Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2012, جريدة النهار, مقالات

البغض / السبت 17 تشرين الثاني 2012

«انهم أبغضوني بلا سبب» (مزمور 29: 15) وفي ترجمة حديثة «بحماسة يبغضونني». هل كان صاحب لسان العرب واعيا وعيا عميقا لما عرّفه على انه نقيض الحب. أليس هو أسوأ من ذلك بكثير؟ فإن للحب مراتب او كثافات. اما البغض فهو العداء بالذات بحيث لا تبقى عند المبغض ذرّة واحدة من المحبة.

انه بدءًا، فصل الآخر عن نفسك وعيشك موته فيك ولو كنت لا تريد إماتته الجسديّة خوفا من عواقبها في دنيا الجزاء او لكونك لم توهب شجاعة الإبادة للآخر. ولكن شهوة القتل قائمة فيك. ليس هناك نصف بغض او ربع بغض. هناك ذوق قتل انت خائف من اتمامه. الذات فيك اعني أعمق كيانك نافرة من ذاته ولا تلتقيان في الخيال لأنك في خياله غير موجود. المقولة الداخلية فيك هي محو الآخر.

هناك نفوس مبغضة. لا تتأثر بالمحبة المسكوبة عليها. هناك مطويون على الكراهية ونفوس منفتحة على الحب. هذا سر الإثم كما يقول بولس ولا نعرف كيف انغلق ناس على عتمات نفوسهم ولماذا رحّبوا بالظلام. نلاحظ احيانا ان بعضا تأذّوا من كلام او معاملة ولم يقدروا على تحمّلها. كأن الآخر قتلهم او قرأوا معاملته قتلا فوضعوا في وجوده سلبية رهيبة فهموها انها تلغيهم.

في هذه الحال سبب ولكن المسبب ضخم جدا لا يفهم بخلل نفساني على ما أرى ولكنه يفهم بأهواء كثيرة معششة انفجرت بلا معادلة بين من آذى ومن تأذّى، هناك خروج عن العقل الطبيعي او المألوف للدخول في عواصف لا نفهمها بالتحليل بحيث لا نستطيع ان نلمس صلة بين الضربة التي حدثت وردّة الفعل عليها. عند غياب الصلة بين ما قام به المعتدي وما قام المعتدى عليه لكوننا قد خرجنا عن المألوف من المعقول ودخلنا في عالم الجنون.

نحن في انعدام المحاكمة، في غياب العقل، في الانفعال الكامل، ولذا قال الكتاب: «انهم أبغضوني بلا سبب» وتضخم السبب الى حجم يزيد كثيرا عن سبب انفعالي حتى صحّ قول المزامير «انهم ابغضوني بلا سبب».

#   #   #

ما المسيرة التي توصل الى البغض؟ في هذا يسعفني القديس دوروثيوس الغزاوي وكان ناسكا من غزة في القرن السادس للميلاد. هذا يقول: الضغينة شيء والبغض شيئ آخر ثم السخط واخيرا الكدر. نساكنا كانوا يعرفون الخطيئة في جزئياتها. جاؤوا الى ما يشبه علم النفس من علمهم بالخطيئة.

في العهد القديم الغضب والبغض متلاقيان او متلازمان وكأن الغضب تعبير خارجي للبغض. الغضب يشبه بالنار. يحرق صاحبه وقد يحرق من انصبّ عليه. هناك ايضا حديث عن غضب الله وهذا من باب التشبيه. على هذا هناك رجاء على ان يعبّر الغضب. ما من شك عند الأبرار ان ثمّة إمكانا للتحرّر من الشهوات والبغض في قراءتي شهوة رهيبة لا تضربها الا عاصفة من المحبة تنزل برضاء الرب فقط لأن القلب على طبيعته يقصفه البغض قصفًا شديدا.

كثيرا ما وقع علينا بغض المبغضين من حسدهم بلا كلمة جارحة. فهناك من لا يريدك موهوبا او ناجحا او جميلا او فصيحا او طاهرا او متقدسا. لذلك يصبّ عليك كل المساوئ بعد ان يخترعها اختراعا ليقتلك ادبيا. وكثيرا ما استعمل النميمة لكي يلطّخ سمعتك فيجعلك سارقًا وناهبا او كذوبا ولا تعجب ان قال هذا ولم يكن فيك شيء منه. هناك ناس عندهم رغبة التحطيم وقد لا تنتشر الكذبة انتشارا رهيبا. من يرد الكذب والناس بسطاء او أغبياء وتلصق بك التهمة عشرات من السنين ولا يقطعها احد.

كثرة من الصادقين لا يصدقهم احد لأن الآهون ان يصدّق الكاذبون. احيانا كثيرة انت ذبيح الى الأبد ويراك الله وحده وهو وحده يزكيك، وقد لا يعرف هذا ابدا في هذه الحياة الدنيا. ويجب ان تكون مكتفيا بتزكية الله حتى لا تحزن فتبكي وحدك والرب وحده يمسح كل دمعة عن عينيك.

#   #   #

انت تحمل مبغضك بقوتك الوحيدة التي هي الغفران. لا شيء يؤكّد ان الغفران يشفي العدو ولكن لا حيلة لك فقد كتب: «احبّوا أعداءكم. باركوا لاعينيكم. أحسنوا الى مبغضيكم… لأنكم ان احببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم» (متى 5: 44-46).

رجاؤنا شفاء المبغضين حتى يستقيم العالم. «العالم واقع كلّه تحت الشرور» (1يوحنا 5: 19). هذا لا يقودنا الى اليأس ولكن قد يقودنا الى ألم شديد اذا كنا نحب خلاص الناس.

خلاص العالم سعي من المتقدسين وصلاة لهم لا تنقطع. المحبة في الأخير تنتصر ولكن قد لا نعرف في حياتنا نصرها. الرجاء هو ايضا سعي. ونحن مخلّصون على الرجاء.

لا ينبغي ان تذهب نفوسنا ضدّ الخطأة. لا نكرههم. نكره خطاياهم. ولا نبغض المبغضين. لا نيأس من توبتهم واذا عادوا الى ربّهم لا شيء يفرحنا مثل توبتهم لأنها وحدها تنقذ نفوسهم من شرورها. متى يصبح المبغض قياميا؟

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الجمال / السبت 10 تشرين الثاني 2012

الجمال قائم بذاته وانت تحس به موضوعا خارجا عن عينيك او أذنيك فتلتقطه. يصبح فيك بعد ان كان موضوعا في الكون. لماذا يصبح لك ثم فيك ولا يدركه آخر؟ واذا لم يدركه آخر وكان هذا فيك ممكنا معنى هذا انه كان بينك وبين الموضوع افتراق. لماذا شيء فيك أحدث هذا الافتراق؟ أادراك الجمال محتوم عليك ان كنت سويا واذا اختلفت مع القادرين على تأمّله فبمَ تفسّر هذا الاختلاف؟

اذا اخذت رائعة ليوناردو دافنتشي الجوكوندا يتفق الناس كلّهم على جمالها. قد لا يرون جميعا انها الأجود في مصنوعاته ولكن لم أقرأ أن احدًا رفض اعتبارها تحفة من تحف الدهر. فيها اذًا سطوع يفرض نفسه عليك الا اذا كنت اميا في مجال الفن. بهاؤها يفرض نفسه لأنه قائم فيها ولا مجال للتأويل او التفسير ولا سيما انها ثابتة او غير متحركة بمعنى انها هي التي تأتي اليك وانت تتلقاها وليس لك في ذلك تحيّر او تردد.

هذا يعني ان للجمال الكلاسيكي قواعد استنبطها علماء الجماليات لكونهم شاهدوها في الموضوع الذي تأمّلوه وتحرّكهم العاطفي او الانفعالي بالموضوع كان قليلا وتمسكوا بالأسس التي اتفق عليها اهل الفن او اهل تفسير الفن هذا اذا تبنينا قول ارسطو ان الفن يقلد الطبيعة.

من هذا المنظار اظنّ انه يصح اعتبار ان مثقفي الفن الكلاسيكي والجاهلين به ليسوا بعيدين بعضهم عن بعض في تقديرهم. انهم يقيسون العمل الفني بالطبيعة التي يعرفون وقبولهم بالطابع الجمالي للمنتج يفرض نفسه عليهم. اجل إحساس العارفين أقوى من إحساس غير المتدربين على الرسم وهذا ما يوحي لهم تفسيرا غير وارد عند العامة. هناك درجات من القبول او تفاوت في كثافة الحس ولكن الفنّ الكلاسيكي يفرض نفسه كالطبيعة التي جاء منها.

اما الفن المعاصر لكونه مفلسفا منذ الانطباعيين فليس امامه الناس واحدا. ذلك ان الناس مختلفو الفلسفة وتاليا مختلفو الأذواق. الفن المعاصر وراءه كلام او يترجم كلاما او خيارا فلسفيا.

هذا لا يمنع المختارين ان يخترقوه لاقتناعهم بالفكر الذي جاء به او لقدرتهم على تحسس الطاقات عند الفنان المعاصر او تحسس نفسه الذي يقول هو انها تمخضت بالمنتج الفني، اذا استطعت انت ان تصل الى ما كان في نفس المبدعين اذا ابدعوا يقال انك التقطت الرسالة. هذا لا يعني انك فهمت. فالفن الحديث يستغني عن الإدراك العقلي. يجب ان يدخل الفن اليك دخولا فيه من التلمّس الداخلي، الوجداني ما لا يفرض تماسا عقلانيا.

#   #   #

مناصرو الفن الحديث وذائقوه لا يرون ضرورة ان يتصور بعض الجمال بالعقل او ان يعبر به. لا يقلقهم ان يرسموا قامة بلا رأس. يريدون ان ترى قامة ما التي نعرفها بعيوننا. يريدون ان ينقلوا احساسهم اليك كما تكون في نفوسهم بحيث تتحسس القطعة الفنية كما تستطيع وتخرجها لوحة كما تعرف بلا قاعدة فتأتي القطعة من تحسس غامض عند صانع الشيء فينتقل منه اليك ما ينتقل وليس همّ الفنان ان تكون متفقًا معه بما يمكن تفسيره وهو لا يناقشك بما تحس ولكنه يريدك ان تقبل.

الفن لم يبقَ لغة متفقا على مكوناتها، لغة قابلة للتفسير. المتأمّل فيه يعترف لك انه اقتبل شيئا او لم يتقبل. بعض من الناس مَن يرى ان هذا الفنّ لغة تواصل. هل من تواصل بالإحساس فقط بلا واسطة العقل اي خارجا عن الوضوح؟ يبقى انسجام الألوان الذي هو نوع من الموسيقى ولكن لا موضوع.

المدى الجمالي عند المعاصرين خارج عن المدى الفكري اي عن الكل الانساني المتماسك. قد لا يحس الانسان الحالي بضرورة الترابط بين العقل والشعور ويقبل ان يعيش بتفاعلات عاطفية او غريزيّة لا يشرف عليها الوجدان البشري المطهر.

#   #   #

لقد أخذنا عن افلاطون ان الكيان البشري كما كيان المدينة قائم على الجمال والخير والحق وهذا ثالوث غير قابل للتجزئة. فانهزام العقل امام الجمال هو انهزام الخير الذي ينقينا وانهزام الحق الذي لولاه لما قامت انسانيتنا اذ نكون قد اصبحنا عواصف داخلية تجعلنا في تخبّط داخلي غير قابل للتهدئة.

الجمال مرتبط بالأحاسيس مصدرا وتلقيا، هذا اذا أردنا الا نتحدث عن الجمال الروحي الذي هو في مدى القداسة. هذا يجعل التقاطنا للجمال معرضا للهشاشة او مختلطا بأهوائنا. الجمال عند وصوله الينا بالفهم والحس في حاجة دائما الى تنقية في وجداناتنا حتى لا يخامره عنصر ضدّ الخير او ضدّ الحق. وهذا طبعا دقيق جدا.

بكلام آخر اذا سعينا الى قبول الجمال فينا علينا ان نسعى معه الى دعوة الخير والحق الى قلوبنا فاذا انقسم الثالوث الذي اشرنا اليه وتبعثر الجمال والخير والحق نصبح على غير هدى. بلا التناسق الوجداني بين هذه العناصر الثلاثة يفنى التوازن البشري فينا ونقع في هذه المغالطة الرهيبة القائلة بإمكان فصل الجمال عن الخير والحق.

عبادة الجمال بدعة رهيبة اذا استقل عمّا يلازمه في الوجدان النقي اعني اللصوق بالخير والحقيقة. دون هاتين القوتين فينا يصبح الجمال إبادة للنفس فتصير هذه مقبرة للجمال نفسه.

القيامة من موت النفس هي في الجمع بين الوحدة بين الجمال والحقيقة والخير، هذا هو الثالوث الذي رآه الإغريق قبل ان يسكن الإنجيل قلوب البشر.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

المجانية / السبت 3 تشرين الثاني 2012

«مجانا أخذتم مجانا أعطوا» (متى 10: 8). اذا ارادكم ربكم ان تحبوه فهذه المحبة تتربون بها وتنعمون بها ولا يكسب الله منكم شيئا. هو يبادر بمحبتكم لتفيدوا انتم من استمرارها فيكم، لتصبحوا حبا اي قادرين ابدا على تلقي عطفه فإن حنانه كل شيء. انتم لكم صورة اذا سكن فيكم من حيث انه هو الذي يشكل كلا منكم بشرا سويا.

والرب يعرفكم ابناء له وهو اوجدكم بهذه الصفة وستبقون ابناء لأن ابوته باقية الى الأبد ولا يريد منكم الا ان تحبوا بعضكم بعضا لتنوجدوا بهذا الرباط ويراكم عقدا واحدا آتين من رضائه.

هكذا يعامل الخالق كل مخلوقاته بدءًا من الانسان. يعطي بلا حساب ولا يقدر الانسان ان يرد له شيئا سوى طاعته وتعود على الانسان نفعا له. »بماذا اكافئ الرب عن كل ما اعطاني؟« سؤال طرحه الانسان على نفسه بعد ان عامله الرب برأفاته. ولما أدرك الإنسان بعد السؤال انه لا يستطيع ان يعطي ربه شيئا قال: »كأس الخلاص أقبل وباسم الرب أدعو«. وكأس الخلاص من الرب الى الرب. والدعاء من قلب الإنسان الساكن الله فيه اي ان الرب يخاطب نفسه اذا دعاه الانسان.

واذا قال الكتاب: «الروح يشفع فينا بأنات لا توصف» (رومية 8: 26) معنى ذلك انك اذا خاطبت الروح القدس بصلاتك فإنما هو يخاطب نفسه. بتعبير آخر هو الذي يصلّي فيك ويأخذ ناسوتك الى لاهوته حتى لا يعلق في ناسوتيتك شيء من الفساد. بكلام آخر الرب يعيرك نفسه لتعود نفسك بك اليه فيستريح اليك وتقر فيه. انت لك ان تكون تاجرا في التقوى وهذا ما يقوله الكتاب ولكن الله ليس بتاجر. هو لا يبادلك بشيء. انه يبادلك نفسه. انت لا تسترضي الله بشيء. انك تسترضيه فقط بالايمان اي ترد له ما اعطاك ثم يكرر عطاءه كل يوم وانت تذوقه جديدا لأن ربك دائما جديد بالينبوع الذي فيه وانت، على قدر نعمته، تحس انك أمسيت كائنا جديدا كأنك مخلوق عند فجر كل يوم ، كأنك ترى ربّك محييك صباح مساء لأنه لا يريدك على حس العتاقة ولا يرضاك قابعا في الموت الروحي فيبعثك حيا وكأنك لم تمت في خطيئة فإنه ينساها ولا يسجلها في ذاكرته التي لا تحفظ الا عودتك اليه.

#   #

#

ويريدك ان تبذل نفسك للناس غير طالب منّة ولا شكورا حتى لا تكون تاجرا ان عاملتهم. فاذا كنت فقيرا الى الله فلست فقيرًا الى أحد واذا أعطاك احد شيئا فيكون معطيا مما وهبه الله. لك ان تشكر لكل مخلوق ما أعطاك. ولكن ان شكرته فليس لتعرف نفسك مدينا ولكن ليعرف هو انه مدين للرب. لا تنسَ ان تعيد الناس الى الرب. لا يسوغ ان يحسوا بفضل عليك. هذه تجارة. المهم ان يؤمنوا انهم بنعمة الله أحبوك وخدموك. فاذا عرفوا انهم أحبّة الله يكونون اذا اعطوك عائدين الى ربّهم.

نحن عند وصيته ان احببنا بعضنا بعضا وهذا يربينا. ولكن من نحب اذا احببنا؟ في الحقيقة نريد ان يصبح الآخر إلهيا. اجل نحن نؤلف مجتمعا من الذين يحبون الله. الله يمتد او ينتشر اذا صحت الصورة بمعنى انه يضع حضرته فيّ ويضعها فيك. انه لا ينتقل. انه يسكن حيث يرحب به. هو لا يقتحم، لا يغتصب. هو يتأنسن فيك ويتأنسن بمن اختار. هو خفي فيك ويجعلك تتكلم باسمه. ولكن حذار ان تنسى انك تستعير كلامه الذي يصير كلامك بمعنى واحد وهو ان تطيع. سلوكك البهي هو كلمته. والكلمات التي وضعها ما قامت في كتابه فقط لتقرأها ولكن لتصيرها. هو سيرى في اليوم الأخير اذا صرتها وان لم تفعل تكون بقيت أميا بالمعنى الروحي.

انه يريدنا ان نصير بالمحبة كلمة واحدة وان بدونا بسبب من رؤيتنا اجسادا مختلفة. واذا قلنا اننا أضحينا كلمة واحدة فلنعني اننا بتنا حياة واحدة في سر المشاركة التي تجعل المؤمنين واحدا. هذه الوحدة اذا قامت بيننا ينكشف الله واحدا لنا وانكشافه كذلك يجعلنا انسانية واحدة قائمة بحبه هذا الباذل لنا حبيبه الوحيد.

في هذه الرؤية يصبح العشق الإلهي فينا كيانا اي انه ينزل علينا من هذا الذي احبّنا اولا وجعلنا له. واذا استأثر بنا فلمنفعتنا نحن، لنموّنا به، لسيرنا اليه والأولى ان نقول سيرنا فيه.

نحن لا نصير فقط بنعمته ولكننا نصيرها. احد كبارنا قال اننا نكون بحبه بلا بدء. هذا طبعا سرّ لا كنه له عقليا ولكنك بمحبوبيّتك تدرك كل شيء وتفهم ان النعمة مبثوثة فيك ان انت أطعت حتى ينتهي عقلك كله الى قلبك.

#   #

#

هذه كانت غاية الخلق واذا كان الله لا يحتاج الى خلق العالم والإنسان يكون قد برأك ليفيض حبّه عليك، لتصير كائن حب على صورته وحسب مثاله.

هل بعد هذا لك ان تتصور مجتمع حب؟ طبعا كان هذا هو مبتغاه في الخلق. انت ليس لك مبتغى آخر اذ ليس لك غذاء آخر او صورة بقاء وليس لك مع الآخرين صلة. الصلة انت تقيمها مع الآخرين بقوّة العطاء الذي فيك.

هذا مجتمع القديسين الذين اختطف بعضهم اليه والذين يقيم بعضهم على الأرض في ملكوته. ان الذين اخذهم اليه بعد ان ادركوا هذه الصورة والذين استبقاهم على هذه الأرض بعد ان نحتهم بالنعمة هم الأبناء الذين يؤثرهم والذين لم يدركوا جمال هذه الصورة يرحمهم حتى يفهموا ويصيروا. يصيرون اذا فهموا انه اعطاهم كل جمال فيهم مجانا فيشكرون وهو بأمانته الى نفسه يغدق دوما عليهم العطاء ليحسوا انهم اخذوا مجانا فتعلو قاماتهم اليه حتى يلامسوا عرشه ويظلوا هناك.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

القتل / السبت 27 تشرين الأول 2012

أول خطيئة ارتكبها الإنسان حسب السرد التوراتي انه عصى أمر الله بأكله من شجرة في الفردوس منع من أكل ثمارها. بعد هذا اختبأ من وجه الرب اذ فرّق العصيان بينه وبين إلهه وترسخ في استكباره وصار واحدا مع تراب الأرض. والاستكبار ابادة الإنسان لصورة ربّه فيه.

والخطيئة الثانية قتل قايين لأخيه هابيل. أليس كل قتيل أخا للقاتل. ولما عاتب الرب قايين قائلاً: «أين هابيل أخوك» قال «لا أعلم. أحارس أنا لأخي». تحجب الأخوّة عن القلب المبيد. يبدأ الانفصال أي التشتت عن الآخر. الوحدة كانت في الحياة. انها نازلة على الناس واحدة وتزرع فيهم سر وحدتهم.

أنت لا ترزق الآخر حياة. تلحظها فيه وتدرك ان سرها الأساسي في انها معطاة أي انك تلقيتها من واحد وهو الله الذي فوّض رجلا وامرأة بمدك بها إلى ان تعود إليه وقت تحدد حكمته ذلك. الحياة في الجنس البشري تنتقل انتقالا منذ مئة وخمسين ومليون سنة ليستمر تمجيد الله بنا فاذا اوقفتها عمدا في اخيك البريء تكون قد تنكرت لهذا التمجيد وأقمت نفسك إلها كما فعل آدم.

ثم جاءت الوصية: «لا تقتل» (خروج 20: 13). الحديث عن القتلى في العهد القديم طويل. غير ان الكتاب الإلهي لا يفلسف التمنع عن ابادة الآخر. هذا امر إلهي تحيا أنت به ويحيا به المؤمنون. في هذا الأمر لا يجدد العهد الجديد شيئا أو يأتي بتفسير اذ لا يزول حرف واحد من الناموس (متى 5: 18). غير ان السيد يذهب إلى ما هو أعمق من الوصية القديمة فيمنع الغضب الذي يأتي بها ويمنع الخصومة. إماتة الآخر تبدأ هنا.

وفي الإسلام «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (سورة المائدة، 22). كذلك يمنع القرآن الانتقام بقوله: «لئن بسطت اليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديّ اليك لأقتلك اني أخاف الله ربّ العالمين» (المائدة، 28).

#   #

#

بالمعنى نفسه: «لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق» (الأنعام، 151). كثيرا ما أتى القتل من الخوف، من الظن ان الآخر يحرض نفسه على قتلي. ألغيه قبل ان يلغيني. وفي هذا انا محتاج ان أنأى بنفسي عن الله لأتمكّن من تقرير ذبح الآخر. في حالة الفتنة كل امرئ عثرة لي. أنا سلطتي وهذه تأمر لتنبسط. وفي آخر تحليل مدى الدنيا لي. ومن لا استسيغه يعرقل بسط نفوذي على دنياي. ومن اريد اقتحامه يلغيني حتى لو لم يكن متعمدا أذاي. انا لا اشك في انه يريدني ان اموت. فلئلا يكون هذا يجب ان يموت هو.

لا يكون هذا اذا زال خوفي اما بقراءة لي جديدة لواقعي بحيث افهم بالتحليل ان خشيتي الآخر عنصر من عناصر قوته فإقدامه على القتل. والموقف الأعلى والأفعل ايماني بغلبة ايماني وقوة علوية تنزل عليّ وتمدّني بصمود امام الخطر فيحصل ما يحصل وأنا امجد الله في حياتي ومماتي. اكون في هذا قد بذلت نفسي لله الذي يرعاني في محياي ومماتي ويجعلني في اية حالة من الحياة في نصرة منه.

ان رؤيتك للحياة وإزالتها مرتبطة بإيمانك أو عدم ايمانك. أمام هذه المشكلة الكبيرة في بلدنا لا يبدو منذ اربعين سنة اننا على دين قوي فعففنا عن القتل أو اننا على دين ضعيف فقتلنا. يهون علينا ان نقول قاتلنا من أجل قضية. من قاتل لا يحمل الثأر ولا الكراهية أو بغض الذين انتموا إلى عقيدة دينية اخرى. والواقع اننا كنا نختبئ وراء ما نسميه ديننا لأننا نقتل خائفين من ذواتنا أولا ومما يبدو ضعفنا ثم خائفين من الآخرين معتقدين اننا محاربون ولسنا قتلة. مرة في الحرب بسبب خطأ مطبعي اتهمني احدهم اني اتهم ابناء طائفته انهم قتلوا ويبدو اني كتبتها مع اني كنت أود ان أقول انهم قاتلوا.

أنا غير مؤهّل جنائيا أو موضوعيا ان أدلّ على القتلة أو القاتلين وان افرّق بينهم. الفرد الذي عاش بعد الحرب وحمل السلاح يفحص قلبه أو ضميره ويعترف لنفسه عما اذا قتل أو قاتل. ولكني استقبلت مرة محاربا اعترف لي انه كان قاتلا وقرأت صفحات بالفرنسية كتبتها امرأتان اعترفتا بأن هذه الحرب كانت باطلة من البدء إلى النهاية. أنا هنا اشهد أو ابلغ ما سمعت.

ان السهولة الكبيرة في القتل في هذا البلد تدلّ على انّ الذين ارتكبوه وهم كثر لا يؤمنون حقا بالله أو لا يدخلونه في مجال الحياة والموت. قال لي طبيب كبير في الأمراض العقلية ان لبنان عنده اعظم نسبة من الجنون في العالم ولما سألته عن السبب قال ان كل من خرج من المصح يجب ان يكون عنده في الحي أو القرية مصح للأمراض العقلية لئلا ينتكس.

غير ان عددا منا قليلا دخل مصحا للأمراض العقلية. لماذا اذًا عندنا هذه النسبة الفظيعة؟ هل لأن ثمّة عوامل تصادم بيننا كامنة في تشكيلتنا المجتمعيّة؟ هل ان بغض الطوائف الأخرى ليس بغضا بالحقيقة بل خوف؟ هل الآخر من حيث هو مختلف مخيف؟

لعلّ السوال الأصعب هو هل نحن مؤمنون بالله معينا وحاضنا أو أبا أم اننا ننتمي بحسب قوانين الدولة إلى أديان لا يعنينا منها وجود إله حي يحيينا في نفوسنا ويدفعنا إلى السلام.

لماذا يقتني اللبناني سلاحا في بيته؟ هل لأنه يخشى الاعتداء أم يتوقع الاعتداء وعند ذاك هو خائف. ماذا يعمل الواعظ وهمّه الأول خلاص النفوس؟ هل معلّمو مادة الديانة في المدارس ينشئون شبابا شجاعا أم ينشئون مؤمنين بإله يزجّ الخطأة في جهنّم وهم تاليا يربونهم على الخوف.

ماذا يعني الايمان ان لم يعنِ الاطمئنان إلى الرب وإلى سلامه. حسرتنا ان يذهب الناس ضحايا قاتلين كانوا أم مقتولين. هل الأهميّة للاحتجاج أم للتوبة؟

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

حتى يوجع العطاء (الأم تريزا) / السبت 6 تشرين الأول 2012

أن يأخذ الطفل الجديد ما يُعطى من طعام، ان يبتلع كل ما يستطيع فمه ابتلاعه، أن يلتهم كل شيء، هذا هو المنهج العادي في حياتنا اليومية. الأنا هي ما نريدها مركزا للوجود. ما آكله يصير جسدي. ما أتعلمه يصبح عقلي أنا.

لست أريد بهذا ان الإنسان اناني كله او انه مركز ذاته وليس فيه حركة الى الآخرين او لا يرى نفسه منوجدا في الآخرين وبهم. الإنسان ايضا عطاء وهذا يعني ان فيه قوّة الإنعطاف.

ولست هنا بصدد التحديد لمصدر العطاء عنده. نحن نقول ان هذا يأتي من الرب الساكن فيه او ان هذا نعمة مجانية من فوق وان ليس للإنسان فضل في حسناته ليس بمعنى انه لا يجاهد ليكسب المحبة ولكن بمعنى انها، اساسا وانطلاقا، نازلة عليه »فبالنعمة انتم مخلصون«. الخير الله مصدره اولا لأنه هو المبادر وهو المحب ونحن ما استطعنا ان نحب الا بعد ان عرفنا انه هو الذي يحبنا وفهمنا اننا قادرون على أن ننشئ الآخرين بالمحبة لإحساسنا باننا محبوبون.

نحن لا نخلق الخير فينا. نؤتاه. اجل، نكافح انانيتنا لاستلامه. نستجيب للإلهام الإلهي فينا. استودع الإنسان حب الآخر. ومن الناس من استجاب بقوة وبنيت نفسه بهذه الإستجابة. فمنا من يستجيب بنفس يسوقها الله اليه بسرعة ومنا من يتعب كثيرا ليطوع نفسه لربّه. هذا تلاقٍ بيننا وبين الإله الحبيب وهو يعرف سر ذاته فترى نفسك منسابا اليه او ترى نفسك مجرورا اليه بدفع منه كأنك غير مشتاق اليه.

هناك من يعشق الخطيئة عشقا صارما كأنّه يبيت فيها ويتآلفان كأنها خلقت معه وتحن اليه كما يحن اليها وهناك من لا يود هذه الإلفة ولا يسعى اليها ولا يريحه الا صدمها لأن قلبه غدا مقر الرب او عرشه. يحس بعض الناس انهم خلقوا على الفضيلة وكأنهم لا يجاهدون لكسبها وتشعر انت ان سواهم جبلوا بالرذائل جبلة رهيبة وان ربك فقط قادر ان يزرع فيهم حضورا له يأنسون اليه قليلا او لا يأنسون ولكنهم تذكروا كلامه الذي يرن احيانا في مسامع قلوبهم ويوقظهم ايقاظا شديدا فتنسلخ هذه القلوب عن الإغراء لأن النعمة أمست أقدر فيهم من معاصيهم.

#   #

#

واذا لامستك النعمة او استقرّت فيك فأغرتك وصرت لها عاشقا فلا يجذبك شيء آخر ويشدّك الرب الى لذائذه فتألف الألوهة فيك اذ تصبح منك او تصبح منها واذا بك انسانًا نزل من فوق.

«في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي… وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي. فما جاوزتهم الا قليلا حتى وجدت فأمسكته ولم أرخه» (نشيد الانشاد 1: 3-4).

ما في البال من الايمان يقود الى المحبة اي الى طاعة الرب. ولكنك انت تتقبل الايمان بالنعمة التي تنزل عليك فتدفعك الى ان تحب الله. انا لست أنكر أن محبتك له تترجم نفسها بحفظك وصاياه ولكن ان تعرف نفسك حبيبه هو الدافع الكبير الى طاعته.

ان تعرف نفسك حبيا هو ان تعرف انك استلمت كل قوة الله على بذل نفسه. «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل نفسه» (يوحنا 3: 16). الله معطى وليس فقط معطيا. هو على يديك او تسلل الى قلبك. ماذا يعني يسوع بقوله: «ان أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه ابي واليه نأتي ونجعل فيه منزلا» (يوحنا 14: 25). اذا آمنّا بكلام يسوع هذا نفهم ان الله ليس فقط فوقنا او علينا ولكنه فينا. في هذا تكمن قدرة المسيحيين على تجاوز انفسهم الى الألوهة وان يكونوا في دوام الصعود. هذا صعب وقليل ولكن فيه وعدا ونحن امام هذا النداء حتى نصير منه.

#   #

#

بنعمة هذه الحقيقة نصبح قادرين على العطاء في هذه الدنيا اي ان نصير في الآخرين بالحب او ان نصير الآخرين. فاذا لم تذهب الى الآخر لتتساكنا او لتكون اياه لا تكون قد استقللت عن ذاتك. «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (متى 16: 24). تنسلخ اذًا عن الأنا المنطوية والطاوية لتدخل اليك ذات المسيح. في أدنى الايمان تصبح معه بمعنى انك لا تريد ان تعرف ما هو لك وما هو له او توقن انك لست بشيء وانك تصير اليه فمنه ولا ترى هوة بينكما الا لإيمانك بأن كلّ ما فيك من بهاء يأتي من رحمته. فاذا آمنت بأنك أخذت منه كلّ نعمة تصير قادرا على العطاء اي معبرا للنعمة. ما هو من بشريّتك البحتة ليس فيه شيء ليعطى. انت معطٍ ما أخذت والآخر يستلم ما انسكب عليك من فوق.

ان بشريّتك بحدّ نفسها تفهة. انت يؤلّهك ايمانك اي يصبّ فيك كل قدرة الله. انت توزّع هذه القدرة وتعرف ان ما يطلبه ربك منك ان تنسى بشريتك المخلوقة او تتجاوزها لتعطي ما نزل عليك من الخالق اذ يبغي الله منك ان توزعه على أقرانك فانه ملكه وانت تعرف ان الناس يتلقونه بانعطافك عليهم ومشاركتهم هذا الكنز الذي انت مؤتمن عليه.

قد يوجعك ان يطلب الله اليك كل لحظة ان تعطي ذاتك فقد يوسوس لك الشيطان انك لست مسؤولا عن الناس بهذا القدر الذي عرفته من كتبنا المقدسة. رغبة الانطواء تقرع على باب القلب احيانا. انها من الكبرياء. ولكن اذكر ان كل جمال فيك يأتيك من العلي وانك لا تملكه الا بوصفك أمينا له. انت في دوام الانسكاب حتى تنوجد بالرؤية التي يراك الله فيها. واذا شاهدت الناس يلتمعون بالنعمة تحس ان ربك وحده أعطى وهو وحده يختار ان يوزع حتى يصبح الآخرون امة الله في الكون اي الذين يحملون حضرته.

هذه هي السماء قبل ان يصعدنا الله من القبور.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

ما الدينونة؟ / السبت 20 تشرين الأول 2012

لما كنت أتتلمذ في فتوتي على رهبان فرنسيين كان يقال لنا ان ثمّة دينونة خاصة عند الموت ودينونة عامة في اليوم الأخير. في هذا الزمن المبكر كنت أواصل التعليم الأرثوذكسي وما عثرت على هذه الثنائية فيه وكنت أقول لنفسي حسبي الدينونة العامة ورهبتها.

بعد هذا فهمت ان الكنيسة الشرقية تقول انك بعد الموت تدرك وضعك امام الله وانك في انتظار المكافأة ان لم تكن مثقلا بالمعاصي وان هذا بدء فرح وان لم يكن الغبطة الكاملة. والى هذا انت في انتظار القصاص الأخير ان كنت تحمل خطايا كثيرة فهذا بعض من عقاب.

ثم في شيخوختي اقتربت من فكرة الدينونة الخاصة وما تبنيت العبارة نفسها لأن كنيستي لا تستعملها. اقتنعت منذ وقت يسير ان ساعة الموت ساعة مواجهة مع الخالق والمواجهة رهيبة لأنك تبدو امامه في ثقل خطاياك وتاليا في تنافر وطبيعة الرب. وتحس ان هذا اللقاء هو ضمن مصيرك الأبدي ولو أعلن الله رحمته في المبدأ او في بدء التقائك به ومنتهاه.

لا يزين لي ان ثمة مقاضاة لك تحدد مصيرك الأبدي. وان يكون الله قاضيا فهذه صورة عن الحقوق ولو تكلمت عنها كتبنا المقدسة وهذه الكتب تحكي حكاية الانسان مع الله من حيث المبدأ ولكن الحكاية الكبرى هي في اللقاء فور فراقك هذه الأرض. الصورة التي استعملها هي ان المسيح يأتي الى جانبك في التابوت ويكلمك همسا وهو همسة توبيخ. ربما كان يسوع في هذا الاجتماع رقيقا ولكنه في طاعة أبيه لا تهون عنده المعصية لأنها تجرح رأفات ابيه بك. انت لم تقم بشيء لتضمد جراح الآب. انت تبقى عدوا بالخطيئة ويبقى الآب يضمك الى صدره او يجعلك الابن على صدره ويرى الآب ذلك ويتحنن دون ان يترك لومه اياك لأنه لو ترك اللوم يصبح متحيزا لك وليس متحيزا لشريعته.

#   #   #

وبشريعته وحدها تتقدم لأنك لا تستطيع ان تداعب الخطيئة وتبقى منه قريبا. قربك ببهائك الروحي لأن الرب ليس عنده زمرة يدنيها منه وزمرة يباعدها عنه. انت ان كنت له تصبح منه فيرى نفسه فيك لأنك ان صرت نقيا تصير مرآته والرب بطبيعته يحب نفسه فيك ويسألك دائما اذا قبلته وهو يعرف انك عنده او انك ظللت بعيدا عنه ساعيا الى نفسك لتستعلي بها وتقيم في كبريائها وتجعل كبرياءك منزلك كما تجعل الله في منزل بعيد.

كل قصتك مع الله ان تجعله اليك او الا تجعله اليك. واذا أقصيته – وهذا ما نفعله في الخطيئة – تلغي نفسك من الوجود الحق لتخلق لنفسك وجودا يغشك ويقيمك في اوهام الوجود. الخطيئة هي التي جعلتك تظن انك موجود بقوتك لا بقوة ربك اي انها تجعلك بعيدا عنه وساميا الى سراب يخدعك.

كل القصة ان تعرف انك انت نزيل الكيان الإلهي الذي فيك او نزيل الهيامات التي تصطنعها لنفسك في خوفك من الله. هل انت انسان الخوف ام انسان الثقة. هل انت مجتر لنفسك والخديعة المعششة فيك ام انت ملقى في حضن الآب ناسيا لذائذك وترفك لتشعر بأنك أمسيت ابنا اي ساكنا في هذه الأرض ملكوت الله النازل عليك بحنان الآب.

حنانه ان آمنت به يحول عينيك الى عينيه فتدرك انك موجود بنظرته اليك. وهذه النظرة ان التقطها تجعلك تفحص قلبك حسب العبارة الأرثوذكسية او تفحص ضميرك وفق العبارة الغربية. طوبى لك اذا رأيت الله في قلبك ورأيته يحرك نبضات الروح فيك وتبقى في نفسك بعد انطفاء الجسد.

#   #   #

ان أصرّ بعض ان يتحدّث عن دينونة خاصة أقول ان كل لحظة من حياتنا دينونة خاصة ان كنا يقظين بمعنى ان وعينا الروحي يجعلنا واقفين دائما في حضرة الله فنرى ان خطيئتنا تضربنا وان ابتعادنا عنه هو الموت. كل خطيئة موت ودون ان اتقرب من نيتشه الا تعبيرا اقول ان موت الخطيئة هو موت الله. ما أقبح وجود الذي يقتل الله في نفسه وهو غير عالم انه بذا يبيد نفسه من الوجود الحق ويجعل جهنم النار مقيمة في نفسه قبل ان تأخذها الشياطين ان لم يتب.

والتوبة تعني للخاطئ اكتشافه ان مسالكه كانت خاطئة وان كل رأيه في الله كان مغلوطًا لأنه كان يوهم نفسه ان المعصية ليست بمعصية وانها ضرورية للحياة وربما ما كان يسعى ان يحافظ في نفسه على الله او استعمل في ما كان أبعد من هذا ان يحسب نفسه قادرًا ان يستبقي له كيانا خارجا عن الكيان الإلهي.

قصتنا بمعايشة النفس للخطيئة رهيبة جدا لأنها قائمة على مغالطة كبرى انك قادر ان تعيش بلا إله وأقله انك قادر ان ترجئ لقاءك به وتاليا تعني ان ليس لك فكرة عن رهبة الموت وما يستتبعه هذا فيك.

الخاطئ ليس فقط منحرفًا سلوكيا. انه منحرف فكريا بمعنى انه ذو فكر مغلوط. التوبة ان تخلع عنك هذا الفكر ليكون لك الفكر الذي كان في المسيح يسوع كما قال بولس او ما يشبه هذا التعبير ان كنت على غير ديانة بولس.

ربِّ نجّنا من الخطيئة وقرّبنا من وجهك لنحيا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الشتم / السبت 13 تشرين الأول 2012

القتل جسدي او معنوي. الشتم صورة من صور القتل. نبيد الآخر بإبادة جسده او محقه او سحقه او نلغي كيانه الداخلي بالكلمة. واذا ظننا ذلك نكون فقط قد محونا أنفسنا. في مرحلة من البغض المبتغى إزالة الآخر فإن لم نتمكن من ذلك او لم نرد إزالته كليا نشطبه عن الذهن او من القلب ونقول هذا باللسان او بالقلم.

هناك اوضاع لنا داخلية لا تبيح وجودنا مع وجود آخر. الثنائية تكون في القلب او لا تكون وان تعترف بالآخر بكل مكوّنات عقله وسلوكه وتباينها وعقلك وسلوكك لأمر يحتاج الى جهد قد يكون عظيما. قبول الفروق بينك وبين الناس يعني انك تعايشهم على رغم الفروق والإقرار انك لست وحدك مالك الحقيقة.

انت لا تعايش الآخر كما هو قائم. انت تعايش صورة له فيك واذا اهتزت الصورة تزول المعايشة. الحياة رقصة صور وهذا مصدر قلق الى ان تطلع عن هذا او ذاك من الناس برؤية ترتاح اليها والرؤية عرضة للتغيرات لأنك تغير الرقصة او تحسب انه هو غيّر رقصته.

ايقاعك الداخلي ليس دائما هو اياه. لبعض من الناس ولا سيما ان كانوا مزاجيين ايقاعات مختلفة. وان كنت على ايقاع داخلي واحد في الصبح والمساء تعطي جوابا واحدا ان سئلت وتبدو ثابتا وهذا قد يزعج ولكنه شرط التعايش السليم. وكثيرا ما تتغير اجوبتك عن اسئلة الناس لأن قناعاتك ليست ثابتة ولأنك تراهم يتغيرون ولعلهم في الحقيقة لم يتغيروا ولكنك انت ترى فيهم الصورة التي تريد ان ترى او قادك مزاجك ان ترى.

وصعوبة التلاقي الحقيقي ان ثمة امزجة راقصة وامزجة غير راقصة وان هناك من يتوخى الحقيقة وهناك من يطلب نفسه ومنافعه ولذائذه. الحقيقة والانا المنطوية والطاوية لا تلتقيان اي ان في الدنيا قاتلا وقتيلا او مشروع قتيل. هناك من انوجد بايمانه او قناعاته وهناك من انوجد بتقلب احواله.

#   #

#

لماذا يتقلب هذا ولا يتقلب ذاك؟ الجواب البسيط ان ثمة من يؤمن بثبات الحقيقة ومن لا يؤمن بثبات الحقيقة لكونه بنفسه كما استلم نفسه من الوجود ولا يعرف ان لها مرجعا وهو الاله الثابت بذاته. قد لا ينكشف له الله بوجهه ولكنه يربط كيانه الداخلي بحقائق قائمة بذاتها ولا تؤثر فيها منفعة من الدنيا او من الوجاهة او من الطائفة او من الحزب. اي هناك من أقام في الحقيقة ويسلم لها وحدها وهناك من أقام في انفعالاته او منافعه وكبرياء يظنها إسلاما للحق.

انسان كهذا موقن ان ما فيه من حق هو اياه الذي يجعل كل انسان قائما في الحق. لذلك يكافح بإصرار لمدّ كل الناس به لحرصه على استقامتهم ولبسهم درع الخلاص وخوذة البرّ. هذا يحمل الإلهام الإلهي ولبقاء هذا الإلهام فيه يجاهد ولسبب من إصراره على الحق يقابله ضعفاء الايمان بالشتم وقصدهم العميق ان يقتلوه او يصفعوه والشتم الغاء مع صورة المحافظة على جسد الآخر. اما محبو الحقيقة فينتظرون اهتداء الناس جميعا وان يصلوا الى الحقيقة ولا ينضبون ولو تألّموا.

الذي لا صبر له على الحقيقة وان تنتشر يستخدم لسانه ليزيل الآخر. «هكذا جعل في اعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويضرم دائرة الكون ويُضرم من جهنم» (يعقوب 3: 6). ويتابع الرسول كلامه عن اللسان: «به (اي باللسان) نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذي قد تكونوا على شبه الله».

يتابع يعقوب قوله ان التصرف الحسن في وداعة الحكمة وهي تطلب الآخر حبيب الله وانت عليك ان تحفظه في هذه المحبوبية لا ان تميت نفسك وتميته بالشتم اذ لا يبقى فيك وجه الآخر ان انت قتلته بالكلام البذيء الذي لا يخرج الا بالغضب.

اذا أعطاك ربك الصبر فأنت في حالة انتظار. كل الرجاء انتظار لأن ربك سوف يأتي لأن الله حركة اليك والى الآخر برجائك.

هذا موقف قد يجعلك في عزلة. الهدوء دائما عزلة عن البشر. انه اجتماع الى الله ولكنك ان احببته تؤثر عشرته على عشرة الغاضبين وحسبك هو وإقامته فيك حتى تقيم الهدأة في قلوب من هم حولك.

لا مهرب لك من تحزبات الناس الا ايمانك بأن ربك يكفيك وبأنك رسوله الى من طلبه ومن لم يطلبه. انت لست وحدك ان استعصمت به. انه هو معطيك قوته لاستمرارك في فضله عليك. لازم نعمته عليك. لست في حاجة الى رضاء الناس. الايمان هو ان تسترضي الله فقط قبل الناس بذلك ام لم يقبلوا.

ولكن حذارِ ان تدنس لسانك . ان عففت به عن الشتم سبيلك الى حسنات كثيرة فيك. عفة اللسان الكاملة نتيجة لرفع الغضب الداخلي عنك وان تجعل ربك ينطق بك.

لا تتكلم الا بعد صبر ومن اجل البنيان. انت لست مدافعا عن نفسك. انت مفوض الحقيقة في الكلمة وفي السلوك. اخضع لمن هداك وبلغ مشيئته. ان كنت على هذه الطاعة يعصم لسانك من الزلل ويعصمه من غضب الشتم ليبقى موطن مباركات ما دمت حيا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الحملة على الاسلام / السبت 29 أيلول 2012

لماذا هذه الحملة المسعورة على الاسلام من قبل الغرب؟ اذا أردنا ان نعقل الأمور بلا تأويل نقول ان ثمّة شهوة لضرب الاسلام بسخرية وثأر واضح. لماذا التحرّش بالمسلمين اليوم وكأن هناك اوركسترا تنسق بين ناس من مختلف الآفاق كلمات عدائية.

ابتدأت القصة مع الصور الدانماركية حتى وصلت الى هذا الفيلم المسيء الذي شاهدت مقطعا منه أقل ما يقال فيه انه بذيء لطعنه بوضوح بالرسول العربي.

أذهلتني ايضا الطعون في الصحافة الفرنسية ولست أفهم هذا الإكثار من محاربة الإسلام ولا سيما ان الدنيا تبحث عن السلام وان الجو السجالي بين الأديان لم يبقَ له أثر منذ فترة من الزمن طويلة. هل هناك قوى سياسية معيّنة لمكافحة الإسلام؟ ما هو واضح عند المتابعين للشأن الديني في العالم ان الكنائس أخذت بالانفتاح على الديانات الأخرى ولها في هذا الأمر وثائق.

أنت ترى الآن كليات اللاهوت المسيحي في هذا البلد وغيره تعلم الإسلام بطريقة علميّة كاملة كما يعلّمه المسلمون ولا تناقش ولا تساجل. ويعلّم الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة اللبنانية مسلمون او مسيحيون. خلال سنوات قمت في الجامعة بهذه المسؤولية ولم يعترض على ذلك احد بقوله انّى لرجل دين مسيحي ان يعلّم مادة الاسلاميّات باعتبارها قسمًا من الحضارة العربية.

ماذا في عقليّة منتجي الأفلام السينمائية او مقالات الصحف ليهاجموا الإسلام؟ كيف بدت هذه الظاهرة؟ جلّ ما أقوله ان المذاهب المسيحية وانا أتابع نشاطها الفكري والعملي ليست مجندة إطلاقا ضد العقيدة الإسلامية. استنتج من هذا ان الرئاسات الروحية المسيحية ليست هي التي أوحت هذا التحرّك الجنوني الذي رأينا بعض مظاهره في الصحافة او السينما. والقيادات الروحية او الفكرية في الإسلام العربي تعرف ذلك.

#  #

#

نحن شاكرون لله ان علماء المسلمين العرب واجهوا هذه الحملات على دينهم بهدوء. بعض من هذا يعود الى ثقتهم بالمسيحيين العرب الذين يبغون العيش مع المسلمين في سلام وفهم.

لست أريد ان أعود الى هذا الفيلم المؤذي الذي طعن بالرسول وانا الذي قرأت سيرة النبي العربي جيدا تيقّنت ان ما عُرض ليس واردا في حياة محمد وان ما ظهرفي هذه الآونة الأخيرة ان هو الّا افتراء لست أعرف مصادره. العمل لا أثر فيه للعلم وتاليا لا يبقى لي ان أقول انه نشاط سياسي استخباراتي كامل.

شأن المسلمين بعد ان أظهروا غضبهم المحق ان يتصرفوا بحكمة ولا يعوز قادتهم هذا. وعلى المسيحيين في دنيانا العربية وفي الغرب ان يناصروا المسلمين لكون المؤمنين بالمسيح يبغون الحق والسلام الديني في بلادنا وفي العالم.

البدء هو في العيش الواحد بما فيه الاحترام الكامل لعقيدة الآخر ضمن الاختلاف العقلي المشروع. أمنيتي ان يفهم كل أهل الغرب الذين يؤلّفون المجتمع المدني ان الحروب الصليبيّة قد ولّت ولو كانت الحرب الحاضرة لا علاقة لها بالصليب.

نحن المسيحيين العرب قررنا منذ الفتح ان نعيش مع المسلمين في سلام ووحدة مجتمعية مع حرية للجميع كاملة. نحن طلاب حرية لجميع المواطنين وأعني بها الحرية المسؤولة عن الآخر والمحبة له.

هي كل أنواع الحرية وتعابيرها ومظاهرها الى ان يسود الدنيا حكم الله وعدله ورعايته. أن تطمئن الى الآخر يعني فيما يعني ان تقبله ممارِسًا لدينه والصورة المجتمعية لدينه وحقّه في الدعوة والصلاة وتربية عائلته وحقّه في كلامه رافضًا في هذا كل ما خالف التهذيب والأخوّة.

منطقتنا تعرف هذا الجو الودّي اذ نعيش الصداقات بين العائلات والأفراد وأصحاب المهن ونتقارب في المودّات ولا نفرّق بين الناس ولكنّا نفرّق بين الفاضل والسيّء من الناس.

#  #

#

المجتمع الطاهر الصادق يتخطى كل التطلّعات الذهنية البحتة. انه معطى إلهيًا يضاف عليه جهد بشريّ موصول اذ لا يأتي السلام عفوا ولكن يجب صقله واذا صقلته تنسكب عليك نعمة الله.

لست أقول ان قدرنا ان نعيش معا ولكن خيارنا ان نعيش معا. المسيحية والاسلام حاضران معا في أمة الله والله راعي أهلهما بانعطافه الدائم حتى الساعة الأخيرة من أزمنة الناس. هذا كله يقتضي صبرا طويلا وإرادة مساكنة طيبة مع الحنان الإلهي.

لا تخلو الدنيا من العصبيات الطارئة يبررها هذا وذاك ولكنا نعرف ان هذه ناتجة من وسوسات الشيطان وان مشيئة الرب ان نتحابّ فنتقابل والفاهمون لهم ان يتناقشوا في ما هو عقلي وفي ما يتجاوز العقل ولكنك لا تستطيع ان تكلّم الآخر الا اذا استطبت كيانه اي قلبه وعمله.

لا نستطيع ان نغضّ النظر عن وجود الآخر او ننسى انه هنا وثمّة ونعترف انه قائم معنا في المدى وفي القلب ولعلّ كل مدانا هو القلب. وفي قراءتي هو عرش الله واذا كان الله إلهي وإله المسلم ففي صورة يعرفها ربك نحن واحد.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

رؤية للوحدة المسيحية / السبت 22 أيلول 2012

تحقيق الوحدة المسيحية هاجس الكنائس كلها وتقارب التفاهم فيها في السنوات الأخيرة وليس ذلك فقط بسبب من ألم الانشقاق ولكن بفضل النزاهة والصدق وتعميق الدراسة. طبعا لا يسع انسانا ان يجزم بقرب هذا الحلم لأن تلاقينا في الحق هدية من السماء ولكنا مشينا خطى كتبت علينا من فوق. نزلت علينا انوار لاهوتيين كبار وهم أصحاب تجليات تدعمها تقوى المؤمنين المطلعين منهم والبسطاء بحيث نقدر ان نقول اننا نحيا الآن جو محبة تغلبت على العصبيات القديمة او كادت.

المهم في هذا الجهاد ما اقتنعت به الكنيسة الكاثوليكية فاقتربت كثيرا من الكنيسة الارثوذكسية. هي لا تزال ترى ان كنيسة المسيح فيها كاملة ولكنها ترى ايضا ان لها مع الكنيسة الارثوذكسية شركة شبه كاملة. تقول شبه كاملة لأن الارثوذكسيين لم يقبلوا مجمع الفاتيكان الاول (1870) الذي حدد ان لأسقف رومية ولاية مباشرة وعالمية على الكنيسة كلها وانه معصوم عن الخطأ. ليس هنا المجال لأبسط الموقفين الروماني والشرقي.

غير ان علماء الكثلكة فهموا جميعا ان الكنيسة الجامعة لا تعني حصرا كنيسة العالم مجتمعا ولكنها تعني ايضا الكنيسة المحلية التي تتحقق في الافخارستيا (سر جسد المسيح ودمه) التي تقيمها جماعة سليمة الايمان برئاسة اسقف مستقيم الرأي. على هذا اتفقنا الآن جميعا. اذا الكنيسة المحلية او الإقليمية جامعة وكنيسة المدى البشري الشامل جامعة ايضا.

المدى العالمي يقوده اساقفة متساوون في اسقفيتهم وتحدرهم الرسولي وان نشأ، هنا وهناك، اساقفة متقدمون هم بطاركة العالم المسيحي واولهم في الشرق ـ حسب التعبير الارثوذكسي ـ بابا رومية ولكنه ليس من رئيس تنفيذي حسب الرؤية الارثوذكسية.

لقد اوضح العلماء الكاثوليك ومنهم البابا الحالي لما كان استاذ لاهوت عقائدي في مونيخ ان اسقف رومية لم يتدخل مرة واحدة في شؤون الكنائس الشرقية اي لم يتخذ مرة قرارا اداريا نافذا في الشرق. استنتج من هذا الموقف الذي بات مقبولا انه لا بد من توضيح الاولية البابوية. فهل البابا حاكم عالمي ام «اول بين متساوين» كما يقول الارثوذكسيون.

راتسنجر (البابا الحالي) الذي له تقدير للارثوذكسية عظيم رأى ان الشرق في الوحدة المرجوة حقه ان يبقى اداريا على ما هو عليه اي الا يكون للبابا سلطة تنفيذية فيه وان تسوسه المجامع المقدسة فيه التي ترئس كنائس مستقلة غالبا ما تسمى بطريركيات ولا شيء يمنع ان تنشآ بطريركيات جديدة حيث الاوضاع الثقافية (كما في افريقيا مثلا) تتطلب ذلك.

#   #

#

مع ذلك تبقى عقبات وتساؤلات. في حسباني ان العقبة التي تلي قضية الرئاسة والعصمة هي العقائد التي انفردت الكنيسة الكاثوليكية بتحديدها. فقد تفردت الكثلكة بتحديد عقيدتين تتعلقان بمريم الاولى هي الحبل بها بلا دنس والثانية انتقالها بعد مسيرتها الأرضية (ولا يقال موتها) بالروح والجسد الى السماء. الكنيسة الارثوذكسية مع إجلالها العظيم لمريم تركت الكلام عنها الى الخدمة الالهية (الطقوس) والى حرية اللاهوتيين. هذا الاختلاف يعني على الأقل ان حل هذه العقدة يحتاج الى بحث مشترك لئلا يبقى بعد الوحدة خلاف مذهبي بين الشرق والغرب.

بعد العقبة تأتي المساءلة وهي هذه: ماذا يحل بالطوائف الشرقية الكاثوليكية اذا وصلنا الى اتفاق كامل حول رئاسة البابا وعصمته. السؤال ناتج من ان هذه الطوائف اصبحت كل منها كنيسة متكاملة المعالم والأركان متحدة مع الكرسي البابوي. والمعتقد الكنسي يقول ان ليس الا اسقف واحد في المدينة الواحدة فكيف تبقى ملل وتنظيمات كنسية مختلفة في هذا البلد او ذاك. عندنا اليوم مثلا بطريرك قبطي في مصر وبطريرك للروم الارثوذكس. من منهما سيجلس على كرسي القديس مرقس؟ ما من شك ان شيئا اساسيا يجب ان يتغير لتتحقق الوحدة اقليميا. في منطقتنا خمسة أشخاص لكل منهم لقب بطريرك انطاكيا وسائر المشرق. اذا لم يصبحوا واحدا لا نكون قد حققنا الوحدة في الإطار الإقليمي. الوضع الحاضر لا يمكن ان يستمر ونحن نتكلم عن وحدة. انا ليس عندي حل في المحافظة على سلامة اللاهوت والنظام الكنسي الموروث.

ربما اعطانا الله في المرحلة التي تنتظرنا اجوبة على هذه المسائل المعقدة. الفكر البشري وحده لا يؤتينا حلا ولو تقدمنا كثيرا في تقارب القلوب. اعرف ان المحبة بيننا ان كانت حقا إلهية فيها كل الضوء.

في الوجود المسيحي في هذا المشرق واضح اننا تقدمنا كثيرا في معارج المحبة والتعامل الأخوي. تبقى امور رعائية عملية نحتاج الى مواجهتها معا. حلمي الشخصي في هذه المنطقة ان نتشرق اي ان يستعيد بعض منا ما احتجب من شرقيتهم حتى يزداد تآلفنا العقلي هنا كما قوي تآلفنا الوجداني لا ليصير الكاثوليك الشرقيون جسرا بيننا وبين رومية ولكن ليكشفوا لرومية وحدة اللاهوت الشرقي.

بتأكيد رومية لاهوت الكنيسة المحلية صرنا معها على علاقة بلا واسطة ولكن امنيتنا العميقة ان يلعب كاثوليك الشرق دورا بارزا في مسيرة الوحدة انطلاقا من تراثهم الشرقي.

على هذا المعراج نحن جميعا ومعا في يد الله الذي اذا كرمنا بعطاء الوحدة يجعلنا قديسين في عينيه وهذا ما نرمي اليه في سعينا الى الاتحاد الكامل.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

لاهوتيون أرثوذكس في إيطاليا / السبت 15 أيلول 2012

أجيء من دير بوزه Bose القائم في شمالي ايطاليا بين تورينو وسفح الألب وهو مشهور بانفتاحه الكبير على الكنيسة الأرثوذكسية. وقد أخذت هذه الجماعة الرهبانية منذ عشرين عاما تدعو الى مؤتمر أرثوذكسي صرف كل سنة في أيلول تتناول عقيدة الكنيسة الشرقية من زاوية علم الآباء بخاصة. يدعى علماء أرثوذكسيون الى هذا اللقاء وينضمّ اليهم أحيانا علماء كاثوليك نحوا نحو هذا العلم الذي يقصي بطبيعة موضوعه أي موقف دفاعي او سجال. العلم البحت صار مألوفا في هذه الأوساط. على هذه الطريقة يسير علماء الكتاب المقدس الذي قلما تستطيع تحديد مذهبهم من مجرد قراءة أبحاثهم. البحث بحث ولا يحتمل توترا طائفيا.

منذ الثالث من أيلول اجتمع في هذا المكان ما ينيف عن مئتي شخص مطّلع ليسوا في الضرورة علماء ولكنهم قادرون على الفهم والمشاركة في المناقشات: رهبان وراهبات وكهنة وعوام أتوا من كل صوب. المساهمون الأرثوذكسيون تأخذهم من العالم كله ولا سيما من أوربا الشرقية وتستمع الى ألسنتهم المختلفة. هذا لا يعني أن وحدة العقيدة عند من يعلم تفترض وحدة الفكر وأنماطه.

كل المذاهب المسيحية حل بينها التعدد والتوق الى الوحدة. ولكن هذا مقالا لا ينتهي وان اجتهدنا. هذه المرة بدا هاجس الطبيعة بعنوان: الإنسان والنباتات والأزهار انطلاقا من سفر التكوين مرورا بالمزامير. العهد القديم كان هو مكان التجلي في هذا المجال وتبين أنّ العهد الجديد مقلّ في البحث عن الطبيعة انطلاقا من الكلمة الإلهية. الكلمة هي منبسط المسيح واياه نكتشف للتحدث في الله وتختفي الطبيعة المخلوقة فيه.

لماذا كل هذا الإهتمام بالشجر وما اليه؟ ذلك أنّ الإنسان بات مدمر الطبيعة ومتلفها. ومنذ فترة قصيرة من الزمن غدونا مسكونين بالحفاظ على الخليقة كما خرجت من يد الله وظهر علم البيئة وجهد الحفاظ عليها. كان المجاهدون الخضر في كل مكان ولهم أعمال واسعة وخطوط سياسية في كل البلدان وكان على الكنيسة ان تتكلم بدءا من الوحي وعبورا بالآباء القديسين ولا سيما في الشرق.

وسعينا لاستخراج ذلك من كل صوب تأملي عند كبار آبائنا. واختلفنا اذ يختلف العالمون فغدا المتحمسون للطبيعة الخضراء من وجهة نظر إلهية وغير المتشددين في الحماسة من وجهة النظر هذه اذ لم يلحظ هؤلاء عظيم اهتمام بالموضوع في المصادر الدينية الكبرى. ولكن بدا للأكثرين ان ثمة قولا الهيا في شأن الطبيعة وانه لا بد من ربط الفضاء الطبيعي بالفضاء الإلهي لأن الكلام في الخليقة ان لم يرتبط بالكلام الإلهي وبالوحي يبقى من هذا العالم.

#   #

#

ما من ريب ان الكنيسة تفكر في كل شيء حتى تسود الكلمة الإلهية كل الوجود ولو لم يختلط الكلام الإلهي بالكلام البشري. أجل ليس للكنيسة ان تؤسس جمعيات بيئية ولكن لها ان تدفع المؤمنين الى نشاط بيئي ليذوق الإنسان كونه حارسا للخليقة.

لم نكن على إجماع كامل ولو ذهب الأكثرون الى ضرورة التفكير الديني في الشأن البيئي ولا سيما ان الكنائس القديمة او التراثية تستعمل مواد الطبيعة في صلواتها: الخبز والخمر والقمح المسلوق والعنب والثمار الأخرى والجبن والبيض والزيت وتقدسها لان كل المخلوق قابل للتبريك الإلهي. كثير من الطقوس يقوم على وحدة الكلمة والماء ويقوم بعض من الرتب على استهلاك مواد الطبيعة فتؤكل بعد تقديسها بالكلمة. فبعد ان ألغت المسيحية الذبائح الدموية أدخلت الأطعمة النباتية في بعض من طقوسها وذلك على أساس المشاركة بين الجسد والنفس وذلك لا يتّخذ كامل معناه الا بفكرة الشكر لله على ما أعطى. والكلمة الأساسية في الصلاة المسيحية هي الشكر. مصطلح الشكر هو الذي نسمي به مناولة جسد المسيح ودمه.

الطبيعة تذهب معنا الى الشكر ويذهب جسدنا مع النفس ولكن ذروة الإتحاد بالله على مستوى الروح لا يلغي طبيعتنا الجسدية اذ الجسد عندنا سبيل من سبلنا الى التقديس. هكذا سلك مسيح الرب في تأسيسه العشاء السري الذي هو ذروة اتحادنا بالمخلّص.

#   #

#

ليس الكلام في التجمعات المسيحية اهم شيء في الضرورة. العطاء الروحي يأتيك أولا من الصلاة التي تقيمها والمحبة التي تعيش.

هذا اللقاء في قرية بوزه كان لنا مشاركة صلاة مع الرهبانية التي آوتنا. كنا الى الكنيسة ثلاث مرات في النهار. طبعا كان كل ذلك في الإيطالية التي كانت بالدرجة الأولى تلاوة مزامير. وانا لا أفقه شيئا في الإيطالية ولكنا كنا نرد الكثير منها الى الفرنسية لنفهم ما استطعنا.

الى جانب الصلاة الرهبانية الأعمال اليدوية والعمل الفكري بما فيه من إنتاج كتب باللغة الوطنية وترجمة عن سائر اللغات. مئتا شخص ونيّف معظمهم أرثوذكسي كانوا يشاركون في حياة الجماعة ويجالسونها للطعام على تقشّف معقول.

ما يدهشك في هؤلاء القوم المثقفين بساطة اللباس والعيش بعامة. لا يملكون شيئا على صعيد الأفراد ولكن يملكون عقولهم أو تملكهم عقولهم ولكل منهم سلطان على لسانه مهما تكلّموا من لغات.

ليس سهلا ان تكون قوي الفكر، بسيط المعاش، ومتواضعا، وديعا بآن. ان هذا باب الملكوت لمن يعلمون وباب الصفاء في هذه الدنيا. هؤلاء الناس رفقاؤك الى الحق. واذا اخذوك الى هذه الذروة تحس انك على رغم افتراق الكنيستين انت واحد معهم لأن الوحدة هي الحب.

Continue reading