Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2013, جريدة النهار, مقالات

المجمع المقدس / السبت 29 حزيران 2013

هو لقاء كل مطارنة الكنيسة الأنطاكية مع البطريرك. مجموعتهم هي المجمع المقدس. هو الهيئة التي تشرّع للكنيسة الأنطاكية. هذه خاضعة لنوعين من المجامع: المجامع التي تعترف بها كل الكنائس الأرثوذكسية في العالم والمجامع المحلية او الاقليمية التي تخضع لها فقط الكنيسة الأنطاكية.

المجامع العالمية يلتقي فيها مندوبون من البطريركيات وهي حسب الترتيب القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية، أورشليم. هذه هي البطيركيات الكبرى ومندوبون من الكنائس غير البطريركية مثل أثينا التي يرئسها رؤساء أساقفة. وليس من فرق بين الكنائس الملقبة بطريركية كالتي ذكرنا والكنائس التي يرئسها رئيس أساقفة ككنيسة اليونان وكنيسة قبرص وسواهما.

الكنيسة الأرثوذكسية في العالم مؤلفة من كنائس مستقلة لكل واحدة منها حق التعليم والتشريع وسن قوانين محلية. ولكل واحدة لها نظامها ومجمع مقدس مؤلف من مطارنتها. وهذا المجمع يرئس الأبرشيات المنضمة اليها. فالمجمع الانطاكي المقدس يرئس الكنائس المسماة أبرشيات ومجموعتها تؤلف الكنيسة الانطاكية. هذه المجموعة يديرها مجمع مقدس هو في منطقتنا المجمع الانطاكي. القرارات التي يتخذها تلتزم بها كل الأبرشيات التي يوقع رئيسها على قرارات المجمع.

الفكرة ان الارثوذكسيين في هذه المنطقة يوحدهم رأيهم الذي يُعبّر عنه المطارنة في المجمع المقدس. هذه فكرة المجمعية او الجماعية. فاذا كان الأسقف رئيس الجماعة المحلية (الأبرشية) يشترك في المجمع المقدس وينقل اليه فكر الكنيسة التي يرئسها. وشهادة الكنائس مجتمعة هي في المبدأ فكرة الكنيسة الواحدة. هذا يفترض ان لنا فكرًا واحدًا هو فكر المسيح. المطارنة ليس لهم رأي خاص بكل واحد منهم. هم يقيدوننا اذا كان لهم فكر المسيح. هذا ليس امرا قانونيا، تنظيميا. نحن نخضع للمطارنة اذا قالوا فكر المسيح. اذا جاؤوا بغير فكر المسيح فليس لنا علاقة بهم.

هذا الفكر في المبدأ يظهر في اجتماع المطارنة في المجمع. المجمع المقدس ليس هيكلية قانونية. هو المكان الذي يظهر فيه فكر المسيح. نطلب هذا الفكر فقط. نحن نرجو ان يلهم الروح القدس الأساقفة اذا اجتمعوا. نحن لا نطيع بشرًا. نحن نطيع فكر المسيح ونرجو ان يُعبّر المطارنة عن فكر المسيح. عندئذ يكونون فمه. بهذا المعنى هو وحده المطاع.

فإذا اجتمع المطارنة بعد استلهامهم الروح القدس استمدوا قداسة الحق. فإذا ألهمهم نطيعه في طاعتنا لمن حملوه. واذا خالف المطارنة الروح الإلهي فلا طاعة لهم. وكل من نزل عليه الروح يعرف بأي فم يتكلم.

المجمع ليس مقدسا بصورة آلية. اذا قال الحقيقة فهو مقدس. الشكل القانوني وحده لا يقيّد عندنا. المهم المضمون اي خضوع هذه القيادة لله. ليس أحد ينوب عن الله. ليس لأحد بحد ذاته مقام. المقام تأخذه انت من الحقيقة، من استمدادك التراث.

المجمع ليس مقدسا لمجرد التقاء الأبرشيات فيه ممثلة برؤسائها. هو يبقى او يصير مجمعا بسبب الحقيقة والحكمة اللتين يحمل. القوانين لا تكون أرثوذكسية بسبب قانونية الاجتماع ولكن بسبب الحقيقة في ما تقول وتشهد له. الحقيقة المضمونة في قرار كنسي وليس مجرد صدوره عن مجمع مطارنة تثبت صحة هذا القرار. القانونية لا تنشئ الحقيقة. الحقيقة تنشئ القانونية.

تمتاز الكنيسة الأرثوذكسية في ما تقول عن نفسها ان لا شئ فيها قائم على مجرد قانونية القوانين ولكن لكونها تحمل الحقيقة الروحية. القانون عندنا لا يحمل قدسية لمجرد صدوره عن مقام شرعي. قدسيته في ذاته اي في ما يحمل من الله. الأساقفة ليسوا مرجعا بمجرد اجتماعهم ولكن في ما قالوا. ولكون المجامع تثبت تلك التي سبقتها نعتقد ان المجامع قائمة فقط بما قالت لا بمن انعقدت بحضورهم.

ليس كل مجمع مقدسا بمجرد شرعية الذين عقدوه. انه مقدس في ما قال. ليس الأسقف عندنا مقدس المقام ولكن المقام يتقدس في ما يقوله الأسقف. ينشأ المقام من كلام الأساقفة. ليس الأسقف حجرا موضوعا في محل. الأسقف عندنا ينشأ من كلامه بمعى انه اذا انحرف عن استقامة الرأي يصير لا شيء. صنمية الأسقف انحراف معروف كثيرًا. ليس أحد قائما في ذاته. أنت تبقى وتصير فقط في استقامة الرأي.

المجمع مقدس بمعنى انه يسعى الى قداسة التعليم وعمقه وحكمة الرعاية والإدارة. ليست القداسة مصبوبة فيه. انه يسعى اليها. انه تيار حق او مصير الى الله. خارجا عن ألوهية مواقفه وكلامه هو بشر يفنى.

لكوننا ننتظر منه قداسة الحق نسميه مقدسا.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الأنا والأنت / السبت 22 حزيران 2013

أنت تقول ذلك أو لا تكون قلت. ولا تستطيع أن تقولها ما لم تكن محاورا أي ملاقيًا آخر فالملاقاة بين وجهين والوجه ذات. هكذا يقولون باليونانية واللغات الأخرى تعابير عنها. الكلمات لا تفتت فكرًا. هي إياه. والفكر بعض من ذات ان لم يكن كلها. والذات حوار لأن الإنسان لا يكلم نفسه. انه يواجه ليكون. أنت أمام آخر لتكون نفسك. بلا هذه الرؤية أنت عاشق ذاتك. وإذا لم تقرأ إلا ذاتك أنت غريقها. أنت في مرآة أي أنك لم تخرج من الأنا والأنا والأنت معا هما لغة. الأنا وحدها صمت إذ لا تعرف ذاتها إلا بالمواجهة. والمواجهة لغةً أن يكون الوجه إلى الوجه فيعرف ليس فقط الآخر ولكن نفسه.

الأنا وحدها، منغلقةً، تكرر نفسها. لا إلهام فيها إذ لا إلهام بلا حب. والحب في أدنى تحديده هو الاعتراف بالآخر حتى التعاطف. عندما يشدد المربون على تقوية الشخصية أو الإرادة إذا نسوا أن كل هذا يتكون بالتحاب يكونون جاهلين أن لا امتداد للشخصية إلاّ بلقاء الآخر ولا تأكيد للذات بحد نفسها. هي تؤكد بانعطافها. الأنا ان لم تمتد في اللقاء تنتحر. يتكون الإنسان بما يأخذ من حب وإلا كان وجوده انتحارا دائما. أنا ممدودا إليك أحب أي أكون. أنا دونك لا تحديد لي إذ أكون بلا وجه أو بلا وجه مطل. أنا إن رأيت فقط إلى وجهي أكون في حالة نحر لي وللآخر. في حالة نحر لذاتي إذ لا أتكون إلا بالآخر. في حالة نحر للآخر إذ لا يستطيع أن يعرف نفسه ما لم يعرفها محبوبة.

أنت لا تقوي نفسك بالتشدد ولكن بالانفتاح أي بالعطاء والتقبل بآن. والانفتاح أن تعترف ان الآخر أساسي لك «حتى التنفس». والانفتاح ثالوثي إذ لا حياة في الثنائي المنغلق على نفسه. لا تستطيع أن تحيا عميقا إذا ركزت على آخر وحده. لك أن تركز عليه متصلا بالوجود الذي تقتبس منه ويعطيه بآن. أي لا تقدر أن تكون ذاتك ما لم تأت من الكون كله وما لم يكن الكون الذي يتصور فيك آتيا من الله. الله يأتي مباشرة إذا أحبك ويأتي إليك من الآخرين الذين يحب هو أو تحب أنت ويأتي إليك من الوجود الكوني الجميل الذي له كلماته إليك.

لقد بيّن مارتن بوبر ان ليس من أنا بلا أنت فعنون كتابه   Ich und du(أنا وأنت). أنت لا تكون ثم تحب. أنت تحب فتكون. الله نفسه ما عرفناه إلا بكلمته. «في البدء كان الكلمة» هذا أول الكلام في إنجيل يوحنا.

لا نعرف معنى خارج عن الكلمة. المعنى لباسه اللفظ حتى ندركه. انه حروف متناسقة ليصل إلينا. لا ينتقل المعنى إلى المعنى توًا. يستدعيه بحروفه. كل معنى يتجسد ثم يتروحن. ليس عندنا في الكتابة روح بلا كلام. في بدء الكلام الإنسان المتجسد. الكلام هو الصوت المعني. يجعل ما يسمعه كلاما أي بعضًا منه. هو، إذ ذاك، معقول أي داخل في الذات. بمعنى عميق الإنسان كلمته ان كان إنسانًا سليمًا لا تحريف في ذاته ولا زغل. وإذا اقتبل الله تقوى كلمته فيه لأن الإنسان قبل حلول الله فيه عي. الإنسان يجيء من قراءته لله لئلا يكون تكرارا لذاته. وإذا لم يقرأ الله فيه يسمع ذاته مكررا أي يسمع صدى. ولا يذهب الصدى إلا إذا نزل المعنى.

المعنى يشبه الله لأنه ليس لفظًا ولو لبسه. هو عمق الله من جهة وعمق الإنسان من جهة. وإذا أردت الفهم فالله وحده عمق العمق ولذلك ما كان منظورا. ولكونه هكذا فهو سائر إلى ما لا نهاية وأنت، مؤمنا، في لا نهائية سيره وإذا وقفت فلا تحديد انسانيا لك وليس لك مع الإله شبه والمكتوب أنك على صورته وحسب مثاله.

عندما قال: «في البدء كان الكلمة» ما أراد الكلمة بمعنى الإطلاق إذ قال بعد كليمات «وإلهًا كان الكلمة». الكلمة في هذا التناص اليوحنائي كيان وليست معنى للفظ. ولكون الكلمة هي الإله الأزلي أصر الناقل العربي لإنجيل يوحنا أن يوردها في صيغة المذكر كما هي في اليونانية. هي إذًا اسم للإله وليست صفة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الكتابة البهيّة / السبت في 15 حزيران 2013

الكتابة البهيّة أو القول المليح تبدو للشخصيّة الجميلة الطيبة في اقتبالها لآلامها أو في تأججها وهذا أبعد من مخاض. انه ولادة في الحق أو ولادة في البهاء. وهذا أو ذاك صدور من الله واذا خفتم العبارة فخلق من الله. ليس الإنسان خالقًا يؤتينا أشياء من لا شيء. المبدع يجهّز لك ما استلم من إلهامه من حيث ان ربّك وحده هو المبدع وانك تتلقى ما أوحى به لك ليظهرك جديدًا ويظنّ الناس انهم يعيشون منك والحق انهم يستلمون منك ما استلمت من ربك.

هل الإبداع مشاركة كما الجنين؟ هذا يأتي من ذكر وأنثى تلاقيا. من أين أو ممن يأتي جنين الفكر أو الفن؟ أنت تسمى مبدعا ان قلت الأشياء كما لم يقلها أحد ولكن الأشياء نسميها لك أو منك والحق انك مستودعها. لا يزيد الإنسان شيئا على الخلق الذي وُجد مرة واحدة. انه يرتّب الخلق الذي تلقّاه. ينسب له لأنه عرف ان يتقبّل وان يسلّم.

وتسلّم من تراث وليس الثرات تكرارا آليا. هو احتضان بحب أي انه ولادة جديدة. ولكنك تلد من بذرة زرعها الله فيك. الجديد في القول الحسن جميل فالكلمة كان في البدء وما جاء بعده صور عنه فالله وحده مبدع الكلمات. وقياسا على هذا الإبداع الذي لا يزيد على الله شيئا نقول عن أهل الفن والكلمة الكبار انهم مبدعون.

نحن هنا أمام سؤال صعب يتعلّق بطبيعة الكلمة. أنت تقولها جديدة في هذا الالتحام البديع بين معناها وصورتها اللفظية. هذه مشكلة لن نتعرّض لها لأننا في الأخير لا نعرف كيف تجيء الكلمات. ما صورتها فينا، كيف تصير على اللسان؟ أنت طبعا لا تستطيع ان تعقل المعنى ما لم يرتسم اللفظ على لسانك أو قلمك اذ ليس من فكر بلا لباس. ما من كلمة (معنى) بلا جسد لها. عن المسيح قال يوحنا: «الكلمة صار جسدا ونصب خيمته في حيّنا». هذا معنى الترجمة المألوفة: «وحلّ فينا» والمراد حلّ بيننا لأننا نتبدى على الأرض ونصير حضرا ان هو جاورنا فالتصقنا به ينصب خيمتنا إلى خيمته.

في مطلع الإنجيل الرابع نقرأ: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلهًا كان الكلمة». وردت لفظة الكلمة بصيغة المذكر وأردنا الترجمة هكذا لنطابق اليونانية ولنعني ان ما ورد هكذا هو كلمة الله أي كيان قائم بذاته، إلهيّ، لا مجرّد نطق إلهي عرضي.

الله يبدو فيك ثم منك لتكون كلمته. وتكون أنت كذاك بمقدار ما أنت مسيح، ذلك ان يسوع الناصري ينتج مسحاء. واذا قلنا ان المسيح حيّ إلى الأبد من بعد قيامته فلكي نعني انه والد الحياة فينا يوما بعد يوم ولحظة من بعد لحظة. فالمسيح يتوالد بمعنى انه يصدر عنه مسحاء أي ناس ممسوحون بنعمة روحه.

لا تصدر منك كلمة حياة ما لم تكن ثمرة العطاء الإلهي. ليس الإنسان بخالق يأتي بالأشياء من لا شيء. ليس للعدم وجود من بعد الخلق. انت يقويك الله ولذلك لك معنى. ولكونه حقا تصبح بقوله ناقل حق. لذلك لا معنى لهذا البحث المزعوم فلسفيا عن العلاقة بينك وبين الله. أفهم التمايز الفلسفي بين هذين الكائنين ولكن العاشقين طلقوا الفلسفة من بعد الاتحاد.

وما دمنا أسرى العقل المحض نبحث عما لنا وعما لله في ثنائية عقليّة ولكن العاشقين لا يناقشون العلاقة بين ما لهذا وما لذاك. اما في العشق فالبحث عما لي بخاصة وعما للآخر هو ثنائية الطلاق. العقل المستضاء بالنعمة لا تميّزه عن النعمة. واذا عشت فيها وبها لا تبحث عن مقولات. انا أفهم هذا الإصرار على العقل في اهتمام فلسفات القرون الوسطى التي كانت أسيرة اليونان. اما الذين عرفوا ضياء الله في الوحي فقد تحرروا من اليونان وباتوا من الكلمة الإلهية التي هي حياة الله.

لا يعني هذا اننا نبطل العقل ولكنا نضيئه بالعقل الإلهي الذي هو الوحي. واذا نزلت علينا كلمته نعيش من النور المسكوب علينا فيسكن في كلماتنا. وفي هذا نتكون أي تأتي كلماتنا صورة عن الكلمة الإلهية والكلمة الإلهية والفم الإلهي واحد في آذاننا وقلوبنا حتى لا نسمع ما وضعه ربك في هذه القلوب.

والنعمة كلمة الله أو هما واحد حتى تزول الكلمات المخلوقة التي على لساننا. ونصغي فقط إلى ما رسب فينا من العقل الإلهي.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنت والبلد / السبت 8 حزيران 2013

أنت من البلد قليلاً أو كثيرًا. حسب مزاجك أو وضعك الروحي أنت مستقل عنه أو تابع. فإذا كنت متقلّبا كثيرًا يصرعك واذا عشت بقوة مع الله فهو موطنك لا البلد. الإنسان تابع قليلاً أو كثيرًا لما أو لمن يحيط به. ما هو بذائب فيه بالضرورة ولا هو حائد. لا يحيا الإنسان بالضرورة من مكان مع انه دائمًا في مكان. المكان أحيانًا يحيا منه. هذا تابع لقوة إشعاعه. لا بدّ من حيّز تكون فيه ولكن لك الا تكون عبدًا للحيز.

أنت في زمان وتجيء من أزمنة ولكنك لست بالضرورة صريعها ولا لصيقها. ان كنت كبيرًا تصنعها وهذا لا يأتي منك. ينزل عليك من فوق. عندما نقول بأبدية الله نريد انك حر من أزمنة سبقك أو أزمنة تعيشها. أبدية الله اذا انسكبت فيك ترى ربك نازلاً إليك. أنت متصل بالزمان ولكنك قادر على الحرية ان تجاوزته إلى الأبدي المسكوب فيك.

ان أدركت هذه الرؤية تعرف ان ترتبط بالبلد ارتباطًا سويًا فلا يستعبدك ولا تتجاهله. ان عدنا إلى إنجيل يوحنا نقول انك في هذا العالم ولست منه أي انك تأخذ منه ما ينفعك ولا يحصرك. على هذا المثال أنت من البلد. ولست ذائبًا فيه بجنون قومي. ولكن ان حدت عنه حتى الابتعاد تصبح خائفًا له ومدمّرًا لنفسك.

أنت من تاريخ، من هذا الذي تحسه فيك وهذا لا يملى عليك كما يفعل متطرفو القومية. لا يستطيع أحد ان يسحبك من سلالة. أنت تقرأ ما فيك في الآباء الذين تريد وتقرأ ماضيك حسب الإحساس التاريخيّ والذوقي الذي كونك. والوحدة في قراءات عديدة ممكنة. البلد لا يقرأه أحد عنك. أنت تذوق وفق تكوينك الداخلي ويشع منك بالقوة التي فيك. ولكن يجب ان تضع نفسك في قراءة. عدا ذلك بلبلة.

وإحساسك بمن تجيء منهم لا يجعلك بالضرورة غريبًا عن شرائح لها قراءة أخرى لما فيها. وعليك ان تقبل بماضي الآخر كما يقرأه هو. يوافق تحليلك الواقعي التاريخي أو لا يوافقه. أنت عليك ان تحب الآخر الذي يستمدّ نفسه من نسب تاريخي غير نسبك. المهم ان يحبك اليوم على اختلاف القراءتين. لقد أتعبنا الخلاف على الماضي. في الواقع كان مواجهة بين عقائديات تاريخية مختلفة غالبًا ما كانت في هذه البلاد تخفي عقائديات دينيّة متواجهة. في الحقيقة ان الاختلاف على التاريخ يخفي إرادة خلاف في الزمن الذي نعيشه.

الإختلاف حول الهويات التاريخية في لبنان ليس إختلافًا في قراءة التاريخ. غالبًا ما كان إختلافًا في العقيدة الدينيّة أو استقلالا عن العقيدة الدينيّة.

أنت في البدء آتٍ من موقف ديني تلبسه في النقاش تعبيرًا تاريخيًا لتبين عقلك العصري. على سبيل المثال تخفي العروبة عندك اما موقفًا إسلاميًا أو موقفًا مناوئًا للكثلكة المارونية أو علمانيّة محايدة. لا شيء في بلدنا يعني فقط ما تعبّر عنه اللغة. أنت تقف موقفًا في العمق العقائدي ثم تستعير له اللباس التعبيري. ليس أحد منا غير متحيز أي غير قائم في حيز، في مكان عقائدي. الفلسفة عندنا تغطي الدين وأحيانًا اللغة تغطيه.

أنت تجيء من الموقع العقائدي الذي تقفه فتنحت له لباسًا فكريًا متمدنًا. ويتصادم الناس في ما يطرحونه من مواقف هي ألبسة لقناعات أعمق معظمها ديني. وإذا لم يكن عندك موقف روحي واضح لا تدخل في صدام. تبقى في المقولات الظاهرها تاريخي.

فتش عن كل المفردات التي تخفي تاريخًا سياسيًا (لبناني، سوري، عربي) تراها متصلة بمواقف دينيّة أو لا دينيّة (واللاديني إقرار بالديني حتى ينفيه) ليس في نطاق الفكر حياد عن الله لابسًا ثوبًا دينيًا أو لا دينيًا.

سمعت اندره جيد (Gide) في بيروت منذ ستين سنة يكلمنا عن الفكر الفرنسي ويقول انه مثل قارب يسلك بين ضفتين ضفة الإيمان وضفة الإلحاد. فهمت انه يريد ان أهل بلده في زمانهم يختارون بين الإيمان والإلحاد. ماذا يختار مفكرو بلدي؟

فكر بلدنا فسيفسائي ليس فقط بمعنى التعدد ولكن بمعنى التصادم وأنت حر أمام هذا التعدد ولكنك لا تستطيع ان تبقى ازاءه فاترًا إذ يقول الله في سفر الرؤيا: «كن ساخنًا أو باردًا، لا تكن فاترًا لئلا أتقيأك من فمي».

ليس البلد فقط مدى جغرافيًا. هو قبل كل شيء تاريخ أي مواقف عقائدية أو إعتقادية تقفها آتيًا من مواقع تخفيها أو لا تخفيها. من هنا ان البلد ليس في قناعاتنا واحدًا لكوننا لسنا مثقفين على فلسفة للوجود ولا على نظرة دينية توحي غالبًا بفلسفة تعايش واحد أو توحي بعكسه. التوتر قائم في خياراتنا الفكرية ولذلك لسنا شعبًا واحدًا. نحن شعوب ترتبط بعضها ببعض بمتحد إجتماعي اتفقت عليه أو اضطرت إليه. وبسبب تعدد المفاهيم في الفلسفة الإجتماعية التي نقيم عليها البلد نحن منقسمون ولو سعينا إلى الوحدة. ما يعزينا ان كل بلد في العالم منقسم ولو ظن الناس كلاميًا انهم هكذا أو هكذا.

وأنت عليك ان تتحد في هذه الفسيفساء لتحسب نفسك واحدًا مع مواطنيك والاتحاد ان تصبو إلى وحدة عليك ان تقويها كل يوم. وعلى قدر العزائم من جهة وعلى قدر الإيمان بالبلد الآتي تتضح صورة الحياة العظيمة.

والإيمان يعني الجهاد الموصول في الفكر والعمل على قدر طاقات كل منا إلى ان يعطينا الله بركاته للأزمنة الآتية.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الرجاء / السبت أول حزيران 2013

عند بولس الرجاء فضيلة يرصفها بين الإيمان والمحبة وكأنه يوحي انك ان آمنت ترجو الله فتحب. في عمق الأعماق طبعا الفضائل لا ترصف واحدتها مع الأخرى. انها جميعا متداخلة ولكن يريك الوحي انك تبدأ بالإيمان لأنه هو انعطاف الله عليك. يبدأك كائنا روحيا ويرافقك في مسيرتك اليه. بتعبير جسور، الله يخلقك بالروح القدس بعد ان أنشأك جسديا. هذا كيانك الجديد وحياتك الحق. ومكوث الله فيك هو ما نسميه الإيمان اي قناعتك ان الرب مكونك بروحه. والإيمان من الأمانة لله والأمانة من المأمن. ولست أقول هذا لغويا ولكن روحيا. أنت في بشرتك لست في مأمن، في مقر. الله فيك هو مقرك.ان رأيت الله في ذاته ومعانيه وإشعاعاته فيك وفي الاخوة تكون قد أدركت مقره الذي بات مقرك.

ولكن بينك وبين الله بون تتجاوزه بالإيمان بحيث تبيت في ربك وانت في الجسد. ذلك ان الإيمان انتقال وعلى الأرض أنت في حال انتقال إلى ان يحفظك الرب اليه في الرؤية. الإيمان ليس كل الرؤية. يحتاج إلى حركة إلى الله بالرجاء. ذلك ان الرب آتيك اليوم وغدا. الإيمان في حاجة إلى المحبة ليصبح إقامة في الله. وهو يبدأ بتربيتك على المحبة اذا زرع فيك الرجاء اليه.

الحضور الإلهي فيك ينشأ بالإيمان وهو «قيام الأمور التي ترجى وبرهان الحقائق التي لا ترى» (عبرانيين 11: 1). الأمور التي ترجى اي المستقبلية قائمة الآن في إيمانك. ويمتد قلبك اليها بالرجاء باعتبارها حاضرة في كلمة الله. هنا يمكن ان نقول ان الرجاء امتداد الإيمان من حاضره فيك إلى ما سيكون بحيث تكون الآتيات كالحاضرات لأن كلمة الله تجمع هذه وتلك. ولأن كلمة الله لا يقيدها زمان.

في المواقف الإلهية فيك لا تفريق بين الآن وما بعد الآن لأن الرب يملأ الزمان بحضرته. من هذه الزاوية أمكن القول انك ترى ما ترجوه. انت متغلب على امتداد الزمان لأن الله الذي فيك يملأه. من هنا ان فضيلة الإيمان حبلى بفضيلة الرجاء الذي هو حركة الإيمان. انت لا ترجو الا لكونك آمنتَ اذ الرجاء ليس أملا عاطفيا. هو معطى مع الإيمان كثمرة له.

ينبغي ان نفهم ان الإيمان ليس فضلا انسانيا. انه انحدار إلهي إلى النفس البشرية، تلاقٍ بينها وبين الصميم الإلهي وذلك في عمق يعسر علينا ان نسبر غوره. الله متحرك فينا اي يحركنا اليه. وحركتنا اليه هي الرجاء اذ نعرفه جزئيا في الإيمان. الإيمان بدء استلذاذنا به ولكن ذوقنا اياه يعطيه هو.

اذا كان الإيمان استقرار الله في القلب فالرجاء تحرك الله والله يتحرك إلى ذاته وبذا يحركنا اليه.

واذا جازت اللغة في هذا النطاق يحق لنا ان نرى ان انطباع الرب في القلب هو وجوده وايماننا به هو حركته الينا ويتبعها اخذه ايانا لإزالة البعد بين الخالق والمخلوق أو المحب والمحبوب. وبعد حركته الينا تأتي حركتنا اليه وهذا هو الرجاء. في اعماق الألوهة لا ينفصل الرجاء عن الإيمان وتتبعهما المحبة التي هي إكليل كل وجود.

كلمة رجاء توحي بالمستقبلات. وهذا صحيح لأننا اليوم نؤمن بما هو آت غدا وفي كل الآتيات الصالحات.

الرجاء ينطلق من حقائق الإيمان إلى ما يعلنه الله فينا من محبته. ولكن منعا لالتباس الكلمة اللغوي نريد ان نؤكد ان الرجاء عطية الهية ولا يأتي من مشاعرنا البشرية. الرجاء ليس مجرد تحرك للنفس. انه عطف الهي يذهب بنا إلى الباقيات الصالحات. هو امتداد مما أنزله الله علينا من نعمته إلى ما نرجوه من نعمته الكاملة حتى الرمق الأخير. الايمان، لغة، يوحي بالشيء القائم فينا ويوحي الرجاء بما سيكون. انهما متلازمان في النعمة التي تنسكب علينا.

ولكون الرجاء هو إلى الله يكون امتداده فينا حتى نبلغ كمال الرؤية. ولكن في السعي الروحي يجب ان نرسخه في الإيمان حتى لايظن المؤمن انه يأتي به كما يأتي بآماله. هو فوق كل أمل بشري. انه نعمة فائقة، انسكاب الهي فينا نبتغي فيه الله نفسه. من هنا انه يلتقي بالإيمان ويصب في المحبة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

من فصح إلى فصح / السبت 25 أيار 2013

نحن نقول ان الانسان على فساده يحمل بذرة الخلاص. ما يسميه الغرب الخطيئة الأصليّة ويعني به الموروثة من آدم مع ذنب لا يقبلها الشرق الأرثوذكسي. ليس هناك من ورثة ذنب. الطبيعة البشرية كعهدنا بها تلطخت وفسدت ولكنها ما صارت عدما أخلاقيا. فيك تقبّل لإلهك أو أثر إلهي. فيك خير كامن يعايش الخطيئة، يرافقها. ليس في الكيان البشري فساد شامل ولا من برّ يغطيه تغطية كاملة. هذه أشياء تتخالط في النفس البشرية؛ أعرف نفوسا قريبة من الصفاء ولكني لا أعرف صفاء مبدِّدا فينا كلّ ظلمة. القداسة توق وقبل القيامة الأخيرة ليس من قداسة مكمّلة. والحديث عن الكمال ليس حديثًا عن واقع مكتمل ولكنه دعوة. ما عناه المخلص بقوله: «كونوا كاملين» لا يتجاوز قصده ان اسعوا الى الكمال لأنه بقوله: «كونوا كاملين كما ان اباكم السماوي كامل» ما قصد الا ان توقوا الى الكمال. في السماء نفسها وفي اليوم الأخير ليس من انسان كامل. نحن ما قلنا مرة اذا اعلنّا قداسة انسان انه خال من الخطيئة. نقول انه كان نموذجا في السعي الى القداسة وان هذه كانت همّه الكبير. عندما قال الله: «كونوا قديسين» كان يريد ان هذه دعوة، اشتياق وما عنى القداسة تنصبّ فيك كانصباب الصلب. لو الفضيلة تنصب كاملة لما احتجنا الى صلاة سؤال. «ملكوت الله في داخلكم» عبارة يسوع هذه تعني انكم سائرون الى هذا الملكوت ولا يتحقّق الملكوت في أحد منكم قبل اليوم الأخير.

انتم اجتهدوا ان يكون كلّ يوم من حياتكم كأنّه اليوم الذي تنالون فيه اكليل المجد ولكن هذا الاكليل يضعه المسيح على رؤوسكم من بعد موت ومن بعد قيامة حيث يسطع البرّ في الانسانيّة الممجّدة.

هذه تربية عظيمة على التواضع ان يفهم الانسان انه مكسور ولا يظهر الا مضمّدا امام السيّد. وفي دعائنا القديسين لا نعترف انهم نالوا البرّ كاملا ولكنّا نرجو ان يشاركونا في الصلاة حيث هم لتتألّف جماعة القديسين الذين اكتملوا والذين لم يكتملوا. الأبرار كلّهم في حالة التوق الى ما سوف يعطيهم المخلص ولكنهم في لاهوتنا لم يبلغوا الكمال.

سئلت مرة عمّا اذا كانت مريم في السماء بجسدها. أجبت مع اعتقادي الشخصي بهذا ومع كل الأناشيد التي تبدو فيها هذه القناعة في عباداتنا اننا لم نحدد الأمر عقائديا. أضفت امام انعدام التحديد انا شخصيا اؤمن ان مريم في المجد اي انّ جسدها لم يطرأ عليه فساد. طبعا أعرف ان هذا لا يمكن ان يقوله الا العاشقون.

أنت تخاطب القديسين في الكنيسة التراثيّة لأن «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». القديسون أصدقاؤنا ولهذا يؤمون صلاتنا ولو غائبين في الجسد. انا لا أفهم ان مريم ليست إماما لي عند انتصابي في حضرة الله. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول في عظة الفصح انه لم يبقَ من ميت في القبور واذا أنشدنا في العيد : «المسيح قام من بين الأموات» ستين مرة ندلّ على ان انتقالا ما الى نور الثالوث يحصل في الإنشاد. انشادنا نور وهذا نحمله من أحد الى أحد اذ عندنا الى جانب العيد عيد في كل أحد وهذا العيد الأحدي طاغٍ على كلّ تعييد.

حياتنا فصح. نريدها كذلك. ونتوق ان نكون لأن في الفصح ومعناه العبور من تريد ان تصل اليه اي المخلص ويقول ارمياء النبي: «روح أفواهنا مسيح الرب». رجاؤنا الا نسقط في الحيرة التي وقع فيها التلاميذ قبل القيامة فالحيرة عدم مسيح.

المسيح يصبح بصليبه كل شيء فينا حتى يكشف لنا قوّة قيامته كل يوم بانتصارنا على الخطيئة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الخطف / السبت 18 أيار 2013

الخطف الا يقر خصمك في مكانه لأن مكانه استقرار نفسه ويجب ان يدخل الخلل إلى نفسه حتى يضطرب ويخاف وفي هذا شيء من موت. العداوة هي أولا إقصاء عن المعية، بقاء في التشرذم فالمحبة معية، غلبة لعزلة الأحدية، فيها اثنان معًا ان كان الله بينهما. اذ لا يجتمع اثنان الا اذا الرب جامعهما والا يجتمعان على منافع الدنيا.

المكان الذي أنت منه امتداد لشخصيّتك. الله وحده ليس في حيّز. المكان لا يحدّك بالضرورة. يحددك أي يكون بعضًا من معناك. يصفك وهذا من ذاتك. الملائكة أنفسهم في اللاهوت الشرقي تلحق بهم محدوديّة ما وان كانت تختلف عن محدوديتنا. وأنت أليف الأشياء التي تحيط بك أي هي من مكوناتك. بت ألاحظ في شيخوختي أني لست أحيد عن الأسواق التي مشيت فيها في سني طفولتي. فالإنسان من عينيه والأشياء إلى عينيه. هكذا أحسست أني أشتاق الأسواق العتيقة في مدينتي وان العودة إليها تعيدني إلى اساس أنا قائم عليها في ناسوتي العتيق.

اذا سألوك عن مسقطك قد يكون هذا من باب الفضول ولكن في جوابك تتحرك لنفسك اذ لم تنفصل عن الجنين الذي كنته أو عن أمك التي تبقى أمك حتى رمقك الأخير. لذلك كان إقصاؤك عن مكانك إقصاءك عن الوجود. فالمكان منك وأنت منه إلى ان يردك الله إليه. هو وحده له الحق ان يردك إليه. اما المجرمون فيخطفون اذ لا يحبون شيئًا طيبًا مثل مكانك. اذا خطفوك يبيدون فيك مكانك، يسرقونه وهو ليس لهم.

من المرارات الا تعرف شيئًا عن أحبائك المخطوفين فهذا سلخ عن وجود لك واحد مع أحبة لك. هذا تعد على معية خيرة كانت فيك غنى. كل اعتداء على شراكة بشرية سرقة. الإنسان يعيش مع من يحب، مع الذين اختارهم لحبه وأنت ان خطفته تسرق حبه.

نحن نحيا مع الذين ارتضيناهم أصدقاء اذ لا نحيا بلا تكامل. يأتي الخاطف الشرير ويقول لك: أنا قررت ان هؤلاء ليسوا أساسيين لك فأنا أشردهم حيث أريد والمكان ليس ضروريًا لهم. الجواب ان المرء لا يتنزه في كل مكان ولكن في المكان الذي ارتضاه منذ وعيه المدى. الجمال ينقذ الإنسان من اللامدى. يضعه في وضع ينتعش فيه. واذا بمجرم يأتي ويسلخه عن أرضه، هذه التي نشأ عليها وأحب.

الخاطف لا يخطف إلى مكان، يخطف إلى اللاشيء. هو نفسه ليس عنده مكان الا الجريمة. سلخ الناس بعضهم عن بعض صورة عن الموت الذي لم يكتمل، رغبة في موت لم نتجرأ عليه. إقصاء الآخر عن الذين يحب يأتي من قرار لإماتة لم تحقق جسديًا. ذلك ان كل ما كان ضد المشاركة موت. ليس الإنسان دائمًا جريئًا حتى يقتل. حسبه ان يعذب أو ان يمرمر. «الإنسان ذئب للإنسان». يجب ان ينزل الله إليه ليحب أي ليلقى الآخر.

الخاطف جريمته القصوى تفريق الأحبة. يلجأ إلى ظن ان الإنسان قادر ان يعيش بلا شريك، بلا رفيق، الا يكون محبوبًا. لعل في الخطف نقصًا في شجاعة القتل. الإخفاء نصف إبادة ولكنه مخيف لأنه كثيرًا ما هيأ للإبادة ودائمًا كان مليئًا بالخوف. ومن أذاق الآخرين الخوف فكأنه أبادهم ولم يجرؤ. أظن ان خشية طائفة من طائفة في لبنان فيها رغبة موت ولكن ليس فيها قدرة عليه لعدم الجرأة أو للندم لحيظات قبل القتل.

من مرارات الخطف أنك لا تعرف شيئًا عن المخطوف. ومن أخذه لا يعلن هذا لئلا يقع تحت تأديب القضاء. الخطف يجعلك في اضطراب كبير مع انه لا يستتبع القتل بالضرورة. تخشاه لأنه ليس الموضع الطبيعي للإنسان. أنت، إنسانًا، في طبعك أليف المشاركة ولا تتوقع الإنسلاخ. إنسلاخك عن هذه الدنيا بموتك الطبيعي. فاذا افتعلوا الخطف يقلقونك وجوديًا ولو شعرت انه ليس إلى موت. غير انه ليس من خاطف يضمن أحدًا وأنت ساذج ان صدقت الخاطفين. وأتساءل لماذا يعلنون عن صفتهم هذه؟ ماذا يجنون؟ أنا عشت خطف بعض من أصدقاء كأنهم ماتوا. هم مرشحون للموت. والمجرمون يخيفوننا كما أخافوهم. ماذا يضمن المخطوف؟ الذي أقدم على سلخه عن أحبائه عاطفيًا قريب عن سلخه عنهم وجوديًا. هذا كله من مملكة الموت إلى ان يردنا الله إلى الحياة معه.

خطف نسيب لنا أو صديق يجعلني رجراجًا كالمخطوف اذ يزيل الوحده التي كانت قائمة بيني ومن كان حولي. الخطف كسر المعية التي كانت بيني وبين كثيرين. انه بدء لتسرب الموت، إخلال بوجودنا كجماعة. بالقتل تقول شيئًا صريحًا. تخطف لتخفي ماذا؟

خوفي ان الذي خطف ليس عنده شجاعة كافية ليعلن عن خطفه لأن الخطف يلقي عليه تأديب القانون وهو لا يعرف نفسه مجرمًا كاملاً لأنه ليس بقاتل ولعله يعلل النفس بأن الخطف ليس إلى نهاية. انه ينتهي بإعادة المخطوف كأن الإعادة تكفير عن الخطيئة أو كان الخطف لعب.

كل شيء في الخطيئة يشبه ألعابها لأن الخطيئة على جديتها فيها ما يخل بالنضج، ذلك لأنها في تعليمنا ليست من استقامة الوجود وفي لغة آبائنا ليست من الطبيعة السليمة. غير ان خطأ الخاطئ انه لا يرى ذلك اذ يرى الخطيئة في خط الوجود.

جاذبية الخطيئة انها كاذبة من حيث انها تجعلنا نعتقد انها في منطق الوجود عندما لا نميز بين الوجود السليم والوجود المريض. الفضيلة لتنزل عليك تحتاج إلى ربك. لا تأخذك إليها من مجرد قواك. أنت لا تخسر نتانتك الا اذا لبستك جدة الحياة وهي تنزل عليك من فوق. أنت لا تقدر على شيء من السماء ما لم تهبط عليك السماء وتعانقك. عندئذ تصبح من الإنسانية الجديدة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

اليوم الثامن / السبت 11 أيار 2013

في اليوم الثامن بعد القيامة وكان يوم أحد ظهر المعلم للتلاميذ الذين كانوا مجتمعين خوفًا من اليهود والأبواب مغلقة. يسوع يفتح ما كان مسدودا. يفتح كل الآفاق أمام العيون والعقول. يكسر السدود وجدران الوجود لنذهب معه إلى كل مدى، لنمتد معه إلى اللامدى لنجوب هذا العالم وما فوق العالم، لنقتحم أبواب السماء اذ لم نبق خائفين ممن كانوا اعداءه وممن يجعلون أنفسهم من جهلهم أعداء.

ظهر لهم والأبواب مغلقة. هو يكسر كل مغلق ويفتح الموت على الحياة. اذا رأيته لا تنتظر شيئًا آخر اذ ليس بعده شيء. ذلك لأنه وحده الآتي اليوم وغدا ولا يخلفه أحد. في كنيسة الأصول ما كنا نقول ان له خليفة اذ الخلافة تعني الزمان والمسيح ليس من زمان. الأزمنة تأخذ معناها وفحواها منه. هو ما انطوى ليكون له خليفة. الخليفة يأتي بعده وهو في عمقه ما كان له قبل وما بعده بعد. غير هذا كلمات بشر يريدون فهم التاريخ وهو خطف اليه كل تاريخ.

ظهر لهم والأبواب مغلقة في ذاتها ولم تكن مغلقة دونه. ولما اخترقها قال لأحبائه السلام لكم. تحية في ظاهرها والمراد بها اعطاؤهم السلام أي صلحا مع الله وصلحا مع الوجود وهذا يتطلب نزول الإله إلى مملكة الموت ليزيلها وينشئ ملكوت الحياة.

لا تفتح الأبواب الموصدة بين الناس في كل أزمنتهم الا اذا كسرها المسيح لأن القلوب بينها تنافر كثير وتحتاج إلى ان يدخلها ليزول النفور الا ان القلوب لا تتلاقى الا اذا انسكبت عليها النعمة لتلتقي. الإنسان ليس بآلة في تدبير أموره. يحتاج إلى إله يضع فيه طراوته ليزول عنه اليباس. فالقلب على يباس تارة وعلى طراوة أطوارًا. ولا يعلو من ذاته ما يعني ان فيه طاقات؟ من يفعّلها؟ اذا لم يسكنه الرب فهو قادر ان يستقبل الجمال الزائف. الانسان الذي لم يملأه الله من وجوده عرضة لاستقبال كل البشاعات.

في إيماننا نحن ان فاتح القلوب إلى أية جهة انتمت هو يسوع الناصري الوديع والمتواضع القلب ويعني هذا في سر إلهي انه يسكب قلبه في قلوب الودعاء إلى ان تصير مثل قلب الله.

دخل السيد إليهم والأبواب مغلقة وقال لهم السلام لكم. «سلامي لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا». القضية بينك وبين الله انك عدوه بالخطيئة. هذه لا تزول الا اذا ازالها الله بسلامه أي اذا جعلك في حالة سلام مع أبيه.

بعد ان سلم السيد عليهم فرحوا اذ أبصروه. الرب يرانا أولا بعطف منه حتى نقدر ان نراه. كيف رأوه أو ماذا رأوا؟ يقول الكتاب انهم رأوه وعليه آثار العذاب. ولكون أحدهم شك ظهر له المخلص وقال له: «هاتِ إصبعك إلى ههنا وعاين يديّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمنَ: ارتضى المخلص الا يؤمن به توما بمجرد التصديق ولكن بلمسه. يتنازل الرب إلى حالة التلميذ الشاك ولا يأنف ان يتلمس هذا منه شيئا. هذا لقاء معطي الإيمان بالإنسان الشاك.

يسوع لم يقابل الشك بالتأنيب. تنازل إلى وضع الشك لأنه يلاقي الخاطئ ويعطيه سلاما كما أعطى المرأة الزانية. «اذهبي بسلام ولا تخطئي بعد». لم يخف خطيئتها. ذكرها في مرحلة ثانية من الحديث. بعد ان يطمئن الخاطئ إليه ويقيم يسوع سلاما معه يذكره بالأيام الآتية عليه وهي أيام توبة. والتوبة هزة قبل حصول الاطمئنان. والتوبة، لغة، رجوع إلى وجه الله وهذا يعني انسلاخا عن وجوه الخطيئة. التوبة ان لم تكن انسلاخًا كاملاً مزاحًا تكون. صعوبتها الكبيرة انها لا تقبل المساكنة مع أية ذرة من ذرات الخطيئة. ليس في التوبة مسالمة لأية جزيئة من جزيئات الشر. فأنت تخرج منها أو لا تخرج. واذا بقيت على شيء منها موتا تموت.

صعوبة عيشنا مع الله انه لا يرتضي مساكنة أي إله آخر. وكل إله آخر كاذب لأنه يأتي من ميتات الشهوة التي فينا.

يبدو الله انه منشئ الصحارى في القلوب. أنت على دروب الصحراء ان لم تصل إلى المياه التي يفجرها لك الله فيها. في الصحراء ليس الا الله. وأنت تعايشه في الجفاف الذي حولك أو فيك. أنت تعايش ربك كما أنت، بلا شرط فيك. إذا كنت على هذا لا تبقى دونك أبواب مغلقة. تقع كل السدود وتسير في حرية الله إليه. والمسيرة نفسها بعض حياة الا ان ترتمي في أحضان ربك ارتماء نهائيًا. اذ كل شيء ان تراه وهذا أقوى من الإيمان. هذا محبة. وعند المحبة القصوى تكون قد ربحت ربك ربحًا كاملاً يبيد منك كل أثر من الخوف اذ «لا خوف في المحبة».

لست مخطئًا ان أردت ان تلمس ولكن لا لمس حقيقيًا لا بالحب أو ليس الحب في معناه الحقيقي لمس الرب؟ بهذا المعنى الحب أقوى من الإيمان. هذا في كلام الرسول إلى ان نبلغ الرؤية. والرؤية هي اللصوق. القول التراثي ان الرؤية في حالتها المكملة آتية لا يمنع ان نستبق الرؤية بالحب. الرؤية هي اللصوق وهي أعلى مرتبة من مراتب الحب.

الحب عندنا نحن أتباع الناصري آت من قيامته لأن القيامة هي الانتصار على الموت والنصر هذا استمرار قيامته فينا وفي الوجود. أفهم الذين ليسوا على دين قيامته ان يقولوا لي، أليست عندنا حياة روحية نازلة علينا من الله مباشرة وتوا؟ لماذا تقول انها تعبر المسيح لتصل إلينا؟

أنا لا أنكر على أحد نزول النعمة إليه ولكني أنا قرأت الناصري يقول: «لا أحد يأتي إلى الآب الا بي» وحاولت ان اتبع كلمته هذه. ان يذهب كثير من القوم إلى أبيه دون ان يذكروه، من أكون لأنكر حقهم بهذا الإيمان. أنا لا يعني لي شيئًا الخيار بين ان أذهب إلى الله مباشرة أو ان أذهب إليه عن طريق المسيح. اذ ليس من مسيرة عندي إلى الله الا والمسيح في وسطها أو على امتدادها. أنا لا خيار عندي بين وجه الناصري ووجه أبيه. «من رآني فقد رأى الآب».

كل لقاء مع المسيح يتم فيه أمامي انكشاف وجه الله. صح ان بولس قال عن المسيح انه وسيط بيننا وبين الله. هذا كلام عن بشريته ولكن كتابه قال أيضًا عنه انه الألف والياء، البداءة والنهاية. هل الآب هو نهاية النهايات؟ لا شك اننا هناك نركن ونستريح.

السبت 11 أيار 2013

في اليوم الثامن بعد القيامة وكان يوم أحد ظهر المعلم للتلاميذ الذين كانوا مجتمعين خوفًا من اليهود والأبواب مغلقة. يسوع يفتح ما كان مسدودا. يفتح كل الآفاق أمام العيون والعقول. يكسر السدود وجدران الوجود لنذهب معه إلى كل مدى، لنمتد معه إلى اللامدى لنجوب هذا العالم وما فوق العالم، لنقتحم أبواب السماء اذ لم نبق خائفين ممن كانوا اعداءه وممن يجعلون أنفسهم من جهلهم أعداء.

ظهر لهم والأبواب مغلقة. هو يكسر كل مغلق ويفتح الموت على الحياة. اذا رأيته لا تنتظر شيئًا آخر اذ ليس بعده شيء. ذلك لأنه وحده الآتي اليوم وغدا ولا يخلفه أحد. في كنيسة الأصول ما كنا نقول ان له خليفة اذ الخلافة تعني الزمان والمسيح ليس من زمان. الأزمنة تأخذ معناها وفحواها منه. هو ما انطوى ليكون له خليفة. الخليفة يأتي بعده وهو في عمقه ما كان له قبل وما بعده بعد. غير هذا كلمات بشر يريدون فهم التاريخ وهو خطف اليه كل تاريخ.

ظهر لهم والأبواب مغلقة في ذاتها ولم تكن مغلقة دونه. ولما اخترقها قال لأحبائه السلام لكم. تحية في ظاهرها والمراد بها اعطاؤهم السلام أي صلحا مع الله وصلحا مع الوجود وهذا يتطلب نزول الإله إلى مملكة الموت ليزيلها وينشئ ملكوت الحياة.

لا تفتح الأبواب الموصدة بين الناس في كل أزمنتهم الا اذا كسرها المسيح لأن القلوب بينها تنافر كثير وتحتاج إلى ان يدخلها ليزول النفور الا ان القلوب لا تتلاقى الا اذا انسكبت عليها النعمة لتلتقي. الإنسان ليس بآلة في تدبير أموره. يحتاج إلى إله يضع فيه طراوته ليزول عنه اليباس. فالقلب على يباس تارة وعلى طراوة أطوارًا. ولا يعلو من ذاته ما يعني ان فيه طاقات؟ من يفعّلها؟ اذا لم يسكنه الرب فهو قادر ان يستقبل الجمال الزائف. الانسان الذي لم يملأه الله من وجوده عرضة لاستقبال كل البشاعات.

في إيماننا نحن ان فاتح القلوب إلى أية جهة انتمت هو يسوع الناصري الوديع والمتواضع القلب ويعني هذا في سر إلهي انه يسكب قلبه في قلوب الودعاء إلى ان تصير مثل قلب الله.

دخل السيد إليهم والأبواب مغلقة وقال لهم السلام لكم. «سلامي لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا». القضية بينك وبين الله انك عدوه بالخطيئة. هذه لا تزول الا اذا ازالها الله بسلامه أي اذا جعلك في حالة سلام مع أبيه.

بعد ان سلم السيد عليهم فرحوا اذ أبصروه. الرب يرانا أولا بعطف منه حتى نقدر ان نراه. كيف رأوه أو ماذا رأوا؟ يقول الكتاب انهم رأوه وعليه آثار العذاب. ولكون أحدهم شك ظهر له المخلص وقال له: «هاتِ إصبعك إلى ههنا وعاين يديّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمنَ: ارتضى المخلص الا يؤمن به توما بمجرد التصديق ولكن بلمسه. يتنازل الرب إلى حالة التلميذ الشاك ولا يأنف ان يتلمس هذا منه شيئا. هذا لقاء معطي الإيمان بالإنسان الشاك.

يسوع لم يقابل الشك بالتأنيب. تنازل إلى وضع الشك لأنه يلاقي الخاطئ ويعطيه سلاما كما أعطى المرأة الزانية. «اذهبي بسلام ولا تخطئي بعد». لم يخف خطيئتها. ذكرها في مرحلة ثانية من الحديث. بعد ان يطمئن الخاطئ إليه ويقيم يسوع سلاما معه يذكره بالأيام الآتية عليه وهي أيام توبة. والتوبة هزة قبل حصول الاطمئنان. والتوبة، لغة، رجوع إلى وجه الله وهذا يعني انسلاخا عن وجوه الخطيئة. التوبة ان لم تكن انسلاخًا كاملاً مزاحًا تكون. صعوبتها الكبيرة انها لا تقبل المساكنة مع أية ذرة من ذرات الخطيئة. ليس في التوبة مسالمة لأية جزيئة من جزيئات الشر. فأنت تخرج منها أو لا تخرج. واذا بقيت على شيء منها موتا تموت.

صعوبة عيشنا مع الله انه لا يرتضي مساكنة أي إله آخر. وكل إله آخر كاذب لأنه يأتي من ميتات الشهوة التي فينا.

يبدو الله انه منشئ الصحارى في القلوب. أنت على دروب الصحراء ان لم تصل إلى المياه التي يفجرها لك الله فيها. في الصحراء ليس الا الله. وأنت تعايشه في الجفاف الذي حولك أو فيك. أنت تعايش ربك كما أنت، بلا شرط فيك. إذا كنت على هذا لا تبقى دونك أبواب مغلقة. تقع كل السدود وتسير في حرية الله إليه. والمسيرة نفسها بعض حياة الا ان ترتمي في أحضان ربك ارتماء نهائيًا. اذ كل شيء ان تراه وهذا أقوى من الإيمان. هذا محبة. وعند المحبة القصوى تكون قد ربحت ربك ربحًا كاملاً يبيد منك كل أثر من الخوف اذ «لا خوف في المحبة».

لست مخطئًا ان أردت ان تلمس ولكن لا لمس حقيقيًا لا بالحب أو ليس الحب في معناه الحقيقي لمس الرب؟ بهذا المعنى الحب أقوى من الإيمان. هذا في كلام الرسول إلى ان نبلغ الرؤية. والرؤية هي اللصوق. القول التراثي ان الرؤية في حالتها المكملة آتية لا يمنع ان نستبق الرؤية بالحب. الرؤية هي اللصوق وهي أعلى مرتبة من مراتب الحب.

الحب عندنا نحن أتباع الناصري آت من قيامته لأن القيامة هي الانتصار على الموت والنصر هذا استمرار قيامته فينا وفي الوجود. أفهم الذين ليسوا على دين قيامته ان يقولوا لي، أليست عندنا حياة روحية نازلة علينا من الله مباشرة وتوا؟ لماذا تقول انها تعبر المسيح لتصل إلينا؟

أنا لا أنكر على أحد نزول النعمة إليه ولكني أنا قرأت الناصري يقول: «لا أحد يأتي إلى الآب الا بي» وحاولت ان اتبع كلمته هذه. ان يذهب كثير من القوم إلى أبيه دون ان يذكروه، من أكون لأنكر حقهم بهذا الإيمان. أنا لا يعني لي شيئًا الخيار بين ان أذهب إلى الله مباشرة أو ان أذهب إليه عن طريق المسيح. اذ ليس من مسيرة عندي إلى الله الا والمسيح في وسطها أو على امتدادها. أنا لا خيار عندي بين وجه الناصري ووجه أبيه. «من رآني فقد رأى الآب».

كل لقاء مع المسيح يتم فيه أمامي انكشاف وجه الله. صح ان بولس قال عن المسيح انه وسيط بيننا وبين الله. هذا كلام عن بشريته ولكن كتابه قال أيضًا عنه انه الألف والياء، البداءة والنهاية. هل الآب هو نهاية النهايات؟ لا شك اننا هناك نركن ونستريح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أتى العيد / الجمعة 4 أيار 2013

«من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية» لا تحتاج إلى تفسير المفسرين إلا قليلا. قال أكابرنا الجسد هو الذات والدم الحياة. وليس بعد ذلك من تأويل. من أنا لأزيد؟ بعد قولهم ليس من قول. هل جسده كلامه؟ ان كنا نفهم الفلسفة التي في الكتاب الطيب نؤمن بهذا وندرك ما هو أعمق ان كلامه هو.

ليس في هذا سجال. فالقديسون الذين فسروا جسده على انه القرابين كانوا على حق ومن قال انه تعليمه كانوا أيضًا على حق فاذا كان تعليمه هو هو فالقربان هو أيضًا هو. وفي سر شخصك هل من وحدة بين كلام إنجيلك وما سميته أنت جسدك ودمك؟ من عرف في العمق فكر الله يدرك ان كلامه عن جسده ودمه كلام عن ذاته وليس بعد ذاته الا كلام عن ذاته حتى نفهم كل شيء في اليوم الأخير.

ولكن كل هذا لا يدركه الا المقربون. اجعلنا، ربي، منهم علني أفهم شيئًا من ذاتك. اذا أكرمت وغفرت لنا خطايانا نقدر ان نفهم. أنت قلت: «يا بني أعطني قلبك». وأردت بذلك ان نخلي القلب مما عداك كي لا يتعرقل الفهم.

يقبل العيد عند المشارقة بعد أيام معدودات ونتقبله استباقًا الحب لمعرفتنا انا به نحيا. نحن نحيا بتوقنا إلى إماتة المسيح لخطايانا أي بيقيننا ان الغلبة آتية فينا بوعد الحياة التي تنتقل منه إلينا وإلى العالم.

كل شيء في المسيحية حادثة ووعد. الإيمان هو إيمان بواقع يؤتيك الخلاص. والواقع حدث ماضٍ بعضه يثبت تاريخيًا بالشهود. منطقيًا لا تحتاج الواقعة الا لتثبت واقعي بالشهود والوثائق. مع ذلك أصر العهد الجديد على اعتبار موت المسيح موضوع إيمان أي ما هو أكثر من واقعة تاريخية وهذه ما يؤكدها أي مؤرخ ملحد لو كان عائشًا في ذاك الزمان. ولذلك كان أي إعلان بعدم موته ليس قولاً تاريخيًا بل موقف عقائدي لا مجال لمناقشته.

لذلك ليس لنا ان نرد على القائلين بعدم موته. هذا اذا سلكنا منطق الواقعية التاريخية. اما اذا لم نسلك هنا المنطق فتكون قد تنحينا عن المنهج التاريخي لنعتمد منهجًا عقائديًا.

فاذا ما قال المسيحيون بموته فإنهم في استنادهم إلى المصادر الرومانية الوثنية لهم حجتهم وفي دعم هذه الحجة بمصادرهم وهي تاريخية وليست فقط من عقيدتهم. الإنجيل ان آمنت به أم لم تؤمن به مرجعًا تاريخيًا من القرن الأول أو القليل منه من بدء القرن الثاني وثيقة ثابتة بأقوال الشهود أو أتباعهم الذين تركوا لنا آثارهم من ذلك الزمن. صعوبة دحضك المسيحية الأولى على مستوى ما أوردته من وقائع ان هذه الوقائع ثابتة بالمخطوطات أنت لا تستطيع ان تثبت علميًا ان هذا الذي رآه التلاميذ من «بعد القيامة» هو إياه الذي صُلب فهذا من الإيمان ولكنك ان كنت مثقفًا غير مرتهن لموقف عقائدي لا تستطيع ان تنكر صلبه حادثة مادية. لا يبقى عليك إذ ذاك، الا ان تستند إلى ما تعتبره وحيًّا أي تفسيرًا لنصوص عقائدية. ونكون عند ذاك في مقابلة بين نصوص تأويلية ونصوص أخرى تعتبرها أنت تأويلية.

جوهر المسيحية كله الإيمان بأن موت يسوع الناصري حدث مادي ثم في ظل ولاية بيلاطس البنطي على اليهودية حول السنة السادسة والثلاثين ميلادية. حول هذا ليس من حوار. أهمية الموقف المسيحي من موت الناصري كامنة في ان إعدام بيلاطس ليسوع الناصري موقف ولا يحتاج إلى شهادة الأناجيل وحدها. وان قوة الموقف المسيحي حول واقعية موت الناصري لا تحتاج إلى إيمانك ولكن إلى إقرار الوثائق الرومانية الوثنية التي تتكلم عن هذا الموت.

أنت حر الا تقبل الإيمان بالمسيح ربًّا ومخلصًا فهذا ليس من التاريخ ولكنك لست حرًّا في الا تقبله قد مات الا اذا وقفت موقفًا لا تقره واقعية التاريخ. يزيد المسيحيون على هذا قولهم ان موته هو من الإيمان اذ يعطون لهذا الموت قيمة خلاصية.

نحن لا نأتي إلى واقعية موته من إيماننا ولكنا نبني إيماننا على واقعة الصلب وهي واردة في النصوص الرومانية.

قصتنا مع الذين لا يرون ما نرى اننا دين يثبت وقائعه في مصادره. أجل الواقعة لا تلزمك بإيمان محدد ولكن الإيمان ان لم يستند إلى واقع يكون منفصلاً عن التاريخ كليًّا.

نحن ديانة جانب أساسي فيها صلب يسوع الناصري وعجائبه في فلسطين وتعاليمه. الكثير من هذا واقع تحت مجهر الفحص الواقعي وبعض آخر يقع تحت التصديق. أقول هنا ان قيامة المخلص تصديق لأنك لا تستطيع ان تثبت عقليًا ان الذي رآه التلاميذ الكثيرون بعد القيامة هو الذي قام حقًا. هذا من الإيمان. الإيمان ليس ضد العلم ولكنه ليس من العلم ولا مناهجه كمناهج العلم.

كل صدقية الإيمان في القلب المؤمن. هذا لا يعني ان الإيمان لا يمت بصلة إلى الوقائع. ولكنه ان لم يكن على تماس ما بالواقعة يكون نسج خيال.

من هذه الزاوية ماذا تعني لنا قيامة يسوع الناصري؟ ما قالته الأناجيل ان هذا الذي رآه أتباعه قد قام هو إياه الذي مات. لا تقول شيئًا آخر. لا تتحدث عن انتعاش جثة. لا تصف انتقال يسوع من وضع ميت إلى وضع حي أو محيا. تقول ان هذا الذي رأيتموه الآن حيًّا هو إياه الذي علق على خشبة. أما كيف تم الانتقال من وضع ميت إلى وضع حياة فهذا لم تأتِ عليه النصوص.

ما هم الأناجيل التأكيد على ان يسوع الناصري بعد ذبحه الكامل على الصليب ظهر حيا، أكل وشرب وبقي حيا وظهر لإخوته ولمسوه وأطلق حياة جديدة في العالم ونوعًا آخر من البشر تحدى الموت اختيارًا بشجاعة مذهلة وتوقًا إلى القيامة وذلك فقط بعشق ليسوع الناصري.

كل مسيرة المسيحيين الأوائل والكثير من المتأخرين تدل على ان الكثير من لذائذ العالم لم يجذبهم. من كل وثائق الشهداء الرومانية والسوفياتية ترى ان ما كان يحيي المسيحيين كان أقوى من الموت كان فيهم سرّ لا يفسر سيكولوجيا. كيف ماتوا في الإمبراطورية الرومانية وغيرها جيلاً بعد جيل مسحوقين غير متوقعين الا مجدا غير منظور؟ ما سرّ ارتضائهم العيش في فقر يظلون فيه أحباء للرب، مكروهين من مضطهديهم، في هزء من الكثيرين؟

كيف تأكل لحومك الوحوش وأنت لا تتفجع وتقول نساؤك لأطفالهن الا يبكوا على افتراسهم؟ كل هذا سرّ بقي مغلقًا على العقول حتى طلب الشهداء بلسان إغناطيوس الأنطاكي ان يُطحنوا بين أضراس السباع ليصيروا «قربانًا مقبولاً عند المسيح».

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

يسوع إلى أورشليم / السبت 27 نيسان 2013

دخول يسوع إلى أورشليم في ذكرى الغد عند المسيحيين المشارقة يدل على ارتضائه الموت.، هذا الذي جاء يحققه حبا بنا. هو كان موته من أجل احياء البشر فيه بعد ان صلّى ليكونوا بذلك واحدا به كما هو واحد مع الآب.

ما من شك ان وجها من وجوه الفصح ان نكون واحدا مع الآب الذي هو المبتدأ والمنتهى. الآب كثيرا ما كان منسيا عند عامة المسيحيين وهو الأول والآخر. المسيح من حيث هو بشر متألم ليس نهاية كل شيء. ان أنت نسيت انه الطريق إلى أبيه تخطئ فهم خلاصه. كان له ان يدلك أيضًا على انه آخر الطريق بالموت الذي ارتضاه لتكون أنت معه وترث الحياة التي فجرها بالقيامة.

وكان بدء الطريق بالشعانين أي بدخوله أورشليم لتقتله البشرية فيها. كل البشرية ممثلة باليهود قتلته. مصير ابن البشر كما رسمه الآب ان يقتله الناس اذ كان قبوله هذا القتل علامة حبه والمنفذ إلى قيامته.

ولا تقتله الا اورشليم ذابحة الأنبياء والمرسلين اليها. في مقاصد الآب ان يموت ابنه قتلا من قبل الناس وحبا من قِبله. هذا هو سلوك الناس من جهة وسلوك الله من جهة. كان التصميم الإلهي ان يلتقي البشر ومخلصهم بالدم وبالتحرر من الدم إلى الأبد.دخل ابن الانسان مدينة الله في أحد الشعانين في كامل تواضعه ملكا على البشرية لتقتله هذه هذه بتفويضها اليهود لقتله. وكان هذا في القصد الإلهي اذ كان المسيح هو الذبيح قبل انشاء العالم.

هذا هو السر المكتوم منذ الدهور ان البشرية قتلت مسيح الله مجرمة ثم مغفورا لها من بعد لأن رد الله على الجريمة الحب.

يدخل يسوع الناصري مدينته المذنبة لأن أباه كتب عليه موتا كان للبشر جميعا خلاصا وقيامة. ما قاله يسوع وكان جديدا، ما قاله لمرتا أخت إليعازار: «أنا هو القيامة والحياة». كل ما قبل هذا الكلام وعود من الله انه هو يحيي الناس. يسوع الناصري قال عن شخصه انه هو الحياة. وأتى بهذه المفارقة انه ينبغي ان يموت ثم أتبع هذا الكلام بأنه سيقوم.

غير انه لم ينعت قيامته بأنها حادث فقط ولكنه قال أيضا: «أنا القيامة والحياة». هذا ليس له معنى باللغة. هو لم يقل فقط انه يعطي القيامة. قال عن نفسه انه هو القيامة أي لم يقل فقط: أنا المقيم وكأنه قال: ان أنت كنت فيّ سأدخلك ذات القيامة. هذا ليس له معنى بلغة الواقع ولكن يسوع الناصري يحيرك بأنه ينقلك عن واقعك المألوف ليشركك في واقعه.

#   #

#

ما كان السيد المبارك جزءا من الحياة. كان كل الحياة ولا تستطيع ان تفهم ذلك بالتفصيل العقلي. ينبغي ان يدخلك هو سره لتفهم. وبدء الفهم انه دخل أورشليم لتقتله لمعرفته انه في مكوثه فيها ستذبحه كما ذبحت الأنبياء قبله وانه بهذا يتمجد وتتمجد أورشليم ان تابت. وتنتهي بموته كل إقامة هنا في الأرض اذ بهذا الموت ورثنا الحياة الأبدية الحاضرة بروحه فينا منذ الآن حتى تكتمل الرؤية بالإيمان واقتبال روحه القدوس.

كانت قبل يسوع الناصري شهادات بطولة وكانت بحجمها صورة عن مجد المسيح، هذا الذي بدا عليه لما كان معلقا على الخشبة. في صلبه وقيامته صار لنا كل المجد.

مجده سطع في تواضعه لما دخل أورشليم. هي ما صارت مدينة الله الا عند قيامته من بين الاموات اذ سطع مجده آنذاك بصورة بليغة. سمو المسيح بدا أولا لما كان معلقا على الصليب. والعجائب كانت إفصاحا عن هذا المجد. ولكن غلبته على الخطيئة والموت ظهرت جليا عند موته. قيامته تعبير آخر عن المجد الذي كان عليه كاملا لما كان مرفوعا على خشبة العار. هو الذي حول عار الموت إلى النصر. من هنا انه ليس من فارق في الفاعلية بين موته وقيامته. انه لم يغلبه الموت لحظة. انبعاثه صدر عن الميتة التي رغب في ان يموتها. قيامته من بين الأموات كانت جلاء لنصر حققه على الصليب وبالصليب أتى الفرح لكل العالم. الفصح إفصاح عن ظفر كمل فيه وانتشر على العالمين. عند موته تم النصر كاملا وأُعلن عنه إعلانا بقيامته لأن الخلاص لم يأت فقط من موت. الخلاص كان في شخصه.

في دخوله أورشليم قاتلة الأنبياء أبان مسيرته إلى الموت. وفهمنا بعد هذا ان الشعانين كانت تمهيدا للفصح. حوادث مختلفة أبانت بسبب من محبته انها موصولة، انها مراحل حب واحد وأنت لا تستطيع ان تهمل أية حادثة بين أحد الشعانين وفجر الفصح. كلها فصح واحد لأنه بها كشف تعابير مختلفة لاحتضانه ايانا في حركة حب واحد. ولكن ارتضى هو مشيئة الآب ليعبر خط خلاص واحد في مظاهر له مختلفة بين العشاء السري ونهوضه فجر الاحد العظيم. ولكن بسبب من حبك له لا تقدر الا تجمع في ذاكرتك كل الأحداث التي ذكرها الكتاب العزيز لأنها منذ ليلة التسليم حتى ظفره صباح القيامة تؤلف مطلات واحدة له.

#   #

#

أنت لا يحق لك ان تسمر ألحاظك على حادثة من حوادث الخلاص اذ يجب ان ترافق المعلم الى كل المحطات التي ذكرها الكتاب وبعد كل حادثة له من حوادث فدائه نقول في الصلاة انه أتمها لأجل خلاصنا كأن الخلاص مسيرة تنتهي بالقيامة وعندنا تصير القيامة وعدا بالروح القدس. ولذلك اذا ذكرنا في خدمة الآلام حادثة معينة نقول انه أتمها لأجل خلاصنا.

فكان عليك اذا ان تستلذ روحيا كل مراحل خلاصه ولا تهمل عملا قام به اذ التأمل بكل أعمال السيد تناول منك لقدسية كل عمل وفرادته. طوبى للذي يعرف ان ينتقل من مرحلة إلى مرحلة في مسيرة الرب بفرح واحد وان يقف عند كل محطة لأن كل ما كتب كتب لأجل خلاصنا. فرحنا الكامل ينبع اذًا من كل حدث جرى للسيد ومن مرافقتنا لكل ما قام به المعلم وتركيزا وليس حصرا من العشاء السري إلى لحظة القيامة في انتظار نزول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة وعلينا في كل قداس إلهي.

بورك السيد في كل أعمال خلاصه وقدر الله لنا ان نذوق كل أعماله واحدا واحدا حتى فجر القيامة التي هي فرح كل العالم.

Continue reading