Category

2013

2013, جريدة النهار, مقالات

محبو الأعياد / 2 شباط 2013

انطوت الأعياد في ما مضى من أيام وعدنا إلى الزمن الرتيب. والعيد في تعارف الشعوب والأديان يضرب الرَتب (بفتح الراء) والغاية منه ان يخرجك تخيلا من كرّ الزمان ليقيمك في الأبدية القائمة في الذكرى من حيث ان الذكرى ليست مجرد تخيل للماضي ولكنها استحضار له أي تسميره على الآن بحيث تردم الهوة بين الآن وما سبقه من آونة. وكأنك تتضجر مما يبدو لك في الزمان تفاهة او جمودا وتدخل في الأوان وهو الموعد والموعد فيه وعد البركات وانكشاف البهاء الإلهي وكأن الموعد يكسر تكرار الآونة ليقيمك في سر الأبدي وخيار المقدس.

العيد اذًا ينقذك من الضجر، من جهنم عدم التجديد ليرفعك إلى الأعلى، الى حركة الجمال في «ملّة إبراهيم» التي جعلت نفسها في جمال الله النازل عليها. ملّة الكتاب الإلهي ارتبطت بتذكار أحداث ابتدأت بأبي التوحيد إبراهيم وشكّلت تاريخا مقدسا يؤطره التاريخ العام ولكنه تاريخ رسمه الله في زمان الناس ولكنه ليس من الناس.

رأى المؤمنون أنفسهم مرتبطين بحوادث جاء الله بها وعنت للناس خلاصا لهم اي نوعا من إلقائهم في فدسية الأبدية وهي أحداث فعلها الله بتوظيفه أنبياء  كما تسميهم ديانات التوحيد او بتوظيفه قديسين وهم مختارو الله بقدسية سيرتهم ويعلمنا الله بهم أو يكتب أفعاله فيهم لنقرأه هو اذ ظننا اننا نقزأهم.

وأحس المؤمنون ان أحداث المسيح أو أحداث الأنبياء أو ما جرى للقديسين على كثافة روحية تنقل الينا الخلاص أو تذكرنا به وكأننا نتلفها ان لم نذكرها. ما جرى عظّم فينا حياتنا الروحية ونسعى إلى ان تبقى لنا هذه العظمة حركة في النفس كل سنة بحيث تمتلئ كل أيامها بالذكرى اي خارجة من وهنها ومشدودة إلى قوة الله المتجلّية في قديسيه. نريد ان نلتقط ما نحسبه دائما، الا نقبله متفلتا مع الزمان الذي هو في دوام العبور كما يعلّمنا هيراقليط. كيف نعلو روحيا ان قبلنا نسيان الأحداث الروحية العظيمة التي قام بها المخلّص أو آباؤه في الجسد منذ ابراهيم الخليل أو المتفرعون من قداسته بعد قيامته من بين الأموات؟

#     #

#

السؤال الذي يهم المؤمن هو هل يجمع الزمان إلى الزمان أم تجمع الأبدية القائمة في التاريخ إلى نفسها. طبعًا كل شيء إلهي في سيرة السيد يلقى على كل تنهيدة إلهية في نفس الأبرار بعد صعوده إلى السماء لأن الروح القدس الذي بثّه على الصليب وبعد القيامة هو الذي ينشئ القديسين.

في الكنيسة نقلد بعضنا بعضا فنتشابه لكوننا استمددنا النعمة الواحدة وهكذا نؤلف سلك القداسة الواحد مهما تعددت الوجوه فنقترب من القديسين بتقليدهم ولو اختلفت تعابير القداسة بين هذا وذاك أو ظهر النسك وما وراء التعابير قداسة واحدة.

هكذا تختلف أعياد الشهداء في دلالتها عن أعياد من نسميهم الأبرار أي النساك وتختلف قداسة الراهب بتعبيرها عن قداسة المتزوج ولو كان مضمون النقاوة واحدا من هذا وذاك. ولكوننا نلتمس القداسة عند كل فئات الأبرار نستغني بكل تعابيرها لكي يضيء الله بها كل نفس.

هذا الغنى الروحي يبدو مختلفا في صورته لا مضمونه بين القديسين الرهبان والقديسين المتزوجين، بين القديسين من الملوك والقديسين من الفقراء. هذا الاختلاف في الغنى الروحي أو تعابيره يدفعنا إلى الاغتذاء من كل فئات القديسين ومن كل أحداث الخلاص في سيرة السيد. ولهذا ننتقي كل ما ورد في الإنجيل وحياة الأبرار لنجعل لأنفسنا ينابيع مختلفة للقداسة. إلى هذا اختلاف الأبرار في السيرة وكشفهم للقدوة الخاصة بكل واحد حتى يكتمل غنانا الروحي ويتكثف.

#     #

#

لكون القداسة تختلف مظاهرها وتاليا غناها بين الأبرار نحتاج إلى كل الأبرار لنقلدهم ونسمو بهم.

لذلك يزداد غنى الكنيسة كلّما اكتشفت قديسا جديدا له نوعية تعابيره أو جدته في التعبير عن القداسة. من هنا، اننا لا نستطيع ان نهمل دراسة قديس جديد وتطويبه حتى لا نبقى فقراء في الكلام عن القداسة. في حياة كل قديس تفاصيل سلوك وتفاصيل كلام احياناترفعنا ويجب الكلام فيها حتى تزداد ثروتنا الروحية.

إلى هذا نحتاج إلى الاطلاع على ما بدا عند هذا أو ذاك من الصالحين حتى لا نفتقر. ونحتاج إلى توزيع المعرفة على كل أيام السنة. لذا عندنا كل يوم عيد أو بضعة أعياد مجتمعة ليكشف فينا الأبرار عند ذكراهم ولا ينقص يوم من أيام السنة غنى في المضمون الروحي.

العيد أبدية نراها في الآن، في كل موعد لنا مع الزمن لكوننا نتوق إلى أبدية حاضرة، مكثفة. لذلك نقيم العيد ونبتهج. يحزننا الحزن الذي تجرّه الأيام. ولهذا نتوق إلى قطعة من السماء على الأرض نسميها العيد. الصابرون يفتشون عنه في كل الأوقات. لهذا كان دائما يدهشني أي لما كان يقص علينا قصص الذين تزوجوا في الحرب العالمية الأولى. كنت أتصور انه من العسير جدا ان يتزوج المرء في وضع زمني سياسي صعب.

في الأزمات يتوق المؤمن ان تنزل عليه نعمة تهبه الفهم والتصرف الحسن فيكون أحيانا سلوكه عيدا.

كيف نستنزل الأبدية إلى الزمن الذي نعيشه؟ كيف نجعل الأرض سماءً والمؤمنين كلهم رعية سماوية بالرغم من خطايانا؟ كيف تصبح الحياة كلها عيدا أي مكانا لله على هذه الأرض؟

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكس في الميزان / السبت 26 كانون الثاني 2013

هنا حملة على الأرثوذكسيين لأن فريقا منهم تقدم بمشروع سياسي يتعلّق بنظام التشريع الانتخابي. هنا لا بد من التوضيح ان الأرثوذكسيين الذين يعرفون أنفسهم كنيسة فقط يرفضون ان تكون لهم صفة أخرى اذ لا يعترفون هم أنفسهم انهم مجموعة سياسية موحّدة ينبثق عنها رأي حزبي، لأنهم لو أجمعوا على موقف سياسي لألفوا طائفة في التركيبة اللبنانية وهم يرفضون هذا من حيث المبدأ. اما اذا وصفتهم الدولة في دستورها مجموعة سياسية فهذا قول فيهم وليس رأيا لهم. لذلك ليس في شؤون الدنيا موقف يلزمهم أو تدعوهم الكنيسة اليه. وكنيستهم لا تتحدث بشأن سياسي وسبق لها ان اتخذت مواقف وطنيّة بمنطق وطني.

عند الأرثوذكسيين ما يسمى المجمع المقدس أي مجموعة الأساقفة القائمين في سوريا ولبنان والعراق وقد اتخذ في السنوات الأخيرة التي عشناها مواقف تتعلّق بالمنطقة العربية ولا سيما فلسطين المحتلة رافضا لاسرائيل ومنها مواقف تتصل بسوريا أو بلبنان وليست فيها اية اشارة إلى الأرثوذكسيين وحدهم. لم يقف واحد منهم أو اثنان أو ثلاثة ليقولوا هذا موقف طائفتنا لأن احد ليس موكلا هذا التعريف ولأن وحدة «الروم» في الحيّز السياسي نرفضها رفضا كاملا لكوننا نسعى إلى وحدة الشعب اللبناني والروم يعيشون معا فقط  في صلاتهم وخدمتهم للناس. اما اذا اجتمع بعض منهم بسبب من تقارب فكري فيما بينهم لخدمة الوطن فمن له عليهم؟ أليس كل الناس يعملون هكذا؟ فلماذا كل هذه الحملة كأن بقية اللبنانيين يعفون عن الدفاع عن أنفسهم ومصالحهم واستمرار مناصبهم وامتيازاتهم في الدولة، كأنهم ملائكة وصلوا إلى رؤية مدنية للوطن أو علمانية. يتهم الأرثوذكسيون بالانكماش الطائفي وكأن الآخرين عفّوا عن الطائفية. «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجرة». لا أعرف طائفة لا تسعى إلى المحافظة على ما كسبت في هذا العيش المسمى مشتركا.

الا ترون معي مطلبا طائفيا وراء مواقف مسكوبة كلاميا باللغة الوطنية وهي عتيقة في طائفيتها. وهنا لا أعتقد ان احدا يستطيع ان يعطي الآخرين درسا في العفة. ولست أرى طائفة تجردت عما كسبته لتذبح تاريخها الطائفي على مذبح الأمة. واذا أحسستم اليوم وهنا ان بعض الأرثوذكسيين تطيف قليلا أو كثيرا فلأن هذه اللوثة مبثوثة في البلاد.

إلى هذا فالأقلية الدينية لا تستطيع ان تحسم أي سجال وطني لأن الأكثريات وحدها فاعلة. أفهم ان تكون احدى الأكثريات راقية، وطنية، مستعدة الا تسيطر ولكن الواضح ان الأقليات تعطي مبادئ ومواقف روحية ولا تغير شيئا في راهن السياسة.

ليس متتبع لشؤون هذا الوطن قادرا ان يقتنع ان طائفة واحدة سبقت غيرها في ضرورة إقامة وطن على أسس غير طائفية. أنا لا أصدق من راشق الآخرين باعتبارهم طائفيين لأنه وهو وجماعته دخلوا فردوس العلمانية.

كان الناس يكتبون ضد الطائفية ثم أضافوا من وقت قريب كلمة المذهبية بسبب ما اعتبر خلافا بين أهل السنة والجماعة من جهة والشيعة من جهة أخرى إلى ان بعثوا الكلمة ليرشقوا بها الأرثوذكسيين وكأن بقية المسيحيين منزهون عن حب هذه الدنيا وأمجادها. التعصب الفاعل في كيان الوطن يتطلّب عددا كبيرا لأصحابه. كيف يمكن للأرثوذكسيين وهم لا يتجاوزون ثلاثمئة وخمسين ألف نسمة في أمة من أربعة ملايين ان يهددوا سلامة الأمة ووحدتها؟

في هذه الأيام تعثر في كثير من الأدبيات على ذكر الأرثوذكسيين مدحا بهم أو ذما ويراهم أصدقاؤهم أو خصومهم جماعة مسيسة على منحى واحد وهذا غير صحيح. هم ليسوا خير أمة أُخرجت للناس لأن منهم من يأمر بالمعروف ومنهم من يرتكب المنكر ولكنهم جماعة متمايزة لا تحلم بحكم البلد ولو وجدت فيه وترغب في الخير لكل الناس لشعورها بأنها في خدمتهم ولا تبعدها العقيدة عن خدمتهم بما أعطيت من مواهب.

قد لا تستهين بها لقلتها وقد يغريك فيها ما ورثته من تاريخ غني ومن عبادات بهية فهيمة هي معراجك إلى ربك ان شئت. ولكون هذا الجمال والحق هما من ربها تفتخر بهما ولا تفخر بنفسها لأنها مسؤولة عما نزل عليها وتهمل ما وصل اليها لتعبد نفسها وتتيه.

يحق للإنسان عنده كل جمال العبادة البيزنطية ان يحس انه مخطوف إلى فوق حيث يحق له فقط ان يلمس انه لم يصل إلى العرش ولكن يحق له ان يبصره من بعيد.

هذا لا يدقق في ما يبصره الآخرون فما من شك عندي ان البشر جميعا ورثوا الكثير من النور أخلصوا له أم لم يخلصوا ونحن اليهم بالرجاء الذي فينا. ليس احد يخلص الا من رأى هذه الرؤية واقتبس منها ما يستطيع.

الأرثوذكسيون اذا انحصروا في أجسادهم ودنياهم ليسوا بشيء اما اذا اعتبروا انهم في تراثهم ومن تراثهم قادرون ان يصيروا ملوكا يكونون صاروا هكذا من الله. من مارس عباداتهم يفهم ما قاله إرميا: «روح أفواهنا مسيح الرب». الأرثوذكسي يصبح شيئا اذا لم يميز بين فمه وفم الله أي اذا تحقق بالتقوى انه قادر ان يطلق من فمه كلام الإنجيل بعد ان انصهر فيه.

هو عارف انه «هكذا يعبر مجد العالم». هو يهزأ بالذين يسعون إلى تقاسم مجد العالم. هؤلاء باقون في العالم ولا يتقدسون. اما الذين ورثوا الملكوت فإنهم يسلكون الدهر الآتي استعدادا لاختطافهم إلى الزمن الذي يأتي فيه المسيح ثانية ليدين الأحياء والأموات.

اذًا لا مشكلة للأرثوذكسيين مع أحد وتاليا ليسوا هم المشكلة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكس في الميزان / 26 كانون الثاني 2013

هنا حملة على الأرثوذكسيين لأن فريقًا منهم تقدم بمشروع سياسي يتعلّق بنظام التشريع الانتخابي. هنا لا بد من التوضيح ان الأرثوذكسيين الذين يعرفون أنفسهم كنيسة فقط يرفضون ان تكون لهم صفة أخرى اذ لا يعترفون هم أنفسهم انهم مجموعة سياسية موحّدة ينبثق عنها رأي حزبي، لأنهم لو أجمعوا على موقف سياسي لألفوا طائفة في التركيبة اللبنانية وهم يرفضون هذا من حيث المبدأ. اما اذا وصفتهم الدولة في دستورها مجموعة سياسية فهذا قول فيهم وليس رأيا لهم. لذلك ليس في شؤون الدنيا موقف يلزمهم أو تدعوهم الكنيسة اليه. وكنيستهم لا تتحدث بشأن سياسي وسبق لها ان اتخذت مواقف وطنيّة بمنطق وطني.

عند الأرثوذكسيين ما يسمى المجمع المقدس أي مجموعة الأساقفة القائمين في سوريا ولبنان والعراق وقد اتخذ في السنوات الأخيرة التي عشناها مواقف تتعلّق بالمنطقة العربية ولا سيما فلسطين المحتلة رافضا لاسرائيل ومنها مواقف تتصل بسوريا أو بلبنان وليست فيها اية اشارة إلى الأرثوذكسيين وحدهم. لم يقف واحد منهم أو اثنان أو ثلاثة ليقولوا هذا موقف طائفتنا لأن احد ليس موكلا هذا التعريف ولأن وحدة «الروم» في الحيّز السياسي نرفضها رفضا كاملا لكوننا نسعى إلى وحدة الشعب اللبناني والروم يعيشون معا فقط  في صلاتهم وخدمتهم للناس. اما اذا اجتمع بعض منهم بسبب من تقارب فكري فيما بينهم لخدمة الوطن فمن له عليهم؟ أليس كل الناس يعملون هكذا؟ فلماذا كل هذه الحملة كأن بقية اللبنانيين يعفون عن الدفاع عن أنفسهم ومصالحهم واستمرار مناصبهم وامتيازاتهم في الدولة، كأنهم ملائكة وصلوا إلى رؤية مدنية للوطن أو علمانية. يتهم الأرثوذكسيون بالانكماش الطائفي وكأن الآخرين عفّوا عن الطائفية. «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجرة». لا أعرف طائفة لا تسعى إلى المحافظة على ما كسبت في هذا العيش المسمى مشتركا.

الا ترون معي مطلبًا طائفيًا وراء مواقف مسكوبة كلاميا باللغة الوطنية وهي عتيقة في طائفيتها. وهنا لا أعتقد ان أحدًا يستطيع ان يعطي الآخرين درسًا في العفة. ولست أرى طائفة تجردت عما كسبته لتذبح تاريخها الطائفي على مذبح الأمة. وإذا أحسستم اليوم وهنا ان بعض الأرثوذكسيين تطيف قليلاً أو كثيرًا فلأن هذه اللوثة مبثوثة في البلاد.

إلى هذا فالأقلية الدينية لا تستطيع ان تحسم أي سجال وطني لأن الأكثريات وحدها فاعلة. أفهم ان تكون احدى الأكثريات راقية، وطنية، مستعدة الا تسيطر ولكن الواضح ان الأقليات تعطي مبادئ ومواقف روحية ولا تغير شيئا في راهن السياسة.

ليس متتبع لشؤون هذا الوطن قادرًا ان يقتنع ان طائفة واحدة سبقت غيرها في ضرورة إقامة وطن على أسس غير طائفية. أنا لا أصدق من راشق الآخرين باعتبارهم طائفيين لأنه وهو وجماعته دخلوا فردوس العلمانية.

كان الناس يكتبون ضد الطائفية ثم أضافوا من وقت قريب كلمة المذهبية بسبب ما اعتبر خلافا بين أهل السنة والجماعة من جهة والشيعة من جهة أخرى إلى ان بعثوا الكلمة ليرشقوا بها الأرثوذكسيين وكأن بقية المسيحيين منزهون عن حب هذه الدنيا وأمجادها. التعصب الفاعل في كيان الوطن يتطلّب عددا كبيرا لأصحابه. كيف يمكن للأرثوذكسيين وهم لا يتجاوزون ثلاثمئة وخمسين ألف نسمة في أمة من أربعة ملايين ان يهددوا سلامة الأمة ووحدتها؟

في هذه الأيام تعثر في كثير من الأدبيات على ذكر الأرثوذكسيين مدحا بهم أو ذما ويراهم أصدقاؤهم أو خصومهم جماعة مسيسة على منحى واحد وهذا غير صحيح. هم ليسوا خير أمة أُخرجت للناس لأن منهم من يأمر بالمعروف ومنهم من يرتكب المنكر ولكنهم جماعة متمايزة لا تحلم بحكم البلد ولو وجدت فيه وترغب في الخير لكل الناس لشعورها بأنها في خدمتهم ولا تبعدها العقيدة عن خدمتهم بما أعطيت من مواهب.

قد لا تستهين بها لقلتها وقد يغريك فيها ما ورثته من تاريخ غني ومن عبادات بهية فهيمة هي معراجك إلى ربك ان شئت. ولكون هذا الجمال والحق هما من ربها تفتخر بهما ولا تفخر بنفسها لأنها مسؤولة عما نزل عليها وتهمل ما وصل اليها لتعبد نفسها وتتيه.

يحق للإنسان عنده كل جمال العبادة البيزنطية ان يحس انه مخطوف إلى فوق حيث يحق له فقط ان يلمس انه لم يصل إلى العرش ولكن يحق له ان يبصره من بعيد.

هذا لا يدقق في ما يبصره الآخرون فما من شك عندي ان البشر جميعا ورثوا الكثير من النور أخلصوا له أم لم يخلصوا ونحن اليهم بالرجاء الذي فينا. ليس احد يخلص الا من رأى هذه الرؤية واقتبس منها ما يستطيع.

الأرثوذكسيون إذا انحصروا في أجسادهم ودنياهم ليسوا بشيء اما إذا اعتبروا انهم في تراثهم ومن تراثهم قادرون ان يصيروا ملوكًا يكونون صاروا هكذا من الله. من مارس عباداتهم يفهم ما قاله إرميا: «روح أفواهنا مسيح الرب». الأرثوذكسي يصبح شيئا اذا لم يميز بين فمه وفم الله أي اذا تحقق بالتقوى انه قادر ان يطلق من فمه كلام الإنجيل بعد ان انصهر فيه.

هو عارف انه «هكذا يعبر مجد العالم». هو يهزأ بالذين يسعون إلى تقاسم مجد العالم. هؤلاء باقون في العالم ولا يتقدسون. اما الذين ورثوا الملكوت فإنهم يسلكون الدهر الآتي استعدادًا لاختطافهم إلى الزمن الذي يأتي فيه المسيح ثانية ليدين الأحياء والأموات.

إذًا لا مشكلة للأرثوذكسيين مع أحد وتاليًا ليسوا هم المشكلة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الموارنة والأرثوذكس في حضرة الرب / السبت 19 كانون الثاني 2013

مع جلوس صاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي على السدة البطريركية ومع تسلّم صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر للسدة أدركت الكنيسة المارونية والكنيسة الأرثوذكسية ان تبريكا كبيرا نزل عليهما وكان تعبيره إخاء وقوة في المحبة كانا ساطعين في التعامل بينهما على أعلى صعيد. الى هذا الأفق الروحي الواسع تنظر الكنيستان اليوم لا سيما انهما ادركتا ان شغلهما الشاغل مع بقية الكنائس تعزيز المعرفة الإنجيلية وفلاحة كرم السيد معا والكنائس في هذا المشرق تتطلع الى الشهادة الواحدة وقد أدركت ان الوقت وقت تفعيل العطاء الإلهي الذي ورثته معا من الحبيب الأوحد.

كل منا أمسى خادما، حيث أقام، لرعية المسيح الواحدة بحيث دفعه الراعي الواحد الى ان يرى المسيحيين جميعا رعية لربها الواحد. واية كانت صور الخدمة وآلياتها وقاموسها بتنا نفهم اكثر من الماضي اننا واحد في خدمة سر الخلاص فلم يبقَ عند اي فريق استكبار او تنافس لأن الأزمنة باتت سيئة «وقد أريق السكيب علينا» لنصبح تقدمه حية للرب.

هناك أهمية كبيرة – في كلام اللاهوتيين- لشعور المسيحيين انهم امة للرب واحدة تنزل عليها القداسة الواحدة في الكلمة وفي القرابين. وشعور الشعب المؤمن يشكل إجماعا يجعل الكنيستين في رؤية المسيح واحدة.

الانقسام ليس واقعا لاهوتيا. هو واقع الخطيئة في التاريخ ولا يعول عليه ولكنه يعول على الوحدة التي المسيح بانيها. القسمة من ثمار الخطيئة وليس لها عند المخلص وجود الا في الدمع الجاري من عينيه. ونحن نأتي من هذه الدموع ولا نأتي من القسمة الى ان يزيل الرب كل آثار التفسخ.

عندما يكون البطريرك لاهوتيا كما هي الحال في الكنيستين المارونية والأرثوذكسية تسمو نوعية العلاقة بينهما على رجاء ارتفاع مستوى المؤمنين جميعا الى الرؤية الإلهيّة العظيمة فلا نبقى في العلاقات الرعائية البسيطة بل نرقى الى تفاهم لاهوتي عظيم والى تثبيت العلاقات على عمق هذا التفاهم.

السؤال لم يبقَ، اذ ذاك، كيف نعيش معا في مجتمع كنسي واحد ولكن كيف نرقى في الإحساس اللاهوتي والتربية الإلهية الواحدة بحيث نسلك وكأننا أخذنا نبني الكنيسة الواحدة معا في قداسة البر.

#   #

#

كيف نخترق حواجز التاريخ والأنظومات القانونية في حين تكشف لنا الرؤية الوحدة لكنيسة الغد، هذه الرؤية التي تكشف لنا التدبير العملي لحياتنا المشتركة. ما المستوى الذي لا بد لنا ان ترتقي اليه؟ ماذا يجب ان نهدم لنرى وحدتنا المشتهاة؟

هناك خصوصية في العمل والتعامل بين الكنيسة الأرثوذكسة والكنيسة المارونية لا لحصر التلاقي بينهما ولكن لشعور في التقارب عميق، ربما كان مردّه الى ان هاتين الكنيستين لم تختبرا تباعدا في وجودهما على أرض واحدة قد يكون تفسيره ان اية منهما لم تنهشِ الأخرى ولم تطمع بأغنامها اذ كانت تحتسب ضمنا ان الرب في الكنيستين بالقوة الواحدة. المؤمنون في هذه الرعية وتلك منذ ظهور الحركة المسكونية والتقارب بين الرئاسات الروحية لم يعودوا يحسون بوجود انقسام بين الرعيتين واخذت كل رعية تشعر بصدق ان الرعية الأخرى واحدة معها في شركة الإيمان الأساسي ولم يبقَ أثر حقيقي لخطف الأغنام من الرعية الأخرى.

يعيش المسيحيون اليوم في هذا البلد بشعور وحدة قائمة وان لم يكن لها تعبير قانوني نظامي. انت تقبل ضمنا -بمفهوم عميق او غير عميق- ان المسيحي الآخر أخوك وانك لن تجرحه. وهذا آتٍ من كونك صرت تحبه منذ ثلاثين او أربعين سنة وأخذت تحس ان الله بهذا الموقف مباركك.

قد يكون مردّ هذا عند العامة ان فريقا ما لم يبقَ محبا للخلاف وقد يكون مردّ هذا الى ان مشقات الانقسام صارت جارحة لكلّ منّا ولسنا نريد ان ندفع ثمنها. الى هذا في جو التقارب الإنساني العام ازداد شعور المسيحيين بوحدتهم.

كيف نجسّم هذا من أبسط مستوى التعايش الرعائي بيننا الى أعلى مستوى لاهوتي؟ انا لا أقدر ان أحس بوحدتي مع الانسان الكاثوليكي ما لم أسائله في مسائل عديدة تتعلّق بممارساته الفكرية والعملية. انا لا أقدر ان أحب الكاثوليكي حبا صادقا وكبيرا ما لم أسائله في كتابات له وحياته الرعائية. علاقات الكنائس ليس فيها مجاملة. انها قائمة على اللاهوت اي على التلاقي العظيم في المسيح يسوع. أظن ان ضعف الكنائس او بعضها مرده عقلية اهل المشرق العائشين مع خصومهم الفكريين ومع اصدقائهم بالطريقة الواحدة التي هي طريقة المجاملة والتقارب السطحي في كل مجال من مجالات الحياة.

عندما يكون لنا بطريركان جديران بكل تقدير ومحبة يمكننا ان نرجو اليهما مباشرة المحادثات اللاهوتية. هذا يتطلّب طبعا تمهيدا للدراسة الجدية ولكن هذا اذا لم يبدأ نكون سجناء المجاملة الطائفية لا التلاقي الأخوي العظيم في وجدانيته والعظيم في المعرفة.

ربما كان ظرفنا ظرف التلاحم في المكاشفة الأخوية. من عرف عن كثب نيافة وغبطة البطريرك الماروني وغبطة البطريرك الأرثوذكسي، من قدرهما حق قدرهما لا بد له ان يقول بنفحتين نازلتين عليهما انه «وقت يُعمل فيه للرب».

الرؤية اللاهوتية متوفرة اليوم في الكنيستين وقد أخذتهما المحبة الإلهية وبعد المحبة يأتي الفكر وهذا ما يسميه الرسول «فكر المسيح». لأن هذا حي في الكنيستين وفي رأسيهما لا بد من ان ينادي احد أخاه مناداة الحب لكي يلتقيا في قلب الله. وعند انعطاف القلب الإلهي يتبارك كل لقاء.

لقاء الموارنة والأرثوذكس يتممه المسيح لا أهل الدنيا. ونحن، مشتركين، نجيء من مخلص القلوب وبانيها بحبه.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الموارنة والأرثوذكس في حضرة الرب / 19 كانون الثاني 2013

مع جلوس صاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي على السدة البطريركية ومع تسلّم صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر للسدة أدركت الكنيسة المارونية والكنيسة الأرثوذكسية ان تبريكا كبيرًا نزل عليهما وكان تعبيره إخاء وقوة في المحبة كانا ساطعين في التعامل بينهما على أعلى صعيد. إلى هذا الأفق الروحي الواسع تنظر الكنيستان اليوم لا سيما انهما أدركتا ان شغلهما الشاغل مع بقية الكنائس تعزيز المعرفة الإنجيلية وفلاحة كرم السيد معًا والكنائس في هذا المشرق تتطلع إلى الشهادة الواحدة وقد أدركت ان الوقت وقت تفعيل العطاء الإلهي الذي ورثته معًا من الحبيب الأوحد.

كل منا أمسى خادما، حيث أقام، لرعية المسيح الواحدة بحيث دفعه الراعي الواحد إلى أن يرى المسيحيين جميعًا رعية لربها الواحد. وأية كانت صور الخدمة وآلياتها وقاموسها بتنا نفهم أكثر من الماضي اننا واحد في خدمة سرّ الخلاص فلم يبقَ عند أي فريق استكبار أو تنافس لأن الأزمنة باتت سيئة «وقد أريق السكيب علينا» لنصبح تقدمه حية للرب.

هناك أهمية كبيرة – في كلام اللاهوتيين- لشعور المسيحيين انهم أمة للرب واحدة تنزل عليها القداسة الواحدة في الكلمة وفي القرابين. وشعور الشعب المؤمن يشكل إجماعًا يجعل الكنيستين في رؤية المسيح واحدة.

الإنقسام ليس واقعًا لاهوتيًا. هو واقع الخطيئة في التاريخ ولا يعول عليه ولكنه يعول على الوحدة التي المسيح بانيها. القسمة من ثمار الخطيئة وليس لها عند المخلص وجود الا في الدمع الجاري من عينيه. ونحن نأتي من هذه الدموع ولا نأتي من القسمة إلى أن يزيل الرب كل آثار التفسخ.

عندما يكون البطريرك لاهوتيًّا كما هي الحال في الكنيستين المارونية والأرثوذكسية تسمو نوعية العلاقة بينهما على رجاء ارتفاع مستوى المؤمنين جميعا إلى الرؤية الإلهيّة العظيمة فلا نبقى في العلاقات الرعائية البسيطة بل نرقى إلى تفاهم لاهوتي عظيم وإلى تثبيت العلاقات على عمق هذا التفاهم.

السؤال لم يبقَ، إذ ذاك، كيف نعيش معًا في مجتمع كنسي واحد ولكن كيف نرقى في الإحساس اللاهوتي والتربية الإلهية الواحدة بحيث نسلك وكأننا أخذنا نبني الكنيسة الواحدة معًا في قداسة البر.

#   #

#

كيف نخترق حواجز التاريخ والأنظومات القانونية في حين تكشف لنا الرؤية الوحدة لكنيسة الغد، هذه الرؤية التي تكشف لنا التدبير العملي لحياتنا المشتركة. ما المستوى الذي لا بد لنا ان ترتقي اليه؟ ماذا يجب ان نهدم لنرى وحدتنا المشتهاة؟

هناك خصوصية في العمل والتعامل بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة المارونية لا لحصر التلاقي بينهما ولكن لشعور في التقارب عميق، ربما كان مردّه إلى ان هاتين الكنيستين لم تختبرًا تباعدًا في وجودهما على أرض واحدة قد يكون تفسيره ان أية منهما لم تنهشِ الأخرى ولم تطمع بأغنامها إذ كانت تحتسب ضمنًا ان الرب في الكنيستين بالقوة الواحدة. المؤمنون في هذه الرعية وتلك منذ ظهور الحركة المسكونية والتقارب بين الرئاسات الروحية لم يعودوا يحسون بوجود انقسام بين الرعيتين وأخذت كل رعية تشعر بصدق ان الرعية الأخرى واحدة معها في شركة الإيمان الأساسي ولم يبقَ أثر حقيقي لخطف الأغنام من الرعية الأخرى.

يعيش المسيحيون اليوم في هذا البلد بشعور وحدة قائمة وان لم يكن لها تعبير قانوني نظامي. أنت تقبل ضمنا -بمفهوم عميق أو غير عميق- ان المسيحي الآخر أخوك وانك لن تجرحه. وهذا آتٍ من كونك صرت تحبه منذ ثلاثين أو أربعين سنة وأخذت تحس ان الله بهذا الموقف مباركك.

قد يكون مردّ هذا عند العامة ان فريقًا ما لم يبقَ محبًا للخلاف وقد يكون مردّ هذا إلى ان مشقات الانقسام صارت جارحة لكلّ منّا ولسنا نريد ان ندفع ثمنها. إلى هذا في جو التقارب الإنساني العام ازداد شعور المسيحيين بوحدتهم.

كيف نجسّم هذا من أبسط مستوى التعايش الرعائي بيننا إلى أعلى مستوى لاهوتي؟ أنا لا أقدر ان أحس بوحدتي مع الإنسان الكاثوليكي ما لم أسائله في مسائل عديدة تتعلّق بممارساته الفكرية والعملية. أنا لا أقدر ان أحب الكاثوليكي حبًا صادقًا وكبيرًا ما لم أسائله في كتابات له وحياته الرعائية. علاقات الكنائس ليس فيها مجاملة. انها قائمة على اللاهوت أي على التلاقي العظيم في المسيح يسوع. أظن ان ضعف الكنائس أو بعضها مرده عقلية أهل المشرق العائشين مع خصومهم الفكريين ومع أصدقائهم بالطريقة الواحدة التي هي طريقة المجاملة والتقارب السطحي في كل مجال من مجالات الحياة.

عندما يكون لنا بطريركان جديران بكل تقدير ومحبة يمكننا ان نرجو اليهما مباشرة المحادثات اللاهوتية. هذا يتطلّب طبعا تمهيدا للدراسة الجدية ولكن هذا اذا لم يبدأ نكون سجناء المجاملة الطائفية لا التلاقي الأخوي العظيم في وجدانيته والعظيم في المعرفة.

ربما كان ظرفنا ظرف التلاحم في المكاشفة الأخوية. من عرف عن كثب نيافة وغبطة البطريرك الماروني وغبطة البطريرك الأرثوذكسي، من قدرهما حق قدرهما لا بد له ان يقول بنفحتين نازلتين عليهما انه «وقت يُعمل فيه للرب».

الرؤية اللاهوتية متوفرة اليوم في الكنيستين وقد أخذتهما المحبة الإلهية وبعد المحبة يأتي الفكر وهذا ما يسميه الرسول «فكر المسيح». لأن هذا حي في الكنيستين وفي رأسيهما لا بد من ان ينادي أحد أخاه مناداة الحب لكي يلتقيا في قلب الله. وعند انعطاف القلب الإلهي يتبارك كل لقاء.

لقاء الموارنة والأرثوذكس يتممه المسيح لا أهل الدنيا. ونحن، مشتركين، نجيء من مخلص القلوب وبانيها بحبه.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

التباهي / السبت 12 كانون الثاني 2013

لما قال الملاك لمريم: «افرحي يا ممتلئة نعمة» أراد ان النعمة وحدها ساكنتها او انها قائمة فقط في حضرة الله، ذلك ان ليس لأحد او شيء حضرة لا يمسها هو. ان لم يكن كل ما فيك ترجمة له فهو للعدم. فاذا قبلنا ان الرب في كل شيء نعني انه يجعل كل شيء تحت ربوبيته وخارج هذا أنت طريح العدم.

تطوعنا لله يلغي الذاتية المنكمشة فيأتي وجودنا، اذ ذاك، توجها اليه بعد ان كان توجّها منه الينا. اجل باتحادنا به لا يلغي ذاتنا اذ يبقى الناسوت فينا غير انه يصير ممتلئا لاهوتا. اجل تبقى الذات مألوهة كما يقول الإسلام او مؤلّهة كما تقول المسيحية ولا سيما الشرقية منها. لا تلغى بشرية الإنسان من حيث انه وجود مخلوق ولكنك ترث فيهامنذ هذا العالم المجد الإلهي غير المخلوق منذ هذا العالم.

ملء الوجود هو هذا التلاقي الحاصل في قلب الله بين الخالق والمخلوق فلا يستحيل الواحد الى الآخر ولكنه يساكنه. هذا ما يعنيه حلول الله في الانسان بلا حلولية. فاذا كنا ورثة الله في كل بهاء لا مجال للتباهي بل تأكيد للكلمة: «من افتخر فليفتخر بالرب» فإن عرفته هكذا يكون كل جمال فيك نازلا عليك وليس لك فيه اي فضل.

الإصرار على الأنا واستقلالها في تاريخ الحضارات عن طريق العلوم والفلسفة والفن أعطى الإشارة الى ظهور الإنسانوية في الغرب فكان مثلا الجسد العاري في الرسم فقتل رمزية التصوير وبطل الانسان يعي نفسه مخلوقا على صورة الله. اخذ الإنسان يعبد جسده ويسكر بجمال ولا يعرف نفسه وريث الرب ووصل في الفن الحديث الى الغاء الوجه في القامة البشرية والوجه كان من الايقونة إطلالة الله.

ضد نعمة هذه الاطلالة سقطة التباهي الذي يحصر الانسان في ترابيته وهي بطبيعتها غير ناهدة الى فوق. التباهي اعلان التفه البشري بدءا من ادعاء الجسد جماله. هذا ليس بشيء ان لم يكن إقرارا بجمال الله وإشعاعه علينا. هذا هو الفرق بين الايقونة واللوحة ان الايقونة تقول الرب واللوحة تقول الجسد البشري او الطبيعة بلا إشارة مقصودة الى ما فوقهما.

#   #

#

هذا هو عصر النهضة الغربية التي أصرت ان تقطع العلاقة بين الطبيعة وخالقها. في الحقيقة التاريخية ان الفن الاوربي منذ القرن السادس عشر هو الذي قال الالحاد. الانسان لم يعبر عنه، بدءا بفمه ولكن بصناعة الجمال وظهر الالحاد بالكلام فيما بعد.

غير ان الحياة ليست اولا فلسفة بل سلوك. ماذا يعني افتخار الحسناء بجمالها في عمق التحليل. في آخر مطاف الإغراء هو استدعاء الناس الى عبادتها وفي تحديد المعنى الى عبادة جسدها. لا يمكن ان يعني التباهي الا التماس العبادة التي هي شرك اذ يستحيل عليك كيانيا ان تجمع بين عبادتين.

المال أفتك من الجسد فقد قال عنه الرب انه «عبادة وثن» (كولوسي 3: 5). لقد جعلك الإله تلتقيه لتبدده حسبما نطقت به الكتب المقدسة: «بدد أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» ( مزامير 112: 9). الجمال والمال مملوكان يصبحان ان قبلتهما مالكين في كيانك حتى تصير حريتك مسلوبة حقا. كل هوى من أهوائنا لهو عن «النعمة المخلصة لجميع الناس» (تيطس 2: 11).

المؤمن الجميل الطلعة لا يأبى لمديح فقد لا يعي عطية الخلق هذه او لا ينشغل بها ويقبل ذهابها اذا ما حلّ. هو لا يعرفها ملكا له ولا ملكا لأحد فأنه فقير فقط الى ما ينزل عليه من فوق.

لعلّ أقوى المواهب إغراء الذكاء لأنه الالتماع الأكبر لكونه مسنودا الى شيء عظيم ولكونه ينعكس فيه العقل الإلهي الذي حامله المسيح. كل فطن من الناس اية كانت ديانته قريب بكينونته من الله أكان عظيم الإيمان او ضعيفه. بصورة ساطعة يتجلّى الله فيه وقد لا يعلم. اذا قيس بالثراء المادي او الجمالي يكشف الله كما لا تكشفه عطايا أخرى. وبخلاف المال والجمال لا يبقى ملكا لصاحبه اذ من طبيعته ان ينتشر لأنه يؤخذ.

#   #

#

هل يعني كل هذا الا يعرف الإنسان ميزاته او حتى فضائله الروحية. الزاهد بماله يدرك هذا ولكن الزاهد ان كان مؤمنا حقا لا ينسب الى ذاته فضلا ويعترف فقط بالهبة الإلهية. كذلك يصعب على الحسناء ان تنسب جمالها الى الله ولكنه هو قادر ان يجعل في نفسها هذا الايمان وعند ذاك، تكون أدركت من القداسة مبلغًا.

الأعلى من ذلك ان يقول المثقف الكبير انا لست بشيء. كل ما يحتويه عقلي بعضه رياضة ولكن الاحساس مسكوب فيّ من فوق ولن أبدده لتقوم الحكمة وطوبى لذلك الذي يذهب مما عرفه فيّ الى ذلك الذي عنده كل علم.

«ويكون المنتهى حين يسلم المسيح الملك الى الله الآب الذي أخضع كل شيء للمسيح». بعد هذا يكون «الله كل شيء في كل شيء» (راجع 1كورنثوس 15: 24-28). كل ما أعطينا من مواهب كان من المسيح والمواهب بطبيعتها آتية منه. وان لم نعترف بذلك فلسنا على شيء. ولكن اذا آمنّا ان الله كل شيء في كل شيء ندرك ايضًا انه كان في حسننا من اية طبيعة كان واننا فتكنا الحجب المكونة من مال وجمال وعقل لنشاهد الكلمة الذي كان في البدء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

التباهي / 12 كانون الثاني 2013

لما قال الملاك لمريم: «افرحي يا ممتلئة نعمة» أراد ان النعمة وحدها ساكنتها أو انها قائمة فقط في حضرة الله، ذلك ان ليس لأحد أو شيء حضرة لا يمسها هو. ان لم يكن كل ما فيك ترجمة له فهو للعدم. فإذا قبلنا ان الرب في كل شيء نعني انه يجعل كل شيء تحت ربوبيته وخارج هذا أنت طريح العدم.

تطوعنا لله يلغي الذاتية المنكمشة فيأتي وجودنا، إذ ذاك، توجها اليه بعد ان كان توجّها منه الينا. أجل باتحادنا به لا يلغي ذاتنا إذ يبقى الناسوت فينا غير انه يصير ممتلئا لاهوتا. أجل تبقى الذات مألوهة كما يقول الإسلام أو مؤلّهة كما تقول المسيحية ولا سيما الشرقية منها. لا تلغى بشرية الإنسان من حيث انه وجود مخلوق ولكنك ترث فيهامنذ هذا العالم المجد الإلهي غير المخلوق منذ هذا العالم.

ملء الوجود هو هذا التلاقي الحاصل في قلب الله بين الخالق والمخلوق فلا يستحيل الواحد إلى الآخر ولكنه يساكنه. هذا ما يعنيه حلول الله في الإنسان بلا حلولية. فاذا كنا ورثة الله في كل بهاء لا مجال للتباهي بل تأكيد للكلمة: «من افتخر فليفتخر بالرب» فإن عرفته هكذا يكون كل جمال فيك نازلا عليك وليس لك فيه أي فضل.

الإصرار على الأنا واستقلالها في تاريخ الحضارات عن طريق العلوم والفلسفة والفن أعطى الإشارة إلى ظهور الإنسانوية في الغرب فكان مثلا الجسد العاري في الرسم فقتل رمزية التصوير وبطل الإنسان يعي نفسه مخلوقا على صورة الله. أخذ الإنسان يعبد جسده ويسكر بجمال ولا يعرف نفسه وريث الرب ووصل في الفن الحديث إلى الغاء الوجه في القامة البشرية والوجه كان من الايقونة إطلالة الله.

ضد نعمة هذه الاطلالة سقطة التباهي الذي يحصر الانسان في ترابيته وهي بطبيعتها غير ناهدة إلى فوق. التباهي اعلان التفه البشري بدءًا من ادعاء الجسد جماله. هذا ليس بشيء ان لم يكن إقرارا بجمال الله وإشعاعه علينا. هذا هو الفرق بين الايقونة واللوحة ان الايقونة تقول الرب واللوحة تقول الجسد البشري أو الطبيعة بلا إشارة مقصودة إلى ما فوقهما.

#   #

#

هذا هو عصر النهضة الغربية التي أصرت ان تقطع العلاقة بين الطبيعة وخالقها. في الحقيقة التاريخية ان الفن الأوربي منذ القرن السادس عشر هو الذي قال الالحاد. الإنسان لم يعبر عنه، بدءًا بفمه ولكن بصناعة الجمال وظهر الالحاد بالكلام فيما بعد.

غير ان الحياة ليست أولاً فلسفة بل سلوك. ماذا يعني افتخار الحسناء بجمالها في عمق التحليل. في آخر مطاف الإغراء هو استدعاء الناس إلى عبادتها وفي تحديد المعنى إلى عبادة جسدها. لا يمكن ان يعني التباهي الا التماس العبادة التي هي شرك إذ يستحيل عليك كيانيا ان تجمع بين عبادتين.

المال أفتك من الجسد فقد قال عنه الرب انه «عبادة وثن» (كولوسي 3: 5). لقد جعلك الإله تلتقيه لتبدده حسبما نطقت به الكتب المقدسة: «بدد أعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد» ( مزامير 112: 9). الجمال والمال مملوكان يصبحان ان قبلتهما مالكين في كيانك حتى تصير حريتك مسلوبة حقا. كل هوى من أهوائنا لهو عن «النعمة المخلصة لجميع الناس» (تيطس 2: 11).

المؤمن الجميل الطلعة لا يأبى لمديح فقد لا يعي عطية الخلق هذه أو لا ينشغل بها ويقبل ذهابها إذا ما حلّ. هو لا يعرفها ملكًا له ولا ملكًا لأحد فأنه فقير فقط إلى ما ينزل عليه من فوق.

لعلّ أقوى المواهب إغراء الذكاء لأنه الالتماع الأكبر لكونه مسنودًا إلى شيء عظيم ولكونه ينعكس فيه العقل الإلهي الذي حامله المسيح. كل فطن من الناس أية كانت ديانته قريب بكينونته من الله أكان عظيم الإيمان أو ضعيفه. بصورة ساطعة يتجلّى الله فيه وقد لا يعلم. إذا قيس بالثراء المادي أو الجمالي يكشف الله كما لا تكشفه عطايا أخرى. وبخلاف المال والجمال لا يبقى ملكًا لصاحبه إذ من طبيعته ان ينتشر لأنه يؤخذ.

#   #

#

هل يعني كل هذا الا يعرف الإنسان ميزاته أو حتى فضائله الروحية. الزاهد بماله يدرك هذا ولكن الزاهد ان كان مؤمنا حقا لا ينسب إلى ذاته فضلا ويعترف فقط بالهبة الإلهية. كذلك يصعب على الحسناء ان تنسب جمالها إلى الله ولكنه هو قادر ان يجعل في نفسها هذا الإيمان وعند ذاك، تكون أدركت من القداسة مبلغًا.

الأعلى من ذلك ان يقول المثقف الكبير أنا لست بشيء. كل ما يحتويه عقلي بعضه رياضة ولكن الإحساس مسكوب فيّ من فوق ولن أبدده لتقوم الحكمة وطوبى لذلك الذي يذهب مما عرفه فيّ إلى ذلك الذي عنده كل علم.

«ويكون المنتهى حين يسلم المسيح الملك إلى الله الآب الذي أخضع كل شيء للمسيح». بعد هذا يكون «الله كل شيء في كل شيء» (راجع 1كورنثوس 15: 24-28). كل ما أعطينا من مواهب كان من المسيح والمواهب بطبيعتها آتية منه. وان لم نعترف بذلك فلسنا على شيء. ولكن إذا آمنّا ان الله كل شيء في كل شيء ندرك أيضًا انه كان في حسننا من أية طبيعة كان واننا فتكنا الحجب المكونة من مال وجمال وعقل لنشاهد الكلمة الذي كان في البدء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / السبت 5 كانون الثاني 2013

في انجيل متى ورد «طوبى للمساكين بالروح» ويعني، حسب آبائنا، المتواضعين ويجمع علماء التفسير على ان هذه الآية تخفيف للحدة الواردة عند لوقا: «طوباكم ايها المساكين» (لوقا 6: 2). ويقول المفسرون ان هذه الصياغة هي الاقدم بمعنى انها هي التي تفوه بها المعلم. مهما يكن من امر التفسير من الواضح ان للمحتاجين مكانة عند يسوع الناصري خاصة اذ يقول «المساكين يبشرون» (متى 11: 5).

وكأن واضع النص اراد ان الانجيل هو لهم أو انهم هم الذين يتقبلونه لانهم هم الذين يطلبون ملكوت السموات.وكانه يقول ايضًا ان للاغنياء ملكهم لانهم اتخذوا ارزاقهم مرتعًا لهم ومكان ارتياحهم وانبساطهم فان المال مركز عواطفهم وعليه يتوكلون. ففي مثل الغني ولعازر، الغنى مرادف التمتع والانبساط اي مدى الراحة وهو يحد صاحبه أو يحدده أو يحتويه.

ولكن ما الفقر؟ اليس هو الهبوط إلى وضع معاشي ضعيف في مجتمع معين. ولكن ما الضعيف؟ هناك مصطلح جديد نسبيًا وهو عتبة الفقر الذي تقل فيه موارد الانسان بحيث يكاد لا يموت جوعًا أو بحيث لا يستطيع ان يرتزق مما يكفيه لاعالة عائلته طعامًا وكساء ومأوى وتعليم أولاد.

هذا الوضع يجعل الواقع فيه ينتمي إلى فئة مجتمعية يعلوها المستكبرون ويجعلون منها مرتبة هامشية وليست شريكة في الانتاج والحياة السياسية الفاعلة. وتكون الدنيا في تصنيف الناس جميعًا مؤلفة من اغنياء وفقراء.

جاء كارل ماركس يسعى إلى ما اعتبره ميزان العدل وانصاف معقول ولهذا السبب دعا إلى الغاء الطبقات بعد ان كان المجتمع الأوروبي مجتع طبقات الفروق فيه صارخة. هو ما كان يحلم ان يكون للناس سوية اقتصادية ومجتمععية واحدة ولكنه رغب في تعايش معقول ليس فيه اذلال بسبب تباين مستويات العيش بصورة فاحشة.

لا يبدو أنّ الدعوة الماركسية نجحت في التحقيق اللينيني وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي واضح ان الرومنسية الشيوعية غابت عن ملايين الناس الذين غذتهم عمالاً كانوا ام مثقفين. غير ان الطموح إلى عدالة معقولة لا يزال نفحة عند الكثيرين.

#   #

#

واضح عند المتتبعين ان المسيحية لا تقوم على نظام اقتصادي ولا تدعو إلى نظام. فاذا كانت الاشتراكية تشجب الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتبادل وترفض عدم التساوي المجتمعي فيسوع الناصري لم يضع نفسه في هذا الاطار لانه اطار التنظيم الاجتماعي، والمسيحية دعوة في سبيل الفقراء أو فيها هذه الدعوة ولكنها ليست نظامًا يحقق في ثورة أو تنظيم اجتماعي بلا ثورة كما في بلاد السكندينافية.

الهاجس الثوري أو الانقلابي خارج عن المسيحية التي هي دعوة. هذا ما شاءه يسوع الناصري الذي ما اراد ان يستقوي على احد أو ان يفرض نظامًا بالقوة وحتى بالدعوة اليه. هذا مما يجعلنا نفهم ان المسيحية الرسولية ما التصقت بدولة ولا انفصلت عن دولة. عند ظهورها كان اتباعها من الامبراطورية الرومانية وما سعت هي إلى انشاء كيان دولتي خارج الامبراطورية لان الناصري اكتفى بتبيان ملكه على انه ملكوت الله في قلوب الناس.

ليس عنده فتح بلدان عنوة أو سلامًا. هذا ما في ايامه كان متروكًا للامبراطورية الرومانية. وبعد موته، في عهود الكنيسة، ما كان انتشار ملكوته في المبدأ متعلقًا بسياسة. هو اراد ان يعمل بروحه وانجيله ومملكات العالم متروكة لتقاربات الزمان ونحن أتباعه لسنا منها وإن كنا فيها وملكوت المسيح هو القلب.

#   #

#

لا يصور إنجيل يسوع المسيح الاغنياء على انهم بلا قلب ولكنه يعلم ان الغنى خطر على الانسان والفقر ان يصبح خطر على الانسان. الناصري يحذر من الاخطار الروحية اية كانت، من استعباد نفسك لاي مخلوق أو مصطنع ولهذا قال: «لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 24). هناك عبادة الله الواحد الاحد. والعبادة والعبودية واحد في اللغة. ليس لان الله ارادك عبدًا له، لانه قال انك ابني. ولكن حسب تفسير احد كبار الروحانيين عندنا انت تستعبد نفسك لله بالعشق.

فاذا صرت بالحب عبدًا لله يتعذر عليك ان تصنع لنفسك ربًا آخر.

ما من شك ان المال أو كل ما تقتنيه يأسرك أسرًا رهيبًا. اذ ذاك لا يبقـى لك حرية تعبد الله بها. انت تسلم نفسك له وحده. وهذا هو شرط العشق، فليس اذًا من محبوب آخر. من هنا انه لم يبق في القلب محل للمال وليس من عبودية لانسان. ان تحب البشر حسب قول الناصري: «أحبب قريبك كنفسك»، شيء آخر انه هو العطاء حتى النهاية أي حتى الموت. هذا يصطدم كليا بعشق الأرزاق وما اليها.

#   #

#

هل الأغنياء فئة شجبها المسيح؟ في الواقع الناصري تكلم عن فئة من الأغنياء كانت عاشقة لأموالها، غير مكترثة لوجود فقراء، غير متعاطفة وإياها، فاصلة نفسها عنها. هم يسوع الناصري ان نكون مجتمعا واحدا مع كل البشر لا يفرقنا مستوى اجتماعي بحيث نفهم اننا مؤتمنون على ملك الله.

أموالنا ليست لنا. نديرها فقط لمنفعتنا ومنفعة الناس. المسيحية لا تشرع لاقتناء المال ولا لتوزيعه. هي تقول لكل انسان: الانسان الآخر اخوك تعامله بما لك كأخ.

فاذا تصرفت هكذا لا يبقى شرخ بينك وبينه ولا تتصرف باذخا ومترفا ولكنك تتصرف حنونا ولا تجعل قريبك يقترب من الموت بالجوع أو ما يشبه الجوع لأنه بات من لحمك وعظامك. فما جاء اليك بالوراثة أو العمل ينفقه المحتاجون اليه وتسهر انت على حاجتهم وتخدمهم كما لو كانوا المسيح.

المسيحية تملي عليك ان تعطي من حولك نسبة من ثروتك. هي تجعل قلبك لا يحس ان له شيئا في هذه الأرض. اذ ذاك تصل إلى وقت لا تؤمن به بالمخاصصة ولكن بالمشاركة.

المشاركة تعني انك لا تقدر ان تقول انا وحدها ولكنك تقول: انا وانت اي تقول فعلا «نحن». ترجمة ذلك إلى واقعنا المعيش ان نحب الجماعة التي انت قائم بها وهي قائمة فيك.

ستبقى فروق. «الفقراء معكم في كل حين اما انا فلست معكم في كل حين». هذا لا يعني ان يسوع يقبل بوجود جائعين. هو يريدنا ان نتعامل والوضع الاجتماعي على ان نقيم العدل وان نقيم فوقه المحبة.

لم يكن يسوع ماورائيا اي مرجئا الخير. «اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم».

المحبة ملكوت الله.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / 5 كانون الثاني 2013

في إنجيل متى ورد «طوبى للمساكين بالروح» ويعني، حسب آبائنا، المتواضعين ويجمع علماء التفسير على ان هذه الآية تخفيف للحدة الواردة عند لوقا: «طوباكم أيها المساكين» (لوقا 6: 2). ويقول المفسرون ان هذه الصياغة هي الأقدم بمعنى انها هي التي تفوه بها المعلم. مهما يكن من أمر التفسير من الواضح ان للمحتاجين مكانة عند يسوع الناصري خاصة إذ يقول «المساكين يبشرون» (متى 11: 5).

وكأن واضع النص أراد ان الإنجيل هو لهم أو انهم هم الذين يتقبلونه لأنهم هم الذين يطلبون ملكوت السموات.وكانه يقول أيضًا ان للأغنياء ملكهم لأنهم اتخذوا أرزاقهم مرتعًا لهم ومكان ارتياحهم وانبساطهم فإن المال مركز عواطفهم وعليه يتوكلون. ففي مثل الغني ولعازر، الغنى مرادف التمتع والانبساط أي مدى الراحة وهو يحد صاحبه أو يحدده أو يحتويه.

ولكن ما الفقر؟ أليس هو الهبوط إلى وضع معاشي ضعيف في مجتمع معين. ولكن ما الضعيف؟ هناك مصطلح جديد نسبيًا وهو عتبة الفقر الذي تقل فيه موارد الإنسان بحيث يكاد لا يموت جوعًا أو بحيث لا يستطيع ان يرتزق مما يكفيه لاعالة عائلته طعامًا وكساء ومأوى وتعليم أولاد.

هذا الوضع يجعل الواقع فيه ينتمي إلى فئة مجتمعية يعلوها المستكبرون ويجعلون منها مرتبة هامشية وليست شريكة في الانتاج والحياة السياسية الفاعلة. وتكون الدنيا في تصنيف الناس جميعًا مؤلفة من أغنياء وفقراء.

جاء كارل ماركس يسعى إلى ما اعتبره ميزان العدل وانصاف معقول ولهذا السبب دعا إلى الغاء الطبقات بعد ان كان المجتمع الأوروبي مجتع طبقات الفروق فيه صارخة. هو ما كان يحلم ان يكون للناس سوية اقتصادية ومجتمععية واحدة ولكنه رغب في تعايش معقول ليس فيه إذلال بسبب تباين مستويات العيش بصورة فاحشة.

لا يبدو أنّ الدعوة الماركسية نجحت في التحقيق اللينيني وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي واضح ان الرومنسية الشيوعية غابت عن ملايين الناس الذين غذتهم عمالاً كانوا أم مثقفين. غير ان الطموح إلى عدالة معقولة لا يزال نفحة عند الكثيرين.

#   #

#

واضح عند المتتبعين ان المسيحية لا تقوم على نظام اقتصادي ولا تدعو إلى نظام. فإذا كانت الاشتراكية تشجب الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتبادل وترفض عدم التساوي المجتمعي فيسوع الناصري لم يضع نفسه في هذا الاطار لأنه اطار التنظيم الاجتماعي، والمسيحية دعوة في سبيل الفقراء أو فيها هذه الدعوة ولكنها ليست نظامًا يحقق في ثورة أو تنظيم اجتماعي بلا ثورة كما في بلاد السكندينافية.

الهاجس الثوري أو الانقلابي خارج عن المسيحية التي هي دعوة. هذا ما شاءه يسوع الناصري الذي ما أراد ان يستقوي على أحد أو ان يفرض نظامًا بالقوة وحتى بالدعوة اليه. هذا مما يجعلنا نفهم ان المسيحية الرسولية ما التصقت بدولة ولا انفصلت عن دولة. عند ظهورها كان اتباعها من الامبراطورية الرومانية وما سعت هي إلى إنشاء كيان دولتي خارج الامبراطورية لأن الناصري اكتفى بتبيان ملكه على انه ملكوت الله في قلوب الناس.

ليس عنده فتح بلدان عنوة أو سلامًا. هذا ما في ايامه كان متروكًا للامبراطورية الرومانية. وبعد موته، في عهود الكنيسة، ما كان انتشار ملكوته في المبدأ متعلقًا بسياسة. هو أراد ان يعمل بروحه وانجيله ومملكات العالم متروكة لتقاربات الزمان ونحن أتباعه لسنا منها وإن كنا فيها وملكوت المسيح هو القلب.

#   #

#

لا يصور إنجيل يسوع المسيح الأغنياء على انهم بلا قلب ولكنه يعلم ان الغنى خطر على الإنسان والفقر ان يصبح خطر على الإنسان. الناصري يحذر من الاخطار الروحية أية كانت، من استعباد نفسك لأي مخلوق أو مصطنع ولهذا قال: «لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 24). هناك عبادة الله الواحد الأحد. والعبادة والعبودية واحد في اللغة. ليس لأن الله أرادك عبدًا له، لأنه قال انك ابني. ولكن حسب تفسير أحد كبار الروحانيين عندنا أنت تستعبد نفسك لله بالعشق.

فإذا صرت بالحب عبدًا لله يتعذر عليك ان تصنع لنفسك ربًا آخر.

ما من شك ان المال أو كل ما تقتنيه يأسرك أسرًا رهيبًا. اذ ذاك لا يبقـى لك حرية تعبد الله بها. انت تسلم نفسك له وحده. وهذا هو شرط العشق، فليس إذًا من محبوب آخر. من هنا انه لم يبق في القلب محل للمال وليس من عبودية لإنسان. ان تحب البشر حسب قول الناصري: «أحبب قريبك كنفسك»، شيء آخر انه هو العطاء حتى النهاية أي حتى الموت. هذا يصطدم كليًّا بعشق الأرزاق وما اليها.

#   #

#

هل الأغنياء فئة شجبها المسيح؟ في الواقع الناصري تكلم عن فئة من الأغنياء كانت عاشقة لأموالها، غير مكترثة لوجود فقراء، غير متعاطفة وإياها، فاصلة نفسها عنها. هم يسوع الناصري أن نكون مجتمعًا واحدًا مع كل البشر لا يفرقنا مستوى اجتماعي بحيث نفهم اننا مؤتمنون على ملك الله.

أموالنا ليست لنا. نديرها فقط لمنفعتنا ومنفعة الناس. المسيحية لا تشرع لاقتناء المال ولا لتوزيعه. هي تقول لكل إنسان: الإنسان الآخر أخوك تعامله بما لك كأخ.

فاذا تصرفت هكذا لا يبقى شرخ بينك وبينه ولا تتصرف باذخا ومترفا ولكنك تتصرف حنونًا ولا تجعل قريبك يقترب من الموت بالجوع أو ما يشبه الجوع لأنه بات من لحمك وعظامك. فما جاء اليك بالوراثة أو العمل ينفقه المحتاجون اليه وتسهر أنت على حاجتهم وتخدمهم كما لو كانوا المسيح.

المسيحية تملي عليك ان تعطي من حولك نسبة من ثروتك. هي تجعل قلبك لا يحس ان له شيئا في هذه الأرض. إذ ذاك تصل إلى وقت لا تؤمن به بالمخاصصة ولكن بالمشاركة.

المشاركة تعني انك لا تقدر ان تقول أنا وحدها ولكنك تقول: أنا وأنت أي تقول فعلاً «نحن». ترجمة ذلك إلى واقعنا المعيش ان نحب الجماعة التي أنت قائم بها وهي قائمة فيك.

ستبقى فروق. «الفقراء معكم في كل حين أما أنا فلست معكم في كل حين». هذا لا يعني ان يسوع يقبل بوجود جائعين. هو يريدنا ان نتعامل والوضع الاجتماعي على ان نقيم العدل وان نقيم فوقه المحبة.

لم يكن يسوع ماورائيا أي مرجئا الخير. «اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم».

المحبة ملكوت الله.

Continue reading