Category

2012

2012, جريدة النهار, مقالات

الفرح / السبت 17 آذار 2012

منتصف الصوم عندنا في الأسبوع القادم وقد أحس الكثير من الأقدمين ان نصف زمان الإمساك خالطه شيء من الملل وبعض من تعب فخشي علينا الأقدمون أن نقع ولا نتابع المسيرة بفرح. دائمًا الكنيسة تخاف من زوال الفرح لأن خلافه استباق لموت ما في حين ان رؤيتنا رؤية قيامة.

ما كنت اتمناه وانا أكتب لجميع الناس ان يدركوا ان المسيحية التي تتكلم برموز وليس فقط بكلمات ما جعلت الصليب مركزا لها الا لكونه تحولا الى الانبعاث. اذا كان المسيح لا ينطفئ فنور الفصح هو كل شيء ولسنا ديانة مأساوية، مسدودة النوافذ اذ دخل السيد على تلاميذه بعد القيامة والأبواب مغلقة. ليس من انغلاق للنفس، اذا هي أرادت، يحول دون دخوله اليها. يدخل ليزيل الألم والحزن اذا رافقه ويخطئ من ظن ان المسيحية ديانة الألم وتعذيب الذات المقصود وان فيه فضلا. الفضل للصابرين اذا صبروا وليس للمتوجعين لمجرد توجعهم.

الإنجيل كتاب مليء بالعجائب وأراد المسيح شفاء المرضى. «العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون» (متى 11: 5). ولكن لا يظنن احد انه قادر ان ينال التعزيات الإلهية وعظمة النعمة بهدوء الكسل. لا مفر من الخطيئة ولكن لا خروج منها الا بالتوبة ولا صعود على معارج التوبة الا بالصلاة.

المسيح لم يخترع الصليب. كان موجودا في العقوبات الرومانية. تقبله تقبلا ليعلمنا ان لنا به حراكا الى الله. النعمة المنسكبة علينا يتهيأ لها الانسان بشدائد تعتريه. كيف تشطب الشدائد روحيا وليس بالطب الجسدي او الطب النفسي بلا سكينة هي سكينة الله لنفسه.

لك ان تتوقع شفاء على صعيد الطبيعة ونحن نؤمن ان لله اصبعا في هذا. والطب النفسي يعالج العقد التي ورثتها ولكنه غير مكترث بعافيتك الروحية. اصلا لا يسعى الى هذا ومؤسس هذا الطب كان ملحدا. انا ما قلت ان بديل المعالجة الصلاة. والقديسون حضوا على طلب المعالجة الطبيعية. غير ان الانسان مصلوب على ما يعتريه وعلى ذاته حتى يتلقى الحنان الإلهي. لا احد يخترع صليبه الشخصي او يتوهمه. قد لا يروقك استعمالي لكلمة صليب. ولكن حقيقتها قائمة في وسط الوجود. نحن نبقى على التسمية لأنها أعطتنا حياة لما واجه الناصري الخشبة التي علق عليها بالمسامير وإكليل شوك.

#   #

#

لما وضعت كنيستنا يوم غد ذكرى للصليب ترى اذا قرأت النصوص كلها المتعلقة بالتعييد انها شبيهة جدا بنصوص الاسبوع العظيم ولا سيما الجمعة العظيمة وكأن الذكرى استباق لتلك العظيمة، كأننا لا نستطيع ان ننتظر الموسم الفصحي مدة تطول. واللاهوت الذي تقرأه منذ مساء اليوم حتى الاحد هو اياه اللاهوت الفصحي. النظام الطقوسي عندنا دائما يبدأ بيوم سابق لأي عيد عظيم كأن زمنا لا فرح فيه يعذبنا. نشتهي التذوق المسبق للموسم المرجو.

لست اذكر من هو العالم المسلم الذي قال من قرون عديدة ما مفاده ان الله لا يدع امة توحيدية تخطئ قرونا عديدة في فهمها للصلب او تقع في انحراف رهيب كهذا المنسوب اليها. انا ما أخذته على نفسي اني لا أساجل ولكني لست قائلا هذا القول. انا لست افهم ان اعظم قصيدة حب كهذه التي نحن في صددها يمكن ان تكون بالكلية غريبة عن الفكر الإلهي.

انا لا افهم ان الوفًا مؤلفة من الشهداء الذين قُتلوا من اجل هذه القضية او بسببها ماتوا عبثا اي انهم ماتوا في الكذبة الكبرى واذا انخدعوا فمن صاحب الخدعة. هم ما اتوا بجلال قداستهم الا من ايمانهم بما اعتبروه واقع خلاص.

نحن الصائمين نجيء الى التعبد غدا ليطهرنا الله من كل ادناسنا فنرث حامل الحياة اعني المسيح.

نطلب «صفحا الهيا ونورا سماويا وحياة وسرورا حقيقيا» ونعلم ان هذه هي المجد. ولكن قبل نزول المجد نقول «يا رب لا بغضبك توبخ شعبا خاطئا ولا برجزك تؤدبنا لأنك صالح».

#   #

#

في الأخير ماذا يعني الصليب الذي نتجدد غدا بمعرفته؟

كل فكرة موت المسيح لا تعني لنا الا انه وهو الحياة قد دخل نطاق الموت وأمات الموت. القصة كلها تختزل بأن ارتضاء يسوع الألم ألغى الألم واعطى الانسان المؤمن به طاقة الغلبة على كل ما هو سلبي في الوجود.

غير ان نصر القيامة يعيدنا الى الا ننسى المتألمين والفقراء والمرضى وان نستعد لنأخذهم معنا الى الفرح. نحن لا نحب صلب احد ولا ان يبقى تحت وطأة صليبه. واحد حمل الصليب حتى لا يبقى مخلوق رازحا. سعينا ان نصعد مع كل الناس الى اعلى ما في الكون وهذا ما نسميه السماء. رجاؤنا ان يتسلح البشر جميعا بالنصر على ما يعادي البشرية فيهم.

سنواصل الصوم بالرضاء الإلهي على رجاء رؤية الفصح نحن وكل المحبين ليسوع ونصلي عند ذاك لفرح الانسانية جمعاء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

حارة النصارى / السبت 10 آذار 2012

سألني مرة أحدهم في كهولتي: «أعندك عبارة واحدة تعرف نفسك بها منذ نشأتك حتى اليوم تكون عصارة فهمك لذاتك ولا تنتقص منك شيئا وتتوق ان تبقى عليها ولا يزيدها شيء آخر يراه الناس انه من هويتك»؟ قلت له: «انا صبي فقير من حارة النصارى».

انا ما كنت اعرف في طفولتي الأولى معنى نصارى اذ ما كان قومي يستعملونها ولكنها هي كلمة من القرآن ومن التنظيم المدني في عهد العرب بعد ان احتلوا بلادنا. الفكرة العمرانية والسياسية وراء اللفظة ان من سماهم العرب النصارى وهم يسمون انفسهم مسيحيين، الفكرة انه يجب ان يجتمعوا في حي واحد حول كنيستهم ليظلوا في حماية الحكم الإسلامي ولا يعتدي الرعاع عليهم. ما كنت افهم آنذاك لماذا تحدث احدا نفسه ان يعتدي عليهم. ماذا فعلوا؟ لما صرت شابا أخذت افهم ان كل مجتمع في العالم فيه من يعتدي عليه فعل ام لم يفعل وهذا مكتوب في كتب او الكتب احيانا تأتي هي من الشعوب.

ولكن قبل ان اولد اي قرونا بعد ان ظهرت شريعة الحماية للنصارى أخذ المسيحيون يسكنون بعيدا عن الكنيسة يخالطون اهل البلد الآخرين ولم يكن عند احد من الفريقين مسؤولية الحماية للاخر لأن العثمانيين بعد اختلاطهم بالغرب قالوا للرعايا: كلكم مواطنون واذا اعتدي على الامة العثمانية يؤخذ المسيحي العثماني الى الحرب. كان هذا النصراني عارفا ان اهل السلطنة واحد لأن الموت واحد ولأن تشريعات كثيرة أرادت ان تظهر ان هذا الشعب واحد.

مرة سألت احد الناس: لماذا اذا كانت شرائحنا متجاورة في بوابة الحدادين في طرابلس او يعملون جميعا في سوق واحدة لا يبقى من حاجة الى حماية احدنا للآخر بل يظل حسن الجوار هو القاعدة  وحسن الجوار يأتي من قربى الجار للجار او المزاملة في العمل ولا يطرح احدنا السؤال عن الحي الذي يستأجر فيه شقته ويتسامرون ويحترم كل منهم تقاليد الآخر. مرة كنت ازور صديقا في شهر رمضان في النهار. قال لي: سامحني لا استطيع ان اقدم لك القهوة لكوننا صائمين. قلت: ما كنت انتظر شيئا آخر. واذا سهروا بعضهم عند بعض ففي شوق يسهرون.

وعلى امتداد الناس جميعا في المدينة بقيت حارة النصارى وعند حدودها حارة اليهود ولكونها كيانًا مُدنيا آخر لم افكر قط باجتيازها او ان ادخل الكنيس. كل جماعة هي الأخرى.

لم ألحظ عصبية في حارة النصارى او تباعدا بين عائلاتها ربما لأن ما يوحدهم كانت هذه الكنيسة القائمة في وسطهم وكانوا دائما حولها فاذا قرع الجرس يعرفون انها صلاة الغروب مثلا ويهرول بعضهم اليها وعند انتهائها يعودون الى بيوتهم لتناول طعام العشاء او يسهرون قليلا عند الأنسباء ولو طالت المسافة اذ السيارة لم تكن معروفة عند غير الميسورين. فاذا حضرت يستقبلونك وهم لا يعرفون بمجيئك سابقا ويتحادثون احيانا بما هو شيق.

اذكر ان ابي كان طيب الحذيث ولا يؤتاه من الجرائد التي كان يتصفحها. كان يتحدث عن خبرته مع الأتراك. ما كان يكرههم ابدا. انهم اسياد الحرب. ما كنا نتساءل لماذا نحارب لهم. انهم اسياد البلد. ونموت في الترعة اي عند قناة السويس او نعود منها او من بعلبك بعد دفع البدل.

#   #

#

المثقفون كانوا يقولون انهم عرب. كانت هذه الفكرة ظهرت في باريس عند قاطنيها الموارنة الذين كانوا يكتبون بالفرنسية. اهلي كانوا يقولون انهم اولاد عرب. كبف وجدوا هذا لست اعلم. فقط بنهاية الحرب العالمية الاولى أخذت الهويات تظهر وتتصارع ولكني كنت اذكر من ايامي في آخر العشرينات من القرن التاسع عشر ان ذاك الجيل القديم كان لا يزال يقول اننا اولاد عرب. ولما كانوا يريدون ان يتحدثوا عما يحسونه اعماقا يقولون نحن مسيحيون ويريدون بذلك فقط انتماء لا علاقة له بهذه الدنيا. البلد كان في استلام الاتراك ثم صار في استلام الفرنسيين اما هم ففي استلام الله وكنيسته التي كانوا يتحلقون حولها وما يعرفون شيئا عن كنيسة اخرى الا اذا صعدوا الى قرى الاصطياف اذ كانوا يعرفون ان مسيحيين آخرين يسكنون الجبال ويصلون بلغة اخرى ويرتلون بألحان اخرى. وما كتنت المس عندهم تعصبا فالآخرون هم الآخرون.

اما جماعتي فيرعاها كهنة تلقوا بعض العلم الاساسي ليتمكنوا من أداء الخدمة وهي الكلمة التي تدل على الطقوس عندنا فالقيام السليم بكل الخدم على كثرتها كان الشرط لاقتبال الكهنوت. الأسقف وحده كان حائزا على العلوم اللاهوتية كاملة في الخارج والخارج يمتد من القسطنطينية (اي اسطنبول بالتركي) الى بطرسبرج في روسيا مرورا بكياف وقازان وموسكو بحيث ان كل اسقف كان عندنا يتقن اليونانية اوالروسية الى عربية متينة تؤهله للوعظ. وهذا الرئيس كان الى زمن ليس بعيد يسكن حمى الكنيسة اي في حارة النصارى.

ولد ابي وجدي لأبي فيها وانا ما كنت اتردد عليها الا لزيارة عمتي التي كانت تعيش مع ولديها بعد ان مات زوجها عند الأتراك في الحرب. والديّ عند زواجهما عاشا في حي جديد يدعى الزاهرية ثم في حي إسلامي يدعى باب الرمل حيث ولدت. لم يكن اذا في هويتي اي انتساب الى حارة النصارى.

لماذا أكون اذًا صبيا فقيرا من حارة النصارى؟ هل لأن جدي بنى قبة الكاتدرائية هناك ام لأني أحببت في شبابي ان أتأصل في هذه الهوية النازلة على اهل الحي من السماء؟ أين أصولهم الا في السماء؟ هل تبنيت الحارة ام هي تبنتني بعد ان دعي اهلها مسيحيين في انطاكية اولا (أعمال 26: 11).

ما همني ان اهل الحارة كلهم ما عدا قلائل نزحوا. حتى نهاية الأزمنة الإنسان في نزوح. المهم انهم يوم الأحد هم في الكنيسة ويصيرونها اذا اخذوا جسد ابن الله ودمه فينتشرون عالمين انهم في رعاية الله وحده وانهم يدفنون في مقبرة مسيحية مع القديسين.

تعزيتهم انهم في حارة النصارى العقلية لأن آباءهم شهدوا وانهم سيقيمونها في اللامدى ويعلمون اولادهم ان يصلّبوا وجوههم اتخاذا للغلبة التي اعلنها يسوع على الخشبة. عددهم ليس همهم واذا انقرضت حارة النصارى بكل معنى من المعاني سيذكرون ان واحدا قال لهم: «ها انا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر» (متى 28: 20).

سقطت قبة الكاتدرائية في حياة جدي جرجس خضر ولما رآها تتصدع صرخ بالمؤمنين ان اخرجوا ولم يمت منهم واحد لأن السماء كانت قبتهم.

سوف نتشتت في الأرض كلها. ما همنا. لسنا سكان الأرض. قاماتنا هنا ورؤوسنا تنطح العرش السماوي حتى يجلسنا الآب عن يمينه مع الابن. ذهبت حارة النصارى. أبقي المسيحيون الآن بين السماء والأرض حتى يوم تزول الأرض.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الصيام / السبت 3 آذار 2012

دخل المسيحيون الصيام منذ اسبوع او اسبوعين ووجهتهم الفصح اذ الفصح هو الرؤية وغاية الصوم ان تبصر مجد الله مرتسما على وجه القائم من بين الأموات. التقشف هو الوسيلة البشرية لإدراك النور والنور والجهاد يتآزران لتدخل اليك قوة الله. ما من وجود روحي خارج الإلتقاء بين النعمة الإلهية وجهادات الانسان. وعند الجهاد تتم دالتك على الله وتؤتى الحميمية المذهلة بينك وبينه.

لأن الرؤية كانت الغاية ولأن رؤية الفصح هي الرؤية رتبنا هذه الفترة الزمنية قبل ذكرى القيامة ما لم يمنع رياضات صومية مماثلة قبل أعياد اخرى اذ ما من عيد عظيم عندنا الا انعكاسا للعيد الكبير. وما من صوم طوعي تقرره انت ما شئت الا التماسا لوجه أبيك الذي في السموات وما من شك عندي ان إمساك يومي الاربعاء والجمعة الا استعدادا ليوم الأحد المقبل واليوم الأحد هو الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر وينفي تاليًا ما يذكر معه من العدد كما جاء في القاموس. أقمنا القداس الإلهي فيه فلنقول انه يوم المجد.

مدعوم هذا الكلام بما ورد في سفر الخروج عن موسى في جبل سيناء حيث «كان الرب يكلم موسى وجها لوجه كما يكلم المرء صديقه». غير ان مجد الرب لم يتراء لموسى «لأنه لا يرى وجهي انسان ويعيش». وكان موسى في الجبل بلا طعام اربعين نهارا واربعين ليلة.

شيء من شبه رؤية حدث مع ايليا في جبل سيناء ايضا. قبل إدراكه الجبل هاربًا من الملكة ايزابل بقي اربعين يوما واربعين ليلة بلا طعام وتراءى له الله رمزيا بشكل «صوت نسيم لطيف». غير ان النبيين أحضرهما الله الى جبل التجلي فشاهدا نور الله على المسيح. كان هذا اول اتصال لهما بالرب. قبل ذلك كان لهما التماس له.

المدة نفسها التي قضى موسى وايليا في الصوم قضاها المسيح بعد اعتماده. هذا الرقم كان يعتبر رقما مقدسا كأرقام اخرى في العهد القديم. رقم الأربعين كان يعني للأقدمين الرجوع الى الذات ويتضمن تاليًا معنى التوبة. غير ان مدة الصوم لم تكن عندنا محددة منذ البدء اذ كانت كل كنيسة تلتزم بالفترة التي تحددها هي الى ان استتب رقم الأربعين في المجمع المسكوني الأول السنة 325 ومجمع اللاذقية المنعقد السنة 365.

أكدت هذا لأقول ان الفترة التي نحافظ عليها جاءتنا من التراث الروحي المتأصل في القدم.

#   #

#

ما كان شكل الصوم قديما؟ اولى شهادة كلام القديس ابيفانيوس القبرصي في القرن الرابع القائل ان الصيام يقوم على وجبة واحدة خالية من اللحم. ويزين لي ان الأسقف القبرصي كان شاهدا لتراث سابق استمر حتى آخر القرن السابع حيث ينهي مجمع ترولو عن اكل اللحم ومشتقاته (القانون 56) وهو يريد بذلك البيض والجبن. واستمر هذا التقليد حتى يومنا هذا في الكنيسة الأرثوذكسية.

هنا لا بد ان نذكر ان ثمة كنائس غير ارثوذكسية تتحرر جزئيا او كليا من هذه الممنوعات باعتبار ان هذا ترتيب كنسي يتغير بتغيير الأزمنة. الأرثوذكسيون انكبوا منذ زمان على التطلع الى تعديل ما في هذا النظام وقد ينظر في هذا المجمع الأرثوذكسي الذي أخرت انعقاده ظروف مختلفة في السنوات الأخيرة.

هنا ايضا لا بد ان نذكر ان الصيام عندنا دعوة إلهية منصوص عنها في العهدين القديم والجديد ولكن الامر الإلهي لا يتضمن شكلا معينا من الطعام. هناك مرونة ذات طابع رعائي. ومن الواضح طبعا ان المشروبات الروحية غير مسموح بها في الصيام.

#   #

#

لا يتركز الصيام فقط على الامتناع عن الزفر ولكنه يقوم على التقشف اي الابتعاد عن الطيبات وطلب اللذات بالأطعمة الصيامية. الفكرة ان تقترب من الفقراء وطعام الفقراء والا تنفق كثيرا لتدنو من المحتاجين. هؤلاء كانوا هما أساسيا في المسيحية الأولى فقد كتب أحد المدافعين عن الإيمان الى الامبراطور الروماني في القرن الثاني قائلا: لماذا تضطهدنا ونحن قوم اذا وجدنا عائلة فقيرة بيننا نمتنع عن الطعام لإعطاء هذه العائلة ثمنه. المشاركة كانت، في البدء، تاريخيا. وتبقى الى اليوم الصدقة ملازمة للصوم بل أحد أركانه. فالمحسن متصل بالله ولا يكشف نفسه لأحد. كذلك الصائم يمسك ليصوم لله الذي يرى في الخفية والذي يرى في الخفية يجازيه علانية.

هذا المفهوم للصوم يجعله طريقا الى التواضع اي الى رؤية الانسان نفسه على انه لا شيء يلتمس من الله كل شيء ويتربى على ان يصير فقيرا لله. من جعلته النعمة هكذا يصبح مهيأ للاستغناء عن اشياء كثيرة. في الأخير الصوم ترويض النفس على كلام يسوع: »لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض … بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء«. الذي يربي نفسه على التشبه بواقع الفقراء ويتألم كما يتألمون من الحاجة يصبح قلبه مكانا لله.

واذا فعل هذا مرة في السنة وفي كل مواسم الامساك عندنا يكتسب روحية الفقر الدائم الى الله.

#   #

#

تبقى قضية اساسية عقائدية. ماذا يصوم فينا؟ هل النفس ام الجسد؟ الجسد لا يخطئ ولا يصوم. هو مكان للنفس الراغبة في التطهر. هو مظهر للذات الكاملة، العاقلة، المحبة ولكنه ليس آلة. هو بعض من الانسان الواحد القائم بالنفس والجسد معا المعبرين بالمشاركة عن الأنا التي تنزل عليها النعمة لتنقيها من الانغلاق والكبرياء. الأنا معرضة للغطرسة والتسلط والاستيلاء ومنفتحة للذات الإلهية بعطائها العلوي.

واذا صح الجسد فليس هذا بسبب من أنواع الأطعمة اولا ولكن بسبب خضوعه للكيان البشري الموحد بالحب والبذل. الجسد مشدود الى الروح المعطاء الذي يكون قد ذاق الامحاء امام وجه الله. ووجه الله مطل دائما على الذين يحبونه ليعطيهم حياة جديدة.

وهذه تعلن عن نفسها في الفصح الآتي على رجاء ان تعود الينا قبل ان يأخذنا الله الى رحمته.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

التوبة / السبت 25 شباط 2012

لكون التوبة رجوعا الى الله، الى كيانه، الى حياته تحصل بنزول حياته عليك. انت تتوجع اولا لكونك حجبت وجهه عنك لتعطي وجهك حق ان يرى ما لا يريد هو ان تراه وتعطي يديك حق ان تلمسا ما لا يجوز لمسه وقدميك ان تسيرا الى حيث لا موضع لك فيه. بمعنى آخر انت تعود من غربة اذ لا يقيم ربك حيث أقمت واعتقدت ان لك في ذا فرحا فهربت من المشقات ولا دخول الى الملكوت بلا مشقة.

ونسيت انك انت انت اذا استضافه قلبك وبلا هذه الاستضافة انت وكر أفاعٍ ووهم وجود. بالرب تحصل رؤيتك لنفسك ويبقى من صورته فيك على رغم الضلال ما يجعل فيك شوقا اليه. وذكرى بهائه القديم فيك يطلقك من جديد اليه. سر هو نقطة اللقاء بينكما. واللقاء يحدث برضاه وافتقاده اياك دائم ولكنك تؤثر لذاتك على إطلالاته عليك لأن الخطيئة جعلتك سطحيا واوهمتك انها هي الكيان اذ ظنت انها هي استمرار وجود وما كانت بوجود.

أنا لست مع القائلين ان ثمة انسانا طاهرا بالكلية. آباؤنا اشتهوا ذلك ولكنهم كانوا يحسبون انفسهم خاطئين. الاحتساب أدخلهم الى السماء. القلب البشري عند العظام بين فضائل ينهدون اليها ورواسب خطايا. لذلك كان عرين الصراع حتى يهدأ الانسان بالموت. ينقينا ذكر الموت ان كنا لله محبين. ذكر الموت التماس السماء حتى يستقبلنا الله فيها برحمته. قبل تفجرها فينا نحن مجرد توق. التوبة ان تحول التوق الى قرار واذا عرفك الله صادقا فيه يقبله. اذ ذاك يحل عليك التوق الأخير ان ترى المجد الإلهي.

#   #

#

التوبة ثمرة الإيمان فإن آمنت ان الخطيئة لطخة وان التوبة عمادة جديدة تبدأ مسيرة التوبة. واما اذا كان اشتياقك الخير تحركا عاطفيا، جماليا كان هذا نوعا من الشعر. ان استيطاب الخير كجمال للنفس ليس توبة. هذه استيطاب وجه الله. فيها عملية إبدال كل شيء بربك. فالنفس فيها رواسب الخطيئة ولو بكيت واسترحمت.

هؤلاء الذين نسميهم كاملين لا يبلغون النقاوة الكاملة ونحن في حدود الجسد ما يعني انه كتب علينا جهاد موصول. نصل الى الحد الأقصى في الفضيلة اذ بعد قيامنا بحركة محبة نلحظ ان هناك عنصر فساد في تصرفنا أحيانا. انت تُسر ان قال عنك الكثيرون حسنا وهذه درجة من درجات الكبرياء اي افتخار بعد إحسان يلطخ الإحسان. ان لم تقتنع انك لست بشيء كل ما يبدو لك فيك فضيلة هجمة من هجمات الادعاء فيك. من هنا ضرورة ما تسميه كنيستي فحص القلب في كل حين حتى لا تعود اليه الأفاعي.

تفحص نفسك على ضوء الوصية: احبب الرب إلهك … احبب قريبك كنفسك. في الجزء الأول من الوصية الوهم وارد كثيرا اذ تظن في نفسك التقوى لقيامك بالصلاة والصوم وتكون صلاتك كلاما مكرورا في بعض الأحايين ويأتي صيامك نظاما طعاميا لا انكسار فيه. وهنا تحتاج الى مرشد يعرف ما يفسد صلاتك والصيام. غير ان الامتحان الكبير محبة الآخر. هذه ايضا تداخلها اوهام ممكنة. المساءلة لا تنتهي بأنك غفرت له او لم تغفر. السؤال الرئيس هل جعلت قلبك مملوءا به لتجعل نفسك في خدمته الدائمة. والسؤال الكبير هو هل تفرق بين الناس فتخدم هذا وتهمل الآخر ام ان العطاء الإلهي الذي فيك تبدده على الجميع لأنهم بسبب من حنانك يعرفون حنان الله اي انهم يتوبون بتوبتك وتتألف، اذ ذاك، الكنيسة.

#   #

#

من أين لنا قوة التوبة او قوة استمرارها؟ من الرجاء اي من الثقة بالله، من اعتقادنا انه يصد عنا التجارب. لذلك كان عدو التوبة اليأس او هبوط الهمة ان كررنا السقطات. السر العظيم يكمن في هذا ان صلاة استغفار عابرة لا تنجينا. هناك سعي الى تركيز النفس بشدة على رؤية المجد الإلهي. ان لم يتأجج الشوق اليه فيزداد التعلق به لا نعود الى الفضيلة.

التوبة لهب في النفس هي عشق المسيح. هذا لا يعني انك ترمي نفسك بخفة في احضانه متوكلا على محبته. تحتاج دائما الى مخافة الله. يجب ان نخشى عودتنا الى الخطيئة. المخافة تربي وتحفظ واذا لازمتنا تدفعنا الى الحب الإلهي الذي هو التوبة.

الصيام زمان التوبة الكبير لأنه يحيطنا بالكلمة الإلهية ويجعلنا نمتصها حتى لا يبقى فينا الا حضورها وفعلها. واذا لم نسقط في اليأس تلوح أمامنا ملامح القيامة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

اللبناني / السبت 18 شباط 2012.

اللبناني مشكلتي وككل مشكلة يوجعني الخلل الذي يحدثه في رؤيتي اياه ان مواطنه لا يداخله فلا يلاصقه. اللبنانيون واقع ركام وليسوا واقع جماعة. ان رأيت الى نفسك فقط تذبل حتى الانعدام وان رأيت الى التواجه تقوم به وهو يقيمك في ذاتك ولا يلغيك اما ان بقيت في عزلتك لا تقدر ان تقرأ المشاركة التي تجعلك شخصا اي كائنا تخطى الفرديّة لتكون في الكل ومع الكل.

لست أعلم السبب التاريخي لعدم تجاوز الفرد انغلاقه. فلو قلنا انه منضم الى طائفته دون الكتلة الوطنية فهذا غير صحيح لأنه في طاذفته منعزل ولا يرى نفسه موصولا الا بعائلته. وهذه ليست، ضرورة، مكان اللقاء الكبير، لقاد قلبي الزوج والزوجة.

نحن وارثو البداوة في مظاهر لها كثيرة. نرث الصدامية والتكتل المبغض ولكن القبليّة ارقى منا لأنها تقوم على اجتماع الأفراد والشورى ورعاية شيخ القبيلة. القبليّة تمتمة حياة الحضر إلى أن تكتمل هذه في تجمع أوسع. هل بدأنا بجماعية انطفأت بسبب من خوف أو كنا مرميين في صحارى وجود لم يقم على تفاعل فيه تعددنا  ووحدتنا بآن. ذلك ان الوحدة لا تبنيها الا مشقات اي جهد روحي لم نكن مستعدين للقيام به. لذلك يأنف اللبناني من التآلف والتعاضد ويقبل المودات التي تحميه من العزلة.

مع هذا يربى الانسان على اكتساب روح التعاون فينتعش والروح الوطنية تأتي صدى لروحية المشاركة التي يعيشها المرء في الحي، في الضيعة. مجموعة اهل المهنة التي هي السوق في تنظيم المدينة المشرقية لا تقع تحت هذا الوصف اذ لم يكن فيها روح المنافسة كما أدرك ذلك المستشرق لوي ماسينيون بل قامت على التعاون بين المحترفين حرفة واحدة. في طفولتي ومطلع شبابي كنت ألاحظ هذا في بعض مدننا. يجب ان يساعدنا علماء الإناسة لنعرف كيف تشرش الانكفاء عندنا ولماذا لم نقفز فوقه لنرسم حياة سياسية على صورة التآخي.

#   #

#

ربّ معترض يقول ان تفتّت الأحزاب في اوربا الغربيّة يشبه تفتّتنا. جوابي ان اعضاء الحزب متعاونون ولو تباعدوا عن الأحزاب الأخرى. والجواب الأدق ان الحياة الحزبيّة على تنافسها هي قبول بالأحزاب الأخرى اي قبول جماعية ما لها مزايا مختلفة.

ليس الإنسان منفتحا في طائفته ومنغلقا دون الطوائف الأخرى. الطوائف تحد مواهبها بسبب من السياسة لا من زخم في القلوب. لا علاقة للتكوين الطوائفي بطبائع اللبنانيين. فاذا الغيت التركيبة الطوائفيّة لا ينتقل اللبناني آليا الى المشاركة. القضية روح والروح هو في حاجة الى تهذيب. والتهذيب مرتبط بالتربية ولكن التربية لا تنشئ الانسان تنشئة جديدة. هو في حاجة الى حب ينزل عليه من فوق.

يستنزل الانسان الحب الإلهي اذا شاء ربك ان يسكبه علينا. من هنا ان تغيير العقل اللبناني ثمرة أعجوبة او صلاة ان كنتم مؤمنين. هذا لا يعني اني أشك بعمل الدولة في تربيتنا. ما اشك فيه هو اجتهاد اهل الأديان لتقويم الانسان حتي يظهر ما يسميه بولس »الانسان الداخلي«، هذا الذي لا يرتضي المظاهر حياة له. عشنا حقبة زمان ليس ببعيد كان للقيم مكانة في هذا البلد وللوقار مكانة ولطراوة القلوب مكانة. وهذه كانت ترافق استقامة السلوك الى حد بعيد وكان في المظاهر اختزال ،كان المال قليلا الا عند فئة صغيرة من الناس.

افهم ان العلوم الجديدة والتكنولوجيا وسياسات كثيرة تؤثر في تدنّي الأخلاق احيانا وانك في حاجة الى صراع مع الشر شديد لتبقى سليما. والسؤال المطروح علينا هو كيف تحافظ على انجازات الحضارة وسلامة نفسك من الأذى الكبير. هل السقوط محتّم ام ان ابداع نفوس طاهرة يمكن جمعه الى حضارة في حالة التطوّر السريع.

انا أعرف ان الخطيئة وجدت منذ البدء وان اهواء الانسان هي هي وان المعاصي تجرحنا كما جرحت الأقدمين كما أعرف ان ثمّة ما يغري اليوم ويداعب شهواتنا ولكن ايماني بالله الحي الدائم الوجود والإحياء يدعوني الى القول بأنه ليس محكوما علينا بالموت الروحي بسبب من سيئات بدت جديدا في حياتنا اليوم.

#   #

#

لن نبني هذا البلد الا بشروط الإحياء الديني وأعني بذلك حضور الله في القلب نورا لا ينقطع. ليس الظرف للكلام عن الممارسة الدينية التي قد تكون عظيمة هنا وهناك ولكني اريد هذا التواصل الحقيقي بين قلبك والجمال الإلهي. هي الذوق او الخبرة العميقة للمحبة الإلهية فيك. في المصطلح المسيحي ان تكون في الله ويكون الله فيك. ان تحيا في التنزه الكبير عن »الطمع الذي هو عبادة أوثان« وعن مجد هذا العالم يجعلك ملتمسا لمجد الله ورحمته وحنانه فيصير هذا حياة مجتمعية قائمة على المشاركة الصادقة المعطاء ويصير هذا سياسة بكل تعقيداتها ولكنها سياسة معقولة بما يدعمها من روحانية واستقامة.

سياسة عملية، ممكنة ليست اوتوبيا وليست ميكيافيليّة. ليست الزرض بعد سماء ولكن السماء تتجلّى في الأرض اذا أراد ذلك بنوها. يمكن ان تظهر الخليقة الجديدة التي الله يرعاها ويجعلها تنطق بكلمته.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

طوائف ومذاهب وعلمانية / السبت 11 شباط 2012

درست ولاية الفقيه في كتاب فارسي معرّب يقع في 299 صفحة. مناقشة النظرية هذه ليست هدف هذا المقال. ولكن لفتني قوله في الصفحة 162 الى ان من كان على رأس الأمور هو من لا يرتكب معصية وانه صاحب العدالة وانه ينبغي ان لا يتبع هوى النفس حتى قال ما مفاده انك ترى هذا على امتداد العالم. افهم من هذا الكلام ان رؤساء الدول خارج العالم الاسلامي يمكن ان يتحلوا على المستوى الخلقي خارج كل عقيدة دينية بالفضائل النازلة على الفقيه حتى لا نضطر ان نحكم على كل روساء الدول وحكامها باللاخلاقية.

اذهب من هذا لأقول مع عالم شيعي كبير في هذا البلد انه ليس هناك من دول دينية. في المنطق الصوري العبارة لا معنى لها لأن الدائن (المؤمن بدين) فرد ذو عقل وقلب والدولة بنيان حقوقي ليس له وجود حسي ويستحيل ان يكون لها دين او الا يكون.

انا افهم ان يسيطر اهل دين ما على الحكم ويستلهموا عقيدتهم ليسوسوا الامة. من هذا المنظار الدول العلمانية تأخذ من العقيدة الدينية السائدة في شعبها بما يفسر سلوكها وبعضا من أحكامها. فأول دولة غارقة في العلمانية مثل فرنسا تتعطل دوائرها في ثلاثة أعياد كاثوليكية في السنة ويوم العطلة الاسبوعي الاحد. واذا قرأت القانون المدني الفرنسي ترى الكثير من دعائمه قائما على القانون الكنسي الكاثوليكي. تجيء من تراث لتحكم. لا احد يأتي من العدم. ادرك بالمنطق نفسه اذا كان المسلمون الكثرة انهم يجيئون في عقلهم الحقوقي من الاسلام ويبقى هو قناعة الافراد.

الناس يعيشون طوائف طوائف بما فيها طائفة الملحدين ويسعون الى احكام وقوانين تنطبق على وضعهم الحياتي الدائم التطور. السؤال المطروح على الدولة التي تظن نفسها اسلامية هو كيف توفق بين المطلق الإلهي وتقلبات الإحساس البشري المتصل بالحدث وهو بتحديد الكلمة خارج عن المطلق. كل شرع إلهي او المظنون هكذا انسكب على البشر في تاريخ اي كان ملائما لزمانهم وما نشأ في الزمان تكيف. اذا قرأت شيئا من علم النفس وعلم الإناسة (الانثروبولوجيا) وعلم الاجتماع والتاريخ تدرك ان الانسان في دوام التغير وفي دوام تحدي هذا التغير لعقله.

انا لا ابغي تحريف الكتب المقدسة ولكني اريد ان افهمها في إطار الزمن  وما إطلاقيتها وعدم إطلاقيتها. ان جعلت تلازما بين كل حرف منها وكل زمان تكون عديم الإحساس بحقيقة الزمان ومكانته من التدبير الإلهي لشؤون الأرض. الزمان ايضا كتاب الله.

اوربا لم ترجع الى الإنجيل لتقوم بثورتها الصناعية فتخترع القطار والسيارة والطائرة ودرس الجسم البشري وعلاجه. للبحث العلمي استقلال.

استغرب جدا هذه النزعة الحديثة التي تفتش عن الاكتشافات العلمية تحت نصوص ليست الدلالة فيها على أشياء لم يفكر بها احد من قبل ولا يحشر الإله الأبدي الكامل في امور هي بنات العقل البشري في سير تمخضاته. لماذا لا يسمي الله الأشياء بأسمائها ويضطر الى كلمات اخرى تغطيها قبل ان تظهر هذه الأشياء!

آن الأوان لنفصل الأبحاث العلمية على ما نظن ان الكتب المقدسة متعلقة بها. آن ان نؤمن ان العقل حر. يبقى هناك سلوكيات ادرك العلم انها ذات طابع أخلاقي. هنا ترد المناقشة مثل هل يجوز الاختبار على الجنين. الباحث يبحث كما يستطيع. الأفكار تبدو في الفكر على جواز التطبيق. ولكن ليست كل الاكتشافات لها مساس بالأخلاق.

#   #   #

عودا الى الدول الدينية انا لا اعرف واحدة منها ليس فيها علمانيون او ليبراليون. لست اصدق الذين يرفضون لفظة العلمانية لاحتسابهم انها ضد الدين ولا اعذرهم لعدم اطلاعهم على دلالة الكلمة. غير اني اود ان اسائل الإسلاميين عما اذا كانوا يعتمدون كثرة عددهم لفرض تشريعهم على الأمة واقصد بالامة مجموعة المواطنين. هل نحن بعضنا مع بعض نشرع ونحكم ام ان الأقليات اهل ذمة؟ في نهاية المنطق الأقليات يجب ان تهاجر. انا المسيحي في رعاية الله وحده وفي مشاركة المواطنين جميعا ونسن معا قوانين الدولة. انا في اشراف الله عليّ وفي بحث دائم عن الحقيقة السياسية بعقلي الحر المواجه للعقول الحرة.

ضمن هذا الاختلاط تقضي عليّ محبتي لحرية الغير الا افرض عليه باسم ديني قانونا. انا ليس عندي مشكلة في ذلك لأن ديني ليس فيه قانون يرعى الحياة المدنية. انا أجيء روحيا وثقافيا من حيث أجيء وسواي يجيء من حيث يجيء ونتعاشر ونتكلم. هو يهتدي بالفكر الذي يشاء واهتدي انا بالفكر الذي أشاء.

تبقى بعض الامور المتعلقة بالأحوال الشخصية. كقانون الإرث الذي لا يتصل بضميري، ابي وامي عاشا في ظل هذا القانون حتى صدر آخر لغير المحمديين. سكت المسيحيون عن نظام الزواج بأربع نساء. ألغته تونس المسلمة. سكت المسيحيون عن قطع يد السارق. ليس فكرا مدنيا ان يقول فريق من الشعب مثلا: ان زواج الاخرين شأنهم. ليس من فريق عنده شأن مستقل في دولة موحدة.

ماذا تعني اذا الدولة المدنية بعد الربيع العربي؟ حتى الآن لست اعلم. الديموقراطية التي يتشدق بها العرب هي تحديدا نظام المناقشة التي تكلم عليها الفلاسفة الانكليز قديما ومفكرو الثورة الفرنسية. عند هؤلاء تعني نظام العدد اذ لا دخل عندهم للمشكلة الدينية. اليهودي صار رئيس وزارة في فرنسا وكذلك البروتستنتي. ولكن كيف تجعل الديموقراطية ملازمة لنظام الاكثرية والاقلية والاقلية خرساء.

افهم انها ليست هكذا في لبنان حتى الآن. هذا بلد تحكمه المناصفة التي تدل عندي على كرم المسلمين. لا يمكن للمواطن ان يعيش في ايديولوجيات دينية. الدين للفرد كما قال صديقي الشيعي الكبير.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الحب فينا / السبت 4 شباط 2012

لماذا لا تجذبني الديانة الهندوقية ولا البوذية وهذا ما يفسر اني، سائحا، لا أتوق الى زيارة الهند. البوذية وهي التي أطلت ثانية اي بعد البرهمية لا إله لها او فيها وهذا يعسر على أهل بلادنا ان يفهموه لأن جوهر الدين عندنا هو الإله الذي يكوّنه او يسكنه. ماذا في الهند اذًا؟ الله الممدود كونا اي الحال في كل اجزاء هذه الدنيا وهذا ما يسمى الحلولية بحيث لا يمكنك ان تفرق بين الواجد والموجود، بين المرئي وغير المرئي. الهند اندماج، انصهار، ذوبان وليس من مواجهة بين اللاهوت والناسوت. انت  لست هو وهو ليس انت اذ ليس من مخلوق ازاء الخالق. ليس من اعلى ولا من ادنى. الوجود كله مد عظيم كالقارة الهندية.

هذه الرؤية لا تمنع ان يأتي البوذيون من خيرة الناس لأن الدين عندهم اخلاق وهم يجدّون في النسك ويتطهرون بلا إله. المركز هو هم واذا تنقوا فما حاجتهم الى إله؟ هكذا يفكرون.

اظن ان الفرق الاساس بيننا وبينهم انهم يبدأون بأنفسهم ونحن نبدأ بالله ونجيء من تأملنا به ونحس اننا ننشأ خلقيا منه واننا «به نحيا ونتحرك ونوجد» (أعمال الرسل 17: 28). نفحص عما اذا ارتضى ان يسكن فينا كما يقول انجيل يوحنا. وما نسميه تقوى ان هو الا تعبيرا عن سكناه فينا. وما نسميه فضيلة ان هو الا تجليا له. ليس اننا نحن موضعه اذ لا يتموضع ولكنا حضوره اذ لا يحضر في دنياه الا بنعمة سكبها فينا والكلمات التي كلمنا بها وصارت منا.

بيننا وبينه اتحاد ومن قال اتحادا قال باثنين اذ لا تتحد مع نفسك والمسيحيون يجرأون على تسمية ذلك مشاركة او شركة الروح القدس. لقد زال الانفصال بعد ان اعلن الله محبته لنا. والاتصال-الشركة يجيء من مشيئته ورحمته ونحن نتقبله تقبلا وتقابلا عملا بقوله: «لا احد يعرف الابن الا الآب ولا احد يعرف الآب الا الابن ومن أراد الابن ان يكشف له» (متى 11: 27). الثالوث هو الذي يعرف ذاته بمعنى انه قائم بالمحبة الدائرة فيه وهي وحدانيته. ثم بالانعطاف الإلهي يستدخلنا هو المشاركة الثالوثية. الاتحاد بيننا وبين الله هبة. وهذا يكشف استقلاله عنا ومحبته بآن.

#   #

#

يجب ان يكون مفارقا كما يقول الفلاسفة المسلمون. استعير كلامهم فقط لاؤكد إمكان الاتحاد بيننا وبينه والإسلام ليس عليه.

واذا كان الله غير قابل للاتحاد بي فما أمري معه واذ ذاك يكون كلامه فوقي وليس فيّ. يكون عليّ مشرفا ويهمه ان اراه فوقي وليس معي. اذ ذاك لا يحمل كلامه قوة الصلة الا بفهمي اياه. ويكون ارتباطي بكلامه وليس به وهو غير كلامي ولو كان ضامنا لكلامه.

أنا وبينه في تواجه اي ان له وجها وهولاهوته ولي وجه وهو ناسوتيتي واذا كانت اللاهوتية والناسوتية لا تفنى احداهما بالاخرى فنحن اثنان ولكنا قادران بحبه ان نلتقي.

ولكون الابن قائما في بشريته اصبح قادرا ان التقي بالبشر الآخرين اي اني اعطيهم ربي بحبي اياهم بمعنى اني امدهم بالحب الإلهي الذي يسكنني ولا بمعنى اني امدهم ببشريتي. يجب ان اعطيهم الله نفسه ليصير كل منهم بشرا سويا، لكي يخرجوا من خطاياهم التي تحدرهم الى هلاك بشريتهم. من هنا ان الله اساسي في التبادل البشري.

الملحد لا يفهم هذا وان لم يكن خاليا في صفائه وطهارته من الله ولو لم يرتبط عقله به. ولكن الملحد لا يعطي البشر بشرية. يعطيهم ألوهة حالة به ولو لم يعرف.

الشركة بين المؤمنين شركة إلهية تفسدها الخطيئة ولا تلغيها. تحمل هذه الشركة امة الله التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر.

بعد ان تنازل الابن الوحيد الى العالم تبنانا الله اذ كنا قبل ذلك ابناء الغضب وكشف ليس محبته لنا وحسب ولكنه كشف انه يحبنا بالمقدار نفسه الذي يحب به مسيحه. تبنينا ليس كلمة »شعرية«. انه جوهر العلاقة بيننا وبين الرب باعتباره مخلصا.

الله تاليا ليس جالسا فوق اذ ليس من فوق الا الهواء او ما بعد الهواء. ليس الله في مكان. لذلك ليست السماء مكانا. الله ساكن تحت اي في قلوب الناس الذين يحبونه والذين لا يحبونه اذ لا يستطيع الا ان يسكن بحقيقته الإلهية اي بالقوى غير المخلوقة الصادرة عنه أزليا كما يتكلم المسيحيون الأرثوذكسيون. لا تخلو لحظةً، النفس من الله فإن خلت تموت موتًا جوهريا. كل ذرة فينا قائمة بسبب العطف الإلهي المحيط بها. كل جسدنا متماسك بالنعمة المنحنية عليه. انه يقوم في اليوم الآخر او اليوم الأخير لأنه لبس النعمة ولا تفارقه. على ضوء هذا افهم الكلام القرآني: «الله يتوفى الأنفس حين موتها» (الزمر 42). المعنى ان الله لا يتركها ويضمها الى أجسادها في القيامة. فبعد ان استردها اليه بالوفاة يسترد لها اجسادها.

كل حياتنا لا معنى لها ما لم نعِ ان الله معنا والمسيحية تقول انه فينا وهو مصدر حبنا له وقوة طاعتنا وحبنا يأتي من حنانه وبين حبه وحبنا تماس وهو بدء الحب فينا ومنتهاه. «ادين بدين الحب انى توجهت ركائبه» اذ من اعطى هذا الحب بمجانية شفقته مصدر كل شيء فينا ومرجع كل شيء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

النور الذي لا يُدنى منه / السبت في 28 كانون الثاني 2012.

كل ما اختلج فينا من فكر او رغبة او شهوة اما ان يكون استدخال كل شيء الى الذات لتحيا او إخراج الذات لتستمتع. كل ما فينا علاقة نحيا بها او نموت فيها فإذا دخل الخير او المحبة نكون وإذا دخل الملل او دخلت الخطايا نتفتت. نحن في تحرك الى زيادة وجود او اقتراب من الموت. ما من جمود في الكيان. هناك هدأة الفضيلة ان شئناها او هناك التدرج الى اللاشيء والاندراج في العدم حتى يرى الله في يوم دينونته ان كنا تحت الإدانة او كُشفنا في اللامحاكمة. هو لا يحاكم الا اذا رأى فينا سوءا ولذلك كان السعي عند الجادين ان يتحرروا من المحاكمة منذ البدء حتى يتحولوا في وجه ربهم الى قامات من نور.

«الله نور السموات والأرض». يراك مثله او يراك ظلمة. وإن أصررت في اليوم الآخر الا تكون مثله يتكثف فيك الظلام وكأنك أشبه باللاشيء. اما إذا أحببت نوره الذي فيك تصبح لغة، لغة الله فيناجيك الأعلون في المجد اذ صرت من المجد.

طبعا ليس نور الله كالنور الحسي مخلوقا اي ليس شيئا من الأشياء. هو منه قبل ان تكون الأشياء. يجيء منه ولا تدركه اذا نزل عليك اي لا تدركه بالعقل لأن العقل مخلوق والجوهر الإلهي غير مخلوق ولكنك تشارك القوى الإلهية الصادرة عنه.

ما الفضائل او أين الفضائل من هذا الكلام اللاهوتي؟ هي ليست أعمالا. انها صفات أعمال بمعنى انك اذا أتممتها تكون حقيقتها النور الإلهي الذي فيك. هي إذًا إشعاع من النور الإلهي. انت نيّر ونتيجة ذلك انك بارّ بحيث انك تساهم في برّ الله وبمعنى ما تجالسه. وإذا كثرت فيك الخطيئة فهي في ظاهرها عمل او تراكم سيئات ولكنها في حقيقتها ظلام اي طرد لله نفسه من نفسك لتغرق في ادلهمام ما ليس من نور.

في السلوك العلاقة ليست بينك وبين اعمال لك. هذا هو الظاهر. انها علاقة شخصية بينك وبينه. هو يستقر فيك نورا او تتهالك في العتمات فلا ترى وجهه. أنت دائما تعود الى بدء الضياء او الى بدء العتمات فيك. فإذا كنت في دوام العودة تكون كالكلمة الذي قال عنه يوحنا: »في البدء كان الكلمة«. وكما عبر الكلمة عن الله أزليا بصورة كاملة تأتي فضائلك لتقول الكلمة. فأنت ان استنرت لا تقول الا المسيح. وان انطفأت لا تقول شيئا. يديم الله عليك صورته وان تشوهت ليخاطبك في يوم رضاه ويزيل عنك العتمة ويرسل اليك إحسانه فضيلة فتتحرك به من جديد وتناغمه بنغمة منه.

#   #

#

أن تكون هادئا، مسالما، صابرا، وديعا، متواضعا، عفيفا، مطيعا للأحبة هذا شيء واحد. طلبا للإيضاح او الاستيضاح نقول: هذا يتمتع بهذا البهاء او ذاك تميزا للظاهر وتعبيرا عن هذه القوة او تلك فيك ولكن في الحقيقة كل الفضائل متماسكة كما ان الرذائل متماسكة. بكلام آخر اذا حلت النعمة عليك فهي توحد شخصيتك وتضم حسناتك الواحدة الى الاخرى فيقوى مثلا التواضع بالوداعة والصبر بالهدوء وتتتشدد بالمسالمة. وما يبدو فيك فضائل هو في حقيقته حضور إلهي فيك.

كلامي هذا يقودني الى التأكيد ان الطهارة واحدة في كيانك وانها قادرة ان تعود بالرضاء الإلهي لأن الرب ليس بغافل اياك ولا هو يتوارى عنك بالكلية اذا انت ألححت ان تتوارى عنه لأنه يحبك اكثر مما تهوى خطاياك. لا يوضع المحب البشر كما نسميه بموازاة مع الخطيئة التي يمكن ان تمحوها الرحمة. غير ان مكافحة الخطيئة تتطلب ترويضا رهيبا غير منقطع لأنه إماتة شيء ضخم وهو الخطيئة.

وهذه لا تموت الا عند نزاعك اذا أهل الله في آخر لحظة من وجودك سلامه فيك. في هذا جاء في أدبنا الروحي: لما كان القديس سيسوي (ساسين بالسريانية) يحتضر تحلق حوله الرهبان الذي كان يرئسهم فقالوا له: «يا سيسوي اعطنا كلمة حياة». أجابهم: «انى لي ان اعطيكم كلمة حياة ولم أتب بعد». هذا البار الكبير كان يخشى انه لم يتطهر بصورة كاملة وانه تحت الحكم الإلهي. صراع لا بعده صراع يومي في النفس حتى يتسرب النور الينا ويملأ القلب في لحظة الرضاء لتستطيع ان تموت بهناء. لحظة الرضاء الإلهي نتهيأ لها بفضائل لا رجوع عنها تجلب علينا كثافة من نور. الحضور الإلهي تطلبه وليس الله ضامنك به الا بوعده. اما ان استلمت صادقا متواضعا هذا الوعد الإلهي فلا تعرف عنه شيئا الا في اليوم الأخير اذا تلفظ المسيح بهذا الكلام: «تعال يا مبارك أبي رِث الملكوت الذي أعددته لك».

هو معد لك قبل إنشاء العالم. هل تؤمن بذلك هل أحسست انك حبيب الله؟ انت تمشي في كلام الله وتعرف بالإيمان ان المسيح تنازل اليك ولكنك لا تعرف كل المعرفة انك استقبلته. لأن الله وحده «يفحص القلوب والكلى بعدل».

انت تعيش في الرجاء والرهبة معا يداخلهما الفرح اذا كنت مجاهدا مصلوبا اي باكيا على خطاياك سائلا النعمة المجانية التي تخلصك. كلمة الله اليك شيء واذا استقبلتها فأمر عظيم. انت تستقبلها اذا انكسرت وقبّلت قدمي المصلوب ومسحتهما بدموعك. قبل ان تتسلق تلك الجلجلة انت مجرد طاقة. يبدأ وجودك هناك.

واذا ادركت جراح المسيح تذهب الى الإخوة وتبشرهم بحبه علهم يتوبون لأنك ان لم توزع حبه عليهم لا تراه في نفسك ولا هم يخلصون واذا بكوا معك لأنهم احسوا بسقوطهم تتألف منك ومنهم كنيسة الرب.

هذه ستبقى حفنة صغيرة ولكن الآب يتمجد بها. دائما كان الخطأة التائبون القطيع الصغير الذي اذا فهم ان المسيح وحده حصتهم يناله بالبركات. هذا هو السلام الكامل الذي يجعلك تنقاد الى المخلص انقيادا كليا ويتفعل إيمانك فيك بالرجاء.

الرجاء وحده يمدك الى لحظة الموت الذي هو مدخلك الى الرحمة. عش من اجل لقاء الموت. هذه قيامتك منذ الآن. ان فعلت هذا ينسى الرب كل هفواتك ويغض النظر عن كل تقصير لك في حياتك ويكملك بالغفران فترى نفسك محضونا.

احتضانه هو النور الذي كنت تنتظره. في حضنه ينسكب النور عليك كاملا ويكون ربك قد رضي وأخذك على صدره لتفهم الفهم الأخير.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الله محبة / السبت 21 كانون الثاني 2012

الكلام في ذات الله غير وارد في المسيحية الشرقيّة اذ يقول عنه كل تراثها انه فائق الجوهر وغير قابل للإدراك وإدراكه هو الوصول إلى جوهره واذا وصلت إلى هذا تصيره فيختلط الخالق بالمخلوق وهذا محال ومع هذا ينبغي ان تتصل فاذا انتفى هذا تنتفي الربوبيّة فبلا تواصل الرب ربَّ من يكون.

قبل ان نصل إلى التوحيد  يجعل افلاطون الإله «فكرة الأفكار» فيجعل لكل موجود مثالا أو فكرة في «السماء» ويأتي الله جامعا لهذه الفِكَر أو ذروتها. اما عند تلميذه أرسطو فالله هو علّة العلل ولكنه لا يتحرّك. التوحيد العبري ينقلنا إلى جو آخر يعبّر عنه قول سفر الخروج: «قال موسى لله: «ها أنا ذاهب إلى بني اسرائيل فأقول لهم: إله آبائكم أرسلني اليكم فإن قالوا ما اسمه. فماذا أقول لهم؟» (خروج 3: 13). فقال الله لموسى. أنا يهوه. في الترجمة اليونانية: «أنا الكائن». أعود إلى الأصل العبري لأن يهوه (الاسم الذي اتخذه الله) فعل مضارع وليس اسما ويعني «أنا هو من هو» أو أيضا: «أنا هو من سأكون» اي انه يعرّف عن نفسه بالحركة في شعبه. هذا ليس تعريفا للذات ولكن للعمل الالهي. بهذا المعنى قال الله لإبراهيم: «وأقيم عهدًا بيني وبينك… فأكون لك إلهًا» (تكوين 17: 17). ليس هذا كلاما عن الذات القائمة في جوهرها. انه حديث عن مرافقة الله لإبراهيم ضمن العهد في هذا السياق «فأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا» (ارميا 7: 23). وأمثال ذلك في حزقيال ولوقا والأعمال، والمراد بما ورد في ارمياء ان كينونتي لكم إلها اني التفت اليكم اليوم وغدا واذا عرفتموني الها لكم تصيرون لي. اي كما أنا متحرك اليكم بعنايتي ورفقي وحناني تصيرون أنتم متحركين نحوي بالطاعة. وحدكم بلا إله عاطف أنتم مجرّد جمهور بالمعنى المجتمعي ككل جمهور آخر وليس لكم كيان الا برحمتي. في عبارة شعب الله المضاف اليه الله. الله يُعرف في علاقته ولا يُعرف في ذاته. كل هذا يتكرّر بعبارات مثل إله إبراهيم واسحق ويعقوب أو إله اسرائيل أو إله الجنود أو إله آبائنا.

#   #

#

في سلوك الله مع شعبه تفهم صفات الرب (بار، عادل، مقتدر، راعٍ، عريس، أب، أم). كل شيء يقوم به الله علاقة. حتى صفة «الخالقية» صفة علاقة اذ يفتتح سفر التكوين بقوله: «في البدء خلق الله السماوات والأرض». لعلّ من أفصح ما قيل عن الله انه «أبو ربّنا يسوع المسيح» (أفسس 1: 3 و2كورنثوس 1: 3). هذا تعريف حركي أيضًا.

هنا نواجه ما يمكن اعتباره لأول وهلة وصفًا لله وهو قوله: «الله محبة». في رسالة يوحنا الأولى الجامعة بعد ان يقول: «المحبة من الله سيقول: الله محبة» 4: 8.

زعمي ان المحبة ليست صفة من صفات الله. هي اسمه. هي اياه. انها تعطي مضمونا لكلمة الله وتعبر عن حركته بالمسيح وبالقداسة.

المحبة هي البداءة في الآب التي منها جاء الابن والروح القدس الآب هو الكائن قبل الأزل وهو مع ابنه وروحه في وحدانية هي المحبة. والوحدانية عمق الإله وليست رقما ولا يقع عليها الحساب. المحبة هي الوحدانية المتحرّكة التي تحيي البشر والله لصيق بالبشر منذ خلقهم وهم به يقومون اذا أحبوه من جهة وأحبوا بعضهم بعضًا. فاذا سكنوا فيها يكونون سالكين في الله فلا يعوزهم الا ان تسكنهم ويسكنوا اليها فتزول الهوّة بين السماء والأرض.

ولكون المحبة كاملة يلغي الله الآلهة الكاذبة التي اصطنعتها شهوات الإنسان. وهذه هي الصنميّة بالذات انك تعتمد شهواتك مصادر للحياة فتصبح أوثانا قتالة فتقول مع نيتشه «الله مات» وهو الحيّ القيّوم الذي يحيي الوجود.

ولكن حياة الله المتجددة فيك تقتضي ان تحارب الآلهة الكاذبة التي قبلت أنت ان تتكون منها وهي تزرع الموت الروحي فيك لأنها تمنعك عن المحبة.

هذه اذا ذقتها حقا تصبح عشير الله. نحن في معاشرته في الكلمة التي ينطق بها فينا فنصبح اياها وتصبح ايانا فاذا بمعاشرتنا الله نغدو روحا واحدا معه كما يقول بولس ولا نبقى مشتهين لغير وجهه هذا الذي ما تقناه ترتسم علينا أنواره.

اذا فهمت أنت ذلك تبطل الصفات الكاذبة التي نسبتها الأجيال إلى الله عن طبيعة سلوكه مع شعبه وتبدأ بفهم المحبة النازلة عليك وتنفي عن الله كل ما يناقضه. لا تبقى أسير كلمات مألوفة تنتج فيك الموت الروحي لا تنظر إلى الله معاقبا كشرطي أو باعثا اليك بأمراض أو قاتلا اياك بحادثة على الطريق.

أنت تموت بسبب من الخوف. والخوف يجعل الله عدوّ الحياة. الحياة في معناها الجسدي والروحي هبة من الله ليس فقط منذ خلقه ايانا ولكن باستمرار محبته جيلا بعد جيل.

إلى هذا ليس الرب ما يصوّره الانسان. هو يصوّر الانسان. ولذلك الخطأ في ان نرى إلى صفات البشر السيئة ونعكسها على الله كإرادة الموت. أنا اعرف ناسا ينسبون اليه تصميم اذى حل بهذا أو ذاك. الله لا يؤذي أحدا ولا يدخل جرثومة في انسان. كل ما يصدر عنه خير وصلاح وحق وإحسان.

الرب نقي ويجب ان تنقّي عقلك من كل ما يسيء إلى اقبالك عليه لأنك لا تكون قد استمتعت بالمحبة التي تنزل عليك منه.

كلّ ما عدا المحبة مملكة الخطيئة «وأجرة الخطيئة هي موت». أقصِ عنك الموت بالمحبة لتصير ابنا للنور فالمحبة وحدها ترميك على النور.

قرّر صادقًا الا يصدر عنك ما يحرج المحبة فيك وفي الاخرين. هذا هو الضياء كله بعد هذا لا تسأل عن تعب يداهمك أو عن تجربة تغريك. المحبة تغسل كلّ السيئات الصادرة عن الفساد الذي يحيط بك وعن الفاسدين.

أحبب هؤلاء أيضا واغفر لهم لأنهم اذا ذاقوا الحب الإلهي المعطى لهم منك يكتشفون شيئا لم يحلموا به من قبل. هناك إمكان لإنسانية جديدة ينزل أهلها بيننا من السماء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأعياد / السبت 14 كانون الثاني 2012

العيد كسر الزمان المكرور، خروج الي المطلق، الى المأمول، الى الفرح، الى مشاركة اهل الأمة احتسابا لما تصير اليه اذا عانقت الله. الثياب الجديدة واكل الطيبات صورة عن الجمالات الروحية التي تنزل علينا بالتعييد.

كل الشعوب على مختلف اعيادها تقطع زمانها المتكرر بأعياد. غير ان المسيحية أعطت العيد سعة ورحابة نادرتين. بادئ بدء تقحم الحياة الأبدية في كل يوم من زيام السنة اذ ليس من يوم واحد ليس فيه احتفال بما يتعلق بسيرة المسيح او قديس او مجموعة قديسين. وكل قديس مروية اعماله في كتاب يُدعى السنكسار تعود اليه ان اقتنيته كل يوم لمعرفة السيرة وتتقدس بها. من هذه الزاوية في كل يوم خروج عن زمنيته لتعود الى عظمة التقوى ووجوه البر الذي مارسه المُحتَفل به في عبادة ذلك اليوم. لا تطيق انت شبه اليوم بما يتلوه او يسبقه. تشد نفسك الى القداسة التي لا يحبسها زمان.

العيد اذا يمنحك حرية من يومياتك وايامك لتلتقيه، اذا تحررت من وطأة يومك تذهب الى يوم الذكرى التي تقيم. هذه مسيرة لك في التاريخ. تجعل الماضي حاضرا فيك وفي الجماعة. هذا ما اعتدنا مؤخرا ان نسميه تأوينا وهي ان تقيم الماضي في الآن الذي تحياه كأنه ليس بينهما زمان. وهذا ليس مجرد تذكر او تخيل. انت تعيش الماضي في الحاضر فلا يبقي في وجدانك ماضيا. انت تختبر الواقع اليوم.

هذا لا يمكن حصوله الا في تحرك روحي فيك. ولذلك كان العيد حدثا تذوقه الجماعة اليوم. جملةً، هذا يحتاج الى قداس او احتفال يشبهه. وتتوق انت الى عودة الموسم طلبا للتجليات في كل سنة. والاساس عندك ان عودة التجليات هي الوحدة التي تفوق الزمن اذ تأبى ان تستأخر الابدية.

#   #

#

الفرح مولد الفرح فكما كان العيد تلقيا يكون ايضا سباقا في الذوق لما يأتي اي كما كان تأوينا يصير ايضا اخرويا لأن الاتي هو الملكوت دائما فإن وجه الله سوف يطل عليك. اذ ذاك الأعياد حضور الله في الآن الذي يتجدد فيك وفي الجماعة.

انت تحيا الموسم مع الجماعة التي في تماسكها تتلقى المعنى الأبدي وتمتد الى المستقبلات التي تصير سماوية.

لا بهاء لعيد لا تكون مشاركا فيه بالتوبة فالموسم حاصل في القلب اذ القلب مكان لقاء الله والمواسم الله مضمونها او ليست بشيء.

هنا يختلف العيد الديني عن العيد الوطني او المدني بعامة فهذا اصلا مجرد انتقال بالذاكرة الى الماضي وحقيقته هي الحنين. اما الذكرى القائمة على الإيمان والتي تعيش بالإيمان فحقيقتها الذوق الالهي فينا فاننا معيدون بالنعمة. بكلام آخر الرب الذي فينا يعيد لنفسه.

#   #

#

ماذا يهدد الأعياد؟ غياب الله عن قلوب الناس يشوه الأعياد ويغير طبيعتها. عندما يصير عيد الميلاد عيد الأولاد او العائلة لا تبقى له علاقة بمولود بيت لحم. يكون جاءنا عيد آخر. ليس عندي اي اعتراض على عيد للأولاد او للعائلة ولا على سهرات هذه مع طيبات الطعام. أقول فقط هذا لا علاقة له بالميلاد. في الكتاب: »اسهروا وصلوا« (متى 26: 41).

لا تعرف المسيحية سهر اللهو سابقا للعيد. هناك أطعمة مرافقة للأعياد. هذا لم تمنع الكنيسة أبناءها عنه لأن الحياة المجتمعية العادية تحمل فرح العيد على الا يكون على الطعام التركيز. كل شيء جميل محاط بالخطر. لذلك يجب ان نحرص حرصا شديدا على ان تأتي علينا اعيادنا إلهية اي فرحا بالله وقديسيه حتى لا ينزل عليها اللهو سلطانا ويفسدها ويفسدنا بها.

#   #

#

أجيء من بيت بسيط ومتواضع يقيم الأعياد الكبرى والصغرى لئلا يفوته تقديس. والتقديس في هذه العائلة مكنون في الأيقونات وفي ترتيل اصولي رخيم ورثته امي عن والدها واورثته في الكنيسة.

الى ذلك كان والديّ يتلوان الصلاة الربية بما كان يُسمى في ذلك الجيل اللغة الروسية التي تعلمها فريق من ابناء كنيستنا المتواضعين وكان اولاد الأكابر كما نسميهم يدرسون على الفرنجة من الرهبان ونحن صغار القوم تأصلنا في مشرقية العائلة ولو تفرنسنا بعمق ما أتاح لنا ان نعبر بفرنسية بليغة عن تراث انطاكية عاصمة بلادنا القديمة وقلب المسيحية قبل فتح العرب لأراضينا.

ولدت في هذا الجو في البيت حسب الأعراف القديمة. وكانت امي ملازمة الفراش لما دخل عليها أبوها مرة بين اواخر تموز وأوائل آب ورأى بيت اهلي مملوءا امتعة معدة لنقلها الى الجبل فسأل امي ما هذا فأجابت نحن صاعدون الى المصيف فقال لها عني: ولكن هذا الولد غير معمد فأجابت: قررت تعميده في تشرين عند عودتنا. قال لها: هذا كلام من الدنيا، هبي ان الصبي أصابه عارض صحي. »كيف نرنم للرب في ارض غربة« (المزمور 136). اضطرت والدتي ان تطيع ونودي للكاهن فحضر مع كل مستلزمات العماد وعمدني على استقامة الرأي.

حاولت ان أفهم طوال حياتي اني جئت من هذا الوقت مع اعياده.

Continue reading