Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء إلى الله / السبت 20 نيسان 2013

الفقراء هم فقراء إلى الله، لماذا انزعج كارل ماركس من هذا؟ اذا كان الرب عند المؤمن مصدر الوجود من ينكر عليه حقه باللجوء إلى الله سوى من اعتقد مثل ماركس ان الله اختراع الحاجة الإنسانية؟ الفقير إلى الله ليس من اضطر إلى هذا الشعور بسبب من فقره ولكنه من احس بدافع عميق من ذاته ان الرب يشبعه حياة ولا يغنيه من مال. المحتاج في أعماقه إلى الرب يأتي إلى ربه بسبب من حاجة إلى حنانه. وهب انه يأتيه من فاقة فما الخطأ في ذلك؟ الرب يأخذنا اليه من حيث نحن. فاذا أخذنا من جوع كما يرى ماركس فماذا يزعج ماركس. هل يعني اننا اخترعناه لأننا لمسنا اننا في حاجة اليه؟ هل الحاجة تستثير الخيال بالضرورة ام ان ما تطلبه موجود؟

لماذا يصر الماركسيون على اننا اخترعنا الله اختراعا لكوننا نبتغي قضاء حاجاتنا؟ من قال لهم ان هذه الحاجة ليست قائمة في الانسان وفي قلبه أو اعصابه وهل القلب والأعصاب وهم؟ وهل يريدون دليلا اعظم أو اقوى من دليل القلب؟ دائما يصدمني عند الملحدين أو الشاكين أو المتقلب ايمانهم ادعاء اللجوء إلى العقل كأنه في الحقيقة رجوع إلى العقل في حين ان ما يسمونه كذلك خيارات اختاروها وأوهموا الناس انها خيارات العقل.

#   #   #

عند الملحدين كذبة كبيرة هي ايهامهم الناس ان ما ليس من الايمان من بنات العقل في حين يمكن ان يقال من بنات الخرافة. واذا افترضنا ان ما كان خارج الايمان هو من العقل من قال ان كل عقل راجح. ليس من عقل في المطلق. هنا عقلي أو عقلك اي هو منسوب إلى كل ما في داخلي أو داخلك. ليس من كيان واحد في الناس جميعا ترجع انت اليه. كل عقل متعلق بصاحبه بكل ما فيه من معتقدات مسبقة ومن تخيلات وأوهام. ليس من مقياس واحد ثابت اسمه العقل. كل العقول تأتي من دين ورثته أو خياراتها السياسية.

كذبة المتشككين قولهم انهم يريدونك ان تعود إلى العقل. عندما ينكرون الايمان يريدونك في الكفر وهو ايمان اختاروه لأنفسهم. الكافر قرر ان الله غير موجود وفي الحقيقة عنده إله آخر هو العقل أو المال أو الحزب أو الجنس. ليس من انسان غير مشدود إلى ما هو غيره. لا يقوم دين الا بإله هو غيرك. من هنا قولنا اننا فقراء إلى إله ليس فقط يغنينا بنعمته ولكنه يقيمنا من كل عدم نقع فيه اذ كل ما عداه عدم.

«طوباكم ايها الفقراء » ورد كلام يسوع هذا في انجيل لوقا ويقول المفسرون ان في هذا تطويبة الفقراء. واذا كان الفقر بحد نفسه ليس نعمة فلماذا قال السيد هذا القول؟ الجو الذي كان سائدا في فلسطين لما تفوه يسوع الناصري بهذا الكلام ان الفقراء كانوا ايضا فقراء إلى الله. ربما كان بعض منهم حتى اليوم كذلك. اما اذا كان بعض منا قد استغنى (اي صار غنيا) فلنا ان نفتقر إلى الله اي نعتبره وحده الوجود وان كل شيء آخر حقيقي بسبب هذا الوجود.

صعب على الأغنياء ان يحسوا انهم فقراء إلى الله. هذا يتطلّب منهم ان يشعروا حقيقة ان كل ما اقتنوا ليس بشيء. ان يصبح المال لا شيء للغني اعجوبة اذا حدثت عنده، قد تكون السماء نزلت عليه. يكون، وكأنه، قد صار مثل المسيح عاريا على صليبه. يكون الله أمسى عنده كل الوجود. يتحقق عند ذاك، فقره إلى الله.

لا يصبح الانسان هكذا الا اذا انسلخ عن عشق الوجود. من عرف الشوق الالهي ووقف عنده لا يحتاج إلى شيء آخر اذ يصير له ربه ملء القلب. معنى ذلك انك اذا احببت شخصا أو شيئا آخر لا ينثلم بذا حبك الوحيد لله. أدنى ما في هذا انك لا تساوي بين محبتك لله ومحبتك للمخلوقات من حيث القدر وان كان الحب واحدا في نوعيته.

كيف يكون القلب كله لله وتضم اليك اشخاصا أو اشياء من الوجود؟ اظن ان هذا جوابه عند القديسين لأن العاديين من الناس يميلون إلى الشرك. ولا يقع في الشرك من استحوذ عليه مجد الله حتى لا يستطيع ان يرى وجها آخر اذ الحب لا ينقسم.

الفقر إلى الله يبدأ من نعمته القادرة ان تجعلنا نراه وحده. وهذا من المبدأ القائل ان الرب مبدئ الحياة الالهية فينا. والفقر كامل اذا كانت النعمة كاملة. ومعنى ذلك ان تؤمن ان ليس فيك ما يضاف إلى الله اذ هو مبدئ الوجود وكل الوجود.

اذا استطعت ان تخلي نفسك من ذاتك تكون قد دعوت الرب إلى ان يصبح ملء ذاتك. عند ذاك يزول التحير بينك وبينه أو بين ما لك وما له. الذين تجاوزوا العقل المحض إلى الرؤية الإلهية يقولون : هذا سؤال لا يرد عند من اتحدوا بربهم في الرؤية. ربما ساغ ان يبقى سؤالا فلسفيا. بطل ان يكون سؤالا روحيا لأنك انت والله تصبحان روحا واحدا كما أكّد بولس. ويزول السؤال الفلسفيّ: كيف يصير الاثنان واحدا لنصير امام التأكيد الروحي: انت والله امسيتما واحدا في الحب.

وبعد الحب لا حاجة إلى تأكيد شيء لأنه هو النور الذي به نشاهد كل شيء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الآخرون / السبت 13 نيسان 2013

«لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص» (مزامير 146: 3). الاتكال ان تجعل الآخر وكيلا لك عند الله أو عضدا لك عنده لأنك تعرف نفسك فقيرًا وتخشى عجزك عن رؤية الله وان يكون هو وحده متكأك. أنت تسعى في وحدتك إلى ثنائيّة وهي غير كافية لتتجاوز بها عزلتك. الثنائيّة هي الوجه إلى الوجه واذا كان كل وجه هشّا تكون رميت نفسك في هشاشتين.

تكون قد ظننت نفسك اكتملت في الثاني ولكنه بسبب مما يعوزه من الوجود لا يوصلك إلى اكتمال كيانك. يسندك فقط وقد لا يأتي سنده عظيمًا فتنهاران معًا. نقصانان نحن لا يصيران وحدة. فاما اذا اتحدت بالله بمعرفة محبوبيتك عنده تغدو واحدا فيه. أنت بالمحبة لا تضيف على الله شيئا. تكتمل أنت به. تكتمل نسبيا قبل رؤية الملكوت. ولكن هذه الرؤية هنا سابقة للوجود الكامل عند رؤيتك الله بالموت. عند ذاك، تكون قد أكملت سعيك.

كلّ كمال على الأرض فقط سعي إلى ان يكلّلك الربّ في اليوم الأخير. لذلك لا نبلغ الرؤية كاملة لا قبل الموت ولا بعده اذ لا يسعك ان تكمل الا مع القديسين اذا اجتمعوا إلى ربّهم في اليوم الأخير. الخلاص هو للجميع مجتمعين. قبل ذلك نحن في السعي.

أنت تكمل بالضعفاء اذا احببتهم فانتشلتهم. كل البشريّة مجموعة مهمشة ترى إلى مجدها فقط في اليوم الأخير. وأنت في هذه المجموعة عندما تنضمّ اليها بالحب. أنت منها واليها في الرجاء اعني رجاءك إلى الله. ليست كلمة واحدة في الكتاب تعدك بالمحبوبيّة اذا أنت أحببت. الجواب عن حبك ما قال عنه الكتاب ان له مردودا. قد يردّ إلى الحب البغض الظالم أي الذي ليست ذاتك منبعا له. اذا كنت مؤمنا كبيرا لك ان تنتظر العزلة. ولعلها تنقذك لأن لك نصيبا ان تكون حبيب الله الذي لا يترك أحدًا يموت عطشا أو يحزن بسبب من سراب.

أنا ما قلت ان دعوتك الوحيدة ان تحيد عن كلّ وجه اذ ليس فيه كامل العزاء. شرعي ان تسعى إلى إقامتك في محبوبيّتك أي ان تقيم بالحب الذي تعطى ولكنه ليس شرعيا ان تكتفي بهذا أي قد تجد نفسك منفيا إلى «صحراء الحب» كما يقول فرنسوا مورياك أي ان يحكم عليك بعض الذين ترجو محبتهم بالانعزال. حقك ان تطلب الانتباه اليك وأريد بذلك انضمام الناس إلى محبّة الله لا اليك. تصير عظيم الوجود لو سعيت إلى تلك الوحدة الصافية الإلهية التي تجمع نساكها إلى ربهم.

#   #   #

حزننا اذا بقينا على هشاشة بشرتنا كوننا لم نبلغ السماء. هذا في حد نفسه حزن جميل لأن التقوى هي استباق الفردوس هنا في الحب الإلهي.

المشكلة اننا لن نبلغ الملكوت هنا الا مع الأطهار عنيت بهم الذين يحبوننا بالرب بلا شرط فينا. وقوّة سعينا في الرؤية التي اليها نتوق ودربنا التوق حتى نموت. والأطهار قلّة عزيزة وعنيت بهم الذين يطوقونك بالحب الإلهي الذي لا يستند إلى أي شرط فيك ولكنه يأتيك من مجانية المحبة الأخوية التي هي انعكاس للمحبة الإلهية المجانية بطبيعتها.

يلفتني في الانجيل ان الرب يسوع عندما تكلّم عن المحبة قال انك تعطيها وما وعدك مرة انك تعطاها. هو كان يعرف التعزيات البشريّة التي كانت له من الجماعة التي احتاط بها ولا سيما من بطرس ويوحنا ويعقوب ولكنه ما أراد ان نتكئ على التعزيات. كل تعليمه من هذه الزاوية انك تعطي بلا حساب أي بلا توقع لمردود. أنت تتكون من المحبة التي تعطيها أمل الاخذ لأنك موجود فقط اذا أعطيت واذا أعطيت لا يعني انهم اخذوا. لذلك قال: «بدّد اعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد» (مزامير 112: 9). المحبة ليس فيها شرط في الآخر. أنت تعطي بلا حساب أي لا تتوقع المبادلة ولا تتوقع الوفاء. قلبك هو الذي يعطي اذا انفتح للعطاء وليس في أقوال الكتاب ان قلبك مفتوح لتأخذ. قد يبادلونك العاطفة واذا انزعجوا منك أو يئسوا أو جافوك بسبب ما في أنفسهم من جفاء تبقى مصرا على العطاء لأنك بهم تعطي ربك وتنتظر اليوم وغدا وحسبك ان تعايشه لأنه هو وحده العطاء.

والرد على هذا القول أعرفه اذ قد يقال انك يا فلان تطلب الصحراء الكاملة في قلوبنا. أنا لا أطلب الصحراء الكاملة. أنا أراها تحققت في القديسين وهم قد أعطوا مجانا لأنهم كانوا يرون إلى وجه الله على كل وجه وإلى وجهه هذا المرتسم أعطوا وأبوا ان ينظروا إلى القباحة وتروّضوا على انّ كل وجه بشريّ كامل الجمال اذا أنت قرأت عليه بهاء المسيح.

#   #   #

كلّ قلب بشري معرّض ان يصبح وكرًا للأفاعي كما يقول فرنسوا مورياك. أنت لا تحب الأفاعي ولكن القلب البشري الذي يبقى على صورة الله ولو حوى الأفاعي. تعليمنا ان صورة الله المشوّهة في كلّ منّا لا يزول عنها الحب الإلهي الذي يحضنها. واذا أنت بقيت على الرجاء فهو رجاء إلى الله الذي ينزل إلى النفس لأنه يحبّها وليس لأن فيها جمالات باهرة اذ لنا ان نتروّض على هذا الأمل الصعب ان كل نفس ذائقة الموت حبيبة الله إلى ان يتوفاها.

عليك أنت ان تتربى على ان ربّك يحبّ كلّ نفس. وما من شك انه يؤدّبها لكونه يحبّها على الدوام. عليك ان تحب كلّ نفس ولو سقطت وربما كان عليك ان تزداد لها حبا اذا امعنت السقوط.

لعل صعوبتنا في الوجود ان كنا من المؤمنين ان نرى السقوط دائما فينا وفي الناس. ولكنا نكون قد بلغنا قمة السذاجة لو احسسنا ان هذا الوجود فردوسي. الفردوس تسكنه نفوس من بلغوا الجهاد الأعظم أي جهاد النفس، الذين عرفوا ان النفس مسكن الله دون بهجة هذا العالم.

لعل ذرورة الجهاد الا ترى نفسك شيئا وان ترى الآخرين معك اذا احببتهم أي ان تروا أنفسكم أحباء الله. وليس عليك ان تحسب محبة الله لأحد. المهم ان تؤمن بها لأننا بها نحيا. وأنت أمام المحبة الإلهية فقير اليها. وهي التي توجدك وتربيك على ذاتها.

اما اذا ظننت انك صرت شيئا فتخسر كل شيء. واذا بطل ايمانك بأن النعمة تحييك وتغفر لك خطاياك تصبح عدما أو شبه عدم. ليس عليك ان تفهم كيف يستخدمك الرب لمجده. أنت معطى وهو يستخدمك لمجده كما يشاء. «انما الدين عند الله الإسلام» بعميق ما في هذه الكلمة من معنى. تعال واسبح في بحر الله فيعلمك… كل شيء ويستخدمك لمجده كما يريد.

هو يرى علاقتك بمجده وأنت لا تعلم. قال المخلّص لك ولأترابك: «تعالوا إليّ أيّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم». لا تخشَ اذا العبء الذي ألقي عليك. قد تقع على الطريق كما وقع الذي حمل صليبه إلى الجلجلة. لا بدّ له ان يوتيك بمن يسعفك على طريق الآلام لأنه يريدك قائما معه في اليوم الثالث.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزمان الآتي / السبت 6 نيسان 2013

غالبا ما صممت مستقبلك وفق مصالحك التي تراها الآن غير مالئ هذا المستقبل بما ينزل عليك من إلهام في الآتيات. مستقبلك، اذ ذاك، مدى أناك كما تبدو لك اليوم اذا كنت لا تتوقع شيئا من الله. في الإيمان عندنا كامن الرجاء لأنه توقع مستقبلات تأتي بها النعمة.

تأمل بغير محله الظن ان المستقبلات أفضل من الحال التي أنت عليها اليوم. حسن أمورك لا يأتي من تقادم الزمان ولكن من تحسين يومك بالأبديات. لا قدرة لك على الهروب من واقع إلى توقع الأفضل.

الزمان الآتي غالبا ما كان مثل يومك. انهما من نسيج دنياك أو مما يجعل الناس دنياك وهم أحباؤك أو مبغضوك ان لم تجعل مستقبلك مدى لحقيقة نازلة عليك تكون لنا جميعا خلاصا.

ان لم تقدك آلامك الى وجه الله تكون حياتك مبددة في ضبابية العالم. الثابت ليس العالم ولكن ما ينزل عليه. اذا صح قول الكتاب: «كل انسان كاذب» يبقى ان تتعاطى الكاذبين كما هم لأنهم جزء لا يتجزأ من دنياك والا كان عليك ان تخرج من العالم كما يقول الرسول.

نعيش رجاءنا النازل علينا من فوق في هذا العالم ولكن لا رجاء لنا منه لأنه ليس منا ولا نحن منه.

عيروني بالتشاؤم. اذا انت رأيت الناس كما هم تدفعك الرؤية ان تشاهد عند بعض قباحة. ولكن ما مشكلتنا مع الأنقياء القلوب الذي عصمهم ربهم عن ملامسة القباحات وأقامهم في الرؤية الوضاءة؟

اذا كنت محدودا فقط على مدى الأيام وغدوت ثاقب الرؤية تشاهد قباحة الوجود. هذا ليس بخطأ. الخطأ ان تخطفك رؤية القباحات حتى يستحيل عليك الرجاء. والرجاء عندنا ليس انجذابا إلى خيالنا. انه الاختطاف إلى وجه الله الذي ينحت وجوهنا على رسم وجهه ويؤلهنا بذلك النحت. كل شيء وجهه وما يرتسم منه علينا.

عندما يقول يسوع الناصري: «ثقوا اني غلبت العالم» هل يريد فقط انه غلب بشاعته كما يقول المفسرون ام انه واضع جماله هو بدل البشاعة؟

كلمة عالم في هذا السياق تعني العالم الساقط ولا تعني خليقة الله لأن الله يكون قد غلب نفسه لو غلبها. هذا العالم عند خلقه كان على جمال الخالق ثم انبث الشر فيه فقبحه. مع ذلك ارادالرب الا تستحوذ عليه القباحة فترك فيه شيئا من صورته ليتمكن ابدا من رؤية الرب ولو مشوهة. غير انه كان قادرا ان يعرف أصل الصورة ويقدره.

الله لم يخلق العالم على صورته. خلق الانسان وحده على صورته بمعنى ان الانسان شبه الله لأن الانسان حر مثله، هكذا فسّر بعض آبائنا. ما معنى انه مثيله الا بمعنى انه محب وهكذا فسر بعض. واذا تكلم بعض من المتأملين في هذا الشيء قالوا ان الانسان حر مثل الله أو محب مثله. الحقيقة في لاهوتنا انه حائز كل صفات الله ما عدا الخلق ولكن الخلق ليس صفة. انه فعل. الحقيقة انه ليس عندك من صفة حميدة الا اذا كانت على شبه الصفة المماثلة لها عند الله حتى تتحقق الانسانية ليس في الفرد وحسب ولكن في تعاضد الجماعة وسعيها معا إلى الوعود الالهية التي سمعت بالانبياء ومع المخلص.

#          #

#

الازمنة كلها متشابهة بخيرها وشرها، بالعنف والحب وبهذا المعنى ليس شبيه تحت الشمس وان كان كل شيء باطلا. لعل الباطل كتب علينا لكي نرجو ان ينزل الحق علينا من السماء. هذه هي مأساة الانسان ظنه انه قادر ان يخلق نفسه بنفسه وان يحرث الأرض بما فيها من قوة. كل الكفر ان تجعل الله عاليا جدا حتى لا تحس به منعطفا عليك. في الكتاب حديث عن سمو الله وعن تنازل الله في المسيح يسوع. والنازل هو الذي سما وتسمو انت به. «ان الذي نزل هو الذي صعد» إلى اعلى السموات وعطاؤه الينا انه يجلسنا على العرش معه عن يمين أبيه لأن تأنس ابن الله يقودنا إلى تألهنا والا كان التأنس بلا معنى ولا قصد.

فرادة المسيحية انها ما كانت حركة من الألوهة إلى البشر الا لتقذف البشرية من تحت الى فوق. وهاتان الحركتان تحققتا في المسيح يسوع. الحديث عن الله رابضا فوق الجبل حديث في الديانة الاغريقية القديمة وفي اليهودية أيضا.

في المسيحية هذا الإله مع بقائه في الأعالي تجسد وصار مثل واحد منا حتى لا تبقى الهوة قائمة بين الله والانسان إلى الأبد.

كل السؤال المتعلّق بالرباط بيننا وبين الله هو هذا: هل الله مع بقائه في الأعالي ينزل الينا بحركة نسميها النعمة بعد ان نزل في الجسد بابنه الوحيد؟ وهل بالحركة العكسية نصعد بدورنا اليه لنجالسه على العرش فإن لم يكن العرش مقصد الله ومقصدنا في آن لا يكون الملتقى قد حصل.

الألوهة هل هي فوق فقط أم تحت أيضا، هذا هو السؤال وأجابت المسيحية عن هذا السؤال بقولها: «ان أحدا لم يصعد إلى السماء الا الذي نزل من السماء ابن البشر الذي هو في السماء». ليس في الامر حركة مكانية لأن الله ليس في مكان. الامر كله انعطاف نعمة.

وهذا ليس حلولا في الجوهر لئلا نقع في فرط الألوهية وتاليا تعددها في الشرك. هذا حلول حب والحب لا يكسر الله ولا يعدده. الحب يذيع قوته ولا ينفرط. الحب وحده يكشفه واحد يمده ولا يعدده. الله ينتشر بعطائه ويبقى منقبض الجوهر. النعمة تنتشر وتبقى فيه وتلازمه. فاذا انتشر يظل الله في ذاته. حبه ينتشر. لا يفنى في الزمان. هي تمتلئ منه وبذا يرعاها ولو بقي جوهرها لها.

الأزمنة تتوالى باستقلالها التاريخي وإبداعها والله فيها وهي ليست اياه ولكن نتاجها منه. وهو يأخذ الأزمنة اليه ويجمع اليه في اليوم الأخير البشر وما جاد به عليهم في كل أزمنتهم وبهذا المعنى ينهي التاريخ ويتممه بمصالحة الجميع في جسد المسيح البشري.

وإنهاء التاريخ إكليله في المجد الذي ينزله الله عليه واذا دخل التاريخ في مجد الله يعني التقلب الزمني ونرث الملكوت «المعد لنا منذ انشاء العالم».

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

باب السماء / السبت 30 آذار 2013

ينقضي عمري بين خيبة وخيبة. أجل هناك تعزيات ولكن قليلها يأتي من البشر. للبشر منافعهم من دنياك أو استعلاؤهم عليك. وقلما تستطيع ان تغير الشائع. وقد تكتشف أشياء ضدك في ما يبدو مودات. فالكثير من الدنيا منسوج من نفاق. «أهكذا تنقضي دوما امانينا» إلى ان يوارينا ربك عن هذا الوجود وبعد عبور الوجود نصير «نسيا منسيا» وفي هذا رأفة من ربك ورحمة.

وحسنات الناس قليلة وتبدو لك ممزوجة في كذبهم. وفي أحايين كثيرة لا تقدر ان تفرق بين كذبهم والصدق وتحيا مقدرا صدقهم ومنتظره وتبقى لك نخبة صغيرة جدا تعزيك لأنها لله وأنت تسعى ان تكون له. يقول داود: «كل انسان كاذب» ويكملها بقوله توا: « بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني»؟ ما علاقة الكلمتين؟ اذا كان كل انسان كاذبا لا انتظر شيئًا حسنًا من انسان. ولكني أنا أعرف نفسي مؤمنًا أي انسانًا من نوع لا كذب فيه، صادقًا ليس فقط في ما أتصرف ولكن في عمق كياني وألمي – وهذا ليس بمشكلة- ان أرى الناس على سلوكهم وأبقى صامدًا في حضرة الرب أو بسبب من حضرة الرب على لساني وفي عينيّ.

لم يبق لي ألم من كون بعض من القوم يكرهني – وأنا لست أتكلم هنا عن نفسي- ولكنها القاعدة. وليس لي ان أقول ان في هذا حسدًا فمن أنا لأدين ومن قال ان عندي حسنات تستدعي الغيرة؟ الناس هكذا. المحبون منهم قلة وأنت تتعامل وهذه القلة إلى ان يأخذك ربك من موت إلى حيث لا تسمع شيئًا من الكذب. حسنة السماء الكبرى ان الله صادق ويراك على ما أنت عليه ويقرئ السماويين صدقك وتنسى كذب أهل الأرض.

أتوقع ان يتساءل من يعرفني من قرائي عما يراه حزنًا في كتابتي. الله يفرح من يشاء ويرفع الحزن عمن يشاء. ولكن الرب لا ينشئ فيك فرحًا غير مؤسس على الحقيقة ويطيب لك ان تفرح في البشرة التي أنت عليها ولكن بشرة الناس من تراب وكثيرًا ما كانت رائحتها رائحة تراب إلى ان يرفعك ربك إلى الملكوت. وضعنا في هذه الأرض ان نجاور فيها القذارات إلى ان نغادر هذه الأرض في  موت. «كل انسان كاذب» لأنه يحاول ان يخفي القذارات فيه ليبيض صفحته عند الناس. أما كيف يراه الله فهذا هاجس الكبار في حياتهم الروحية. وهم يتكلمون على هذه الرؤية يحيون بها.

#   #

#

قدرك في هذا الوجود ان تحيا وحدك او مع قلة من الطيبين الذين يفرحون لتقدمك على معراج الحياة الروحية، هذه مقولة غريبة عن الأكثرين واذا اتقيت ربك أنت وحدك. الناس يتقون بعضهم بعضا ويرجئون استرضاء الله اذ يحسبون انهم يعيشون من خيرات الأرض. قد يختلط بسبب من هذا الاختلاف فيك حزن اذ لا ترى الملكوت مقبلا على الناس ومعظمهم لا يهتم له ولا يحزنون لأنفسهم كما لا يحزنون من أجلك لأنهم «استوفوا أجرهم».

لا تنتهي الخيبات ولكنك انت لا تفنى في صدمة حلّت ولا تتوقع دائما فناء الصدمات. انت مشلوح على خشبة الصليب التي وعدت بها وكثيرا ما يطلع لك في هذا الشليح تعزيات. واذ ذاك تنتقل من قيامة الى قيامة. انبعاثنا مع المسيح يتم عند صلبنا كما كان له. ونعانق صليبنا لعلمنا انه درب قيامتنا. حياتنا في المسيح تأتي من تعب العالم ثم من صلاتنا اي تبدأ بصليب يجعله المؤمن مكانا لقيامته.

وهذا درب الحياة كلها اذ لا حياة الا من موت لك في دنياك واعني بهذا زوال المجد العالمي وزوال كل افتخار ونكران كل مجد. يكللك ربك بمجد منه اذا رأي رأسك قابلا للإكليل. والسقوط يزيل عنك كل مجد ويجعلك في قاع الهوان والذل.

«لا حياة الا من موت» تعني رفضك للمجد اذا أتى وسعيك فقط الى المجد الإلهي وما في دنياك الا المجد الباطل نؤتاه من الفخر الزائل. أحس كثيرا ان الناس لا يؤمنون الا بدنياهم لكونهم بدلوا دينهم بدنياهم بمعنى انهم احسوا انهم يفيدون من دنياهم لأن آخرتهم مرجأة او يرجئونها وتاليا لا يتمتعون بها الا بالأمل وليست هي في قبضتهم.

حزن الكثيرين انهم لا يلتمسون شيئا من السماء في أولاهم ويحسبون ان الدنيا فارغة من بركات السماء او انها تفتح باب السماء قليلا.

الملكوت ان لم يكن منه شيء فيك لن تراه. لن يكون لك في الآتي ما لم يبدأ معك وفيك هنا. ألم تقرأ قول الكتاب «ملكوت الله في داخلكم» (لوقا 17: 21) أنت سماوي الآن او لن تكون. المسيح أتى وآت.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أحد الأرثوذكسية / السبت 23 آذار 2013

الأرثوذكسية لا تعني، لغة، طائفة من طوائف لبنان. هي كلمة يونانية تدل عند معتنقيها الأصليين على الذين يؤمنون انهم في ديانتهم على استقامة الرأي أو على سلامة ما استلموه من الأوائل ولا يقابلهم باليونانية الهراطقة اي الذين انحرفوا عن الرأي المستقيم ولكن يقابلهم الآخرون كما نقول في اليونانية ايضا. من يسمون انفسهم الارثوذكسيين اذا أصروا على استعمال اللغة لا نسميهم في اللغة اليونانية بما يقابل الكفار بالعربية بل نطلق عليهم اسم الآخرين. فالمسيحيون اذا كتبوا في التاريخ ربما نعتوهم بالانحراف عن الإيمان القويم ولكنهم في الاستعمال الكنسي المألوف عندنا يقولون عنهم آخرين. لعل في هذا احتراما للناكري العقيدة المظنونة سليمة.

أنت اذا نعت إيمانك أو مضمون إيمانك بأنه عقيدة فتريد انه هو العقيدة بأل التعريف المطلقة والا فلست بجدي. لمجرد استخدامك لهذه اللفظة تكون مخطئا للموقف النافي لها.

يلفتني في هذا البلد إصرار الناس لسبب وطني ان يؤمنوا (بتشديد الميم) جميع الناس على عقائدهم و«صلبانهم وبيعهم» كما فعل المسلمون الأوائل باحترامهم حرية الآخرين وهذا إقرار بحق حريتهم اي بحرية بقائهم في الخطأ لا اذا احببنا ان نسند هذه الحرية إلى كون هؤلاء هم حسب المصطلح القرآني كلهم ملة ابراهيم بناء على فهمنا الآية القرآنية «كنتم خير امة أخرجت للناس». ربما بني هذا الموقف على انك ان كنت على النصرانية أو اليهودية أو الإسلام المحمدي لست مختلفا عن الآخر لكون ابناء ابراهيم كلهم واحد. هل هذه فكرة التساوي ضمن النعدد التي اظنها -بعبارة عصرية- مقولة قرآنية.

يزعجني اعتراض بسطاء الناس أو المتعصبون بتفاهة على قولنا: هذا مستقيم الرأي وهذا آخر. الكنيسة التي انتمي اليها عندها هذه اللياقة في الاستعمال الأدبي الا تسمي الآخر منحرفا أو هرطوقيا. في اليونانية لفظة هرطوقي لا تحمل الشتم أو السباب. المراد بها الآخر.طبعا انت مضطر ان تقول ان هذا الذي لا يقول قولي هو آخر. لي ان اضمه إلى صدري بالمحبة الأخوية ولكنه مضموم وليس هو أخًا في حين ان المستقيم الرأي هو انا حسب قول المتصوفة المسلمين. «أنا من أهوى ومن أهوى أنا، نحن روحان حللنا بدنا».

لماذا هذه اللياقة بغير محلها الا استطيع ان اسمي الآخر آخر. يجب ان اقول اننا واحد ونحن ليس عندنا معيار واحد نقول به اننا واحد.

أفهم اني واحد مع كل انسان ولكن هذا هو محبة. ونحن مختلفان اذا قلنا شيئين مختلفين. من قلل من أهمية الاختلاف فكأنه يقول ان الاختلاف ليس بالاختلاف وانا اقول له اني احب من اختلفت معه بالقدر عينه الذي احب فيه من كان واحدا معي في العقيدة لأن الحب معطى لمن يؤمن مثلك ولمن لا يؤمن مثلك. بولس الرسول لم يميز في المحبوبية بين الذي كان على عقيدتك ومن لم يكن عليها.

الا نستطيع ان نفهم اننا نضجنا بالمحبة حتى لا نشعر ان علي ان اقتل المختلف. اما آن الأوان لأخذ القريب والبعيد في ضمة واحدة إلى صدري. ستبقى البشرية مجموعة ناس بتصادم عقائدهم وهم قادرون ان يحبوا بعضهم بعضا لأنهم هم الباقون امام عيني بعظمتهم وهوانهم.

هل نحتاج إلى تصنيف البشر في عقائدهم حتى تتفاوت محباتنا لهم. فاذا كان لون الوجوه لا يستوقفني لأحب الناس ولا تستوقفني لغاتهم وأحزابهم. لماذا أقف عند التباين بين عقائدهم. اما قصد يسوع الناصري بقوله: «تحب قريبك كنفسك» انك انت امامي وحسبي ان أراك لأحبك ولا أسألك عن قناعاتك الروحية لأضمك إلى صدري لأني لا أضم إلى صدري الا ربك الكامن فيه.

قال بولس لا بد من الانشقاقات بينكم (1كورنثوس 11: 18) وعلى هذا انتم مجتمعون في المحبة التي أنزلها الله عليكم بمجانية محبته. الفرقة بين الناس ليست ناتجة بالضرورة من سوء نياتنا. انها ثمرة اختلاف العقول وهذا الاختلاف معقول فينا على استمداد أنفسنا من العقل الإلهي.

لن تتوحد الأديان. انها تعابير وتجملها تعابير وهذه لن تذوب احداها بالاخرى ولا تعاد الواحدة إلى الاخرى. كل قولة قائمة بذاتها وهي شبه كيان مستقل في العقل. والعقول تبقى متصادمة أو مختلفة ولو تآلفت احيانا. اذا لم تقل قولي لك ان تحب الله واجتمع اليك في المحبة اذا اجتمعت اليه وهذا اهم من ان نجمع على قول واحد. ولكن في الكنيسة القول واحد لأن الإيمان واحد.

كانت الكنيسة في المجامع تسعى إلى ان تأتي العقيدة واحدة في تعبير واحد لأن الكلمات الواحدة تؤكد المضمون الواحد. فإذا انت تلوت دستور إيمان واحد معي تبدي ان لنا عقيدة واحدة. لذلك نصر على ان نعبر عن الإيمان بكلام واحد للتأكد من سلامة الإيمان.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الرجل والمرأة في الله / السبت في 16 آذار 2013

لماذا تصوم؟ لأنك فقير الى الله وفي المصطلح المسيحي لأنك جائع اليه طعاما حسب قول ابنه: «أنا هو خبز الحياة. من جاء اليّ لا يجوع» (يوحنا 6: 34). هل كلام القرآن: «أنزل علينا مائدة من السماء تكون عيدا لاولنا ولآخرنا» (المائدة 114). رأى ماسينيون المستشرق ان هذين القولين مترادفان. هذا التعييد الدائم حوّله النساك الأوائل الى صيام دائم فيه شبه الانقطاع عن الأكل لحسبانهم انهم يغتذون من الذكر. لم يعرفوا التفريق القائم في اللاهوت الغربي بين الطبيعي وفائق الطبيعة. يذهلك اذا قرأتهم ان تفهم انهم لم يقبلوا المألوف وانهم لم ينظروا الى مدى إمساكهم وقونه على انهما من الخوارق.

دائما يذهلني لما أقرأهم انهم لم ينظروا الى الطبيعة البشريّة وقدرتها مع انهم اوصوا بعدم الغلو. ولكن اذا نظرنا نحن المعاصرين الى ما تمموه نراه غير قابل للتصديق. بالمقاييس العلمية كان يجب ان يموتوا ولم يموتوا. بمعاييرنا اخترقوا كل قواعد العلم حتى لنتساءل لماذا قاموا بكل هذا؟ هل كان كل هذا التقشف ضروريا؟

اذا كنت تعرف ان كل ديانات هذا الشرق نشأت بعبادة الجنس (أفروديت، عشتار، عشتروت) تفهم ابتعاد آبائنا عن هذه العبادة وتفهم تشديد الأوائل على العفة ومراقبتهم الشديدة لوظائف الجسد. لماذا كانوا مثلا يقولون انك ان لم تقمع الشراهة لا قدرة لك على بلوغ اية فضيلة؟ ألم يقل فرويد هذا في تحليله النفسي بلا رجعة منه الى اي دين؟ قال آباؤنا قبل علماء اليوم ان كلّ اللّذات متماسكة. عرفوا بخبرتهم الروحية ما كشفه العلم المعاصر. بهذه الخبرة قالوا ما قالوه عن ترابط اللذات وعندما كافحوا لذة الطعام او حاربوا غلوها كانوا يكافحون كل اغراء جسدي لارتباط الكل بالكل.

يؤذيني جهل المسيحية عند الذين يتهمونها بأنها ضد الجسد وهي ضد استفحاله او تفلته من كل قيد. أليس الجسد برز بالدرجة الأولى في الفن المسيحي؟ أليست العناية الطبيّة بالجسد كانت فائقة في البلدان المسيحية الراقية. اما الاستغراء في الجسد فليس حكرا على البلدان المسيحية. أليس كتاب الأعاني كتابا يستغرق قارئه في الجسديات وهو ليس لمؤلفين مسيحيين؟ أليس قول الدعاة ان الشرق روحاني والغرب جنسي قولا اقله انه قليل الصدق او غير دقيق.

عند هذا لا بد ان نقول اننا لم نستورد عبادة الجنس من الغرب. ألست تستغرب ان الغزل طاغ على الشعر العربي منذ القرن السادس الميلادي وان ليس له أثر في الألفية الميلادية الأولى في آداب الشعوب المسيحية.

واذا عدنا الى العبادة ففي الوثنية الشرقية (فينيقية وبلاد ما بين النهرين) وفي ممارسات الحب في هذا الشرق عينه كزواج الأخ بأخته في مصر القديمة لم تعف شعوبنا أكثر من غيرها. في الواقع الأدبي الذين أبدعوا الغزل هم الشعراء العبران ومن بعدهم ظهر الغزل العربي «والشعراء يتبعهم الغاوون» (الشعراء 224).

التغني بالجسد بدأ في هذا الشرق لما كانت اوربا في أدبها عفيفة. الكتابة المتهتكة عربية قبل الف سنة من اليوم ولم تشرف عليها سلطة او رقابة في حين ان المسرح كانت الكنيسة الكاثوليكية تكافحه في الغرب.

#   #   #

من الخرافات الواردة على لسان النقاد المعاصرين ان الكنيسة كانت دائما ضد الجسد. الحق ان الكنيسة ضد الزنى وليست ضد الحب الانساني الكامل قائما بين الرجل والمرأة. لست اعرف تعظيما للزواج كذلك الذي أعرفه في حفلة الزواج في الكنيسة المسيحية. صلاة الإكليل عندنا شعر. لك ان تفهم الزواج عقدًا ولكن هذا هو الحد الأدنى من الترابط بين الرجل والمرأة. بعد هذا تسمع في حفلة الإكليل انه صورة عما نسميه الرباط السري (اي القائم في سر الله) وهذا السر منعكس في لقاء العروسين.

ليس في المسيحية عقد بحت. كل شيء فيها سر إلهي اي عهد بين الله والانسان والعقد الله مبدؤه او عاقده. ليس في المسيحية نطاق ديني إلهي محض ونطاق مدني بحيث يكون كل شيء إلهيا وانسانيا معا. كل هذا بنيناه على صورة الإله المتجسد واذا قلنا ان الانسان جاء من الله نقصد انه جاء على صورة ما سيكون المسيح عليه اي إلهًا متجسدا.

نحن لسنا على صورة المسيح في تأنسه الإله وحسب ولا علـى صورته البشرية وحسب لأن هذه مثل صورتنا. نحن على صورة الإله المتجسد اي مؤهلون لاكتساب النعمة الإلهية الأزلية. على مثال المسيح نحن من الله جئنا واليه نعود وولكنه هو اتخذ جسدا ونحن كنا في جسد. وكما عاد هو الى ابيه بجسد قيامته نعود نحن اليه بالموت اولا بالقيامة الاخيرة ثانية. وموتنا بدء تذوق لقيامتنا.

#   #   #

الرجل والمرأة واحد ولكن في الله. ليس اني انكر وحدة وحدة الجنس فيهما. غير ان هذا لا يتجلى في عمقه و مداه الا اذا كان في الله. ليس من فاصل عندنا بين الصعيد الطبيعي والصعيد الفائق الطبيعة. الرب رابط هذه الطبيعة بما يتعداها، بما يرفعها الى ان تصبح لغة الله وأداة الله.

يتكلّم علماء النفس عن التكامل بين الجنسين. الحقيقة انه ان لم يكن تكاملا في الله قد يصبح خصومة او عداوة حتى الانفكاك. يتكلم العلماء عن توتر بين جنسين. المهم ان نعرف ان التجاذب بين الجنسين يهدده عداوة بين الجنسين يبدو كثيرا في الحياة الزوجية.

التجاذب الطبيعي لا تسنده قواه وحدها اذ هناك بين الجنسين رغبة التسلط فالانشداد الطبيعي قرينه التباعد الطبيعي الذي يصل الي التنافر حتى القتل. الرجل ليس ضمانة للمرأة ولا هي ضامنة له في طبيعتها. كل شيء هنا تربية في الأقل وروحانية في الأكثر. الإنسان ليس بآلة. انه يكونها ان لم يحركه الروح. يبدأ الانسان جسدًا اي كيانًا طبيعيا ويجعل الله فيه بعد ذلك دعوة.

الانسان ثمرة الله بالدعوة او ليس بشيء. يصعد من هذا التراب. وترابه يتوهج بضياء إلهي اذا أشرف الله عليه وقبل هو هذا الإشراف.

#   #   #

الانسان اسم يطلق في الدعوة على الرجل والمرأة اذا اجتمعا. وقد عرّف سفر التكوين الانسان على انه الرجل والمرأة معا. نية الكاتب في هذا السفر ان يبين ان الرجل والمرأة اذا كانا معا هما الانسان الكامل. ولكن الخطر الاعتقاد انهما يصيران ذلك بمجرد اجتماعهما. انهما يجتمعان للحب او للحقد. ليس من حب منبثقا من مجرد الطبيعة. الحب يأتي من القلب وهو ليس بذاته فقط. ينشئه الحب الإلهي. اذ ذاك يصبح القلب سليما لسكنى الله فيه.

هذا ليؤكد للمرة الأخيرة ان الرجل والمرأة اذا ظنا انهما يصيران معا بحسب الطبيعة يكون هذا رؤية ناقصة. الله يجعل الذكر انسانا بحبه للمرأة والمرأة انسانا بحبها الرجل. الله يبقى خالقا بعد الخلق اي مجددا له. نحن في حضن الله دائما او نموت من قلة الدفء.

الدفء في الله وحده. قبل بلوغنا الله حقا كل شيء صورة. ما من شيء الا بتحقيقها في هذا العالم منذ الآن ان رأينا انفسنا قائمين في حضن الله.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أبواب الصوم / السبت 9 آذار 2013

ماذا نطلب فيما نقرع أبواب الصوم؟ نمسك لكي يطعمنا الرب رحمته الغنية أي اننا نتوسل إليه رحمة تغذينا. كل جهدنا فيما نسلك الطريق إلى الفصح ان نقتنع اننا قادرون ان نتغذى من الطعام السماوي وان الرب يهيء جوعنا إليه. ينبغي ان نشتهي الطعام السماوي فيلبي الله شهوتنا إليه. لا نشبع الا اذا تقنا إلى الرب نفسه غذاء. هل الحرمان الإرادي من طعام الدنيا إلى اشتهاء «الخبز النازل من السماء» وهو كل غذاء إلهي؟ والله يغذينا بكل كلمة تخرج من فمه وكلامه هو إياه.

دون ذلك أطعمة تدخل إلى الفم ولا تأتينا بالخلاص «لأن الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك». أظن ان أهم ما في الصوم قناعتنا بأن كل ما يدخل إلى الفم يفنى مع الجسد.

تباينت مؤخرا أنظمة الصوم عند المسيحيين. تفاوتوا في كمية الطعام وفي أنواعه ولكنهم اتفقوا على ان أمرا أساسيا في حياة الانسان ان يسود شهواته فلا يأتي منها. المسيحية تنقذك ان أطعتها من الشهوة الضارة وتقيمك في الاعتدال البنّاء. ليس الصوم عندنا نظام حِمية ولكنه سيادة الانسان على جسده واندفاعه إلى الخبز السماوي أي إلى كلمة الله فيحيا منها ويبقى ملازما ربه في كل عمل صالح.

المهم ان يتعلم الانسان من صومه ان الطعام يزول مع الجسد. «ليس ملكوت الله طعاما وشرابا». كل حياتنا ضرورية لنتعلّم فيها ان ملكوت الله برّ وقداسة. ماذا تتعلم من الإمساك عن الطعام؟ هذا هو الأمر الاهم في فترة الصيام. ماذا تتعلم لخلاصك؟ كل شيء في المسيحية ارتقاء إلى الله أو ليس بشيء. كيف نتدرج من «نظام حمية» إلى ان نحمي أنفسنا من الخطيئة ونشاهد وجه الله واذا لم ندرك هذا الوجه نكون تهنا في الباطل.

يذهلني هؤلاء المسيحيون الذين يتساءلون عن أهمية الصوم وهم لم يختبروه وقال لهم الاطباء تؤذون أنفسكم ان اكلتم لحما كل يوم أو معظم أيام الاسبوع. يطيعون الطبيب لو نصحهم الا يكثروا من استهلاك اللحوم حرصا على صحتهم ولا يكترثون لإمساك ينفعهم جسديا وروحيا. ثم هم يقيمون فارقا بين دعوة يسوع إلى الصيام الواضحة في ترتيب الكنيسة لهذا العمل الروحي العظيم.

#   #

#

الابتعاد عن الصوم بذريعة ان الرب يسوع لم ينظمه ولكنه دعا إليه بالمبدأ هو استخفاف بكل وجود الكنيسة القائمة بأمر المسيح وبأنها تتولى شؤون الخلاص على الأرض.

ادعاء البعض ان الصوم غير ملزم لأن الرب يسوع لم يحدد له نظاما أو أياما ادعاء مرفوض لأن المخلص يترك لنا المبدأ لنبني عليه وهو لم ينظم الكنيسة بكل تفاصيل إدارتها بل ترك هذا للتلاميذ وخلفاء التلاميذ أي للزمان اللاحق لتأسيس الكنيسة ولموته وقيامته والعنصرة. الكنيسة حية وتدبر الأزمنة في حكمتها بما ينفع المؤمنين وليست هي قانونا جامدا أو ذات شكل متحجر. يسوع اعطانا كلمته الحية ولم يضع أنظمة وما يسمى قانونا كنسيا ليس كالقانون الوضعي قابلا للتطور الدائم فهناك في الكنيسة ما يتغير وهناك ما لا يتغير. ما كان في الكنيسة إلهيا حقيقة هو ثابت. ما كان ذا طابع تاريخي محض قابل للتطور.

ليس من حياة بلا شكل. كيف تغير الشكل اذا اقتضى الامر ولا تضرب الحياة التي يحملها؟ ان دقة الاشكال الكنسية يجعلها وارثة للإله ووارثة للتاريخ بآن. فلا تضرب ألوهية المؤسسة اذا تجاوزت شيئا من تاريخها. التاريخ ايضا يحمل الله. الأبدي يطل على الزمني فلا تعدل الزمني إلى درجة طغيانه على الأبدي. من هذا المنظار لا تقدر ان تعدل نظام الصيام بحيث تلعب بالأبدي الذي يتضمنه. هذه هي حكمة الكنيسة ان توفق بين الثابت والمتحرك فلا يطغى الواحدعلى الآخر. فإذا رأت الكنيسة مثلا ان في الصوم عنصرا ثابتا اذا زال تزول به المؤسسة كلها لا تقدر ان تذهب بالتطوير إلى اللانهاية.

امر تطوير المؤسسات دقيق جدا. لقد درس العلماء الأرثوذكسيون امر التطوير في نظام الصوم واعرضوا عنه. أنا كنت حاضرا هذه الجلسات في جنيف إعدادا للمجمع الكبير الذي كان مكلفا درس تعديلات في الأنظمة الأرثوذكسية. رفضنا آنذاك المس بنظام الصوم. الشعور الذي كان سائدا عند المجتمعين من أساقفة وعلمانيين ان الصوم في شكله الارثوذكسي الحاضر كان أمرا استطابه المجتمعون.

لا شيء يمنع ان يتغير الوضع الآن وللكنيسة المستقلة الحق في تعديل الأنظمة العامة. وقد قمنا بهذا أثناء الحرب في لبنان ولكن المؤمنين بقوا محافظين على نظام الصيام كما هو متبع في كنيستنا.

أي مقاربة لوضع الصيام وانظمته لا تكون سليمة ما لم تقترن بنهضة روحية قائمة على الكتاب الإلهي والتراث. الحديث عن تطوير الصيام ينبغي ان يقوم على فهم للصيام عميق فلا يأتي نظاما طعاميا بديلا عن النظام القائم بل مقرون بنهضة روحية شاملة.

الصيام شهوة للفصح، للنور المنسكب علينا بقوة. كل اقتراب من هذا النور العظيم يقتضي إمساكا عن الزلات واندفاعا إلى الضياء الإلهي الذي اذا تسربلناه نكون قد غلبنا العالم. الصوم جهد يدلنا على انسكابنا غير المشروط في هذا الضياء الذي يزيل كل عتمة عن ثنايا النفس ويدعوها إلى ان تكون مشروع نور كبير.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الوحدة الداخلية / السبت في 2 آذار 2013

ان تستوحد، لغة واصطلاحا معا، هي ان تلتمس وحدتك بالله. هو الذي يهبك وحدتك به. فان انعزلت عنه لا تظن انك قد وصلت الى وحدتك. خارجا عن ربك انت مبعثر او مشتت او في كثرة داخلية اي توزع باطني. وانت لا تصير الى كل هذا الا لكونك خشيت اللصوق به، ذلك اللصوق الذي يجعلك متحدا به عن طريق المحبة.

المحبة تفترض اثنينية ذاتك وذات اخرى. الاثنينية طريقك الى الوحدة التي هي تجاوز العدد. وحدانية الحب تجعل الاثنين واحدا في اللامنظور وغير المحكي. المحبة هي المقولة الواحدة التي تتجاوز انت بها العدّ حتى يصح قول الحكمة: «نحن روحان حللنا بدنا». في الوظيفة امسى الروحان روحا واحدة… ولكنهما تتوقان الوحدة. ليس المهم تعدد الكيانين بعد ان توحدا في الحب. المهم الحركة الوظيفية وان ترى ويرى الناس انكما امسيتما فكرا واحدا بمعنى التحرك الروحي الواحد.

من هذا القبيل يواجهنا السؤال: ما هو التوحيد في الله. شغلني السؤال كثيرا حتى اهتديت الى هذا ان وحدة الله في ذاته وانه يفيض كيانه علينا بسبب من حبه لذاته وللكائنات التي أبدعها. لا يسوغ ان ننسب اليه ان محبته مبدعة ان كانت هذه فقط صفة فيه. يجب ان تكون ذاته هي المحبة ليبدع. المعنى المتحدي هو هذا: ان الرب لا يتصف بالحب. انه هو الحب لأن الحب عند الخالق كيانه وعند المخلوق فيض هذا الكيان.

هذا لنقول ان الحب داخلي ويأتي من النفس وتتكون هي به. ليس هو تراكم ناس جمعتهم المصلحة. هؤلاء يتشتتون او يتخاصمون في العصبة التي تبدو جامعة لهم. التلاقي في مدى واحد لا علاقة له بالمحبة. هي تلاقي قلوب قد يكون اصحابها بعيدين بعضهم عن بعض. والتلاقي الكبير كثيرا ما يصل الى الوحدة والى التوحيد حتى الانصهار. وهذا يسكبه الله على قلوب تتقارب واذا تقاربت كثيرا يصبح هو وحدتها.

#   #

#

استهللت هذا المقال بعنوان «الوحدة الداخلية». المتراكمون بعضهم على بعض اي المتلاقون في مكان واحد ليسوا متحدين بالضرورة. الوحدة تنبثق من القلوب اذا تقاربت واذا عظم التقارب يصير وحدة. هذه نعمة من الله يهبها من يشاء ولا يقوى شيء عليها.

فاذا انسكب الرب برضاه على ناس يلهبهم حبا ويصيرون نفسا واحدة على تعدد اجسادهم. الوحدة ليست حزبا اية كانت طبيعته او مضمون قوله فالتفسخ كان دائما يكمن في وحدة الحزب او الثورة. اذا تاقت الكثرة الى الواحد تصبح روحا واحدة ويزول العدد وقوة العدد. البشر ليسوا واحدا بسبب من تجمعهم لأن كل انصهار من هذا النوع مؤقت اذ لا عمق فيه وما من دائم الا الحب والحب لا يصدر من تراكم الناس وتلاقيهم ولكن من روح علوية جاءتهم وجعلتهم واحدا.

فالتنظيم اي تنظيم لا يؤلف وحدة وجود او وحدة تعاون. هو قسري بطبيعته لأنه املاء. وما من تنظيم في التاريخ المعاصر لم ينفرط. ان آية جماعة لم تتحد حتى تصير كنيسة او شبه كنيسة يجذبها الخصام. الطوابير السياسية او العسكرية لا فعل لها الا اذا سيرتها أوامر. هذه هي الطاعة الكذوب في الانسياق الى الخوف.

هذه الدنيا لا تقوم لها قيامة الا بالعنف اي بالبغض وتستمر الشعوب بالحروب انتصرت او انغلبت اذ في بدء الانسانية كان القتل وبقي الحاكم الرئيس للعالم. الخطيئة فاعلة في كل مكان حتى يظهر من يدعو القلة الى التوبة. والمجتمعات تتمزق باستمرار. لذلك قال داود النبي: «نجني من الدماء يا الله، إله خلاصي». متى يعي الانسان ان لا حياة له الا اذا جلس حول مائدة الرب. النخبة الروحية القليلة هي الخالصة والنعمة التي تحمل تخلص البشر اذا احبوها.

واذا صفا هؤلاء بالاسترحام والتوبة يبدأ الكون الجديد الذي تنحته النعمة وحدها ويحييه اللطف الإلهي النازل علينا من الروح.

#   #

#

النعمة تدعونا بإلحاح الى ذاتها واذا عانقتنا فنحن الى روح جديدة في كل انسان والى عالم جديد يكونه الأبرار. اما الاشرار فيبيدون انفسهم ويدمرون العالم.

العالم الجديد ينشئه الله بحبه لخلائقه. هو لا يريد ان يبقى وحده. فالله يمد نفسه الى خلائقه لينشئ بهم كونا جديدا. وما لم نهتد الى هذا الكون نبقى عتاقا حتى نهترئ. واذا تجملنا كثيرا يصبح كل منا انسان الله اي حبيبه. غير ان هذا يفترض ان نجدد انفسنا من الداخل. الانسان داخله. ومن داخله تستمد بهاءك وأهل الداخل يصيرون امة الله ويعمرون الكون الجديد. ليست الاشياء الظاهرة مهمة عند هؤلاء. هم ساعون الى عمقهم الذي الله ساكنه.

المسعى ان نصير جميعا متكونين من داخل نفوسنا اذا الله سكنها. هذا معنى قولنا اننا امة الله التي تكونت حجارتها كلها من الرب الذي يبني عالم القلوب.

ما من عمارة روحية لهذا العالم بمواد العالم. وخارج الكون الداخلي ليس من شيء. ولكن ليس من عالم داخلي فيك الا هذا الذي ربك بانيه. وتبنيه مع الذين يحبون الله. هؤلاء يعملون مع ربك ليبنوك. فأنت تبنيك يدا الله وهما نعمته. والله لم ينته خلقه في اليوم السادس. ما كان هذا الا اشارة لاستمرار الخلق. وهذا لا يعني مجموعة الناس والخلق وحسب. ان هذا يعني خلق ربك لقلبك. والقلوب اذا تحابت تصبح الكون الجديد.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت أنت بالفرح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / السبت 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت انت بالفرح.

Continue reading