Category

2013

2013, جريدة النهار, مقالات

من فصح إلى فصح / السبت 25 أيار 2013

نحن نقول ان الانسان على فساده يحمل بذرة الخلاص. ما يسميه الغرب الخطيئة الأصليّة ويعني به الموروثة من آدم مع ذنب لا يقبلها الشرق الأرثوذكسي. ليس هناك من ورثة ذنب. الطبيعة البشرية كعهدنا بها تلطخت وفسدت ولكنها ما صارت عدما أخلاقيا. فيك تقبّل لإلهك أو أثر إلهي. فيك خير كامن يعايش الخطيئة، يرافقها. ليس في الكيان البشري فساد شامل ولا من برّ يغطيه تغطية كاملة. هذه أشياء تتخالط في النفس البشرية؛ أعرف نفوسا قريبة من الصفاء ولكني لا أعرف صفاء مبدِّدا فينا كلّ ظلمة. القداسة توق وقبل القيامة الأخيرة ليس من قداسة مكمّلة. والحديث عن الكمال ليس حديثًا عن واقع مكتمل ولكنه دعوة. ما عناه المخلص بقوله: «كونوا كاملين» لا يتجاوز قصده ان اسعوا الى الكمال لأنه بقوله: «كونوا كاملين كما ان اباكم السماوي كامل» ما قصد الا ان توقوا الى الكمال. في السماء نفسها وفي اليوم الأخير ليس من انسان كامل. نحن ما قلنا مرة اذا اعلنّا قداسة انسان انه خال من الخطيئة. نقول انه كان نموذجا في السعي الى القداسة وان هذه كانت همّه الكبير. عندما قال الله: «كونوا قديسين» كان يريد ان هذه دعوة، اشتياق وما عنى القداسة تنصبّ فيك كانصباب الصلب. لو الفضيلة تنصب كاملة لما احتجنا الى صلاة سؤال. «ملكوت الله في داخلكم» عبارة يسوع هذه تعني انكم سائرون الى هذا الملكوت ولا يتحقّق الملكوت في أحد منكم قبل اليوم الأخير.

انتم اجتهدوا ان يكون كلّ يوم من حياتكم كأنّه اليوم الذي تنالون فيه اكليل المجد ولكن هذا الاكليل يضعه المسيح على رؤوسكم من بعد موت ومن بعد قيامة حيث يسطع البرّ في الانسانيّة الممجّدة.

هذه تربية عظيمة على التواضع ان يفهم الانسان انه مكسور ولا يظهر الا مضمّدا امام السيّد. وفي دعائنا القديسين لا نعترف انهم نالوا البرّ كاملا ولكنّا نرجو ان يشاركونا في الصلاة حيث هم لتتألّف جماعة القديسين الذين اكتملوا والذين لم يكتملوا. الأبرار كلّهم في حالة التوق الى ما سوف يعطيهم المخلص ولكنهم في لاهوتنا لم يبلغوا الكمال.

سئلت مرة عمّا اذا كانت مريم في السماء بجسدها. أجبت مع اعتقادي الشخصي بهذا ومع كل الأناشيد التي تبدو فيها هذه القناعة في عباداتنا اننا لم نحدد الأمر عقائديا. أضفت امام انعدام التحديد انا شخصيا اؤمن ان مريم في المجد اي انّ جسدها لم يطرأ عليه فساد. طبعا أعرف ان هذا لا يمكن ان يقوله الا العاشقون.

أنت تخاطب القديسين في الكنيسة التراثيّة لأن «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». القديسون أصدقاؤنا ولهذا يؤمون صلاتنا ولو غائبين في الجسد. انا لا أفهم ان مريم ليست إماما لي عند انتصابي في حضرة الله. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول في عظة الفصح انه لم يبقَ من ميت في القبور واذا أنشدنا في العيد : «المسيح قام من بين الأموات» ستين مرة ندلّ على ان انتقالا ما الى نور الثالوث يحصل في الإنشاد. انشادنا نور وهذا نحمله من أحد الى أحد اذ عندنا الى جانب العيد عيد في كل أحد وهذا العيد الأحدي طاغٍ على كلّ تعييد.

حياتنا فصح. نريدها كذلك. ونتوق ان نكون لأن في الفصح ومعناه العبور من تريد ان تصل اليه اي المخلص ويقول ارمياء النبي: «روح أفواهنا مسيح الرب». رجاؤنا الا نسقط في الحيرة التي وقع فيها التلاميذ قبل القيامة فالحيرة عدم مسيح.

المسيح يصبح بصليبه كل شيء فينا حتى يكشف لنا قوّة قيامته كل يوم بانتصارنا على الخطيئة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الخطف / السبت 18 أيار 2013

الخطف الا يقر خصمك في مكانه لأن مكانه استقرار نفسه ويجب ان يدخل الخلل إلى نفسه حتى يضطرب ويخاف وفي هذا شيء من موت. العداوة هي أولا إقصاء عن المعية، بقاء في التشرذم فالمحبة معية، غلبة لعزلة الأحدية، فيها اثنان معًا ان كان الله بينهما. اذ لا يجتمع اثنان الا اذا الرب جامعهما والا يجتمعان على منافع الدنيا.

المكان الذي أنت منه امتداد لشخصيّتك. الله وحده ليس في حيّز. المكان لا يحدّك بالضرورة. يحددك أي يكون بعضًا من معناك. يصفك وهذا من ذاتك. الملائكة أنفسهم في اللاهوت الشرقي تلحق بهم محدوديّة ما وان كانت تختلف عن محدوديتنا. وأنت أليف الأشياء التي تحيط بك أي هي من مكوناتك. بت ألاحظ في شيخوختي أني لست أحيد عن الأسواق التي مشيت فيها في سني طفولتي. فالإنسان من عينيه والأشياء إلى عينيه. هكذا أحسست أني أشتاق الأسواق العتيقة في مدينتي وان العودة إليها تعيدني إلى اساس أنا قائم عليها في ناسوتي العتيق.

اذا سألوك عن مسقطك قد يكون هذا من باب الفضول ولكن في جوابك تتحرك لنفسك اذ لم تنفصل عن الجنين الذي كنته أو عن أمك التي تبقى أمك حتى رمقك الأخير. لذلك كان إقصاؤك عن مكانك إقصاءك عن الوجود. فالمكان منك وأنت منه إلى ان يردك الله إليه. هو وحده له الحق ان يردك إليه. اما المجرمون فيخطفون اذ لا يحبون شيئًا طيبًا مثل مكانك. اذا خطفوك يبيدون فيك مكانك، يسرقونه وهو ليس لهم.

من المرارات الا تعرف شيئًا عن أحبائك المخطوفين فهذا سلخ عن وجود لك واحد مع أحبة لك. هذا تعد على معية خيرة كانت فيك غنى. كل اعتداء على شراكة بشرية سرقة. الإنسان يعيش مع من يحب، مع الذين اختارهم لحبه وأنت ان خطفته تسرق حبه.

نحن نحيا مع الذين ارتضيناهم أصدقاء اذ لا نحيا بلا تكامل. يأتي الخاطف الشرير ويقول لك: أنا قررت ان هؤلاء ليسوا أساسيين لك فأنا أشردهم حيث أريد والمكان ليس ضروريًا لهم. الجواب ان المرء لا يتنزه في كل مكان ولكن في المكان الذي ارتضاه منذ وعيه المدى. الجمال ينقذ الإنسان من اللامدى. يضعه في وضع ينتعش فيه. واذا بمجرم يأتي ويسلخه عن أرضه، هذه التي نشأ عليها وأحب.

الخاطف لا يخطف إلى مكان، يخطف إلى اللاشيء. هو نفسه ليس عنده مكان الا الجريمة. سلخ الناس بعضهم عن بعض صورة عن الموت الذي لم يكتمل، رغبة في موت لم نتجرأ عليه. إقصاء الآخر عن الذين يحب يأتي من قرار لإماتة لم تحقق جسديًا. ذلك ان كل ما كان ضد المشاركة موت. ليس الإنسان دائمًا جريئًا حتى يقتل. حسبه ان يعذب أو ان يمرمر. «الإنسان ذئب للإنسان». يجب ان ينزل الله إليه ليحب أي ليلقى الآخر.

الخاطف جريمته القصوى تفريق الأحبة. يلجأ إلى ظن ان الإنسان قادر ان يعيش بلا شريك، بلا رفيق، الا يكون محبوبًا. لعل في الخطف نقصًا في شجاعة القتل. الإخفاء نصف إبادة ولكنه مخيف لأنه كثيرًا ما هيأ للإبادة ودائمًا كان مليئًا بالخوف. ومن أذاق الآخرين الخوف فكأنه أبادهم ولم يجرؤ. أظن ان خشية طائفة من طائفة في لبنان فيها رغبة موت ولكن ليس فيها قدرة عليه لعدم الجرأة أو للندم لحيظات قبل القتل.

من مرارات الخطف أنك لا تعرف شيئًا عن المخطوف. ومن أخذه لا يعلن هذا لئلا يقع تحت تأديب القضاء. الخطف يجعلك في اضطراب كبير مع انه لا يستتبع القتل بالضرورة. تخشاه لأنه ليس الموضع الطبيعي للإنسان. أنت، إنسانًا، في طبعك أليف المشاركة ولا تتوقع الإنسلاخ. إنسلاخك عن هذه الدنيا بموتك الطبيعي. فاذا افتعلوا الخطف يقلقونك وجوديًا ولو شعرت انه ليس إلى موت. غير انه ليس من خاطف يضمن أحدًا وأنت ساذج ان صدقت الخاطفين. وأتساءل لماذا يعلنون عن صفتهم هذه؟ ماذا يجنون؟ أنا عشت خطف بعض من أصدقاء كأنهم ماتوا. هم مرشحون للموت. والمجرمون يخيفوننا كما أخافوهم. ماذا يضمن المخطوف؟ الذي أقدم على سلخه عن أحبائه عاطفيًا قريب عن سلخه عنهم وجوديًا. هذا كله من مملكة الموت إلى ان يردنا الله إلى الحياة معه.

خطف نسيب لنا أو صديق يجعلني رجراجًا كالمخطوف اذ يزيل الوحده التي كانت قائمة بيني ومن كان حولي. الخطف كسر المعية التي كانت بيني وبين كثيرين. انه بدء لتسرب الموت، إخلال بوجودنا كجماعة. بالقتل تقول شيئًا صريحًا. تخطف لتخفي ماذا؟

خوفي ان الذي خطف ليس عنده شجاعة كافية ليعلن عن خطفه لأن الخطف يلقي عليه تأديب القانون وهو لا يعرف نفسه مجرمًا كاملاً لأنه ليس بقاتل ولعله يعلل النفس بأن الخطف ليس إلى نهاية. انه ينتهي بإعادة المخطوف كأن الإعادة تكفير عن الخطيئة أو كان الخطف لعب.

كل شيء في الخطيئة يشبه ألعابها لأن الخطيئة على جديتها فيها ما يخل بالنضج، ذلك لأنها في تعليمنا ليست من استقامة الوجود وفي لغة آبائنا ليست من الطبيعة السليمة. غير ان خطأ الخاطئ انه لا يرى ذلك اذ يرى الخطيئة في خط الوجود.

جاذبية الخطيئة انها كاذبة من حيث انها تجعلنا نعتقد انها في منطق الوجود عندما لا نميز بين الوجود السليم والوجود المريض. الفضيلة لتنزل عليك تحتاج إلى ربك. لا تأخذك إليها من مجرد قواك. أنت لا تخسر نتانتك الا اذا لبستك جدة الحياة وهي تنزل عليك من فوق. أنت لا تقدر على شيء من السماء ما لم تهبط عليك السماء وتعانقك. عندئذ تصبح من الإنسانية الجديدة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

اليوم الثامن / السبت 11 أيار 2013

في اليوم الثامن بعد القيامة وكان يوم أحد ظهر المعلم للتلاميذ الذين كانوا مجتمعين خوفًا من اليهود والأبواب مغلقة. يسوع يفتح ما كان مسدودا. يفتح كل الآفاق أمام العيون والعقول. يكسر السدود وجدران الوجود لنذهب معه إلى كل مدى، لنمتد معه إلى اللامدى لنجوب هذا العالم وما فوق العالم، لنقتحم أبواب السماء اذ لم نبق خائفين ممن كانوا اعداءه وممن يجعلون أنفسهم من جهلهم أعداء.

ظهر لهم والأبواب مغلقة. هو يكسر كل مغلق ويفتح الموت على الحياة. اذا رأيته لا تنتظر شيئًا آخر اذ ليس بعده شيء. ذلك لأنه وحده الآتي اليوم وغدا ولا يخلفه أحد. في كنيسة الأصول ما كنا نقول ان له خليفة اذ الخلافة تعني الزمان والمسيح ليس من زمان. الأزمنة تأخذ معناها وفحواها منه. هو ما انطوى ليكون له خليفة. الخليفة يأتي بعده وهو في عمقه ما كان له قبل وما بعده بعد. غير هذا كلمات بشر يريدون فهم التاريخ وهو خطف اليه كل تاريخ.

ظهر لهم والأبواب مغلقة في ذاتها ولم تكن مغلقة دونه. ولما اخترقها قال لأحبائه السلام لكم. تحية في ظاهرها والمراد بها اعطاؤهم السلام أي صلحا مع الله وصلحا مع الوجود وهذا يتطلب نزول الإله إلى مملكة الموت ليزيلها وينشئ ملكوت الحياة.

لا تفتح الأبواب الموصدة بين الناس في كل أزمنتهم الا اذا كسرها المسيح لأن القلوب بينها تنافر كثير وتحتاج إلى ان يدخلها ليزول النفور الا ان القلوب لا تتلاقى الا اذا انسكبت عليها النعمة لتلتقي. الإنسان ليس بآلة في تدبير أموره. يحتاج إلى إله يضع فيه طراوته ليزول عنه اليباس. فالقلب على يباس تارة وعلى طراوة أطوارًا. ولا يعلو من ذاته ما يعني ان فيه طاقات؟ من يفعّلها؟ اذا لم يسكنه الرب فهو قادر ان يستقبل الجمال الزائف. الانسان الذي لم يملأه الله من وجوده عرضة لاستقبال كل البشاعات.

في إيماننا نحن ان فاتح القلوب إلى أية جهة انتمت هو يسوع الناصري الوديع والمتواضع القلب ويعني هذا في سر إلهي انه يسكب قلبه في قلوب الودعاء إلى ان تصير مثل قلب الله.

دخل السيد إليهم والأبواب مغلقة وقال لهم السلام لكم. «سلامي لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا». القضية بينك وبين الله انك عدوه بالخطيئة. هذه لا تزول الا اذا ازالها الله بسلامه أي اذا جعلك في حالة سلام مع أبيه.

بعد ان سلم السيد عليهم فرحوا اذ أبصروه. الرب يرانا أولا بعطف منه حتى نقدر ان نراه. كيف رأوه أو ماذا رأوا؟ يقول الكتاب انهم رأوه وعليه آثار العذاب. ولكون أحدهم شك ظهر له المخلص وقال له: «هاتِ إصبعك إلى ههنا وعاين يديّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمنَ: ارتضى المخلص الا يؤمن به توما بمجرد التصديق ولكن بلمسه. يتنازل الرب إلى حالة التلميذ الشاك ولا يأنف ان يتلمس هذا منه شيئا. هذا لقاء معطي الإيمان بالإنسان الشاك.

يسوع لم يقابل الشك بالتأنيب. تنازل إلى وضع الشك لأنه يلاقي الخاطئ ويعطيه سلاما كما أعطى المرأة الزانية. «اذهبي بسلام ولا تخطئي بعد». لم يخف خطيئتها. ذكرها في مرحلة ثانية من الحديث. بعد ان يطمئن الخاطئ إليه ويقيم يسوع سلاما معه يذكره بالأيام الآتية عليه وهي أيام توبة. والتوبة هزة قبل حصول الاطمئنان. والتوبة، لغة، رجوع إلى وجه الله وهذا يعني انسلاخا عن وجوه الخطيئة. التوبة ان لم تكن انسلاخًا كاملاً مزاحًا تكون. صعوبتها الكبيرة انها لا تقبل المساكنة مع أية ذرة من ذرات الخطيئة. ليس في التوبة مسالمة لأية جزيئة من جزيئات الشر. فأنت تخرج منها أو لا تخرج. واذا بقيت على شيء منها موتا تموت.

صعوبة عيشنا مع الله انه لا يرتضي مساكنة أي إله آخر. وكل إله آخر كاذب لأنه يأتي من ميتات الشهوة التي فينا.

يبدو الله انه منشئ الصحارى في القلوب. أنت على دروب الصحراء ان لم تصل إلى المياه التي يفجرها لك الله فيها. في الصحراء ليس الا الله. وأنت تعايشه في الجفاف الذي حولك أو فيك. أنت تعايش ربك كما أنت، بلا شرط فيك. إذا كنت على هذا لا تبقى دونك أبواب مغلقة. تقع كل السدود وتسير في حرية الله إليه. والمسيرة نفسها بعض حياة الا ان ترتمي في أحضان ربك ارتماء نهائيًا. اذ كل شيء ان تراه وهذا أقوى من الإيمان. هذا محبة. وعند المحبة القصوى تكون قد ربحت ربك ربحًا كاملاً يبيد منك كل أثر من الخوف اذ «لا خوف في المحبة».

لست مخطئًا ان أردت ان تلمس ولكن لا لمس حقيقيًا لا بالحب أو ليس الحب في معناه الحقيقي لمس الرب؟ بهذا المعنى الحب أقوى من الإيمان. هذا في كلام الرسول إلى ان نبلغ الرؤية. والرؤية هي اللصوق. القول التراثي ان الرؤية في حالتها المكملة آتية لا يمنع ان نستبق الرؤية بالحب. الرؤية هي اللصوق وهي أعلى مرتبة من مراتب الحب.

الحب عندنا نحن أتباع الناصري آت من قيامته لأن القيامة هي الانتصار على الموت والنصر هذا استمرار قيامته فينا وفي الوجود. أفهم الذين ليسوا على دين قيامته ان يقولوا لي، أليست عندنا حياة روحية نازلة علينا من الله مباشرة وتوا؟ لماذا تقول انها تعبر المسيح لتصل إلينا؟

أنا لا أنكر على أحد نزول النعمة إليه ولكني أنا قرأت الناصري يقول: «لا أحد يأتي إلى الآب الا بي» وحاولت ان اتبع كلمته هذه. ان يذهب كثير من القوم إلى أبيه دون ان يذكروه، من أكون لأنكر حقهم بهذا الإيمان. أنا لا يعني لي شيئًا الخيار بين ان أذهب إلى الله مباشرة أو ان أذهب إليه عن طريق المسيح. اذ ليس من مسيرة عندي إلى الله الا والمسيح في وسطها أو على امتدادها. أنا لا خيار عندي بين وجه الناصري ووجه أبيه. «من رآني فقد رأى الآب».

كل لقاء مع المسيح يتم فيه أمامي انكشاف وجه الله. صح ان بولس قال عن المسيح انه وسيط بيننا وبين الله. هذا كلام عن بشريته ولكن كتابه قال أيضًا عنه انه الألف والياء، البداءة والنهاية. هل الآب هو نهاية النهايات؟ لا شك اننا هناك نركن ونستريح.

السبت 11 أيار 2013

في اليوم الثامن بعد القيامة وكان يوم أحد ظهر المعلم للتلاميذ الذين كانوا مجتمعين خوفًا من اليهود والأبواب مغلقة. يسوع يفتح ما كان مسدودا. يفتح كل الآفاق أمام العيون والعقول. يكسر السدود وجدران الوجود لنذهب معه إلى كل مدى، لنمتد معه إلى اللامدى لنجوب هذا العالم وما فوق العالم، لنقتحم أبواب السماء اذ لم نبق خائفين ممن كانوا اعداءه وممن يجعلون أنفسهم من جهلهم أعداء.

ظهر لهم والأبواب مغلقة. هو يكسر كل مغلق ويفتح الموت على الحياة. اذا رأيته لا تنتظر شيئًا آخر اذ ليس بعده شيء. ذلك لأنه وحده الآتي اليوم وغدا ولا يخلفه أحد. في كنيسة الأصول ما كنا نقول ان له خليفة اذ الخلافة تعني الزمان والمسيح ليس من زمان. الأزمنة تأخذ معناها وفحواها منه. هو ما انطوى ليكون له خليفة. الخليفة يأتي بعده وهو في عمقه ما كان له قبل وما بعده بعد. غير هذا كلمات بشر يريدون فهم التاريخ وهو خطف اليه كل تاريخ.

ظهر لهم والأبواب مغلقة في ذاتها ولم تكن مغلقة دونه. ولما اخترقها قال لأحبائه السلام لكم. تحية في ظاهرها والمراد بها اعطاؤهم السلام أي صلحا مع الله وصلحا مع الوجود وهذا يتطلب نزول الإله إلى مملكة الموت ليزيلها وينشئ ملكوت الحياة.

لا تفتح الأبواب الموصدة بين الناس في كل أزمنتهم الا اذا كسرها المسيح لأن القلوب بينها تنافر كثير وتحتاج إلى ان يدخلها ليزول النفور الا ان القلوب لا تتلاقى الا اذا انسكبت عليها النعمة لتلتقي. الإنسان ليس بآلة في تدبير أموره. يحتاج إلى إله يضع فيه طراوته ليزول عنه اليباس. فالقلب على يباس تارة وعلى طراوة أطوارًا. ولا يعلو من ذاته ما يعني ان فيه طاقات؟ من يفعّلها؟ اذا لم يسكنه الرب فهو قادر ان يستقبل الجمال الزائف. الانسان الذي لم يملأه الله من وجوده عرضة لاستقبال كل البشاعات.

في إيماننا نحن ان فاتح القلوب إلى أية جهة انتمت هو يسوع الناصري الوديع والمتواضع القلب ويعني هذا في سر إلهي انه يسكب قلبه في قلوب الودعاء إلى ان تصير مثل قلب الله.

دخل السيد إليهم والأبواب مغلقة وقال لهم السلام لكم. «سلامي لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا». القضية بينك وبين الله انك عدوه بالخطيئة. هذه لا تزول الا اذا ازالها الله بسلامه أي اذا جعلك في حالة سلام مع أبيه.

بعد ان سلم السيد عليهم فرحوا اذ أبصروه. الرب يرانا أولا بعطف منه حتى نقدر ان نراه. كيف رأوه أو ماذا رأوا؟ يقول الكتاب انهم رأوه وعليه آثار العذاب. ولكون أحدهم شك ظهر له المخلص وقال له: «هاتِ إصبعك إلى ههنا وعاين يديّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمنَ: ارتضى المخلص الا يؤمن به توما بمجرد التصديق ولكن بلمسه. يتنازل الرب إلى حالة التلميذ الشاك ولا يأنف ان يتلمس هذا منه شيئا. هذا لقاء معطي الإيمان بالإنسان الشاك.

يسوع لم يقابل الشك بالتأنيب. تنازل إلى وضع الشك لأنه يلاقي الخاطئ ويعطيه سلاما كما أعطى المرأة الزانية. «اذهبي بسلام ولا تخطئي بعد». لم يخف خطيئتها. ذكرها في مرحلة ثانية من الحديث. بعد ان يطمئن الخاطئ إليه ويقيم يسوع سلاما معه يذكره بالأيام الآتية عليه وهي أيام توبة. والتوبة هزة قبل حصول الاطمئنان. والتوبة، لغة، رجوع إلى وجه الله وهذا يعني انسلاخا عن وجوه الخطيئة. التوبة ان لم تكن انسلاخًا كاملاً مزاحًا تكون. صعوبتها الكبيرة انها لا تقبل المساكنة مع أية ذرة من ذرات الخطيئة. ليس في التوبة مسالمة لأية جزيئة من جزيئات الشر. فأنت تخرج منها أو لا تخرج. واذا بقيت على شيء منها موتا تموت.

صعوبة عيشنا مع الله انه لا يرتضي مساكنة أي إله آخر. وكل إله آخر كاذب لأنه يأتي من ميتات الشهوة التي فينا.

يبدو الله انه منشئ الصحارى في القلوب. أنت على دروب الصحراء ان لم تصل إلى المياه التي يفجرها لك الله فيها. في الصحراء ليس الا الله. وأنت تعايشه في الجفاف الذي حولك أو فيك. أنت تعايش ربك كما أنت، بلا شرط فيك. إذا كنت على هذا لا تبقى دونك أبواب مغلقة. تقع كل السدود وتسير في حرية الله إليه. والمسيرة نفسها بعض حياة الا ان ترتمي في أحضان ربك ارتماء نهائيًا. اذ كل شيء ان تراه وهذا أقوى من الإيمان. هذا محبة. وعند المحبة القصوى تكون قد ربحت ربك ربحًا كاملاً يبيد منك كل أثر من الخوف اذ «لا خوف في المحبة».

لست مخطئًا ان أردت ان تلمس ولكن لا لمس حقيقيًا لا بالحب أو ليس الحب في معناه الحقيقي لمس الرب؟ بهذا المعنى الحب أقوى من الإيمان. هذا في كلام الرسول إلى ان نبلغ الرؤية. والرؤية هي اللصوق. القول التراثي ان الرؤية في حالتها المكملة آتية لا يمنع ان نستبق الرؤية بالحب. الرؤية هي اللصوق وهي أعلى مرتبة من مراتب الحب.

الحب عندنا نحن أتباع الناصري آت من قيامته لأن القيامة هي الانتصار على الموت والنصر هذا استمرار قيامته فينا وفي الوجود. أفهم الذين ليسوا على دين قيامته ان يقولوا لي، أليست عندنا حياة روحية نازلة علينا من الله مباشرة وتوا؟ لماذا تقول انها تعبر المسيح لتصل إلينا؟

أنا لا أنكر على أحد نزول النعمة إليه ولكني أنا قرأت الناصري يقول: «لا أحد يأتي إلى الآب الا بي» وحاولت ان اتبع كلمته هذه. ان يذهب كثير من القوم إلى أبيه دون ان يذكروه، من أكون لأنكر حقهم بهذا الإيمان. أنا لا يعني لي شيئًا الخيار بين ان أذهب إلى الله مباشرة أو ان أذهب إليه عن طريق المسيح. اذ ليس من مسيرة عندي إلى الله الا والمسيح في وسطها أو على امتدادها. أنا لا خيار عندي بين وجه الناصري ووجه أبيه. «من رآني فقد رأى الآب».

كل لقاء مع المسيح يتم فيه أمامي انكشاف وجه الله. صح ان بولس قال عن المسيح انه وسيط بيننا وبين الله. هذا كلام عن بشريته ولكن كتابه قال أيضًا عنه انه الألف والياء، البداءة والنهاية. هل الآب هو نهاية النهايات؟ لا شك اننا هناك نركن ونستريح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أتى العيد / الجمعة 4 أيار 2013

«من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية» لا تحتاج إلى تفسير المفسرين إلا قليلا. قال أكابرنا الجسد هو الذات والدم الحياة. وليس بعد ذلك من تأويل. من أنا لأزيد؟ بعد قولهم ليس من قول. هل جسده كلامه؟ ان كنا نفهم الفلسفة التي في الكتاب الطيب نؤمن بهذا وندرك ما هو أعمق ان كلامه هو.

ليس في هذا سجال. فالقديسون الذين فسروا جسده على انه القرابين كانوا على حق ومن قال انه تعليمه كانوا أيضًا على حق فاذا كان تعليمه هو هو فالقربان هو أيضًا هو. وفي سر شخصك هل من وحدة بين كلام إنجيلك وما سميته أنت جسدك ودمك؟ من عرف في العمق فكر الله يدرك ان كلامه عن جسده ودمه كلام عن ذاته وليس بعد ذاته الا كلام عن ذاته حتى نفهم كل شيء في اليوم الأخير.

ولكن كل هذا لا يدركه الا المقربون. اجعلنا، ربي، منهم علني أفهم شيئًا من ذاتك. اذا أكرمت وغفرت لنا خطايانا نقدر ان نفهم. أنت قلت: «يا بني أعطني قلبك». وأردت بذلك ان نخلي القلب مما عداك كي لا يتعرقل الفهم.

يقبل العيد عند المشارقة بعد أيام معدودات ونتقبله استباقًا الحب لمعرفتنا انا به نحيا. نحن نحيا بتوقنا إلى إماتة المسيح لخطايانا أي بيقيننا ان الغلبة آتية فينا بوعد الحياة التي تنتقل منه إلينا وإلى العالم.

كل شيء في المسيحية حادثة ووعد. الإيمان هو إيمان بواقع يؤتيك الخلاص. والواقع حدث ماضٍ بعضه يثبت تاريخيًا بالشهود. منطقيًا لا تحتاج الواقعة الا لتثبت واقعي بالشهود والوثائق. مع ذلك أصر العهد الجديد على اعتبار موت المسيح موضوع إيمان أي ما هو أكثر من واقعة تاريخية وهذه ما يؤكدها أي مؤرخ ملحد لو كان عائشًا في ذاك الزمان. ولذلك كان أي إعلان بعدم موته ليس قولاً تاريخيًا بل موقف عقائدي لا مجال لمناقشته.

لذلك ليس لنا ان نرد على القائلين بعدم موته. هذا اذا سلكنا منطق الواقعية التاريخية. اما اذا لم نسلك هنا المنطق فتكون قد تنحينا عن المنهج التاريخي لنعتمد منهجًا عقائديًا.

فاذا ما قال المسيحيون بموته فإنهم في استنادهم إلى المصادر الرومانية الوثنية لهم حجتهم وفي دعم هذه الحجة بمصادرهم وهي تاريخية وليست فقط من عقيدتهم. الإنجيل ان آمنت به أم لم تؤمن به مرجعًا تاريخيًا من القرن الأول أو القليل منه من بدء القرن الثاني وثيقة ثابتة بأقوال الشهود أو أتباعهم الذين تركوا لنا آثارهم من ذلك الزمن. صعوبة دحضك المسيحية الأولى على مستوى ما أوردته من وقائع ان هذه الوقائع ثابتة بالمخطوطات أنت لا تستطيع ان تثبت علميًا ان هذا الذي رآه التلاميذ من «بعد القيامة» هو إياه الذي صُلب فهذا من الإيمان ولكنك ان كنت مثقفًا غير مرتهن لموقف عقائدي لا تستطيع ان تنكر صلبه حادثة مادية. لا يبقى عليك إذ ذاك، الا ان تستند إلى ما تعتبره وحيًّا أي تفسيرًا لنصوص عقائدية. ونكون عند ذاك في مقابلة بين نصوص تأويلية ونصوص أخرى تعتبرها أنت تأويلية.

جوهر المسيحية كله الإيمان بأن موت يسوع الناصري حدث مادي ثم في ظل ولاية بيلاطس البنطي على اليهودية حول السنة السادسة والثلاثين ميلادية. حول هذا ليس من حوار. أهمية الموقف المسيحي من موت الناصري كامنة في ان إعدام بيلاطس ليسوع الناصري موقف ولا يحتاج إلى شهادة الأناجيل وحدها. وان قوة الموقف المسيحي حول واقعية موت الناصري لا تحتاج إلى إيمانك ولكن إلى إقرار الوثائق الرومانية الوثنية التي تتكلم عن هذا الموت.

أنت حر الا تقبل الإيمان بالمسيح ربًّا ومخلصًا فهذا ليس من التاريخ ولكنك لست حرًّا في الا تقبله قد مات الا اذا وقفت موقفًا لا تقره واقعية التاريخ. يزيد المسيحيون على هذا قولهم ان موته هو من الإيمان اذ يعطون لهذا الموت قيمة خلاصية.

نحن لا نأتي إلى واقعية موته من إيماننا ولكنا نبني إيماننا على واقعة الصلب وهي واردة في النصوص الرومانية.

قصتنا مع الذين لا يرون ما نرى اننا دين يثبت وقائعه في مصادره. أجل الواقعة لا تلزمك بإيمان محدد ولكن الإيمان ان لم يستند إلى واقع يكون منفصلاً عن التاريخ كليًّا.

نحن ديانة جانب أساسي فيها صلب يسوع الناصري وعجائبه في فلسطين وتعاليمه. الكثير من هذا واقع تحت مجهر الفحص الواقعي وبعض آخر يقع تحت التصديق. أقول هنا ان قيامة المخلص تصديق لأنك لا تستطيع ان تثبت عقليًا ان الذي رآه التلاميذ الكثيرون بعد القيامة هو الذي قام حقًا. هذا من الإيمان. الإيمان ليس ضد العلم ولكنه ليس من العلم ولا مناهجه كمناهج العلم.

كل صدقية الإيمان في القلب المؤمن. هذا لا يعني ان الإيمان لا يمت بصلة إلى الوقائع. ولكنه ان لم يكن على تماس ما بالواقعة يكون نسج خيال.

من هذه الزاوية ماذا تعني لنا قيامة يسوع الناصري؟ ما قالته الأناجيل ان هذا الذي رآه أتباعه قد قام هو إياه الذي مات. لا تقول شيئًا آخر. لا تتحدث عن انتعاش جثة. لا تصف انتقال يسوع من وضع ميت إلى وضع حي أو محيا. تقول ان هذا الذي رأيتموه الآن حيًّا هو إياه الذي علق على خشبة. أما كيف تم الانتقال من وضع ميت إلى وضع حياة فهذا لم تأتِ عليه النصوص.

ما هم الأناجيل التأكيد على ان يسوع الناصري بعد ذبحه الكامل على الصليب ظهر حيا، أكل وشرب وبقي حيا وظهر لإخوته ولمسوه وأطلق حياة جديدة في العالم ونوعًا آخر من البشر تحدى الموت اختيارًا بشجاعة مذهلة وتوقًا إلى القيامة وذلك فقط بعشق ليسوع الناصري.

كل مسيرة المسيحيين الأوائل والكثير من المتأخرين تدل على ان الكثير من لذائذ العالم لم يجذبهم. من كل وثائق الشهداء الرومانية والسوفياتية ترى ان ما كان يحيي المسيحيين كان أقوى من الموت كان فيهم سرّ لا يفسر سيكولوجيا. كيف ماتوا في الإمبراطورية الرومانية وغيرها جيلاً بعد جيل مسحوقين غير متوقعين الا مجدا غير منظور؟ ما سرّ ارتضائهم العيش في فقر يظلون فيه أحباء للرب، مكروهين من مضطهديهم، في هزء من الكثيرين؟

كيف تأكل لحومك الوحوش وأنت لا تتفجع وتقول نساؤك لأطفالهن الا يبكوا على افتراسهم؟ كل هذا سرّ بقي مغلقًا على العقول حتى طلب الشهداء بلسان إغناطيوس الأنطاكي ان يُطحنوا بين أضراس السباع ليصيروا «قربانًا مقبولاً عند المسيح».

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

يسوع إلى أورشليم / السبت 27 نيسان 2013

دخول يسوع إلى أورشليم في ذكرى الغد عند المسيحيين المشارقة يدل على ارتضائه الموت.، هذا الذي جاء يحققه حبا بنا. هو كان موته من أجل احياء البشر فيه بعد ان صلّى ليكونوا بذلك واحدا به كما هو واحد مع الآب.

ما من شك ان وجها من وجوه الفصح ان نكون واحدا مع الآب الذي هو المبتدأ والمنتهى. الآب كثيرا ما كان منسيا عند عامة المسيحيين وهو الأول والآخر. المسيح من حيث هو بشر متألم ليس نهاية كل شيء. ان أنت نسيت انه الطريق إلى أبيه تخطئ فهم خلاصه. كان له ان يدلك أيضًا على انه آخر الطريق بالموت الذي ارتضاه لتكون أنت معه وترث الحياة التي فجرها بالقيامة.

وكان بدء الطريق بالشعانين أي بدخوله أورشليم لتقتله البشرية فيها. كل البشرية ممثلة باليهود قتلته. مصير ابن البشر كما رسمه الآب ان يقتله الناس اذ كان قبوله هذا القتل علامة حبه والمنفذ إلى قيامته.

ولا تقتله الا اورشليم ذابحة الأنبياء والمرسلين اليها. في مقاصد الآب ان يموت ابنه قتلا من قبل الناس وحبا من قِبله. هذا هو سلوك الناس من جهة وسلوك الله من جهة. كان التصميم الإلهي ان يلتقي البشر ومخلصهم بالدم وبالتحرر من الدم إلى الأبد.دخل ابن الانسان مدينة الله في أحد الشعانين في كامل تواضعه ملكا على البشرية لتقتله هذه هذه بتفويضها اليهود لقتله. وكان هذا في القصد الإلهي اذ كان المسيح هو الذبيح قبل انشاء العالم.

هذا هو السر المكتوم منذ الدهور ان البشرية قتلت مسيح الله مجرمة ثم مغفورا لها من بعد لأن رد الله على الجريمة الحب.

يدخل يسوع الناصري مدينته المذنبة لأن أباه كتب عليه موتا كان للبشر جميعا خلاصا وقيامة. ما قاله يسوع وكان جديدا، ما قاله لمرتا أخت إليعازار: «أنا هو القيامة والحياة». كل ما قبل هذا الكلام وعود من الله انه هو يحيي الناس. يسوع الناصري قال عن شخصه انه هو الحياة. وأتى بهذه المفارقة انه ينبغي ان يموت ثم أتبع هذا الكلام بأنه سيقوم.

غير انه لم ينعت قيامته بأنها حادث فقط ولكنه قال أيضا: «أنا القيامة والحياة». هذا ليس له معنى باللغة. هو لم يقل فقط انه يعطي القيامة. قال عن نفسه انه هو القيامة أي لم يقل فقط: أنا المقيم وكأنه قال: ان أنت كنت فيّ سأدخلك ذات القيامة. هذا ليس له معنى بلغة الواقع ولكن يسوع الناصري يحيرك بأنه ينقلك عن واقعك المألوف ليشركك في واقعه.

#   #

#

ما كان السيد المبارك جزءا من الحياة. كان كل الحياة ولا تستطيع ان تفهم ذلك بالتفصيل العقلي. ينبغي ان يدخلك هو سره لتفهم. وبدء الفهم انه دخل أورشليم لتقتله لمعرفته انه في مكوثه فيها ستذبحه كما ذبحت الأنبياء قبله وانه بهذا يتمجد وتتمجد أورشليم ان تابت. وتنتهي بموته كل إقامة هنا في الأرض اذ بهذا الموت ورثنا الحياة الأبدية الحاضرة بروحه فينا منذ الآن حتى تكتمل الرؤية بالإيمان واقتبال روحه القدوس.

كانت قبل يسوع الناصري شهادات بطولة وكانت بحجمها صورة عن مجد المسيح، هذا الذي بدا عليه لما كان معلقا على الخشبة. في صلبه وقيامته صار لنا كل المجد.

مجده سطع في تواضعه لما دخل أورشليم. هي ما صارت مدينة الله الا عند قيامته من بين الاموات اذ سطع مجده آنذاك بصورة بليغة. سمو المسيح بدا أولا لما كان معلقا على الصليب. والعجائب كانت إفصاحا عن هذا المجد. ولكن غلبته على الخطيئة والموت ظهرت جليا عند موته. قيامته تعبير آخر عن المجد الذي كان عليه كاملا لما كان مرفوعا على خشبة العار. هو الذي حول عار الموت إلى النصر. من هنا انه ليس من فارق في الفاعلية بين موته وقيامته. انه لم يغلبه الموت لحظة. انبعاثه صدر عن الميتة التي رغب في ان يموتها. قيامته من بين الأموات كانت جلاء لنصر حققه على الصليب وبالصليب أتى الفرح لكل العالم. الفصح إفصاح عن ظفر كمل فيه وانتشر على العالمين. عند موته تم النصر كاملا وأُعلن عنه إعلانا بقيامته لأن الخلاص لم يأت فقط من موت. الخلاص كان في شخصه.

في دخوله أورشليم قاتلة الأنبياء أبان مسيرته إلى الموت. وفهمنا بعد هذا ان الشعانين كانت تمهيدا للفصح. حوادث مختلفة أبانت بسبب من محبته انها موصولة، انها مراحل حب واحد وأنت لا تستطيع ان تهمل أية حادثة بين أحد الشعانين وفجر الفصح. كلها فصح واحد لأنه بها كشف تعابير مختلفة لاحتضانه ايانا في حركة حب واحد. ولكن ارتضى هو مشيئة الآب ليعبر خط خلاص واحد في مظاهر له مختلفة بين العشاء السري ونهوضه فجر الاحد العظيم. ولكن بسبب من حبك له لا تقدر الا تجمع في ذاكرتك كل الأحداث التي ذكرها الكتاب العزيز لأنها منذ ليلة التسليم حتى ظفره صباح القيامة تؤلف مطلات واحدة له.

#   #

#

أنت لا يحق لك ان تسمر ألحاظك على حادثة من حوادث الخلاص اذ يجب ان ترافق المعلم الى كل المحطات التي ذكرها الكتاب وبعد كل حادثة له من حوادث فدائه نقول في الصلاة انه أتمها لأجل خلاصنا كأن الخلاص مسيرة تنتهي بالقيامة وعندنا تصير القيامة وعدا بالروح القدس. ولذلك اذا ذكرنا في خدمة الآلام حادثة معينة نقول انه أتمها لأجل خلاصنا.

فكان عليك اذا ان تستلذ روحيا كل مراحل خلاصه ولا تهمل عملا قام به اذ التأمل بكل أعمال السيد تناول منك لقدسية كل عمل وفرادته. طوبى للذي يعرف ان ينتقل من مرحلة إلى مرحلة في مسيرة الرب بفرح واحد وان يقف عند كل محطة لأن كل ما كتب كتب لأجل خلاصنا. فرحنا الكامل ينبع اذًا من كل حدث جرى للسيد ومن مرافقتنا لكل ما قام به المعلم وتركيزا وليس حصرا من العشاء السري إلى لحظة القيامة في انتظار نزول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة وعلينا في كل قداس إلهي.

بورك السيد في كل أعمال خلاصه وقدر الله لنا ان نذوق كل أعماله واحدا واحدا حتى فجر القيامة التي هي فرح كل العالم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء إلى الله / السبت 20 نيسان 2013

الفقراء هم فقراء إلى الله، لماذا انزعج كارل ماركس من هذا؟ اذا كان الرب عند المؤمن مصدر الوجود من ينكر عليه حقه باللجوء إلى الله سوى من اعتقد مثل ماركس ان الله اختراع الحاجة الإنسانية؟ الفقير إلى الله ليس من اضطر إلى هذا الشعور بسبب من فقره ولكنه من احس بدافع عميق من ذاته ان الرب يشبعه حياة ولا يغنيه من مال. المحتاج في أعماقه إلى الرب يأتي إلى ربه بسبب من حاجة إلى حنانه. وهب انه يأتيه من فاقة فما الخطأ في ذلك؟ الرب يأخذنا اليه من حيث نحن. فاذا أخذنا من جوع كما يرى ماركس فماذا يزعج ماركس. هل يعني اننا اخترعناه لأننا لمسنا اننا في حاجة اليه؟ هل الحاجة تستثير الخيال بالضرورة ام ان ما تطلبه موجود؟

لماذا يصر الماركسيون على اننا اخترعنا الله اختراعا لكوننا نبتغي قضاء حاجاتنا؟ من قال لهم ان هذه الحاجة ليست قائمة في الانسان وفي قلبه أو اعصابه وهل القلب والأعصاب وهم؟ وهل يريدون دليلا اعظم أو اقوى من دليل القلب؟ دائما يصدمني عند الملحدين أو الشاكين أو المتقلب ايمانهم ادعاء اللجوء إلى العقل كأنه في الحقيقة رجوع إلى العقل في حين ان ما يسمونه كذلك خيارات اختاروها وأوهموا الناس انها خيارات العقل.

#   #   #

عند الملحدين كذبة كبيرة هي ايهامهم الناس ان ما ليس من الايمان من بنات العقل في حين يمكن ان يقال من بنات الخرافة. واذا افترضنا ان ما كان خارج الايمان هو من العقل من قال ان كل عقل راجح. ليس من عقل في المطلق. هنا عقلي أو عقلك اي هو منسوب إلى كل ما في داخلي أو داخلك. ليس من كيان واحد في الناس جميعا ترجع انت اليه. كل عقل متعلق بصاحبه بكل ما فيه من معتقدات مسبقة ومن تخيلات وأوهام. ليس من مقياس واحد ثابت اسمه العقل. كل العقول تأتي من دين ورثته أو خياراتها السياسية.

كذبة المتشككين قولهم انهم يريدونك ان تعود إلى العقل. عندما ينكرون الايمان يريدونك في الكفر وهو ايمان اختاروه لأنفسهم. الكافر قرر ان الله غير موجود وفي الحقيقة عنده إله آخر هو العقل أو المال أو الحزب أو الجنس. ليس من انسان غير مشدود إلى ما هو غيره. لا يقوم دين الا بإله هو غيرك. من هنا قولنا اننا فقراء إلى إله ليس فقط يغنينا بنعمته ولكنه يقيمنا من كل عدم نقع فيه اذ كل ما عداه عدم.

«طوباكم ايها الفقراء » ورد كلام يسوع هذا في انجيل لوقا ويقول المفسرون ان في هذا تطويبة الفقراء. واذا كان الفقر بحد نفسه ليس نعمة فلماذا قال السيد هذا القول؟ الجو الذي كان سائدا في فلسطين لما تفوه يسوع الناصري بهذا الكلام ان الفقراء كانوا ايضا فقراء إلى الله. ربما كان بعض منهم حتى اليوم كذلك. اما اذا كان بعض منا قد استغنى (اي صار غنيا) فلنا ان نفتقر إلى الله اي نعتبره وحده الوجود وان كل شيء آخر حقيقي بسبب هذا الوجود.

صعب على الأغنياء ان يحسوا انهم فقراء إلى الله. هذا يتطلّب منهم ان يشعروا حقيقة ان كل ما اقتنوا ليس بشيء. ان يصبح المال لا شيء للغني اعجوبة اذا حدثت عنده، قد تكون السماء نزلت عليه. يكون، وكأنه، قد صار مثل المسيح عاريا على صليبه. يكون الله أمسى عنده كل الوجود. يتحقق عند ذاك، فقره إلى الله.

لا يصبح الانسان هكذا الا اذا انسلخ عن عشق الوجود. من عرف الشوق الالهي ووقف عنده لا يحتاج إلى شيء آخر اذ يصير له ربه ملء القلب. معنى ذلك انك اذا احببت شخصا أو شيئا آخر لا ينثلم بذا حبك الوحيد لله. أدنى ما في هذا انك لا تساوي بين محبتك لله ومحبتك للمخلوقات من حيث القدر وان كان الحب واحدا في نوعيته.

كيف يكون القلب كله لله وتضم اليك اشخاصا أو اشياء من الوجود؟ اظن ان هذا جوابه عند القديسين لأن العاديين من الناس يميلون إلى الشرك. ولا يقع في الشرك من استحوذ عليه مجد الله حتى لا يستطيع ان يرى وجها آخر اذ الحب لا ينقسم.

الفقر إلى الله يبدأ من نعمته القادرة ان تجعلنا نراه وحده. وهذا من المبدأ القائل ان الرب مبدئ الحياة الالهية فينا. والفقر كامل اذا كانت النعمة كاملة. ومعنى ذلك ان تؤمن ان ليس فيك ما يضاف إلى الله اذ هو مبدئ الوجود وكل الوجود.

اذا استطعت ان تخلي نفسك من ذاتك تكون قد دعوت الرب إلى ان يصبح ملء ذاتك. عند ذاك يزول التحير بينك وبينه أو بين ما لك وما له. الذين تجاوزوا العقل المحض إلى الرؤية الإلهية يقولون : هذا سؤال لا يرد عند من اتحدوا بربهم في الرؤية. ربما ساغ ان يبقى سؤالا فلسفيا. بطل ان يكون سؤالا روحيا لأنك انت والله تصبحان روحا واحدا كما أكّد بولس. ويزول السؤال الفلسفيّ: كيف يصير الاثنان واحدا لنصير امام التأكيد الروحي: انت والله امسيتما واحدا في الحب.

وبعد الحب لا حاجة إلى تأكيد شيء لأنه هو النور الذي به نشاهد كل شيء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الآخرون / السبت 13 نيسان 2013

«لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص» (مزامير 146: 3). الاتكال ان تجعل الآخر وكيلا لك عند الله أو عضدا لك عنده لأنك تعرف نفسك فقيرًا وتخشى عجزك عن رؤية الله وان يكون هو وحده متكأك. أنت تسعى في وحدتك إلى ثنائيّة وهي غير كافية لتتجاوز بها عزلتك. الثنائيّة هي الوجه إلى الوجه واذا كان كل وجه هشّا تكون رميت نفسك في هشاشتين.

تكون قد ظننت نفسك اكتملت في الثاني ولكنه بسبب مما يعوزه من الوجود لا يوصلك إلى اكتمال كيانك. يسندك فقط وقد لا يأتي سنده عظيمًا فتنهاران معًا. نقصانان نحن لا يصيران وحدة. فاما اذا اتحدت بالله بمعرفة محبوبيتك عنده تغدو واحدا فيه. أنت بالمحبة لا تضيف على الله شيئا. تكتمل أنت به. تكتمل نسبيا قبل رؤية الملكوت. ولكن هذه الرؤية هنا سابقة للوجود الكامل عند رؤيتك الله بالموت. عند ذاك، تكون قد أكملت سعيك.

كلّ كمال على الأرض فقط سعي إلى ان يكلّلك الربّ في اليوم الأخير. لذلك لا نبلغ الرؤية كاملة لا قبل الموت ولا بعده اذ لا يسعك ان تكمل الا مع القديسين اذا اجتمعوا إلى ربّهم في اليوم الأخير. الخلاص هو للجميع مجتمعين. قبل ذلك نحن في السعي.

أنت تكمل بالضعفاء اذا احببتهم فانتشلتهم. كل البشريّة مجموعة مهمشة ترى إلى مجدها فقط في اليوم الأخير. وأنت في هذه المجموعة عندما تنضمّ اليها بالحب. أنت منها واليها في الرجاء اعني رجاءك إلى الله. ليست كلمة واحدة في الكتاب تعدك بالمحبوبيّة اذا أنت أحببت. الجواب عن حبك ما قال عنه الكتاب ان له مردودا. قد يردّ إلى الحب البغض الظالم أي الذي ليست ذاتك منبعا له. اذا كنت مؤمنا كبيرا لك ان تنتظر العزلة. ولعلها تنقذك لأن لك نصيبا ان تكون حبيب الله الذي لا يترك أحدًا يموت عطشا أو يحزن بسبب من سراب.

أنا ما قلت ان دعوتك الوحيدة ان تحيد عن كلّ وجه اذ ليس فيه كامل العزاء. شرعي ان تسعى إلى إقامتك في محبوبيّتك أي ان تقيم بالحب الذي تعطى ولكنه ليس شرعيا ان تكتفي بهذا أي قد تجد نفسك منفيا إلى «صحراء الحب» كما يقول فرنسوا مورياك أي ان يحكم عليك بعض الذين ترجو محبتهم بالانعزال. حقك ان تطلب الانتباه اليك وأريد بذلك انضمام الناس إلى محبّة الله لا اليك. تصير عظيم الوجود لو سعيت إلى تلك الوحدة الصافية الإلهية التي تجمع نساكها إلى ربهم.

#   #   #

حزننا اذا بقينا على هشاشة بشرتنا كوننا لم نبلغ السماء. هذا في حد نفسه حزن جميل لأن التقوى هي استباق الفردوس هنا في الحب الإلهي.

المشكلة اننا لن نبلغ الملكوت هنا الا مع الأطهار عنيت بهم الذين يحبوننا بالرب بلا شرط فينا. وقوّة سعينا في الرؤية التي اليها نتوق ودربنا التوق حتى نموت. والأطهار قلّة عزيزة وعنيت بهم الذين يطوقونك بالحب الإلهي الذي لا يستند إلى أي شرط فيك ولكنه يأتيك من مجانية المحبة الأخوية التي هي انعكاس للمحبة الإلهية المجانية بطبيعتها.

يلفتني في الانجيل ان الرب يسوع عندما تكلّم عن المحبة قال انك تعطيها وما وعدك مرة انك تعطاها. هو كان يعرف التعزيات البشريّة التي كانت له من الجماعة التي احتاط بها ولا سيما من بطرس ويوحنا ويعقوب ولكنه ما أراد ان نتكئ على التعزيات. كل تعليمه من هذه الزاوية انك تعطي بلا حساب أي بلا توقع لمردود. أنت تتكون من المحبة التي تعطيها أمل الاخذ لأنك موجود فقط اذا أعطيت واذا أعطيت لا يعني انهم اخذوا. لذلك قال: «بدّد اعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد» (مزامير 112: 9). المحبة ليس فيها شرط في الآخر. أنت تعطي بلا حساب أي لا تتوقع المبادلة ولا تتوقع الوفاء. قلبك هو الذي يعطي اذا انفتح للعطاء وليس في أقوال الكتاب ان قلبك مفتوح لتأخذ. قد يبادلونك العاطفة واذا انزعجوا منك أو يئسوا أو جافوك بسبب ما في أنفسهم من جفاء تبقى مصرا على العطاء لأنك بهم تعطي ربك وتنتظر اليوم وغدا وحسبك ان تعايشه لأنه هو وحده العطاء.

والرد على هذا القول أعرفه اذ قد يقال انك يا فلان تطلب الصحراء الكاملة في قلوبنا. أنا لا أطلب الصحراء الكاملة. أنا أراها تحققت في القديسين وهم قد أعطوا مجانا لأنهم كانوا يرون إلى وجه الله على كل وجه وإلى وجهه هذا المرتسم أعطوا وأبوا ان ينظروا إلى القباحة وتروّضوا على انّ كل وجه بشريّ كامل الجمال اذا أنت قرأت عليه بهاء المسيح.

#   #   #

كلّ قلب بشري معرّض ان يصبح وكرًا للأفاعي كما يقول فرنسوا مورياك. أنت لا تحب الأفاعي ولكن القلب البشري الذي يبقى على صورة الله ولو حوى الأفاعي. تعليمنا ان صورة الله المشوّهة في كلّ منّا لا يزول عنها الحب الإلهي الذي يحضنها. واذا أنت بقيت على الرجاء فهو رجاء إلى الله الذي ينزل إلى النفس لأنه يحبّها وليس لأن فيها جمالات باهرة اذ لنا ان نتروّض على هذا الأمل الصعب ان كل نفس ذائقة الموت حبيبة الله إلى ان يتوفاها.

عليك أنت ان تتربى على ان ربّك يحبّ كلّ نفس. وما من شك انه يؤدّبها لكونه يحبّها على الدوام. عليك ان تحب كلّ نفس ولو سقطت وربما كان عليك ان تزداد لها حبا اذا امعنت السقوط.

لعل صعوبتنا في الوجود ان كنا من المؤمنين ان نرى السقوط دائما فينا وفي الناس. ولكنا نكون قد بلغنا قمة السذاجة لو احسسنا ان هذا الوجود فردوسي. الفردوس تسكنه نفوس من بلغوا الجهاد الأعظم أي جهاد النفس، الذين عرفوا ان النفس مسكن الله دون بهجة هذا العالم.

لعل ذرورة الجهاد الا ترى نفسك شيئا وان ترى الآخرين معك اذا احببتهم أي ان تروا أنفسكم أحباء الله. وليس عليك ان تحسب محبة الله لأحد. المهم ان تؤمن بها لأننا بها نحيا. وأنت أمام المحبة الإلهية فقير اليها. وهي التي توجدك وتربيك على ذاتها.

اما اذا ظننت انك صرت شيئا فتخسر كل شيء. واذا بطل ايمانك بأن النعمة تحييك وتغفر لك خطاياك تصبح عدما أو شبه عدم. ليس عليك ان تفهم كيف يستخدمك الرب لمجده. أنت معطى وهو يستخدمك لمجده كما يشاء. «انما الدين عند الله الإسلام» بعميق ما في هذه الكلمة من معنى. تعال واسبح في بحر الله فيعلمك… كل شيء ويستخدمك لمجده كما يريد.

هو يرى علاقتك بمجده وأنت لا تعلم. قال المخلّص لك ولأترابك: «تعالوا إليّ أيّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم». لا تخشَ اذا العبء الذي ألقي عليك. قد تقع على الطريق كما وقع الذي حمل صليبه إلى الجلجلة. لا بدّ له ان يوتيك بمن يسعفك على طريق الآلام لأنه يريدك قائما معه في اليوم الثالث.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزمان الآتي / السبت 6 نيسان 2013

غالبا ما صممت مستقبلك وفق مصالحك التي تراها الآن غير مالئ هذا المستقبل بما ينزل عليك من إلهام في الآتيات. مستقبلك، اذ ذاك، مدى أناك كما تبدو لك اليوم اذا كنت لا تتوقع شيئا من الله. في الإيمان عندنا كامن الرجاء لأنه توقع مستقبلات تأتي بها النعمة.

تأمل بغير محله الظن ان المستقبلات أفضل من الحال التي أنت عليها اليوم. حسن أمورك لا يأتي من تقادم الزمان ولكن من تحسين يومك بالأبديات. لا قدرة لك على الهروب من واقع إلى توقع الأفضل.

الزمان الآتي غالبا ما كان مثل يومك. انهما من نسيج دنياك أو مما يجعل الناس دنياك وهم أحباؤك أو مبغضوك ان لم تجعل مستقبلك مدى لحقيقة نازلة عليك تكون لنا جميعا خلاصا.

ان لم تقدك آلامك الى وجه الله تكون حياتك مبددة في ضبابية العالم. الثابت ليس العالم ولكن ما ينزل عليه. اذا صح قول الكتاب: «كل انسان كاذب» يبقى ان تتعاطى الكاذبين كما هم لأنهم جزء لا يتجزأ من دنياك والا كان عليك ان تخرج من العالم كما يقول الرسول.

نعيش رجاءنا النازل علينا من فوق في هذا العالم ولكن لا رجاء لنا منه لأنه ليس منا ولا نحن منه.

عيروني بالتشاؤم. اذا انت رأيت الناس كما هم تدفعك الرؤية ان تشاهد عند بعض قباحة. ولكن ما مشكلتنا مع الأنقياء القلوب الذي عصمهم ربهم عن ملامسة القباحات وأقامهم في الرؤية الوضاءة؟

اذا كنت محدودا فقط على مدى الأيام وغدوت ثاقب الرؤية تشاهد قباحة الوجود. هذا ليس بخطأ. الخطأ ان تخطفك رؤية القباحات حتى يستحيل عليك الرجاء. والرجاء عندنا ليس انجذابا إلى خيالنا. انه الاختطاف إلى وجه الله الذي ينحت وجوهنا على رسم وجهه ويؤلهنا بذلك النحت. كل شيء وجهه وما يرتسم منه علينا.

عندما يقول يسوع الناصري: «ثقوا اني غلبت العالم» هل يريد فقط انه غلب بشاعته كما يقول المفسرون ام انه واضع جماله هو بدل البشاعة؟

كلمة عالم في هذا السياق تعني العالم الساقط ولا تعني خليقة الله لأن الله يكون قد غلب نفسه لو غلبها. هذا العالم عند خلقه كان على جمال الخالق ثم انبث الشر فيه فقبحه. مع ذلك ارادالرب الا تستحوذ عليه القباحة فترك فيه شيئا من صورته ليتمكن ابدا من رؤية الرب ولو مشوهة. غير انه كان قادرا ان يعرف أصل الصورة ويقدره.

الله لم يخلق العالم على صورته. خلق الانسان وحده على صورته بمعنى ان الانسان شبه الله لأن الانسان حر مثله، هكذا فسّر بعض آبائنا. ما معنى انه مثيله الا بمعنى انه محب وهكذا فسر بعض. واذا تكلم بعض من المتأملين في هذا الشيء قالوا ان الانسان حر مثل الله أو محب مثله. الحقيقة في لاهوتنا انه حائز كل صفات الله ما عدا الخلق ولكن الخلق ليس صفة. انه فعل. الحقيقة انه ليس عندك من صفة حميدة الا اذا كانت على شبه الصفة المماثلة لها عند الله حتى تتحقق الانسانية ليس في الفرد وحسب ولكن في تعاضد الجماعة وسعيها معا إلى الوعود الالهية التي سمعت بالانبياء ومع المخلص.

#          #

#

الازمنة كلها متشابهة بخيرها وشرها، بالعنف والحب وبهذا المعنى ليس شبيه تحت الشمس وان كان كل شيء باطلا. لعل الباطل كتب علينا لكي نرجو ان ينزل الحق علينا من السماء. هذه هي مأساة الانسان ظنه انه قادر ان يخلق نفسه بنفسه وان يحرث الأرض بما فيها من قوة. كل الكفر ان تجعل الله عاليا جدا حتى لا تحس به منعطفا عليك. في الكتاب حديث عن سمو الله وعن تنازل الله في المسيح يسوع. والنازل هو الذي سما وتسمو انت به. «ان الذي نزل هو الذي صعد» إلى اعلى السموات وعطاؤه الينا انه يجلسنا على العرش معه عن يمين أبيه لأن تأنس ابن الله يقودنا إلى تألهنا والا كان التأنس بلا معنى ولا قصد.

فرادة المسيحية انها ما كانت حركة من الألوهة إلى البشر الا لتقذف البشرية من تحت الى فوق. وهاتان الحركتان تحققتا في المسيح يسوع. الحديث عن الله رابضا فوق الجبل حديث في الديانة الاغريقية القديمة وفي اليهودية أيضا.

في المسيحية هذا الإله مع بقائه في الأعالي تجسد وصار مثل واحد منا حتى لا تبقى الهوة قائمة بين الله والانسان إلى الأبد.

كل السؤال المتعلّق بالرباط بيننا وبين الله هو هذا: هل الله مع بقائه في الأعالي ينزل الينا بحركة نسميها النعمة بعد ان نزل في الجسد بابنه الوحيد؟ وهل بالحركة العكسية نصعد بدورنا اليه لنجالسه على العرش فإن لم يكن العرش مقصد الله ومقصدنا في آن لا يكون الملتقى قد حصل.

الألوهة هل هي فوق فقط أم تحت أيضا، هذا هو السؤال وأجابت المسيحية عن هذا السؤال بقولها: «ان أحدا لم يصعد إلى السماء الا الذي نزل من السماء ابن البشر الذي هو في السماء». ليس في الامر حركة مكانية لأن الله ليس في مكان. الامر كله انعطاف نعمة.

وهذا ليس حلولا في الجوهر لئلا نقع في فرط الألوهية وتاليا تعددها في الشرك. هذا حلول حب والحب لا يكسر الله ولا يعدده. الحب يذيع قوته ولا ينفرط. الحب وحده يكشفه واحد يمده ولا يعدده. الله ينتشر بعطائه ويبقى منقبض الجوهر. النعمة تنتشر وتبقى فيه وتلازمه. فاذا انتشر يظل الله في ذاته. حبه ينتشر. لا يفنى في الزمان. هي تمتلئ منه وبذا يرعاها ولو بقي جوهرها لها.

الأزمنة تتوالى باستقلالها التاريخي وإبداعها والله فيها وهي ليست اياه ولكن نتاجها منه. وهو يأخذ الأزمنة اليه ويجمع اليه في اليوم الأخير البشر وما جاد به عليهم في كل أزمنتهم وبهذا المعنى ينهي التاريخ ويتممه بمصالحة الجميع في جسد المسيح البشري.

وإنهاء التاريخ إكليله في المجد الذي ينزله الله عليه واذا دخل التاريخ في مجد الله يعني التقلب الزمني ونرث الملكوت «المعد لنا منذ انشاء العالم».

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

باب السماء / السبت 30 آذار 2013

ينقضي عمري بين خيبة وخيبة. أجل هناك تعزيات ولكن قليلها يأتي من البشر. للبشر منافعهم من دنياك أو استعلاؤهم عليك. وقلما تستطيع ان تغير الشائع. وقد تكتشف أشياء ضدك في ما يبدو مودات. فالكثير من الدنيا منسوج من نفاق. «أهكذا تنقضي دوما امانينا» إلى ان يوارينا ربك عن هذا الوجود وبعد عبور الوجود نصير «نسيا منسيا» وفي هذا رأفة من ربك ورحمة.

وحسنات الناس قليلة وتبدو لك ممزوجة في كذبهم. وفي أحايين كثيرة لا تقدر ان تفرق بين كذبهم والصدق وتحيا مقدرا صدقهم ومنتظره وتبقى لك نخبة صغيرة جدا تعزيك لأنها لله وأنت تسعى ان تكون له. يقول داود: «كل انسان كاذب» ويكملها بقوله توا: « بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني»؟ ما علاقة الكلمتين؟ اذا كان كل انسان كاذبا لا انتظر شيئًا حسنًا من انسان. ولكني أنا أعرف نفسي مؤمنًا أي انسانًا من نوع لا كذب فيه، صادقًا ليس فقط في ما أتصرف ولكن في عمق كياني وألمي – وهذا ليس بمشكلة- ان أرى الناس على سلوكهم وأبقى صامدًا في حضرة الرب أو بسبب من حضرة الرب على لساني وفي عينيّ.

لم يبق لي ألم من كون بعض من القوم يكرهني – وأنا لست أتكلم هنا عن نفسي- ولكنها القاعدة. وليس لي ان أقول ان في هذا حسدًا فمن أنا لأدين ومن قال ان عندي حسنات تستدعي الغيرة؟ الناس هكذا. المحبون منهم قلة وأنت تتعامل وهذه القلة إلى ان يأخذك ربك من موت إلى حيث لا تسمع شيئًا من الكذب. حسنة السماء الكبرى ان الله صادق ويراك على ما أنت عليه ويقرئ السماويين صدقك وتنسى كذب أهل الأرض.

أتوقع ان يتساءل من يعرفني من قرائي عما يراه حزنًا في كتابتي. الله يفرح من يشاء ويرفع الحزن عمن يشاء. ولكن الرب لا ينشئ فيك فرحًا غير مؤسس على الحقيقة ويطيب لك ان تفرح في البشرة التي أنت عليها ولكن بشرة الناس من تراب وكثيرًا ما كانت رائحتها رائحة تراب إلى ان يرفعك ربك إلى الملكوت. وضعنا في هذه الأرض ان نجاور فيها القذارات إلى ان نغادر هذه الأرض في  موت. «كل انسان كاذب» لأنه يحاول ان يخفي القذارات فيه ليبيض صفحته عند الناس. أما كيف يراه الله فهذا هاجس الكبار في حياتهم الروحية. وهم يتكلمون على هذه الرؤية يحيون بها.

#   #

#

قدرك في هذا الوجود ان تحيا وحدك او مع قلة من الطيبين الذين يفرحون لتقدمك على معراج الحياة الروحية، هذه مقولة غريبة عن الأكثرين واذا اتقيت ربك أنت وحدك. الناس يتقون بعضهم بعضا ويرجئون استرضاء الله اذ يحسبون انهم يعيشون من خيرات الأرض. قد يختلط بسبب من هذا الاختلاف فيك حزن اذ لا ترى الملكوت مقبلا على الناس ومعظمهم لا يهتم له ولا يحزنون لأنفسهم كما لا يحزنون من أجلك لأنهم «استوفوا أجرهم».

لا تنتهي الخيبات ولكنك انت لا تفنى في صدمة حلّت ولا تتوقع دائما فناء الصدمات. انت مشلوح على خشبة الصليب التي وعدت بها وكثيرا ما يطلع لك في هذا الشليح تعزيات. واذ ذاك تنتقل من قيامة الى قيامة. انبعاثنا مع المسيح يتم عند صلبنا كما كان له. ونعانق صليبنا لعلمنا انه درب قيامتنا. حياتنا في المسيح تأتي من تعب العالم ثم من صلاتنا اي تبدأ بصليب يجعله المؤمن مكانا لقيامته.

وهذا درب الحياة كلها اذ لا حياة الا من موت لك في دنياك واعني بهذا زوال المجد العالمي وزوال كل افتخار ونكران كل مجد. يكللك ربك بمجد منه اذا رأي رأسك قابلا للإكليل. والسقوط يزيل عنك كل مجد ويجعلك في قاع الهوان والذل.

«لا حياة الا من موت» تعني رفضك للمجد اذا أتى وسعيك فقط الى المجد الإلهي وما في دنياك الا المجد الباطل نؤتاه من الفخر الزائل. أحس كثيرا ان الناس لا يؤمنون الا بدنياهم لكونهم بدلوا دينهم بدنياهم بمعنى انهم احسوا انهم يفيدون من دنياهم لأن آخرتهم مرجأة او يرجئونها وتاليا لا يتمتعون بها الا بالأمل وليست هي في قبضتهم.

حزن الكثيرين انهم لا يلتمسون شيئا من السماء في أولاهم ويحسبون ان الدنيا فارغة من بركات السماء او انها تفتح باب السماء قليلا.

الملكوت ان لم يكن منه شيء فيك لن تراه. لن يكون لك في الآتي ما لم يبدأ معك وفيك هنا. ألم تقرأ قول الكتاب «ملكوت الله في داخلكم» (لوقا 17: 21) أنت سماوي الآن او لن تكون. المسيح أتى وآت.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أحد الأرثوذكسية / السبت 23 آذار 2013

الأرثوذكسية لا تعني، لغة، طائفة من طوائف لبنان. هي كلمة يونانية تدل عند معتنقيها الأصليين على الذين يؤمنون انهم في ديانتهم على استقامة الرأي أو على سلامة ما استلموه من الأوائل ولا يقابلهم باليونانية الهراطقة اي الذين انحرفوا عن الرأي المستقيم ولكن يقابلهم الآخرون كما نقول في اليونانية ايضا. من يسمون انفسهم الارثوذكسيين اذا أصروا على استعمال اللغة لا نسميهم في اللغة اليونانية بما يقابل الكفار بالعربية بل نطلق عليهم اسم الآخرين. فالمسيحيون اذا كتبوا في التاريخ ربما نعتوهم بالانحراف عن الإيمان القويم ولكنهم في الاستعمال الكنسي المألوف عندنا يقولون عنهم آخرين. لعل في هذا احتراما للناكري العقيدة المظنونة سليمة.

أنت اذا نعت إيمانك أو مضمون إيمانك بأنه عقيدة فتريد انه هو العقيدة بأل التعريف المطلقة والا فلست بجدي. لمجرد استخدامك لهذه اللفظة تكون مخطئا للموقف النافي لها.

يلفتني في هذا البلد إصرار الناس لسبب وطني ان يؤمنوا (بتشديد الميم) جميع الناس على عقائدهم و«صلبانهم وبيعهم» كما فعل المسلمون الأوائل باحترامهم حرية الآخرين وهذا إقرار بحق حريتهم اي بحرية بقائهم في الخطأ لا اذا احببنا ان نسند هذه الحرية إلى كون هؤلاء هم حسب المصطلح القرآني كلهم ملة ابراهيم بناء على فهمنا الآية القرآنية «كنتم خير امة أخرجت للناس». ربما بني هذا الموقف على انك ان كنت على النصرانية أو اليهودية أو الإسلام المحمدي لست مختلفا عن الآخر لكون ابناء ابراهيم كلهم واحد. هل هذه فكرة التساوي ضمن النعدد التي اظنها -بعبارة عصرية- مقولة قرآنية.

يزعجني اعتراض بسطاء الناس أو المتعصبون بتفاهة على قولنا: هذا مستقيم الرأي وهذا آخر. الكنيسة التي انتمي اليها عندها هذه اللياقة في الاستعمال الأدبي الا تسمي الآخر منحرفا أو هرطوقيا. في اليونانية لفظة هرطوقي لا تحمل الشتم أو السباب. المراد بها الآخر.طبعا انت مضطر ان تقول ان هذا الذي لا يقول قولي هو آخر. لي ان اضمه إلى صدري بالمحبة الأخوية ولكنه مضموم وليس هو أخًا في حين ان المستقيم الرأي هو انا حسب قول المتصوفة المسلمين. «أنا من أهوى ومن أهوى أنا، نحن روحان حللنا بدنا».

لماذا هذه اللياقة بغير محلها الا استطيع ان اسمي الآخر آخر. يجب ان اقول اننا واحد ونحن ليس عندنا معيار واحد نقول به اننا واحد.

أفهم اني واحد مع كل انسان ولكن هذا هو محبة. ونحن مختلفان اذا قلنا شيئين مختلفين. من قلل من أهمية الاختلاف فكأنه يقول ان الاختلاف ليس بالاختلاف وانا اقول له اني احب من اختلفت معه بالقدر عينه الذي احب فيه من كان واحدا معي في العقيدة لأن الحب معطى لمن يؤمن مثلك ولمن لا يؤمن مثلك. بولس الرسول لم يميز في المحبوبية بين الذي كان على عقيدتك ومن لم يكن عليها.

الا نستطيع ان نفهم اننا نضجنا بالمحبة حتى لا نشعر ان علي ان اقتل المختلف. اما آن الأوان لأخذ القريب والبعيد في ضمة واحدة إلى صدري. ستبقى البشرية مجموعة ناس بتصادم عقائدهم وهم قادرون ان يحبوا بعضهم بعضا لأنهم هم الباقون امام عيني بعظمتهم وهوانهم.

هل نحتاج إلى تصنيف البشر في عقائدهم حتى تتفاوت محباتنا لهم. فاذا كان لون الوجوه لا يستوقفني لأحب الناس ولا تستوقفني لغاتهم وأحزابهم. لماذا أقف عند التباين بين عقائدهم. اما قصد يسوع الناصري بقوله: «تحب قريبك كنفسك» انك انت امامي وحسبي ان أراك لأحبك ولا أسألك عن قناعاتك الروحية لأضمك إلى صدري لأني لا أضم إلى صدري الا ربك الكامن فيه.

قال بولس لا بد من الانشقاقات بينكم (1كورنثوس 11: 18) وعلى هذا انتم مجتمعون في المحبة التي أنزلها الله عليكم بمجانية محبته. الفرقة بين الناس ليست ناتجة بالضرورة من سوء نياتنا. انها ثمرة اختلاف العقول وهذا الاختلاف معقول فينا على استمداد أنفسنا من العقل الإلهي.

لن تتوحد الأديان. انها تعابير وتجملها تعابير وهذه لن تذوب احداها بالاخرى ولا تعاد الواحدة إلى الاخرى. كل قولة قائمة بذاتها وهي شبه كيان مستقل في العقل. والعقول تبقى متصادمة أو مختلفة ولو تآلفت احيانا. اذا لم تقل قولي لك ان تحب الله واجتمع اليك في المحبة اذا اجتمعت اليه وهذا اهم من ان نجمع على قول واحد. ولكن في الكنيسة القول واحد لأن الإيمان واحد.

كانت الكنيسة في المجامع تسعى إلى ان تأتي العقيدة واحدة في تعبير واحد لأن الكلمات الواحدة تؤكد المضمون الواحد. فإذا انت تلوت دستور إيمان واحد معي تبدي ان لنا عقيدة واحدة. لذلك نصر على ان نعبر عن الإيمان بكلام واحد للتأكد من سلامة الإيمان.

Continue reading