Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2013, جريدة النهار, مقالات

التباهي / السبت 12 كانون الثاني 2013

لما قال الملاك لمريم: «افرحي يا ممتلئة نعمة» أراد ان النعمة وحدها ساكنتها او انها قائمة فقط في حضرة الله، ذلك ان ليس لأحد او شيء حضرة لا يمسها هو. ان لم يكن كل ما فيك ترجمة له فهو للعدم. فاذا قبلنا ان الرب في كل شيء نعني انه يجعل كل شيء تحت ربوبيته وخارج هذا أنت طريح العدم.

تطوعنا لله يلغي الذاتية المنكمشة فيأتي وجودنا، اذ ذاك، توجها اليه بعد ان كان توجّها منه الينا. اجل باتحادنا به لا يلغي ذاتنا اذ يبقى الناسوت فينا غير انه يصير ممتلئا لاهوتا. اجل تبقى الذات مألوهة كما يقول الإسلام او مؤلّهة كما تقول المسيحية ولا سيما الشرقية منها. لا تلغى بشرية الإنسان من حيث انه وجود مخلوق ولكنك ترث فيهامنذ هذا العالم المجد الإلهي غير المخلوق منذ هذا العالم.

ملء الوجود هو هذا التلاقي الحاصل في قلب الله بين الخالق والمخلوق فلا يستحيل الواحد الى الآخر ولكنه يساكنه. هذا ما يعنيه حلول الله في الانسان بلا حلولية. فاذا كنا ورثة الله في كل بهاء لا مجال للتباهي بل تأكيد للكلمة: «من افتخر فليفتخر بالرب» فإن عرفته هكذا يكون كل جمال فيك نازلا عليك وليس لك فيه اي فضل.

الإصرار على الأنا واستقلالها في تاريخ الحضارات عن طريق العلوم والفلسفة والفن أعطى الإشارة الى ظهور الإنسانوية في الغرب فكان مثلا الجسد العاري في الرسم فقتل رمزية التصوير وبطل الانسان يعي نفسه مخلوقا على صورة الله. اخذ الإنسان يعبد جسده ويسكر بجمال ولا يعرف نفسه وريث الرب ووصل في الفن الحديث الى الغاء الوجه في القامة البشرية والوجه كان من الايقونة إطلالة الله.

ضد نعمة هذه الاطلالة سقطة التباهي الذي يحصر الانسان في ترابيته وهي بطبيعتها غير ناهدة الى فوق. التباهي اعلان التفه البشري بدءا من ادعاء الجسد جماله. هذا ليس بشيء ان لم يكن إقرارا بجمال الله وإشعاعه علينا. هذا هو الفرق بين الايقونة واللوحة ان الايقونة تقول الرب واللوحة تقول الجسد البشري او الطبيعة بلا إشارة مقصودة الى ما فوقهما.

#   #

#

هذا هو عصر النهضة الغربية التي أصرت ان تقطع العلاقة بين الطبيعة وخالقها. في الحقيقة التاريخية ان الفن الاوربي منذ القرن السادس عشر هو الذي قال الالحاد. الانسان لم يعبر عنه، بدءا بفمه ولكن بصناعة الجمال وظهر الالحاد بالكلام فيما بعد.

غير ان الحياة ليست اولا فلسفة بل سلوك. ماذا يعني افتخار الحسناء بجمالها في عمق التحليل. في آخر مطاف الإغراء هو استدعاء الناس الى عبادتها وفي تحديد المعنى الى عبادة جسدها. لا يمكن ان يعني التباهي الا التماس العبادة التي هي شرك اذ يستحيل عليك كيانيا ان تجمع بين عبادتين.

المال أفتك من الجسد فقد قال عنه الرب انه «عبادة وثن» (كولوسي 3: 5). لقد جعلك الإله تلتقيه لتبدده حسبما نطقت به الكتب المقدسة: «بدد أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» ( مزامير 112: 9). الجمال والمال مملوكان يصبحان ان قبلتهما مالكين في كيانك حتى تصير حريتك مسلوبة حقا. كل هوى من أهوائنا لهو عن «النعمة المخلصة لجميع الناس» (تيطس 2: 11).

المؤمن الجميل الطلعة لا يأبى لمديح فقد لا يعي عطية الخلق هذه او لا ينشغل بها ويقبل ذهابها اذا ما حلّ. هو لا يعرفها ملكا له ولا ملكا لأحد فأنه فقير فقط الى ما ينزل عليه من فوق.

لعلّ أقوى المواهب إغراء الذكاء لأنه الالتماع الأكبر لكونه مسنودا الى شيء عظيم ولكونه ينعكس فيه العقل الإلهي الذي حامله المسيح. كل فطن من الناس اية كانت ديانته قريب بكينونته من الله أكان عظيم الإيمان او ضعيفه. بصورة ساطعة يتجلّى الله فيه وقد لا يعلم. اذا قيس بالثراء المادي او الجمالي يكشف الله كما لا تكشفه عطايا أخرى. وبخلاف المال والجمال لا يبقى ملكا لصاحبه اذ من طبيعته ان ينتشر لأنه يؤخذ.

#   #

#

هل يعني كل هذا الا يعرف الإنسان ميزاته او حتى فضائله الروحية. الزاهد بماله يدرك هذا ولكن الزاهد ان كان مؤمنا حقا لا ينسب الى ذاته فضلا ويعترف فقط بالهبة الإلهية. كذلك يصعب على الحسناء ان تنسب جمالها الى الله ولكنه هو قادر ان يجعل في نفسها هذا الايمان وعند ذاك، تكون أدركت من القداسة مبلغًا.

الأعلى من ذلك ان يقول المثقف الكبير انا لست بشيء. كل ما يحتويه عقلي بعضه رياضة ولكن الاحساس مسكوب فيّ من فوق ولن أبدده لتقوم الحكمة وطوبى لذلك الذي يذهب مما عرفه فيّ الى ذلك الذي عنده كل علم.

«ويكون المنتهى حين يسلم المسيح الملك الى الله الآب الذي أخضع كل شيء للمسيح». بعد هذا يكون «الله كل شيء في كل شيء» (راجع 1كورنثوس 15: 24-28). كل ما أعطينا من مواهب كان من المسيح والمواهب بطبيعتها آتية منه. وان لم نعترف بذلك فلسنا على شيء. ولكن اذا آمنّا ان الله كل شيء في كل شيء ندرك ايضًا انه كان في حسننا من اية طبيعة كان واننا فتكنا الحجب المكونة من مال وجمال وعقل لنشاهد الكلمة الذي كان في البدء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

التباهي / 12 كانون الثاني 2013

لما قال الملاك لمريم: «افرحي يا ممتلئة نعمة» أراد ان النعمة وحدها ساكنتها أو انها قائمة فقط في حضرة الله، ذلك ان ليس لأحد أو شيء حضرة لا يمسها هو. ان لم يكن كل ما فيك ترجمة له فهو للعدم. فإذا قبلنا ان الرب في كل شيء نعني انه يجعل كل شيء تحت ربوبيته وخارج هذا أنت طريح العدم.

تطوعنا لله يلغي الذاتية المنكمشة فيأتي وجودنا، إذ ذاك، توجها اليه بعد ان كان توجّها منه الينا. أجل باتحادنا به لا يلغي ذاتنا إذ يبقى الناسوت فينا غير انه يصير ممتلئا لاهوتا. أجل تبقى الذات مألوهة كما يقول الإسلام أو مؤلّهة كما تقول المسيحية ولا سيما الشرقية منها. لا تلغى بشرية الإنسان من حيث انه وجود مخلوق ولكنك ترث فيهامنذ هذا العالم المجد الإلهي غير المخلوق منذ هذا العالم.

ملء الوجود هو هذا التلاقي الحاصل في قلب الله بين الخالق والمخلوق فلا يستحيل الواحد إلى الآخر ولكنه يساكنه. هذا ما يعنيه حلول الله في الإنسان بلا حلولية. فاذا كنا ورثة الله في كل بهاء لا مجال للتباهي بل تأكيد للكلمة: «من افتخر فليفتخر بالرب» فإن عرفته هكذا يكون كل جمال فيك نازلا عليك وليس لك فيه أي فضل.

الإصرار على الأنا واستقلالها في تاريخ الحضارات عن طريق العلوم والفلسفة والفن أعطى الإشارة إلى ظهور الإنسانوية في الغرب فكان مثلا الجسد العاري في الرسم فقتل رمزية التصوير وبطل الإنسان يعي نفسه مخلوقا على صورة الله. أخذ الإنسان يعبد جسده ويسكر بجمال ولا يعرف نفسه وريث الرب ووصل في الفن الحديث إلى الغاء الوجه في القامة البشرية والوجه كان من الايقونة إطلالة الله.

ضد نعمة هذه الاطلالة سقطة التباهي الذي يحصر الانسان في ترابيته وهي بطبيعتها غير ناهدة إلى فوق. التباهي اعلان التفه البشري بدءًا من ادعاء الجسد جماله. هذا ليس بشيء ان لم يكن إقرارا بجمال الله وإشعاعه علينا. هذا هو الفرق بين الايقونة واللوحة ان الايقونة تقول الرب واللوحة تقول الجسد البشري أو الطبيعة بلا إشارة مقصودة إلى ما فوقهما.

#   #

#

هذا هو عصر النهضة الغربية التي أصرت ان تقطع العلاقة بين الطبيعة وخالقها. في الحقيقة التاريخية ان الفن الأوربي منذ القرن السادس عشر هو الذي قال الالحاد. الإنسان لم يعبر عنه، بدءًا بفمه ولكن بصناعة الجمال وظهر الالحاد بالكلام فيما بعد.

غير ان الحياة ليست أولاً فلسفة بل سلوك. ماذا يعني افتخار الحسناء بجمالها في عمق التحليل. في آخر مطاف الإغراء هو استدعاء الناس إلى عبادتها وفي تحديد المعنى إلى عبادة جسدها. لا يمكن ان يعني التباهي الا التماس العبادة التي هي شرك إذ يستحيل عليك كيانيا ان تجمع بين عبادتين.

المال أفتك من الجسد فقد قال عنه الرب انه «عبادة وثن» (كولوسي 3: 5). لقد جعلك الإله تلتقيه لتبدده حسبما نطقت به الكتب المقدسة: «بدد أعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد» ( مزامير 112: 9). الجمال والمال مملوكان يصبحان ان قبلتهما مالكين في كيانك حتى تصير حريتك مسلوبة حقا. كل هوى من أهوائنا لهو عن «النعمة المخلصة لجميع الناس» (تيطس 2: 11).

المؤمن الجميل الطلعة لا يأبى لمديح فقد لا يعي عطية الخلق هذه أو لا ينشغل بها ويقبل ذهابها إذا ما حلّ. هو لا يعرفها ملكًا له ولا ملكًا لأحد فأنه فقير فقط إلى ما ينزل عليه من فوق.

لعلّ أقوى المواهب إغراء الذكاء لأنه الالتماع الأكبر لكونه مسنودًا إلى شيء عظيم ولكونه ينعكس فيه العقل الإلهي الذي حامله المسيح. كل فطن من الناس أية كانت ديانته قريب بكينونته من الله أكان عظيم الإيمان أو ضعيفه. بصورة ساطعة يتجلّى الله فيه وقد لا يعلم. إذا قيس بالثراء المادي أو الجمالي يكشف الله كما لا تكشفه عطايا أخرى. وبخلاف المال والجمال لا يبقى ملكًا لصاحبه إذ من طبيعته ان ينتشر لأنه يؤخذ.

#   #

#

هل يعني كل هذا الا يعرف الإنسان ميزاته أو حتى فضائله الروحية. الزاهد بماله يدرك هذا ولكن الزاهد ان كان مؤمنا حقا لا ينسب إلى ذاته فضلا ويعترف فقط بالهبة الإلهية. كذلك يصعب على الحسناء ان تنسب جمالها إلى الله ولكنه هو قادر ان يجعل في نفسها هذا الإيمان وعند ذاك، تكون أدركت من القداسة مبلغًا.

الأعلى من ذلك ان يقول المثقف الكبير أنا لست بشيء. كل ما يحتويه عقلي بعضه رياضة ولكن الإحساس مسكوب فيّ من فوق ولن أبدده لتقوم الحكمة وطوبى لذلك الذي يذهب مما عرفه فيّ إلى ذلك الذي عنده كل علم.

«ويكون المنتهى حين يسلم المسيح الملك إلى الله الآب الذي أخضع كل شيء للمسيح». بعد هذا يكون «الله كل شيء في كل شيء» (راجع 1كورنثوس 15: 24-28). كل ما أعطينا من مواهب كان من المسيح والمواهب بطبيعتها آتية منه. وان لم نعترف بذلك فلسنا على شيء. ولكن إذا آمنّا ان الله كل شيء في كل شيء ندرك أيضًا انه كان في حسننا من أية طبيعة كان واننا فتكنا الحجب المكونة من مال وجمال وعقل لنشاهد الكلمة الذي كان في البدء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / السبت 5 كانون الثاني 2013

في انجيل متى ورد «طوبى للمساكين بالروح» ويعني، حسب آبائنا، المتواضعين ويجمع علماء التفسير على ان هذه الآية تخفيف للحدة الواردة عند لوقا: «طوباكم ايها المساكين» (لوقا 6: 2). ويقول المفسرون ان هذه الصياغة هي الاقدم بمعنى انها هي التي تفوه بها المعلم. مهما يكن من امر التفسير من الواضح ان للمحتاجين مكانة عند يسوع الناصري خاصة اذ يقول «المساكين يبشرون» (متى 11: 5).

وكأن واضع النص اراد ان الانجيل هو لهم أو انهم هم الذين يتقبلونه لانهم هم الذين يطلبون ملكوت السموات.وكانه يقول ايضًا ان للاغنياء ملكهم لانهم اتخذوا ارزاقهم مرتعًا لهم ومكان ارتياحهم وانبساطهم فان المال مركز عواطفهم وعليه يتوكلون. ففي مثل الغني ولعازر، الغنى مرادف التمتع والانبساط اي مدى الراحة وهو يحد صاحبه أو يحدده أو يحتويه.

ولكن ما الفقر؟ اليس هو الهبوط إلى وضع معاشي ضعيف في مجتمع معين. ولكن ما الضعيف؟ هناك مصطلح جديد نسبيًا وهو عتبة الفقر الذي تقل فيه موارد الانسان بحيث يكاد لا يموت جوعًا أو بحيث لا يستطيع ان يرتزق مما يكفيه لاعالة عائلته طعامًا وكساء ومأوى وتعليم أولاد.

هذا الوضع يجعل الواقع فيه ينتمي إلى فئة مجتمعية يعلوها المستكبرون ويجعلون منها مرتبة هامشية وليست شريكة في الانتاج والحياة السياسية الفاعلة. وتكون الدنيا في تصنيف الناس جميعًا مؤلفة من اغنياء وفقراء.

جاء كارل ماركس يسعى إلى ما اعتبره ميزان العدل وانصاف معقول ولهذا السبب دعا إلى الغاء الطبقات بعد ان كان المجتمع الأوروبي مجتع طبقات الفروق فيه صارخة. هو ما كان يحلم ان يكون للناس سوية اقتصادية ومجتمععية واحدة ولكنه رغب في تعايش معقول ليس فيه اذلال بسبب تباين مستويات العيش بصورة فاحشة.

لا يبدو أنّ الدعوة الماركسية نجحت في التحقيق اللينيني وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي واضح ان الرومنسية الشيوعية غابت عن ملايين الناس الذين غذتهم عمالاً كانوا ام مثقفين. غير ان الطموح إلى عدالة معقولة لا يزال نفحة عند الكثيرين.

#   #

#

واضح عند المتتبعين ان المسيحية لا تقوم على نظام اقتصادي ولا تدعو إلى نظام. فاذا كانت الاشتراكية تشجب الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتبادل وترفض عدم التساوي المجتمعي فيسوع الناصري لم يضع نفسه في هذا الاطار لانه اطار التنظيم الاجتماعي، والمسيحية دعوة في سبيل الفقراء أو فيها هذه الدعوة ولكنها ليست نظامًا يحقق في ثورة أو تنظيم اجتماعي بلا ثورة كما في بلاد السكندينافية.

الهاجس الثوري أو الانقلابي خارج عن المسيحية التي هي دعوة. هذا ما شاءه يسوع الناصري الذي ما اراد ان يستقوي على احد أو ان يفرض نظامًا بالقوة وحتى بالدعوة اليه. هذا مما يجعلنا نفهم ان المسيحية الرسولية ما التصقت بدولة ولا انفصلت عن دولة. عند ظهورها كان اتباعها من الامبراطورية الرومانية وما سعت هي إلى انشاء كيان دولتي خارج الامبراطورية لان الناصري اكتفى بتبيان ملكه على انه ملكوت الله في قلوب الناس.

ليس عنده فتح بلدان عنوة أو سلامًا. هذا ما في ايامه كان متروكًا للامبراطورية الرومانية. وبعد موته، في عهود الكنيسة، ما كان انتشار ملكوته في المبدأ متعلقًا بسياسة. هو اراد ان يعمل بروحه وانجيله ومملكات العالم متروكة لتقاربات الزمان ونحن أتباعه لسنا منها وإن كنا فيها وملكوت المسيح هو القلب.

#   #

#

لا يصور إنجيل يسوع المسيح الاغنياء على انهم بلا قلب ولكنه يعلم ان الغنى خطر على الانسان والفقر ان يصبح خطر على الانسان. الناصري يحذر من الاخطار الروحية اية كانت، من استعباد نفسك لاي مخلوق أو مصطنع ولهذا قال: «لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 24). هناك عبادة الله الواحد الاحد. والعبادة والعبودية واحد في اللغة. ليس لان الله ارادك عبدًا له، لانه قال انك ابني. ولكن حسب تفسير احد كبار الروحانيين عندنا انت تستعبد نفسك لله بالعشق.

فاذا صرت بالحب عبدًا لله يتعذر عليك ان تصنع لنفسك ربًا آخر.

ما من شك ان المال أو كل ما تقتنيه يأسرك أسرًا رهيبًا. اذ ذاك لا يبقـى لك حرية تعبد الله بها. انت تسلم نفسك له وحده. وهذا هو شرط العشق، فليس اذًا من محبوب آخر. من هنا انه لم يبق في القلب محل للمال وليس من عبودية لانسان. ان تحب البشر حسب قول الناصري: «أحبب قريبك كنفسك»، شيء آخر انه هو العطاء حتى النهاية أي حتى الموت. هذا يصطدم كليا بعشق الأرزاق وما اليها.

#   #

#

هل الأغنياء فئة شجبها المسيح؟ في الواقع الناصري تكلم عن فئة من الأغنياء كانت عاشقة لأموالها، غير مكترثة لوجود فقراء، غير متعاطفة وإياها، فاصلة نفسها عنها. هم يسوع الناصري ان نكون مجتمعا واحدا مع كل البشر لا يفرقنا مستوى اجتماعي بحيث نفهم اننا مؤتمنون على ملك الله.

أموالنا ليست لنا. نديرها فقط لمنفعتنا ومنفعة الناس. المسيحية لا تشرع لاقتناء المال ولا لتوزيعه. هي تقول لكل انسان: الانسان الآخر اخوك تعامله بما لك كأخ.

فاذا تصرفت هكذا لا يبقى شرخ بينك وبينه ولا تتصرف باذخا ومترفا ولكنك تتصرف حنونا ولا تجعل قريبك يقترب من الموت بالجوع أو ما يشبه الجوع لأنه بات من لحمك وعظامك. فما جاء اليك بالوراثة أو العمل ينفقه المحتاجون اليه وتسهر انت على حاجتهم وتخدمهم كما لو كانوا المسيح.

المسيحية تملي عليك ان تعطي من حولك نسبة من ثروتك. هي تجعل قلبك لا يحس ان له شيئا في هذه الأرض. اذ ذاك تصل إلى وقت لا تؤمن به بالمخاصصة ولكن بالمشاركة.

المشاركة تعني انك لا تقدر ان تقول انا وحدها ولكنك تقول: انا وانت اي تقول فعلا «نحن». ترجمة ذلك إلى واقعنا المعيش ان نحب الجماعة التي انت قائم بها وهي قائمة فيك.

ستبقى فروق. «الفقراء معكم في كل حين اما انا فلست معكم في كل حين». هذا لا يعني ان يسوع يقبل بوجود جائعين. هو يريدنا ان نتعامل والوضع الاجتماعي على ان نقيم العدل وان نقيم فوقه المحبة.

لم يكن يسوع ماورائيا اي مرجئا الخير. «اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم».

المحبة ملكوت الله.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / 5 كانون الثاني 2013

في إنجيل متى ورد «طوبى للمساكين بالروح» ويعني، حسب آبائنا، المتواضعين ويجمع علماء التفسير على ان هذه الآية تخفيف للحدة الواردة عند لوقا: «طوباكم أيها المساكين» (لوقا 6: 2). ويقول المفسرون ان هذه الصياغة هي الأقدم بمعنى انها هي التي تفوه بها المعلم. مهما يكن من أمر التفسير من الواضح ان للمحتاجين مكانة عند يسوع الناصري خاصة إذ يقول «المساكين يبشرون» (متى 11: 5).

وكأن واضع النص أراد ان الإنجيل هو لهم أو انهم هم الذين يتقبلونه لأنهم هم الذين يطلبون ملكوت السموات.وكانه يقول أيضًا ان للأغنياء ملكهم لأنهم اتخذوا أرزاقهم مرتعًا لهم ومكان ارتياحهم وانبساطهم فإن المال مركز عواطفهم وعليه يتوكلون. ففي مثل الغني ولعازر، الغنى مرادف التمتع والانبساط أي مدى الراحة وهو يحد صاحبه أو يحدده أو يحتويه.

ولكن ما الفقر؟ أليس هو الهبوط إلى وضع معاشي ضعيف في مجتمع معين. ولكن ما الضعيف؟ هناك مصطلح جديد نسبيًا وهو عتبة الفقر الذي تقل فيه موارد الإنسان بحيث يكاد لا يموت جوعًا أو بحيث لا يستطيع ان يرتزق مما يكفيه لاعالة عائلته طعامًا وكساء ومأوى وتعليم أولاد.

هذا الوضع يجعل الواقع فيه ينتمي إلى فئة مجتمعية يعلوها المستكبرون ويجعلون منها مرتبة هامشية وليست شريكة في الانتاج والحياة السياسية الفاعلة. وتكون الدنيا في تصنيف الناس جميعًا مؤلفة من أغنياء وفقراء.

جاء كارل ماركس يسعى إلى ما اعتبره ميزان العدل وانصاف معقول ولهذا السبب دعا إلى الغاء الطبقات بعد ان كان المجتمع الأوروبي مجتع طبقات الفروق فيه صارخة. هو ما كان يحلم ان يكون للناس سوية اقتصادية ومجتمععية واحدة ولكنه رغب في تعايش معقول ليس فيه إذلال بسبب تباين مستويات العيش بصورة فاحشة.

لا يبدو أنّ الدعوة الماركسية نجحت في التحقيق اللينيني وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي واضح ان الرومنسية الشيوعية غابت عن ملايين الناس الذين غذتهم عمالاً كانوا أم مثقفين. غير ان الطموح إلى عدالة معقولة لا يزال نفحة عند الكثيرين.

#   #

#

واضح عند المتتبعين ان المسيحية لا تقوم على نظام اقتصادي ولا تدعو إلى نظام. فإذا كانت الاشتراكية تشجب الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتبادل وترفض عدم التساوي المجتمعي فيسوع الناصري لم يضع نفسه في هذا الاطار لأنه اطار التنظيم الاجتماعي، والمسيحية دعوة في سبيل الفقراء أو فيها هذه الدعوة ولكنها ليست نظامًا يحقق في ثورة أو تنظيم اجتماعي بلا ثورة كما في بلاد السكندينافية.

الهاجس الثوري أو الانقلابي خارج عن المسيحية التي هي دعوة. هذا ما شاءه يسوع الناصري الذي ما أراد ان يستقوي على أحد أو ان يفرض نظامًا بالقوة وحتى بالدعوة اليه. هذا مما يجعلنا نفهم ان المسيحية الرسولية ما التصقت بدولة ولا انفصلت عن دولة. عند ظهورها كان اتباعها من الامبراطورية الرومانية وما سعت هي إلى إنشاء كيان دولتي خارج الامبراطورية لأن الناصري اكتفى بتبيان ملكه على انه ملكوت الله في قلوب الناس.

ليس عنده فتح بلدان عنوة أو سلامًا. هذا ما في ايامه كان متروكًا للامبراطورية الرومانية. وبعد موته، في عهود الكنيسة، ما كان انتشار ملكوته في المبدأ متعلقًا بسياسة. هو أراد ان يعمل بروحه وانجيله ومملكات العالم متروكة لتقاربات الزمان ونحن أتباعه لسنا منها وإن كنا فيها وملكوت المسيح هو القلب.

#   #

#

لا يصور إنجيل يسوع المسيح الأغنياء على انهم بلا قلب ولكنه يعلم ان الغنى خطر على الإنسان والفقر ان يصبح خطر على الإنسان. الناصري يحذر من الاخطار الروحية أية كانت، من استعباد نفسك لأي مخلوق أو مصطنع ولهذا قال: «لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 24). هناك عبادة الله الواحد الأحد. والعبادة والعبودية واحد في اللغة. ليس لأن الله أرادك عبدًا له، لأنه قال انك ابني. ولكن حسب تفسير أحد كبار الروحانيين عندنا أنت تستعبد نفسك لله بالعشق.

فإذا صرت بالحب عبدًا لله يتعذر عليك ان تصنع لنفسك ربًا آخر.

ما من شك ان المال أو كل ما تقتنيه يأسرك أسرًا رهيبًا. اذ ذاك لا يبقـى لك حرية تعبد الله بها. انت تسلم نفسك له وحده. وهذا هو شرط العشق، فليس إذًا من محبوب آخر. من هنا انه لم يبق في القلب محل للمال وليس من عبودية لإنسان. ان تحب البشر حسب قول الناصري: «أحبب قريبك كنفسك»، شيء آخر انه هو العطاء حتى النهاية أي حتى الموت. هذا يصطدم كليًّا بعشق الأرزاق وما اليها.

#   #

#

هل الأغنياء فئة شجبها المسيح؟ في الواقع الناصري تكلم عن فئة من الأغنياء كانت عاشقة لأموالها، غير مكترثة لوجود فقراء، غير متعاطفة وإياها، فاصلة نفسها عنها. هم يسوع الناصري أن نكون مجتمعًا واحدًا مع كل البشر لا يفرقنا مستوى اجتماعي بحيث نفهم اننا مؤتمنون على ملك الله.

أموالنا ليست لنا. نديرها فقط لمنفعتنا ومنفعة الناس. المسيحية لا تشرع لاقتناء المال ولا لتوزيعه. هي تقول لكل إنسان: الإنسان الآخر أخوك تعامله بما لك كأخ.

فاذا تصرفت هكذا لا يبقى شرخ بينك وبينه ولا تتصرف باذخا ومترفا ولكنك تتصرف حنونًا ولا تجعل قريبك يقترب من الموت بالجوع أو ما يشبه الجوع لأنه بات من لحمك وعظامك. فما جاء اليك بالوراثة أو العمل ينفقه المحتاجون اليه وتسهر أنت على حاجتهم وتخدمهم كما لو كانوا المسيح.

المسيحية تملي عليك ان تعطي من حولك نسبة من ثروتك. هي تجعل قلبك لا يحس ان له شيئا في هذه الأرض. إذ ذاك تصل إلى وقت لا تؤمن به بالمخاصصة ولكن بالمشاركة.

المشاركة تعني انك لا تقدر ان تقول أنا وحدها ولكنك تقول: أنا وأنت أي تقول فعلاً «نحن». ترجمة ذلك إلى واقعنا المعيش ان نحب الجماعة التي أنت قائم بها وهي قائمة فيك.

ستبقى فروق. «الفقراء معكم في كل حين أما أنا فلست معكم في كل حين». هذا لا يعني ان يسوع يقبل بوجود جائعين. هو يريدنا ان نتعامل والوضع الاجتماعي على ان نقيم العدل وان نقيم فوقه المحبة.

لم يكن يسوع ماورائيا أي مرجئا الخير. «اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم».

المحبة ملكوت الله.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأيام القادمة / السبت 29 كانون الأول 2012

تنصرم السنة بعد يومين ونرجو ان تزول بهذا الأزمنة الرديئة وان تطل علينا أوقات مباركة نرى فيها لكل الناس العدل والسلام تفتتحها النعمة حتى نضع جهدنا في إطار النعمة لتجيء قلوبنا من قلب الله وهذا حاصل في الكيانات القادرة على رؤية الكيان الإلهي.

لا تنفع الحسرة على ما فقدناه من خيرات في السنة التي فاتت. انّما تقدّسنا فيها كل منا بقدر إخلاصه. والقداسة هي الخير الوحيد الذي يبقى من الزمان الفائت لأنها هي نفحة الرجاء وبه نسير الى المحبة. الزمان يطوي السيئات اذا ما تبنا ويترك لنا الصالحات التي نزلت عليه. فاذا ما كرهنا السيئات تزول واذا تذكرنا الصالحات تبقى في الآتيات من الأيام والله يخزن في قلوبنا ما أحبت ويمحو منها ما آذت نفسها به.

ان ذاكرة الخيرات تهيئنا لحياة جديدة. اما الخطايا فلا يجوز ان نذكرها خوف عودتها فاذا ما سكن الروح الإلهي فينا يطرد المعاصي ويربينا على ذوق الجودة الإلهية. والذوق والجودة يتآلفان في نفوس تتجدد في اشتياق وجه الله. وليس من توليف في النفس بين الخطايا والإحسان الإلهي الى ان يهبنا الرب من بعد موت حياة جديدة.

في جو هذا التأمل توق الجديد النازل علينا من فوق وليس من جديد سواه وهذه هي الجدّة انك لا ترث العتيق الذي ليس من الله ولكن من العالم البالي. انت وريث الله والا كنت من الفانين والجديد لا يعني الحاضر ولكن المنسكب مما فاض عن الحياة الإلهية. القصة ليست قصة زمان انقضى او زمان جاء. انها قصة اللازمان فينا اي قصة انسياقنا الى الأبديات الحالة علينا في أزمنتنا ولكنها ليست من أزمنتنا.

على هذا المعيار تعيش ما جرى لك او معك من العام المنصرم. كان فيه الجديد الذي ألبسه الله إياك وفيه العتيق الذي حلّ فيه بالخطايا. الانسان تارة مرقع وطورا جديد. والتجديد الأخير يبدأ بالموت وتتم الجدّة اذا انقرض الموت عند انصباب الرضاء الإلهي اذ يساكننا الله فيه.

على هذا الضوء تحاكم نفسك على ما كانت عليه في العام الذي انصرم. هذا لا يعني انك تدينها. ربك وحده يدينك كل يوم واذا كنت من التائبين يكشف لك دينونته قبل ان تموت لأنه يريدك ان تموت حسنا.

#   #

#

لا بد ان تقع اذا واجهت كل ما يؤتيك زمانك اذ يعسر عليك ان تتحمّل كل ما يواجهك من صعاب النفس. ولكن اذا كنت انسان الله ينتشلك هو بسبب حنانه وقد جئت  من حنان لما ولدتك امك وذقت الكثير منه بعد سقطات وتجلى الله بين الرفعة والرفعة.

الرياضة التي يطلبها الآن ربك منك ان تفيد دائما من الحسنات التي ذقت فهذا الذوق يربيك. ومعنى هذا في العمق ان تبني على الحسنات هذه لتشكر الرب اولا وتعاهده ثانيا على الاستمرار بها من اجل صدقك في الاخلاص. هكذا فقط تعرف الجدة في الأزمنة الآتية اليك. ولكن لا تنسَ ان الزمان بحد نفسه لا يخلق الجدّة. ربك وحده ينعم عليك بها فتعرف انه هو وحده قوّة وجودك وارتقائك الى وجهه.

ولكن اذهب الى ربك مع الأحبة. خدمتك لهم في ان تحبهم حتى يشكروا الله اذا عرفوا انهم قائمون في محبته لهم ومحبتك لهم. لا تستطيع ان تصل الى الرحمان ما لم تكشف لأصدقائك رحمانيته فيصيرون له. انت لا تستطيع ان تسير اليه وحدك. فاذا اصطحبتهم واصطحبوك تعرفون معا انكم سائرون اليه. ان وجه الله لا يمكنك ان تراه ما لم ترَه على وجه الإخوة. ربما كان من قبلت ان تراه يكشف لك وجه الرب.

هذه مرافقة لك ولهم وليس فيها زمان ولو جرت في الأزمنة. انها الأبدية فيكم ضمن الزمان الرديء او الزمان الطيب. الله يبيّن لك انه هو وحده الجودة فيما يأتي إليك كل وقت من اوقاتك. ليس التاريخ هو المهم. انه لا شيء ان لم يحل الله فيه، ان لم يصر فيك زمان الله.

هذا يعني ان الأبدية ليست آتية عليك من المستقبل. ان هي نزلت على حاضرك والآتي يصيران كلاهما مقام الله فيك. الأبدية النازلة على الزمان تجعله زمان الله. لذلك كان الله هو الجدّة.

#   #

#

واذا كان الأمر فينا هكذا يتطلّب منك هذا ان تملأ، السنة القادمة، نفسك من الحضور الإلهي ليكون لها معنى. اما حشو الأيام والأسابيع والأشهر فيها بلا حضور إلهي فيجعلها بلا مضمون والمضمون هو الله نفسه.

اقول تملأ نفسك ونفوس من تحب. هلى هذا انت قادر والآخرون تدعوهم بحلاوة نفسك الى ان يطلّوا على الله فيطلّ عليهم. انت تشغل الأيام الآتية اليك. انك تجعلها اليك ان طلبت لها الرحمة العظمى.

ليس شغلك ان تهتم باليوم. كل يوم هو للرب اذا ظهر فيه للكنيسة او للإخوة الأبرار. شغلك ان تطلب اليه ان يحضر في كل ايامك وان تجعل كل وقت عندك افضل مما سبقه لأنك ان تجددت انت يمنحك ربك ان تجدد الآخرين. حياة الرب فقط تطهرك من وطأة الأزمنة السيئة عليك فتصبح خليقة جديدة فيمسح الله من عينيك كل دمعة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

عطاء الأبرار / السبت 22 كانون الأول 2012

الكنيسة الأرثوذكسية تبدو أحيانًا ضعيفة في بشريتها واذ بها تنهض بافتقاد إلهي حسب قول الرب لها: «واخطبك لنفسي الى الأبد أخطبك لنفسي بالعدل والحق والإحسان والمراحم» (هوشع 2: 19).

الموت الروحي رفيقنا كجماعة. يشدنا الى خارج المسيح حتى يدعو من اختارهم ليطلقهم في التوثب. ويحيينا بما يهبنا من افتقاده. المسيحيون بشر وتعتريهم ضعفات كل البشر فيما هم يشتهون ان يجددهم انسكاب الله فيهم. الكنيسة المجيدة الوضاءة وعد وبعض تحقيق يدوم قليلا او كثيرا. ان المجد لا يسطع كاملا فينا ما دمنا في هذا الجسد والخطيئة ساكنة فينا الى ان تكف في الموت ونذوق به وعود المجد للتائبين.

الكنيسة مجيدة بالوعد وهذه حقيقة أخروية. فالخطيئة معششة في النفس التي يسكن فيها نداء المجد وطاقتنا على ذوق الملك الآتي. معنى الكلام اننا نشتهي المجد وهذا الاشتهاء بعض مجد ولكن كماله محقق في اليوم الأخير.

انت تعيش في كنيسة هشة بسبب من سقوطنا وعظيمة بسبب من النعمة وانت تتوق الى القداسة فتعطاها على الرجاء ولا تكمل فيك. ليس من نصر في هذه الدنيا ولكن ليس من يأس لأن الخطيئة لا تقضم نفسك بكاملها لأنها قائمة بالوعود الإلهية والوعد الإلهي.

ما يصح على كل الإخوة في رؤية واقعهم النفسي هذا لا يمنع ان المؤمنين في السباق على دروب الخلاص وان تفاوتوا قدرا وجهدا. وليس من مؤمن في السماء وفق العقيدة الأرثوذكسية الا مريم القائمة من الموت والشهداء. اما القديسون الآخرون فهم قائمون مثل أهل الأرض على الرجاء.

هذا الوصف ليس تراضيا مع التراضي. ولكنه حث على رؤية الجمال الروحي على بعض من الوجوه. اذا تكلمنا عن القديسين فليس لننسب اليهم القيام في المجد. هذا لمريم فقط مع الذين بذلوا دماءهم في الشهادة.

كل ما أعطانا الله اعطانا اياه بالوعد والوعد بعض تحقيق. لهذا كانت المسيرة باقية الى ان ينقلنا الرب الى رحمته من بعد موت.

#   #

#

ومسيرة بعض النفوس وثابة الى درجة انك تراها وكأنها في السماء. الملكوت آت مع المسيح الآتي ابدا وهو في بعض من بشر راسخ بحيث تحس انهم حضرة المسيح فأنت تدركه إدراكا مباشرا في الكلمة وكثيرا ما تلتقطه على وجوه استنارت ولا تستطيع ان تباعد في الرؤية بينها وبين وجه الإله.

البشرية تعيش بهؤلاء وبهم يشهد الله لنفسه. بفضل هؤلاء لا ينحصر الرب في سمائه. ينزل على الأرض فتغدو هذه سماء اخرى يسكن فيها البر.

نفسك تطلب هؤلاء الناس لتنتعش. لا يحيا امرؤ وحده ولكنه يحيا في شراكة الحب. هذه تسمى في المسيحية كنيسة. هذه ليس شيء مثلها لأنها سطوع التجسد الإلهي الذي يزورنا بعد ايام معدودة. كل المسيحية قولها ان الانسان بات مسكن الله. فاذا رأينا من كانت نفسه عظيمة البهاء نكون قد رأينا مجد الله على الأرض. ولما صُلب المبارك بدا الله آتيا الينا بدمه فأصعدنا بهذا الانسكاب الى السماء.

الى هذا الضياء دعيت الانسانية كلها. غير ان هذا لا يتحقق فيها كلها. النور يختار لنفسه مواضع مميزة. انت لا تحدد للرب أماكن حضوره. هو ينتقيها كما يشاء. وعليك انت ان تفتش عن أماكنه في البشر.

هناك من نستطيع ان نعرفهم بجمالاتهم وان نغض النظر عن نقائصهم او الا نراها لكوننا ابصرنا الرب يتراءى فيهم اي في النهاية يقر فيهم. المخلّصون مقار الله. كيف يستمر التجسد بلا رؤيتنا اياه في الطيبين الذين يجودون علينا بحلاوتهم والدماثة والشفافية. ليس التجسد معطى محدودا الى كل مدى، انه لأفراد جعلوا الله نصيبهم وانت لا تجد ربّك فقط ان سعيت اليه. هذا طريق. ولكنك تجده عند من عاشره بالطاعة اي بالزهد بالأنا واستقبال الرب في بذل ذاتك. ليس الله في الآخر بانغلاقه عنك. هو في الآخر وفيك اذا استطعتما ان تتلاقيا لتتشاركا. الله في هذا النوع من البشر.

#   #

#

تتطلّب الحياة الروحية ان يلتقي الروحانيون في المدى المنظور. لا ينبغي ان يكتفي الروحاني بذاته. اجل هذا يؤمّن إشعاعا ما ولكن اذا رمت ضوءًا كثيرا لا بدّ ان تتكاتف والأبرار. تكتل الصالحين يعطيهم فعالية ناتجة من مشاركتهم. هناك تراص يساعد على الفاعلية الروحية. والتراص يقوي الرسالة كثيرا.

لست من أنصار التكتلات في الحياة الروحية. ولكن اجتماع الأبرار يمد بعطائهم ويكثر العطاء. صح ان الأبرار ليسوا حزبا ولا يتحزبون ولكن التلاقي بينهم موقع من مواقع الله. الأشرار كثيرون وفاعلون على طريقهم. يصدمهم الأبرار في فهمهم وعمقهم وصدقهم واذا تجمّع الصالحون تقوى شهادتهم.

والأشرار لا تبيدهم الا الشهادة وعدد الأشرار لا يخيف. واحد يبيد فعلهم إبادة كاملة. لذلك لا بدّ للأنقياء ان يتعاونوا ليس فقط بنقائهم ولكن بثقافتهم وصمودهم واجتماع بعضهم الى بعض لأن هذا الاجتماع حضور الله في العالم.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

البطريرك إغناطيوس / السبت 15 كانون الأول 2012

الكبار قلّة. واحد منهم بطريرك الروم الأرثوذكس إغناطيوس الرابع ذهب عنّا إلى اللّطف الإلهي. شعرت لما ووري الثرى انه يقر في ملكوت الآب. كنا نشتاق بقاءه بيننا. إلى اللامدى، إلى الإقامة في سكينة ربه وافتقادنا اياه.

اذا ذكرت كاهنا ترى نفسك مرفوعا إلى تقواه لتسكنك وإلى ما حققه بهذه التقوى في أعماق من رعاهم. هذا ما ينتظره الرب ومحبوه من الراعي. وفي هذا أعطى من نذكر ذاته إلى كل الناس أكانوا من كنيسته أو من غير كنيسته أو من أهل العالم.

أعطى إلى العقل ما أخذه بالعقل وبه التمع ويزين لي انه في هذا كان الأقوى. قلت ما قلته هنا في أسقف كانت له إطلالة عظيمة على الدنيا. في هذا الجانب يذكرني بالروحانيين القدامى الذين لم يفصلوا بين ما استلهموه الله وما أبدعته أذهانهم فأعطوا مما نزل عليهم.

كان السيّد إغناطيوس الرابع يجمع بين الحكمتين الإلهية والبشرية والبشرة ركيزة فعلية للإلهيات التي تنزل علينا. اظن ان أهميّة هذا الراحل الكبير تكمن في انه قدر ان يلج باب المعرفة الإنسانية ليوحي للمشككين انهم لا يحتكرون الذهن الحر الصافي وان أهل الايمان يملكونه أيضا.

بفضل هذه المسيرة كما أراها لا يستطيع الخارجون عن الإيمان ان يروا الإدراك حكرا عليهم. من حيث الفهم ليس الخارجون عن الايمان اعظم ذكاء من أهل الإيمان. ان البطريرك إغناطيوس في تحركه الفكري ثبت هذا.

#   #

#

لقد استطاع هذا السيد الكبير ان يبيّن ان العقل الصافي لا ينفصل عن البساطة. هناك بساطة انجيلية أو عيسوية كانت تلتحم عنده مع الذكاء. اذا اردت ان أكون حادا أقول انه حافظ على اتّضاع القرية وعلى فذلكة الإنسان الأكاديمي. أحيانا كانت تصبح بساطته مذهلة وتتساءل امامها كيف يجمع هذا الرجل المفرط في الذكاء بين العقل المتقد وتعبير يشبه أحيانا كلام الأطفال. ثم تتساءل عن طبيعة تقواه أو على لونها فتراه أحيانا شفاف اللغة الدينية وعالي التفلسف. واذا اردت ان تصنف طبيعة ذهنه تقول انه نشأ على المنهاج الفلسفي دون ان يهمل بسيط الكلام.

يخفي البساطة بأسلوب تعبيري يحتجب وراءه احتجابا اظن انه كان يأتيه من حياء قديم موروث من مناهج النسك.

في هذه البيئة كان يؤلمه الذين ليس عندهم لهب ولو كان يصبر كثيرا. جاءه الصبر من معاناة طويلة في أوساطنا الدينية، من رؤيته لضعفاتنا ومنها ان الكنيسة لم تصل بعد إلى مرتجاها ان تكون عروس المسيح. كان يرى الوهن عندنا ومع ذلك كان في آن »رجل أوجاع« كما قال الكتاب وانسان الرجاء الكبير.

ربما بسبب غير المحقق والتماسا للمرجو صار رجل المؤسسات. هل اعتقد ان المؤسسة هي الثبات، أو الحلم المحقق؟ اظن هذا. كان هذا تعبيرا عن الجانب البراغماتي في طبعه. ما جعله يرجح التطبيق على النظري البحت.

#   #

#

كنت ترى هذا في توليه البلمند وكل مدى تربوي في كنيستنا واذا اردت ايضاح شخصيته ايضاحا اكبر اقول انه كان مربيا في كل المجالات التي تعاطاها في التعليم وفي معالجته الشأن الرعائي في الكنيسة. بات يخشى ان نستغرق في النظريات الكبيرة ولا نصل إلى المعالجة الحقيقية لمشاكل معهد اللاهوت من جهة ولمشاكل الكنيسة من جهة. في الحالتين كانت الرعاية تطغى عنده على الذهنية الأكاديمية. المهم في رأيه الخلاص والنتائج العملية لكل ما نقوله أو نفكر به.

المؤكد ان الرعاية تعني الشدة وليس فيها تحير وكان هذا باديا في كل تحرّك له. والرعاية تنطلق من القلب إلى الذهن.

من هنا ان البطريرك الراحل كان يشرف على قلبه من ذهنه. هذا يجعل الكاهن أو الأسقف المفكر في توتر بين قناعاته النظرية وضرورة التطبيق أو بين الحقيقة ومعاملة الناس. كيف تقود بالنصوص الدينية شعبا قليل الاطلاع عليها؟ كيف تجعل رعيتك في الوحدة وفي الحقيقة بآن؟ وبعبارة اخرى كيف، معلما، تملي على الناس العقيدة وراعيا ترسخها في عقولهم على قدر قوتها وتهيئها لاقتبال الحق.

في جانب من جوانب إحساسه أظن انه لم يخرج من بساطة العيش. هو ما كان يرى تصادما بينها وبين الثقافة العليا. يذهلني فيه هذا الجمع بين الفكر البسيط والفكر المعقّد. كنت تراه شخصية غنية بجمع الأضداد إلى حال واحد كما نقول في أيام الصيام الكبير.

كان يريد ان يكون عقلانيا وحساسا في آن. العقل والشعور يمتزجان عندنا في العبادات وهذه كان يتقنها. ربما تركزت ديانته على ما فيها من فكر ولو عرف بساطة المسيح وهنا أصرح ان الرتب ما كانت تغريه وما كان يتقبلها ليعلو بها. الكنيسة الأرثوذكسية في كل العالم تحب صورة الشماس المثقف الذي لا يتوق إلى المراتب. يدعوك اليها الرؤساء للحاجة وتضطر إلى الطاعة. تصير بطريكا أحيانا ويبقى لك قلب شماس يؤثر أداء الترتيل وبهجة العبادة. الأرثوذكسيون قداس والباقي يعطى لهم كزيادة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

قداسة أم قديسون؟ / السبت 8 كانون الأول 2012

«قدوس واحد، رب واحد، يسوع المسيح». نأخذ من هذا ان القداسة اذا نُسبت الى انسان نسبية قليلا او كثيرا ولا يمكن ان تكون كاملة في مخلوق. القديسون المطوبون انفسهم رأينا عندهم إشعاعات إلهية ومواهب وإطلالات على البر او برّا كبيرا ولكن لم نر فيهم برا مطلقا. كان لهم في دنياهم مقدار من القربى الى الله كبير. فإذا خاطبناهم في صلاتنا كما ترى الكنائس القديمة فهذا لشعورنا انهم يشاركوننا توجهنا الي الله وتوبتنا اليه. ولكن اذا سمينا عظماءنا مسحاء فهذا على سبيل رؤيتنا اليهم مقربين ومجالسين إياه بقدر ما فيهم من النعمة والحق.

فإذا سميناهم وسطاء لا ننسى ان «الوسيط الوحيد بين الله والناس» (1تيموثاوس2: 5) هو السيد المبارك الذي جعل في نفسه اللاهوت والناسوت وان من سميناهم قديسين يتوسطون من ضمن الوساطة الوحيدة التي ليسوع المسيح.

لذلك لا مكانة إطلاقا لهذا القول الشعبي المغلوط اننا نتوسط البقديسين لكونهم بشرا أقرب الينا من السيد فمن رأى الى المسيح وجد عنده الطبيعة البشرية الكاملة في طهارتها.

الى هذا يدلك الباحثون على الضعف الذي كان عليه على الأرض هذا او ذاك من الذين نستشفعهم. وحدهم الشهداء مقبولون في المجد الكامل. هم لا يقيمون في الغبطة الكاملة قبل القيامة العامة والدينونة وان سطع فيهم نور فهذا نورالثالوث. ليس لمخلوق نور من ذاته وانت لا تطلب من انسان سماوي نعمة من عنده. كل نعمة تحل في انسان أبقي في حدود جسده ام انتقل نزلت عليه. انه اقتبسها من إلهه اذا كان ربه قد استبقاه على الأرض ام نقله اليه.

لذلك لما اختلف بعض من المسيحين في أمر بعض من القديسين المحبوبين اليهم وفاضلوا بين باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي أقامت الكنيسة عيد الثلاثة الأقمار في يوم واحد لتوحي لهم ان تقييم القديسين امر احتفظ به الله لنفسه وان هذا يظهر فقط في اليوم الأخير.

#   #

#

هذا لا يمنع الباحثين ان يتبينوا جوانب البر المختلفة عند السماويين كما لا ينفع احدا ان يقترب بالمعرفة من هذا اكثر من اقترابه من ذاك. هذه أذواق روحية مسموح بها اما قول بعض الناس ان من اهل السماء من اختص بهذا النوع من العطف او ذاك او يلجأ اليه في هذا الظرف او ذاك فهذا لم يكشفه الله لأحد.

لا ينفعك في شيء ان تقارن بين القديسين. ما ينفعك كثيرا ان تتشبه بهم وان تعرفهم. المصيبة اننا نعرف القليل او لا نسعى الى المعرفة. في هذا الباب لفتني ان الكثيرين عندنا قريبون عاطفيا من ايليا النبي. يستشفعونه كثيرا ويبنون الكنائس على اسمه ويخاطبونه بالأدعية اذا مرض اولادهم. ويقيني انهم لا يعرفون غير وجاهته عند الرب. ولكن من من المؤمنين العاديين يعرف انه من العهد القديم؟ من يعرف شيئا يسيرا عن سيرته وعن مخاصمته للملك آخاب وللملكة إيزابيل؟ من يتقدس بهذه المعرفة؟ تصدمني هذه الديانة الشعبية الفارغة من المضمون.

لست أدين ديانة احد ضمن استقامة الرأي التي ينتمي اليها نظريا هذا المؤمن او ذاك ولكن يصدمني ان موقف الكثيرين من القديسين لا علاقة له أحيانًا باستقامة الفكر والعقيدة مما يوحي ان هناك كنيسة شعبية قائمة على خيال الناس ولا علاقة لها بالكنيسة الحقيقية التي أسسها يسوع المسيح.

ويحزنني على صعيد الرعاية اننا نعرف هذه الانحرافات في شعبنا ويقول بعض الأعلين: «اتركوا الشعب على إيمانه». هذا كلام مرفوض كليا لأن ما وصفناه آيمانًا ليس بإيمان. انه الخرافة عينها ونحن علينا ان نضرب الخرافات كما ضرب الأقدمون الأصنام. الصنم كثيرا ما كان في العقل والنفس وانت لا يحق لك ان تحافظ في الكنيسة على عبدة الأصنام.

#   #

#

ليست الكنيسة طائفة البشر الذي يسمون انفسهم مسيحيين. انها مجموعة الذي استقام رأيهم فقالوا بكلام الله كما صدر عنه وكما فسره أكابر الإيمان واللاهوت عندنا. انت تؤمن بالوحي فقط واذا آمنت ترجو وتحب.

انت تتوق الى القداسة التي هي صفة الله الكاملة وانت وصحبك سماكم الله آلهة وقال: «كونوا قديسين كما انا قدوس». انت وان وطئت قدماك هذه الأرض جالس في السماويات اذا صار عقلك سماويا. الله يصفك في سجل الحياة انسانا مألوها وانسانا ساعيا. لعل القداسة سعي الى القداسة.

انت تبتغي ان تكون رفيق المسيح في كمال انسانيته. لا ترتضي ان تصبو الى ما كان أقل من المسيح لأن ما كان اقل منه هو من العالم وأنت تجاوزت العالم لتسكن السماء. انه هو ردم الهوة التي أقامتها الخطيئة بين هذا العالم والعالم الآخر. يدفعك هذا الى ان تنتمي منذ الآن بالرجاء الى العالم الآتي فالمسيح أتى ويأتي الآن وسوف يأتي.

انت في كل تحركاته لأنك له. الخطيئة هي ان ترتضي ان تلبس ضعفك بعد ان قال الرسول: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم».

هذه هي القداسة الا يفرق شيء بين كيانك وثوبك الذي هو المسيح. المسيح يرتضي ان يجعلك انت ثوبه بعد ان قبلت ان يصير هو ثوبك.

القداسة ان ترفض ان تجعل لنفسك حيزا غير المسيح. ان تقيم فيه هو ان يجعلك اياه. اذ ذاك وجهك وجهه وجسمك جسمه وعيناك عيناه وتبصر بعينيه كل الوجود.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان تحيا في هناء دائم لجعل لك مجتمعا على هواك قائماً على الهوى ولم يفعل وتسربت الخطيئة الى تعاريج دماغك وتفاصيل فكرك وثنايا قلبك وستبقى كذلك لأن البشر لا يتوبون أو التائبون قلة ولهم من معاصيهم منافع لأن الكثيرين منا عبدة مال وعبدة سلطان وقتال وهم لا يؤمنون ذلك الايمان الذي قذفه الله في النفس. لا يؤمنون ولو مارسوا فإن الدنيا أفقهم والآخرة تفرض عليهم تكاليف وتعبا كثيرا وصدامات مع أهل الأولى ولا يتعب أهل الأولى الصدام.

وليس لك أن تخرج من الدنيا ولو رغبت ويريد أهلها أن تلازمها حتى يسيطروا عليك فهم بالسيطرة يسكرون ويجعلون معاشك متعبا جدا ويحاولون كسبك الى ضلالاتهم ليهنأ لهم العيش فيها وهو متنفسهم إذ يحسبون أن الفضيلة مختنقهم ليس أنها لا تجذبهم أحيانا فالفضيلة جذابة كالرذيلة وإذا جذبت الانسان يذوقها ذوقا كثيرا.

أن تسبر غور الخطيئة هو أن تسبر كثافة العتمات وفي العتمة المكثفة تأبى النهوض وقد لا تخامرك فكرة النهوض لأن هذا يعني أن تعيش في النور لئلا تعيش نفسك كما آلت اليه أي وكرا للأفاعي وإذا تآكلت الافاعي أو عضتك الواحدة تلو الاخرى تحسب أن شفاءك يأتي بإعجوبة وتفهم أن غير ذلك تكاثر الذنوب.

والعالم كله تحت الشرير لأن كل ما في العالم «شهوة العين وشهوة الجسد وكبرياء الوجود». الذين استغرقوا فيه، احبوا شهواته، صار مضمونهم. خلاصهم يبدأ إذا استلذوه. يريدون الحياة الجديدة. «ماذا اعمل لأرث الحياة الأبدية؟». احيانا تلمس عند كبار العصاة شوقا الى الحياة الجديدة النازلة من الرب والقادرة أن تجعل الانسان جديداً وكأن الذنوب لم تلمسه او كأنها لم تعشش فيه. الانسان لا يستطيع أن يستخرج من ذاته حياة جديدة. انه ميت. لا يقدر أن يحيي نفسه. يجب أن يحييه آخر. يجب أن يقيمه آخر من بين الاموات. ووسوسة
الشيطان الكبرى أن يقول له: أرجئ هذا فحياتك في أن تكره الحياة الابدية، في الا تشتهيها. انها تكلفك جهدا كبيرا لا لذة فيه تشبه اللذات التي كنت تسبح فيها.

#   #

#

النهوض من الموت الروحي الى حياة مشكلة. بعد أن اسودت صورة الله فينا. من يمحو هذا السواد؟ كيف؟ الكيف أن يعود الله نفسه الى الانسان فيبيد الموت. المسيح قام من بين الاموات لأنه عاد هو نفسه أي حياته التي لا تفنى الى جسده الذائق الموت. هذا اعجوبة. لا يحيا الانسان من جديد الا باعجوبة والاعجوبة تعني تحديدا هذا الشيء الذي لا يأتي منك. الذي ينزل عليك. ولهذا كانت التوبة خلقا جديدا. انت لا تصنع التوبة. تهبط عليك نعمة. تتقبلها وتعترف انها نعمة فإذا ظننت انك فاعلها تموت بكبريائك.

ما تقدر عليه أن تستقبلها. انها هي التي تفتح نفسك لتحل فيها. يحدث فيك خلق جديد. تغدو خليقة جديدة. هذا ما قاله بولس لأنه هو القائل: «بالنعمة انتم مخلَّصون». أنت كنت لا شيء وما أحييت نفسك. الروح القدس هو وحده المحيي.

إذا سقطت في الذنوب مرة أخرى السؤال هو كيف تستنير. لم يوضح الرسول كيف يكون النهوض. اضطرب لهذا اضطراباً كثيرا. خشي الا يبقى لنا سبيل الى الخلاص. ما كان عنده الا ان يلتمس النعمة، الى أن ينادي الروح القدس ليحل من جديد في النفس البشرية. عند بولس حيرة وجودية امام مشكلة النهوض بعد السقطة. لم يكن ليفهم حقيقة كيف يعيش الانسان خارج المسيح. كيف يبقى المسيح عائشا فيك بمعمودية واحدة؟ أين تذهب المعمودية بعد أن سقطت؟ كيف تحيا من جديد في قيامة المخلص؟ هل لك من وجود خارج الاقامة في المسيح؟ أسئلة تعاش في الألم. فإذا كانت لك أعجوبة الخلاص لا يكون لك تفسير للأعجوبة. يبقى لك فقط تلقيها.

#  #

#

الى هذا عندنا تراث من باسكال القائل اركع وصلّ (ان احسست بشعور ديني أم لم تحس). لم اجد كلاما كهذا في تراث الشرق النسكي ولكنه رعائيا مفيد او معقول أو قابل للتجربة. اطلب من المتحير ايمانيا او من كفر بالله ان يرافقك الى الكنيسة. قد يسمع صوتا جديدا او يلمس نعمة نزلت عليه.
بعض الذين كفروا يحدثون من تحول حدث معهم وما كانوا ملتفتين الى الله. في الحقيقة هو الذي يلتفت اليك ويتخذ الوسائل التي تحلو له. تروض على تقبل النعمة. لا يعني هذا انك تأمر الله ان ينزلها عليك ولكن تروض ما استطعت.

آباؤك قالوا ينبغي ان تفهم كل كلمة من كلمات الصلاة. غير ان هذا لا يعني بالضرورة تحس بالكلمات. قلها قد تكون «آمرا» الله أن يأتي اليك. إرم نفسك عليه. إرتمِ في احضانه. ربما لمّك واحتضنك. انه دائما يشعر ببنوتك. دائماً الرب يخترع وسائل لتقترب انت اليه. وإذا رآك من بعيد وكان عارفا أنك ابن ضال ينسى ضلالتك لأنه متأكد أنك ان انضممت الى صدره تسمع نبضات قلبه وتفهم ان قلبه ينبض من اجلك. انه متعطش الى رجوع قلبك.

يحركه بطريقة عجائبية لم يدلك عليها مسبقا. هو دائما صانع العجائب. «عجيب في قديسيه» نقول. عجيب في خطأته أقول. الخطأة هم له وقال هذا بقبوله أن يعلق الخطأة مسيحه على الخشبة. وإذا قبلوا دمه خلاصا يذهب عنهم عنادهم ليحل «عناده» هو أي المحبة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

محبّة الله ومحبّتنا / السبت 24 تشرين الثاني 2012

الدنيا خيبات ان كنت تتوقّع ان ترد لمحبّتك محبّات. ما طلب الله في كتابه ان تسعى إلى ان يحبّك احد. أمرك أنت ان تحبّ كما أحبّ ابنه حتى الموت. أنت، زارعًا تزرع على الرجاء ولكن ما قال الرب في هذا المجال انك تزرع لنفسك. انه هو الحصاد للخير الذي أنت تعطيه. قد لا يرد احد لك جميلا وليس عليك ان تنتظر ذلك. أنت تتعزّى بما تعطي لا بما تنتظر اذ قد يرد لطاعتك رفض.

أنت تعطي مجانا وترجو ان يرد المعطى له شكرًا لله. لا ينبغي ان يكون سعيك ان يرد لك احد جميلا. أنت تعطي الآخر ليحسّن علاقته بالله. تعطيه لخلاصه وهذا يزيد نصيبك بالخلاص. أنت تنتظر من عطائك خلاصًا لك ولمن أعطيت وهذا يأتيك من مجانية الهبة الإلهيّة التي نزلت عليك وأوحت لك ان تحب.

أنت تفهم من كل هذا انك فقير إلى الله وحده لأن احدا لا يستطيع ان يعطيك الا ما عنده وقد لا يكون عنده الا القليل. ما قاله يسوع الناصري ان المحبّة فيها تبادل. هو تكلّم عن أجر لك في السماء بمعنى انه هو الذي أخذ ما ظننت انك تعطيه بشرا ورأى ربّك انه هو الآخذ.

ان لم تبقَ فقيرا إلى الله تغرق في الخيبات. الناس يعطون، حقيقة، في حالة واحدة اذا أحسّوا انهم معطون ربّهم في ما يعطونك. أنت لست غنيا بحد نفسك. أنت تستغني بالله فتبدد نعمته على الآخرين. مَن وهبك ولم يحسب انه يهب الله أو لم يحسب انه يوزع لك الثروة التي اقتناها من ربّه يصبح مستعبِدك. ليس لأحد شيء ليبدّده. انه مؤتمن على ما استودعه ربّه. الانسان يلتمس غنى ربّه فاذا جاءه يشرك الناس فيه وعلى من قدّم للناس عطايا ان يشعرهم بأنه وكيل الله لتوزيع هباته وان ينقلهم إلى شكر الله حتى اذا شكروه. مَن بذل من ماله أو فكره أو حبه مجرد جسر بين الله ومن افتقدهم. الشعور الوحيد الذي لنا الحق فيه ان نذهب بمن نسكب عليهم حنانا إلى ربّهم الذي يعاد إليه بالشكر ما نقدّمه للناس بسبب من محبّته لهم ولنا.

#   #

#

ما لم نبق فقراء إلى الله لا نستطيع ان نأخذ منه شيئا. لذلك كانت علاقاتنا بالآخرين ترجمة لعلاقتنا بالله.

غير ان ارتباطنا بالله لا نمتحن حقيقته أو صدقه الا اذا ارتبطنا بالبشر. انهم هم وجه الله الينا. فإن ارتضيناهم نكون قد ارتضيناه وان رفضناهم نكون قد رفضناه. لذلك أهل الطقوس ليسوا بالضرورة أهل الله. أجل كل حب الهيا كان أو بشريا يتطلّب تعابير وتعبيرنا لله عن محبّتنا له تلبس تعبيرنا عن محبتنا للناس. عندهم نلتقيه. انهم مذبح عبادتنا الحقيقيّة له. هذا المذبح يقول يوحنا الذهبي الفم أهمّ من المذبح الذي قدّمنا عليه القرابين. الحب هو القربان.

#   #

#

حب البشر للبشر يمكن ان ينعكس فيه حب الله لنا. فاذا ارتقيت أنت على معارج حبك لربّك أمكنك ان تحبّ الناس في صفاء تؤتاه من فوق وفي تجرّد عمّا يمكنك ان تكسبه منهم. اذا صارت مودّتك لهم صورة عن مودّة الله لخلائقه تكون مودّتك لهم غير مختلطة بمنافع لك أو استلذاذ بمشاعرك.

محبة البشر للبشر ان كانت إلهيّة يمكن ان يخامرها تأثّر عاطفي. ليس باطلا ان تطهّرت. والمحبة المبذولة منك إلهيا لإنسان دون ان ترجو منه ما يقابلها كثيرا ما خالطها لهب بشريّ. ليس هذا بمحرم. فاذا احببنا الهيا يمتزج هذا بالبشرة ولا أذى من ذلك. ليس الحب الالهي النفحات فينا لبشر لحميّ الاندفاع فقط. ان التلاقي بين الألوهة فينا واللحم سرّ من أسرار الوجود. علينا ان نحاول ان نجعله على صورة التلاقي بين الألوهة والبشرية في المسيح. التلاحم بيننا وبين الربوبية الكامنة فينا يبقى سرا نتلقاه ولا نفسره. ولكني أيقنت اني أستطيع ان استخدم لفظة التلاحم التي تشير، لغة، إلى لقاء اللحم واللحم. هكذا يكون تداخل الألوهية المتأنسنة فينا والبشرية في ارتقائها إلى هذه الإلهية القابعة فينا.

هذه هي خبرة القديسين التي حاولت في رؤيتي لها من بعيد ان أترجمها لنفسي وللقارئ بلغة البشر. يا ليت ربي يهب كلاّ منّا ان يتلقاها في نفسه كما تريد له النعمة ذلك. مَن حاول يذيقه، بمقدار صدقه، ربه شيئا من ذلك.

في هذا نستقر اذا اردنا ان نفهم. القديسون يستعملون لغة العقل بعد ان رأوا الرؤية. ان العقل الا مجرّد ترجمة لخبرة القديسين الا في المجالات التي تخصّه وحده.

من صار إلى هذه الرؤية لا تحجبها بالضرورة عن أبصاره خطيئاته ولكن ان تكشفت هذه تذهب عنه الرؤية ويعود بشرا من تراب والتراب لا يرى شيئا. والرؤية مسكوبة على من سعى وجاهد نفسه جهادا شرعيا طويلا حتى لا يبقى فيها الا الله أثرا.

هذا المسعى ليس الاعتزال قوته. أنت لا ترى الله الا اذا رأيت الإخوة وضممتهم إلى صدر المسيح ليسمعوا نبضات قلبه والكلمات التي لا يسوغ النطق بها. واذا انضمّ الناس إلى صدره يأخذون إخوتهم إليه حتى يبدأ الملكوت على الأرض ونفرح به معا. اذ ليس الملكوت مرجأ لأن الملكوت هو المَلك وقد جاء ليبشّرنا بأن الله محبّة وان المطلوب ان نقرأ محبّته لنا وان نستمدّها ليقرأ الناس ربّهم اذا انحنى عليهم وأذاقهم حنانه فإنه بهذا يظهر غناه وانحناؤه لنا.

Continue reading