليوم الأخير حقيقتنا الوحيدة والكبار في الأدعية في كنيستي يدركون يوما لا يقولون فيه كلمات. صلاتهم، اذ ذاك، نسميها داخلية. يكون هؤلاء المصلّون استدخلوا في قلوبهم دعاء اسم يسوع  ويكون اسمه قد استقرّ فيهم. لا يلفظون، عند ذاك، اسما ولا كلمة. يكونون في الحضرة. امام الحضرة تنتفي مشكلة العلاقة بين الرمز والمرموز اليه.

اذا أخذنا سر مسحة الزيت نتساءل لماذا يجب ان يُدهن المريض بالزيت. هل انه كان اساسا لبعض الأدوية ام لأن اسمه باليونانية واسم الرحمة من جذر واحد. ما يبقى من هذا السؤال اننا في عمل مقدس كهذا يجمع الرمز الى ما يرمز اليه. لا نخرج في هذا عن طبيعة الإنسان.

ثم لا بد من انهاء الحديث عن الرموز في الكنيسة بذكرى الأيقونة. ماذا انت فاعل ان وضعت عليها شفتيك؟ هل هذه قبلة للصورة ام لصاحب الصورة؟ يوحنا الدمشقي بعد ان كسر يزيد ايقونات لنا كتب اننا ان أكرمنا الصورة (إكراما لا عبادة) انما نكرّم المسيح او مريم او القديس المرسوم عليها وذلك بسبب من التجسد اي ان ابن الله الوحيد اتخذ صورة بشرية، جسدا من لحم ودم فاذا انضممنا الى الأيقونة ننضم اليه.

لعلّ كلا منا في حدود معينة ايقونة الله وبالبشرة نرتقي اليه ولا يبقى الا وجه ربك الذي لا رمز له. اذا استطعت ان تدركه هكذا بلا تعبير تكون قد أدركت الكمال.

هذا سيكون في اليوم الأخير (في تعبيرنا) او الآخر في تعبير اخوة لنا وأصدقاء. كل جماعة لها تعبير أبصور كان هذا ام بكتاب والكتاب صورة. بعد القيامة لن يكون لك وجه بشري تعاين الله فيه. سيكون لك جسد آخر وصلاة غير مكتوبة ولن يكون في قلبك خيال لأن الخيال صورة. قلبك لن يختلف عند ذاك، في مضمونه وبهائه عن قلب الله.

نتوكأ الآن، ضرورة، على كلمات وهي تخيل، على إشارات وعلامات وفنون الى ان تزول هيئة هذا العالم ويخطفنا الله على أجنحة محبته الى وجهه الذي لا يسوغ الكلام فيه.

واذا استطعنا هنا ان نحب بعضنا بعضا فكأنما نرى وجوها هي فوق الوصف لأن الوصف يحتاج الى صور وقد تخطيناها بلصوق المحبة.

الذين حطموا الأيقونة بين القرن الثامن والتاسع الميلادي أما كانت ثقافتهم تكشف لهم ان الكتاب المقدس هو كان ايضا ايقونة لكونه يقود الى الله بكلمات هي صور؟ الحقيقة المجردة في قلبك اذا تشبه بقلب الله اذا ارتفع محتوى القلب الى رؤية الله.

المهم ان يتحد اللاهوت فيك بالناسوت مع بقائك كائنا ناسوتيا. الله لا يلغيك. تصاعد اليه بكلماتك واسجد له بكل جسدك الذي الله حامله.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الوحدة الزوجية / السبت 4 آب 2012

كيف تتم الوحدة بين اثنين أبالشوق اي بالحب البشري بمقدار لهبه ام بالمحبة التي كشفها يسوع الناصري وهي قائمة على عهد إلهي ويعلمنا الفيلسوف الدنماركي كيركيغور ان الوصية: «احبب قريبك كنفسك» تعني، يجب ان تحب قريبك كنفسك. فنحن اذًا في ما يتجاوز الشوق الى الواجب الديني. الوحدة الزوجية ليست تاليا مجرد واقع. هي التزام امام الله.

اول ذكر حسب توارد النصوص في مجموعة الأسفار المقدسة ما ورد في سفر التكوين: «خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وانثى خلقهم». في هذه الرواية للخلق نفي لشرعية او قدسية علاقة في الجنس الواحد او ما يسميه بعض دول الغرب زواجا لا سيما ان هذا الكلام الإلهي يكتمل بالقول: «أثمروا وأكثروا وملأوا الأرض» ليس ان غاية الزواج هي الإخصاب وهذا الكلام ليس واردا في اية كنيسة ولكن التكائر من ثمرة هذه العلاقة.

في رواية ثانية في إصحاح لاحق من سفر التكوين ان الله بنى الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها الى آدم فقال آدم «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي» ثم يكمل: «يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدًا». وفي ترجمة حديثة «يتحد بامرأته» وترجمة اخرى «ويلزم امرأته».

ما الجسد الواحد؟ هذا لا يعني البدن لأن هذا مستحيل. الجسد في الفكر العبري يعني الكيان اذ لم يعرف العبران ثنائية النفس والجسد. في التعبير الحديث نقول ان الذكر والأنثى في اتحاد روحين او قلبين ليس انطلاقا من الشوق وحده تحقيقا لعرس طاهر كما يقول الأرثوذكسيون في حفلة الإكليل.

لا يبقى العهد الجديد على رؤية العلاقة الثنائية المحضة اذ يجعل من الزواج اولا علاقة تدوم كل الحياة اذ ينفي الافتراق في المبدأ وقد أضاف متى على العهد القديم «الذي جمعه الله لا يفرّقه انسان». عبارة «الا لعلّة الزنى» غير واردة في مرقس وفي لوقا. ما قد يفيد ذكره ان الكنيسة القديمة أباحت الزواج الثاني للفريق غير المذنب ولم تبحه للمذنب.

في الكنيسة الشرقية المعاصرة تدبير عملي انضباطي في إباحة الطلاق للطرفين ولكن هذا لا يعني ان الكنيسة غيّرت موقفها العقائدي في ديمومة الزواج. الإباحة القضائية للطلاق في حالات محدودة جدا لا تعني فتح الباب لحلّ الرباط الزوجي. اما التفلّت فيقع عقابه على الطرف المتفلت. ولكن ليس هنا مجال الاستفاضة في هذا التأمل الفرعي.

ما يجعل الزواج «مكرما ومضجعه غير دنس» كما يقول الرسول هو تأكيد بولس ان هذه العلاقةآتية من الرب وقائمة فيه. الكلمة الفصل في رسالة بولس الى أهل أفسس هي: «ايها الرجال احبوا نساءكم كما أحبّ المسيح الكنيسة الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها». في الحقيقة هذه محبة متبادلة بين الرجل والمرأة وواضح هنا مضمون المحبة. هي محبة المسيح لنا في موته . لا حدود تاليا للمحبة الزوجية لا شروط سلوكيا عند الآخر لتحبه. المرأة والرجل كلاهما من لحم المسيح وعظامه (أفسس 5: 30). بولس يؤكد ان الفريقين جسد واحد ولكنه كان قد أكّد قبل ذلك ان كلا منهما في المسيح حتى اوضح في وضوح اعظم ان كليهما معا هما في المسيح.

هذا يدفعني الى ان أقول ان من لم تنزل عليه هذه الرؤية يعيش جسديا وزواجه من هذه الدنيا وفيها. اقول هذا بسبب مما لمسته في المحاكم الروحية في المنطقة التي أعيش فيها وقد كشفت لي ان الأزواج الذين يحيون في محبة السيد لا يجيئون الى المحاكم الروحية ولا يعرفون بابها ولا اوراقها. انهم فاهمون ان رباطهم نزل عليهم من فوق.

لست طفلا لأقرر ان عائلات كثيرة لم تعبر بمحنة الخلاف. انت لم تعرف زوجتك قبل دخولها بيتك. تتعرف الى بعض خصالها في ايام الخطوبة اذا طالت. ولكن كل فريق منكما مخفية فيه اشياء  كثيرة قبل القران او تظهر فيه عيوب جديدة عليه وعلى زوجه بعد القران. بعبارة بسيطة تسوء العلاقات بسبب من اكتشاف الواحد للآخر بعد الزواج او ينحط البيت كثيرا او قليلا ومن بدا لك بارا قد لا يكون كذلك او يتفلت من قيود البر ويتعذر عليك معرفة كل ميوله قبل اللقاء الزوجي.

الى هذا صعوبة المجانسة احيانا او التأكيد المضخم على أهميّة هذه المجانسة. الى هذا طبائع ضعيفة وقلة من الصبر والاقتناع بضرورة الديمومة في العائلة. تسمع كثيرا من سنوات قليلة مضت: «انا لا احبه او لا احبها». وهذا تعظيم رهيب لنطاق الشوق وهو يبقى قليلا على زخمه ولا يمكن بناء الزواج عليه وحده بعد ان اسسنا الزواج على الاثنين رحمة من ربك.

اعرف ان بين علماء النفس مستشارين  في الخلافات الزوجية. بعضهم ساعد ويساعد والعلم جميل اذا نجح. نحن لا نحيد عن العلم ولكن مقاربتنا للحياة الزوجية مقاربة إلهية قائمة على كلمة الرب والصلاة الدائمة. فالعائلة قائمة في صلاتها.

لما كنت صغيرا كنا نجتمع حول والدي يكلمنا عن ذكرياته في الحرب العالمية الأولى ومما كان يقول: فلان تزوج السنة الـ1916 وكنت اعلم ان هذا الوقت كان وقت مجاعة. ففهمت بحكايا ابي ان الظروف القاسية لا تقوم دون تلاقي الرجل والمرأة في حياة واحدة. ولكن في زمان هذه الحكايات في بداءة الثلاثينات من القرن الماضي ما كان ابي يحدثني عن طلاق. كنا نفهم ان الصبية تأتي الى خطيبها مزينة بالعفة وانه لا يخطر على بالها ان تخالفها لعل الناس ايضا كانوا يحافظون على فضائل الآخرين او عهودهم.

تغيرنا كثيرا منذ زمان ابي ولا مجال الآن للتحدث في الأسباب وهي كثيرة ولكنا لا نستطيع ان نرفض بخفة قدسية الزواج الذي يتم في الرب وان نرفض انه النموذج للعافية الروحية وان ما قاله الله قاله لكل الأزمان.

«ذكرًا وانثى خلقهم» ليؤلّفوا المعيّة الإنسانية المباركة الطيبة، ليتقدس كل جنس بالجنس الآخر. هذه هي مشيئة الله الثابتة وكلمته الأخيرة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الآخرون / السبت 28 تموز 2012

لا تستطيع أن تقول أنا ما لم تقل أنت لأنك محدد بالمواجهة وهي أن يكون الوجه الى الوجه. يقابله فيتحدد الاثنان. أنت متكون بالصلة. وإن كنت أنانيا بشكل جنوني ترى الآخر مرآة لك. وان لم يكن عندك إيثار مرضي لنفسك فأنت متقبل الاخر بمقدار ان لم تكن حاضنه كثيرا فمن داخلك ينشئك وينشىء نفسه بك واذا استقبلك في الحقيقة تصعدان معا الى فوق. اذ ذاك يكون الله منشئكما وكل منكما تشكله رؤية الله فترى الله في الاخر او شيئا الهيا فيه.

انت لا تستطيع معاملتك لله ما لم تقرب الآخر اليه كما تقدم القربان اي تشده الى الرب لتستلمه منه واذ بك وبه كالنهار اذا تجلى (سورة الليل، 2)

الاخرون ليسوا جماعة معتمة. يستضيء فيها كل شخص اذا عرف الاخرين افرادا متداخلين بالحب او اقله بنباهة النفس كما يقول الارثوذكسيون في قداسهم بحيث يكون الواحد في قلب الآخر وينفرد هكذا عن الاكتظاظ الجماعي ليرى كلا من الجماعة فريدا. هذا هو الفرق بين مجموعة بشرية وقطيع غنم. القطيع تعد كل حيوان فيه وتجمع الواحد الى الاخر وتكون قضية حساب ولا يتميز الواحد عن الآخر ولا بد من دمغة تضعها على جلده اذا شئت التمييز. اما البشر فكل منهم متميز ليس مثله آخر. سبعة مليار في انسانية اليوم لا يتطابق احدهم والآخر. الفرادة هي توصيف اناس والله يراهم متمايزين ليس فقط في وجوههم ولكن في قلوبهم ايضا. ليس عند الله قوالب للنفوس ولا تذوب الواحدة بالاخرى لكي تؤلف نفسا واحدة.

هذه بدعة كفرتها الكنيسة لكي تحافظ على الشخص الوحيد. في الملكوت نظل متقابلين، محبين، وغير منصهرين، أحدنا بالآخر لأن المحبة تثبت الاخر ولا تذيبه.

استقلالك عن الآخر لا نفور فيه. انه يدعم الذات. الذات الاخرى، ليست النفوس جثثا متراكمة كالاجساد. هي دائما متواجهة بسبب من النعمة المنسكبة على كل واحدة منها. الله جامعها بما يحييها بحنانه ولا يغض الطرف عن واحدة منها لئلا تموت.

#   #

#

العقول مختلفة ومتخالفة احيانا كثيرة لان في العقل ارباكا وارتباكا ولانه يتاذى كثيرا بالعقول الاخرى التي تتنكر له. الانسانية تقوم على تنوعات متضاربة  او متعاكسة ويضعف العقل ومطلقه البدئي لم يبق وهذا يفسره تباين العقول.

ولكن الانسان ليس اخر بسبب من عقله. في تركيبته الشاملة هو غيرك وقد يكون قريبك ولو اختلفتما في الرأي ولا تبغضه لكونه مختلفا عنك. العقول الصغيرة تفعل هذا. وعند العقلاء ليس الفكر سببا للتصادم الوجداني او الكياني اذ الكيان في عمقه هو القلب. كذا في فكر الكتاب المقدس في عهديه وكذا عند آبائنا. انت تلحظ ان الذات المقابلة لك هي الاخر لانها تختلف عنك بمقدار المحبة. مع ذلك تضم ذاتك الذات الاخرى اذا كنت مجاني العطاء ولم تحتكر الاخرين في نفسك. «فذكر انما انت مذكر. لست انت عليهم بمسيطر» (سورة الغاشية، 21 و22).

هذا هو معنى الحوار الذي يتأسس على ان الآخر موجود لانه ناطق وانه يحبك عند الحاجة ولكنه يقر بك وتقر انت به حتى يتجلى النور من المقابلة. الفكر ليس إملاء. انه تلاق. الاخر ينفع الحقيقة التي انت حاملها وهي تبتكر به. الحقيقة تنكشف من احتكاك الواجدانات بمعرفة وبغير معرفة ومحبة. وكلاهما يساعد على تواصل الحقائق بعضها ببعض.

المحبة تفرض ايمانك بأن الله ائتمنك على اشياء من عنده وائتمن محاورك على أشياء من عنده ايضا وقد تكون هذه جميعا متقاربة. المحبة هي الجسر بين عمق وعمق ولو تباينت الاراء. وهذا التباين لا يؤتي بعداء ان كنا متعقلين وعلى صفاء كبير ليقينك بان الانسان الاخر حبيب الله مثلك وقد يكون جامعا بين قلب كبير وعقل محدود. وانت ضامه اليك بالدعاء وواضعه في رحاب الله التي نزلت عليك.

#   #

#

هنا يأتي ذكر من سمي عدوا.  «سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم وصلوا لاجل الذين يسيؤون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات» (متى 5: 43-45).

عند الكثيرين مشكلة مع حب الاعداء لكونهم مرتكزين على الأنا المنغلقة التي ليس فيها مجال للاخر، لانها مالكة الوجود وطاردة الخصوم من الوجود وتاليا مميتهم عقليا. فاذا ذهبوا عن رؤيتي يكونون ذهبوا عن العالم كله.

امام هذا الشك بالوصية يبدو الغفران مبنيا على قول يسوع الناصري: «لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات». وانت لا تقدر ان تقبل عدوك كقبولك اخاك ما لم تعترف انه ابن ذاك الذي في السموات وان مكانته عند الرب بغفران هذا له كمكانتك انت الذي تعيش ايضا بالغفران. من كان ابنا لله هو بالضرورة أخ لك. اذ ذاك، لا ترى عداوته وتراه في دائرة السماحة الالهية كما أنت فيها بسبب من مسامحتك.

العدو صديق عندك بالحب وتغطي وجهه بالنور الالهي، الاخر ليس فقط من أحبك ولكنه ايضا من أبغضك. كل منهما اخ لك اذ الاخوة نازلة من السماء مهما شعر ذاك ومهما شعرت انت. انت واياه في عائلة الآب وفيها يزول كل انفعال وتصبح النفس الى النفس لان كل واحدة منها مرآة ذلك الاله المحب البشر.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الصديق / السبت 21 تموز 2012

قال أرسطو: «يا أصدقائي، ليس من أصدقاء». لن أناقش المعلم الاول في ما ذهب إليه مغاليا. فالبشرية لا تخلو من محبين صادقين كما لا تخلو من مبغضين كثر. في اللغة صادقته أي خاللته. ومعنى صديق فلان انه صدقه المودة والنصيحة. هناك اذا نأي عن الكذب. هناك مبيت في الاخلاص: «أحبب صديقك كنفسك». بذا تجعله قريبًا وكأنكما واحد. لعل كل سر الصداقة انه يكمن كليا في المحبة التي يصير فيها المحبوب واحدًا مع المحب.

مرة خاطب احد قياصرة روسيا الرئيس الفرنسي في رسالة اليه قائلا: صديقي العزيز، فأراد الرئيس الفرنسي ان ينقح له العبارة قائلا: في العرف الديبلوماسي يقال يا أخي العزيز. أجابه الروسي: أخوك مفروض عليك (بالطبيعة) اما صديقك فتختاره.

كيف تتلاقى القلوب هذا سر الوجود. ما اجرؤ على قوله ان هذا سر إلهي. الله عاقد القلوب وفيه وبه تتوحد بحيث تنطق نطقا واحدا فلا يبقى محل للخلاف في الوجدان ولو بقي محل للاختلاف العقلي. ولا ينثلم القلب بذا ولا يخشى الاختلاف ولو بمباينة قليلة اذ المصدر واحد وهو الحقيقة الوجدانية العميقة التي تتبلر واحدة فيك وفيه.وتطمئن الى الآخر لعلمك بإخلاصه للحق صدر منك او صدر من الآخر. لم يجعلكما التماهي واحدا ولكن الحق انشأ فيكما التماهي لأنكما ثمرته الواحدة. للانسان قلب رحب بالحق او هو ليس بشيء.

فيها حركة شبيهة بالتنزيل والرب يختار لإلهامه آنية مختلفة في ما يبدو منها وكأنها واحدة لأنها قادرة على تقبل كلمة منه واحدة فاذا استوعبت تجعل من الاثنين واحدا. الباقي فروق في التعبير او النبرة او الصيغة. واحدكما اقوى منطقا او حدة ذكاء. وحدتكما ليست بهذه ولكن بما استلمته من فوق. التصرف الواحد يمكن ان يكون لغة الله اذا ظهرت.

لغة الله تصير لغة الناس سلوكا وكأنهم مرآة ربهم. قول الله نفسه نسميه اللاهوت وقول الانسان نفسه نسميه الناسوت. والقول والكيان واحد. ويقترب الانسان من الله احيانا بقوة بحيث لا تقدر ان تميز على مستوى الكلام ما هو للخالق وما هو للمخلوق. اذا كنت مع اهل التجلي لا تقدر بسهولة ان تؤكد ان قول الانسان هو له وحده. الرؤية اذا انكشفت تجعلك تميل الى انها سقطت عليك من المحل الأرفع.

#   #

#

ما المقولة الوجدانية التي فيها تنوجد الصداقة؟ هي الشركة او المشاركة اي ذلك الاتحاد الذي لا يلغي الإثنينية الكيانية ولكن يحول طاقتها الى وحدة عطاء، الى تكامل بمعنى ان الشخصية لا تتحقق الا بالآخر. الذات ليست الفردية التي هي تأكيد الأنا بالانعزال عن الآخر. الآخر ليس آخر بمعنى ضد أناك ولكن بمعنى انكما بتما حركة واحدة لا إقصاء فيها لصوت واحد منكما ولا ذوبان.

الوحدة تفترض دائما وجها آخر ليس مرآة لوجهك ولكنه نحوه او اليه. ما سميناه مشاركة يمكن تسميته المعية والمعية تفرض سيرا جنبا الى جنب في التآزر في حالة سلامة المشي او صعوبة المشي عند أحدكما. انت تعطي صديقك نفسك اذا رأيته يعرج فيحس انه قد بلغ السلامة.

غير انه يتعذّر عليك الذهاب ان لم يمسك الله بيدك. ما من تجاوز للثنائية الخطرة الا بالثالوثية التي الله مبدؤها وغايتها. الصداقة لا تنتهي الا اذا خان احدكما ربه فيخون منطقيا صديقه. ما من لقاء بشري محتوم مهما تأججت العاطفة. انها تسقط عند نتوء الأنا. فاذا غاب وجه الله عنكما يذبل انت او هو او كلاكما وكأن شيئا من صفاء القربى لم يكن. في عالم القصة وضع فرنسوا مورياك كتابا عنونه «صحراء الحب».  اية كانت فلسفة المؤلف احتسب ان الصداقة الجامعة هي التي تلغي جفاف الوجود فاذا زرعت المحبة تتفجر من تحتها الجنات التي تروي كل العطشى.

#   #

#

انتقدني بعض الأصدقاء لأني تجرأت في «لو حكيت مسرى الطفولة» على قول ما مفاده ان الصداقة اصفى عاطفة او اجمل. قد لا اكون متمسكا بهذه الصياغة ولكني أردت انها العاطفة الوحيدة على مستوى الطبيعة التي لا تتضمن تبادلا لأن التبادل يسري من نفسه. فاذا علاك المحب تعلو وتعليه بدورك ولا تطلب شيئا خارج نطاق الصداقة من متاع هذه الدنيا.

اجل عندك مشاعر اخرى طبيعية ايضا كتلك التي تربط الرجل بالمرأة وقد تصل هذه الى التجرد الكبير والى الصفاء ولكن تضاف عليها مكونات اخرى كالمال والبيت وذوو القربى التي تهدد احيانا الصفاء الكامل. قلت احيانا لأني لا أشك في إمكان الإخلاص الكامل في الحياة الزوجية. جل ما اردته في موقفي القديم في «لو حكيت مسرى الطفولة» ان الصداقة في طبيعتها الحالية كالماء العذب الذي لا لوثة فيه وانها في أحايين كثيرة طريقنا الى الحياة الزوجية العظيمة. انت تأخذ رفقاءك امام وجه الله فيستضيئون به ويقتربون.

في طاعة الله لا تستطيع ان تحب الله كما احبك لأن قلبه اوسع من قلبك. ولكن على صورة حبه لك تقدر ان تحب الآخر لأن الرب يوسع قلبك في كل حين ويجعل قلبك مثل قلبه على قدر ما تستطيع البشرة ان تكون متقبلة.

اذا مات الأصدقاء تبقى متشبها بفضائلهم فتحيا. الذين في الفردوس ومن استبقوا على الأرض يظلّون واحدا لأن الوجوه تظل الى الوجوه اذ الرب هو الجامع. اخرجوا من الصحراء.

قال أرسطو: «يا أصدقائي، ليس من أصدقاء». لن أناقش المعلم الاول في ما ذهب إليه مغاليا. فالبشرية لا تخلو من محبين صادقين كما لا تخلو من مبغضين كثر. في اللغة صادقته أي خاللته. ومعنى صديق فلان انه صدقه المودة والنصيحة. هناك اذا نأي عن الكذب. هناك مبيت في الاخلاص: «أحبب صديقك كنفسك». بذا تجعله قريبًا وكأنكما واحد. لعل كل سر الصداقة انه يكمن كليا في المحبة التي يصير فيها المحبوب واحدًا مع المحب.

مرة خاطب احد قياصرة روسيا الرئيس الفرنسي في رسالة اليه قائلا: صديقي العزيز، فأراد الرئيس الفرنسي ان ينقح له العبارة قائلا: في العرف الديبلوماسي يقال يا أخي العزيز. أجابه الروسي: أخوك مفروض عليك (بالطبيعة) اما صديقك فتختاره.

كيف تتلاقى القلوب هذا سر الوجود. ما اجرؤ على قوله ان هذا سر إلهي. الله عاقد القلوب وفيه وبه تتوحد بحيث تنطق نطقا واحدا فلا يبقى محل للخلاف في الوجدان ولو بقي محل للاختلاف العقلي. ولا ينثلم القلب بذا ولا يخشى الاختلاف ولو بمباينة قليلة اذ المصدر واحد وهو الحقيقة الوجدانية العميقة التي تتبلر واحدة فيك وفيه.وتطمئن الى الآخر لعلمك بإخلاصه للحق صدر منك او صدر من الآخر. لم يجعلكما التماهي واحدا ولكن الحق انشأ فيكما التماهي لأنكما ثمرته الواحدة. للانسان قلب رحب بالحق او هو ليس بشيء.

فيها حركة شبيهة بالتنزيل والرب يختار لإلهامه آنية مختلفة في ما يبدو منها وكأنها واحدة لأنها قادرة على تقبل كلمة منه واحدة فاذا استوعبت تجعل من الاثنين واحدا. الباقي فروق في التعبير او النبرة او الصيغة. واحدكما اقوى منطقا او حدة ذكاء. وحدتكما ليست بهذه ولكن بما استلمته من فوق. التصرف الواحد يمكن ان يكون لغة الله اذا ظهرت.

لغة الله تصير لغة الناس سلوكا وكأنهم مرآة ربهم. قول الله نفسه نسميه اللاهوت وقول الانسان نفسه نسميه الناسوت. والقول والكيان واحد. ويقترب الانسان من الله احيانا بقوة بحيث لا تقدر ان تميز على مستوى الكلام ما هو للخالق وما هو للمخلوق. اذا كنت مع اهل التجلي لا تقدر بسهولة ان تؤكد ان قول الانسان هو له وحده. الرؤية اذا انكشفت تجعلك تميل الى انها سقطت عليك من المحل الأرفع.

#   #

#

ما المقولة الوجدانية التي فيها تنوجد الصداقة؟ هي الشركة او المشاركة اي ذلك الاتحاد الذي لا يلغي الإثنينية الكيانية ولكن يحول طاقتها الى وحدة عطاء، الى تكامل بمعنى ان الشخصية لا تتحقق الا بالآخر. الذات ليست الفردية التي هي تأكيد الأنا بالانعزال عن الآخر. الآخر ليس آخر بمعنى ضد أناك ولكن بمعنى انكما بتما حركة واحدة لا إقصاء فيها لصوت واحد منكما ولا ذوبان.

الوحدة تفترض دائما وجها آخر ليس مرآة لوجهك ولكنه نحوه او اليه. ما سميناه مشاركة يمكن تسميته المعية والمعية تفرض سيرا جنبا الى جنب في التآزر في حالة سلامة المشي او صعوبة المشي عند أحدكما. انت تعطي صديقك نفسك اذا رأيته يعرج فيحس انه قد بلغ السلامة.

غير انه يتعذّر عليك الذهاب ان لم يمسك الله بيدك. ما من تجاوز للثنائية الخطرة الا بالثالوثية التي الله مبدؤها وغايتها. الصداقة لا تنتهي الا اذا خان احدكما ربه فيخون منطقيا صديقه. ما من لقاء بشري محتوم مهما تأججت العاطفة. انها تسقط عند نتوء الأنا. فاذا غاب وجه الله عنكما يذبل انت او هو او كلاكما وكأن شيئا من صفاء القربى لم يكن. في عالم القصة وضع فرنسوا مورياك كتابا عنونه «صحراء الحب».  اية كانت فلسفة المؤلف احتسب ان الصداقة الجامعة هي التي تلغي جفاف الوجود فاذا زرعت المحبة تتفجر من تحتها الجنات التي تروي كل العطشى.

#   #

#

انتقدني بعض الأصدقاء لأني تجرأت في «لو حكيت مسرى الطفولة» على قول ما مفاده ان الصداقة اصفى عاطفة او اجمل. قد لا اكون متمسكا بهذه الصياغة ولكني أردت انها العاطفة الوحيدة على مستوى الطبيعة التي لا تتضمن تبادلا لأن التبادل يسري من نفسه. فاذا علاك المحب تعلو وتعليه بدورك ولا تطلب شيئا خارج نطاق الصداقة من متاع هذه الدنيا.

اجل عندك مشاعر اخرى طبيعية ايضا كتلك التي تربط الرجل بالمرأة وقد تصل هذه الى التجرد الكبير والى الصفاء ولكن تضاف عليها مكونات اخرى كالمال والبيت وذوو القربى التي تهدد احيانا الصفاء الكامل. قلت احيانا لأني لا أشك في إمكان الإخلاص الكامل في الحياة الزوجية. جل ما اردته في موقفي القديم في «لو حكيت مسرى الطفولة» ان الصداقة في طبيعتها الحالية كالماء العذب الذي لا لوثة فيه وانها في أحايين كثيرة طريقنا الى الحياة الزوجية العظيمة. انت تأخذ رفقاءك امام وجه الله فيستضيئون به ويقتربون.

في طاعة الله لا تستطيع ان تحب الله كما احبك لأن قلبه اوسع من قلبك. ولكن على صورة حبه لك تقدر ان تحب الآخر لأن الرب يوسع قلبك في كل حين ويجعل قلبك مثل قلبه على قدر ما تستطيع البشرة ان تكون متقبلة.

اذا مات الأصدقاء تبقى متشبها بفضائلهم فتحيا. الذين في الفردوس ومن استبقوا على الأرض يظلّون واحدا لأن الوجوه تظل الى الوجوه اذ الرب هو الجامع. اخرجوا من الصحراء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

تسعون / السبت 14 تموز 2012

اليوم اذا قرأتم هذه السطور تجدون كاتبًا أوصله ربه الى باب التسعين ليشكر ويتعظ ويحاول الا ينأى عن وجه الله الذي يريد ان يكوّن له وجه بشر متقبل للحب الإلهي وغير مصالح لخطاياه. لماذا اكثر الخالق العطاء والمخلص انعطافه، هذا سر لا يكشفه لأحد. هذا متعلق بأبوته التي تنزل علينا نعمة تضعنا في يد الرب التي تحملنا بحنان عظيم وتحمينا هذه القبضة من كل شر، من كل عطب.

رافقتكم بضعة عقود من السنين في هذه الزاوية اكتب من حب في فرح وأبسط لكم تفكيرا نزل عليّ وأريد الا يختلط في أذهانكم بما هو من ضعفي. امنيتي الصادقة ان تنسكب النعمة نفسها في قلوبكم لا لتقرأوني ولكن لتقرأوها حتى لا انتصب بسبب من بشريتي حاجزا بينكم وبينها. «انا عبدك يا رب، عبدك انا وابن أمتك». ولئن شئت كلماتي ممسوحة بيسوع الناصري بلغني من اوساط كثيرة ان معظمها حرك قلوبكم أكنتم، على صعيد المذهب، له ام لم تكونوا. كنت احس اني معكم معية مؤلهة واحدة تجمعنا كلمة كانت تصدر احيانا عن بكاء ولكن دائما عن صدق احببت ان يسهم في شفائكم وفي شفائي.

نحن اذا في صباح كل سبت كنا نتقاسم فطور حب وإخلاص واحد لهذا الذي الذي حاولت ان ابلغكم رسالته أاخذت معقولي من كتابه ام من شوقي اليكم ولعل هذا واحد. سأبقى معكم ما دام هذا القلم وما دام هذا الجسد وما دمتم ترغبون في ان نلتقي صباح كل سبت وقلوبنا مطهرة.

هذه الرسائل لم تكن لو لم يرد غسان تويني ان تكون. في الكثير منها كنا نجيء معا من ينبوع واحد. كان يطيب لي ان اسكن في «النهار» حتى اطل عليكم وان صعب علي احيانا إنتاج هذه الأسطر.

لعلي لم اكن دائما على زخم روحها ولكني سعيت بتواضع ان أقول لكم الحق كما الترائيات التي اكرمني بها رسولا منه اليكم.

#  #

#

لم تكن كلماتي كلها حديثا في الله مباشرا. ولكني اعرف ان لله انتشارا في هذه الصياغة او تلك اذا قضى ان يلمس لساني لينطق به. فالله وحده المبدئ والمنهي وأردت ان أتلقاه هكذا وارجو الا يكون خذلني.

لما كنت اكتب اليكم أردت في الحقيقة ان أخاطبه لكي اتمكن في نهاية كل اسبوع ان آتي اليكم بما اوحى وان نطقت بغير ذلك اكون قد خنته عن عير عمد. «عبدك انا يا رب، عبدك انا وابن امتك».

الى حديثنا انا وانتم عنه كانت بعض الكلمات عن الوطن وعن المشرق. وما قصدت ان اكتب في السياسة مباشرة اذ بقيت مشيئتي ان اكتب عن الفكر الإلهي في السياسة علّ المستغرقين فيها ينظرون من خلالها الى وجه الله لأن «كل حديث بغير الله لغو». رجائي الا اكون قد خلطت بين الدنيا والآخرة. «وللآخرة خير لك من الأولى». كنت احيانا اسمع منه همسات يقول فيها ان السياسة ليست ميدانك. هي موضع من مواضع سيادتي اذا اراد اهلها سيادتي. اي شيء غير هذا باطل الأباطيل. ولكني لم استطع الا اشاهد من جرحتهم امور دنياهم والكلمة على قدر نفعها كانت تضمد لهم جراحهم.

كان غسان تويني المؤمن يعرف ان هذه المساهمات فيها شهادة للرب الذي كان يجمعني به. ولكن غسانا يقرأ الآن ما هو افصح وأبهى في ملكوت المحبة.

#   #

#

ماذا يبقى بعد هذا العمر الطويل؟ لا يحق لانسان ان يطرح عن نفسه هذا السؤال. السؤال الوحيد الذي يسوغ لكاتب يرى نفسه خادما ان يطرحه ليس سؤالا بالحقيقة ولكنه دعاء. ربي اعطني ان اطيعك بطاعة اكبر من تلك التي عشتها وباخلاص لك ليس فيه شرك. فلا يضاف الى وجودك وجود ولا الى فكرك فكر وادعو لكي تسكن وحدك القلب وان يكون هذا القلب مثل كنيسة كل جدارها الشرقي مزين بالأيقونات اي بحضرة قديسيك.

بعد هذا لا يهم ان اكون قادرا على إطلالة عليكم. متى ينكسر القلم؟ المهم ان تبقى فيكم صورة المخلص الذي رغب اليّ ان انقلها اليكم. ما يريده ربكم هو ان تتقبلوا دائما الكلمات التي صدرت عنه قديما وتصدر الى قلوب الكثيرين منكم. هكذا تطمئن روحي اليكم وهكذا تساكنون روح الرب الى ان يطل علينا جميعا فجر الحياة الملكوتية.

هذه السطور ليست وداعا ولا خوف فيها. انها التماس ادعيتكم لي حتى نبقى في هذه المعية المقدسة التي أرادتها جريدة «النهار» بيني وبينكم واعرف ان الرب لن يترك امة بلا شاهد له.

لا تتمسكوا في اية قراءة لكم وجدانية روحية كانت ام غير ذلك الا بما يريده الله لكم ولبلدنا حتى نظل دائما نستضيء بنور القيامة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الله معرفة / السبت 7 تموز 2012

هالني دائما ان أرى نصف البشرية أمية والربع شبه أمي، وقد ظهرت المعارف في كل أنواعها لنمو العقل، فالإنتاج لحياة كريمة خدمة للآخرين. حراثة الأرض بمعناها الشامل زراعة وصناعة يؤمنها العلم هذا اذا لم نذكر الفرح الذي ينعش قلب الإنسان ويقوي علاقاته بالآخرين.

بلا معرفة حقيقية تواجه بها عقول اقرانك يسود تصرفك الانفعال ويتحكم بك الغضب. لكن الثقافة هدؤك في المبدأ وطاقة معالجة لقضاياك وطريقك الى السلام. بركات الرب عليك أفعل إن استطعت أن تصبح سيد مسالكك. أجل عند بعض الأميين حكمة كبيرة. ولكن القاعدة أن تقتني بعض الحكمة بالمعرفة وتتلقى فضل الله عليك.

الى هذا هالني أنّ المتعلّمين الكبار أولاد الاغنياء في المرحلة الجامعية الخاصة لأن هذه المرحلة فيها إنفاق مالي. العلم العالي رديف اليسر وهذا فيه ظلم لمن لا يقدر أن ينفق عليه ابوه ما تتطلبه الجامعات او المعاهد العليا. وهذا امر لا يتعذر علاجه اذا رتبت الدولة ميزانيتها بحيث تربي المتفوقين على الأقل اذا لم تتمكن من تربية الجميع. كم حُرمت الأمة من مواهب الكثيرين من أبنائها وبناتها بسبب ربط الدراسة بالمال.

الدنيا ورشة تعليم دائم اذا شئنا للبلد الكبر ومساهمته في الحضارة العالمية. قال لي أحد كبار علمائنا القاطن الولايات المتحدة أن أكثر الاوائل في كل قطاعات التخصص لبنانيون. هؤلاء ما كانوا في حاجة الى الهجرة لو كان عندنا وسائل الرقي العلمي او التكنولوجيا فنصدرهما من هنا ويفيد كل مواطنينا من هذه المعارف العليا.

طبعًا هذا يقتضي أن تتوفر هذه الرؤية في طبقات اهل السياسة. هذا القول يذكّرني بما فعله الامبراطور بطرس الاكبر في روسيا لما قرر نقلها من بدائيتها الى أن تصبح دولة اوربية راقية. كان له أن يختار بين تأسيس الوف من المدارس الابتدائية وبعض المعاهد العليا، فآثر الخيار الثاني وأنشأ ما سماه الأكاديميات في كل نواحي المعرفة، وأدركت روسيا بسرعة المستوى الألماني بالمعرفة.

نحن قادرون أن نغرف من العلوم كلها وفي بعضها لسنا مقصّرين، ولكن لا بدّ من بلوغ كل المعارف الضرورية للانسان المعاصرين ولا بد من تعميمها على كل الموهوبين.

من المؤكد أنه لا يمكنك ان تصل بكل أحوال الوطن الى أعلى مستوى ممكن ولكن لا يجوز ان تبقى طبقات من الناس كثيرة كبير جهلها. انا أعرف أنّ ثمة فرحا لا يأتي من العلم وأنّ القداسة تنزل عليك من فوق ولكن العلم بمتناول يديك. يسهم كثيرا في إنعاشك الداخلي ولا يسوغ لك آن تبدد كل إمكانات نموّك الانساني بسبب من ضعف ميزانية الدولة. أجل هنا بحث سياسي في شأن الميزانية اذ لا بد أن تتكيف بالخيار الروحي الذي أمامنا وهو أنّ المعرفة أسبق من كل شيء.

#   #

#

ما هو أهم من علوم الدنيا هو علمك بالله وبشؤونه القائمة على المعرفة. أن تكون مألوها أي متلقيا ربك في قلبك يقتضي إلمامك بالنص الديني. أنا لست أنكر أنّ ربنا ينشىء لنفسه محبين وعالمين به دون أن يمسوا النصوص. ولكن لا شك عندي أنّ الإحاطة الطبيعية بما يجب آن يعرف عن الله يأتينا من الكتب المقدسة وما أوحت به لكتّاب لاحقين فسّروها أو بنوا لاهوتا عليها ولكن لا ريب عندي أيضا أنّ العارفين قلائل على اختلاف الأزمنة. فاذا كان قصد الوحي ان يعرف الناس مضمونه ليصلوا به الى ذوق الله بدراسة كلمته فالجهل رهيب.

أقتصر على تأمل الوضع المسيحي حتى لا أخطىء في التصور ولا أعلم من لهم معلمون. ففي الأسبوع الماضي كنت أقيم القداس الالهي في إحدى الكنائس ورأيت الى المؤمنين فوثقت أنّ عددا كبيرا منهم لم يقرأ العهد الجديد وذلك في سياق الموعظة اذ عدت بهم الى نصوص انجيلية لم يسمعوا بها. قلت لهم أنا لا أشك أنّ ذويكم اشتروا انجيلا لحق به الغبار فاذهبوا وامسحوا الغبار وافتحوا الكتاب تجدوا في البدء إنجيل متى فطالعوه كما هو منشور حتى تصلوا الى سفر الرؤيا فيعطيكم ما لا تعطيه الطقوس.

هذا النص يحرك القلوب وتحتاجون أنتم الى كل العوامل التي تلهب قلوبكم وتملأها ايمانا. فتشوا عن كل ما ينعش قلوبكم ويطهرها. القداس بني على كلمة الله ولكن كلمة الله هي حجر الأساس الذي لا يوضع أساس سواه. لقد تجلى الله بطرق مختلفة. لا حق لكم آن تنحصروا بطريق واحدة له. أنتم لا تقررون عنه. فإن شاء الكتاب فعليكم بالكتاب. وان شاء الانشاد فخذوا بالانشاد وان شاء الكنيسة فاجتمعوا فيها. غير هذا التفكير استسلام للهوى، للأذواق العابرة. واعلموا ان الله لا يُدرك الا بجهد عظيم وان معرفته ليست سهلة. اذا كنت مؤمنا فاعلم ان الإيمان التبليغ وليس فقط التبلغ الذي وصل اليك: «ليكن كلامكم بنعمة مصلحا بملح لتعلموا كيف يجب ان تجاوبوا كل واحد» (كولوسي 4: 6).

هذا كلام مرسل الى كل المؤمنين وليس فقط الى الكهنة. فإن كانوا أرباب التعليم فليس محصورا فيهم. كل منكم حامل كلمة الله ويجب اذًا إطلاقها حتى لا تبقى سجينة الكتب.

صح ان الله محبة ولكنه ايضا معرفة والدليل انه عرّف عن نفسه بكلمات. اذا ساغ لي تعبير تصويري عن الله أقول على كل منا ان يتساءل: «اي مقدار معرفي عن الله عندي». هل هو المقدار الذي اراده للإنسانية ام هو يرتضي ان يلملم الجهلة والعالمين. هل هم جميعا يرونه بالكثافة نفسها. قد يحبه الأمي اكثر من العارف بكلماته. ولكن هذا ليس شأني. أنا شأني ان أقول لربي: «بنعمتك انا تبلغت وان زدتني علما أبلغ حتى لا تبقى كلمتك مرمية في صحراء»؟

«انت ليس همك الكتب المطبوعة. انت جئت لتسكن القلوب بالكلمات التي تفوهت بها بالأنبياء ورسل ابنك الوحيد. وتريد كلماتك ان تعود اليك محملة برجاء البشر الذين أخصبوا النعمة التي أنزلت عليهم لكي يحسوا انهم أخذوا يتسلقون سلم الوصول اليك وعرفوا ان لك الحمد فيهم. السبب الوحيد الذي جعلك ترزقهم اولادهم هو ان يعرفك هؤلاء الاولاد ويدشنوا الملكوت من هنا».

Continue reading