Category

2012

2012, جريدة النهار, مقالات

البشرية والألوهية معًا / السبت 26 أيار 2012

الخميس الماضي يسمى عندنا خميس الصعود لقول الكتاب في لوقا ان المسيح بعد القيامة فيما كان يبارك تلاميذه انفرد عنهم وأُصعد (همزة مضمومة) إلى السماء. واما في أعمال الرسل ومؤلفها لوقا نفسه جاء «ارتفع إلى السماء». هذا حدث أربعين يومًا بعد القيامة كما ورد في مطلع أعمال الرسل.

ماذا يعني انه ارتفع إلى السماء؟ ما السماء؟ ليست السماء مكانا وقد رأينا في ظهورات السيد في الأناجيل ان يسوع بعد القيامة ما كان محصورا في مكان ولكنه يدخل المكان أو يُشاهد (ياء مضمومة) في مكان. في سياق الحديث عن الصعود جاء القول انه ارتفع على سحابة والكلمة يجب ان تؤخذ رمزيا فالسحابة في العهد القديم ترافق الحضرة الالهية وتظهرها. الفكرة اذا ان جسد المسيح رفع إلى الآب أو جلس على عرش الآب (أعمال 2: 30). المعنى طبعا ان الجالس هو يسوع القائم من بين الأموات بجسده. وهذا ما أكده دستور الإيمان في القرن الرابع »وجلس عن يمين الآب».

عندما يجلسك كبير القوم عن يمينه فهو ليدل انه يعترف لك بكرامته نفسها واذا أجلسك في مكان آخر لا يقول شيئا عن كرامتك أو عن تساويك. كل العهد الجديد يتكلم عن مساواة الابن للآب وعن انه لم يترك احضان الاب لما نزل إلى هذه الأرض.

لا معنى للصعود اذا حسبنا ان ألوهة المسيح اعتبرت مساوية لألوهة الآب لأنها هي إياها. هناك اذًا شيء آخر عن ألوهة المسيح. هو يشريته المكملة بالآلام أُعلنت (همزة مضمومة) واحدة مع ألوهة الآب. المسيح ليس دون أبيه وقد كفرنا السنة الـ325 في المجمع المسكوني الأول اريوس لأنه قال ان المسيح دون ابيه ومخلوق. القول بمخلوقية المسيح يلغي كل سر الخلاص ويبطل فاعلية الصلب. بلا الوهية المعلم كل الفداء لفظ لا معنى له.

المسيحية، معتقدا، هي ان ابن الله الوحيد المشارك الله ازليته هو الذي تجسد وبقي إلها طوال حياته على الأرض وكانت ألوهيته مصاحبته على الصليب وان لم يقع الموت عليها ورافقته في القبر وبعد القبر بمعنى ان جسده لا يحصرها. فعند تجسد ابن الله لم يحد جسده ألوهته وظلت مالئة السماوات والأرض. وعند دفنه كانت مالئة السماوات والارض.

واذا دخل المسيح كيان البشر عند تناولهم جسده ودمه الكريمين لا يحده الانسان المتناول ويبقى مالئا السماء والارض. كذلك السماء لا تحده لانها ليست مدى.

#   #

#

وهي تعرف به ولا يعرف بها. واذا قلنا ان القديسين في السماء لا نوحي بأنهم في مكان فإنهم مع الله أو في الله. ومعيتهم هذه اي صفة كونهم متحدين بالرب هي سماؤهم وهي تسمية تدل على التحاقهم بالرب أو دخولهم فيه. وهذا معنى العبارة «في المسيح» التي يكررها بولس مرات عديدة.

فالله من حيث هو اياه لا يصعد ولا ينزل ولكن الانسان يصعد اليه بالنعمة ويغادره بالخطيئة. والصعود سماؤه والسقوط جحيمه الا اذا انقذه ربه بالرحمة. ليس من فوق ولا من تحت اذ الله فيك وانت فيه وهذا فيه حديث يطول. وانت لا تكون حقا ما لم تكن فيه بعد ان كنت وراءه. تبقى في مخلوقيتك في اية حال ولكن لها ان تكون منورة أو ان تكون مظلمة. واذا كانت نفسك مظلمة فكأنها عدم. جوهريا من حيث مخلوقيتها هي قائمة وتبقى على محبوبيتها في تنورها وعتمتها إلى ان تبدد العتمات بالتوبة فيحل فيها الروح القدس نورا وكأنها خلقت منذ بداءة التكوين حسب قوله المبارك: «ليكن نور فكان نور».

هنا لا بد ان اعرج على القرآن بلا استفاضة اذ بعد قوله «وما قتلوه يقينا يقول بل رفعه الله اليه» (النساء 158). توا بعد هذا يتكلم على موته وقد أكده في سورة مريم بقوله: «والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا» (الآية 33). هل حصل رفع الله للمسيح قبل الموت كما يبدو من سورة النساء؟ في هذه الحال لماذا يجب ان يموت اذ أكد الله هذا الموت؟ ليس من مجال في هذه العجالة لاستعرض التفاسير المختلفة لموته. فقط ما اردته كشفه ان القران يذكر رفع الله للمسيح اليه.

#   #

#

الألوهة والبشرية معية في المخلص بلا انقسام ولا انفصال ولا اختلاط لأن الألوهة لما نزلت إلى مريم حلت بشرا. هذه ليست صيرورة لأن الألوهة لا تصير. انها سكنى. لا تحتمل تهمة الحلولية كما أراد أحد اصدقائي الكبار ان يلصقها بي. قلت له ان الألوهة لا تصير بشرا. تلازم البشرة، تداخلها، تتحد بها والطبيعتان طبيعتان لا تخسر احداهما خصائصها وان تلاقت والخصائص الأخرى. المسيح في الكون وخارج الكون، في المدى الذي كان فيه واللامدى الذي صار اليه بصعوده. هو إله متأنس في جسدانية متألهة.

وهذا كله ينعكس فينا وفق ما تقدر بشريتنا. لهذا قال القديس أثناسيوس الكبير: «تأنس الله ليتأله الانسان». هذا عليه ايضاح كثير في اللاهوت الأرثوذكسي اذ ليس المعني ان تكتسب جوهر الله الخالق ولكن المعنى ان تسهم في قوى من الله الأزلية ونحن نقول بأزلية النعمة.

يكون عندك أو فيك شيء غير مخلوق والا لما استطعت ان ترتفع. لا رفعة لك من ذاتك البشرية ولكن لك رفعة من الوهية سكنتك بصورة غير مدركة.

كل غير هذا القول يعني ان ليس من تلاحم بينك وبين الله وان ربك لم يردم الهوة بين السماء والأرض. كل هذا القول يعني ان الله فوق وانك تحت وانه يحكمك بالكلمة، تلك التي لا يمكن ان تدخلك ما لم تصر حبا اليك. والكلمة لا تصير حبا لمجرد ان الله قالها. وجب ان ينزل الكلمة الذي كان من البدء إلى لحمنا وعظامنا.

ان ارتفاع الرب يسوع إلى السموات سبب تحويلنا اليه فإنه «سيغير جسد تواضعنا ليكون على صورة مجده» (فيليبي 3: 21). لكونه جعلنا بانبعاثه قياميين نستطيع ان نصبح تواقين إلى المجد الذي سنسكنه في اليوم الأخير.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

العائلة / السبت 19 أيار 2012

فتشت عبثًا في العهد الجديد عن لفظةعائلة او عيلة الا اذا سعيت الى المعنى مداورة في كلام متى على المنحدرين من ابراهيم وفي كلام لوقا على المنحدرين من آدم. ذكر العائلةككيان غائب لأن المسيح جاء ليخلّص الإنسان لا كتلة مجتمعية فيها السوء والصلاح واختلاف الطبائع. الفرد هو الذي يهتدي الى الرب او ينشز فيصبح اذا اهتدى من عائلة الآب ويبقى ابواه واخوته من شراذم الدنيا. تتبعثر الجماعة ويبقى المهتدي الى ربه والضالّون الى شياطينهم.

غير ان العهد الجديد لا ينسى مسؤولية الوالد والوالدة والأبناء والبنات. اما القول في بعض الأوساط ان العائلة خليّة في الكنيسة فلم أجد له أثرًا في ما دفع مرة واحدة الى القديسين. ليس من دعوة الى ان تصلّي العائلة معا في وقت واحد وان تستخدم كلّها النصوص اياها فهذا من باب التربية وقد ينجح الأمر هنا ولا ينجح هناك.

العيلة واقع عملاني وليست واقعا كينونيا. على مستوى العمل والرعاية والافتقاد لا غنى عن هذا الواقع وقد أجمع علماء النفس المعاصرون انه وان كثرت المساكنة وتشريعها بالزواج في عدة بلدان من الغرب تبقى العائلة حاجة انسانية لا غنى عنها. قرأت بسرعة هذا الأدب غير انه يزيّن لي ان التوازن النفساني والنضج العاطفي معرضان للاختلال الكبير ان كان احدنا لا يعرف اباه وامه او عاش صريع خلافاتهما او رأى احدهما يرتكب الكبائر والظلم والعسف والغضب الشديد بحيث امكن القول ان انفكاك العائلة ينتج عنه انفكاك الشخصية.

في الطائفة الارثوذكسية قاضيت كل العائلات التي تقدّمت استئنافا بدعاوى طلاق خلال اثنتي عشرة سنة كما قاضيت جزءًا من هذه الطائفة بداءة. لن أحدّثكم عن فحصي للعائلات التي رغبت في الانفصال. هذا يخرج من اهتمامي في هذا المقال يهمني الأذى النفساني اللاحق بالاولاد. هنا امكن التقرير ان الاضطراب النفسي وخلل الطبائع والاكتئاب سيئات تلحق بالبنين والبنات لا سيّما اذا كانوا صغيري السن لا أطفالا رضعا ولا متقدمين في الرشد. ولكن القاعدة العامة ان الأذى يحلّ بالأولاد كذلك الخيبة من الأهل ولاسيّما  اذا بانت خطاياهم للولد. كل خطيئة تولّد صدمة وكل صدمة تصدعا في النفس بمقادير مختلفة حسب الوضع العائلي المنهار.

في الواقع كان الانهيار واقعا قبل الخلاف واستدعاء الطلاق وكان الحزن قد دخل الى هذه النفس او تلك النفوس التي تؤلّف العائلة.

لست أعرف نفسيّة الأولاد في الكنائس المسيحية الأخرى التي ليست عندها قانونيا طلاق ولكن عندها الإبطال. تصوّري انه مهما كانت التسمية فالعائلة الكاثوليكية تعرف الانفصال ونتائجه.

لا أعرف شيئا عن سيكولوجية الأولاد المسلمين الذين ينفصل ذووهم بالطلاق. هل تشريع الطلاق في الإسلام يجعل الولد أكثر قبولا لهذه المؤسسة؟ نحن في حاجة الى دراسة سوسيولوجية مستفيضة هنا ولكن ظنّي ان الولد المسلم اية كانت الشريعة التي يألفها يحب بقاء ذوويه معا وان يظلّ ملتصقًا بهما.

#   #

#

ما يجعلني أوافق على ان مؤسسة الزواج باقية هو ان الزواج وحده يرعى صحة الأولاد وعافيتهما السيكولوجية بدءا من انه ليس من بديل عن الأم. يهمّ كل انسان ان يعرف ممن جاء الى هذا العالم. لذا يبقى الغربي سنوات اذا فقدهما او فقد معرفتهما يفتش عنهما في كل اقاصي الأرض. هكذا الانسان مفطور على انه يريد صلة على الأقل بأمّه. هو يعرف انه نما فيها طوال تسعة أشهر وانها حاضنته مهما طال عمره لأن حبل السرة وان قطع حسيا لا يقطع نفسانيا وكأن الانسان ابدا جنين وعندما يوارى الثرى يعود ابنا للأرض التي منها أُخذ. الأم والأرض والمدينة واحد ومنها جميعا جاء الانسان.

علاقتنا بالأب هي علاقتنا بالتاريخ العائلي المعروف عند اهل المال وغير معروف عند الفقراء ولكن الشعور بالماضي يلهمنا الشعور بالاستمرار. هناك رعاية للأب تتمثل في قوته وسيادته. وهذه القوة نعرفها متصلة بالأحشائية. كيف تتواصل سيادة الوالد على ولده والتصاقية الأم به في هذه الموهبة التي تدعى العائلة لمن استعملها سالمة هذا هو من نعم الله علينا. هذا يكشف حب الله لنا في هذا الثالوث الذي هو الأب والأم والوليد.

هنا تثار علاقة الأخ بأخيه او أخته. كيف تتجلّى العائلة عند ذاك؟ هل من مكانة لهذا التعدّد؟ اذا كان حب الأهل للأولاد عموديا فالحب الأخوي أفقي بمعنى تشابه الإحساس عند الإخوة والأخوات بقوة الأب او سيادته من جهة وبالأصول الرحمية تجاه الأم. طبعا هذا كله غارق في العقل الباطن. شعور هذا الولد تجاه امه وأبيه ليس واحدا او ليس بالعمق نفسه بين الاخوة والأخوات. لهذا أرى ان الصداقة بين البنين والبنات هي الطاغية على شعور أحدهم للآخر. من هذا المنظار كانت العائلة مكان التلاقي الشعوري بين الإخوة.

واذا كانت الأخوة هي صداقة أكثر من انتمائها الى اللحم والدم يكون ايثار الولد الواحد على بعض من الكثرة إضعافا لنمو الصداقة عند الإنسان في العيلة. البيئة العائلية دفء مفيد جدًآ للنمو الأسري. قد يعطل الخفر والخجل او عوامل أخرى تنمية المودات خارج العائلة وكثيرا ما يظهر العداء بين الإخوة ولكن الناموس الطبيعي ان ينشأ الحب ويكبر في اخوّة سليمة.

أنا أجيء من عائلة فيها ثمانية أولاد وما كان أبي على ذلك اليسر الذي يقال اليوم انه واجب لإكثار الولادات. ولم أسمع اصلا ان والدي يتأفف من اقتصاد علئلي معتدل. ذقنا صعوبات قليلة في الحرب العالمية الثانية. أءخلنا جامعات وما كان احد يقول في وسطنا الجامعي كيف يسجل هذا  ابن متري خضر في جامعة ويعيش في العاصمة ونحن لسنا ابناء العاصمة.

كنّا ندرس على ضوء القنديل اذ لم تكن الكهرباء تضيئنا آنذاك ونمشي على أقدامنا وكانت العائلة تصادق عائلات مسلمة. كنا نعيش معا في الحي وتعلّمنا نحن ان نحب المسلمين وما سمعت واحدا من الناس يقول لفقره لا أريد ان استخلف.

النصيحة الوحيدة التي كنت استمعها من الكهنة ان أطع أباك وأمك وعليها كانوا يزيدون احبب قريبك كنفسك. المسيحية العملية كانت هذه عند مرشدينا الروحيين والمسيحية النظرية تأتي من القداس واذا انت أتممت هذا كانوا يعتبرون انك بلغت الرشد الروحي الذي يكلل فيك كل مسعى.

العائلة كانت في عمقها الروحي تقوم على انشاد امي وبهاء ايقوناتها والخفر يضطرني الا أتكلّم على نقاوة والدي. الطهارة الكاملة في الكلام كانت مما لا يناقش لزومها. واستقامة الرأي التي كنا عليها مذهبيا كانت تقتضي استقامة السلوك اذا اردت ان تحس انك من هذه العائلة.

لست أعلم اذا تقيدنا بكل ذلك ولكن هذه كانت سياسة العائلة اذا أريد للعائلة البقاء. هي لا تبقى في الإيلاد ولكنها كانت تنمو بالولادة الجديدة التي من فوق.

العائلة تتلاشى في عائلة الآب او لا تكون.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

المرأة / السبت 12 أيار 2012

ماذا تقول كلمة الله عن المرأة قبل ان تقول الخبرة البشرية شيئًا. غير ان صعوبة الحديث عن الخبرة انها ليست واحدة عند جميع الناس وثانيا تكمن الصعوبة في كون الرجل اذا تكلّم على المرأة تعوزه الموضوعية لكونه متأثرا بنجاح علاقته بها او إخفاقها.

بدء الكلام عن المرأة ما جاء في سفر التكوين: «فخلق الله الانسان على صورته». بعد هذا يقول: «ذكرًا وأنثى خلقهم». وكأنه يقول ان البشرية مجموعة بلا تفريق بين الجنسين هي على صورة الله.

في رواية ثانية للخلق بعد ان استل الله من آدم حواء قال: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي…» ويكشف الكتاب لنا ان الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان كلاهما جسدًا واحدًا وفي الخلفية العبرية الجسد الواحد يعني الكيان الواحد.

في هذه المرحلة من الوحي لا يرى الله اليهما الا من حيث انهما معا اي متحدان، متعاطفان. عبارة آدم عن حواء «عظم من عظامي ولحم من لحمي» تشير الى اولية الرجل بوضوح. لغة وجودية، عملانية ولعل الحياة لا تطلب اكثر من هذا.

غير ان سفر التكوين بعد ان اهتم كثيرا بمن انحدر من ابراهيم عن طريق الزواج قال عن ابنه اسحق انه احب رفقة زوجته. هذا أفهوم جديد. نحن مع حضارة مشرقية تعرف الحب منذ القرن الثاني قبل الميلاد وهو تاريخ تدوين سفر التكوين على ما اصطلح عليه علماء عصرنا.

ويذهب سفر التكوين الى ابعد من هذا اذ يقول عن احد الناس ان «نفسه تعلقت بدينة ابنة يعقوب واحب الفتاة ولاطف الفتاة» (34: 3). نحن هنا مع أفهوم العشق وهو Eros في اليونانية.

قمة الشعور العشقي تجده منذ مطلع نشيد الأنشاد. «ها انت جميلة يا حبيبتي ها انت جميلة» (1: 25)، «اني مريضة حبا»، «احلفكن يا بنات اورشليم بالظباء وبأيائل الحقول الا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء».

والى هذا حب الله لشعبه بتسميته عروسا مستعار من لغة الحب البشري وهذا عند انبياء العهد القديم.

في كل ما ذكرنا عندنا بين الرجل والمرأة خطاب حب. موضوع الزواج شيء آخر.

#   #

#

اذا انتقلنا الآن الى العهد الجديد لا نجد اثرا لمقولة الحب بين الرجل والمرأة. هناك حديث عن الزواج فقط او عن عرس ولكن لا ذكر لعلاقة عاطفية مرتبطة بالجنس او تقود الى الزواج. ما يتعلق بالرقة غير مذكور. هناك فقط دعوة الى المحبة بمعناها الروحي كما في قوله: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم». طبعا لا حديث هنا اطلاقا عن تلاقي الجنسين. هناك فقط حديث عن التضحية بالنفس حتى الموت. المحبة عند الرجل للمرأة في تعليم بولس هي حصرا تضحية حتى الموت بلا اشارة الى اي انفعال  مرتبط بالجسد.

ينفرد العهد الجديد في اعتبار المرأة وحدها في قضية مريم. فتاة تحبل بلا مشاركة رجل وتصير قطبا اساسيا في الحياة المسيحية بلا تماس مع مقولة الحب. علاقتها بالمخلص ترتكز على مقولة العطاء وحده.

شفى يسوع نساء كثيرات لا ذكر لرجال لهنّ. نساء خاطئات يطيّبن قدميه وواحدة تبلّ قدميه بالدموع وتمسحهما  بشعر رأسها. ونساء كثيرات كنّ يخدمنه من اموالهنّ منهن مريم التي تدعى المجدلية وهي الاولى التي بشرت بالقيامة. رجال اسرائيل كانوا يكرهون المرأة ويعبرون عن هذا في صلواتهم. وحده في تاريخ هذا الشعب رفع من شأن المرأة. هو القائل عن الزانية: »من كان منكم بلا خطيئة فليرمها اولا بحجر« وبعد ان تركوه قال للخاطئة: «يا امرأة اين هم اولئك المشتكون عليك. اما  دانك احد. فقالت لا احد يا سيد فقال لها يسوع ولا انا ادينك. اذهبي ولا تخطئي بعد».

بعد هذا كانت واقفة عند صليبه امه والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. فقال لهذا عن مريم: هذه امك«. هل يعني ان لنا في العمق الذي لا يدرك اما واحدة واننا ان صرنا الى النعمة لنا والد واحد وهو الآب. في هذه الوالدية السامية ليس من أب ولا أم. فاذا نظر الله الينا لا يرى الا أبوّته وكأننا بتنا مثل ملكي صادق «بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة ايام لنا ولا نهاية حياة» (عبرانيين 3: 7).

#   #

#

في الرسالة الى أهل غلاطية «ليس ذكر وأنثى» (28: 3) واو العطف الواردة بعد ليس بين لفظة ذكر ولفظة أنثى هي لتنفي جمعهما ولإقرار استقلال الأنوثة عن المذكورة. في ما يختص بما نعالجه المرأة قائمة بنفسها وهي على صورة الله بنفسها. في الأصل هما كائنان منفصلان وليس أحدهما مخلوقا للآخر كأنه ناقص بلا زواج. المرأة لإمكانها ابتغاء الكمال الروحي لا تكتمل قداستها بالرجل ولا هو تكتمل قداسته بها وأعلى درجات القداسة هي لامرأة وعنيت بها مريم.

مستوي الطبيعة شيء آخر. هناك اختلاف في النفسانية حسب قول العلماء وهم يؤكدون سيكولوجيا ذكورية وسيكولوجيا أنثوية غير انهم يوكدون ايضا ان قوة العقل واحدة وان ليس من علم لا تستطيع المرأة ان تحصله. ظروف الحياة والتربية والمجتمعات تجعل بينهما اختلافا غير ان قوة الإدراك تؤهلهما للمعرفة الواحدة.

ربما اختلف الانفعال او حدّة الانفعال ولكن استيعاب القوة العاقلة واحدة فتستوي بها المرأة والرجل. في الأمور الجوهرية كل منهما وحده كامل الكيان وقد تجاوزنا علميا النقاش حول المساواة بين الرجل والمرأة.

لا أحب كلمة تكامل لأنها تتضمّن دونية ما ولكني اؤثر كلمة انسجام  بين الجنسين بسبب التباين النفساني. ولكن من المؤسف ان الأوربيين في دنيا العمل الراقي يفرقون في المعاش بين الرجل والمرأة ولو كانا على مستوى علمي واحد.

برهنت المرأة على علوّ مستواها وانتصرت. مع ذلك في بلدان عديدة في الحياة الزوجية تبقى مقموعة ومذَلّة والذلّ ان الرجل يمارس شدّة بسبب من أمواله.  هذه هي حقارته الى ان يرى زوجته كما يرى امه او اخته في البهاء الإلهي الذي خُلقت عليه.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

لبنان المرجو / السبت 5 أيار 2012

في لبنان الصغير كان الأرثوذكسيون ممثلين في مجلس الادارة بعدل وعاشوا في نظام المتصرفية. لم يرتضوا لبنان الكبير اذ كانوا مع فيصل حامل صيغة العروبة آنذاك. مع ذهاب فيصل تلبننوا سياسيا في حفاظهم العاطفي على رحابة مشرقية. بمعنى انهم لم يعيشوا عقدة اقليتهم العددية وما قبلوها لسواهم ولكن هذا التجمع الاقلوي الذي كرسه دستور 1926 فذلكه ميشال شيحا الكلداني الحامل ذكريات العراق.

في بلدنا شرخ بين الشعور العميق والواقع السياسي. فقد اقتبس المسلمون العروبة من مؤسسيها الفكريين اي موارنة باريس ثم انسلخ الموارنة عنها سياسيا  مع انهم اكتب العرب في لغتهم. ومع ان الموارنة اخوة الارثوذكسيين في المسيح لم يعطوا لهذا ترجمة سياسية وصاروا اسياد البلد. وبعد ان تلبنن المسلمون كليا ولكن تدريجيا كانت لهم قراءة للبنان نافعة لهم وخسر الموارنة لبنان سياسيا وبقوا له عاطفيا. في كل هذه اللعبة ما افاد الارثوذكسيون بعروبتهم شيئا من المسلمين وما افادوا من الموارنة دنيويا اذ حفظ الموارنة في لاهوتهم الكاثوليكي ودا للارثوذكس ولا سيما السنوات الاخيرة غير ان هذا لم يؤتِ بترجمة سياسية.

التشرذم الطائفي لا تستطيع انت بجرة قلم ان تحل محله الوطنية اللبنانية وهي شعور لا يولد نظاما. لا بد ان تضرب النظام الطائفي وهو قائم بسيادة طوائف نافذة على طوائف مستضعفة. الى ان ينشأ عندك نظام مدني كيف تقيم عدلا خارجا عن العدد او خارجا عن تسلط اعتباطي او عشوائي لناس على ناس؟

تمتمة الجواب ان تحول السؤال الى هذا: انت عندك شعوب مؤمنة بأديان مختلفة وفي كل دين مذهب او اكثر وأصحاب المذهب لهم ثقافة خاصة بهم.  لنأخذ الطهو مثلا. هناك طهو سني لورق العنب رائع وهناك كبة شيعية او جنوبية تختلف عما يطبخ في المناطق الشمالية والوسطى. وهناك لهجات بعضها مختلف كثيرا عن غيره وهناك مواقف حاسمة في الزواج وديمومته ودرجات قدسيته وكل الموضوع الجنسي. الى جانب ذلك ذاكرات جماعية متنوعة المضمون بحيث لا تستطيع ان ترى نموذجا إناسيا واحدا وبحيث يعسر جدا ان تتكلم عن طبائع لبنانية كثيرة التقارب الا في الخطايا الموحدة لما يسميه الدستور الامة اللبنانية وهو يريد التجمع السوسيولوجي لهذا الحلف الطوائفي الذي سماه الجنرال غورو في اول ايلول 1920 لبنان الكبير بقرار منه. هذا املاء فرنسي يجمع فوقيا مجموعة شعوب لتؤلف معا الشعب اللبناني وهي لم تستطع تأليفه.

ولم تدفع هذه الشعوب ثمنا لوحدة اريدت لها وكل شيء في الوقت الحاضر يدل على ان بعض القيمين على البلد لا يريدون اي خير له او يبذلون ادنى تضحية لتنصهر هذه الشعوب بعضها ببعض ولأية غاية تنصهر روحيا وثقافيا؟ ماذا نفعل بالنكهة الشيعية ذات الفرادة الساطعة؟ هل من محاولة جدية لاقتراب الكاثوليك والارثوذكس؟ هذه امور ليست بتفاصيل لدنو شعب من شعب آخر. توحيد المذاهب الاسلامية الذي ينادي به جامع الأزهر من عقود لم يبق له أثر.

الانقباض هو الطابع الوحيد الذي يميز كل طائفة وأعجوبة الانفتاح الديني والمجتمعي لم تطل حتى اليوم.

هل نقرر في سبيل حلم الوحدة اللبنانية اننا بتنا شعبا واحدا ونرضى في الواقع بتطويع شعب لشعب؟

متى تتم الوحدة اللبنانية وعلى اي أساس؟ هل ندعو كل شعب الى فقدان دسمه او ملامحه او نقوم بعمل توحيدي رمزي في هذه المناسبة او تلك لنوهم انفسنا اننا ذاهبون الى الانصهار؟ هل تعرفون خارج لبنان بلدا يعزف النشيد الوطني في كل مناسبة؟

كل هذه الامة كما يحلو للدستور ان يسميها تذهب خلال 12 ساعة لتضع ورقة في صندوق اقتراع مكتوبة عليها اسماء مرشحين لتقنع نفسها بأنها صارت واحدة بهم وتعود في اليوم الثاني الى انقسامها شعوبا مختلفة لا تعاون بينها الا في التجارة والقطاع الاقتصادي والتنافس المالي ونعت ذاتها باللبنانية لأن هناك علما واحدا وتركيبة دولة غير قادرة او غير مريدة على بناء طريق لا حفرة فيها او إقامة كهرباء لا تضيء او جر مياه لا تروي او ذبح لحم فاسد وإذاعة رعب في النفوس وتوهم انها تحكم وهي لا تحكم بانتظار دولة تكون غبيا اذا توقعتها بمعطيات اليوم.

ان تكون في لبنان غير طائفي أمنية لا أساس لها سياسيا. ان تكون محبا شيء آخر لا علاقة له بالسياسة. يمكن المحبة ان تشفي الطوائف من حدتها، من كبريائها، من أناها المقيت. ولكن هذا لا يصلح النظام الطوائفي. وهو لا ينهدم منطقيا. يجب ان يتفجر كليا. ولن يتفجر ما لم تأتِ بنظام آخر كليا. حتى الآن لسنا نعرف النظام المدني الذي يتجاهل الطوائف كليا. وليس لبنان مؤهلا لاكتشاف نظام لنفسه لا يعرفه علماء الدستور.

هل نصل، هل يمكننا ان نصل الى وضع كهذا؟ هذا يعني اننا قادرون ان نفصل بين شعورنا الديني وقيام طوائف لنا لا معنى سياسيا لها. هل اللبناني حر من السياسة الى هذا الحد؟ وهل هو متدين الى هذا الحد حتى يعتقد ان الإيمان اخروي كليا وليس له مردود سياسي؟ انا ليس عندي وصفة تحرير من الطائفية ولست اعرف مرحلية لوصولنا الى نظام علماني.

انت لست مضطرا ان تؤمن بإمكانات هذه الشعوب لتصير شعبا واحدا. انت مضطر ان تحب جميع هذه الشعوب لكي تتحرر من الانقباض او الانغلاق وتبني بالإخلاص دولة تعرف نفسها خادمة لكل هذه الجماعات وهذا يتطلب فهما كبيرا لخصائص هذه الشرائح وكيف تقربها بعضها من بعض.

من المعيب ان تسود طائفة طائفة اخرى بأية صورة من صور السيادة. من المعيب الا تجعل كرامتك ككرامة الآخر وان تعليه فوق رأسك لتدخلوا بالمساواة الى ندوة برلمانية تسعون فيها الى بناء لبنان عظيم وتفتخرون بالبهاء الروحي الذي تجعله فيه اخلاقكم السامية.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

القيامة الكونية / السبت 28 نيسان 2012

القيامة حدث وفكر اي انها كانت واقعا في مسيرة يسوع الناصري ولكنها كانت معنى. هذا تعبّر عنه أنشودة الفصح القائلة: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت». المراد بهذا القول ان الموت لمّا دخل المسيح لم يتحكّم به وكأنّ هناك شيئا يتجاوز وطأة الحدث ويعبر عن انتصار المخلّص ضمن واقعة الميتة.

الموت حدث توضحه الأناجيل الأربعة في فصول عديدة كما يركّز عليه بولس ايضًا. في رواية لوقا: «وتبعه جمهور كثير من الشعب والنساء اللواتي كنّ يلطمن ايضا وينحن عليه» (23: 27). وبعد ان رفع على الخشبة «أسلم الروح» (23: 46). عبارة أسلم الروح ترد حرفيا في بقية اأناجيل مع ذكر شهود بأسمائهم. الصلب حدث ماديا اذا اتخذت الأناجيل صحافة تلك الأيام آمنت بالخلاص ام لم تؤمن. تقول الروايات عن موت يسوع الناصري متوافقة وصحيحة لثبوت النص الإنجيلي الحاضر  الذي استشهد به أهل القرن الأول وأكّدوا الحدث قبل تدوين الأناجيل كاملة.

قتل يسوع الناصري بتحريض من جماهير اليهود وحكم قضائي روماني اساسي لنقول بحدث آخر هو القيامة. هذه تكشف المعنى الرئيس لموت الناصري عند أتباعه. السؤال الباقي هو هل ان القيامة حدث لك ان تلمسه. بداءة جواب ان يسوع دُفن في مغارة اي فوقه سقفها وليس فوقه تراب وان هذا القبر الواسع شوهد شاغرا صباح الأحد. حسب رواية متى قول الملاك لمريم المجدلية ومريم الأخرى اللتين جاءتا الى القبر: «هلّما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعا فيه». بعد هذا قال: «انه قد قام». يبدو اذًا ان إثباتا حسيا للقيامة قائم على عدم وجود جثمان في القبر. عند مرقس شاب جالس في القبر قال للنساء اللواتي أتين الى القبر ليطيّبن الجسد. «قد قام. ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه». هنا ايضًا تأكيد على الشغور.

لوقا يعبّر عن شغور القبر بقوله ان بطرس كان هناك «ونظر الأكفان موضوعة وحدها» اي بلا جثمان. وهذه الشهادة هي اياها عند يوحنا.

لا تقول الأناجيل ان جسد يسوع تحرّك في اليوم الثالث وخرج ولكنها تقول كلها انه ظهر لأتباعه. القيامة ليست حدثا ماديا، كالصلب بمعنى انها غير موصوفة ماديا ولكنها حدث استقرأناه او تبيناه من ظهورات المعلّم للتلاميذ ولمريم المجدلية في البستان. له تاليا حدثية او حادثية اي واقع مادي آخر. كانت تحررا واقعيا من موت واقعي. نقبله من شهادة الشهود اي الرسل وصحبهم الذين قالوا انهم رأوه.

#   #

#

نحن نفهم معنى صلبه من القيامة. الصلب حدث ولكنك في حاجة الى من يفسره لك اي ان ينقلك من الواقعة الى السبب الذي من اجله كانت غاية الصليب وهو ان نحيا بالقيامة كما المسيح حيا. بتعبير آخر قصد القيامة هو نحن ولكن هذا لم يكن ليحصل الا اذا أدان المسيح الخطيئة بجسده كما يقول باسيليوس. ولهذا جاء عيد الفصح ليقول اننا بعد الحياة الجديدة التي نلناها بالمسيح لا ننتظر شيئا آخر فقد «حلّ ملء الزمان» كما قال بولس وبتنا بالصليب أبناء الله وصارت الأرض سماء ودعينا الى عرش المجد.

لم يترجم احد معنى القيامة وقبولنا امتدادها كما فعل بولس اذ قال: «الا تعلمون اننا حين تعمّدنا لنتحد بالمسيح يسوع تعمّدنا لنموت معه فدفنا معه بالمعمودية وشاركناه في موته حتى كما أقامه الآب بقدرته المجيدة من بين الأموات نسلك نحن ايضا في حياة جديدة» (رومية 66: 3 و4) فإن لم نشأ ان نحيا حياة جديدة فكأن قيامة المخلّص لم تعننا، كأننا لم نأخذها وبقينا في خطايانا.

ما كانت القيامة لهذا الرسول العظيم حدثًا مضى يُغنى. صارت وجودًا في حياة المؤمنين، يجيئون من نورها، من دفئها، من ديمومتها. لذلك وضع القديس سيرافيم الروسي تحية يوميّة: «يا فرحي، المسيح قام». هذا يستدعي في ذاكرتي القديس مرداريوس الذي كان نبيلا رومانيا. سمع مرة فيما كان يتمشى في قصره في الطابق العلوي اغاني صاعدة من الشارع. اطلّ من الشرفة، رأى جمهورا يغني. سأل الخدم من هؤلاء ولماذا يغنون. قالوا هؤلاء قوم جاؤوا من الشرق مسوقون الى الإعدام ويرتلون لاعتقادهم، انهم بموتهم يتحدون بمخلصهم الذي يدعى يسوع. فقال مرداريوس في قلبه: ناس تجعلهم ديانتهم في هذا الفرح في طريقهم الى الموت يجب ان تكون ديانتهم صحيحة. فنزل وانضمّ اليهم. وعمّد بدمه. ونعيّد له من حيث انه شهيد.

كلّ من التمع عندنا ببهاء روحي يكون قد قام من خطيئة كما قام يسوع. اذا نظرنا الى ايقونة في كنيستنا وفرحنا بها نكون في اللحظة آتين من القيامة وذكرها بدء الأسبوع لأنّ كل قداس فصح.

المسيحيون الأوائل كانوا يرتدون البياض اذا مات لهم عزيز لكونه انتقل الى القيامة اذ له عند موته حديث مع الآب كما يقول امبروسيوس أسقف ميلان.

غير ان الله لا يهتمّ فقط للأفراد. يريد القيامة ان تعمّ الكون ولذلك في اليوم الأخير الكون ضياء. تعليمنا ان قيامة يسوع دشّنت الكون الجديد وتنير المادة فيه في اليوم الأخير. اذا صحّ تعبيري لا تبقى المادة مادية ولكنها تستضيء بنور المسيح وتصير كلّ حركة كونية جزءا من الفصح الأخير.

اذ ذاك، نفهم كلّ مدى ترتيلتنا: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور». قول ان الموتى يقومون ونبقى عند هذا القول لا يروي غليلا. ينبغي ايضاح ذلك بقولنا ان الكون يصبح رداء المسيح والمسيح لا يرتدي الا النور.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الحشمة / السبت 21 نيسان 2012

في اللغة الحشمة هي الحياء او الاستحياء. اللفظة في ترجماتنا العربية تتعلق بالمرأة. والمعنى هو نفسه بالترجمات الفرنسية. وما يرفضه بولس في رسالته الأولى الى تيموثاوس هو التزين «بالذهب واللؤلؤ والثياب الفاخرة» (1تيموثاوس 2: 9). الفكرة نفسها نجدها في احدى مواعظ يوحنا الذهبي الفم في نبرة شديدة.

في هذا الفصل عند بولس يرافق الحشمة «الورع والتعقل وتقوى الله بأعمال صالحة» كأنه يقيم تناقضا بين العمل الصالح وغياب الحشمة او ضعف الحشمة. حسب التناص في رسالة بولس الاولى الى تيموثاوس يبدو ان ما يكرهه الرسول في الدرجة الاولى هو ترف الملبس والجواهر.

النص الأساسي في موضوع الحشمة هو ما ورد في سفر التكوين عن آدم وحواء لما قال: «وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان». بعد هذا بقليل يقول: «وصنع الرب الإله لآدم وامرأته اقمصة من جلد وألبسهما» (تكوين 3: 21). وبعد ان أخطأ آدم «أخرجه الرب من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها» (تكوين 3: 23).

يتبين من كل هذا ان الخجل رافق اللباس، رافق أقمصة الجلد والعري عودة الى الخجل.

هذه هي الصورة في بدء سفر التكوين. هذه الصورة تعطينا الجدلية بين اللباس والعري.  العري استبعده الله بعد اعطائه الجدين الاولين أقمصة الجلد. وبعض اللباس ممجوج بسبب من مرافقته للذهب واللؤلؤ وما اليهما. هنا القضية متكونة من محبة الله للفقراء. يبقى ان اللباس مرافق للوضع الخاطئ الذي وقع فيه الانسان ونحن في وضع الخطيئة هذا. لذلك عندنا مشكلة اللباس وعدم اللباس او مشكلة طريقة اللباس ومشكلة الأزياء ان أردنا ان نترجم الكلام الإلهي ترجمة اجتماعية.

#   #

#

في الكلام الحالي الحشمة تفيد التستر ولكن هذه اللفظة لا تحتويها كليا اذ الشخص المتستر يمكن ان يكون إباحيا.

المسألة كلها كامنة في حركة الجسم التي تنبثق عن النية فهل التحرك هو الاسترضاء او الجذب او الاخضاع او التسيير بحيث يأتي الجسد وما عليه قليلا كان ام كثيرا وسيلة لإثارة هذه المشاعر ام يأتي لغة للتواصل الوجداني. بكلام آخر هل الجسد وصل بينه وبين عيون ام هو خطاب قائم ليتلقى خطابا آخر بحيث يكون المتخاطبون اشخاصا يعطون حياة ويتفاهمون على مستوى الكيان الذي لا بيع فيه ولا شراء ولكن يبدو الكيان لكيان او كيانات اخرى حديثا انسانيا غير مقول بكلمات ولكنه تداخل افكار وتعبير عن مشاعر بلا رهن ولا ارتهان.

من الواضح ان الثياب لا تنحصر وظيفتها بارتداء ما يقينا البرد او الحر فالانسانية جعلتها جميلة في كل العصور للذكر وللأنثى وجعلتها للمقام (لباس عسكري او ديني او قضائي او أكاديمي او لعرس او لحداد وما الى ذلك). والتماس الجمال يفسح في المجال للحلال في ظرف تاريخي او يسيء او لما يعتبره الناس غلوا في الزينة وهتك العفة في جو حضاري محدد.

هنا نلحظ ان ما كان موفوضا في زمن يصبح مقبولا في زمن آخر وما كان مثيرا في زمن يرتضيه القوم في زمان لاحق. يزين لي ان الحجب الكامل للجسم من الرأس الى الأرض من مستلزمات الطهارة عند بعض ومن القوم من اعتبر ان معظم الرجال يبقى نصيبهم من النقاوة قائما دون هذا التشدد، الامر الذي يعني تبدل الأذواق بتبدل الأزمنة والأمكنة.

ما لا بد من تأكيده ان المرأة في عصرها تعرف على وجه الوضوح ما يتقبله القوم وما لا يتقبلونه تبعا للبلد الذي يعيشون فيه. لا يمكن لامرأة فائقة الجمال ان تخفيه مهما احتجبت ومهما قصدت عفة نظراتها. ولكن قصد النقاوة يساعد على حمل النقاوة كما ان سوء القصد ايا كانت صورة الاحتشام من شأنه ان يحدث خللا في العلاقات بين الجنسين.

#   #

#

على رغم كل النسبية في هذا الموضوع لكونه متحركا يبقى عندنا تساؤل اساسي ليس متعلقا بالمرأة وحدها وهو السؤال حول الإغراء. المغري هو ذلك الذي يريد إثبات انه مهم، جذاب في هذا الحقل او ذاك من الوجود ابتغاء استلذاذ الآخر بعقله او شكله وليس ابتغاء التواصل الانساني. الرجل يستخدم الكلمة والكرم حتى يطوع الآخر اليه. يكتب احيانا متوسلا الانشداد الى شخصه وليس من دفع قارئه الى الحقيقة او يستخدم احيانا الحقيقة لكي يعود اليه لا الى الحقيقة تقدير القارئ.

المرأة تسر بجمالها احيانا كثيرة، تعرفه، تعرّف به وتغالي احيانا في ابدائه لاعتقادها الصريح او الضمني انه اهم ما فيها وانه هو الذي يستحق الاهتمام. وهذا الوصف ليس تعديا مني على احد. ما قلته باسلوبي قاله الفلاسفة الابيقوريون بلغتهم قديما.

ليس لمؤمن عداوة مع الجسد ولا سيما ان بولس جعله هيكلا للروح القدس وكلنا جاء منه. ولكن ما كان مقدسا الى حد كلام بولس لماذا نجعله قبل الزواج او الى جانب الزواج متعة للعين بتحويلنا اياه الى شيء وهو في لاهوت كنيستي بعض من صورة الله التي خلق عليها. واذا حان ملء زمانه في الحياة الزوجية يصبح كلاما غير منفصل عن الحب الزوجي وعن كلمة الوعد ونحن نصر ان نقرأه بث منية للعين او تلقي منية للعين.

انعطفت اوربا على هذه الرؤية في عصر نهضتها في القرن الخامس عشر وبان عند ذاك الجسد العاري والذريعة دراسة الجسد بحد نفسه مفصولا عن قداسته وأهملت الحشمة بعد استبعاد الله عن الوجود حتى أعلن نيتشه موت الله وبعد هذا الكفر كان لا بد ان يجن نيتشه.

لا حاجة بعد هذا الى عرض ازياء. امست الدنيا كلها استعراضا كبيرا. هذه نتيجة محتومة لعبادة الانسان كلامه المنمق او زينة جسده. لم يبق لنا أفق بعد ان صرنا اشياء. للرب وحده ان يعلن إيقاظه للروح اذا شاء ان يقول للانسان انه ليس فقط من تراب الارض.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكسيون / السبت 14 نيسان 2012

لم أكن لأخصص لهم مقالا لو لم تكن لهم فرادة. الفرادة لا تجعلهم أفضل من سواهم أو أسوأ. سأحكي عنهم بما تيسر لأنهم مجهولون إلى حد انهم لا يستطيعون لقلة عددهم ان تكون لهم مطامع في الأرض. ولكنهم هنا يعايشون سواهم بلا نتوء، بقليل من الصراخ.

مرة كنت ضيفًا على المثلث الرحمات مطران بيروت الماروني السيد إغناطيوس زياده. فلما استطعنا ان نختلي قال لي ما الفرق بين قداسنا وقداسكم. أجبته: سيدنا، هذا سؤال عارف، زودني أنت بالجواب. فبعد ان شرح لي خلفية القداس الماروني قال لي: أنتم تستهلون قداسكم بقولكم: «مباركة مملكة الآب والابن والروح القدس». هذا الكلام الملوكي أتاكم من معاشرتكم أباطرة الروم. لم أعارضه مع علمي انه غالى في تبجيلنا ولكني كنت أدرك عمق ما قال، رحمه الله. في هذا الخط وفيما كان ادنى إلى التواضع اذكر اني قلت غير مرة لغسان تويني nous sommes d’empire وعنيت بهذه القولة اننا نندمج بالامبراطورية القائمة من حيث هي دولة وعبرنا الامبراطورية الرومانية ثم العربية والمملوكية والعثمانية ودولة الانتداب وانطوينا طبعا في ما نحلم انهما دولة لبنان.

في رؤيتي الشخصية ان السنّة كانوا على حق بما جاهروا بطريقة أو بأخرى انهم لا يقبلون التصنيف الطوائفي ولعل ما جمعنا اليهم اننا مثلهم لم نقل بالطائفية لإيماننا اننا الكنيسة الجامعة أو من الكنيسة الجامعة واننا لا نرضى هذا الحبس الطائفي الذي اراده لنا دستور 1926. ولكن هنا يسمع صوتك اذا سمح لك ببوق. ربما آذانا دنيويا قداسنا الذي يجعلنا في السماء حيث نرى الناس كلهم سماويين وهم يريدون أنفسهم أيضًا من الأرض. المشكلة انه ممنوع عليك في لبنان ان تحلم ببلد لم تنزل بعد صورته من فوق وشفافيتك لا تُرى.

واذا رتلنا الأحد «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت» نحس انه يتكلم على دوسه لموته وان عيوننا مأخوذة إلى ترتيلنا بالقوة التي لا تجعلنا نرى مواتية لبنان وألاعيبه. ولكنا نصر على سعينا إلى الملكوت ونهمل ما كان على جنباتنا من تراب هذه الدنيا.

هناك من يقول منا نحن مع الآخرين. هذا كلام حسن. ولكن أليس من العدل ان ننتظر ان يكونوا هم أيضًا معنا وان يكون في الأرض شيء من السماء حتى نقبل نحن القول اننا نرتضي ان ندخل إلينا شيئًا من الأرض لنلتقي في مكان ما من الوجود؟

#  #

#

أما ضاقت الأرض بأنطون سعاده وميشال عفلق وقسطنطين زريق وأسد رستم وجورج حبش وبعض آخرين والإنجيليين الذين رئسوا في الحركة الفلسطينية وآباؤهم أو أجدادهم جاؤوا من صفوفنا. اعرف ان الاحتجاج لا ينشئ دائمًا أطروحة ولكن هل كان احتجاج هؤلاء غير ناتج من ضيق ما كشفته هويتهم الدينية؟ هناك خطأ ما في التركيبة اللبنانية اذ تجعل بعضًا أبناء الست وبعضًا أبناء الجارية. ولكن يمكن ان تكون أميرًا وأصر بعض ان يجعلوا أمك جارية.

لكني ما نويت ان اتأفف ولكن ان شئت ان تكتب يسمح لك بالوجع. غير ان آباءنا الكبار منعونا من الصراخ وسمحوا بأن تتكلم بهدوء لمن له اذنان ليسمع أصواتًا هادئة. في هذه الحالة تهمك وحدتك مع الإخوة الطقوسيين منهم وغير الطقوسيين. مع ذلك غير الممارسين منا يقولون الأحد: المسيح قام مدة أربعين يوما ويقبّلون بعضهم بعضا بقبلة مقدسة كما يقول بولس. وتساءلت طوال سنوات ما تعني صفة المقدسة حتى اهتديت ان من أنشد هذا النشيد أو أنشدته له أمه يعرف ان المؤمن الآخر بهذه العبارة أخ له صلّى في كل أحد وعيد أم أهمل صلاته ولكنه يذكر بين الفصح وخميس الصعود ان المسيح صعد بجسده إلى السماء وجلس عن يمين الآب أي اعطى ناسوتنا الممجد بالمسيح الكرامة نفسها التي للاهوت. ونحن اذا بالطاقة كما يقول الفلاسفة عن يمين العظمة في السماويات في رفقة الأبرار الذين سبقونا إلى وجه الآب.

هذا ما يُسمّى عند آبائنا السكر الصاحي. من رآنا صباح العيد بعد استهلالنا صلاة السحر بالمسيح قام نحمل الشموع مضاءة ونقبل بعضنا بعضًا لا بد ان يقول: من أين جاء هؤلاء القوم. لماذا كل هذه المحبة؟ هذا ليس فقط حبًا. هذا عشق. تعليقي على كلام هذا الغريب: ما ضرر العشق؟ تعال إلينا.

نحن لم نعمل شيئًا صالحًا على الأرض كما كان باسيليوس يقول لنا كل أحد في قداديس الصوم. ولكن فخرنا -وهذا ليس منا بل من الله- اننا في حضرة الله دائمًا في حالة غناء إلى ان يأتي المخلص إلى هذا العالم ثانية. غير اني لست أريد ان أترك للأعزة انطباعًا ان هذه الدنيا ليست للرب ونحن بكلمة الرب لا بدغدغات السياسة نشدها إليه. نحن لم نقبل يومًا ان نسمى طائفة. ربما كان هذا في الجريدة الرسمية وما يشبهها من قرطاسية هذه الدولة. فعند الناس أنت مصنف في مكان ما. ولكنا نحن نعرف مكانة الصالحين منا ومكانة الخطأة. ولكن بعد السكر الصاحي تنتقل من الخطيئة إلى البر فيعلمك «المسيح قام» في كامل إنشادها.

#   #

#

يقول باسيليوس في قداسه نقلا عن بطرس اننا «شعب خاص، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة». هذا فقط بسبب من الكأس المقدسة التي نرتشف. الخطأة شعب خاص لا لامتياز لهم ولكن لكون الرب يخصهم برحمته والحنان. كذلك الأمة مقدسة لكونها خاطئة والله يقدسها بدم ابنه. ان المخلص يرانا في هشاشتنا واذا ارتفع يرفعنا معه حتى نستوي على العرش ونحن جسده.

كل اعتراف ان تعترف انك آخر الناس من حيث البشرة وانك تصير أولهم بالدعوة. نحن فتات الأرض وبهذه الصفة لا يمكننا ان نستكبر لئلا يلغى الاعتراف. «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله». والله يعرف من يكسر ليجعله متواضعا ولكن اذا قرأت تواضع المسيح معلقًا على الخشبة تبكي وتجثو وهذا ما حاولنا ان نصنعه في الصوم وبعد هذا نتهلل بترنيمنا: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت» إلى ان تقوم الانسانية جمعاء من كبوتها ويستقيم كل رأي فيها وتصبح واحدة مع الحق.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

هل من إسلام سياسي؟ / السبت 7 نيسان 2012

الاسلام كامل لا يوصف بغيره. »ان هو الا وحي يوحى« بحسب ما يعرفه كتابه  (النجم 4) ولا يزاد على الوحي شيء ليس من طبيعته. والسياسة تعني الحكم ولفظة حكم لم تأتِ في التنزيل بمعنى دولة او هيكلية إدارية. أصول الحكم ليست مضمونة في الدين كما بيّن ذلك بصراحة وقوة الشيخ علي عبد الرازق وعندي ان كل الانتفاضة عليه ان كتابه صدر السنة الـ1925. اي عاما بعد الغاء مصطفى كمال للخلافة وكأن العلامة عبد  الرازق جاء ليدعم أتاتورك ويثبّت الغاء الخلافة التي كان المسلمون متعلّقين بها، كأن شيخا أزهريا مثل عبد الرازق ظهر ليقضي على مسرة المسلمين بنظام ظهر توا من بعد وفاة الرسول.

لا شيء يدلّ على ان مسلك الرسول كان يتضمّن حكما بالمعنى السياسي. أهل المدينة ما كانوا وحدهم الأمة. المسلمون في معيتهم في يثرب وخارج يثرب كانوا امة الله. ولم تكن هنا دوائر او شبه دوائر لشكل هيكلية إدارية. كان محمد في شخصه مرجعية كل شيء في الأمة. أمة المسلمين كانت مجتمعا ولم تكن محكومة دولة. فليس من معنى لقول الدارسين ان الاسلام دين ودنيا. هو دين بمعناه الإلهي وبمعناه المسلكي.

بوفاة الرسول كان لا بدّ من تنظيم فبويع ابو بكر ثم بقيّة الراشدين الى ان جاء بنو أمية فقوي التنظيم وظهرت أمة العرب والإسلام في وقت واحد لأن العرب قبل محمد ما كانوا أمة واشتدّت صفة العروبة برؤيتها امبراطورية الفرس وامبراطورية الروم. هذا زاد في إحساس المسلمين انهم دولة وقويت جدا فكرة الدولة بالفتوحات. الا ان إسلام محمد لم يكن شيئا من هذا لأن محمدًا لم ينقل الا كلام الله والله لم يتكلّم عن سياسة المسلمين.

#   #

#

اذا جئنا الى العصر الحديث نرى ان الطابع الدنيوي الذي اتخذه المسلمون العرب كان العروبة فقامت الأسرة الهاشمية في الحجاز على خليفة المسلمين العثماني اي اعتبرت ان ليس للمسلمين وحدة سياسية يؤمنها الخليفة وقضى أتاتورك رسميا على الخلافة اي اعتبر ان الأتراك بقوا مسلمين بلا نظام سياسي عالمي وآمنوا ان النظام المدني الذي تبنوه لا يناقض الإسلام وألغى الأتراك اباحة الشريعة الزواج بغير امرأة واحدة غير ناسين ان المسلمين يستوحون مصلحة الأمة.

ثم ماذا يعني الاسلام السياسي والبلدان الإسلامية تعرف كل الأنظمة فهناك نظام الأسرة الواحدة وهناك النظام الملكي والنظام الجمهوري الرئاسي والنظام البرلماني وهناك جمهورية لا تقول في دستورها ان دينها الإسلام ولا شيء يدلّ على ان المسلمين يريدون ان يتماثلوا في أنظمة الحكم.

حصيلة كل هذا ان القاعدة في السياسة عند المسلمين  كما في غير السياسة احيانا تبقى مصلحة الأمة. وأمة المسلمين في إبداعها ونموها وازدهارها الثقافي والاقتصادي والتماع حضارتها وسلامها وسلامتها والتحامها بالأمم الأخرى او الشرائح الأخرى بلا تسلّط منها ولا تسلّط عليها، بلا قوقعة ولا انفلاش ولكن في السعي في كل مجتمع الى ظهور الأكفياء منها او من غيرها لأن في الأكفياء من كل جماعة منفعة للمسلمين. ويحصل هذا اذا اعترف المسلمون بمفهوم الوحدة القائمة على التعدد.

ملآن القرآن بالحديث عن الانسان والناس لعلم ربّ العالمين بوجود عالمين متعايشين ومنتجين في كل الحقول لمنفعتم ومنفعة المسلمين. يعني هذا قبول المسلمين بالعيش الحقيقي مع كل أطياف البشر. في الإسلام مرونة تفسيرية كبرى جعل أحد علماء العراق يتلو علي آياتٍ كريمات تدلّ على ان المسيحيين ليسوا بكفّار. انا أعرف ديانات الهند في العصر الحديث هي تقول انها موحدة. تاليا ان ليس فيها شريك. اذًا انتقلنا الى طور تفسيري يجعل التوحيد عنصرا اساسيا في معظم ديانات العالم ما ييسر على رؤية المسلمين أنفسهم عائشين في مجتمعات تقبلهم وتريد لهم الخير وترى بين كل الناس نوعا من التجانس الروحي. تبقى الدعوة قائمةعلى أساس الحرية. والسلام. »فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر« (الكهف 29).

#   #

#

ويسعى الناس على اختلاف أديانهم ان يروا أنفسهم مواطنين يرحبون  بوحدتهم وبالانسان الكفء في كل مجالات الحياة. غير ان ثمة مبادئ يمسك فيها الانسان الحديث وهو ان ان الله لم يعين دينا ليتحكم بأهل الأرض جميعا شاؤوا ام أبوا ولم يجعل احدا في ذمة احد ولكن جعل كل مواطن في ذمة المواطن الاخر بحيث ندافع بعضنا عن  بعض ونرعى بعضنا بعضا ونراعي الجميع. الناس موجودون كائنا ما كان فكرهم وحياتهم غالية ومفيدة لمن لا يؤمن مثلهم.

هذه الخطوط في الفكر المجتمعي هي حياة المدنية وفي السياسة تعبيرها الحكم المدني. ولنا ان نختلف لأن هذا شأن البشر واختلفنا في الدين الواحد ولكن الانسان طبيعته الحرية ولو استأنس بالرأي الآخر. سميناه المجتمع القائم على الخلاف، ديموقراطية وليس من بديل لها الا النظام البوليسي او الاستبدادي.

اخذت الحرية ثمانمئة سنة لتصير قاعدة الحياة الجماعية في بريطانيا العظمى وهي قائمة في فرنسا منذ مئتي سنة فقط وكذلك في اميركا. ان العرب اذا اندرجوا في التفكير الذي ساد اداريا وسياسيا البلدان التي ذكرت يفهمون المجتمع المدني.

يأخذ العلماء والمناضلون السياسيون المسلمون دينهم بالفهم الكبير وروح المحبة للآخرين ويبنون في روحانية عالية الاوطان مع الآخرين ويكون لكل واحد منا طمأنينة كاملة للآخر على حريته.

الإسلام السياسي اختراع الناس، تعبئة لعاشقي السلطة وواضح ان المسلمين اذا ادركوا أعلى مقامات الحضارة تصبح لغتهم السياسية مدنية كعظماء الأرض. لكوني اريد ان أعيش جعلني ربي واحدا على الأرض مع المسلمين اريد لهم أعلى درجات الرقيّ. هذا ليساعدني على أن أبقى في حياة كريمة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الجهل / السبت 31 آذار 2012

أعرف اني لا أعرف الكثير. وفضل الله عليك اذا نجاك من الإدعاء على هذا الصعيد. وكارثة الجهل انه لا يسمح لك بمتابعة هذا الكون اي ان تكون مجردا من المعارف الضرورية للعيش او غريبًا عن نوعية عيش فتكون تاليا على نقص كبير قد لا يهم الله ولكن غيابه لا ينفعك في هذه الدنيا.

اذا ساغ هنا شيء من الاعتراف ينفع بعضا اقول اني لم احفظ شيئا من العلوم الطبيعية واني لا افهم شيئا من حديث اقتصادي على رغم من تحصيلي شيئا دقيقا في هذا العلم ولكن قبل ستين سنة. اذا لم تعرف، اذا لم تتطور بتطور قطاع من المعرفة لازم تعسر عليك الحياة. اضطررت تاليا ان الازم اللغة لئلا اطرح في الجهل الكامل. وهنا ايضًا ألحظ عندي نواقص كبيرة. لذلك اقتنيت اهم القواميس العربية لتتبع علوم اللغة. والقاموس يلغي ما تظنه اختلافا. مثال على ذلك كنت أسمع كاهنا يتقن العربية في تلاوته المزمور الخمسين يقول: تنضحني بالزوفى بكسر الضاد فتساءلت لماذا هذا الرجل بالذات يلحن حتى تبين لي ان لسان العرب يقبل كسرها ويقبل فتحها. الى هذا لاحظت منذ بضع من سنين ان جمهورا كبيرا في الرعية لا يفهم الفصحى فآثرت مزجها بالعامية عند الوعظ. عليك احيانا ان تتنازل عن الفصحى لتوصل معنى إلهيا اذ انك خادم للخلاص لا للغة.

لماذا نطمع بفهم الكون؟ الأمي او شسبه الأمي لا يطمع ولكن الدماغ اذا انتشى قليلا بالمعرفة يشتهي الأكثر وهذا حلال لا يجرح التواضع بالضرورة. العارفون الكبار الذين عرفتهم ذقت تواضعهم. ان تقرأ هذا الكون يرضي الله اذ طلب منا ان نتسلط على الأرض. والتسلط هنا يعني الخدمة وليس فيه استكبار. انت تقدر ان تقرأ الله من خلال الكون وان تلمس يده مخلوقاته. هذا باب من أبواب التخشع الى ان يخطفنا الرب الى وجهه. اذ ذاك »العلم سيبطل« وتغدو الرؤية كل شيء في السماء.

ولكن تدغدغك المعرفة اذا كانت عظيمة. وصلت الى هذه القناعة لما كنت مرة جالسا عند الشيخ عبدالله العلايلي على الأرض في بيته نتدفأ بجمر المنقل وطرحت عليه سؤالا في اللغة. قال لي دون ان يلتفت كثيرا: اذهب الى هذا الرف (وحدده) وخذ الكتاب السابع تر الجواب في الصفحة كذا. ذهلت، اذ ذاك، ذهولا صاعقا وعرفت كيف يكون العلماء وحاولت ان أدرس العربية.

عرفت جهلي يزداد لما رأيت الحاسوب وما يتفرع عنه من علم وانا لم امس الآلة هذه حتى اليوم ولو كانت في مكتبي في استعمال الموظفين. واتعجب عندما يجدون لي حلا لمسألة بسرعة فائقة فعرفت نفسي غريبا عن المعلوماتية واني انتمي الى حضارة متراجعة يمكن تسميتها الحضارة الأدبية. ادركت ان الشعر يتوارى في معظم البلدان وان الناس يؤثرون الكلام العادي الذي يصل بهم الى غايتهم وهي تطبيقية. هل ان الأدب كله ترف عقلي ام ان للجمال والحقيقة المكتوبة مكانة في هذه الدنيا؟ هل ان الحياة كلها طعام وشراب ومسكن وتحصيل معارف بواسطة الحاسوب ام ان هناك نفوسا تحب ان تتحرك مجانا. كانت امي تستعجلني الى تناول وجبة الغداء وتنزعج مني لأني استمر في القراءة. هل هذه الحرب تبقى قائمة بين اهل العلم واهل ما يعتبره هؤلاء حياة عادية لا تخلو من التفه.

#   #

#

سؤال شبيه يطرح نفسه حول العلاقة بين المعرفة والحياة الروحية. عندما قال بولس لتلميذه تيموثاوس: «اعكف على القراءة حتى مجيئي» (1تيموثاوس 4: 13) كان مدركا ان القراءة الروحية تقربنا من الله لأنها كلامه او ترجمة كلامه. وكلمته حياة. كيف يعامل الله الذين لا يعلمون عن وحيه شيئا او تعبيرهم فيه قليل؟ عند الرب وسيلة اتصال غير الكلمات الملهمة ما في ذلك ريب وهذه الوسيلة هي انسكابه في قلبك بالحب. المسيح لم يكتب شيئا ولكنه قال. ولا نعرف كل ما قال. «وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست أظن ان العالم نفسه يسع الصحف المكتوبة» (يوحنا 21: 25). ماذا يدخل في عقول المؤمنين البسطاء من مدلول الكلمات التي يسمعونها؟ ليس عندي شك ان الأيقونة تتكلم واللحن يتكلم وجو الخشوع يصير كالكلام كما ليس عندي شك اننا نستدخل معا الكلمات حسب طبقتنا الفكرية. خطر الأمية على أهلها انهم يجهلون كثيرا معنى ما يسمعون ويضعون تاليا مشاعرهم عوض الفكر النازل في الصلاة.

اما خطر النص المقدس على المثقفين فهو التأويل وجهلهم احيانا للتراث المحيط بالنص الإلهي فالمثقف عنده تراثه الذي فيه يتقبل الكلام الإلهي. بأي شيء يتقدس تعني اي شيء يستلم. مع كل هذه الأخطار لا بد من الكلمة النازلة. ايضا «اعكف على القراءة» و«عظ في الوقت المناسب وغير المناسب» (2تيموثاوس 4: 2) والوعظ بالكلمة.

اما خلاص العارف فمثل خلاص الجاهل. اجل تساعدك النصوص على معرفة الله ولكن شهواتك احيانا تعطلها. ونمثل امام الآب في عرائنا من الجهل وفي عرائنا من المعرفة. تظهر النفس امامه كما استلمت. ليس من مشهد في الكنيسة يلهمني حبا لبسطاء العقل والتحصيل مثل صف المؤمنين امام الكأس المقدسة. هؤلاء واللاهوتيون الكبار واحد في المحبوبية عند الله. لا يمر الله بكلمته ليعبر اليهم. هو يأتي بنفسه ويسكن القلوب.

#   #

#

لماذا أهلكت نفسي بالتحصيل الذي من الدنيا وذاك الذي من الحياة الأبدية؟

الاول جئته لاعتقادي ان الطبيعة والفن كتاب من الله الينا. اقرأ ربي حيث يمكنني من ذلك. لست اعلم اذا أخذت الكثير من الطبيعة. اظن اني حاولت اخذ الكثير من الفن. ما شجعني على ذلك كوني موقنا ان الله مخفي في الجمالات واني أغيب عنه إن غبت عنها.

ثم لإيماني بالكلمة أقبلت عليها حسبما استطعت. انت لست حرا من تجلياتها واذا نأيت عنها تضع نفسك في الجهالة. هل أعطتني الكلمة هذا الذي كان في البدء وتجسد من مريم؟ في ضعفي وانكساري أقر انها اسعفتني في ظروف التأزم والحزن اذ كنت في حاجة الى تلحينها لذاتها واحس اني كثيرا ما سمعت النظم الإلهي واللحن في البيعة.

هل اقتبلها قلبي اقتبالا غير مشروط؟ هل خضع لها وقد أراد الخضوع؟ هذا ما سيقوله الآب بعد ان يستردني اليه وارجو الا اخشى المواجهة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأقباط / السبت 24 آذار 2012

بعد رحيل الأنبا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ان افضل ما أقدمه له ان أكلّم قراء »النهار« عن كنيسته بعد ان عرفوا في صحافتنا الكثير عنه.

لفظة قبطي مشتقة من اليونانية القديمة التي تدلّ على الانسان المصري بما صار في الفرنسية  Egyptien وما يقاربها في لغات الغرب. القبطي هو اذًا المصري. واستعمل العرب عند فتحهم للبلد لفظة قبط او فقط. ولكون العرب عنصرا يختلف دينيا عن مسيحيي البلد سموا هؤلاء اقباطا.

الترادف الكامل بين قبطي ومسيحي يسقط عندما نعرف ان الكنيسة القبطية هي فقط غالبة عددا وان ثمة من نسميهم روم ارثوذكس الذين هم على عقيدة اخرى والكاثوليك على اختلاف طوائفهم والانجيليين. من هؤلاء من انشقّ عن الكنيسة القبطية وهم القبطيون الكاثوليك والانجيليون ومنهم من هاجر الى مصر من اليونان ومن منطقتنا. يبقى ان الأقباط الارثوذكس هم الأكثرية الكبرى.

يفترقون عن الآخرين الذين ذكرت اننا كنا ندعوهم أصحاب الطبيعة الواحدة ونسمي كل الآخرين أصحاب الطبيعتين. مشكلة الطبيعة والطبيعتين في المسيح ظهرت في المجمع الخليقدوني وهو الرابع المسكوني المنعقد السنة الـ451 والقائل بأن للمسيح طبيعة إلهية وطبيعة انسانية. هذا لم يعترف به من صاروا الكنيسة الأرثوذكسية القبطية في مصر وعلى عقيدتهم الأحباش والأرمن والسريان وهم القائلون بأن للمسيح طبيعة إلهية واحدة متجسدة. وبسبب قولهم بالطبيعة الواحدة حرمهم المجمع الرابع.

ولكن غدا في القرون الوسطى ومن المعاصرين من قال ان الاختلاف بين أصحاب الطبيعة وأصحاب الطبيعتين ليس خلافا اذ ان الاختلاف فقط لفظي فكل المسيحيين يذهبون الى ان المسيح إله كامل وإنسان كامل وهذا ما أكّده دائما الأنبا شنودة وتاليا مضمون الايمان واحد وليس من هرطقة في اي فريق. يبقى ان تتصالح القيادات وان تعكس الوحدة وصورة الاتحاد.

#   #

#

لا يبدو ان هناك احصاء للأقباط دقيقا ولا سيّما ان مصر ليس عندها نظام طوائفي. غير ان الأقباط يعتبرون انفسهم عشر الأمة اي ما يقارب ثمانية مليون نسمة. هم والمسلمون يتنافسون في الوطنية المصرية. كل فريق ديني يعتبر الآخر مصريا كاملا وكل مواطن عندهم يذكر ان المواطن الآخر حمل القضية الوطنية عاليا بحيث لا يتهم المسلم القبطي انه كان قريبا من الانكليز. ما هو السبب العاطفي اذًا لقتل مسيحي هنا ومسيحي هناك؟ مسألة لم أحلّها بعد.

غير ان الواضح ان البابا شنودة لم يضع الأقباط ازاء المسلمين ولم يتهم احدا بقتل شعبه وما كان يلجأ الا للدولة ولما كان بعض من اهل الغرب ولا سيما الاميركان يحاولون البحث عن حرية الدين ما كان شنودة يأخذ بموقفهم ورفض كل مرة اللجوء الى فكرة حرية الدين لئلا يلقي مسؤولية على المسلمين.

بقي شنودة ساهرا على التقوى الشعبية وهي عظيمة جدا. المصلّون والصوّامون كثر والايمان يبدو قويا على بساطته وذلك عند المثقفين ايضا. ولما كان شنودة يحاضر كل يوم اربعاء في الكنيسة المرقسية كان يحضره ما لا يقل عن خمسة آلاف انسان من كل الطبقات الفكرية وكنت أراهم خارجين من المحاضرة جمهورا تلو جمهور.

وعظت في كنائسهم بعض المرات وعند خروجي كانوا يتلمسون جبتي للتبرك مع علمهم اني لست قبطيا. عرفت من نال شهادات في اللاهوت عالية وصادقتهم. عندهم جميعا المسيحية واحدة. في التأزم الاجتماعي هكذا تبدو ويظلّون على قوة الشهادة. غير القادرين على التعبير الكلامي عندهم كان يبدو لي ان قلبه يعرف. بهؤلاء كنت أحسّ ان المسيح يمشي على ضفتي نهر النيل.

في حالات الضعف السياسي  لا بد لهم ان يتحلّقوا حول الإكليروس وهم يقدمون لمصر ما استطاعوا من المعرفة. علوا في العلم. كفاني هنا ان أذكر في الفنون عوض كامل ورمسيس ويصا واصف وسامي جبرا وحبيب جرجس ومراد كامل.

في الحياة الكنسية يقود الأقباط مجمع مقدس مؤلّف من أساقفة ومطارنة ورؤساء اديرة ومجلس اكليريكي لدى البطريرك.

انتخاب البطريرك يتمّ على درجتين. يشترك المؤمنون في الترشيح ويختار ثلاثة يأتي الناجح بالقرعة.

البطريرك يعيّن المطارنة بعد استشارة غير ملزمة للعلمانيين. عندهم مجلس ملّي يهتمّ بادارة الأوقاف والعلاقات الاجتماعية. الإصلاح الذي تمّ السنة الـ1955 جعل الأحوال الشخصية تحت سلطة الحكومة التي تفحص الخلافات الزوجية.

على رغم الحدود الموضوعة تبقى الكنيسة القبطية على حيويتها في الوعظ والنشر والحياة الرهبانية التي تجددت في العقود الأخيرة وانضمّ اليها مثقّفون كثيرون يزاولون كل ما استلموه من التراث القديم.

مع هذا لا يزال الأقباط منخرطين في الحياة العامة. لهم صحافتهم المنتظمة في جريدتي مصر ووطني. لهم حضورهم في القيادة السياسية وان كان لا يصل احدهم الى المسؤولية انتخابا. كان بعضهم مقربا من سعد زغلول عند تأسيس الوفد. كنت اتابع في مطلع شبابي نشاط القبطي العظيم مكرم عبيد. كان لواصف بطرس غالي دور حاسم في إعداد معاهدة السنة الـ1936 التي كرست استقلال مصر.

حافظ جمال عبد الناصر على كرامة الأقباط. رأيته السنة الـ1965، يضع حجر الأساس  للكاتدارئية الجديدة. هنا اسماء في الأدب والفن لا تنسى. كيف تنسى جورج حنين والبروفسور عزيز سريال عطية واضع الموسوعة القبطية؟

لا يسعني ان اسمي كل من ساهم في خدمة الفن القبطي في الرسم والعمارة. كيف نهمل ذكر الأطباء  والأساتذة والمعماريين والمهندسن والصاغة وعدة صناعات أخرى.

سيبقى الأقباط بالرضاء الإلهي اولا وبإخلاص المسلمين لبلدهم الذي له عظمة الا يتكلّم على الأكثرية والأقليّة لتعود مصر الى عمق حضارتها وذوقها وجمالها وعلى ريادتها للعالم العربي.

Continue reading