Category

2013

2013, جريدة النهار, مقالات

الرجل والمرأة في الله / السبت في 16 آذار 2013

لماذا تصوم؟ لأنك فقير الى الله وفي المصطلح المسيحي لأنك جائع اليه طعاما حسب قول ابنه: «أنا هو خبز الحياة. من جاء اليّ لا يجوع» (يوحنا 6: 34). هل كلام القرآن: «أنزل علينا مائدة من السماء تكون عيدا لاولنا ولآخرنا» (المائدة 114). رأى ماسينيون المستشرق ان هذين القولين مترادفان. هذا التعييد الدائم حوّله النساك الأوائل الى صيام دائم فيه شبه الانقطاع عن الأكل لحسبانهم انهم يغتذون من الذكر. لم يعرفوا التفريق القائم في اللاهوت الغربي بين الطبيعي وفائق الطبيعة. يذهلك اذا قرأتهم ان تفهم انهم لم يقبلوا المألوف وانهم لم ينظروا الى مدى إمساكهم وقونه على انهما من الخوارق.

دائما يذهلني لما أقرأهم انهم لم ينظروا الى الطبيعة البشريّة وقدرتها مع انهم اوصوا بعدم الغلو. ولكن اذا نظرنا نحن المعاصرين الى ما تمموه نراه غير قابل للتصديق. بالمقاييس العلمية كان يجب ان يموتوا ولم يموتوا. بمعاييرنا اخترقوا كل قواعد العلم حتى لنتساءل لماذا قاموا بكل هذا؟ هل كان كل هذا التقشف ضروريا؟

اذا كنت تعرف ان كل ديانات هذا الشرق نشأت بعبادة الجنس (أفروديت، عشتار، عشتروت) تفهم ابتعاد آبائنا عن هذه العبادة وتفهم تشديد الأوائل على العفة ومراقبتهم الشديدة لوظائف الجسد. لماذا كانوا مثلا يقولون انك ان لم تقمع الشراهة لا قدرة لك على بلوغ اية فضيلة؟ ألم يقل فرويد هذا في تحليله النفسي بلا رجعة منه الى اي دين؟ قال آباؤنا قبل علماء اليوم ان كلّ اللّذات متماسكة. عرفوا بخبرتهم الروحية ما كشفه العلم المعاصر. بهذه الخبرة قالوا ما قالوه عن ترابط اللذات وعندما كافحوا لذة الطعام او حاربوا غلوها كانوا يكافحون كل اغراء جسدي لارتباط الكل بالكل.

يؤذيني جهل المسيحية عند الذين يتهمونها بأنها ضد الجسد وهي ضد استفحاله او تفلته من كل قيد. أليس الجسد برز بالدرجة الأولى في الفن المسيحي؟ أليست العناية الطبيّة بالجسد كانت فائقة في البلدان المسيحية الراقية. اما الاستغراء في الجسد فليس حكرا على البلدان المسيحية. أليس كتاب الأعاني كتابا يستغرق قارئه في الجسديات وهو ليس لمؤلفين مسيحيين؟ أليس قول الدعاة ان الشرق روحاني والغرب جنسي قولا اقله انه قليل الصدق او غير دقيق.

عند هذا لا بد ان نقول اننا لم نستورد عبادة الجنس من الغرب. ألست تستغرب ان الغزل طاغ على الشعر العربي منذ القرن السادس الميلادي وان ليس له أثر في الألفية الميلادية الأولى في آداب الشعوب المسيحية.

واذا عدنا الى العبادة ففي الوثنية الشرقية (فينيقية وبلاد ما بين النهرين) وفي ممارسات الحب في هذا الشرق عينه كزواج الأخ بأخته في مصر القديمة لم تعف شعوبنا أكثر من غيرها. في الواقع الأدبي الذين أبدعوا الغزل هم الشعراء العبران ومن بعدهم ظهر الغزل العربي «والشعراء يتبعهم الغاوون» (الشعراء 224).

التغني بالجسد بدأ في هذا الشرق لما كانت اوربا في أدبها عفيفة. الكتابة المتهتكة عربية قبل الف سنة من اليوم ولم تشرف عليها سلطة او رقابة في حين ان المسرح كانت الكنيسة الكاثوليكية تكافحه في الغرب.

#   #   #

من الخرافات الواردة على لسان النقاد المعاصرين ان الكنيسة كانت دائما ضد الجسد. الحق ان الكنيسة ضد الزنى وليست ضد الحب الانساني الكامل قائما بين الرجل والمرأة. لست اعرف تعظيما للزواج كذلك الذي أعرفه في حفلة الزواج في الكنيسة المسيحية. صلاة الإكليل عندنا شعر. لك ان تفهم الزواج عقدًا ولكن هذا هو الحد الأدنى من الترابط بين الرجل والمرأة. بعد هذا تسمع في حفلة الإكليل انه صورة عما نسميه الرباط السري (اي القائم في سر الله) وهذا السر منعكس في لقاء العروسين.

ليس في المسيحية عقد بحت. كل شيء فيها سر إلهي اي عهد بين الله والانسان والعقد الله مبدؤه او عاقده. ليس في المسيحية نطاق ديني إلهي محض ونطاق مدني بحيث يكون كل شيء إلهيا وانسانيا معا. كل هذا بنيناه على صورة الإله المتجسد واذا قلنا ان الانسان جاء من الله نقصد انه جاء على صورة ما سيكون المسيح عليه اي إلهًا متجسدا.

نحن لسنا على صورة المسيح في تأنسه الإله وحسب ولا علـى صورته البشرية وحسب لأن هذه مثل صورتنا. نحن على صورة الإله المتجسد اي مؤهلون لاكتساب النعمة الإلهية الأزلية. على مثال المسيح نحن من الله جئنا واليه نعود وولكنه هو اتخذ جسدا ونحن كنا في جسد. وكما عاد هو الى ابيه بجسد قيامته نعود نحن اليه بالموت اولا بالقيامة الاخيرة ثانية. وموتنا بدء تذوق لقيامتنا.

#   #   #

الرجل والمرأة واحد ولكن في الله. ليس اني انكر وحدة وحدة الجنس فيهما. غير ان هذا لا يتجلى في عمقه و مداه الا اذا كان في الله. ليس من فاصل عندنا بين الصعيد الطبيعي والصعيد الفائق الطبيعة. الرب رابط هذه الطبيعة بما يتعداها، بما يرفعها الى ان تصبح لغة الله وأداة الله.

يتكلّم علماء النفس عن التكامل بين الجنسين. الحقيقة انه ان لم يكن تكاملا في الله قد يصبح خصومة او عداوة حتى الانفكاك. يتكلم العلماء عن توتر بين جنسين. المهم ان نعرف ان التجاذب بين الجنسين يهدده عداوة بين الجنسين يبدو كثيرا في الحياة الزوجية.

التجاذب الطبيعي لا تسنده قواه وحدها اذ هناك بين الجنسين رغبة التسلط فالانشداد الطبيعي قرينه التباعد الطبيعي الذي يصل الي التنافر حتى القتل. الرجل ليس ضمانة للمرأة ولا هي ضامنة له في طبيعتها. كل شيء هنا تربية في الأقل وروحانية في الأكثر. الإنسان ليس بآلة. انه يكونها ان لم يحركه الروح. يبدأ الانسان جسدًا اي كيانًا طبيعيا ويجعل الله فيه بعد ذلك دعوة.

الانسان ثمرة الله بالدعوة او ليس بشيء. يصعد من هذا التراب. وترابه يتوهج بضياء إلهي اذا أشرف الله عليه وقبل هو هذا الإشراف.

#   #   #

الانسان اسم يطلق في الدعوة على الرجل والمرأة اذا اجتمعا. وقد عرّف سفر التكوين الانسان على انه الرجل والمرأة معا. نية الكاتب في هذا السفر ان يبين ان الرجل والمرأة اذا كانا معا هما الانسان الكامل. ولكن الخطر الاعتقاد انهما يصيران ذلك بمجرد اجتماعهما. انهما يجتمعان للحب او للحقد. ليس من حب منبثقا من مجرد الطبيعة. الحب يأتي من القلب وهو ليس بذاته فقط. ينشئه الحب الإلهي. اذ ذاك يصبح القلب سليما لسكنى الله فيه.

هذا ليؤكد للمرة الأخيرة ان الرجل والمرأة اذا ظنا انهما يصيران معا بحسب الطبيعة يكون هذا رؤية ناقصة. الله يجعل الذكر انسانا بحبه للمرأة والمرأة انسانا بحبها الرجل. الله يبقى خالقا بعد الخلق اي مجددا له. نحن في حضن الله دائما او نموت من قلة الدفء.

الدفء في الله وحده. قبل بلوغنا الله حقا كل شيء صورة. ما من شيء الا بتحقيقها في هذا العالم منذ الآن ان رأينا انفسنا قائمين في حضن الله.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أبواب الصوم / السبت 9 آذار 2013

ماذا نطلب فيما نقرع أبواب الصوم؟ نمسك لكي يطعمنا الرب رحمته الغنية أي اننا نتوسل إليه رحمة تغذينا. كل جهدنا فيما نسلك الطريق إلى الفصح ان نقتنع اننا قادرون ان نتغذى من الطعام السماوي وان الرب يهيء جوعنا إليه. ينبغي ان نشتهي الطعام السماوي فيلبي الله شهوتنا إليه. لا نشبع الا اذا تقنا إلى الرب نفسه غذاء. هل الحرمان الإرادي من طعام الدنيا إلى اشتهاء «الخبز النازل من السماء» وهو كل غذاء إلهي؟ والله يغذينا بكل كلمة تخرج من فمه وكلامه هو إياه.

دون ذلك أطعمة تدخل إلى الفم ولا تأتينا بالخلاص «لأن الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك». أظن ان أهم ما في الصوم قناعتنا بأن كل ما يدخل إلى الفم يفنى مع الجسد.

تباينت مؤخرا أنظمة الصوم عند المسيحيين. تفاوتوا في كمية الطعام وفي أنواعه ولكنهم اتفقوا على ان أمرا أساسيا في حياة الانسان ان يسود شهواته فلا يأتي منها. المسيحية تنقذك ان أطعتها من الشهوة الضارة وتقيمك في الاعتدال البنّاء. ليس الصوم عندنا نظام حِمية ولكنه سيادة الانسان على جسده واندفاعه إلى الخبز السماوي أي إلى كلمة الله فيحيا منها ويبقى ملازما ربه في كل عمل صالح.

المهم ان يتعلم الانسان من صومه ان الطعام يزول مع الجسد. «ليس ملكوت الله طعاما وشرابا». كل حياتنا ضرورية لنتعلّم فيها ان ملكوت الله برّ وقداسة. ماذا تتعلم من الإمساك عن الطعام؟ هذا هو الأمر الاهم في فترة الصيام. ماذا تتعلم لخلاصك؟ كل شيء في المسيحية ارتقاء إلى الله أو ليس بشيء. كيف نتدرج من «نظام حمية» إلى ان نحمي أنفسنا من الخطيئة ونشاهد وجه الله واذا لم ندرك هذا الوجه نكون تهنا في الباطل.

يذهلني هؤلاء المسيحيون الذين يتساءلون عن أهمية الصوم وهم لم يختبروه وقال لهم الاطباء تؤذون أنفسكم ان اكلتم لحما كل يوم أو معظم أيام الاسبوع. يطيعون الطبيب لو نصحهم الا يكثروا من استهلاك اللحوم حرصا على صحتهم ولا يكترثون لإمساك ينفعهم جسديا وروحيا. ثم هم يقيمون فارقا بين دعوة يسوع إلى الصيام الواضحة في ترتيب الكنيسة لهذا العمل الروحي العظيم.

#   #

#

الابتعاد عن الصوم بذريعة ان الرب يسوع لم ينظمه ولكنه دعا إليه بالمبدأ هو استخفاف بكل وجود الكنيسة القائمة بأمر المسيح وبأنها تتولى شؤون الخلاص على الأرض.

ادعاء البعض ان الصوم غير ملزم لأن الرب يسوع لم يحدد له نظاما أو أياما ادعاء مرفوض لأن المخلص يترك لنا المبدأ لنبني عليه وهو لم ينظم الكنيسة بكل تفاصيل إدارتها بل ترك هذا للتلاميذ وخلفاء التلاميذ أي للزمان اللاحق لتأسيس الكنيسة ولموته وقيامته والعنصرة. الكنيسة حية وتدبر الأزمنة في حكمتها بما ينفع المؤمنين وليست هي قانونا جامدا أو ذات شكل متحجر. يسوع اعطانا كلمته الحية ولم يضع أنظمة وما يسمى قانونا كنسيا ليس كالقانون الوضعي قابلا للتطور الدائم فهناك في الكنيسة ما يتغير وهناك ما لا يتغير. ما كان في الكنيسة إلهيا حقيقة هو ثابت. ما كان ذا طابع تاريخي محض قابل للتطور.

ليس من حياة بلا شكل. كيف تغير الشكل اذا اقتضى الامر ولا تضرب الحياة التي يحملها؟ ان دقة الاشكال الكنسية يجعلها وارثة للإله ووارثة للتاريخ بآن. فلا تضرب ألوهية المؤسسة اذا تجاوزت شيئا من تاريخها. التاريخ ايضا يحمل الله. الأبدي يطل على الزمني فلا تعدل الزمني إلى درجة طغيانه على الأبدي. من هذا المنظار لا تقدر ان تعدل نظام الصيام بحيث تلعب بالأبدي الذي يتضمنه. هذه هي حكمة الكنيسة ان توفق بين الثابت والمتحرك فلا يطغى الواحدعلى الآخر. فإذا رأت الكنيسة مثلا ان في الصوم عنصرا ثابتا اذا زال تزول به المؤسسة كلها لا تقدر ان تذهب بالتطوير إلى اللانهاية.

امر تطوير المؤسسات دقيق جدا. لقد درس العلماء الأرثوذكسيون امر التطوير في نظام الصوم واعرضوا عنه. أنا كنت حاضرا هذه الجلسات في جنيف إعدادا للمجمع الكبير الذي كان مكلفا درس تعديلات في الأنظمة الأرثوذكسية. رفضنا آنذاك المس بنظام الصوم. الشعور الذي كان سائدا عند المجتمعين من أساقفة وعلمانيين ان الصوم في شكله الارثوذكسي الحاضر كان أمرا استطابه المجتمعون.

لا شيء يمنع ان يتغير الوضع الآن وللكنيسة المستقلة الحق في تعديل الأنظمة العامة. وقد قمنا بهذا أثناء الحرب في لبنان ولكن المؤمنين بقوا محافظين على نظام الصيام كما هو متبع في كنيستنا.

أي مقاربة لوضع الصيام وانظمته لا تكون سليمة ما لم تقترن بنهضة روحية قائمة على الكتاب الإلهي والتراث. الحديث عن تطوير الصيام ينبغي ان يقوم على فهم للصيام عميق فلا يأتي نظاما طعاميا بديلا عن النظام القائم بل مقرون بنهضة روحية شاملة.

الصيام شهوة للفصح، للنور المنسكب علينا بقوة. كل اقتراب من هذا النور العظيم يقتضي إمساكا عن الزلات واندفاعا إلى الضياء الإلهي الذي اذا تسربلناه نكون قد غلبنا العالم. الصوم جهد يدلنا على انسكابنا غير المشروط في هذا الضياء الذي يزيل كل عتمة عن ثنايا النفس ويدعوها إلى ان تكون مشروع نور كبير.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الوحدة الداخلية / السبت في 2 آذار 2013

ان تستوحد، لغة واصطلاحا معا، هي ان تلتمس وحدتك بالله. هو الذي يهبك وحدتك به. فان انعزلت عنه لا تظن انك قد وصلت الى وحدتك. خارجا عن ربك انت مبعثر او مشتت او في كثرة داخلية اي توزع باطني. وانت لا تصير الى كل هذا الا لكونك خشيت اللصوق به، ذلك اللصوق الذي يجعلك متحدا به عن طريق المحبة.

المحبة تفترض اثنينية ذاتك وذات اخرى. الاثنينية طريقك الى الوحدة التي هي تجاوز العدد. وحدانية الحب تجعل الاثنين واحدا في اللامنظور وغير المحكي. المحبة هي المقولة الواحدة التي تتجاوز انت بها العدّ حتى يصح قول الحكمة: «نحن روحان حللنا بدنا». في الوظيفة امسى الروحان روحا واحدة… ولكنهما تتوقان الوحدة. ليس المهم تعدد الكيانين بعد ان توحدا في الحب. المهم الحركة الوظيفية وان ترى ويرى الناس انكما امسيتما فكرا واحدا بمعنى التحرك الروحي الواحد.

من هذا القبيل يواجهنا السؤال: ما هو التوحيد في الله. شغلني السؤال كثيرا حتى اهتديت الى هذا ان وحدة الله في ذاته وانه يفيض كيانه علينا بسبب من حبه لذاته وللكائنات التي أبدعها. لا يسوغ ان ننسب اليه ان محبته مبدعة ان كانت هذه فقط صفة فيه. يجب ان تكون ذاته هي المحبة ليبدع. المعنى المتحدي هو هذا: ان الرب لا يتصف بالحب. انه هو الحب لأن الحب عند الخالق كيانه وعند المخلوق فيض هذا الكيان.

هذا لنقول ان الحب داخلي ويأتي من النفس وتتكون هي به. ليس هو تراكم ناس جمعتهم المصلحة. هؤلاء يتشتتون او يتخاصمون في العصبة التي تبدو جامعة لهم. التلاقي في مدى واحد لا علاقة له بالمحبة. هي تلاقي قلوب قد يكون اصحابها بعيدين بعضهم عن بعض. والتلاقي الكبير كثيرا ما يصل الى الوحدة والى التوحيد حتى الانصهار. وهذا يسكبه الله على قلوب تتقارب واذا تقاربت كثيرا يصبح هو وحدتها.

#   #

#

استهللت هذا المقال بعنوان «الوحدة الداخلية». المتراكمون بعضهم على بعض اي المتلاقون في مكان واحد ليسوا متحدين بالضرورة. الوحدة تنبثق من القلوب اذا تقاربت واذا عظم التقارب يصير وحدة. هذه نعمة من الله يهبها من يشاء ولا يقوى شيء عليها.

فاذا انسكب الرب برضاه على ناس يلهبهم حبا ويصيرون نفسا واحدة على تعدد اجسادهم. الوحدة ليست حزبا اية كانت طبيعته او مضمون قوله فالتفسخ كان دائما يكمن في وحدة الحزب او الثورة. اذا تاقت الكثرة الى الواحد تصبح روحا واحدة ويزول العدد وقوة العدد. البشر ليسوا واحدا بسبب من تجمعهم لأن كل انصهار من هذا النوع مؤقت اذ لا عمق فيه وما من دائم الا الحب والحب لا يصدر من تراكم الناس وتلاقيهم ولكن من روح علوية جاءتهم وجعلتهم واحدا.

فالتنظيم اي تنظيم لا يؤلف وحدة وجود او وحدة تعاون. هو قسري بطبيعته لأنه املاء. وما من تنظيم في التاريخ المعاصر لم ينفرط. ان آية جماعة لم تتحد حتى تصير كنيسة او شبه كنيسة يجذبها الخصام. الطوابير السياسية او العسكرية لا فعل لها الا اذا سيرتها أوامر. هذه هي الطاعة الكذوب في الانسياق الى الخوف.

هذه الدنيا لا تقوم لها قيامة الا بالعنف اي بالبغض وتستمر الشعوب بالحروب انتصرت او انغلبت اذ في بدء الانسانية كان القتل وبقي الحاكم الرئيس للعالم. الخطيئة فاعلة في كل مكان حتى يظهر من يدعو القلة الى التوبة. والمجتمعات تتمزق باستمرار. لذلك قال داود النبي: «نجني من الدماء يا الله، إله خلاصي». متى يعي الانسان ان لا حياة له الا اذا جلس حول مائدة الرب. النخبة الروحية القليلة هي الخالصة والنعمة التي تحمل تخلص البشر اذا احبوها.

واذا صفا هؤلاء بالاسترحام والتوبة يبدأ الكون الجديد الذي تنحته النعمة وحدها ويحييه اللطف الإلهي النازل علينا من الروح.

#   #

#

النعمة تدعونا بإلحاح الى ذاتها واذا عانقتنا فنحن الى روح جديدة في كل انسان والى عالم جديد يكونه الأبرار. اما الاشرار فيبيدون انفسهم ويدمرون العالم.

العالم الجديد ينشئه الله بحبه لخلائقه. هو لا يريد ان يبقى وحده. فالله يمد نفسه الى خلائقه لينشئ بهم كونا جديدا. وما لم نهتد الى هذا الكون نبقى عتاقا حتى نهترئ. واذا تجملنا كثيرا يصبح كل منا انسان الله اي حبيبه. غير ان هذا يفترض ان نجدد انفسنا من الداخل. الانسان داخله. ومن داخله تستمد بهاءك وأهل الداخل يصيرون امة الله ويعمرون الكون الجديد. ليست الاشياء الظاهرة مهمة عند هؤلاء. هم ساعون الى عمقهم الذي الله ساكنه.

المسعى ان نصير جميعا متكونين من داخل نفوسنا اذا الله سكنها. هذا معنى قولنا اننا امة الله التي تكونت حجارتها كلها من الرب الذي يبني عالم القلوب.

ما من عمارة روحية لهذا العالم بمواد العالم. وخارج الكون الداخلي ليس من شيء. ولكن ليس من عالم داخلي فيك الا هذا الذي ربك بانيه. وتبنيه مع الذين يحبون الله. هؤلاء يعملون مع ربك ليبنوك. فأنت تبنيك يدا الله وهما نعمته. والله لم ينته خلقه في اليوم السادس. ما كان هذا الا اشارة لاستمرار الخلق. وهذا لا يعني مجموعة الناس والخلق وحسب. ان هذا يعني خلق ربك لقلبك. والقلوب اذا تحابت تصبح الكون الجديد.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت أنت بالفرح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / السبت 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت انت بالفرح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم أحد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

وإذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / السبت 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم احد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

واذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزواج المدني / 9 شباط 2013

تدل هذه العبارة على قيام ارتباط يقوم به المجتمع المدني أي يفترض قيام مجتمع كيان مدني هو في حقيقته الأمة، كذلك يفترض ان الأمة ذات كيان عضوي مجتمعيا ذي حراك قانوني ينتج هيكليات ينتمي اليها المواطنون ومنها العائلة. فالعائلة قائمة ليس فقط شعوريا ولكن نظاميا في ظل ما يشبه هيكلية بحيث وجب القول ان المجتمع كيان له تعبير قانوني.

وليس من تجمع ذي طابع قانوني الا اذا كان تجمعا قائما بذاته أي كاملا. الجماعة الكاملة هي الجماعة المدنية غير المتجزئة قانونيا. هذا يعني ان المجتمع قائم بذاته غير مؤلف من أجزاء كالطوائف الدينية. هذه لها كياناتها وليست مجموعتها تؤلف مجتمعا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. وأنت تنتمي، مواطنا، إلى هذه المجموعة مباشرة ولا تنتمي اليها باعتبار طائفتك الدينية مرصوفة إلى طوائف اخرى. أنت لا تعبُر طائفتك لتكسب عضويتك المجتمعية.

يعالج موضوع الانتماء بالمنظور المسيحي بحيث يقال ان الجماعات الدينية لا تؤلف المجتمع المدني. طبعا هنا انطلق من الرؤية المسيحية لأنك في الرؤية الاسلامية تقول شيئا آخر. في المسيحية ليست الكنيسة جزءا من المجتمع المدني. هي متصلة بالحياة الأبدية أي ليست متصلة بالجماعة الدنيوية. نقول في المصطلح الإسلامي هناك دنيا وآخرة وليس بينهما تلازم.

أنا مضطر بحكم قناعتي المسيحية ان أعالج المجتمع المدني من جهة والمجتمع الكنسي من جهة. هناك مستويان لا بد من التمييز بينهما لنفهم الإشكالية التي تواجهنا.

هناك مجتمع مدني لا ينظر فيه إلى الهوية الدينية. هذه طبعا قولة مسيحية. عندي ان هذه الرؤية هي الوحيدة التي تمكنك من ثنائية طيبة ومنتجة هي ثنائية المدني والأخروي وان كان الأخروي مقيما في المدني إذ ليس من انتماء لا يتصل بالانتماء الآخر فأنت من هذه الدنيا ومن الآخرة بآن وتتحرك بهما ولو تمايزا.

«أنتم في العالم ولستم من العالم» (يوحنا 17: 11-16). هذا كلام للمعلم الناصري وهو كشف لنا منه اننا قائمون في هذه الدنيا ومتاعبها وفرحها واننا في هذه الإقامة نحن مدعوون إلى الملكوت. نحن بكل قوانا وفهمنا وجهدنا نعمل في هذا العالم وبمنطقه ومنتظرون الدهر الآتي كما تقول كتبنا المقدسة. لا ننكر الوضع الدنيوي الذي نحن فيه ولكننا لا نغرق فيه لنعمل في هذا العالم وللدهر الآتي بآن. لنا في هذا العالم منطق الدهر الآتي وذوق جمالاته والحنين اليها وكفاح في العالم بلا استغراق فيه. ولهذا العالم قوانينه ومسالك لنا فيه نرجو ان نستبق فيها الدهر الآتي منذ الآن في حياة الروح.

المجتمع المدني القائم في هذا الدهر يتوق إلى الدهر الآتي ولكن له منظومات هذا الدهر. واذا تكلمنا عن هذا فنعرف ان من منطقه إقامة مؤسسات فيه منها الزواج. فالزواج وان تاق إلى الآخرة الا ان له قواعد مأخوذة من هذا العيش الذي نحن فيه. عند المسيحيين والمسلمين معا له قدسية ويشرف الله عليه وان اختلفت الأحكام باختلاف الديانتين. فعند نشوء المسيحية التي كانت تؤثر تكوين العائلة بين مؤمن ومؤمنة كان المسيحيون قلّة وكان لا مفر من اختلاط المسيحيين والوثنيات في حياة زوجية وما كان للزواج شكل إكليل الا بعد القرن السابع. وما كانت الكنيسة تطلب من الفريق الوثني ان يعمَّد لإجراء إكليله. هنا لا يعني ان المسيحيين الأوائل لم يعتبروا قدسية الزواج من فريق غير مسيحي. ومن المعروف ان الزواج في مطلع المسيحية على قدسيته عند الفريق المؤمن لم يكن فيه اشتراط ان الفريقين كانا بالضرورة على المسيحية.

ومن الواضح كثيرا من رسائل القديس إغناطيوس المتوفى السنة 117 ان الزواج كان يتم أحيانا مع فريق وثني وان ما يسمى الإكليل لم يظهر في البدايات وإن كان التراضي اساسيا في حضرة الأسقف بلا احتفال.

ولكن كان لا بد ثمة من شكليات رومانية أي ان الكنيسة لم يكن عندها حفلة زواج كنسي ولو كان ثمة ضرورة لموافقة الأسقف. الإنسان يتزوج أمام الإدارة الرومانية أو القضاء الروماني. وكان هذا كافيا – مع مباركة الأسقف – إلى اعتبار هذا القران مقدسا ولكن ما نسميه الإكليل كان تقديسا الهيا للزواج بلا احتفال.

فعبارة زواج ديني وعبارة زواج مدني كانتا غائبتين على لسان المسيحيين. فإن أنت أحببت فتاة وثنية أو مسيحية وتزوجتها عند السلطة الرومانية مع زيارة للأسقف لطلب رضاه يكون هذا زواجا مسيحيا.

هل كان هذا زواجا مسيحيا أم زواجا مدنيا؟ السؤال ليس له معنى. فأنت تعقد زواجا عند السلطة المدنية وتذهب إلى الكنيسة لتناول جسد الرب وتفهم جماعة المسيحية انك تزوجت بالرب.

فالشكل الكنسي المسمى إكليلا لم يكن له وجود قبل القرن السادس أو السابع ولكن الاقتران المسيحي ببركة الأسقف بلا احتفال في البدء وباحتفال لاحق كان هو التعبير عن التراضي والمحبة الزوجية وهذا هو السر. في المسيحية الأولى كان الزواج بحد نفسه يحمل القدسية ويعبر الأسقف عن كمونها في الاتحاد. والزواج يبدأ بالعهد ويستمر بالأمانة. ان تسميه مدنيا اذ كان في البدء بلا شكل أو صورة أو تسميه كنسيا لأنه قائم على أبدية الحب لا فرق. كل عهد زوجي يخص المدينة ونظامها لأنه من هذا الدهر ويخص الكنيسة التي هي جسد المسيح. المهم العهد وقبول الله للعهد.

نحن لسنا ضد الشكل المدني الحاصل في الدولة ولكن من عرف نفسه عضوا في الكنيسة نصلي معه في زواجه ونتقبله في حبه الزوجي ونجعل من زوجيته قربانا ويسمو بنا ونسمو به إلى الزواج الروحاني القائم بين المسيح وكنيسته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزواج المدني / السبت 9 شباط 2013

تدل هذه العبارة على قيام ارتباط يقوم به المجتمع المدني أي يفترض قيام مجتمع كيان مدني هو في حقيقته الأمة، كذلك يفترض ان الأمة ذات كيان عضوي مجتمعيا ذي حراك قانوني ينتج هيكليات ينتمي اليها المواطنون ومنها العائلة. فالعائلة قائمة ليس فقط شعوريا ولكن نظاميا في ظل ما يشبه هيكلية بحيث وجب القول ان المجتمع كيان له تعبير قانوني.

وليس من تجمع ذي طابع قانوني الا اذا كان تجمعا قائما بذاته أي كاملا. الجماعة الكاملة هي الجماعة المدنية غير المتجزئة قانونيا. هذا يعني ان المجتمع قائم بذاته غير مؤلف من أجزاء كالطوائف الدينية. هذه لها كياناتها وليست مجموعتها تؤلف مجتمعا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. وأنت تنتمي، مواطنا، إلى هذه المجموعة مباشرة ولا تنتمي اليها باعتبار طائفتك الدينية مرصوفة إلى طوائف اخرى. أنت لا تعبُر طائفتك لتكسب عضويتك المجتمعية.

يعالج موضوع الانتماء بالمنظور المسيحي بحيث يقال ان الجماعات الدينية لا تؤلف المجتمع المدني. طبعا هنا انطلق من الرؤية المسيحية لأنك في الرؤية الاسلامية تقول شيئا آخر. في المسيحية ليست الكنيسة جزءا من المجتمع المدني. هي متصلة بالحياة الأبدية أي ليست متصلة بالجماعة الدنيوية. نقول في المصطلح الإسلامي هناك دنيا وآخرة وليس بينهما تلازم.

أنا مضطر بحكم قناعتي المسيحية ان أعالج المجتمع المدني من جهة والمجتمع الكنسي من جهة. هناك مستويان لا بد من التمييز بينهما لنفهم الإشكالية التي تواجهنا.

هناك مجتمع مدني لا ينظر فيه إلى الهوية الدينية. هذه طبعا قولة مسيحية. عندي ان هذه الرؤية هي الوحيدة التي تمكنك من ثنائية طيبة ومنتجة هي ثنائية المدني والأخروي وان كان الأخروي مقيما في المدني اذ ليس من انتماء لا يتصل بالانتماء الآخر فأنت من هذه الدنيا ومن الآخرة بآن وتتحرك بهما ولو تمايزا.

«أنتم في العالم ولستم من العالم» (يوحنا 17: 11-16). هذا كلام للمعلم الناصري وهو كشف لنا منه اننا قائمون في هذه الدنيا ومتاعبها وفرحها واننا في هذه الإقامة نحن مدعوون إلى الملكوت. نحن بكل قوانا وفهمنا وجهدنا نعمل في هذا العالم وبمنطقه ومنتظرون الدهر الآتي كما تقول كتبنا المقدسة. لا ننكر الوضع الدنيوي الذي نحن فيه ولكننا لا نغرق فيه لنعمل في هذا العالم وللدهر الآتي بآن. لنا في هذا العالم منطق الدهر الآتي وذوق جمالاته والحنين اليها وكفاح في العالم بلا استغراق فيه. ولهذا العالم قوانينه ومسالك لنا فيه نرجو ان نستبق فيها الدهر الآتي منذ الآن في حياة الروح.

المجتمع المدني القائم في هذا الدهر يتوق إلى الدهر الآتي ولكن له منظومات هذا الدهر. واذا تكلمنا عن هذا فنعرف ان من منطقه إقامة مؤسسات فيه منها الزواج. فالزواج وان تاق إلى الآخرة الا ان له قواعد مأخوذة من هذا العيش الذي نحن فيه. عند المسيحيين والمسلمين معا له قدسية ويشرف الله عليه وان اختلفت الأحكام باختلاف الديانتين. فعند نشوء المسيحية التي كانت تؤثر تكوين العائلة بين مؤمن ومؤمنة كان المسيحيون قلّة وكان لا مفر من اختلاط المسيحيين والوثنيات في حياة زوجية وما كان للزواج شكل إكليل الا بعد القرن السابع. وما كانت الكنيسة تطلب من الفريق الوثني ان يعمَّد لإجراء إكليله. هنا لا يعني ان المسيحيين الأوائل لم يعتبروا قدسية الزواج من فريق غير مسيحي. ومن المعروف ان الزواج في مطلع المسيحية على قدسيته عند الفريق المؤمن لم يكن فيه اشتراط ان الفريقين كانا بالضرورة على المسيحية.

ومن الواضح كثيرا من رسائل القديس إغناطيوس المتوفى السنة 117 ان الزواج كان يتم أحيانا مع فريق وثني وان ما يسمى الإكليل لم يظهر في البدايات وإن كان التراضي اساسيا في حضرة الأسقف بلا احتفال.

ولكن كان لا بد ثمة من شكليات رومانية أي ان الكنيسة لم يكن عندها حفلة زواج كنسي ولو كان ثمة ضرورة لموافقة الأسقف. الإنسان يتزوج أمام الإدارة الرومانية أو القضاء الروماني. وكان هذا كافيا – مع مباركة الأسقف – إلى اعتبار هذا القران مقدسا ولكن ما نسميه الإكليل كان تقديسا الهيا للزواج بلا احتفال.

فعبارة زواج ديني وعبارة زواج مدني كانتا غائبتين على لسان المسيحيين. فإن أنت أحببت فتاة وثنية أو مسيحية وتزوجتها عند السلطة الرومانية مع زيارة للأسقف لطلب رضاه يكون هذا زواجا مسيحيا.

هل كان هذا زواجا مسيحيا أم زواجا مدنيا؟ السؤال ليس له معنى. فأنت تعقد زواجا عند السلطة المدنية وتذهب إلى الكنيسة لتناول جسد الرب وتفهم جماعة المسيحية انك تزوجت بالرب.

فالشكل الكنسي المسمى إكليلا لم يكن له وجود قبل القرن السادس أو السابع ولكن الاقتران المسيحي ببركة الأسقف بلا احتفال في البدء وباحتفال لاحق كان هو التعبير عن التراضي والمحبة الزوجية وهذا هو السر. في المسيحية الأولى كان الزواج بحد نفسه يحمل القدسية ويعبر الأسقف عن كمونها في الاتحاد. والزواج يبدأ بالعهد ويستمر بالأمانة. ان تسميه مدنيا اذ كان في البدء بلا شكل أو صورة أو تسميه كنسيا لأنه قائم على أبدية الحب لا فرق. كل عهد زوجي يخص المدينة ونظامها لأنه من هذا الدهر ويخص الكنيسة التي هي جسد المسيح. المهم العهد وقبول الله للعهد.

نحن لسنا ضد الشكل المدني الحاصل في الدولة ولكن من عرف نفسه عضوا في الكنيسة نصلي معه في زواجه ونتقبله في حبه الزوجي ونجعل من زوجيته قربانا ويسمو بنا ونسمو به إلى الزواج الروحاني القائم بين المسيح وكنيسته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

محبو الأعياد / السبت 2 شباط 2013

انطوت الأعياد في ما مضى من أيام وعدنا إلى الزمن الرتيب. والعيد في تعارف الشعوب والأديان يضرب الرَتب (بفتح الراء) والغاية منه ان يخرجك تخيلا من كرّ الزمان ليقيمك في الأبدية القائمة في الذكرى من حيث ان الذكرى ليست مجرد تخيل للماضي ولكنها استحضار له أي تسميره على الآن بحيث تردم الهوة بين الآن وما سبقه من آونة. وكأنك تتضجر مما يبدو لك في الزمان تفاهة او جمودا وتدخل في الأوان وهو الموعد والموعد فيه وعد البركات وانكشاف البهاء الإلهي وكأن الموعد يكسر تكرار الآونة ليقيمك في سر الأبدي وخيار المقدس.

العيد اذًا ينقذك من الضجر، من جهنم عدم التجديد ليرفعك إلى الأعلى، الى حركة الجمال في «ملّة ابراهيم» التي جعلت نفسها في جمال الله النازل عليها. ملّة الكتاب الإلهي ارتبطت بتذكار أحداث ابتدأت بأبي التوحيد ابراهيم وشكّلت تاريخا مقدسا يؤطره التاريخ العام ولكنه تاريخ رسمه الله في زمان الناس ولكنه ليس من الناس.

رأى المؤمنون أنفسهم مرتبطين بحوادث جاء الله بها وعنت للناس خلاصا لهم اي نوعا من إلقائهم في فدسية الأبدية وهي أحداث فعلها الله بتوظيفه أنبياء  كما تسميهم ديانات التوحيد او بتوظيفه قديسين وهم مختارو الله بقدسية سيرتهم ويعلمنا الله بهم أو يكتب أفعاله فيهم لنقرأه هو اذ ظننا اننا نقزأهم.

وأحس المؤمنون ان أحداث المسيح أو أحداث الأنبياء أو ما جرى للقديسين على كثافة روحية تنقل الينا الخلاص أو تذكرنا به وكأننا نتلفها ان لم نذكرها. ما جرى عظّم فينا حياتنا الروحية ونسعى إلى ان تبقى لنا هذه العظمة حركة في النفس كل سنة بحيث تمتلئ كل أيامها بالذكرى اي خارجة من وهنها ومشدودة إلى قوة الله المتجلّية في قديسيه. نريد ان نلتقط ما نحسبه دائما، الا نقبله متفلتا مع الزمان الذي هو في دوام العبور كما يعلّمنا هيراقليط. كيف نعلو روحيا ان قبلنا نسيان الأحداث الروحية العظيمة التي قام بها المخلّص أو آباؤه في الجسد منذ ابراهيم الخليل أو المتفرعون من قداسته بعد قيامته من بين الأموات؟

#     #

#

السؤال الذي يهم المؤمن هو هل يجمع الزمان إلى الزمان أم تجمع الأبدية القائمة في التاريخ إلى نفسها. طبعا كل شيء إلهي في سيرة السيد يلقى على كل تنهيدة إلهية في نفس الأبرار بعد صعوده إلى السماء لأن الروح القدس الذي بثّه على الصليب وبعد القيامة هو الذي ينشئ القديسين.

في الكنيسة نقلد بعضنا بعضا فنتشابه لكوننا استمددنا النعمة الواحدة وهكذا نؤلف سلك القداسة الواحد مهما تعددت الوجوه فنقترب من القديسين بتقليدهم ولو اختلفت تعابير القداسة بين هذا وذاك أو ظهر النسك وما وراء التعابير قداسة واحدة.

هكذا تختلف أعياد الشهداء في دلالتها عن أعياد من نسميهم الأبرار أي النساك وتختلف قداسة الراهب بتعبيرها عن قداسة المتزوج ولو كان مضمون النقاوة واحدا من هذا وذاك. ولكوننا نلتمس القداسة عند كل فئات الأبرار نستغني بكل تعابيرها لكي يضيء الله بها كل نفس.

هذا الغنى الروحي يبدو مختلفا في صورته لا مضمونه بين القديسين الرهبان والقديسين المتزوجين، بين القديسين من الملوك والقديسين من الفقراء. هذا الاختلاف في الغنى الروحي أو تعابيره يدفعنا إلى الاغتذاء من كل فئات القديسين ومن كل أحداث الخلاص في سيرة السيد. ولهذا ننتقي كل ما ورد في الإنجيل وحياة الأبرار لنجعل لأنفسنا ينابيع مختلفة للقداسة. إلى هذا اختلاف الأبرار في السيرة وكشفهم للقدوة الخاصة بكل واحد حتى يكتمل غنانا الروحي ويتكثف.

#     #

#

لكون القداسة تختلف مظاهرها وتاليا غناها بين الأبرار نحتاج إلى كل الأبرار لنقلدهم ونسمو بهم.

لذلك يزداد غنى الكنيسة كلّما اكتشفت قديسا جديدا له نوعية تعابيره أو جدته في التعبير عن القداسة. من هنا، اننا لا نستطيع ان نهمل دراسة قديس جديد وتطويبه حتى لا نبقى فقراء في الكلام عن القداسة. في حياة كل قديس تفاصيل سلوك وتفاصيل كلام احياناترفعنا ويجب الكلام فيها حتى تزداد ثروتنا الروحية.

إلى هذا نحتاج إلى الاطلاع على ما بدا عند هذا أو ذاك من الصالحين حتى لا نفتقر. ونحتاج إلى توزيع المعرفة على كل أيام السنة. لذا عندنا كل يوم عيد أو بضعة أعياد مجتمعة ليكشف فينا الأبرار عند ذكراهم ولا ينقص يوم من أيام السنة غنى في المضمون الروحي.

العيد أبدية نراها في الآن، في كل موعد لنا مع الزمن لكوننا نتوق إلى أبدية حاضرة، مكثفة. لذلك نقيم العيد ونبتهج. يحزننا الحزن الذي تجرّه الأيام. ولهذا نتوق إلى قطعة من السماء على الأرض نسميها العيد. الصابرون يفتشون عنه في كل الأوقات. لهذا كان دائما يدهشني أي لما كان يقص علينا قصص الذين تزوجوا في الحرب العالمية الأولى. كنت أتصور انه من العسير جدا ان يتزوج المرء في وضع زمني سياسي صعب.

في الأزمات يتوق المؤمن ان تنزل عليه نعمة تهبه الفهم والتصرف الحسن فيكون أحيانا سلوكه عيدا.

كيف نستنزل الأبدية إلى الزمن الذي نعيشه؟ كيف نجعل الأرض سماءً والمؤمنين كلهم رعية سماوية بالرغم من خطايانا؟ كيف تصبح الحياة كلها عيدا أي مكانا لله على هذه الأرض؟

Continue reading