Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2011, جريدة النهار, مقالات

وجه الله / السبت 26 تشرين الثاني 2011

لا تعرف وجه الله الا مرتسما على وجه بشر. ولا تعرف نفسك ما لم ترَ وجه الآخر جميلا اي اذا أقمت تساويا حقيقيا بينك وبينه. أنت تأتي منه اذا عرفت انه غير قبيح. وليس لك ان لم توقن يقينا دينيا ان الله محا عنه كل بشاعة. ومحو البشاعات لا يأتي من الانسان بل من النعمة اي انه ينزل عليك وتنشأ نسابة بينك وبين ربك بمعنى انك تمسي منسوبا الى الله ولكونه يرى نفسه فيك يجعل نفسه منسوبا اليك اذ يضم ذاته اليك فيقوى انضمامك اليه.

جمالك لا يأتيك من خارجك اذ يلصقه الله بك فتصير ما انت مدعو أن تصيره واذا أدركت كثيرا من البهاء تصير الطريق الطبيعي الى رؤية الناس ربك عليك.

انعكاس النور الالهي عليك مستحيل ان نظرت عيناك الى غير الله واعتبرنا امامك كيانا مستقلا عن الله. الله مكشوف في الطبيعة وهي رداؤه ولك ان تقرأه فيها فتعلو اليه بهذه القراءة ولكن مركز الطبيعة الانسان وبالدرجة الأولى تسمو به الى الرب.

اجل يتجلى الله في الطبيعة ولكن اسمى تجلياته الانسان. ويمده الله ببهائه مجانا فان الله غني عنه والانسان يستمد منه وحده غناه من حيث انه المصدر  واذا أغدق من محبته على واحد منا تسري الى آخر ولكنها ليست منا. المحبة منقولة من الله الى من شاء ويعينه بها حتى اذا بني حقيقة عليها تأخذ طريقها الى من تشاء. الانسان ناقل المحبة الالهية بعد ان تكون عملت فيه وكوّنته بمعنى انها ليست كلمة تقال او يدعى اليها ولكنها حياة عيشت حتى اذا لمسه احد فيك يقول: «هذا هو تغيير يمين العليّ».

ان لم تصر انسانا جديدا عاملا حقا تبقى مجرد متكلّم  بالمحبة وليس متغيرا بها. اذا صار الرب مثالك اي غدوت كيانا متحولا اليه تكون على مثاله ومن استنار يصبح الها اي مبتدئا  الآن بالألوهية، متخذا صفات الله وفي حالة تواصل معه. عندك اذًا اقصاء لكل ادعاء الألوهة وكل اله كاذب اي عليك التطهر باستمرار لكي تتقبل من العلى ما يشاؤه الله لك رجاء ان تعطى ما أخذت واذا رأيت الى الوجوه المستنيرة تلحظ ضياء واحدًا اي الها واحدًا له التجلي نفسه في ذا وذاك.

وحدانية الله تنكشف في وحدة تجلياته فاذا انت شبيه بأخيك مع محافظة كل واحد  على شخصيته ونوعية تجلي الله فيها. القداسة لا تذيب احدا بأحد. الموحد هو الله وارتساماته على الوجوه مختلفة. وهذا الاختلاف يسمح لنا بالقول بشركة القديسين. المشاركة تفترض تنوعا وتعددا بمظاهر القداسة وأفعالها فهذا له رتبة كنسية وذلك لا رتبة له وهذا راهب وذاك رب عائلة وهذا شهيد والآخر لا يهدر دمه. ظواهر القداسة تختلف وجوهرها واحد ولكنها مجتمعة بوحدانية التقديس لكونها مجتمعة بوحدانية الرب معطي القداسة.

#   #

#

لا تعني القداسة الكمال الروحي الكامل. هذا التنزه ملازم الله وحده. ولكن القداسة تعني ان تريدها. تعني اذا ان تسعى الى امحائك امام الله وعلى طريق الجهاد ان ترى نفسك لا شيء. ويعني هذا ان تعرف نفسك خاطئا، مكسورا الى ان يرحمك الله بالتوبة. والتوبة تعني الاعتراف لنفسك بوجه وان تصبو الى وجه الله وحده. عندئذ فقط يضع لك وجها جديدا يلتقي الوجوه الشبيهة بالملكوت.

غير ان الشيطان اذا وسوس للانسان ان يشوه وجهه لأنه ضجر من الله لا يبقى فيه نور. ينهدم كيانه او على الأقل يتهاوى. كل منا معرض لهذا السقوط وليس من تأمين على الفضيلة. انها نتيجة تعب يومي ووعي لهشاشتنا ووقاية الله لنا. عليك ان تلتمس العون الالهي في كل حين، كل لحظة عند هجوم الاغراء عليك لكي لا تهرول الى الجحيم وهي التي تحرقنا في هذه الدنيا وفي الدنيا الآتية.

قد يطل وجه الله علبك ليمحو القباحات التي حلّت فيك. هذا شأن محبته التي تجعلك في الشكر. وقد يعود الجمال فجأة ولا يتدرج. تتعلّم الكثير من الخطيئة. تربيك، تبكيك، توجعك. لا تنس علمها ولا تربيتها. خف كثيرا من النكسات بلا رعب لأن الثقة بربك اقوى من الارتعاب. انت في دلال. انت محضون أبوته حتى يستردك اليه وترقد في رحمته.

من أهمية رجوعك اليه ان يفيد الإخوة من توبتك فاذا استحلوك تجذبهم الى بهاء الوجه الذي كان لك لما كان ربك يفتقدك وتعودون معا الى شركة القداسة وتصيرون جسد المسيح.

اذ ذاك، تعرف طراوة ما كنت تحلم بها وكأنك اختُطفت الى السماء وكل ما فيك يتغنى حتى تسمع يوما صوت الملائكة يعزفون حول العرش وتتساءل ما سمعت من أين للملائك ان يرنّموا للرب ترنيمة جديدة.

كل الملائكية هذه ممكن حدوثها على الأرض وأنت تقوم بأعمالك كلها وبالخدمة. السماويات ليست مكانا. هي عمق الوجود فيك او عمقك انت في الوجود والأعماق هي الله الذي يحييك ويحييك اذا رآك مكونا برؤيته. وعند اكتمال رضائه لا تنتظر شيئا آخر اذ ليس من شيء يزاد على هذا الرضاء.

#   #

#

عنيت بالكلام على العالم ان الله، معنا وفينا وفي الكون، هذا لا يفيد انه مختلط اذ نكون قد وقعنا في الحلولية. انه متمايز عن الوجود ويعلوه ولكنه مبثوث وبلا بث هو غائب. لذلك كان أمرنا معه هو رؤيته في قواه كما يقول الأرثوذكس والتماسه فينا. وان تراه فيك وفي الكون تكون قبلته وان رأيته منحلا في الوجود المادي او النفسي تكون قد أنكرته خالقا.

مسألة الخالق انه دائما فوق ودائما تحت. وان لم تقبله منك والى جنباتك لا يكون قد خلق شيئا. الخالقية تستتبع المخلوقية اي انها حركة من الرب اليك دائمة ونظرك اليه باستمرار. الخالقية لا تنتهي. لم يضع ربك شيئا ليرميه. انه يرعاه والا تزول عنه الحياة. كل ما هو عقل وروح ونفس وجسم قائم بالعناية الإلهية التي هي عبارة تعني ديمومة الخلق او ديمومة الحضن الإلهي للمخلوقات.

بينك وبين ربك مواجهة ومعناها في اللغة ان يكون وجهك الى وجهه ليصنع وجهك. واذا اقتربت اليه حتى ما يشبه اللصوق يسمى هذا اتحادا بلا حلولية. يلبسك وتلبسه حتى يصح كلام بولس: «من التصق بالرب صار روحا واحدا معه». (1كورنثوس 6: 17).

هنا تبطل فلسفة الكلام ويبدأ الذوق.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الشجاعة / السبت 19 تشرين الثاني 2011

العلاقة البشرية علاقة شجاعة او علاقة خوف. اما علاقة الشجاعة فتأتي من ايمان الانسان بقوته او حقه. غير ان الايمان بالحق لا يقودنا دائما الى الجبه ولو قادنا الى الشهادة التي لا تحتاج دوما قوة بشرية بل يقينا يقول لك المؤمن ان الله الذي فيك يدافع عنك ولو قاد هذا الدفاع الى هدر دمك.

ولك ان تكون شجاعا لثقتك بأن رأيك مستقيم وتدعمه امام اي مخلوق بشري منفردًا او امام جماعة خطيبا او كاتبا. هذا ما يسمى عند العرب الشجاعة الأدبية. غير انك تتخوف احيانا من المجابهة ولو كنت متيقنا كل التيقن انك في جانب الحق.

بولس الرسول قال في رسالته الى أهل رومية: «كونوا رجالاً تقووا» وحثّ قبله المعلّم في طرق مختلفة على الشهادة امام الملوك والولاة وفي المحاكم والواضح ان حياته كانت صدامية من بدء بشارته حتى موته. والتلاميذ نلمس شحاعتهم امام اليهود وامام الأمم ومعظمهم استشهد ومن بعدهم أقبل الى الموت ملايين المؤمنين خلال ثلاثة قرون وكأن لهم ألفة مع النار او الزيت المغلي او الأسود لأنهم كانوا ينتظرون شيئا أفضل. كانت الحياة عندهم حياة مع المسيح وهذه السبيل اليها احيانا كثيرة الاستغناء عن هذه الحياة الدنيوية.

كيف تحب الانسان وتخشى منه أحيانا؟ هذا يعني انك تتوقع ان ينفصل عنك والا تظل عليك رعاية الحب. تفقد، عند ذاك، رعاية المحبوبية. تبقى وحدك وعند المقابلة التي فيها تبادل حجج ترى انك لا تستطيع مقابلة تعرف ان تحتج بها خوفا من فقدان الصداقة وتبقى منعزلا حتى يدبّر الله أمرك بعد أن أوكلته أمرك.

في هذه الحالة خوفك انت تحت التأويل. أنت غير قادر او غير عارف ويفسّرون خوفك الى عدم يقين عندك او يرصفونك في مصف الضعفاء مع أن الله ملك وتعرف ذلك وهم لا يعرفون ولكن الله لا يزعم ازعامًا. انه يوحي وحيا وهم لا يعلرفون.

#    #

#

ومع أن المحبة تطرح الخوف خارجًا على ما يقول يوحنا في رسالته الأولى الجامعة لا يحس الخائف المحب انه يستطيع المقاومة واحيانا يخسر قضيته في السجال او بعضها. يحصل هذا كثيرا في مجتمعات تتكل كثيرا على الكيد.

المأساة في ذلك ان الصالحين يشتمهم أهل الكيد او يدوسونهم وتربح الخطيئة ولكنها تربح ظاهرًا الى ان ينجلي الحق يوما بنعمة الرب.

كن أنت مع الضعفاء وبخاصة مع المستضعفين وهؤلاء ذوو قلوب نقية وعقول راجحة في أحوال كثيرة وأهل الظلم زاهقون تحت وطأة الرب الذي يدوسهم في حكمته لأنهم يريدون ان يسترضوه ولا يرضى ويبدو المستضعفون اسيادا في ملكوته وحسبهم هذا الرضاء.

#   #

#

يبقى السؤال كيف نزيد مساكين الأرض قوة حتى يغالبوا الشر في هذا العالم وحتى يبدو ملكوت الله بدوا ولا يختفي. هنا يأتينا قول المخلص: «كونوا حكماء كالحيات وودعاء كالحمام» صعوبة العيش ان بعض الناس حيات وبعضهم حمائم. كيف نقود الأشرار الى الوداعة وكيف نربي الودعاء على شيء من معرفة الأفخاخ التي ينصبها البعض حتى يزول أثرها. اذا كان الرسول قال: «المحبة تصدق كل شيء» هل عنى انك انت تظن كل من بادرك بالكلام انسانا سليما؟ لا أظن ذلك لأن بولس نعرف انه كان ذا تدبير رعائي في هذه المدينة وتدبير آخر في مدينة أخرى ويعرف كيف يواجه والي فلسطين مستخدما الحجة من القانون الروماني. «المحبة تصدق كل شيء» لا بد ان تعني انها قادرة احيانا على الاقتناع بأن الكاذب يمكن ان يصدق فتصدقه. وفظاعتنا احيانا ان نظلم انسانا صادقا. هذا جرح له ويكون قد اقتبله ربه بين التائبين وانت لم تقتنع. هل يندم على صلاحه وتكون انت رصفته من جديد بين الخاطئين.

تعلّم الشجاعة بالتماسها من ربك فان الخوف قد جاءك من التربية، من العقد التي ترابطت في كيانك ولم تستطع بقواك الطبيعيّة ان تتخلّص منها وتحس اذا ما تقدمت في الخبرة الروحية انه ينزل عليك قوة من العلاء. انت لا تستطيع ان تجعل لك سلاحا الا كلمة الله واللطف.

والكثيرون يعتبرون اللطف ضعفا لأنهم يقيسونه بالقسوة التي تكسبهم سلطة ويحسبون ان السلطة تجعلهم عظماء. حذار ان تقع في شهوة الظلم لتحس نفسك قويا. هذا ليس فيه شيء. أحبب من خاصمك وهذا يتضمن موآزرته لاصلاح نفسه.

تعلّم كيف تجمع بين اللطف وشدة القول ان كان عندك قول لأنك مسؤول عن ان يكبر مجادلك في الرب. لا هم ان تربح السجال او تخسره. المهم أن تأخذ بيد الآخر لتقربه الى ربك.

ولكن هناك من عرفوا ان يدافعوا عن انفسهم وهناك من لا يعرف ان يتكلّم ويعرف نفسه مظلوما. عليه ان ينتبه الا ينضم الى حزب القساة ولكن ان يكسب الشدّة مع المرونة التي هو عليها واذا بقي عيا وهذا ليس بعيب يصبح الله لسان حاله في هذه الدنيا او الدنيا الآتية. هذا حسبه الله.

نحن استلمنا من القديسين ان هناك تروضًا على الفضائل وتدرجا ما لم ينقلك الرب بأعجوبة من عنده الى ذروة الذرى. ولكن تدرب على هذه القوة الروحية التي بها تعلو فيك الشجاعة لتقدر ان تكون شبيهًا بالحية في حكمتها وبالحمامة في وداعتها فيسترك ربّك بستر جناحيه.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

مسيحية والمؤسسات / السبت 12 تشرين الثاني 2011

عاشت الكنيسة في بلدان فقيرة بلا مؤسسة واحدة وفق ما قاله اللاهوتي الروسي العظيم سرجيوس بولغاكوف: «الكنيسة ليست مؤسسة، هي حياة في الروح القدس». وكأنه أراد أن يقول ان المؤسسات التربوية وغيرها لا تنشئ مؤمنين بالضرورة. كبار الملحدين في الغرب وربما هنا درسوا عند رهبان متخصصين بالتدريس. يقولون لي: هناك جو ايماني بالمبدأ وهذا من شأنه ان يشدك الى الايمان. هذا صحيح ولكن ثمة مدارس علمانية تشدك الى الايمان ايضا وقد قرأت مؤخرا ان معظم الكهنة الموارنة في احدى الأبرشيات او في كلها متخرّجون من المدارس الرسمية الخالية من التعليم الديني.

خوفي من المؤسسات ان تحس الكنيسة انها قوية بها في حين انها قوية بالقداسة. في القرن الثالث في الأردن كانت الكنيسة تسمى كنيسة الخيام اي ان الجماعة لم تكن ذات بيوت وتتبدى كسكان الخيام والأسقف نفسه كان ذات خيمة والقداس يقام في خيمة وليس من دليل على ان من يرتادون الكاتدرائيات الكبرى أعظم تقوى من البدو. كان الفيلسوف الدانمركي كيركيغور يقول: مهما علا سور الدير فللخطيئة سبيلها اليه. قد يساعدك الحجر على الحياة الروحية ولكن ليس هذا مؤكدا. قد يؤطرك الرهبان والقسس والمطارنة وتبقى ضمن الإطار وتظل قليل الإحساس الروحي. الحياة الروحية ليست شركة تأمين. هي تنسكب عليك من فوق او لا تنسكب. لك ان تكون لها ولك ان تكون قالب ثلج.

المسألة هي أين تضع الأولية ومن اين تنتظر الشفاء. انت تحيا مع الرب وبه او فيه وله او ليس لك شيء من المؤسسات. انا أعرف التماعا روحيا عند ناس رعاهم كهنة دراستهم كانت ضعيفة واعرف فتورا روحيا عند من كان مرشدهم عظيما. عندي كنيسة فقيرة جدا تحنّ على اعضائها الفقراء. «يا عبد كل شيء قلب». ونحن الذين علينا مسحة من القدوس ما جئنا من كنائس غنية ويعطينا الرب حسب سؤل قلوبنا.

#   #

#

الأشياء كلها تجري وكأن الكنيسة لا تعتقد ان القداسة بحد نفسها فاعلة وانها في حاجة الى ما يسندها. كل شيء يدلّ هي ان الكنيسة تريد لغة العالم وأساليب العالم وانها بديلة الدولة واذا كانت هذه ضعيفة او غائبة وبدل من ان تقيم الدولة في نظامها وشرعيتها تجعل نفسها دولة او لابسة لباس الدولة.

ما لا يفهمه القيّمون على الكنيسة ان المسيح جاء ليغيّر العالم ولغة العالم. عندما كان منتصبا امام بيلاطس قال لهذا: «لم يكن لك عليّ من سلطان لو لم يُعطَ لك من فوق». السماء هي التي تسمح لك ان تقتلني وان بدوت اني خاضع لحكمك ففي الحقيقة انا خاضع للآب. ان لم نقل نحن قول المسيح نكون قائلين قول الدنيا ونكون مستعيرين لوسائلها ومستقوين بما تستقوي هي به ومستضعفين كلامها الأصلي وهو وحده الأصيل والا تكون تعلمنت بمعنى انها استعارت لغة العالم وآمنت بفاعليته ولم تؤمن بفاعليتها وتكون قد رمت بلغتها لتظهر انها ذكية وأفعل من مسيحها.

لقد جاء يسوع الناصري ليغيّر لغة التاريخ بعد ان غيّر التاريخ، لأنه يؤمن باللغة التي هو نحتها وبطل ان يعتمد لسان هذا العالم. السوأل الوحيد الذي نحن أمامه هو هذا: هل جاءنا المسيح بلغة جديدة هي تجدد الأذن التي تسمعها والقلب الذي تنسكب فيه ام جاء يسوع بلغة خشبيّة؟ هل من قرأ الانجيل ليفهم ان ألفاظه ومعانيه ليست من التي رصفت ككل رصف وان موسيقاها الداخلية غير موسيقى الطرب الذي يحرك شهواتنا.

اذا كان المسيح قائما فيك وعاملا بك وسائرا اليك فأنت مبدع ولست اتكلم على شاعرية كلامك ولكن على شاعرية كيانك الذي يهزّك ويهزّ العالم. عند ذاك، لك ان تصلي مع البداة وتتبع الأسقف البدوي لتأخذ الجسد والكأس وتستغني عن كل جمال مصنوع ألصق بك او وضعوه فيك. انت تخشى عندئذ، ان تكون قد خنت واستعرت غير بهاء يسوع الناصري وغير كلامه وغير فرادته.

هو تجسد في لحكمك وعظامك وبلغة مباشرة تبنى كيانك لكي يعيرك كيانه ولو للحظات لتتجلى. انت انسان جديد ان لمست هدب ثوبه وانت حي ولا يرعاك شيء غير هذا اللمس.

#   #

#

ينبغي ان تقرر العراء الكامل من دنياك ليفتح الله لك باب سمائه ويعطيك حلّة النور من داخل. الذين لم تتغيّر لغتهم يظلون يرونك عاريا ولا يسمعون لغتك الجديدة وتبقى أسطع منهم جميعا لأنك تكون تسربلت سربال النور وهم لابسون خرقا عتيقة لا تستر منهم شيئا لأنها تتمزق فترة بعد فترة.

لا تغيّر لغة الرب بكلام مسطح. ان فعلت يأتي يوم تنسى انت نفسك لغة الخلاص وتظن انك تشدد كنيسة المسيح بما استعرته لها من دنياك. اذا خسرت موهبة التمييز تكون قد خسرت كل شيء. ميّز واستقل عن كلمات هذا العالم وهيكلياته لتجعلك السماء بناء جديدا يغري العقل والقلب معا ويرى الناس انك ايقونة المسيح. الايقونة مصنوعة بإلهام من فوق. الزينة شيء آخر. المهم الا تؤمن بالزينة ولا ما يأتي به خيال الناس.

المسيحية جاءت بالروح القدس. خذه الى كيانك الداخلي فيأتي كيانك من فوق.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

القتل / السبت 5 تشرين الثاني 2011

في البدء كان القتل إذ قتل قايين أخاه هابيل بعد ان طرد الله آدم وحواء من جنّة عدن. إذا جعلتَ نفسك خارج الرعاية الإلهية يمكن أن تبيد أخاك الذي الله يرعاه كأنك تقتل الله نفسه. وقتل قايين أخاه حسدًا إذ قبِل الرب قربان هابيل وإلى قربان قايين لم ينظر فاغتاظ قايين حقًّا من الله اي انفصل عنه وتاليًا انفصل عن أخيه. وحصل انهما كانا في الحقل وليس في جنّة عدن فقتل أخاه.

ثم جاءت الوصية بموسى: «لا تقتل» إذ لم تسلّم اليك حياة الآخرين. هذه تذهب فقط الى من أعطاها وتدخل في رحمته.

ان انتزاع الحياة فيه استكبار او هو آتٍ من الاستكبار. والاستكبار هو التأليه إذ الله له أن يبيد. كل معصية تأليه للذات والقاتل هو المبيد الأعظم إذ يحسب ان من هو مزمع على قتله ليس له حق في الوجود. هو يعيدك الى العدم او هكذا يظن وبعد هذا يحس انه أعاد هو نفسه الى عدم ويزداد شعوره بعد هذا يومًا فيومًا وكثيرا ما ييأس من توبته.

إلغاء الآخر هو الشعور بأن انسانا يجب ان يعود الى العدم بسفك دمه لأن وجوده لا يطاق. ذلك ان حياته تأكيد لكيان له مزعج حتى الاختناق. ان لم تخنق العدو تختنق. الوضع الداخلي للقاتل عبّر عنه القرآن بقول: «من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا» (المائدة 32).

القتل في النفس يحدث. المبتغى إذًا ان تحب عدوك لأنك اذا استبقيته في الوجود تكون أنت وإيّاه ممجدين للرب وتنبسط السماء في قلبك وفي قلبه. ولك أن تفهم قول القرآن: «والفتنة أشدّ من القتل» لا بالمعنى المأثوروحسب ولكن بما هو أعمق ان ما يريده الرب منك ان تحرر قلبك من فتنته لأنه هو محرك يدك الى الجرم. وتفسيري هذا يلتقي بما جاء في إنجيل متى: «قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم» (5: 21 و22). في اللاهوت الروحي عند آبائنا ان الغضب هو الشهوة التي تلد خطيئة القتل او الضرب وكل نوع من أنواع العنف وتاليا ان المسعى الروحي ان تستأصل الشهوة لئلا تتحول الى المعصية. والنفس الحرة من الغضب هي النفس الهادئة وهذا المنحى في تهذبه (اي اذا نحا نحو المبدأ) هو مذهب الهدوئيين الذين أبادوا كل شهوة في أعماق نفوسهم وصار الله وحده يسودها.

إلحاح الجريمة ثقيل جدا. حكى لي صحافي كبير في النهار انه تعرّف الى قنّاص من زمن الحرب قال له: «اني كل يوم أفيق في الليل وأرى الذين قتلتهم بوجوههم وألبستهم وهذا يقلقني جدا». كانت هذه عودة الرجل الى ضميره بعد ما حاول فريقه العسكري ان يطفئ فيه الضمير. تذكر القتل قد يلازم صاحبه عشرات من السنين او طوال حياته.

مع ذلك هذا هو الخروف الذي ضلّ في الجبال ويبقى أخا لنا وعلينا رعاية نفسه المجروحة ليفسح لربه مجال زرع كلمته فيها. وقد يكون هذا قاتلا كبيرا ومع ذلك للطراوة ان تعود اليه وتجعله حملا وديعا. التوبة عمل الله في النفس فاذا انفتحت له بالبكاء يمسح الله عن عينيها كل دمعة. بعض من قديسينا كانوا من أكبر العصاة وأخذهم ربهم برأفته وحنانه ولم يتبق فيهم الا ذكره.

استخلص من هذا ان علينا ان نربي أنفسنا على الغفران وهذا يستنزل رحمة الله علينا وقوته ويضع حدا لجموح الصرع فينا. التحول الكبير ممكن بعطف العلي مهما توغلنا بالمعاصي لأن القلب البشري حبيب الله والنفس قادرة ان تقول: «ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب» (مزمور 33: 8). واذا بلغنا العشق الإلهي بعد إثم لا ينكره الرب الى الأبد. من عظمة الرب ان ذاكرته تتفرغ من ذكر المعاصي. هل هذا هو غفرانه؟

# #

#

كان هذا كلاما في القتل الفردي. ما الكلام في قتل الجماعات بعضها بعضا؟ ما الحروب؟ ما من شك ان هناك بلدانا تبغض الاخرى او كان هذا عميما قبل الحرب العالمية الثانية ثم رأينا شعوبا بات من شبه المستحيل ان تتقاتل الآن. هناك ترويض ممكن.

هناك شعوب عرفت التحارب بما بدا سببا دينيا. أجل، يستعار الله من أجل القتل. على منطقة الجندي الألماني في عهد هتلر كان مكتوبا «الله معنا» واعتقدت شعوب ان الله يفوضها بقتل شعوب وان القتلة عسكر الله ومن هذا القبيل لم يخطئ كارل ماركس بقوله: «الدين أفيون الشعوب». هو شاهد القتل باسم الله واستمرار الفقر باسمه او قبول الفقر باسمه. هل اذا ذُبح فريق باسم الله يحزن الفريق الآخر؟ ملاحظتي ان هذا قليل جدا وكأن الذين لم يحزنوا شاركوا في القتل. متى نتصالح ونغفر الخطأ للخاطئين؟ ليس أحد منا وكيلا لله في سفك الدم. وكل تفسير او تأويل يتضمن معنى كهذا يكون من الشرير. ألا يستطيع المؤمنون في كل دين ان يدعوا بعضهم بعضا الى ميثاق سلام يجعل القتل في سبيل الله بدعة او كفرا؟

الى هذا أمن غير المعقول تغيير ايديولوجية الشعوب فتصبح ان الجيش دفاعي فقط اذا اعتدي عليه؟ اذا سمح لي ان اهذي أفلا اقول لماذا لا يمنع انتاج السلاح اطلاقا؟ يبدو ان المعامل في حالة الخطر تتحول بسرعة الى إنتاج آلات الموت. لماذا تخاف الشعوب؟ الى هذا لا أفهم كيف تقبل الولايات المتحدة اقتناء كل فرد من افرادها السلاح. ماذا يعمل اذا غضب الانسان وتشنج.

يعطى المواطن أداة القتل لم يحاسَب اذا قتل. كيف يتكلون على فضيلته؟ طبعا لا يمكنك ان تشفي الانسان من الغضب ومن امكان إبادته للإنسان الآخر الا اذا نزلت عليه نعمة الله. الغضوب جارح من داخله. لماذا اذا ادوات الموت؟ لماذا يجب ان نموت بغير أمر الله؟

افهم ان قول الملائكة عند مولد المسيح: «المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام» تعني ان الطاعة لله هي سبب السلام. أليس للأديان والدول ان تعمل شيئا ليتحقق شيء من هذا ان لم يتحقق كله؟ تلك كانت الغاية من تأسيس هيئة الأمم. هل نحتاج الى اتفاق سياسي علمي لنبلغ المحبة ام نسعى بالتطهر الذاتي لنزرع التراحم بين الأفراد والشعوب؟

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

النميمة / السبت 29تشرين الأول2011

اذا اردت الا تواجه نفسك اي حقيقة وجودك يصير لسانك سيفا على الاخرين لتقتلهم فيك اذ انت عاجز عن إبادة خطاياك او لا تراها لئلا تخيفك وتبقى مضطجعا على ذاتك التافهة. عندما يصير كل الكلام في السياسة مسيطرا على السياسة الخارجية اي طعنا ببلد آخر هذا يعني ان الزخم الجمعي في البلد المثرثر دليل الفراغ فيه والانتفاخ هو الفراغ. الآخر، اذ ذاك، جريحك او قتيلك اذ لا ترى نفسك ذا جروح او قريبا من التلاشي. انت لا تقدر ان تعترف لأن الاعتراف هو الكشف والكشف بدء التداوي او كله وهو اليقين ان الآخر طبيب لك او انك ناتج من فحصه ونصحه.

الثرثرة هي القوقعة اي هذا الانطواء على الفراغ. لا تستطيع ان تتحمّل الفراغ فتهرب منه لتدمير الآخر غير مدرك انك تدمّر نفسك. انك تبدأ تدميرها اذا أحسست ان الآخر اذا أحبك تكتشف ذاتك الحقيقية وتحبها اذا رغبت في إصلاحها بالمشاركة وهي نظرة الناس اليها بحب. تنوجد انت فقط اذا أحببت وانحنى عليك من أحب ربه. لعلّ الغاية الوحيدة لله في خلقه مسيرة المحبة فيه. فيها فقط يتجلّى الله والمحبة اقتفاء الكلمة الذي من البدء كان.

اما اذا انطويت فلا بد لك من حديث يأتيك من الفساد والشر فيك وقد أغراك الهوى ونعني به جذور الخطيئة. اوساخ تعرف انت طبيعتها او لا تعرف ولكنك تنزعها من عمقك ونتيجتها الأذى ولو لم ترده صراحة وعمدا. ولكن لا بد من الأقذار ان تخرج لتقبع في نفس اخرى ما لم ترفضها هذه النفس لكونها طاهرة. فلا يصيب السهم دائما فتؤذي النميمة صاحبها فقط.

#   #

#

الاخلاقيون يميزون بين الافتراء والنميمة. لم أجد في القرآن سوى افترى، وفي معظم الآيات هو الافتراء على الله كذبا او هو التكذيب بآياته ام سمى القرآن اعداءَ المسلمين مفترين من أمثال ذلك: «ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب» (سورة المائدة، الآية 103)، «ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون» (النحل، 116).

الكذب خوف عند فاعله وتجريح للآخر. هذا هو الافتراء ولكنك قد تقول عن الآخر امرا واقعا لا كذب فيه اما لأنك ثرثار او لقصد التجريح. تقول مثلا: هذا سرق وفي هذا تتحدث عن أمر حصل. هذا ما يسميه علماء الأخلاق نميمة ويقولون افتراء اذا لم يحصل سوء وانت اخترعته.

اي كشف لعورات الناس يسيء اليهم اساءة كبيرة لأن هذا يدعو من له مصلحة بهذا الى ان يمزقهم تمزيقا وقد تلازمهم نميمتك طوال حياتهم. هذا يصح كثيرا اذا تناولت عفة النساء بطعن. يصدّق الناس هذا بسرعة ولا يسعون الى تدقيق في الأمر. وقد ينتقل الحديث من لسان الى لسان ويدمر عائلة او عائلات وانت مدعو الى ان تكون عن آثام الناس صامتا والصمت ينجّيك دائما من الإفصاح الرذيل. الصمت مراقبة للنفس عظيمة اذ كثيرا ما تخلو هكذا في حقيقة ربها لأنها تكون منشغلة بالتوبة. اما الثرثار فلا يعرف التوبة.

قد تجعلك اجتماعيات سامعا لكل شيء. هذا ترميه في بئر الصمت ولا تترك لنفسك مجالا للتأمل في معاصي الناس خشية ان تقع فيها. آباؤنا حذرونا من ان نتذكر خطيئاتنا الماضية بعد ان تبنا عنها خوفا من ان تغرينا بها ثانية. انت تتأمل في الفضائل وجمالها علها تجذبك اليها ولا تتأمل في الفاسدات لئلا تحلم بها او باقترافها.

#   #

#

اقرأ هذا: «اللسان نار، وهو بين أعضاء الجسد عالم من الشرور ينجّس الجسد بكامله ويحرق مجرى الطبيعة كلها بنار هي من نار جهنم. ويمكن للإنسان ان يسيطر على الوحوش والطيور والزحافات والاسماك، واما اللسان فلا يمكن لإنسان ان يسيطر عليه… وهذا يجب ان لا يكون، يا اخوتي» (يعقوب 3: 5-13). اذا كان الرسول يرى الصعوبة في عفة اللسان ويطلب الينا مع ذلك العفة فهذا يعني انها ممكنة ان التمسناها من الله.

الله لا يريد منك إلا نقاوتك اذا كانت قوية فيك تصبح ينبوعا لنقاوة الآخرين. كل منا يريد ان يكون محبوبا. لذلك يتقلص ويحزن ان انت افتريت عليه. كذلك يحزن ان نقلت عن لسانه ما أسره لك شخصيا. خذ هذه القاعدة ان تعتبر ان ما يقوله احد لك كثيرا ما لا يريد او يجرؤ الى قوله لسواك. كل ما نسمعه اعتبره سر كما يقول المسيحيون. اما اذا أدركت ان إشاعة حديث بلغك ينفع الناس ويقويهم في الحق فأشعْهُ على الا تكشف حديثا ائتمنت عليه وما أراد صاحبه ان تذيعه.

«المجالس في الأمانات» قاعدة سلوكية عندنا. لذلك كان الصمت اولى وأنفع في معظم الحالات. هنا استعفاف يبنيك ويبني الآخرين. ليس كل ما تعرفه مشاع. معظم الأشياء ملك لأصحابها ولمن ائتمنوهم، فتقيّد بهذا حفظا لطهارتك وحفاظا على سلامة الآخرين وصيتهم.

كل انسان سره له وقد تسمح له الصداقة ان يخبر عنه اذا تأكد ان ما يقوله ليس فقط لا يؤذي ولكنه نافع. تحصّن بالصمت يجعلك مبلغا بصمتك. انه لا يحتاج دائما الى كلماتك لينقل الخير الذي اختزنته. الانسانية شركة محبة والمحبة تحتاج الى شهود يحيون انفسهم بالوصايا الإلهية ويحيون الناس بعطفهم ولطفهم ومعاضدتهم في الخدمة. هؤلاء كان الله بهم رحيما.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأرض الجديدة / السبت في 22 تشرين الأول 2011

الله في كل نفس بشرية. يملأها ولا تحده لأنه ليس في مكان ويملأ كل مكان. وهو الذي يحيي النفس ولو تسربت اليها الخطيئة لأن هذه لا تستطيع ان تلغي الحضور الإلهي في الذات البشرية. فان هذه صنعها لما جعلها على صورته. القلب البشري وحده سماء الله وانت تدخل قلبك لتراه أكان ذلك قبل الموت ام بعده. واذا اواك الرب في نعمته لا يلغي موتك مأواه. بعد فراقك هذا الوجود انت لا تصعد الى السماد اذ ليست هي فوقك ولا تنزل الى الجحيم لأنها ليست تحتك. انت «في الصعود» امام الله تعزية لك وحياة ابدية وانت ايضا امامه في الجحيم وليس هو الذي يعذبك ولكن خطيئتك تعذبك. المواجهة مؤلمة اذا لم تشأ هنا ان تصبح من جنس الله.

فاذا كنت لا تصعد ولا تنزل تكون انت المقر للحسن وللسوء فتجيء بالحسنات اليك وبالسيئات اليك. يقول القديسون عندنا ان البهاء الإلهي والقباحة لا يجتمعان فيك بمعنى ان الله يطرد المعاصي المتعششة فيك وهم ينطلقون من ان الفضائل متماسكة والرذائل متماسة. هذا نعرف شيئا منه. فالسارق لا محال يكذب ومن قتل يرتكب كل المعاصي او قادر ان يرتكبها. القديسون نظروا الى نهاية الجهاد حيث تتلاحم كل الفضائل فينا واذا انقطع الجهاد تتواصل الرذائل. ولكن على طريق السمو او السماء وهما واحد . انت في صراع مع ما في نفسك التي تلتقي فيها مشاعر متصادمة كأنها ملعب لأحاسيس متضاربة تختلف بين شخص وآخر. الواقع ان ثمة فضائل تتضمّن اخرى او تقويها اذ ما من شك مثلا انك لا تبلغ التواضع الا تجمعت فيك ذروة المحاسن.

اذا صحت هذه القراءة تكون النفس مشدودة بين مشاعر متناقضة الا عند الذين تحرروا من الهوى كما يقول المتصوفون الارثوذكسيون اي الذين بلغوا ذلك الهدوء الذي يقيمهم في عدم الانفعال بالشهوة. اما نحن ساكني الارض فنبقى في الصراع حتى يتم الله علينا رضاه ويرفعنا فوق هذه الترابية المحزنة.

#   #

#

ليس عندنا شيء مقبل لا نذوقه في هذه الدنيا بمقدار. لذلك صح قول المشككين ان جهنم هنا والسماء هنا ولكن الخطأ عندهم نكرانهم ان الـ «هنا» يمتد الـ «الهناك» لكون الانسان دائما بقوة القيامة التي يحملها او بقول الله انه باعثنا من القبور. في المصطلح المسيحي عندنا الدهر الحاضر والدهر الآتي. مشكلتنا مع الملحدين ان بنكرانهم وجود الخالق ينكرون اي وجود للإنسان بعد موت. ينتهي الإنسان عندهم مع هذا الدهر. ربما لهذا سماهم الرب دهريين. عندنا ان الدهر الآتي تتويج للدهر الحاضر. فاذا كان زمانك الحالي زمانا الهيا يبقى كذلك بعد موتك واذا كان ملؤه الشر يبقى قبيحا بعد فراقك هذه الدنيا. عندما نتكلم نحن عن سماء وجهنم كحالتين من الدهر الآتي لا ننسى ان هذا الآتي يبدأ هنا. السماء ليست اذًا، حسب التصور التقليدي، ما تسعى اليها فوق ولكنها الاتية اليك هنا. هي تنزل. انه مصطلح لغوي فقط ان نقول سماء بالعربية لندل على السمو والارتفاع لأننا نشبهها الى الجبال التي ترتفع اليها من السهول.

كذلك جهنم التي تعني بالعبرية وادي هنم الذي كان محرقة الزبالة في اورشليم (القدس) يملكها انسان مدعو هنّم تعني بالتصور الموروث مكانا لعذاب النار. طبعا ليس من نار خارج ما يحرق الجسد او المتاع في هذه الدنيا. ليس في الدهر الآتي من امكنة. الله وحده هو الوجود. الكتب المقدسة استعارت لفظة النار لأنها مؤلمة جدا وأقصى درجات الحريق تسبب الموت.

جهنم فيك ولست انت فيها. ما لم يمت ضميرك – ولا يموت الى النهاية- فعذابك هو الخطيئة. وكلما قوي ايمانك وارتكبت يقوى ألمك الداخلي ولا نجاة منه الا بالتوبة اي بالاقلاع الكامل عن الخطيئة وحب الرجوع الى وجه الله. عند التماسك هذا الوجه تنزل اليك السماء وتطرد ما فيك من بقايا الخطيئة اي يمكنك انت طرد السماء او طرد الجحيم. ويمكنك -ان لم تكن مؤمنا جديا- ان تتلاعب بينهما.

هنا تتبين ان من نسميهم قديسين هم وحدهم أنصار الله حتى الأخير لأنه هو وحده حبيبهم. انهم آثروا وجهه على كل وجه وحلاوته على كل حلاوة. يدفعون ثمن هذا الحب غاليا. انهم لقد انقطعوا عن كل ما يعيق اتحادهم بالرب. كل معصية اتحاد. لذلك عليك ان تميتها فيك لتتحد بربك. وهذا حسب تعبير الروحانيين عندنا زواج. النفس في لغتنا عروس الله اذا أبادت نزواتها وقالت فقط ما يقوله لها الرب وحفظت وصاياه.

#   #

#

هذا الذي ينشئ نفسه على كلام الله يكون من كلام الله. لا يعمل من اجل ربح السماء. انه ربحها منذ الآن. عير ان من تأكلته خطاياه يحس انه في الجحيم لأن بين الإنسان ذي الضمير الحي والخطيئة نفورا. انه عند كل خطيئة هو مرمي في النار. في الوقت نفسه يجوع الى الله. حتى الانسان الطاهر جائع الى الله اذ يتوق الى ان يسكنه روح الله دائما وفي عمق. يأبى الانسان الصالح ان تلطخه المعصية ويعطش الى ان يجبهها في كل حين. من المحزن طبعا الا يحس بعض القوم بخطورة المعصية وقباحتها. تدخل اليهم ولا يأبهون لها، يعايشونها بلا احساس منهم بخطورتها. يبقى واجبنا ان نكشف لهم جلال الله لينجذبوا اليه ويحيوا به ويتحسسوا جسامة الخطايا. هناك خطايا يصعب استئصالها ولا سيما اذا عتقت. لها كيانها، حضورها الفاعل. مع ذلك لا يسوغ ان نيأس من انسكاب نعمة الله على هؤلاء. اذا اكثرنا الصلاة من اجلهم لهم بها فرصة التجلي فيسكنون بهذه الأنوار التي حلّت فيهم بعد ان صاروا خلائق جديدة.

اهمية الصلاة من اجل من نعرفه غارقا في بحر من سيئات ان السماء لجميع ساكنيها. ان ودنا لهم ان يبتغوا البرارة حتى لا يرضوا انفسهم في الرذائل. ونحن لا يجوز لنا ان نفرح بخلاص فردي. الله يريد الكل ان يخلصوا. ان نتمم مشيئته هو ان نريد ما يريد وان نسعى اليه. واذا هبطت السماء الى هذه الأرض تتجلى الكنيسة -العروس ونصير واحدا في القداسة.

الى الصلاة تأتي هذه الوحدة بالقدوة. ان ترى مثلا ناسا صادقين طوال معرفتك بهم يدفعك الى الصدق. الناس بالقدوة يطهرون بعضهم بعضا وينشئون جسد المسيح.

كل ما في الأرض باطل قبل ان تصبح الأرض سماء فيما تقوم بأعمالها العادية، فيما تأكل وتشرب وتتآلف على الحب. القضية الوحيدة ان نستعيد الفردوس المفقود الى الدنيا التي نسكن حتى تردم الهوة بين الله والناس ليفرح الرب بأبنائه ونفرح نحن بأبوته.

السماء الجديدة التي يتكلّم عليها سفر الرؤيا هي الأرض الجديدة التي يسكن فيها العدل. هذه الأرض يجددها الله وأحباؤه في كل حين. اليوم، اليوم اصنعوها لمجد الله وفرحكم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأقباط / السبت 15 تشرين الأول 2011

«وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين» (المائدة 42). هذه كلمة مرسلة الى القائمين على الحكم في مصر الذين نزل عليهم حلم الحرية، وهي تتضمن السلامة والعدل والسلامة بين الناس. ومن أسس العدل الا يُستصغَر (بفتح الغين) احد في اية كتلة من القوم. انا لست سائلا اهل الحكم عما فعلوا الأسبوع الماضي او ما فعل بعض من أقباط. نحن نسعى الى ما كان اهم من حدث واحد ولو مؤلما جدا. نحن ساعون الى ديمومة علاقات مجموعات يشير الى وحدة الشعب المصري قبل ان يضطر هذا اوذاك من الأمة ان يأسف ويعزي بعد فوات الأوان. الرؤية الا يحل وقت نعاين فيه مذبحة اخرى صغيرة كانت ام كبيرة.

طبيعي ان نناشد المسلمين في مصر ونحن أكيدون ان معظمهم أمة مسالمة غير ان للفاضلين ان يربوا الأمة كلها ولا يترك للرعاع شأن الوطن كله. لماذا يتوالى حرق الكنائس. لست أعلم نية الحكام الحاليين في شأن استئذان المسيحيين السلطة في شأن بنائها وترميمها تصل الى استئذان إقامة مرحض في المبنى الملحق بالكنائس. هذه جزء من تشريع عثماني لم يعدل مع الاستقلال. ولكن لماذا لم يطبق هذا في بلاد الشام مرة واحدة وأشاد المسيحيون الكم الذي ارادوه من البيع. اين هذه القسوة من العهود العمرية؟

اذا كانت السلامة جزءا من الحرية فالسلامة تتطلب من العرب الى اي دين انتموا ان يصلّوا. ألم تفهم مصر ان الأقباط اوجدهم ربهم ليبقوا كما اوجد المسلمين ليبقوا الا اذا اعتقدت مصر انه لخيرها وتقدمها العمراني ان التخلص من الأقباط نافع لهذا البلد العظيم. بالله قولوا لي كيف القضاء على الأقباط نافع للجماعات الدينية الأخرى في البلد؟

مذبحة وراء مذبحة تجيز لنا ان نعتقد ان ثمة خطة لإراقة الدماء لا أستطيع ان افهمها الا لمصلحة الاشرار وهي بالتأكيد لمنفعة اسرائيل. وقد بينت في مقالات اخرى ان عند اليهود عداء للمسيحيين خاصة. ولكن بين المسلمين حكماء كبار قادرون على الدعوة الى التعايش مع المسيحيين وهؤلاء يسمعهم الشعب الذي تدفعه قلوبه الطيبة ان يراعي حرية الأقباط في عبادة مأذونة في التشريع وفي التعبير عن الفكر اللاهوتي شعبيا او اكاديميا في عقل مصري عال قائم على العطاء للأمة وعلى تلقي ما عند الأقباط من فكر.

#   #

#

عندما كنت أتردد الى مصر كان عدد الأقباط الذي كانت دوائر الدولة تقر به لا يتجاوز النصف او الثلث من العدد الحقيقي الذي تعرفه الكنيسة بسبب من واجب الإحصاء في الرعايا. وكأن الحكم نفسه في هذه السنوات الخوالي ضالع في استصغار الأقباط. هل للحكم الذي يسعى ان يقوم اليوم مدني حقا لكي لا يخفي الحقيقة؟ هذا الاستصغار مريب ومصر تقول منذ جمال عبد الناصر ان قوميتها عربية وتاليا ان الأقباط عرب والعربي اخو العربي في السراء والضراء. الزاوية العربية مقاربة شرعية لوحدة مصر. واذا اصر المصريون شعوريا على الوطنية المصرية فلا احد ينازع الأقباط على هويتهم.

انا أناشد المسلمين في العالم ان يكون المسيحيون العرب هاجسهم. في الاسلام المسيحيون في ذمة المسلمين اي في رعايتهم. نحن من انصار حكم مدني لا يكون احد فيه في رعاية الآخر. مع ذلك يطلب الاسلام الى اتباعه ان تكون لهم غيرة على اهل الكتاب وان يسندوهم في حكم معتقدهم. وهذا قد يتطلب تعاونا اسلاميا عالميا ليحافظ المسلمون على المسيحيين في ديارهم. ورجائي يتركز ليس على الدول الاسلامية وحسب بمقدار ما يرتكز على تقوى الشعوب الاسلامية.

قد تكون الغاية الأولى من الحوار المسيحي-الاسلامي في الظروف التي نمر بها الحفاظ الكامل على الجماعات المسيحية العائشة في دار الإسلام. والاتكال هنا علي المثقفين المسلمين المتدينين في كل مكان. وهذا التحرك من شأنه ان يحس المسيحيون انهم في أمان. لنا ان نرجو الى المسلمين ان يتمسكوا بديانتهم من هذا القبيل فلا نشك بهم ولا يشكون بنا. ولهم في معتقداتهم ما يجعلهم قرباءنا وان يجعلنا من قربائهم فنشعر ويشعرون اننا معا من ملة ابراهيم. لا نريد لهم الا الخير وتقدمهم في كل ما يعود من خيرات هذه الأرض.

ونحن نقول لهم صادقين ما ورثناه من الإنجيل اي المحبة وهم يقدمون لنا الرحمة التي في كتابهم وتلتقي قلوبنا بما فيها من نقاوة وإخلاص. وليس احد منا صاغرا عند الآخر.

#   #

#

نحن ننتظر ان يضبط الحكم في مصر وغير مصر الاوضاع لأن للحكم قدرة على القسط او بلغة اليوم على المساواة وعلى الحرية في المساكنة الوطنية.

سيء هو الإنسان الذي يبيت للآخر الأذى وصالح ذلك الذي يريد له النمو والازدهار ويتقبله تقبل الأخ لأخيه.

المسلمون والمسيحيون رزقهم الله احترام الحياة، الحياة للكل. «ولئن بسطت يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك اني أخاف الله، رب العالمين» (المائدة، 28). هذا اشتهيه ميثاقا الهيا بيننا، ميثاقا يلغي القتل الجماعي بصورة قطعية اذكروا ان الدين يقوم على الشهادة اي إرادة ان يبقى الآخر على حريته. «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة، 256). هذه قاعدة مطلقة لا تنسخها آية أخرى في ما يتعلق بأهل الكتاب. من هنا ان المسالمة اساس اسلامي لمعايشة المسيحيين. هذا مبدأ يحلو لي ان يقوى في دار الإسلام ويحلو لي ان يفهم اهل الغرب اننا في هذا الشرق نريد ان يحب بعضنا بعضا وهذه قاعدة في المسيحية تشمل في الحب كل انسان بصرف النظر عن دينه، من حيث ان البشر جميعا هم اخوة في رؤية الرب لهم.

الأحب عند الله ان تكون المجزرة قد انتهت في مصر لأن مصر ليست بلد الفتنة اذا ترك الشعب لضميره. في المشرق الذي يضم سوريا ولبنان ليس من سابقة قريبة لذاكرتنا فيها تقاتل لا سيما ان كل جماعة دينية تعتبر الأخرى أصيلة فلا العثمانيون او المماليك اتوا بالمسلمين ولا الفرنجة اتوا بالنصارى. نحن معا هنا من اقدم العصور وذهب كل منا مذهبه وعلى قدر التصور البشري سنبقى معا في هذا المشرق العربي ملتصقين بالرحمة الالهية وبالثقة بيننا الى ان يرث الله الأرض ومن عليها واذا قدرنا نحن ابناء سوريا ولبنان وفلسطين التاريخية ان نلازم بعضنا بعضا فلا شك ان هذا يصبح نموذجا للمسلمين والمسيحيين في كل الأرض ولا سيما في ديار العرب سوف نحمل مصر وشعبها في أدعيتنا وسوف يكون عيشنا الواحد في أرض العرب دعوة الينا جميعا لنبقى واحدا في رعاية الله.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأمومة / السبت 8 تشرين الأول 2011

الوالدية أبوة وأمومة وفي لقائهما سر لا يكتنه ولكني أحاول استيضاحه لأفهم نفسي وأمي. كيف يكون الإنسان كله نفسا وبدنا منذ لحظة اللقاء بين رجل وامرأة والنمو، عقليا وجسديا، مشروط بهذا اللقاء. وهل التواد الضعيف او القوي بين الرجل والمرأة صلة بنوعية الولد ام نحن بيولوجية بحتة او عقل محض او يضاف اليهما نعمة من عند ربك لأنك في ظاهرة الخلق الموصول دائما بالحب؟ غريبة العربية المحكية التي تقول عن المولود ان هذا خُلق في اليوم الفلاني مع ان الله لم يخلق الا آدم وحواء.

ما من شك اننا تصورنا تصويرا لا غوص عليه ممكنا. بدءا لماذا جسد كل من الزوجين مهندس للآخر من حيث ان العلاقة تسير نحو الانجاب اي نحو الوحدة بين الجنسين واستمرارهما. هل ان كل هذه الهندسة التشريحية وضعت فينا ابتغاء التكاثر؟ ولماذا ملء الأرض بالأطفال والواضح ان الموت مسجل فينا منذ اللحظة الأولى من تكويننا. هل الحياة هي السر ام الموت؟ نحن في إعجاب امام الحياة وفي رهبة امام الموت لأنه هو الصدمة ومع ذلك تستمر الخليقة.

في عجائبية هذه المسيرة للأمومة مكانة مميزة منذ حصولها وحتى انتهائها بالموت في كل جوانب وجودها. يمكن اختصارها بأنها مدى باقٍ كالأرض في حين ان مساهمة الذكر تبدو مقتصرة على الزرع الذي يبدو دون مشاركة المرأة ديمومة حتى لو كان الوالد عظيم الشعور. وكأن الحياة هي في المرأة التي تحفظها مع ان الرجل ساهم في نشوئها.

بعد ثانية التكوين يبيت الجنين مع أمه كيانا واحدا او ما يبدو واحدا من جهة الهواء والغذاء ونمو الأعضاء حتى التأثر بالموسيقى التي تسمعها الوالدة الى ان يقطع حبل السرة وتبقى الرضاعة. ولكن بعد الفطام لا تستقل الوالدة.

هنا تحضرني قصة زيارتي لمريض في رعيتي منذ خمسين سنة ونيف يدعى ابراهيم. بعد وصولي بقليل تدخل علينا أمه وتناقش فيما اذا كان اخذ الدواء. قلت لها: يا ام ابراهيم هل نسيت ان ابراهيم عمره 64 سنة؟ فهمت عند ذاك، ان الرجل كان لا يزال في عينها وليدا يربى. هذا ينقح ما ظننته طويلا ان النساء يبكين عند الموت بسبب من قوة انفعالهن وفهمت بعد ذلك أنهن يقبلن بالطبيعة الموت لكونه عدوا للحياة التي ظهرت بهن. منذ أيام قليلة كنت أقيم جنازة فتى دون العشرين من العمر. كانت امه متلا شية حين كان أبوه يتابع الصلاة حاضرا متينا، واضح كان إيمانه لما حدثته قبل الدفن. اجل كان -حسب عباراته- عميق الرؤية الدينية ولكنه على مستوى الطبيعة كان متماسكا. السر في ذلك عندي كان ما أسميه استمرارية الأمومة.

#   #   #

اما الأبوة ولو كانت حليفة الأمومة في طبيعة الإحساس الا انها تنمو في العمق لسببين اولهما شعور الوالد بأنه أصل في تكوين ولده وثانيهما رقة يمكن ان تكون كبيرة لكونه يحمل الولد على ساعديه. الحنان الطبيعي اذا توفر يساعد ولكن رقة الوالد تعظم بالضم. هي اساسا عمل خارجي في حين ان احتضان الأم وضع بيولوجي يترك اثارا سيكولوجية كبيرة ومديدة في الزمن.

الوالد لا يعوض للأولاد كثيرا عن زوجه اذا ماتت اولا لأنه يعمل خارج البيت فلا يبقى له وقت يعطي فيه ما كانت الأم تعطيه لو عاشت. اما الأرملة فقد يمدها الله بشيء يشبه الرجولة فتحمل العائلة. ذلك ان كل كائن بشري فيه بعض رجولة وبعض أنوثة وظروف المعيشة تقوي هذا العنصر او ذاك. يشتد اللين او الصبر او المجاهدة حسب الوضع المعيشي الذي يكون فيه الفريق المترمل.

فمن المؤكد ان الأمومة والأبوة تلتقيان في العائلة بحيث تعظم كل واحدة في منحاها اذا ترسخت الأبوة في نحوها والأمومة في نحوها وكانت كل منهما رافدا للآخر. الطفل لا يبقى سليما اذا انقطعت العلاقة بين الرجل والمرأة فانفصلا وكان الولد يتأرجح في المسكن بين الواحد والآخر. اذاك، ليس عندنا رافدان ملتقيان. الكمال في ان يكون الأب حاملا امومة ما والأم حاملة رجولة ما بحيث يكونان جسدا واحدا اي كيانا موحدا.

#   #   #

في حسباني ان الأمومة تربية منذ حمل الجنين، تربية كتبها الله في جسد المرأة بالصبر، تحمل الأوجاع ثم العناية الفائقة بعد الوضع والقيام بالتربية سنين طوالا والرعاية ما دام الوليد حيا حتى أقصى كهولته فضائل يمنحها الله في مجانيته العظمى ويرفقها الرب بحنان تفاوت كثافته بين امرأة وامرأة حتى شاع ان الأم حنون فأكّد بولس ان المرأة تخلص بولادة الأولاد اذا هم ثبتوا على الايمان والعفاف والمحبة. الاولاد يأخذون ولا يأخذون منها. هي المعطاء واولادها لا يبادلونها المحبة بالمقدار الذي يستلمون ذلك ان الحب ينزل (الى البنين والبنات) ولا يصعد الا بمقدار. لذا كثيرا ما ترى الأهل في حالة اجحاف تصل احيانا الى الحزن الكبير.

الولد يخرج الى العالم ولا بد له ان يصدم ذويه ليؤكد استقلاله عن الرحم. ازاء التمرد على الوالد يحاول ابوه ان يثبت سلطانه. ويعزز هذا التنافس على الوالدة بين الولد الذكر وأبيه. لذلك كان الولد (نفسيا) قاتل أبيه: العاطفة مبذولة ويبقى صراع ما مع الأم او مع الأب. لذلك نزلت الوصية: «اكرم اباك وأمك». لو كانت هذه في سياق الطبيعة او لو هانت لما جاءت.

ما أنكرت ان هذا الإكرام ينساق انسياقا احيانا ولكن هذا يحتاج الى جهد حتى يأتي الأولاد لذويهم ردا على حب هؤلاء.

من هنا، ان الأمومة الصالحة واجب ولئن كانت الغريزة تسندها كما تسندها النعمة المسكوبة من السماء على المرأة المنجبة.

#   #   #

تصل الأمومة أحيانا الى حد القداسة ولا سيما اذا كان الولد يصحرها اي لا يستجيب لها بقدر محدود من العاطفة. واذا قابل عطاءها الأخذ تصير جنة. غير ان بعض الأمهات ينكرن انفسن ويبذلن حياتهن مجانا اتماما لمشيئة الله. يبذلن الزوجية مجانا في أحايين كثيرة. في هذه الحال، تصبح الأمومة اعجوبة او ترهبا.

إكليل هذا الكلام ما قاله يسوع عن مريم لما كان معلقا على الخشبة وكانت واقفة عندها مع التلميذ الذي كان يحبه والتواتر يقول عنه انه يوحنا الانجيلي ولكن المؤكّد في النص انه التلميذ الذي كان يسوع يحبه ويحق لنا ان نقوم بقراءة نقدية ونفهم انه نموذج لكل من احبه السيد. «فلما رأى يسوع ان التلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لأمه يا امرأة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ هوذا امك».

من هذا الكلام لنا ان نفهم ان كل انسان فيه مسيحية ما يصبح ابنا لمريم. هي حاملة الأمومة لكل بشر. ربما توقعا لأمومتها في الإنسانية النبوية وامتدادها في الإنسانية التي الله أحبها لنا ان نرى في الطاقة وعد حنان ورفق في كل أم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الحب الواحد / السبت أول تشرين الأول 2011

سوريا واحدة ونحن نريدها واحدة. تشرذمها خطر على المنطقة كلها وأولا على لبنان. لقد أنشأ الانتداب الفرنسي ثلاث دول فيها حتى استعادت وحدتها سريعًا لإحساس شعبها بوحدته.

هذه الوحدة يمكن توطيدها بالسلام الذي يفترض ان يبقى الدم في أوردة السوريين وشرايينهم «نجني من الدماء يا الله» (المزمور الـ50).

لا قوة للشرق العربي ولا أمل له بالصمود امام العدو بدون سوريا قوية، متلاحمة أطيافها، حرة من تاريخ تشنجاتها، غير وارثة سوى أمجادها. ان الحكم المدني حلمها فيما صار مؤخرًا حلم العرب. نرجو أن يبقى هذا الحلم في النفوس ورفضًا للتراث المتجمد وتمييزًا بين اللاهوت والناسوت او بين حكم الله لما نسمّيه خلاص النفوس وحكم البشر الذين لهم ان يستلهموا ربهم في إدارة شؤون الأرض. فالأولى لا تصير آخرة ولكنها تتوق اليها وتنتقل وفعلها في الحضن البشري.

في كل العروبة هذا هو الموضوع لأن العروبة تتضمن سوالا رئيسًا حول شرعية قيام الانسان في ناسوتيته وهذا ما يبرر التعددية وحمل عبء التعدد في وحدانية الوطن. التعددية ليست بعثرة والاصطفاف الواحد بلا ألوان سياسية مختلفة يقتل الأفراد اي يقتل الحرية. وعليك ان تختار بين الحرية المتفرقة الأفكار بالضرورة والحزب الواحد. لله وحده الحق بأن يعتقد انه كل الحقيقة.

أرجو ان يصل العرب الى الاعتقاد ان اختلافهم غنى لهم وان يعتقدوا بخاصة ان الله لم يفوض احدًا بإدارة الدنيا. هذا ما يعنيه الحكم المدني. انه تجمع الناس في بلد من البلدان يجعلون عقولهم معا وانا ما قلت ان عقولهم معزولة عن الله كل كتلة لها ان تظن انه يوحي لها ما يشاء ولكنها لا تستطيع ان تفرض على بقية الناس ما هي تحسبه أساس الحياة المجتمعية. لا يعني لي شيئا ان تقول دولة انها تدين بهذا الدين او ذاك. الدولة هيكلية قانونية اي انها ذات تركيب تجريدي. اما الوطن فأشخاص يتلاقون ويتفاعلون وبينهم وجداناتهم اي أعماقهم الإنسانية ومن هذه الأعماق تطلع مسيرة الدولة. أنت في الوطن أخي وأقيم معك الدولة في مواجهة أفكارنا وقناعاتنا وفي مقابلتها نصل معا الى حكم يوافقك ويوافقني ولا بد ان نختلف ولكن ميثاقنا ألا أبسط يدي لأقتلك ولا تبسط يدك لتقتلني. الدولة هي قبل كل شيء مكان السلام.

#   #   #

ليس أحد يعلم الى أين الربيع العربي صائر. لا بد ان فيه بذارا ديموقراطية ولكنه قد لا يخلو من أصولية. قد لا تكون هذه على الشدة نفسها في كل البلدان ولكن يجب ان نفهم ان ديكتاتورية جماعة قد تكون اسوأ من ديكتاتورية فرد. أمام هذه الضبابية التساؤلات حول الحرية تطرح نفسها بسبب من اختلاف الفلسفات السياسية.

غير ان هاجسي ليس التطور الممكن لكل ربيع عربي لأن العروبة السياسية ذات ألوان او نكهات مختلفة. ما يحدث في مصر لم يكن له مثيل على أيام ملوكها وقد كنت في شبابي متتبعًا لحكم الملك فؤاد والملك فاروق وأتت ببطرس غالي باشا القبطي رئيسًا للحكومة وثورة مصر على الانكليز قام بها مسلمون وأقباط على السواء اي ان قربى المسيحيين من الأجانب ما كان معروفًا. لماذا تغير الموقف بعد ثورة يونيو لست أعلم على التدقيق لأقول في الأمر شيئًا. الانبا شنوده بابا وبطريرك الاسكندرية كان يرفض رفضا قطعيا ان يحلم اي قبطي بذاتية قبطية على الصعيد السياسي. هل يكون احد أسباب التوتر ان الأقباط في الجامعات والمهن الحرة كالطب والصيدلة كانوا متفوقين بصورة منقطعة النظير. ربما التقدم العلمي لا يخدم احدا. الى هذا كلنا يذكر ان الانبا شنوده منع ابناءه ان يزوروا اسرائيل بعد إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين. واللاهوت القبطي ككل اللاهوت الأرثوذكسي متشدد تجاه اليهودية واليهود. وممنوع على أحد ان يجادل المسلمين فيما لو أصدر احدهم كتابًا او مقالا ضد المسيحية. وما من شك ان الأجهزة الأمنية المصرية على شيء من التراخي إزاء أحداث طائفية. المشكلة تحتاج الى حل جذري لأننا نريد جميعا ان تبقى مصر العزيزة بلدا عربيا مميزا. ما من واحد من جيلي حركته الثقافة العربية الا اذا جاء عقليا من مصر. ومن يعرف العظمة الروحية عند أقباط مصر وتقواهم وهدوءهم يحزن لاغترابهم.

#   #   #

ما يهمنا بنوع خاص هو المثلث سوريا-فلسطين-لبنان- حيث تتقارب الطبائع والتقاليد بين المسيحيين والمسلمين. لست أعرف لماذا لنا هذه الخصوصية في دنيا العرب. ولكن الواضح في ذاكرتنا الجماعية ان الحكم العربي منذ البدء راعى المسيحيين. فقط حكم المماليك كان قاسيا ربما ايضًا على أطياف غير مسيحية. بقيت عقلية القربى سائدة بيننا في العصر العثماني قبل كفاحنا والتتريك في اوائل القرن العشرين. بكل اطمئنان يمكنني القول ان السلاسة في علاقات الطوائف كانت حاكمة ولن تتغير طبائعنا بسهولة او سرعة. لذلك لست أرى سببا لمخاوف بعض المسيحيين. ما جرى في العراق الواقع في حرب طويلة لا يمكن اتخاذه نموذج خطر على المسيحيين فالكل هناك قتل الكل. ونحن تختلف ذهنيتنا عن الذهنية العراقية.

هل ينقص المسيحيين شجاعة ورجاء. لنا ان نمد أيدينا الى أيدي المسلمين كما كنا نفعل دائما. أفهم ان يقال ان ثمة حركات جديدة، متصلبة.

ولكننا على كل الصعوبات نحن نحيا بالمسيح القائل انه معنا حتى منتهى الدهر. الخوف اكبر قوة تقتلعنا من مكاننا. هو دائما قتال لمن يسميهم الناس أقليات لأن العدد عندهم هو كل شيء. الى هذا شعوري ان المسلمين المعتدلين الذين يحبوننا ويريدوننا أهم وأقوى من المتشددين. وكل منا يعرف بينهم الصديق المحب.

آن للمسلمين ان يفهموا ان التهمة القديمة القائلة بأننا كنا نتعاون مع الأجنبي لم تبق الآن صحيحة. ألستم تذكرون ان شارل ديغول الشديد في إيمانه الكاثوليكي هو القائل ما مفاده ان فرنسا تتعامل مع الطوائف اللبنانية على السواء؟ يبقى الأميركيون الذين يدركون ان الدولة ليس لها صاحب الى الأبد. وهم لم يظهروا يوما انهم أصدقاء المسيحيين. ماذا نستطيع نحن ان نعطيهم ولهم مداخلهم ومخارجهم مع بلدان عربية ليس فيها مسيحي واحد. ونفط المسلمين جذاب.

في السنة الـ 636 كان العرب يحاصرون دمشق. فهم واليها منصور بن سرجون جد القديس يوحنا الدمشقي انه يجب ان يفتح أبواب المدينة لئلا يدخل العرب عنوة وقد يتعرض المسيحيون الى خطر. ولكن لما احتل العرب دوائر الدولة وجدوا ان المسيحيين ماسكون بكل الدواوين. استبقى المسلمون المسيحيين في الدوائر لكونهم اصحاب المعرفة. معنى ذلك ان المسيحيين فهموا ان العرب دخلوا بلاد الشام ليظلوا فيها حكاما وفهم المسيحيون انه لا بد من التعاون.

الشيء الآخر الذي لا بد من قوله ان اهل السنة هم 85% من مسلمي العالم وان كل فكرة حلف الأقليات باطلة وغير نافعة. هذا لا يعني اننا نترك صداقتنا مع الشيعة. انهم اولا رافضون كل صدام مع السنة ولهم جميعا ومتحدين قيل: «كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالعروف وتنهون عن المنكر». نحن مغتبطون جدا لنهضة الشيعة كما نحب شعراءهم القدامى والمعاصرين. وفي الإلهيات نحب انفتاحهم وقد ظهر عظيم من عظمائهم الامام موسى الصدر انه يحبنا في صدق كامل ورددنا محبتهم في صدقنا. غير انه لا بد ان نفهم اننا عايشنا السنة في المدن معايشة صدق ايضا فيها كبر عندهم واظن اننا كنا على كياسة تجاههم ومحبة ربطت افرادا وعائلات الى هذا اليوم. نحن لسنا فئويين في معاشرتنا المسلمين وهم امة واحدة. قلبنا مفتوح لهم جميعا اذ ليس في قلوبنا ان كنا للمسيح سوى المحبة.

غير اننا، مسيحيين ومسلمين، في حاجة الى التوبة والتطهر الدائم لنعانق الآخر. ووحدتنا الوطنية عناق حتى لا يمسها الرياء.

هذا وطن العطاء القائم على الرجاء وديمومة التنقية. المسلمون فيهم «جرح عيسى» اي جرح الحب كما سمّاه ابن عربي ولا يريدون ان يشفوا منه لأن له الولاية. ونحن معهم في هذا الحب. هكذا يُبنى الوطن.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

السيد اردوغان هل يقرأ؟ / السبت 24 أيلول 2011

في الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على وزراء الخارجية العرب في القاهرة أقف عند جملتين منه اولاها ان «تركيا والعرب يشتركون في العقيدة والثقافة والقيم». العقيدة، بلا منازع، هي الاسلام. هنا كلام يتضمن ان دولته لا يرى وجود اثني عشر مليون مسيحي عربي على الأقل وهؤلاء لا ينتظرون من اجنبي تحديد هويتهم القومية. في ما يختص بالثقافة اللغة التي كان لها أثر كبير في الأناضول هي اللغة الفارسية. بعد محمد الفاتح صارت القسطنطينية قطب جذب للشعراء العرب والفرس حتى تأصل التركي البسيط. ولكن بعامة لم يبقَ من تأثير عربي غير مختلط بالأثر الفارسي حول القرن الخامس عشر والسادس عشر.

بظهور التنظيمات في القرن التاسع عشر اتجهت تركيا ادبيا نحو الغرب. ثم مع حرب الاستقلال وإعلان الجمهورية التركية السنة الـ 1923 تصلّب الشعور التركي حتى جاء ناظم حكمت الثوري (1902-1963) ثم اتسع الأفق بدءًا بالسنة 1939 بالترجمات والاتجاه نحو الفكر المجتمعي والسياسي. ما هو حي الآن في الأدب لا علاقة له بالعروبة. اما القيم التي يشير اليها السيد اردوغان على انها مشتركة بيننا وبينهم فمنها القديم والحديث فما من شك ان القديم غير ضاغط علينا واننا تواقون الى الحداثة وذائقون اوربا بعمق في حين ان الأتراك متعلقون بالعتيق بشدة واوربا عندهم أمل بالانصهار السياسي بها استكمالا للحلف الأطلسي الذي يجمعهما ويجعل تركيا قوية في دنيا العرب على رجاء عثمانية ما العرب فيها حليف صغير لا شريك كبير.

اما الأكثر مخافة مما سبق فقول السيد اردوغان: «كان في التاريخ التركي شاب قام بإنهاء حضارة سوداء وتدشين حضارة جديدة عريقة عندما فتح اسطنبول وهو محمد الفاتح». انا لا اناقش عراقة الحضارة التركية وعظمتها. ولكن ابدأ بسؤال للسيد اردوغان لا ينبغي ان يصدمه وهو هل قرأ الحضارة البيزنطية التي يسميها سوداء. الأتراك عسكر اقوياء استطاعوا مع موآمرة الأساطيل الغربية التي كانت تربض هناك ان يغلبوا اعظم فكر حضاري السنة الـ1453. ولكن كيف يريد السيد اردوغان ان يقنعنا ان الحضارة المتكاملة العناصر والخلاقة والسامية روحيا حتى السماء كانت سوداء. كيف لا يرى ان نهضة اوربا ما اخذت تظهر الا بهجرة العقول البيزنطية الى الغرب الذي اقتبس منهم العقل الاغريقي وانشأ الفكر الحديث؟

#   #

#

الحضارة البيزنطية اهم ما فيها الثقافة. عرفت الخط مكتوبا باليونانية واللاتينية في اعمال المؤرخين القدامى ورسائل في الزراعة والفن العسكري، في الطب والطب البيطري، في تأويل الأحلام، كل هذا الف مكتبة كبيرة. اليها كانت مكتبة البطريركية المسكونية التي كانت تحوي أعمال المجامع وكتب الاباء. الى هذا مكتبات خاصة. هنا وهناك كتب طقوسية. ندرة الكتب نابعة من كونها غالية.الوصول الى الكتاب يسهل في العائلات الغنية. المدرسة الابتدائية يشرف عليها الأسقف، يتعلّم الولد فيها القراءة والكتابة والحساب. الكتاب الرئيس هو المزامير. في المدرسة علم الجمّل حيث لكل حرف قيمته في الرقم كما في العالم العربي. الترتيل متقن في المدارس.

كل الأولاد كانوا يتبعون المدارس الوسطى. تعلم الناس كل ما في الحضارة القديمة: هوميروس، الهندسة، البلاغة، الرياضيات. كانت الفلسفة تتضمن اللاهوت والرياضيات، الموسيقى، علم الفلك، الطبيعيات. في القرن الثالث عشر ظهر في الترجمة اعمال لاتينية وفارسية وعربية. أخذ القوم عن اللاتينية مفردات الحياة الإدارية وعن العربية تلك المتعلقة بالنسيج. كانت الكنيسة متعلقة باللغة القديمة. عرفت القسطنطينية غير مؤسسة جامعية، ثم كان للبطريركية تعليم جامعي.

#   #

#

المعرفة العالية كان لا بد ان تتضمن تفسير الكتاب المقدس وبعد تحديد العقيدة ظهرت المفردات اللاهوتية. لقد اثر النسك والتصوف في التعليم وتركزت العقيدة على كتب يوحنا الدمشقي. الصوفيون الكبار كانوا سمعان اللاهوتي الحديث وغريغوريوس بالاماس ونيقولاوس كبازيلاس. هنا تظهر سير القديسين. الكتب الطقوسية وضعت بين القرن الرابع والقرن الخامس عشر وعليها يعيش الارثوذكسيون حتى اليوم. جزء اساسي من الثقافة البيزنطية ان تعرف استعمال كتب العبادات لا سيما حسب الأعياد والمواسم.

ثم تأتي الأعمال الأدبية الموضوعة بلغة العلماء. وتعالج التاريخ والجغرافية والفن العسكري والبلاغة والقصة، والفلسفة والألسنية وقواعد اللغة.

التاريخ يبدأ من بدء الخليقة وينتهي عند زمن الكاتب. الى هذا الفلسفة اليونانية التي أظهرت اباء الكنيسة. وقد استعار الفكر المسيحي مصطلحات الفلسفة لينتقل ورأى انه يكمل الفكر القديم بالوحي. غير انها بقيت مستقرة في جوهرها. استعملت أساليب مختلفة في بناء اللاهوت غير ان عدد الفلاسفة الأصيلين كان قليلا ولكن كثر العالمون بالآداب اليونانية الكلاسيكية والنقاد وعلماء اللغة وبرز شعراء مسرحيات.

لعل اجمل ما كتب الشعر الديني. كل ما يسمى في الصلوات القنداق والقانون شعر. الى هذا عرفت بيزنطية الشعر الشعبي والقصة بالفصحى وبالعامية. كذلك عرف علماء رياضيات وفيزياء وبصريات.

عرف البيزنطيون علم الحيوان من الناحية التطبيقية وعلم النبات التطبيقي اي استعمال النبات في الطب والصيدلة. اخذوا الخيمياء عن سترابون وطبقوها في المعادن والصبغة والأدوية والزجاج.

على الصعيد الطبي في التنظيم الصحي. أسست مستشفيات وصار للأطباء تعليم نظامي وعززت مواردهم. اشتهروا في علم العين: بولس من ايجينا كان دارس الجراحة والتوليد وأثر في الطب العربي. ميخائيل بسيلوس وضع قاموسا في الأمراض. خصصوا كتبا في طب الأسنان والتمعوا في البيطرة وفي طعام الحيوان. الصيدلة كانت عندهم جزءًا من تعليم الطب وأخذوا في الصيدلة شيئا من العرب والفرس.

#   #

#

عظمت الخطابة وسيلة للدعوة السياسية او الدينية. ومن الخطابة الوعظ الذي اشتهر فيه يوحنا الذهبي الفم في القرن الرابع ومطلع الخامس في أنطاكية والقسطنطينية ولدينا مواعظه في اللغة اليونانية مترجمة الى معظم اللغات الأوربية وبعضها الى العربية.

ظهرت الأيقونة الخشبية او الجدارية في الامبراطورية ولا سيما لتعليم الأميين. منذ القرن الرابع بدأ الرسم كما الفسيفساء. اقدم الفسيفساء (العذراء، القديس جاورجيوس) في سالونيك. القليل حفظ في ايا صوفيا وبقيت ايقونات كشف عنها من عهد أتاتورك. القليل في قبرص والأكثر في رافينا (ايطاليا). وبسبب غلاء الفسيفساء استعيض عنها بالرسم الجداري الذي عرف كثيرا في ما هو الآن المشرق العربي وهو في حالة التجدد اليوم في كل انحاء سوريا ولبنان. كذلك زينت المخطوطات بالتصاوير ولا سيما كتب الأناجيل. وارتبطت الصور بصناعة الصياغة والتطريز.

انتبهت الكنيسة الى ضرورة الأيقونة في المجمع المسكوني السابع وحددت تكريمها تحديدا عقديا في السنة الـ787 ملأت الكنائس والبيوت في الدنيا الارثوذكسية وكان بادئ التنظير لها القديس يوحنا الدمشقي الذي عاش راهبا في فلسطين وتبنت الكنيسة رأيه في الأيقونة وهو القائل ان التجسد الإلهي يفرضها. ان روحانية الايقونة في كل بيت ارثوذكسي في العالم الى جانب استلهامها في الكنائس كان من العوامل التي حفظت الايمان.

كل البيزنطيين، كما يؤكد المؤرخون، كانوا مؤمنين. اذا وجدوا راهبا في الطريق يطلبون بركته. في هذا الجو لك ان تفهم اهتمامهم بالمرضى والفقراء.

لقد ظلم بعض الأباطرة ولكن بعضهم تركوا الملك ودخلوا الديورات رهبانا. كان هذا المجتمع على خطاياه يريد ان يدشن في الأرض ملكوت الله في لاستقامة الرأي وطهارة السيرة. علامتها البكاء على الخطايا واللطف والتسامح والسلام والتعاطف والزهد بالمال والتقشف. هذه كلها مجتمعة بكلمة واحدة هي محبة الرب.

الأمر كله ان يهتدي الانسان من الامور الخارجية الى الامور الداخلية. بكلام آخر كل المؤمنين في وسط هذه الحضارة كان نهجهم صوفيا، بحيث تقيم في سر الله ولا تعلم حواسك شيئا مما تأخذ من إلهك وتصلي دعاء الرب يسوع في داخل قلبك مرددا اسمه مئات المرات في اليوم او ألوفا حتى تنطفئ الكلمات ويصبح قلبك كلمة.

من عرف العبادات البيزنطية التي تكونت اصلا من بلادنا يرى فيها غنى لا يتجاوزه غنى آخر. كل صلاة من الصباح الى الغروب الى نصف الليل تحمل هذه القناعة التي نعبر عنها يوم الفصح بقولنا: «المسيح قام من بين الأموات» انت في القداس ترجو الله بعد ان يأتيك جسد الرب ودمه ان يجعلك في «كمال ملكوت السموات»، متحررا من المحاكمة في اليوم الأخير ومن الدينونة. كل هذه الصلوات الكثيفة، العميقة، البلورية وجسدك ساجد او منتصب ونفسك بلورية نابعة من الكتاب الإلهي او هي نظم له لتصبح شعرا إلهيا مع الجماعة.

اذا قرأ السيد اردوغان كل هذا هل يقدر ان يقول ان كل هذا البهاء الذي وصفناه ما قدر لنا هو حضارة سوداء؟ انت لست معذورا ان قرأتنا وفهمتنا خطأ. انت لست معذورًا ان رأيت النور ظلاما. أجدادك اقتحموا المدينة التي كانت تعرف انها وحدها آنذاك مقر الحضارة في العالم. انصف ما كان قبلك جميلا واقرأ لأنك مسؤول.

Continue reading