Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم أحد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

وإذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / السبت 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم احد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

واذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزواج المدني / 9 شباط 2013

تدل هذه العبارة على قيام ارتباط يقوم به المجتمع المدني أي يفترض قيام مجتمع كيان مدني هو في حقيقته الأمة، كذلك يفترض ان الأمة ذات كيان عضوي مجتمعيا ذي حراك قانوني ينتج هيكليات ينتمي اليها المواطنون ومنها العائلة. فالعائلة قائمة ليس فقط شعوريا ولكن نظاميا في ظل ما يشبه هيكلية بحيث وجب القول ان المجتمع كيان له تعبير قانوني.

وليس من تجمع ذي طابع قانوني الا اذا كان تجمعا قائما بذاته أي كاملا. الجماعة الكاملة هي الجماعة المدنية غير المتجزئة قانونيا. هذا يعني ان المجتمع قائم بذاته غير مؤلف من أجزاء كالطوائف الدينية. هذه لها كياناتها وليست مجموعتها تؤلف مجتمعا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. وأنت تنتمي، مواطنا، إلى هذه المجموعة مباشرة ولا تنتمي اليها باعتبار طائفتك الدينية مرصوفة إلى طوائف اخرى. أنت لا تعبُر طائفتك لتكسب عضويتك المجتمعية.

يعالج موضوع الانتماء بالمنظور المسيحي بحيث يقال ان الجماعات الدينية لا تؤلف المجتمع المدني. طبعا هنا انطلق من الرؤية المسيحية لأنك في الرؤية الاسلامية تقول شيئا آخر. في المسيحية ليست الكنيسة جزءا من المجتمع المدني. هي متصلة بالحياة الأبدية أي ليست متصلة بالجماعة الدنيوية. نقول في المصطلح الإسلامي هناك دنيا وآخرة وليس بينهما تلازم.

أنا مضطر بحكم قناعتي المسيحية ان أعالج المجتمع المدني من جهة والمجتمع الكنسي من جهة. هناك مستويان لا بد من التمييز بينهما لنفهم الإشكالية التي تواجهنا.

هناك مجتمع مدني لا ينظر فيه إلى الهوية الدينية. هذه طبعا قولة مسيحية. عندي ان هذه الرؤية هي الوحيدة التي تمكنك من ثنائية طيبة ومنتجة هي ثنائية المدني والأخروي وان كان الأخروي مقيما في المدني إذ ليس من انتماء لا يتصل بالانتماء الآخر فأنت من هذه الدنيا ومن الآخرة بآن وتتحرك بهما ولو تمايزا.

«أنتم في العالم ولستم من العالم» (يوحنا 17: 11-16). هذا كلام للمعلم الناصري وهو كشف لنا منه اننا قائمون في هذه الدنيا ومتاعبها وفرحها واننا في هذه الإقامة نحن مدعوون إلى الملكوت. نحن بكل قوانا وفهمنا وجهدنا نعمل في هذا العالم وبمنطقه ومنتظرون الدهر الآتي كما تقول كتبنا المقدسة. لا ننكر الوضع الدنيوي الذي نحن فيه ولكننا لا نغرق فيه لنعمل في هذا العالم وللدهر الآتي بآن. لنا في هذا العالم منطق الدهر الآتي وذوق جمالاته والحنين اليها وكفاح في العالم بلا استغراق فيه. ولهذا العالم قوانينه ومسالك لنا فيه نرجو ان نستبق فيها الدهر الآتي منذ الآن في حياة الروح.

المجتمع المدني القائم في هذا الدهر يتوق إلى الدهر الآتي ولكن له منظومات هذا الدهر. واذا تكلمنا عن هذا فنعرف ان من منطقه إقامة مؤسسات فيه منها الزواج. فالزواج وان تاق إلى الآخرة الا ان له قواعد مأخوذة من هذا العيش الذي نحن فيه. عند المسيحيين والمسلمين معا له قدسية ويشرف الله عليه وان اختلفت الأحكام باختلاف الديانتين. فعند نشوء المسيحية التي كانت تؤثر تكوين العائلة بين مؤمن ومؤمنة كان المسيحيون قلّة وكان لا مفر من اختلاط المسيحيين والوثنيات في حياة زوجية وما كان للزواج شكل إكليل الا بعد القرن السابع. وما كانت الكنيسة تطلب من الفريق الوثني ان يعمَّد لإجراء إكليله. هنا لا يعني ان المسيحيين الأوائل لم يعتبروا قدسية الزواج من فريق غير مسيحي. ومن المعروف ان الزواج في مطلع المسيحية على قدسيته عند الفريق المؤمن لم يكن فيه اشتراط ان الفريقين كانا بالضرورة على المسيحية.

ومن الواضح كثيرا من رسائل القديس إغناطيوس المتوفى السنة 117 ان الزواج كان يتم أحيانا مع فريق وثني وان ما يسمى الإكليل لم يظهر في البدايات وإن كان التراضي اساسيا في حضرة الأسقف بلا احتفال.

ولكن كان لا بد ثمة من شكليات رومانية أي ان الكنيسة لم يكن عندها حفلة زواج كنسي ولو كان ثمة ضرورة لموافقة الأسقف. الإنسان يتزوج أمام الإدارة الرومانية أو القضاء الروماني. وكان هذا كافيا – مع مباركة الأسقف – إلى اعتبار هذا القران مقدسا ولكن ما نسميه الإكليل كان تقديسا الهيا للزواج بلا احتفال.

فعبارة زواج ديني وعبارة زواج مدني كانتا غائبتين على لسان المسيحيين. فإن أنت أحببت فتاة وثنية أو مسيحية وتزوجتها عند السلطة الرومانية مع زيارة للأسقف لطلب رضاه يكون هذا زواجا مسيحيا.

هل كان هذا زواجا مسيحيا أم زواجا مدنيا؟ السؤال ليس له معنى. فأنت تعقد زواجا عند السلطة المدنية وتذهب إلى الكنيسة لتناول جسد الرب وتفهم جماعة المسيحية انك تزوجت بالرب.

فالشكل الكنسي المسمى إكليلا لم يكن له وجود قبل القرن السادس أو السابع ولكن الاقتران المسيحي ببركة الأسقف بلا احتفال في البدء وباحتفال لاحق كان هو التعبير عن التراضي والمحبة الزوجية وهذا هو السر. في المسيحية الأولى كان الزواج بحد نفسه يحمل القدسية ويعبر الأسقف عن كمونها في الاتحاد. والزواج يبدأ بالعهد ويستمر بالأمانة. ان تسميه مدنيا اذ كان في البدء بلا شكل أو صورة أو تسميه كنسيا لأنه قائم على أبدية الحب لا فرق. كل عهد زوجي يخص المدينة ونظامها لأنه من هذا الدهر ويخص الكنيسة التي هي جسد المسيح. المهم العهد وقبول الله للعهد.

نحن لسنا ضد الشكل المدني الحاصل في الدولة ولكن من عرف نفسه عضوا في الكنيسة نصلي معه في زواجه ونتقبله في حبه الزوجي ونجعل من زوجيته قربانا ويسمو بنا ونسمو به إلى الزواج الروحاني القائم بين المسيح وكنيسته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزواج المدني / السبت 9 شباط 2013

تدل هذه العبارة على قيام ارتباط يقوم به المجتمع المدني أي يفترض قيام مجتمع كيان مدني هو في حقيقته الأمة، كذلك يفترض ان الأمة ذات كيان عضوي مجتمعيا ذي حراك قانوني ينتج هيكليات ينتمي اليها المواطنون ومنها العائلة. فالعائلة قائمة ليس فقط شعوريا ولكن نظاميا في ظل ما يشبه هيكلية بحيث وجب القول ان المجتمع كيان له تعبير قانوني.

وليس من تجمع ذي طابع قانوني الا اذا كان تجمعا قائما بذاته أي كاملا. الجماعة الكاملة هي الجماعة المدنية غير المتجزئة قانونيا. هذا يعني ان المجتمع قائم بذاته غير مؤلف من أجزاء كالطوائف الدينية. هذه لها كياناتها وليست مجموعتها تؤلف مجتمعا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. وأنت تنتمي، مواطنا، إلى هذه المجموعة مباشرة ولا تنتمي اليها باعتبار طائفتك الدينية مرصوفة إلى طوائف اخرى. أنت لا تعبُر طائفتك لتكسب عضويتك المجتمعية.

يعالج موضوع الانتماء بالمنظور المسيحي بحيث يقال ان الجماعات الدينية لا تؤلف المجتمع المدني. طبعا هنا انطلق من الرؤية المسيحية لأنك في الرؤية الاسلامية تقول شيئا آخر. في المسيحية ليست الكنيسة جزءا من المجتمع المدني. هي متصلة بالحياة الأبدية أي ليست متصلة بالجماعة الدنيوية. نقول في المصطلح الإسلامي هناك دنيا وآخرة وليس بينهما تلازم.

أنا مضطر بحكم قناعتي المسيحية ان أعالج المجتمع المدني من جهة والمجتمع الكنسي من جهة. هناك مستويان لا بد من التمييز بينهما لنفهم الإشكالية التي تواجهنا.

هناك مجتمع مدني لا ينظر فيه إلى الهوية الدينية. هذه طبعا قولة مسيحية. عندي ان هذه الرؤية هي الوحيدة التي تمكنك من ثنائية طيبة ومنتجة هي ثنائية المدني والأخروي وان كان الأخروي مقيما في المدني اذ ليس من انتماء لا يتصل بالانتماء الآخر فأنت من هذه الدنيا ومن الآخرة بآن وتتحرك بهما ولو تمايزا.

«أنتم في العالم ولستم من العالم» (يوحنا 17: 11-16). هذا كلام للمعلم الناصري وهو كشف لنا منه اننا قائمون في هذه الدنيا ومتاعبها وفرحها واننا في هذه الإقامة نحن مدعوون إلى الملكوت. نحن بكل قوانا وفهمنا وجهدنا نعمل في هذا العالم وبمنطقه ومنتظرون الدهر الآتي كما تقول كتبنا المقدسة. لا ننكر الوضع الدنيوي الذي نحن فيه ولكننا لا نغرق فيه لنعمل في هذا العالم وللدهر الآتي بآن. لنا في هذا العالم منطق الدهر الآتي وذوق جمالاته والحنين اليها وكفاح في العالم بلا استغراق فيه. ولهذا العالم قوانينه ومسالك لنا فيه نرجو ان نستبق فيها الدهر الآتي منذ الآن في حياة الروح.

المجتمع المدني القائم في هذا الدهر يتوق إلى الدهر الآتي ولكن له منظومات هذا الدهر. واذا تكلمنا عن هذا فنعرف ان من منطقه إقامة مؤسسات فيه منها الزواج. فالزواج وان تاق إلى الآخرة الا ان له قواعد مأخوذة من هذا العيش الذي نحن فيه. عند المسيحيين والمسلمين معا له قدسية ويشرف الله عليه وان اختلفت الأحكام باختلاف الديانتين. فعند نشوء المسيحية التي كانت تؤثر تكوين العائلة بين مؤمن ومؤمنة كان المسيحيون قلّة وكان لا مفر من اختلاط المسيحيين والوثنيات في حياة زوجية وما كان للزواج شكل إكليل الا بعد القرن السابع. وما كانت الكنيسة تطلب من الفريق الوثني ان يعمَّد لإجراء إكليله. هنا لا يعني ان المسيحيين الأوائل لم يعتبروا قدسية الزواج من فريق غير مسيحي. ومن المعروف ان الزواج في مطلع المسيحية على قدسيته عند الفريق المؤمن لم يكن فيه اشتراط ان الفريقين كانا بالضرورة على المسيحية.

ومن الواضح كثيرا من رسائل القديس إغناطيوس المتوفى السنة 117 ان الزواج كان يتم أحيانا مع فريق وثني وان ما يسمى الإكليل لم يظهر في البدايات وإن كان التراضي اساسيا في حضرة الأسقف بلا احتفال.

ولكن كان لا بد ثمة من شكليات رومانية أي ان الكنيسة لم يكن عندها حفلة زواج كنسي ولو كان ثمة ضرورة لموافقة الأسقف. الإنسان يتزوج أمام الإدارة الرومانية أو القضاء الروماني. وكان هذا كافيا – مع مباركة الأسقف – إلى اعتبار هذا القران مقدسا ولكن ما نسميه الإكليل كان تقديسا الهيا للزواج بلا احتفال.

فعبارة زواج ديني وعبارة زواج مدني كانتا غائبتين على لسان المسيحيين. فإن أنت أحببت فتاة وثنية أو مسيحية وتزوجتها عند السلطة الرومانية مع زيارة للأسقف لطلب رضاه يكون هذا زواجا مسيحيا.

هل كان هذا زواجا مسيحيا أم زواجا مدنيا؟ السؤال ليس له معنى. فأنت تعقد زواجا عند السلطة المدنية وتذهب إلى الكنيسة لتناول جسد الرب وتفهم جماعة المسيحية انك تزوجت بالرب.

فالشكل الكنسي المسمى إكليلا لم يكن له وجود قبل القرن السادس أو السابع ولكن الاقتران المسيحي ببركة الأسقف بلا احتفال في البدء وباحتفال لاحق كان هو التعبير عن التراضي والمحبة الزوجية وهذا هو السر. في المسيحية الأولى كان الزواج بحد نفسه يحمل القدسية ويعبر الأسقف عن كمونها في الاتحاد. والزواج يبدأ بالعهد ويستمر بالأمانة. ان تسميه مدنيا اذ كان في البدء بلا شكل أو صورة أو تسميه كنسيا لأنه قائم على أبدية الحب لا فرق. كل عهد زوجي يخص المدينة ونظامها لأنه من هذا الدهر ويخص الكنيسة التي هي جسد المسيح. المهم العهد وقبول الله للعهد.

نحن لسنا ضد الشكل المدني الحاصل في الدولة ولكن من عرف نفسه عضوا في الكنيسة نصلي معه في زواجه ونتقبله في حبه الزوجي ونجعل من زوجيته قربانا ويسمو بنا ونسمو به إلى الزواج الروحاني القائم بين المسيح وكنيسته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

محبو الأعياد / السبت 2 شباط 2013

انطوت الأعياد في ما مضى من أيام وعدنا إلى الزمن الرتيب. والعيد في تعارف الشعوب والأديان يضرب الرَتب (بفتح الراء) والغاية منه ان يخرجك تخيلا من كرّ الزمان ليقيمك في الأبدية القائمة في الذكرى من حيث ان الذكرى ليست مجرد تخيل للماضي ولكنها استحضار له أي تسميره على الآن بحيث تردم الهوة بين الآن وما سبقه من آونة. وكأنك تتضجر مما يبدو لك في الزمان تفاهة او جمودا وتدخل في الأوان وهو الموعد والموعد فيه وعد البركات وانكشاف البهاء الإلهي وكأن الموعد يكسر تكرار الآونة ليقيمك في سر الأبدي وخيار المقدس.

العيد اذًا ينقذك من الضجر، من جهنم عدم التجديد ليرفعك إلى الأعلى، الى حركة الجمال في «ملّة ابراهيم» التي جعلت نفسها في جمال الله النازل عليها. ملّة الكتاب الإلهي ارتبطت بتذكار أحداث ابتدأت بأبي التوحيد ابراهيم وشكّلت تاريخا مقدسا يؤطره التاريخ العام ولكنه تاريخ رسمه الله في زمان الناس ولكنه ليس من الناس.

رأى المؤمنون أنفسهم مرتبطين بحوادث جاء الله بها وعنت للناس خلاصا لهم اي نوعا من إلقائهم في فدسية الأبدية وهي أحداث فعلها الله بتوظيفه أنبياء  كما تسميهم ديانات التوحيد او بتوظيفه قديسين وهم مختارو الله بقدسية سيرتهم ويعلمنا الله بهم أو يكتب أفعاله فيهم لنقرأه هو اذ ظننا اننا نقزأهم.

وأحس المؤمنون ان أحداث المسيح أو أحداث الأنبياء أو ما جرى للقديسين على كثافة روحية تنقل الينا الخلاص أو تذكرنا به وكأننا نتلفها ان لم نذكرها. ما جرى عظّم فينا حياتنا الروحية ونسعى إلى ان تبقى لنا هذه العظمة حركة في النفس كل سنة بحيث تمتلئ كل أيامها بالذكرى اي خارجة من وهنها ومشدودة إلى قوة الله المتجلّية في قديسيه. نريد ان نلتقط ما نحسبه دائما، الا نقبله متفلتا مع الزمان الذي هو في دوام العبور كما يعلّمنا هيراقليط. كيف نعلو روحيا ان قبلنا نسيان الأحداث الروحية العظيمة التي قام بها المخلّص أو آباؤه في الجسد منذ ابراهيم الخليل أو المتفرعون من قداسته بعد قيامته من بين الأموات؟

#     #

#

السؤال الذي يهم المؤمن هو هل يجمع الزمان إلى الزمان أم تجمع الأبدية القائمة في التاريخ إلى نفسها. طبعا كل شيء إلهي في سيرة السيد يلقى على كل تنهيدة إلهية في نفس الأبرار بعد صعوده إلى السماء لأن الروح القدس الذي بثّه على الصليب وبعد القيامة هو الذي ينشئ القديسين.

في الكنيسة نقلد بعضنا بعضا فنتشابه لكوننا استمددنا النعمة الواحدة وهكذا نؤلف سلك القداسة الواحد مهما تعددت الوجوه فنقترب من القديسين بتقليدهم ولو اختلفت تعابير القداسة بين هذا وذاك أو ظهر النسك وما وراء التعابير قداسة واحدة.

هكذا تختلف أعياد الشهداء في دلالتها عن أعياد من نسميهم الأبرار أي النساك وتختلف قداسة الراهب بتعبيرها عن قداسة المتزوج ولو كان مضمون النقاوة واحدا من هذا وذاك. ولكوننا نلتمس القداسة عند كل فئات الأبرار نستغني بكل تعابيرها لكي يضيء الله بها كل نفس.

هذا الغنى الروحي يبدو مختلفا في صورته لا مضمونه بين القديسين الرهبان والقديسين المتزوجين، بين القديسين من الملوك والقديسين من الفقراء. هذا الاختلاف في الغنى الروحي أو تعابيره يدفعنا إلى الاغتذاء من كل فئات القديسين ومن كل أحداث الخلاص في سيرة السيد. ولهذا ننتقي كل ما ورد في الإنجيل وحياة الأبرار لنجعل لأنفسنا ينابيع مختلفة للقداسة. إلى هذا اختلاف الأبرار في السيرة وكشفهم للقدوة الخاصة بكل واحد حتى يكتمل غنانا الروحي ويتكثف.

#     #

#

لكون القداسة تختلف مظاهرها وتاليا غناها بين الأبرار نحتاج إلى كل الأبرار لنقلدهم ونسمو بهم.

لذلك يزداد غنى الكنيسة كلّما اكتشفت قديسا جديدا له نوعية تعابيره أو جدته في التعبير عن القداسة. من هنا، اننا لا نستطيع ان نهمل دراسة قديس جديد وتطويبه حتى لا نبقى فقراء في الكلام عن القداسة. في حياة كل قديس تفاصيل سلوك وتفاصيل كلام احياناترفعنا ويجب الكلام فيها حتى تزداد ثروتنا الروحية.

إلى هذا نحتاج إلى الاطلاع على ما بدا عند هذا أو ذاك من الصالحين حتى لا نفتقر. ونحتاج إلى توزيع المعرفة على كل أيام السنة. لذا عندنا كل يوم عيد أو بضعة أعياد مجتمعة ليكشف فينا الأبرار عند ذكراهم ولا ينقص يوم من أيام السنة غنى في المضمون الروحي.

العيد أبدية نراها في الآن، في كل موعد لنا مع الزمن لكوننا نتوق إلى أبدية حاضرة، مكثفة. لذلك نقيم العيد ونبتهج. يحزننا الحزن الذي تجرّه الأيام. ولهذا نتوق إلى قطعة من السماء على الأرض نسميها العيد. الصابرون يفتشون عنه في كل الأوقات. لهذا كان دائما يدهشني أي لما كان يقص علينا قصص الذين تزوجوا في الحرب العالمية الأولى. كنت أتصور انه من العسير جدا ان يتزوج المرء في وضع زمني سياسي صعب.

في الأزمات يتوق المؤمن ان تنزل عليه نعمة تهبه الفهم والتصرف الحسن فيكون أحيانا سلوكه عيدا.

كيف نستنزل الأبدية إلى الزمن الذي نعيشه؟ كيف نجعل الأرض سماءً والمؤمنين كلهم رعية سماوية بالرغم من خطايانا؟ كيف تصبح الحياة كلها عيدا أي مكانا لله على هذه الأرض؟

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

محبو الأعياد / 2 شباط 2013

انطوت الأعياد في ما مضى من أيام وعدنا إلى الزمن الرتيب. والعيد في تعارف الشعوب والأديان يضرب الرَتب (بفتح الراء) والغاية منه ان يخرجك تخيلا من كرّ الزمان ليقيمك في الأبدية القائمة في الذكرى من حيث ان الذكرى ليست مجرد تخيل للماضي ولكنها استحضار له أي تسميره على الآن بحيث تردم الهوة بين الآن وما سبقه من آونة. وكأنك تتضجر مما يبدو لك في الزمان تفاهة او جمودا وتدخل في الأوان وهو الموعد والموعد فيه وعد البركات وانكشاف البهاء الإلهي وكأن الموعد يكسر تكرار الآونة ليقيمك في سر الأبدي وخيار المقدس.

العيد اذًا ينقذك من الضجر، من جهنم عدم التجديد ليرفعك إلى الأعلى، الى حركة الجمال في «ملّة إبراهيم» التي جعلت نفسها في جمال الله النازل عليها. ملّة الكتاب الإلهي ارتبطت بتذكار أحداث ابتدأت بأبي التوحيد إبراهيم وشكّلت تاريخا مقدسا يؤطره التاريخ العام ولكنه تاريخ رسمه الله في زمان الناس ولكنه ليس من الناس.

رأى المؤمنون أنفسهم مرتبطين بحوادث جاء الله بها وعنت للناس خلاصا لهم اي نوعا من إلقائهم في فدسية الأبدية وهي أحداث فعلها الله بتوظيفه أنبياء  كما تسميهم ديانات التوحيد او بتوظيفه قديسين وهم مختارو الله بقدسية سيرتهم ويعلمنا الله بهم أو يكتب أفعاله فيهم لنقرأه هو اذ ظننا اننا نقزأهم.

وأحس المؤمنون ان أحداث المسيح أو أحداث الأنبياء أو ما جرى للقديسين على كثافة روحية تنقل الينا الخلاص أو تذكرنا به وكأننا نتلفها ان لم نذكرها. ما جرى عظّم فينا حياتنا الروحية ونسعى إلى ان تبقى لنا هذه العظمة حركة في النفس كل سنة بحيث تمتلئ كل أيامها بالذكرى اي خارجة من وهنها ومشدودة إلى قوة الله المتجلّية في قديسيه. نريد ان نلتقط ما نحسبه دائما، الا نقبله متفلتا مع الزمان الذي هو في دوام العبور كما يعلّمنا هيراقليط. كيف نعلو روحيا ان قبلنا نسيان الأحداث الروحية العظيمة التي قام بها المخلّص أو آباؤه في الجسد منذ ابراهيم الخليل أو المتفرعون من قداسته بعد قيامته من بين الأموات؟

#     #

#

السؤال الذي يهم المؤمن هو هل يجمع الزمان إلى الزمان أم تجمع الأبدية القائمة في التاريخ إلى نفسها. طبعًا كل شيء إلهي في سيرة السيد يلقى على كل تنهيدة إلهية في نفس الأبرار بعد صعوده إلى السماء لأن الروح القدس الذي بثّه على الصليب وبعد القيامة هو الذي ينشئ القديسين.

في الكنيسة نقلد بعضنا بعضا فنتشابه لكوننا استمددنا النعمة الواحدة وهكذا نؤلف سلك القداسة الواحد مهما تعددت الوجوه فنقترب من القديسين بتقليدهم ولو اختلفت تعابير القداسة بين هذا وذاك أو ظهر النسك وما وراء التعابير قداسة واحدة.

هكذا تختلف أعياد الشهداء في دلالتها عن أعياد من نسميهم الأبرار أي النساك وتختلف قداسة الراهب بتعبيرها عن قداسة المتزوج ولو كان مضمون النقاوة واحدا من هذا وذاك. ولكوننا نلتمس القداسة عند كل فئات الأبرار نستغني بكل تعابيرها لكي يضيء الله بها كل نفس.

هذا الغنى الروحي يبدو مختلفا في صورته لا مضمونه بين القديسين الرهبان والقديسين المتزوجين، بين القديسين من الملوك والقديسين من الفقراء. هذا الاختلاف في الغنى الروحي أو تعابيره يدفعنا إلى الاغتذاء من كل فئات القديسين ومن كل أحداث الخلاص في سيرة السيد. ولهذا ننتقي كل ما ورد في الإنجيل وحياة الأبرار لنجعل لأنفسنا ينابيع مختلفة للقداسة. إلى هذا اختلاف الأبرار في السيرة وكشفهم للقدوة الخاصة بكل واحد حتى يكتمل غنانا الروحي ويتكثف.

#     #

#

لكون القداسة تختلف مظاهرها وتاليا غناها بين الأبرار نحتاج إلى كل الأبرار لنقلدهم ونسمو بهم.

لذلك يزداد غنى الكنيسة كلّما اكتشفت قديسا جديدا له نوعية تعابيره أو جدته في التعبير عن القداسة. من هنا، اننا لا نستطيع ان نهمل دراسة قديس جديد وتطويبه حتى لا نبقى فقراء في الكلام عن القداسة. في حياة كل قديس تفاصيل سلوك وتفاصيل كلام احياناترفعنا ويجب الكلام فيها حتى تزداد ثروتنا الروحية.

إلى هذا نحتاج إلى الاطلاع على ما بدا عند هذا أو ذاك من الصالحين حتى لا نفتقر. ونحتاج إلى توزيع المعرفة على كل أيام السنة. لذا عندنا كل يوم عيد أو بضعة أعياد مجتمعة ليكشف فينا الأبرار عند ذكراهم ولا ينقص يوم من أيام السنة غنى في المضمون الروحي.

العيد أبدية نراها في الآن، في كل موعد لنا مع الزمن لكوننا نتوق إلى أبدية حاضرة، مكثفة. لذلك نقيم العيد ونبتهج. يحزننا الحزن الذي تجرّه الأيام. ولهذا نتوق إلى قطعة من السماء على الأرض نسميها العيد. الصابرون يفتشون عنه في كل الأوقات. لهذا كان دائما يدهشني أي لما كان يقص علينا قصص الذين تزوجوا في الحرب العالمية الأولى. كنت أتصور انه من العسير جدا ان يتزوج المرء في وضع زمني سياسي صعب.

في الأزمات يتوق المؤمن ان تنزل عليه نعمة تهبه الفهم والتصرف الحسن فيكون أحيانا سلوكه عيدا.

كيف نستنزل الأبدية إلى الزمن الذي نعيشه؟ كيف نجعل الأرض سماءً والمؤمنين كلهم رعية سماوية بالرغم من خطايانا؟ كيف تصبح الحياة كلها عيدا أي مكانا لله على هذه الأرض؟

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكس في الميزان / السبت 26 كانون الثاني 2013

هنا حملة على الأرثوذكسيين لأن فريقا منهم تقدم بمشروع سياسي يتعلّق بنظام التشريع الانتخابي. هنا لا بد من التوضيح ان الأرثوذكسيين الذين يعرفون أنفسهم كنيسة فقط يرفضون ان تكون لهم صفة أخرى اذ لا يعترفون هم أنفسهم انهم مجموعة سياسية موحّدة ينبثق عنها رأي حزبي، لأنهم لو أجمعوا على موقف سياسي لألفوا طائفة في التركيبة اللبنانية وهم يرفضون هذا من حيث المبدأ. اما اذا وصفتهم الدولة في دستورها مجموعة سياسية فهذا قول فيهم وليس رأيا لهم. لذلك ليس في شؤون الدنيا موقف يلزمهم أو تدعوهم الكنيسة اليه. وكنيستهم لا تتحدث بشأن سياسي وسبق لها ان اتخذت مواقف وطنيّة بمنطق وطني.

عند الأرثوذكسيين ما يسمى المجمع المقدس أي مجموعة الأساقفة القائمين في سوريا ولبنان والعراق وقد اتخذ في السنوات الأخيرة التي عشناها مواقف تتعلّق بالمنطقة العربية ولا سيما فلسطين المحتلة رافضا لاسرائيل ومنها مواقف تتصل بسوريا أو بلبنان وليست فيها اية اشارة إلى الأرثوذكسيين وحدهم. لم يقف واحد منهم أو اثنان أو ثلاثة ليقولوا هذا موقف طائفتنا لأن احد ليس موكلا هذا التعريف ولأن وحدة «الروم» في الحيّز السياسي نرفضها رفضا كاملا لكوننا نسعى إلى وحدة الشعب اللبناني والروم يعيشون معا فقط  في صلاتهم وخدمتهم للناس. اما اذا اجتمع بعض منهم بسبب من تقارب فكري فيما بينهم لخدمة الوطن فمن له عليهم؟ أليس كل الناس يعملون هكذا؟ فلماذا كل هذه الحملة كأن بقية اللبنانيين يعفون عن الدفاع عن أنفسهم ومصالحهم واستمرار مناصبهم وامتيازاتهم في الدولة، كأنهم ملائكة وصلوا إلى رؤية مدنية للوطن أو علمانية. يتهم الأرثوذكسيون بالانكماش الطائفي وكأن الآخرين عفّوا عن الطائفية. «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجرة». لا أعرف طائفة لا تسعى إلى المحافظة على ما كسبت في هذا العيش المسمى مشتركا.

الا ترون معي مطلبا طائفيا وراء مواقف مسكوبة كلاميا باللغة الوطنية وهي عتيقة في طائفيتها. وهنا لا أعتقد ان احدا يستطيع ان يعطي الآخرين درسا في العفة. ولست أرى طائفة تجردت عما كسبته لتذبح تاريخها الطائفي على مذبح الأمة. واذا أحسستم اليوم وهنا ان بعض الأرثوذكسيين تطيف قليلا أو كثيرا فلأن هذه اللوثة مبثوثة في البلاد.

إلى هذا فالأقلية الدينية لا تستطيع ان تحسم أي سجال وطني لأن الأكثريات وحدها فاعلة. أفهم ان تكون احدى الأكثريات راقية، وطنية، مستعدة الا تسيطر ولكن الواضح ان الأقليات تعطي مبادئ ومواقف روحية ولا تغير شيئا في راهن السياسة.

ليس متتبع لشؤون هذا الوطن قادرا ان يقتنع ان طائفة واحدة سبقت غيرها في ضرورة إقامة وطن على أسس غير طائفية. أنا لا أصدق من راشق الآخرين باعتبارهم طائفيين لأنه وهو وجماعته دخلوا فردوس العلمانية.

كان الناس يكتبون ضد الطائفية ثم أضافوا من وقت قريب كلمة المذهبية بسبب ما اعتبر خلافا بين أهل السنة والجماعة من جهة والشيعة من جهة أخرى إلى ان بعثوا الكلمة ليرشقوا بها الأرثوذكسيين وكأن بقية المسيحيين منزهون عن حب هذه الدنيا وأمجادها. التعصب الفاعل في كيان الوطن يتطلّب عددا كبيرا لأصحابه. كيف يمكن للأرثوذكسيين وهم لا يتجاوزون ثلاثمئة وخمسين ألف نسمة في أمة من أربعة ملايين ان يهددوا سلامة الأمة ووحدتها؟

في هذه الأيام تعثر في كثير من الأدبيات على ذكر الأرثوذكسيين مدحا بهم أو ذما ويراهم أصدقاؤهم أو خصومهم جماعة مسيسة على منحى واحد وهذا غير صحيح. هم ليسوا خير أمة أُخرجت للناس لأن منهم من يأمر بالمعروف ومنهم من يرتكب المنكر ولكنهم جماعة متمايزة لا تحلم بحكم البلد ولو وجدت فيه وترغب في الخير لكل الناس لشعورها بأنها في خدمتهم ولا تبعدها العقيدة عن خدمتهم بما أعطيت من مواهب.

قد لا تستهين بها لقلتها وقد يغريك فيها ما ورثته من تاريخ غني ومن عبادات بهية فهيمة هي معراجك إلى ربك ان شئت. ولكون هذا الجمال والحق هما من ربها تفتخر بهما ولا تفخر بنفسها لأنها مسؤولة عما نزل عليها وتهمل ما وصل اليها لتعبد نفسها وتتيه.

يحق للإنسان عنده كل جمال العبادة البيزنطية ان يحس انه مخطوف إلى فوق حيث يحق له فقط ان يلمس انه لم يصل إلى العرش ولكن يحق له ان يبصره من بعيد.

هذا لا يدقق في ما يبصره الآخرون فما من شك عندي ان البشر جميعا ورثوا الكثير من النور أخلصوا له أم لم يخلصوا ونحن اليهم بالرجاء الذي فينا. ليس احد يخلص الا من رأى هذه الرؤية واقتبس منها ما يستطيع.

الأرثوذكسيون اذا انحصروا في أجسادهم ودنياهم ليسوا بشيء اما اذا اعتبروا انهم في تراثهم ومن تراثهم قادرون ان يصيروا ملوكا يكونون صاروا هكذا من الله. من مارس عباداتهم يفهم ما قاله إرميا: «روح أفواهنا مسيح الرب». الأرثوذكسي يصبح شيئا اذا لم يميز بين فمه وفم الله أي اذا تحقق بالتقوى انه قادر ان يطلق من فمه كلام الإنجيل بعد ان انصهر فيه.

هو عارف انه «هكذا يعبر مجد العالم». هو يهزأ بالذين يسعون إلى تقاسم مجد العالم. هؤلاء باقون في العالم ولا يتقدسون. اما الذين ورثوا الملكوت فإنهم يسلكون الدهر الآتي استعدادا لاختطافهم إلى الزمن الذي يأتي فيه المسيح ثانية ليدين الأحياء والأموات.

اذًا لا مشكلة للأرثوذكسيين مع أحد وتاليا ليسوا هم المشكلة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكس في الميزان / 26 كانون الثاني 2013

هنا حملة على الأرثوذكسيين لأن فريقًا منهم تقدم بمشروع سياسي يتعلّق بنظام التشريع الانتخابي. هنا لا بد من التوضيح ان الأرثوذكسيين الذين يعرفون أنفسهم كنيسة فقط يرفضون ان تكون لهم صفة أخرى اذ لا يعترفون هم أنفسهم انهم مجموعة سياسية موحّدة ينبثق عنها رأي حزبي، لأنهم لو أجمعوا على موقف سياسي لألفوا طائفة في التركيبة اللبنانية وهم يرفضون هذا من حيث المبدأ. اما اذا وصفتهم الدولة في دستورها مجموعة سياسية فهذا قول فيهم وليس رأيا لهم. لذلك ليس في شؤون الدنيا موقف يلزمهم أو تدعوهم الكنيسة اليه. وكنيستهم لا تتحدث بشأن سياسي وسبق لها ان اتخذت مواقف وطنيّة بمنطق وطني.

عند الأرثوذكسيين ما يسمى المجمع المقدس أي مجموعة الأساقفة القائمين في سوريا ولبنان والعراق وقد اتخذ في السنوات الأخيرة التي عشناها مواقف تتعلّق بالمنطقة العربية ولا سيما فلسطين المحتلة رافضا لاسرائيل ومنها مواقف تتصل بسوريا أو بلبنان وليست فيها اية اشارة إلى الأرثوذكسيين وحدهم. لم يقف واحد منهم أو اثنان أو ثلاثة ليقولوا هذا موقف طائفتنا لأن احد ليس موكلا هذا التعريف ولأن وحدة «الروم» في الحيّز السياسي نرفضها رفضا كاملا لكوننا نسعى إلى وحدة الشعب اللبناني والروم يعيشون معا فقط  في صلاتهم وخدمتهم للناس. اما اذا اجتمع بعض منهم بسبب من تقارب فكري فيما بينهم لخدمة الوطن فمن له عليهم؟ أليس كل الناس يعملون هكذا؟ فلماذا كل هذه الحملة كأن بقية اللبنانيين يعفون عن الدفاع عن أنفسهم ومصالحهم واستمرار مناصبهم وامتيازاتهم في الدولة، كأنهم ملائكة وصلوا إلى رؤية مدنية للوطن أو علمانية. يتهم الأرثوذكسيون بالانكماش الطائفي وكأن الآخرين عفّوا عن الطائفية. «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجرة». لا أعرف طائفة لا تسعى إلى المحافظة على ما كسبت في هذا العيش المسمى مشتركا.

الا ترون معي مطلبًا طائفيًا وراء مواقف مسكوبة كلاميا باللغة الوطنية وهي عتيقة في طائفيتها. وهنا لا أعتقد ان أحدًا يستطيع ان يعطي الآخرين درسًا في العفة. ولست أرى طائفة تجردت عما كسبته لتذبح تاريخها الطائفي على مذبح الأمة. وإذا أحسستم اليوم وهنا ان بعض الأرثوذكسيين تطيف قليلاً أو كثيرًا فلأن هذه اللوثة مبثوثة في البلاد.

إلى هذا فالأقلية الدينية لا تستطيع ان تحسم أي سجال وطني لأن الأكثريات وحدها فاعلة. أفهم ان تكون احدى الأكثريات راقية، وطنية، مستعدة الا تسيطر ولكن الواضح ان الأقليات تعطي مبادئ ومواقف روحية ولا تغير شيئا في راهن السياسة.

ليس متتبع لشؤون هذا الوطن قادرًا ان يقتنع ان طائفة واحدة سبقت غيرها في ضرورة إقامة وطن على أسس غير طائفية. أنا لا أصدق من راشق الآخرين باعتبارهم طائفيين لأنه وهو وجماعته دخلوا فردوس العلمانية.

كان الناس يكتبون ضد الطائفية ثم أضافوا من وقت قريب كلمة المذهبية بسبب ما اعتبر خلافا بين أهل السنة والجماعة من جهة والشيعة من جهة أخرى إلى ان بعثوا الكلمة ليرشقوا بها الأرثوذكسيين وكأن بقية المسيحيين منزهون عن حب هذه الدنيا وأمجادها. التعصب الفاعل في كيان الوطن يتطلّب عددا كبيرا لأصحابه. كيف يمكن للأرثوذكسيين وهم لا يتجاوزون ثلاثمئة وخمسين ألف نسمة في أمة من أربعة ملايين ان يهددوا سلامة الأمة ووحدتها؟

في هذه الأيام تعثر في كثير من الأدبيات على ذكر الأرثوذكسيين مدحا بهم أو ذما ويراهم أصدقاؤهم أو خصومهم جماعة مسيسة على منحى واحد وهذا غير صحيح. هم ليسوا خير أمة أُخرجت للناس لأن منهم من يأمر بالمعروف ومنهم من يرتكب المنكر ولكنهم جماعة متمايزة لا تحلم بحكم البلد ولو وجدت فيه وترغب في الخير لكل الناس لشعورها بأنها في خدمتهم ولا تبعدها العقيدة عن خدمتهم بما أعطيت من مواهب.

قد لا تستهين بها لقلتها وقد يغريك فيها ما ورثته من تاريخ غني ومن عبادات بهية فهيمة هي معراجك إلى ربك ان شئت. ولكون هذا الجمال والحق هما من ربها تفتخر بهما ولا تفخر بنفسها لأنها مسؤولة عما نزل عليها وتهمل ما وصل اليها لتعبد نفسها وتتيه.

يحق للإنسان عنده كل جمال العبادة البيزنطية ان يحس انه مخطوف إلى فوق حيث يحق له فقط ان يلمس انه لم يصل إلى العرش ولكن يحق له ان يبصره من بعيد.

هذا لا يدقق في ما يبصره الآخرون فما من شك عندي ان البشر جميعا ورثوا الكثير من النور أخلصوا له أم لم يخلصوا ونحن اليهم بالرجاء الذي فينا. ليس احد يخلص الا من رأى هذه الرؤية واقتبس منها ما يستطيع.

الأرثوذكسيون إذا انحصروا في أجسادهم ودنياهم ليسوا بشيء اما إذا اعتبروا انهم في تراثهم ومن تراثهم قادرون ان يصيروا ملوكًا يكونون صاروا هكذا من الله. من مارس عباداتهم يفهم ما قاله إرميا: «روح أفواهنا مسيح الرب». الأرثوذكسي يصبح شيئا اذا لم يميز بين فمه وفم الله أي اذا تحقق بالتقوى انه قادر ان يطلق من فمه كلام الإنجيل بعد ان انصهر فيه.

هو عارف انه «هكذا يعبر مجد العالم». هو يهزأ بالذين يسعون إلى تقاسم مجد العالم. هؤلاء باقون في العالم ولا يتقدسون. اما الذين ورثوا الملكوت فإنهم يسلكون الدهر الآتي استعدادًا لاختطافهم إلى الزمن الذي يأتي فيه المسيح ثانية ليدين الأحياء والأموات.

إذًا لا مشكلة للأرثوذكسيين مع أحد وتاليًا ليسوا هم المشكلة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الموارنة والأرثوذكس في حضرة الرب / السبت 19 كانون الثاني 2013

مع جلوس صاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي على السدة البطريركية ومع تسلّم صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر للسدة أدركت الكنيسة المارونية والكنيسة الأرثوذكسية ان تبريكا كبيرا نزل عليهما وكان تعبيره إخاء وقوة في المحبة كانا ساطعين في التعامل بينهما على أعلى صعيد. الى هذا الأفق الروحي الواسع تنظر الكنيستان اليوم لا سيما انهما ادركتا ان شغلهما الشاغل مع بقية الكنائس تعزيز المعرفة الإنجيلية وفلاحة كرم السيد معا والكنائس في هذا المشرق تتطلع الى الشهادة الواحدة وقد أدركت ان الوقت وقت تفعيل العطاء الإلهي الذي ورثته معا من الحبيب الأوحد.

كل منا أمسى خادما، حيث أقام، لرعية المسيح الواحدة بحيث دفعه الراعي الواحد الى ان يرى المسيحيين جميعا رعية لربها الواحد. واية كانت صور الخدمة وآلياتها وقاموسها بتنا نفهم اكثر من الماضي اننا واحد في خدمة سر الخلاص فلم يبقَ عند اي فريق استكبار او تنافس لأن الأزمنة باتت سيئة «وقد أريق السكيب علينا» لنصبح تقدمه حية للرب.

هناك أهمية كبيرة – في كلام اللاهوتيين- لشعور المسيحيين انهم امة للرب واحدة تنزل عليها القداسة الواحدة في الكلمة وفي القرابين. وشعور الشعب المؤمن يشكل إجماعا يجعل الكنيستين في رؤية المسيح واحدة.

الانقسام ليس واقعا لاهوتيا. هو واقع الخطيئة في التاريخ ولا يعول عليه ولكنه يعول على الوحدة التي المسيح بانيها. القسمة من ثمار الخطيئة وليس لها عند المخلص وجود الا في الدمع الجاري من عينيه. ونحن نأتي من هذه الدموع ولا نأتي من القسمة الى ان يزيل الرب كل آثار التفسخ.

عندما يكون البطريرك لاهوتيا كما هي الحال في الكنيستين المارونية والأرثوذكسية تسمو نوعية العلاقة بينهما على رجاء ارتفاع مستوى المؤمنين جميعا الى الرؤية الإلهيّة العظيمة فلا نبقى في العلاقات الرعائية البسيطة بل نرقى الى تفاهم لاهوتي عظيم والى تثبيت العلاقات على عمق هذا التفاهم.

السؤال لم يبقَ، اذ ذاك، كيف نعيش معا في مجتمع كنسي واحد ولكن كيف نرقى في الإحساس اللاهوتي والتربية الإلهية الواحدة بحيث نسلك وكأننا أخذنا نبني الكنيسة الواحدة معا في قداسة البر.

#   #

#

كيف نخترق حواجز التاريخ والأنظومات القانونية في حين تكشف لنا الرؤية الوحدة لكنيسة الغد، هذه الرؤية التي تكشف لنا التدبير العملي لحياتنا المشتركة. ما المستوى الذي لا بد لنا ان ترتقي اليه؟ ماذا يجب ان نهدم لنرى وحدتنا المشتهاة؟

هناك خصوصية في العمل والتعامل بين الكنيسة الأرثوذكسة والكنيسة المارونية لا لحصر التلاقي بينهما ولكن لشعور في التقارب عميق، ربما كان مردّه الى ان هاتين الكنيستين لم تختبرا تباعدا في وجودهما على أرض واحدة قد يكون تفسيره ان اية منهما لم تنهشِ الأخرى ولم تطمع بأغنامها اذ كانت تحتسب ضمنا ان الرب في الكنيستين بالقوة الواحدة. المؤمنون في هذه الرعية وتلك منذ ظهور الحركة المسكونية والتقارب بين الرئاسات الروحية لم يعودوا يحسون بوجود انقسام بين الرعيتين واخذت كل رعية تشعر بصدق ان الرعية الأخرى واحدة معها في شركة الإيمان الأساسي ولم يبقَ أثر حقيقي لخطف الأغنام من الرعية الأخرى.

يعيش المسيحيون اليوم في هذا البلد بشعور وحدة قائمة وان لم يكن لها تعبير قانوني نظامي. انت تقبل ضمنا -بمفهوم عميق او غير عميق- ان المسيحي الآخر أخوك وانك لن تجرحه. وهذا آتٍ من كونك صرت تحبه منذ ثلاثين او أربعين سنة وأخذت تحس ان الله بهذا الموقف مباركك.

قد يكون مردّ هذا عند العامة ان فريقا ما لم يبقَ محبا للخلاف وقد يكون مردّ هذا الى ان مشقات الانقسام صارت جارحة لكلّ منّا ولسنا نريد ان ندفع ثمنها. الى هذا في جو التقارب الإنساني العام ازداد شعور المسيحيين بوحدتهم.

كيف نجسّم هذا من أبسط مستوى التعايش الرعائي بيننا الى أعلى مستوى لاهوتي؟ انا لا أقدر ان أحس بوحدتي مع الانسان الكاثوليكي ما لم أسائله في مسائل عديدة تتعلّق بممارساته الفكرية والعملية. انا لا أقدر ان أحب الكاثوليكي حبا صادقا وكبيرا ما لم أسائله في كتابات له وحياته الرعائية. علاقات الكنائس ليس فيها مجاملة. انها قائمة على اللاهوت اي على التلاقي العظيم في المسيح يسوع. أظن ان ضعف الكنائس او بعضها مرده عقلية اهل المشرق العائشين مع خصومهم الفكريين ومع اصدقائهم بالطريقة الواحدة التي هي طريقة المجاملة والتقارب السطحي في كل مجال من مجالات الحياة.

عندما يكون لنا بطريركان جديران بكل تقدير ومحبة يمكننا ان نرجو اليهما مباشرة المحادثات اللاهوتية. هذا يتطلّب طبعا تمهيدا للدراسة الجدية ولكن هذا اذا لم يبدأ نكون سجناء المجاملة الطائفية لا التلاقي الأخوي العظيم في وجدانيته والعظيم في المعرفة.

ربما كان ظرفنا ظرف التلاحم في المكاشفة الأخوية. من عرف عن كثب نيافة وغبطة البطريرك الماروني وغبطة البطريرك الأرثوذكسي، من قدرهما حق قدرهما لا بد له ان يقول بنفحتين نازلتين عليهما انه «وقت يُعمل فيه للرب».

الرؤية اللاهوتية متوفرة اليوم في الكنيستين وقد أخذتهما المحبة الإلهية وبعد المحبة يأتي الفكر وهذا ما يسميه الرسول «فكر المسيح». لأن هذا حي في الكنيستين وفي رأسيهما لا بد من ان ينادي احد أخاه مناداة الحب لكي يلتقيا في قلب الله. وعند انعطاف القلب الإلهي يتبارك كل لقاء.

لقاء الموارنة والأرثوذكس يتممه المسيح لا أهل الدنيا. ونحن، مشتركين، نجيء من مخلص القلوب وبانيها بحبه.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الموارنة والأرثوذكس في حضرة الرب / 19 كانون الثاني 2013

مع جلوس صاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي على السدة البطريركية ومع تسلّم صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر للسدة أدركت الكنيسة المارونية والكنيسة الأرثوذكسية ان تبريكا كبيرًا نزل عليهما وكان تعبيره إخاء وقوة في المحبة كانا ساطعين في التعامل بينهما على أعلى صعيد. إلى هذا الأفق الروحي الواسع تنظر الكنيستان اليوم لا سيما انهما أدركتا ان شغلهما الشاغل مع بقية الكنائس تعزيز المعرفة الإنجيلية وفلاحة كرم السيد معًا والكنائس في هذا المشرق تتطلع إلى الشهادة الواحدة وقد أدركت ان الوقت وقت تفعيل العطاء الإلهي الذي ورثته معًا من الحبيب الأوحد.

كل منا أمسى خادما، حيث أقام، لرعية المسيح الواحدة بحيث دفعه الراعي الواحد إلى أن يرى المسيحيين جميعًا رعية لربها الواحد. وأية كانت صور الخدمة وآلياتها وقاموسها بتنا نفهم أكثر من الماضي اننا واحد في خدمة سرّ الخلاص فلم يبقَ عند أي فريق استكبار أو تنافس لأن الأزمنة باتت سيئة «وقد أريق السكيب علينا» لنصبح تقدمه حية للرب.

هناك أهمية كبيرة – في كلام اللاهوتيين- لشعور المسيحيين انهم أمة للرب واحدة تنزل عليها القداسة الواحدة في الكلمة وفي القرابين. وشعور الشعب المؤمن يشكل إجماعًا يجعل الكنيستين في رؤية المسيح واحدة.

الإنقسام ليس واقعًا لاهوتيًا. هو واقع الخطيئة في التاريخ ولا يعول عليه ولكنه يعول على الوحدة التي المسيح بانيها. القسمة من ثمار الخطيئة وليس لها عند المخلص وجود الا في الدمع الجاري من عينيه. ونحن نأتي من هذه الدموع ولا نأتي من القسمة إلى أن يزيل الرب كل آثار التفسخ.

عندما يكون البطريرك لاهوتيًّا كما هي الحال في الكنيستين المارونية والأرثوذكسية تسمو نوعية العلاقة بينهما على رجاء ارتفاع مستوى المؤمنين جميعا إلى الرؤية الإلهيّة العظيمة فلا نبقى في العلاقات الرعائية البسيطة بل نرقى إلى تفاهم لاهوتي عظيم وإلى تثبيت العلاقات على عمق هذا التفاهم.

السؤال لم يبقَ، إذ ذاك، كيف نعيش معًا في مجتمع كنسي واحد ولكن كيف نرقى في الإحساس اللاهوتي والتربية الإلهية الواحدة بحيث نسلك وكأننا أخذنا نبني الكنيسة الواحدة معًا في قداسة البر.

#   #

#

كيف نخترق حواجز التاريخ والأنظومات القانونية في حين تكشف لنا الرؤية الوحدة لكنيسة الغد، هذه الرؤية التي تكشف لنا التدبير العملي لحياتنا المشتركة. ما المستوى الذي لا بد لنا ان ترتقي اليه؟ ماذا يجب ان نهدم لنرى وحدتنا المشتهاة؟

هناك خصوصية في العمل والتعامل بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة المارونية لا لحصر التلاقي بينهما ولكن لشعور في التقارب عميق، ربما كان مردّه إلى ان هاتين الكنيستين لم تختبرًا تباعدًا في وجودهما على أرض واحدة قد يكون تفسيره ان أية منهما لم تنهشِ الأخرى ولم تطمع بأغنامها إذ كانت تحتسب ضمنًا ان الرب في الكنيستين بالقوة الواحدة. المؤمنون في هذه الرعية وتلك منذ ظهور الحركة المسكونية والتقارب بين الرئاسات الروحية لم يعودوا يحسون بوجود انقسام بين الرعيتين وأخذت كل رعية تشعر بصدق ان الرعية الأخرى واحدة معها في شركة الإيمان الأساسي ولم يبقَ أثر حقيقي لخطف الأغنام من الرعية الأخرى.

يعيش المسيحيون اليوم في هذا البلد بشعور وحدة قائمة وان لم يكن لها تعبير قانوني نظامي. أنت تقبل ضمنا -بمفهوم عميق أو غير عميق- ان المسيحي الآخر أخوك وانك لن تجرحه. وهذا آتٍ من كونك صرت تحبه منذ ثلاثين أو أربعين سنة وأخذت تحس ان الله بهذا الموقف مباركك.

قد يكون مردّ هذا عند العامة ان فريقًا ما لم يبقَ محبًا للخلاف وقد يكون مردّ هذا إلى ان مشقات الانقسام صارت جارحة لكلّ منّا ولسنا نريد ان ندفع ثمنها. إلى هذا في جو التقارب الإنساني العام ازداد شعور المسيحيين بوحدتهم.

كيف نجسّم هذا من أبسط مستوى التعايش الرعائي بيننا إلى أعلى مستوى لاهوتي؟ أنا لا أقدر ان أحس بوحدتي مع الإنسان الكاثوليكي ما لم أسائله في مسائل عديدة تتعلّق بممارساته الفكرية والعملية. أنا لا أقدر ان أحب الكاثوليكي حبًا صادقًا وكبيرًا ما لم أسائله في كتابات له وحياته الرعائية. علاقات الكنائس ليس فيها مجاملة. انها قائمة على اللاهوت أي على التلاقي العظيم في المسيح يسوع. أظن ان ضعف الكنائس أو بعضها مرده عقلية أهل المشرق العائشين مع خصومهم الفكريين ومع أصدقائهم بالطريقة الواحدة التي هي طريقة المجاملة والتقارب السطحي في كل مجال من مجالات الحياة.

عندما يكون لنا بطريركان جديران بكل تقدير ومحبة يمكننا ان نرجو اليهما مباشرة المحادثات اللاهوتية. هذا يتطلّب طبعا تمهيدا للدراسة الجدية ولكن هذا اذا لم يبدأ نكون سجناء المجاملة الطائفية لا التلاقي الأخوي العظيم في وجدانيته والعظيم في المعرفة.

ربما كان ظرفنا ظرف التلاحم في المكاشفة الأخوية. من عرف عن كثب نيافة وغبطة البطريرك الماروني وغبطة البطريرك الأرثوذكسي، من قدرهما حق قدرهما لا بد له ان يقول بنفحتين نازلتين عليهما انه «وقت يُعمل فيه للرب».

الرؤية اللاهوتية متوفرة اليوم في الكنيستين وقد أخذتهما المحبة الإلهية وبعد المحبة يأتي الفكر وهذا ما يسميه الرسول «فكر المسيح». لأن هذا حي في الكنيستين وفي رأسيهما لا بد من ان ينادي أحد أخاه مناداة الحب لكي يلتقيا في قلب الله. وعند انعطاف القلب الإلهي يتبارك كل لقاء.

لقاء الموارنة والأرثوذكس يتممه المسيح لا أهل الدنيا. ونحن، مشتركين، نجيء من مخلص القلوب وبانيها بحبه.

Continue reading