Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2013, جريدة النهار, مقالات

آلام وقيامة / السبت ١٤ أيلول ٢٠١٤

ليس من حزن في الكنيسة منغلقًا على نفسه ومنتهيًا ومهما يكن من أمر لسنا مرة في موقع وجع معنوي نهائي. الرجاء دائما لاحق بالألم. هذه مسيرتنا على صورة ان يوم قيامة المخلص كان لاحقا لموته. ليس عندنا انفصال بين الموت والقيامة. باللغة الفلسفية هذه جدلية الموت والانبعاث. لذلك كان فصح الكنيسة الأولى يتضمّن الثلاثة الأيام الأخيرة من الأسبوع العظيم وما كان المؤمنون آنذاك واعين انهم يعيدون ليوم الجمعة العظيم ويوم الفصح مفصولين أو منعزلين احدهما عن الآخر.

الأهمية لهذا الثنائي ان آلام المخلّص ليست نهايته ولكنها انطلاقة إلى قيامته. المسيح كان حيا يوم الجمعة العظيمة كما كان حيا في الفصح. المسيح غالب في آلامه وحي في موته. لما قال: «أنا القيامة والحياة» لم يكن يتحدث عن قيامته من بين الأموات. كان يعني ان شخصه – في صلبه وانبعاثه – هو الحياة لأن الموت ولو حصل جسديا لم يقهره وما أخضعه. الرب حي في كل مظاهره الجسدية.

الأمر العجب ان القيامة في معناها العميق وفي مداها كانت مرافقة للسيد في كل أطوار حياته على الأرض. أجل مات المسيح في الجسد ولكنه ما أبيد. في موته كان حيا لأن ألوهته كانت مرافقته وكانت تحيي جسده. بصورة ما كنا نراها. مات يسوع ولم ينقرض. ما فني الرب لحظة واحدة. هذا سر يفوق العقل ولكن هذا هو ايماننا. يسوع كان دائما حرا من الموت ولو كان في قيده المنظور. موته كان عربون الحياة التي أعطانا اياها. لذلك نقول عن كل أمواتنا انهم راقدون على رجاء القيامة والحياة الأبدية.

نحن في آلامنا الجسدية والنفسية ذائقون موت المخلّص وقيامته بآن. حياته كانت في الصلب كما كانت في انبعاثه من بين الأموات. لذلك في عباداتنا في الجمعة العظيمة لا نتغنى بآلامه منتهية بنفسها ولكن نعرف اذا ذكرناها انها مطلة على القيامة. في آلامنا يغرس المخلص حياته فينا. واذا ذكرنا صلبه عندما نتوجع ينبغي الا ننسى ان هذا الصلب نافذة على القيامة. الفصح في كل طور في سيرة السيد. غلبة المسيح للموت كانت عند صليبه أيضا. ما انطوى المسيح في الصليب. عاش عليه. لذلك نقول صباح كل أحد في صلاة السحر انه في الصليب جاء الفرح لكل العالم.

نحن لا نبكي على المصلوب في صلاة الجمعة العظيمة. نندمج بموته لنحيا حياة جديدة. اذا تأثرنا بالبكاء قليلا فهذا من الطبيعة ولكنا نذوق في الإيمان اننا حاصلون بموت الرب يسوع على حياة جديدة.

نحن قياميون، قلناها مرارا. وذلك ليس فقط يوم الفصح ولكن يوم الجمعة العظيمة. ليس من حقيقة فعالة عندنا الا حقيقة الفصح وهي ظاهرة في كل يوم من الأيام وفي يوم العيد. اذا تكلّمنا في العبادات عن آلام المخلّص لسنا ناسين اننا بهذه الآلام مسافرون إلى انتصار الفصح. في آلام يسوع أنفسها نحن ناظرون إلى غلبة القيامة. نحن لا نتوارى بالآلام ثم نبعث. نحن قائمون مع السيد دائما ولسنا راقدين في قبر الأحزان.

القيامة كامنة في كل أعيادنا. الأعياد تصب في قيامة المخلص. كل ترتيب في الكنيسة صار عندنا استعدادا لفصح السيد ولفصح كلّ منّا ثمرةً فينا لفصح الرب.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الانسان الجديد / السبت ٧ أيلول ٢٠١٣

قد يشيخ الانسان في شبابه ويحيا في شيخوخته كثافة روحية. ليست الأعمار بشيء أو الفتوة نعمة. نحن نوعية وجود وعمق كيان. العتاقة هي الخطيئة فقط والتجدد ممكن في كل مرحلة من العمر. ما أتفه الكثير من الشباب الذين يعطون قيمة للحمهم. الحياة فجر اليوم الآتي بالتوبة. الأعمار بيولوجية فقط ليس فيها مضمون. الأعمار بما ينزل عليها من الأبدي.

تشترط سن لأصحاب المناصب. هذا افتراض نضج ولكن نابوليون فتح ايطاليا وهو في العشرينات. الحياة العظيمة تنزل عليك نعمة ولا علاقة لها باللحم والعصب. أنت تكوين الله ولست وليد امك وان لم تكن منذ مولدك سماويا لن تصير ذلك ما لم تحل عليك نعمة تنعشك من جديد ذلك ان الله يحتاج ان يقيم فيك متى شاء وتكون السماء لا أمك قد ولدتك. في إنجيل يوحنا يقال انك مولود السماء أو مولود من جديد. يحار في هذا المترجمون. ليس الفتى دائما شقيا ولا الشيخ بالضرورة ناضجا. أنت تصير انسانا سويا ان ولدتك السماء. مولدك من امك ليس بشيء.

ليس الانسان مجرد ثمرة لتاريخه الشخصي. انه انصباب قوى تنزل عليه أو ترده من هنا ومن هناك. الانسان سر لكونه فريدا. الفرد لا ينتج نسخة عنه. ليس في الشجرة ورقة تطابق اخرى في حجمها. هذا ما نعنيه بكلمة حرية. من هذه الزاوية صح ان نقول عن الانسان انه خالق. هو لا يجتر. حتى اذا كرر قول آخر يبقى في كلامه شيء من ذاته. يبقى على الأقل الصوت أو الاداء وهما ينقلان معنى وللمعنى دائمًا طابع شخصي. ما يبدو موضوعيا يحمل دائما طابعا ذاتيا نبرة تأتي من الشخص، من خلفياته العاطفية أو الدينية، من تاريخه وتاريخ مكوناته.

اذا قلنا ان الانسان حي لا نريد فقط نموه البيولوجي. نريد تحول ذاته الحاصلة كل يوم في أي اتجاه يختاره. الانسان روح، ارادة عيش، توق ويكون سويا اذا تاق إلى الصالحات الباقيات. من اتى فقط من زمانه لا من فوق أسير زمانه.

ممكن بفضل الله ان يبقى الانسان طوال عمره على حيوية الشباب وعلى قدسية خياراته. ممكن للانسان الا يحول شيخوخته إلى عتاقة. ممكن له الا يهترئ بتكرار خطاياه، ان يخرج منها بتوبة صادقة.

الجدة الكاملة نبلغها في الحياة الابدية. ولكن لنا ان نذوق الجدة هنا. هذه سيرة يومية وجهد دائم. الجدة الا تعتق والعتاقة تراكم اشيائك التي اهترأت. الانسان الجديد من صنعه ربه كذلك. هذا لا علاقة له بالسن. هذا بُعد عمق. الله وحده لا عتاقة فيه. أنت تحل من ماضيك القديم والجديد. القوة الروحية أنت عليها ان انصهر قديمك بالجديد الذي تريده.

الله وحده لا عتاقة فيه. أنت اذا تشبهت به تصبح مخلوق ربك في اللحظة. معنى التوبة الحقيقي ان تقف الآن امام الله بنسيان ماضيك. الحقيقة دائما حاضرة ووجهك يتكون برؤيتك وجه الله الآن اذ هو دائما في الآن. أنت تصير انسانا جديدا ان أتيت من ربك. هذا فيه عمل النسيان لما هو عتيق فيك. أنت مرتبط بماضيك ان اتى من الحقيقة. وترمي ماضيك الذي من خطاياك.

الآن هو ان الله فيك. بهذا المعنى ليس الله في ما انقضى منك. هو فعله الدائم الرابط بما مضى منك وما هو كائن وما يجيء. التوبة هي عينا ان تنسى ماضيك وتقيم في الله الحال فيك اليوم. عمل الرب فيك انه يفرغك مما ليس هو فيك ليصبح كل شيء فيك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

فكرة الموت / السبت ٣١ آب ٢٠١٣

ان نألف ليس فكرة الموت وحسب ولكن حادثة الموت قد يكون من أجمل ما لنا ان نحققه لأن الموت نداء من الله حتى نذكره كل يوم. اذا فهمنا ان لا شيء ينتهي بالموت الا خطايانا نفهم ان الحياة قبل ان يحل الموت وبعده واحدة.

اذا رحبنا بالموت لأنه ينهي مصاعبنا أمر ليس فيه جمال روحي. ان نرحب به إمكانا لحياة جديدة هذا فيه سمو. اجل ليس من كائن بشري لا يخشى الموت لكوننا في الطبيعة نحس به معاديا للحياة. ولكن ان قرأنا الحياة عطية من الله فيما نحن على الأرض وفيما نحن بعدها لا تبقى لنا مشكلة مع الموت وجدانية، عميقة. ليست الحياة فقط الحركة البيولوجية فينا. انها في عمقها تجاوز هذا الوجود. انها تَلقي افتقادات الله لنا في شتى تعابير هذه الافتقادات.

الحس البيولوجي يقول لنا نحن لا نقدر ان نستقبل الموت بصورة هيّنة لأنه ضدّ مسيرتنا البيولوجية التي نعتبرها دوام حياة. نحن لا نستطيع ان نصالح الموت. هناك ذوو حس روحاني كبير يتقبلون على انه يحمل تجاوز الحياة الدنيا إلى ما يتنزل عليها من نعمة. من لم يحصل على هذه الرؤية لا يقدر ان يتقبّل الموت. وهذا ليس ضد نسيانه اذ لا ينسى. ضده الايمان بالقيامة أي بشيء لم يحصل بعد ولكنا اخذناه وعدا. والوعد فيه كل الحقيقة ان أتى من الله.

هناك ذكرى للموت يرتجف عندها غير المؤمن اذ هذا يعرف الحياة البيولوجية ونهايتها فقط ولكن ان فهمنا التلاحم بين موت المسيح وقيامته نكون تخطينا الفهم البيولوجي لوجودنا. في المسيح وحده يلتقي الموت والحياة. ويلتقيان فينا اذا انعكس المسيح فينا.

أفهم ان نرتجف اذا ساورنا الشعور باقتراب الأجل لكوننا نحب هذه الحياة ولا نعرف بالعقل وحده ما يعقبها. ولكن تتغير مقاييس الفهم عندنا ان قدرنا ان نستشرف بالإيمان الحياة التي نحن مقبلون عليها. الايمان وحده هو الذي يغير بالعمق تعاملنا مع وجودنا الشخصي بمعنى انه يعطينا رؤية لا يقدر هذا الجسد توفيرها.

فكرة الموت الخلاصية لا تأتي من الموت. ايماننا بالحياة الأبدية ينقذنا وحده من وطأة الموت. الموت صامت ما دمنا غير ذائقين مسبقًا للحياة الآتية. هذه هي الحياة الأبدية التي عرّفها السيد على انها معرفته ومعرفة أبيه. تصور الموت قتال ان لم يرافقه تصور القيامة فنحن لم نخلق للموت ولا نؤهل له. نكتسب الإيمان بالقيامة فننتعش. هو وحده غالب للموت وللخوف من الموت.

إيماننا بإنبعاثنا وحده يغلب خشيتنا للموت لذلك أتت صلوات الدفن عندنا تغنيًا بالقيامة ورجاء. أنتم مخلَّصون على الرجاء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الله والإنسان / السبت 24 آب 2013

الإنسان توق لا إلى أوهام ولكن إلى وعد والوعد هو الله نفسه. والله آت. انه فيك وأمامك وفي غدك. كان حضوره الحقيقي الأول بمسيحه وهو عائد به في اليوم الأخير وهو يبث ذاته في كل يوم بك. اقتبله ما دمت يقظًا. وهو حاضر في كل زمان فيك تشاؤه له.

وهو لا يأتيك الا بالحب وبه يتجلّى فيك. اسهر على ان يكون ساكنا فيك لئلا تتصحّر. لا تنخدع بأنك تأتي من ذاتك. اذا لم تمتد إلى فوق تنطوي أي تنتحر داخليا. تُق دائما لتنوجد. أحببه يحبك اذ يعطيك أكثر مما تعطيه. لا تتأمّل بما تظن انك تحويه. ثق انك فقير وانك تأخذ منه ما طلبت. يصير لك هذا ان آمنت انه يغنيك.

وأنت تستغني فقط به. ان ادركت هذا تخسر فقرك وتقيم فوق. بهذا الفقر العظيم تشعر انك مقيم في السماويات، «حرّ بين الأموات» مكمل ناسوتك. الألوهة تصبح ساكنة فيك إلى ان يبدو وجهك وجه إله.

أنت مدعو إلى ان ترث الله نفسه أي كلّ ما فيه من قوى. لست شيئا عظيما ان تقت إلى ما هو دون الله. هذا لا يشبع شوقك إلى الحق. واعلم ان ليس من حق خارج الله وما هو اليه. السموات ليست فوق. ما هي بمكان. هي في روحك اذا امتدت أو اقامت في الرب الذي هو مسكنها لأنك ان سكنتك المحبة تكون ساكنا في الله. أنت لا تتوق إلى اوهامك، تتوق إلى موجود تنوجد به. يقال انك ساكن في السماء. معنى هذا انك ساكن في ربّك.

ربك هو المحبة نفسها. هي اسمه. ليس لها وجود خارجا عنه. من قال انه يحيى يقول ان الله فيه أو هو في الله. لأن الله اذا رفعنا اليه يكون في حق ساكنا فينا اذ ليس له مدى الا القلوب.

ان أنت تحوّلت من محب إلى ان تندمج بالمحبة ذاتها تكون قد استدعيت الرب ليجعلك مسكنا له. أنت فيه وهو فيك لأنه هكذا يشاء. وأنت تحقق إنسانيتك ان أردت ما أراد.

أنت مدعو بحضور الله فيك وليس له أفق آخر. كل رؤية أخرى هي من هذا العالم ولكن ربك يريد ان تراه هو لا ان ترى العالم. كل ما تختبره في العالم غاية الله منه ان يدنيك اليه. هو يريدك متشبها به لكي يرى ان وجهك إطلالة من وجهه عليك. واذا رآك وجهه لا يبقى فاصلا بين الوجهين.

المعرفة تبدأ بالمحبة. فإن أحببت ربك تعرفه أي تتحد به اتحادا هو يذوقه أولا ويعرفه. ولكون ربك يعرفك ويعرفك ذلك تذوق انك عشيره. هذه كلمة لا تنتقص شيئا من كرامة الله. فالله بالقربى والا كان إلها وثنيا. قرباه تثير فيك الايمان به اذ الايمان ايمان بكائن قريب إلى درجة الاتحاد.

اذ ذاك، لا يعوزك شيء لأنك تكون قد فهمت ان ربك في كل شيء وانت به تحب ما يحب وتقيم حيث يقيم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت 17 آب 2013

صمنا مع مريم لله في هذا الصيف لأننا اذا ذكرناها في إقامة أعيادها انما نختلي بهذه الصوامة الكبيرة لتطهير النفس والشوق المريمي الى الله. مريم تنتظرنا للتطهّر معها اذ ليس لها انتظار آخر. لكونها كانت اما للسيد امست أم جميع الذين يحبونه من اي حي روحي كانوا. نحن جميعا حيزها وبها نتقبل الله اي ننقطع عن اي ما كان غير إلهي. المسيحيون منا مريميون وبعض من الموحدين الآخرين يذوقون مريم لكونهم لامسوا المسيح. هي تجالس الناس اذا دنوا منه او هي معهم اليه لأن من ذاقت نفسه الحب الإلهي يقدر ان يذوق مريم.

يلفتني دائما ان لوقا لما تكلّم عنها قال الله به: «وأنتِ سينفذ سيف في نفسك» اي انك ستعرفين الآلام برؤية ابنك مجروحا. ستكونين شريكة المصلوب في القدر الذي يعطيكِ. وأنت معنا في كل اوجه حبنا له. لما كنتِ واقفة عند صليبه كنت تتألمين من اجلنا. مشاركة الآلام هي مشاركة الفرح. في وجه لا يعرفه الا الخاصة انت تحمليننا كما حملته.

نحن نقول في الكنيسة ومع الآباء انك حواء الجديدة. في الدقة اللاهوتية نحن مولودون من المعمودية ولسنا مولودين منك الا اذا قلنا اننا لما كنا في المسيح عند ولادته رجونا ان نجيء منك. فأنت مع كونك والدة السيد في الجسد جئت منه بالروح القدس ونحن في صورة سرية ننحدر من احشائك. لا يفهم هذا الا من تمرس في الحياة الروحية ونما في الذوق الالهي. وكل مقاربة اخرى باطلة.

أنت تلديننا بعذريتك والعذرية وحدها تلد. والمراد بهذا انك ان جئت فقط من الله فأنت أُم لذرية جديدة هي ذريته. عندما نقول ان العذرية وحدها تلد نريد بها عذرية الروح اي مولوديته الوحيدة من الله. من جاء من غير الله لا يلد. لا يلد الا الذين «وُلدوا لا من دم ولا من رغبة جسد ولا من رغبة رجل بل من الله» (يوحنا 1: 13). الذين يضعون أولادا من أجسادهم هم ككل الكائنات الحية. اما المولود من الله فيلد ناسا إلهين.

الأجساد أجساد. اما من جعلته النعمة ابنا لله فهو مولود من فوق أي ليس من جسد أمه.

مريم تعلمنا اننا نقدر ان نولد من جديد بلا أب وبلا أم، بمشيئة النعمة وان نبقى في الحضن الإلهي. نحن لا نحتاج الى نزعة انثوية فينا لنقيم لمريم مكانة عظمى في نفوسنا. نحن نحتاج الى بتولية الروح اي الى الانضمام الكلي الى الله بلا شرط ولا إضافات عليه. ان اللقاء بالله وحده هو الذي يؤهّلنا لنجعل لمريم مكانة علينا في نفوسنا وهي التبتل لله وحده. التبتل له لا يعني العذرية. انه يعني الانضمام اليه بلا شرك ولا انصهار. بلا شرك بحيث لا نجعل احدا مع الله وبلا انصهار لأن الله لمحبته ايانا يريدنا امام وجهه لا ذائبين فيه.مريم امام المسيح لا تطوعه ولا تطوعنا. ليس في الحب تطويع. انها هادئة، محبة، حاضنة. لذلك نرجو ان يفهمنا اولئك الذين يشكون بأن المسيح عندنا هو المعبود الوحيد. ان يكون السيد لنا كل شيء لا يفضي الى إقصائنا احباءه من حوله. هم لا يضيفون اليه بهاء. هم يكشفون بهاءه.

كل القول اننا نعبد مريم حكي يحكى. نحن لم نكتشفها حقا الا لكونها مختارة الله. ليس لها وجود ازاءه. لها وجود معه اي منه وبه. فمن احبه يحبها ويتعظ بها. من ذاق المسيح حقا يحب مريم ويجلّها ويبجّلها. هذه اشياء متماسكة ان كنا عالمين.

محبتك للمسيح مشعة. هو لا يفصلك عمّن أحبهم. وهو احب امه وتلاميذه. فأنت مخلص له ان أحببتهم. نحن لا نكلّمهم في صلاتنا الا لأنهم هم يكلمونه. نحن لا نخترع صلة روحية بيننا وبين القديسين. هو اخترعها. نحن ورثناها. فاذا شعرنا بمريميّتنا لا يضعف ايماننا بانتمائنا الى الوسيط الوحيد بين الله والناس الذي هو يسوع المبارك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الحياة الجديدة / السبت 3 آب 2013

كل كتابة حاجة لشعورك بأنك موجود اذا سمعك ناس. طبيعة الإنسان شراكة. كل منا يشعر انه مواجه (بالفاعلية والمفعولية). ليس من فرد مغلق. أنا أفهم تأكيد الثورة الفرنسية للفرد اذ رفضت التبعية للملوك ولكنها أكدته قائما في الجماعة. الجماعة ليست الجمهرة. انها التلاقي أي وجود واحدنا في اللقاء. اللقاء ينعت الواحد، يؤكده اذ ليس أحدنا قائما الا مع الآخرين وبهم. ذلك انك وجه، أي في حالة دائمة من المواجهة.

الآب عندنا يؤكد الابن وروحه والابن يؤكد الآب. الثالوث ليس تراكما. هو مواجهة ولذلك كان حبا وكان وحدة. الكاتب من اضطره داخله إلى الكتابة، من ينوجد اذا قال. أنت تكتب لمن أحبك والا لما فهمك أحد. ما من وجود الا بالتلاقي. هذا ما يسميه المسيحيون الكنيسة. ما من حياة بتراكم الأفراد. أنت تحب أو أنت تصطدم وكلاهما لقاء. أنت لا تبغض الآخر الا لأنك تؤكده. وقبل ان تمحوه تقر به. البغض اعتراف بالآخر على طريق الموت أو في استمرار الحياة. القبول أو الرفض كلاهما اعتراف لأن الحياة شركة تريدها أو تبغضها ولكنها قائمة من حيث هي شركة.

لا يحيا احد في عزلة. من اعتزل يعتزل عن ناس يكرههم أي يعترف بوجودهم. من قتل لا يقتل الا لشعوره بأن المعد للقتل يتمتع بوجود هو يكرهه. كلمة جماعة ذات مفهوم نفسي أو إنساني لا تجد مدلولها بكلمة مجتمع التي تفيد، عادة، العدد. الناس ليسوا عددا. بينهم إنس أي تعارف وهو الإيمان بشيئين بإستقلال كل وجه وباجتماع الوجوه.

الإنسان وجه يَرى (بفتح الياء) ويُرى (بضم الياء) أي انه مع ناس يتلاقون. البغض نفسه تلاق على نوع. الناس غابة، الفرق بينها وبين غابة الشجر ان هذه لا تعي وتلك تعي تلاقيها. الإنسان السوي من عرف انسانية الآخر أي فرادته وقيمته وقدرته على العطاء. والمعطون متلاقون وأحيانا متحابون. المجتمع ليس تراكما. انه اتحاد بل وحدة.

ليست الوحدة وصية فقط. انها وجود في طبيعتنا. لذلك كنا في مفهوم القرآن أمة وفي المفهوم المسيحي كنيسة وللكلمتين مدلول واحد. والمجتمع الذي لا يصبو إلى ذلك شرذمة. المجتمع ليس معطى الا ابتداء. انه يصير بالحب والا كان ركام بشر لا هوية لهم.

يصبو المجتمع ان عرف طبيعته ان يصير كنيسة ولا أريد بها حصرا مدلولا مسيحيا ولكن كل كيان عضوي ينزع إلى وحدته في الحب. خارج الحب إحصاء. كل مجتمع مشروع لقاء للقلوب والا كان مجموعة مهن. الناس اذا انفردوا غابة بشر. لا يصيرون مجتمعا الا اذا تلاقوا بمقدار من المحبة فالتعاون. فكرة النقابة العصرية تقوم على مشاركة أبناء المهنة الواحدة. فكرة التنافس نفسها غايتها التعاون، والارتقاء من أجل التعاون. تلاقي أهل المهنة الواحدة في سوق واحدة في القرون الوسطى الاوربية أو عندنا ليست قائمة على التنافس ولكن على المشاركة. وابتغى الناس من وراء التنافس التعاون.

النقابة ولو تضمنت فعليا التنافس بين أهل المهنة انما تسعى إلى جمع المهارات لإبراز المهنة وما وراء ذلك التعاون. شرط التعاون المحبة التي هي الاعتراف الأساسي بضرورة الآخر لك، لحياتك ولشعورك.

كل هذا الكلام يعني المشاركة التي في عمقها تعني انك موجود اذا أحببت. بكلام آخر أنت قائم بالآخر، مصون بوجهه اذا رأيته واذا رآك. أنت اذا أنكرت نفسك وأحببت أي اذا سكبت نفسك في الآخر تنمو والآخر ينمو. ليس انك تنكر وجهك ولكنك تعي ان وجهك قائم ليرى الآخر وليراك هو. ولتصيرا حسب منطوق الكتاب «جسدا واحدا» وفي اللغة الحديثة وجودا واحدا.

أنت تحب اذا رأيت نفسك قد جعلت الآخر يسعى إلى الله في كل إنسان. أنت تحب للآخر ان يصبح كما يجب ان يكون أي قائما في الحب لكي يبيد أنانيته. من أحب نفسه فقط يموت في أناه المنغلقة. من أحب الآخرين لما يجب ان يصيروا يذهب بهم إلى الأسمى المشتهى ويصير هو نفسه إلى هذا المشتهى.

ما لم يكن تحركك إلى الأسمى تكون في تحرك حول ذاتك فلا تنتج شيئا. ما فوقك يعطيك أي ينزل عليك نعمة.

عندما يدعوك الإيمان إلى ان تنسى نفسك هو لا يدعوك إلى إهمالها ولكن الا تموت في الشغف بها. يريد انك ترفض تقوقعها لتسمو بها إلى معانقة كل النفوس بالله وفي الله. ذلك انك تتحقق بالرب الذي يفوقك، تمتد، تطول. هذا هو الخروج من الاختناق بالأنا. هذا هو معنى كلام السيد «من أراد ان يخلص نفسه يهلكها ومن اهلك نفسه من اجلي يجدها» (متى 16: 25).

أنت موجود بالآخر بمعنى انك ان درت حول نفسك تختنق. أنت غير موجود بتأكيد نفسك. أنت موجود برؤيتك الآخر وتكونك بهذه الرؤية. أنت موجود بخروجك من رؤية وجهك بالمرآة ورؤية الآخر كما يراه الله أي بالمحبة. كل ما كان غير رؤية المحبة للآخر استيلاء عليه.

يوجد الإنسان بما يعطي لا بما يأخذ الا اذا أخذ بالحب. الناس معية بمعنى ان كلامنا يعطي ويعطى. بلا هذا التبادل ليس من مجتمع. المجتمع هو التلاقي وفي أعلى مراقيه هو الحب. التراكم مشروع دولة ليس مشروع محبة بحيث انك لا تأخذ حقا الا اذا بذلت نفسك. وما طلبه الله بفم مسيحه ان تعطي حتى النهاية أي ان تبذل حياتك ليحيا الآخرون فيحول عطاؤك تلقي حياة جديدة لك وظهور الله بك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

إقرأ / السبت 27 تموز 2013

«إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم اذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لا يعلم. علم الإنسان بالقلم» سورة العلق (1 و2). قراءتك لهذا النص المعتبر منزلا واذا عرفنا ان الاسم في المعاني العبرية يعني القوة أو الحضور، قراءتك لاسم الرب أسلوب لتقول اقرأ الرب اذ يستدخلك كيانه لتعرفه بالحب. الاسم عند العبرانيين هو الذات فالمبتغى ان تقرأ الرب نفسه أي ان تعرفه بما يعطيك من ذاته والا تكون قد اسقطت عليه ما تقوله عنه والمبتغى ان يسقط عليك ذاته.

أنت في واقع ضعفك تقرأ عنه والمطلوب ان تقرأه بالحب وكل تفسير لا يكشف لك حبه جزئي أو ضعف. ان تقرأ هو ان تصير أنت ما تقرأ أو ان تلاصقه كأنك صرته.

إقرأ الماضي الذي تجلى الله فيه. لا تقرأ الخطيئة لأن فيها العتاقة. إقرأ الله في ما مضى وفي ما حلّ عليك اليوم وفي ما تتوقعه منه غدًا وفي كل زمان. إقرأ أي اسع إلى كل حق تجلى قديما ويتجلى عليك بالحب. لا تخف من الكتب. فيها الغث والثمين لأنه من الممكن ان يتجلى فيك الحق. المهم أبدية الحق لا زخرف ما مضى وما يصير. لا تقرأ فقط ما يرضيك ولكن ما ترضيه حتى تصبح من الحق الذي تجلى اذ تتجلى فيه الآن. أنت لا تأتي من الأقدمين من حيث مضوا ولكن من الحقيقة التي كشفوها لك. وهنا لا فرق بين ما غبر وما يأتيك اذ لا يسوغ ان تأخذ الحق مما مضى فالحق لا يمضي. انه يثبت ويجعلك خادمًا له في الأيام الآتيات. الذين سبقونا فيهم حق وفيهم باطل. تمسك بالحق واترك الباطل اذ تحيا انت من الحق الذي تتقبله بإيمان. لا تأتي أنت ممن مضوا ولكن من الحق الذي كانوا عليه اذ لا يمر عليه زمان.

لا تقدس الماضي الا من حيث حمل الحق. في الماضي جمالات كثيرة وباطل كثير. لا تجعل الباطل يغريك. أنت ثابت في ما ورثته من ربك. الأقدمون ليسوا بالضرورة مرجعًا. فيهم خطايا كما عليهم بهاء. اذ عرفت هذا من الله اقتبسه. بعد هذا نقرأه فيك. أنت لست وريث الماضي الا اذا شئته حالا فيك. أنت وريث الأبدي الذي لا يحول. إقرأ القداسة فقط. قيمها لا تتغيّر. قد يهزأ بك الساخرون ان فعلت لأنهم يكرهون الحقيقة التي تفضحهم. هم يبيدون كالهباء الذي تذريه الريح عن وجه الأرض والحقيقة التي أنت تحمل باقية وتبقيك. الحقيقة لا تخضع لأزياء الزمان العابرة. أنت تصير إلهيا ان تجاوزت الأزمنة إلى ما هو نازل عليك من فوق.

إقرأ الخيرين الذين مضوا ولكن خيرهم لم يمضِ. عاصر أهل الحقيقة الذين لا يمر عليهم زمان. اذ ذاك أنت برؤية الله أبدي مثل كلمته. هو يجعلك كلمته أي كائنا منه. الحقيقة التي فيك ترفعك فوق كلّ زمان.

نحن اذا تحدّثنا في الكنيسة عن التراث لا نكون مجرد مجترين للماضي. الماضي فقط قد استحليناه. ليس لما مضى قيمة الا اذا حمل حقيقة أبديّة. ليس للزمان مكانة في الحقيقة. هو يأخذ منها كلّ قيمته. الحقيقة ليست حقيقة لكونها من زمان سبقك. هي كذلك لأن الله قالها مباشرة أو بمن فوّضهم قولها.

الماضي يحمل جمالات القديسين أو أهل الفكر اذا جاء على الاستقامة. نحن لا نقدس التراث لمجرد انه عبر قبلنا. نحن نقدس الحق في التراث.

لا نقرأ الفكر الا لحفظ الخير منه. لأن الخير هو الحق. ولكنك مضطر إلى قراءة كل شيء لئلا يفوتك خير في ما حفظته الشعوب.

إقرأ مما تيسّر لك من التراث لأن الحقيقة في الكثير مما تركه لنا الأقدمون ولكن لا ينحصر التراث في ما ورثته من آبائك. كلّ عظام التاريخ آباؤك. والأقدسون منهم هم الأهم.

قوّم فكرك بما قاله الصالحون. هذا هو الميراث الحق. آباؤنا من كل مكان ان كانوا أهل الحق. الله ترك آثاره في عقول كل الشعوب. لا تتعصّب لقومك ولا لأهل الفكر في قومك. الحقيقة وحدها موطنك ومصدر فكرك وحياتك.

إلى جانب تراثنا الايماني خذ الحقيقة من حيث استطعت وتمسك بها كاملة ولو ذقت الأشياء الجميلة في كل تراث. يجب ان تحب الحقيقة حيثما وجدتها. اجعلها مالكة لك لأن الملك لله وللحقيقة المنبثقة عنه. في كل ما تقرأ فتش عن الحقيقةلا عن زخرف القول. كل قولة حق هي من الله. تمسك بها لئلا تموت روحيا. الحقيقة هي وجه الله. اسعَ إلى الله. فيه وجودك وبهاؤك. به تقرأ كل ما هو جميل وحق وخير وبدونه ليس من شيء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

البلد / السبت 20 تموز 2013

أنت وليد البلد ولست فقط مولودًا فيه. أنت تجيء من تاريخ ومن حاضر. ان كنت من لبنان أو مشرقيًا أنت محمول في ثناياك ومشاعرك وتطلعاتك. أنت محدود بالبلد وحامله بآن. تأتي اليه وان كنت عظيما يأتي اليك. أنت من جسده وعلى قدر إحساسك به تأتي من تاريخه وتذهب إلى آتيه. تحيا به اذا أحسسته كثيرًا أو قليلا. لذلك ليس له من بديل فيك. إلى حد ما هو مكونك وان صرت عظيما تكونه. وكما تأتي من حشا امك ومن إرثك كله ولو كنت روحيا عظيم الاستقلال بما يحيط بك.

ما من انسان منعزل عمن جاء بهم وعما يحيط به. على صعيد النفس المتصلة بسائر النفوس ما من عزلة أو فردية. الإنسان جماعي التكوين أو شركوي. يعرّفه انتماؤه إلى جماعة وهي تعرف بانتمائها إلى عظمائها. كل منا يحافظ على شخصيّته الروحية في ملكوت السموات وفي مواهب الروح الإلهي. البلد، أولا، جماعة قائمة في تعدد المواهب والتقائها. والجماعات الصعيرة كذلك. أنت لست في كل ولست جزءًا من كل. كلّنا فريد وبعض من الجماعات الموهوبة فريدة في كليتها.

البلد هو كل الجماعات متعاونة، متحابة. هو ميراثنا أي ماضينا الحي فينا وتوقنا إلى المستقبلات الصالحات. ولعلّ ما يزيدنا فعاليّة وبهاء تلاقي كل الصالحين والفاهمين والمريدين بناء مجتمع واحد متلاقية فئاتها وحركاتها الصالحة ابناء وطن. البلد موروث تاريخا وتوق إلى مستقبل له فاضل. صح انه متعدد ولكنه كذلك على رجاء لقاء كل جماعاته بالسعي الكبير والانتاج الطيب. اذ لا يصح الكلام عن التعدد الا بالكلام عن المواهب المختلفة المتلاقية بالإبداع.

وقد يزيد لبنان جمالا اذا سعت هذه المواهب المختلفة إلى توحدها في العطاء وتكاملها في السعي. هذا هو الانصهار الحق أو الانصهار هو تلاقي الألوان في تعددها ووحدتها بآن.

ليس من بلد ينشئ تعدده. يرثه من مواهب الأجيال السابقة واختلافها في إرادة وحدتها. وعندنا ان ادياننا مصادر مواهب متنوعة. ان تقول جماعة دائما قولا واحدا نوع من أنواع الببغائية. الوحدة في التناغم أي في تعدد الألحان المتلاقية في أصوات مختلفة ولكنها كلها جميلة.

وان تعدد الأديان والمذاهب فيه غنى روحي وحضاري. والحضارة بنت الروح المتجلية الخلاقة. ومن قرأ الأديان عندنا في الحق يكشف فهما يغنينا جميعا. ان يقرأ المسيحي الخاشع الإسلام على حقيقته وفي سمو كباره لمن الاثراء العظيم لنا جميعا. وان يقرأ المسلم المسيحية في صفائها لإغناء لنا جميعا أيضا. أنت غني في ما تقول ولكنك تستغني أيضا بما يرثه عمقك من التراثات الروحية التي عليها نقوم. الينابيع تتلاقى في ما تصب أي في النفوس العطشى إلى الحق.

أنا لست بقائل بوحدة الرسالات في ما تقول اذ لا تقول هي الشيء الواحد. أنا أقول انك ان فتشت عن الحق تجده في ما أنت تفتش عنه. انت بهي بما تسعى اليه اي في حركة سعيك أو تحرك قلبك ليس كل ما كتب واحدا ولكن الحق الذي تتوق اليه القلوب واحد وهذا ما بعد الكلمات أو قبلها. لذلك نقول في اللاهوت المسيحي المعاصر ان من كان على غير ديانتك ان كان طاهرا لله يقرأ الله حيثما سعى اليه لأن الله في السعي أيضا.

البلد ليس حدوده. البلد أهله. فان كنت من أهله حقا يقرأ حبك لهم ما يقولون. وحبك لهم يكشف لك ما يعنون في ما يقولون.

والبلد ليس جغرافيته. هو ما يقوله أهله انهم ورثوه من أسلافهم الصالحين وما يقوله الصالحون فيهم اليوم. البلد ليس لقاء طوائف. هو لقاء الصالحين من كل الطوائف لأن كل هؤلاء هم بمعنى ما ملة ابراهيم. والتعريف عن ابراهيم في كتبنا انه آمن بالله وحسب له ايمانه برا. البلد، قلت، ليس مدى. انه اعتراف بالحق وقولة حق إلى ان نصبح فقط مدى الله في قلوبنا وفي ما نعلّمه. ما ليس قولة الله في أفواهنا ليس بشيء. الحق ما ينزل على شفاهنا من الرب. بعد هذا نصير بشرا سويًا.

واذا غدونا كذلك نصبح مدى الله ويصير الله معروفا بنا. الله ينكشف بعباده اذ يتكلّم على وجوههم وفيما ينطقون به من حق.

البلد من هذا الحق الهي أو ليس من مدى إلهي في هذا الكون. الله يمحو بلدا ليس فيه حقه حتى يصير الله «كل شيء في كل شيء».

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الله حبيبًا / السبت 13 تموز 2013

كيف تكتب عن الحبيب؟ تقول: «أنا عبدك يا رب، عبدك أنا وابن أمتك» (مزمور 115: 7). ما كانوا مفتونين بالشعر الذين قالوا ان هذا عبودية. قولهم هذا لغتهم. عرفوا العشق الذي يفوق كلّ عشق عنيته الافتتان بالله. هذا لا يعطى الا للذين كُتب لهم.

كان مؤرخو الفلسفة قاتلي اللغة عندما سلخوها عن قول الحب. العقل وحده ليس اللغة. هو أداة اللغة، التي هي قول المعنى والمعنى من التاريخ فاللغة، ما من شك في هذا، هي تعريب كلمة اللوغوس الأفلاطوني او اليوحنائي ودليلي على ذلك عدم الاشتقاق للفظة اللغة من فعل ثلاثي.

والعربية قابلة لهذا التأويل وانعدام القول هذا عند علماء اللغة الأقدمين في انهم كانوا يجهلون اليونانية والسريانية ويكتفون بإسناد كل فكرة او لقظة الى الجاهليّة ظنا منهم ان الخلق كله يأتي من جزيرة العرب ولكن بعد ان خرج العرب الى الشام. لم تبقَ العربيّة لغة الجزيرة وحدها. تمدينت وتقرأها الآن استنادا الى ما طرأ عليها في بلاد الشام فأضحت تكوينا جديدا. الجزيرة رحم فقط والولادة الحضارية تأتي من بعد ذلك. العربيّة ليست موحاة وما قال الإسلام بذلك. قال ان كتابا نزل بالعربيّة استخدمها الله لأداء وحيه. لم يجعل الاسلام العربيّة صنما اذ لم يعبد غير الله. مهما قدست العربية لا يقبل المؤمنون موقفا منها ينزل عليهم تهمة الشرك. آن الأوان لنرى الى العربيّة على انها لسان وان أحببنا البقاء في التاريخ فهي سابقة للإسلام وجاء بها وما جاءت به. ولم ينسب الإسلام اليها قدسية ولذلك انفتح المسلمون الأوائل على لغات عصرهم السريانية اليونانية والفارسية ولم يرتبكوا بكون العربية لفظة الوحي. يصنع التأريخ قدسيات لا يعرفها الأوائل القريبون من المصادر.

نحن الذين تمسكنا بالعربية التي كتبها امرؤ القيس والأخطل وسواهما من نصارى العرب وتجلّى فيها تلامذة الفارابي المسيحيون نبقى عليها وطوعناها في ترجمة الإنجيل. عرفنا ان نحافظ عليها في القرون الغابرة وجددناها بروحنا منذ عصر النهضة فصارت لغة جديدة لكل الناس. في الحقيقة العلميّة ليس من لغة دين ولذلك لا يفتخر عقلاء الغة العربيّة على انهم يتقنون العربية من اسلامهم فقد غدا الإسلام حضارة لغوية لنا جميعا.

نحن نصارى العرب نستلذ اللغة كما يستلذها علماء المسلمين بصرف النظر عن حديث الهويات. كلنا عرب حضاريا ايا كان ادعاؤنا القومي. لست اعرف لغة علمانية مثل العربية. آن ان تبطل الاندماجات الوهمية القائمة على السياسة. والدليل في حياة المسيحيين البارعين في اللغة انهم يعرفون القرآن بقدر ما يعرفه مثقفو الاسلام وما تخيل يوما احد ان الكتاب المسلمين أبلغ منا في معرفة لغتنا المشتركة ولا سيما ان ظاهرة بلادنا ان اللغويين المسيحيين ليسوا دون الآخرين درجة. فإن قرأت حافظ ابراهيم ولم تعرف أصله كيف تعرفه مسلما. وان قرأت ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم كيف تعرف انهما مسيحيان جاءا الى كفرشيما من مرمريتا الأرثوذكسية ولم يفوقهما احد في عصرنا قي قدرته على العربية. كفى ان تعيش في هذه البلاد على اسطورة التمايز الطائفي في هذا الباب.

هذا لا علاقة له بما يسمى اليوم القومية وهي مفهوم افرنجي استوردناه . امي التي كانت تقول لي: «نحن أولاد عرب» ما قرأت شيئا في القوميات وما كانت قادرة. قبل الثورة الفرنسية في اوربا المتمدنة كنت تقول انا فرنسي وتتميز عن جارك الألماني بلا بغض. عند الانسان المتحضر التمايز ثقافي ولا يحمل الحقد. ولما دعا ابراهيم اليازجي العرب الى ان يستفيقوا كان يعي انه مسيحي من كفرشيما وأصله من وادي النصارى وان كفرشيما ووادي النصارى واحد عند المسيحيين المستقيمي الرأي.

كل هذا الاختلاط بين القومية والدين الى مشارف القرن العشرين لم تعرفه الأذهان. عندما كانت امي الأرثوذكسية تقول انها «ابنة عرب» كانت تعني انها ليست من الفرنجة وكانت تعني ان العروبة انتساب الى هذه الأرض وان ايمانها انتساب الى المسيح وما كانت تضع في عروبتها عنصرا ايديولوجيا. هذا كان يجيء عندها من أعماق تاريخية متصلة بالأصول المسيحية لهذه البلاد دون أدلجة أتتنا صيغها من الغرب.

ليس عندي شيء على الغرب. عشت فيه سنوات طويلة وذقته منذ طفولتي ولكني أعشق الكثير منه وأهذبه بما ورثت من هذا المشرق العظيم بكل ألوانه او أنغامه. كنت احس نفسي مشرقيا في سنوات اقامتي في الغرب على تذوقي الكبير لأوربا وهي ممتدة في شروشها التي أستطيب.

أنا مسيحي أرثوذكسي لغة صلاتي العربية الفصحى ليس فقط في الكنيسة ولكن اذا اختليت الى الله. في بعض حقباتي كنت في الفرنسية أقوى ولكني في انفرادي ما كانت لغة صلاتي. لكون قلبي كان عربيا كنت أصلي بالعربية وما زلت ولا استعمل لغة اخرى الا اذا أقمت القداس الإلهي لأجانب. والصلوات التي كان يحق لي الا أتلوها جهارا فيما اقيمها في رعية اجنبية في اوربا استظهرها صامتا في لغتي وليس في الكتاب الذي بين يدي.

هل هذا من إصراري على اني من حارة النصارى ام هذا مشاركة للمسلمين «لست أعلم الله يعلم». اظن ان هذا الإلحاح مني مصدره ان كنيستي من هذه الأرض وانها غير مرتبطة بأرض غربة. انا لا أخلط القومية بصلاتي ولكني من هذه الأرض بلا عصبية ولا عنت. من ايماني انا سليل يوحنا الذهبي الفم والدمشقي وغيرهما حتى مجيء ربنا يسوع المسيح. هذه قوة المسيحية التراثية المحفوظة على نقاوتها انها تجعلك وريث العظام تقلدهم كما يقلد الجمال وتحفظهم بفهم وليس بمجرد استظهار.

ما لا يفهمه الذين غادروا الكنائس القديمة اننا على جدة ايماننا وحيويته نحس ان الكلمات القديمة تحفظنا لأنها أتتنا من الأقدمين الذين هبط الإلهام في ايامهم. نحن نحاول تجديد قلوبنا بالنعمة لا بكلمات من هذا العالم. قد نستحدث الألفاظ او نتبنى صيغة التعابير الحديثة لنقل الرسالة ولكنا اشداء الحرص على التراث اي على ما قاله الأقدمون الملهمون لأن هذا من الإخلاص. السؤال هو هل انت مع العمق او مع الظاهر الحديث الذي يبدو جديدا ولكنه خيانة.

ما فهمته حركة شباب تجديديّة ان الجدّة ليست باللفظ الجديد ولكن بالنعمة الإهية التي تنزل عليك. فالله جديد كما هو قديم والله لا يتحجر في قدم كما لا يتغير في جدة مخلصة. انه هو الجدة.

وهكذا نمضي الى ان يغير الله الوجود ويغيرنا بنعمته. كل شيء فانٍ الا وجهه. كلماتك ان كانت منه غير فانية. ان صار هو فيك وفي كل تحركك ما أنت بجامد. وان تبعته وكنت فيه فأنت متحرك به او فيه. بصورة من الصور انت تصيره واذا رأى الناس إلى وجهك يرون مجد الله.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

السن / السبت 6 تموز 2013

هذه الكتابة لا علاقة لها بسني ولا سيما ان معظم القراء لا يعرف عني شيئا. لهذا يزين لي أني قادر أن أكتب حرا من اعوامي المنصرمة والآتي الممكن لا يعرفه الا ربّك. نحن نجيء من ماضينا ولا نعرف ان كان لنا آتٍ. لا يقاس الانسان بعدد ما مر عليه من أعوام. قد تكون فارغة او الكثير منها كذلك. الإنسان ما استلم او ما ارتضاه مما استلم وهو من حاضره المقبول او المرفوض او ما كان منه تحت السؤال. نحن حركة بحيث اننا لسنا مجرد ثمرة لما مضى علينا لكوننا ارتقاء او أقلّه تغير.

لذلك لا يعني تقدم العمر شيئا. لا هو نضج بالضرورة ولا هو اهتداء. ليس العمر بشيء. ما تملأه فيه من حضرة انسانية هو كل الوجود لأن الزمن لا يأتيك، ضرورة، بمضمون. كان لك وعاء والوعاء يحمل كل شيء. انت لست نتيجة مرور السنين عليك فقط. انت حضور الحضرة الالهية ان نزلت. وانت بذا متطلّع الى الآتيات او الى الباقيات الأبقى من الآتيات. انت ما كنت وما تصير وتريد في الآن ان تصير.مرة أراد كبير في كنيستي منذ خمسين سنة ان يرد حجتي عليه بقوله لي خبرة سنوات عديدة. أجبته ليست الخبرة بشيء اذ قد تكون خبرة خير او خبرة شر. وكل واحدة منها تعلّمك شيئا. لذلك لا تستطيع ان تفرض عليّ ما تعتبره علما جاءك من الخبرة. ربما كان الرجل على حق ان يعتبر جوابي له تحديا. ولكن من قال ان التحدي لا يحمل الحق او من قال ان خبرة الشيوخ تحمل معها الحقيقة. ربما حملت معها المرارة. فالانسان لا ينمو دائما رفيق الله اي عارفه. غالبا ما يكبر ذواقا لخطاياه ومستخلصا فكره من تراكمها فيه. غير صحيح ان الكهولة او الشيخوخة تأتينا دائما بالفضيلة. فكثيرا ما حملت أتعابنا والفكر الآتي من الأتعاب اي من المرارة.

كثيرا ما أتاك العمر بالكآبة ولكن لك ان تقاوم لأن مسؤوليتك العطاء الذي يستحيل اقترانه بالحزن الشديد. المسؤول من عرف ان له غدًا يملأه بالحب لأنه وحده الخلاق في الزمان.

ليس في اية مرحلة من العمر مضمون روحي واحد. الطهارة والدنس ممكنان في اية حقبة من وجودنا الأرضي الى أن يتبرأ الإنسان بالموت كما يقول الرسول. لذلك يصرّ آباؤنا على القول ان من أهم ما يعطاك في جهادك ان تذكر الموت كل يوم. أرادوا انك ان فعلت هذا لا تقوم على الخطيئة لأن الموت الذي تنتجه رهيب لديك.

تعلّم السن او تفسد المعرفة التي تنسب الى الشيوخ فيها سلام او فيها اضطراب. كمّ الأعوام يعطي هذا او ذاك. لا يأتيك النضج دائما من تقادم الزمان عليك. انه في أعماقه هبة إلهيّة، فوق استواء العقل وأعلى ذرى السلام وهذا ينزل عليك من الرب. ومن هذه المقاربة قد يأتيك فتى أعلى قدرا في العقل من طاعن في السنّ. العقل العظيم ما ينزل عليك من ربّك المنشئ للعقول ومربيها.

غير ان أهمية السن عند الصالحين ما كانت في توبتهم وهذه غالبا ما تتطلب مراس زمان لأن التوبة جرح بالغ ولا يستقر الإنسان فيها الا اذا انتظر الموت او ترجاه. ما منع الله هذا الترجي. انه منع الحزن امام ما نتوقعه اذ فتح لنا باب الرجاء الذي هو انفتاح على القيامة.

أنت تلميذ كل حقبات العمر والا كنت غبيا. لك خبرتان: خبرة خطاياك وخبرة فضيلتك. واذا وهبك الله نعمة من عنده تضرب خطيئتك بما اكتسبت من فضيلة اي اذا رأيت وجه الله أبهى شيء في الوجود، غير ان هذا تتعلّمه بالمراس، بالصبر على خطيئتك ورجاء خلاص منها. والصبر لا يعني الاستكانة او الانهزام. انه يعني شكرك لما استلمت من تعزيات الرب والبقاء عليها. ليس الصبر الدوام على كل حال. انه فقط الديمومة مع النعمة لأن شريكك فيه هو الله ذاته.

من هذه الزاوية لا تعني السن شيئا. قد تأتي بارتقاء روحي وقد تأتي بهبوط او تخلّف او فساد. تقادم الزمان لا يعطيك شيئا بالضرورة ولا يحرمك شيئا ان شئت المثابرة. الله وحده معطيك في كل ظرف من ظروف حياتك. وحياتك العميقة هي النعمة فيك. انت تحيا ان كنت تستلم النعمة بشكر وتفهمها وتصر على البقاء فيها.

فاذا تجلّت الرؤى الإلهيّة فيك يسجّل الله لك عمرًا روحيا لا علاقة له بالسنين. فالله حضور وليس تعاقب أعوام الى ان يزول تحكّم الزمان فيك وحكمتك النعمة. عندئذ، تسكن الأبديّة وانت في حدود الزمان.

Continue reading