Category

2012

2012, جريدة النهار, مقالات

الرموز والحقيقة / السبت 11 آب 2012

الرمزية عندنا ليست كالخيال. الحقيقة الروحية لا تنسكب فقط كلمات. تجيء صورا ايضا. صورة الحقيقة رمزها. ليسا شيئين منفصلين. عندما يتكلّم صاحب الرسالة الى العبرانيين عن المسيح يقول انه بهاء مجد الله ورسم جوهره. المجد في بهائه ورسم الجوهر من الجوهر.

عندما تصطبغ بماء المعمودية لا تدل على انك نلت الخلاص. تكون نلته حقا. ليس الماء دالا على شيء ليس فيه. انه يعطيك ما فيه اي واقع الخلاص الذي انتقل اليه. المادة تنقل من عالم المحسوس الى عالم المعقول . كذلك ما يبدو في المناولة لك خبزا اصبح في جوهره جسد الرب. لا يدل على الجسد. أمسى جسدا اي انه انتقل من المحسوس الى المعقول. لا نقول ان جسد الرب هو في الخبز او معه او تحته. نقول ان الخبز تحول جسدا ولا نتكلم عن الكيف.

السر هو في هذا ان ما يبدو لك رمزا لشيء آخر لم يبقَ كذلك. ليس هناك شيء آخر. الرمز في التعبير المألوف شكل يدلّ على المرموز اليه وليس بينهما الا علاقة التخيل. اما في الاصطلاح المسيحي فالرمز والمرموز اليه واحد. المرموز اليه يتجلى بالرمز ويستحيل عليك ان تفرق بينهما على مستوى الكيان.

هل اليد الى اليد عند المصافحة ام هو القلب الى القلب ان كنا صادقين. عندما يقول بولس: «سلّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة» ماذا يريد الا ان تكون القبلة بلا غش. بلا كذب؟ هل التلاقي في الحب الزوجي رمز ام حقيقة. في الكنيسة الأرثوذكسية عند ترتيل: «لنحب بعضنا بعضا» يقبّل الكاهن الكاهن الآخر. ولكن في الماضي كان كل الشعب يقوم بهذا التقبيل والمفهوم ان الكنيسة تتكون بالمحبة. هذا الجسد يحمل الروح التي تتواصل والروح الأخرى ولا بد من جسر بينهما وهو هذه الركيزة المؤلّفة من لحم ودم وعظام.

في الخط نفسه الكلام عن الكنيسة المبنية وموسيقاها ورسمها. فقد كان ممكنا الا تكون معابد وان يكتفى بالكلمة الإلهية في قراءتها غير ان عدد المؤمنين في تزايده اقتضى مكانا كبيرا للصلاة وكان لا بد من اجراء طقوس وهي رموز متناسقة بمعانيها واشكالها معا. والطقس في اجرائه يسكب عليك معنى ثم المعنى يعيدك الى صورته. والصلاة كلمات والكلمة صورة ومعنى بآن.

واذا أخذت الكتاب المقدس فهو كلمات تُعرب اي انك تدخل اليه باللغة واللغة تصوير. والكتاب المقدس ليس لغة واحدة. عندنا هو العبري والآرامي واليوناني. هذه اللغات رموز ككل الرموز ومن خلال هذه تطلب الحقيقة والحقيقة في كلماتها. وعندما يخضع المفسرون نص الكتاب الإلهي للتفسير فإنهم يخضعونه للغات اي لرموز الحقيقة ولكنهم يبتغون الحقيقة. هذه وصورها اذًا في طبق واحد الى ان يصير الله بلا صور عنه في اليوم الأخير حقيقتنا الوحيدة والكبار في الأدعية في كنيستي يدركون يوما لا يقولون فيه كلمات. صلاتهم، اذ ذاك، نسميها داخلية. يكون هؤلاء المصلّون استدخلوا في قلوبهم دعاء اسم يسوع  ويكون اسمه قد استقرّ فيهم. لا يلفظون، عند ذاك، اسما ولا كلمة. يكونون في الحضرة. امام الحضرة تنتفي مشكلة العلاقة بين الرمز والمرموز اليه.

اذا أخذنا سر مسحة الزيت نتساءل لماذا يجب ان يُدهن المريض بالزيت. هل انه كان اساسا لبعض الأدوية ام لأن اسمه باليونانية واسم الرحمة من جذر واحد. ما يبقى من هذا السؤال اننا في عمل مقدس كهذا يجمع الرمز الى ما يرمز اليه. لا نخرج في هذا عن طبيعة الإنسان.

ثم لا بد من انهاء الحديث عن الرموز في الكنيسة بذكرى الأيقونة. ماذا انت فاعل ان وضعت عليها شفتيك؟ هل هذه قبلة للصورة ام لصاحب الصورة؟ يوحنا الدمشقي بعد ان كسر يزيد ايقونات لنا كتب اننا ان أكرمنا الصورة (إكراما لا عبادة) انما نكرّم المسيح او مريم او القديس المرسوم عليها وذلك بسبب من التجسد اي ان ابن الله الوحيد اتخذ صورة بشرية، جسدا من لحم ودم فاذا انضممنا الى الأيقونة ننضم اليه.

لعلّ كلا منا في حدود معينة ايقونة الله وبالبشرة نرتقي اليه ولا يبقى الا وجه ربك الذي لا رمز له. اذا استطعت ان تدركه هكذا بلا تعبير تكون قد أدركت الكمال.

هذا سيكون في اليوم الأخير (في تعبيرنا) او الآخر في تعبير اخوة لنا وأصدقاء. كل جماعة لها تعبير أبصور كان هذا ام بكتاب والكتاب صورة. بعد القيامة لن يكون لك وجه بشري تعاين الله فيه. سيكون لك جسد آخر وصلاة غير مكتوبة ولن يكون في قلبك خيال لأن الخيال صورة. قلبك لن يختلف عند ذاك، في مضمونه وبهائه عن قلب الله.

نتوكأ الآن، ضرورة، على كلمات وهي تخيل، على إشارات وعلامات وفنون الى ان تزول هيئة هذا العالم ويخطفنا الله على أجنحة محبته الى وجهه الذي لا يسوغ الكلام فيه.

واذا استطعنا هنا ان نحب بعضنا بعضا فكأنما نرى وجوها هي فوق الوصف لأن الوصف يحتاج الى صور وقد تخطيناها بلصوق المحبة.

الذين حطموا الأيقونة بين القرن الثامن والتاسع الميلادي أما كانت ثقافتهم تكشف لهم ان الكتاب المقدس هو كان ايضا ايقونة لكونه يقود الى الله بكلمات هي صور؟ الحقيقة المجردة في قلبك اذا تشبه بقلب الله اذا ارتفع محتوى القلب الى رؤية الله.

المهم ان يتحد اللاهوت فيك بالناسوت مع بقائك كائنا ناسوتيا. الله لا يلغيك. تصاعد اليه بكلماتك واسجد له بكل جسدك الذي الله حامله.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الوحدة الزوجية / السبت 4 آب 2012

كيف تتم الوحدة بين اثنين أبالشوق اي بالحب البشري بمقدار لهبه ام بالمحبة التي كشفها يسوع الناصري وهي قائمة على عهد إلهي ويعلمنا الفيلسوف الدنماركي كيركيغور ان الوصية: «احبب قريبك كنفسك» تعني، يجب ان تحب قريبك كنفسك. فنحن اذًا في ما يتجاوز الشوق الى الواجب الديني. الوحدة الزوجية ليست تاليا مجرد واقع. هي التزام امام الله.

اول ذكر حسب توارد النصوص في مجموعة الأسفار المقدسة ما ورد في سفر التكوين: «خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وانثى خلقهم». في هذه الرواية للخلق نفي لشرعية او قدسية علاقة في الجنس الواحد او ما يسميه بعض دول الغرب زواجا لا سيما ان هذا الكلام الإلهي يكتمل بالقول: «أثمروا وأكثروا وملأوا الأرض» ليس ان غاية الزواج هي الإخصاب وهذا الكلام ليس واردا في اية كنيسة ولكن التكائر من ثمرة هذه العلاقة.

في رواية ثانية في إصحاح لاحق من سفر التكوين ان الله بنى الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها الى آدم فقال آدم «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي» ثم يكمل: «يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدًا». وفي ترجمة حديثة «يتحد بامرأته» وترجمة اخرى «ويلزم امرأته».

ما الجسد الواحد؟ هذا لا يعني البدن لأن هذا مستحيل. الجسد في الفكر العبري يعني الكيان اذ لم يعرف العبران ثنائية النفس والجسد. في التعبير الحديث نقول ان الذكر والأنثى في اتحاد روحين او قلبين ليس انطلاقا من الشوق وحده تحقيقا لعرس طاهر كما يقول الأرثوذكسيون في حفلة الإكليل.

لا يبقى العهد الجديد على رؤية العلاقة الثنائية المحضة اذ يجعل من الزواج اولا علاقة تدوم كل الحياة اذ ينفي الافتراق في المبدأ وقد أضاف متى على العهد القديم «الذي جمعه الله لا يفرّقه انسان». عبارة «الا لعلّة الزنى» غير واردة في مرقس وفي لوقا. ما قد يفيد ذكره ان الكنيسة القديمة أباحت الزواج الثاني للفريق غير المذنب ولم تبحه للمذنب.

في الكنيسة الشرقية المعاصرة تدبير عملي انضباطي في إباحة الطلاق للطرفين ولكن هذا لا يعني ان الكنيسة غيّرت موقفها العقائدي في ديمومة الزواج. الإباحة القضائية للطلاق في حالات محدودة جدا لا تعني فتح الباب لحلّ الرباط الزوجي. اما التفلّت فيقع عقابه على الطرف المتفلت. ولكن ليس هنا مجال الاستفاضة في هذا التأمل الفرعي.

ما يجعل الزواج «مكرما ومضجعه غير دنس» كما يقول الرسول هو تأكيد بولس ان هذه العلاقةآتية من الرب وقائمة فيه. الكلمة الفصل في رسالة بولس الى أهل أفسس هي: «ايها الرجال احبوا نساءكم كما أحبّ المسيح الكنيسة الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها». في الحقيقة هذه محبة متبادلة بين الرجل والمرأة وواضح هنا مضمون المحبة. هي محبة المسيح لنا في موته . لا حدود تاليا للمحبة الزوجية لا شروط سلوكيا عند الآخر لتحبه. المرأة والرجل كلاهما من لحم المسيح وعظامه (أفسس 5: 30). بولس يؤكد ان الفريقين جسد واحد ولكنه كان قد أكّد قبل ذلك ان كلا منهما في المسيح حتى اوضح في وضوح اعظم ان كليهما معا هما في المسيح.

هذا يدفعني الى ان أقول ان من لم تنزل عليه هذه الرؤية يعيش جسديا وزواجه من هذه الدنيا وفيها. اقول هذا بسبب مما لمسته في المحاكم الروحية في المنطقة التي أعيش فيها وقد كشفت لي ان الأزواج الذين يحيون في محبة السيد لا يجيئون الى المحاكم الروحية ولا يعرفون بابها ولا اوراقها. انهم فاهمون ان رباطهم نزل عليهم من فوق.

لست طفلا لأقرر ان عائلات كثيرة لم تعبر بمحنة الخلاف. انت لم تعرف زوجتك قبل دخولها بيتك. تتعرف الى بعض خصالها في ايام الخطوبة اذا طالت. ولكن كل فريق منكما مخفية فيه اشياء  كثيرة قبل القران او تظهر فيه عيوب جديدة عليه وعلى زوجه بعد القران. بعبارة بسيطة تسوء العلاقات بسبب من اكتشاف الواحد للآخر بعد الزواج او ينحط البيت كثيرا او قليلا ومن بدا لك بارا قد لا يكون كذلك او يتفلت من قيود البر ويتعذر عليك معرفة كل ميوله قبل اللقاء الزوجي.

الى هذا صعوبة المجانسة احيانا او التأكيد المضخم على أهميّة هذه المجانسة. الى هذا طبائع ضعيفة وقلة من الصبر والاقتناع بضرورة الديمومة في العائلة. تسمع كثيرا من سنوات قليلة مضت: «انا لا احبه او لا احبها». وهذا تعظيم رهيب لنطاق الشوق وهو يبقى قليلا على زخمه ولا يمكن بناء الزواج عليه وحده بعد ان اسسنا الزواج على الاثنين رحمة من ربك.

اعرف ان بين علماء النفس مستشارين  في الخلافات الزوجية. بعضهم ساعد ويساعد والعلم جميل اذا نجح. نحن لا نحيد عن العلم ولكن مقاربتنا للحياة الزوجية مقاربة إلهية قائمة على كلمة الرب والصلاة الدائمة. فالعائلة قائمة في صلاتها.

لما كنت صغيرا كنا نجتمع حول والدي يكلمنا عن ذكرياته في الحرب العالمية الأولى ومما كان يقول: فلان تزوج السنة الـ1916 وكنت اعلم ان هذا الوقت كان وقت مجاعة. ففهمت بحكايا ابي ان الظروف القاسية لا تقوم دون تلاقي الرجل والمرأة في حياة واحدة. ولكن في زمان هذه الحكايات في بداءة الثلاثينات من القرن الماضي ما كان ابي يحدثني عن طلاق. كنا نفهم ان الصبية تأتي الى خطيبها مزينة بالعفة وانه لا يخطر على بالها ان تخالفها لعل الناس ايضا كانوا يحافظون على فضائل الآخرين او عهودهم.

تغيرنا كثيرا منذ زمان ابي ولا مجال الآن للتحدث في الأسباب وهي كثيرة ولكنا لا نستطيع ان نرفض بخفة قدسية الزواج الذي يتم في الرب وان نرفض انه النموذج للعافية الروحية وان ما قاله الله قاله لكل الأزمان.

«ذكرًا وانثى خلقهم» ليؤلّفوا المعيّة الإنسانية المباركة الطيبة، ليتقدس كل جنس بالجنس الآخر. هذه هي مشيئة الله الثابتة وكلمته الأخيرة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الآخرون / السبت 28 تموز 2012

لا تستطيع أن تقول أنا ما لم تقل أنت لأنك محدد بالمواجهة وهي أن يكون الوجه الى الوجه. يقابله فيتحدد الاثنان. أنت متكون بالصلة. وإن كنت أنانيا بشكل جنوني ترى الآخر مرآة لك. وان لم يكن عندك إيثار مرضي لنفسك فأنت متقبل الاخر بمقدار ان لم تكن حاضنه كثيرا فمن داخلك ينشئك وينشىء نفسه بك واذا استقبلك في الحقيقة تصعدان معا الى فوق. اذ ذاك يكون الله منشئكما وكل منكما تشكله رؤية الله فترى الله في الاخر او شيئا الهيا فيه.

انت لا تستطيع معاملتك لله ما لم تقرب الآخر اليه كما تقدم القربان اي تشده الى الرب لتستلمه منه واذ بك وبه كالنهار اذا تجلى (سورة الليل، 2)

الاخرون ليسوا جماعة معتمة. يستضيء فيها كل شخص اذا عرف الاخرين افرادا متداخلين بالحب او اقله بنباهة النفس كما يقول الارثوذكسيون في قداسهم بحيث يكون الواحد في قلب الآخر وينفرد هكذا عن الاكتظاظ الجماعي ليرى كلا من الجماعة فريدا. هذا هو الفرق بين مجموعة بشرية وقطيع غنم. القطيع تعد كل حيوان فيه وتجمع الواحد الى الاخر وتكون قضية حساب ولا يتميز الواحد عن الآخر ولا بد من دمغة تضعها على جلده اذا شئت التمييز. اما البشر فكل منهم متميز ليس مثله آخر. سبعة مليار في انسانية اليوم لا يتطابق احدهم والآخر. الفرادة هي توصيف اناس والله يراهم متمايزين ليس فقط في وجوههم ولكن في قلوبهم ايضا. ليس عند الله قوالب للنفوس ولا تذوب الواحدة بالاخرى لكي تؤلف نفسا واحدة.

هذه بدعة كفرتها الكنيسة لكي تحافظ على الشخص الوحيد. في الملكوت نظل متقابلين، محبين، وغير منصهرين، أحدنا بالآخر لأن المحبة تثبت الاخر ولا تذيبه.

استقلالك عن الآخر لا نفور فيه. انه يدعم الذات. الذات الاخرى، ليست النفوس جثثا متراكمة كالاجساد. هي دائما متواجهة بسبب من النعمة المنسكبة على كل واحدة منها. الله جامعها بما يحييها بحنانه ولا يغض الطرف عن واحدة منها لئلا تموت.

#   #

#

العقول مختلفة ومتخالفة احيانا كثيرة لان في العقل ارباكا وارتباكا ولانه يتاذى كثيرا بالعقول الاخرى التي تتنكر له. الانسانية تقوم على تنوعات متضاربة  او متعاكسة ويضعف العقل ومطلقه البدئي لم يبق وهذا يفسره تباين العقول.

ولكن الانسان ليس اخر بسبب من عقله. في تركيبته الشاملة هو غيرك وقد يكون قريبك ولو اختلفتما في الرأي ولا تبغضه لكونه مختلفا عنك. العقول الصغيرة تفعل هذا. وعند العقلاء ليس الفكر سببا للتصادم الوجداني او الكياني اذ الكيان في عمقه هو القلب. كذا في فكر الكتاب المقدس في عهديه وكذا عند آبائنا. انت تلحظ ان الذات المقابلة لك هي الاخر لانها تختلف عنك بمقدار المحبة. مع ذلك تضم ذاتك الذات الاخرى اذا كنت مجاني العطاء ولم تحتكر الاخرين في نفسك. «فذكر انما انت مذكر. لست انت عليهم بمسيطر» (سورة الغاشية، 21 و22).

هذا هو معنى الحوار الذي يتأسس على ان الآخر موجود لانه ناطق وانه يحبك عند الحاجة ولكنه يقر بك وتقر انت به حتى يتجلى النور من المقابلة. الفكر ليس إملاء. انه تلاق. الاخر ينفع الحقيقة التي انت حاملها وهي تبتكر به. الحقيقة تنكشف من احتكاك الواجدانات بمعرفة وبغير معرفة ومحبة. وكلاهما يساعد على تواصل الحقائق بعضها ببعض.

المحبة تفرض ايمانك بأن الله ائتمنك على اشياء من عنده وائتمن محاورك على أشياء من عنده ايضا وقد تكون هذه جميعا متقاربة. المحبة هي الجسر بين عمق وعمق ولو تباينت الاراء. وهذا التباين لا يؤتي بعداء ان كنا متعقلين وعلى صفاء كبير ليقينك بان الانسان الاخر حبيب الله مثلك وقد يكون جامعا بين قلب كبير وعقل محدود. وانت ضامه اليك بالدعاء وواضعه في رحاب الله التي نزلت عليك.

#   #

#

هنا يأتي ذكر من سمي عدوا.  «سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم وصلوا لاجل الذين يسيؤون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات» (متى 5: 43-45).

عند الكثيرين مشكلة مع حب الاعداء لكونهم مرتكزين على الأنا المنغلقة التي ليس فيها مجال للاخر، لانها مالكة الوجود وطاردة الخصوم من الوجود وتاليا مميتهم عقليا. فاذا ذهبوا عن رؤيتي يكونون ذهبوا عن العالم كله.

امام هذا الشك بالوصية يبدو الغفران مبنيا على قول يسوع الناصري: «لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات». وانت لا تقدر ان تقبل عدوك كقبولك اخاك ما لم تعترف انه ابن ذاك الذي في السموات وان مكانته عند الرب بغفران هذا له كمكانتك انت الذي تعيش ايضا بالغفران. من كان ابنا لله هو بالضرورة أخ لك. اذ ذاك، لا ترى عداوته وتراه في دائرة السماحة الالهية كما أنت فيها بسبب من مسامحتك.

العدو صديق عندك بالحب وتغطي وجهه بالنور الالهي، الاخر ليس فقط من أحبك ولكنه ايضا من أبغضك. كل منهما اخ لك اذ الاخوة نازلة من السماء مهما شعر ذاك ومهما شعرت انت. انت واياه في عائلة الآب وفيها يزول كل انفعال وتصبح النفس الى النفس لان كل واحدة منها مرآة ذلك الاله المحب البشر.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الصديق / السبت 21 تموز 2012

قال أرسطو: «يا أصدقائي، ليس من أصدقاء». لن أناقش المعلم الاول في ما ذهب إليه مغاليا. فالبشرية لا تخلو من محبين صادقين كما لا تخلو من مبغضين كثر. في اللغة صادقته أي خاللته. ومعنى صديق فلان انه صدقه المودة والنصيحة. هناك اذا نأي عن الكذب. هناك مبيت في الاخلاص: «أحبب صديقك كنفسك». بذا تجعله قريبًا وكأنكما واحد. لعل كل سر الصداقة انه يكمن كليا في المحبة التي يصير فيها المحبوب واحدًا مع المحب.

مرة خاطب احد قياصرة روسيا الرئيس الفرنسي في رسالة اليه قائلا: صديقي العزيز، فأراد الرئيس الفرنسي ان ينقح له العبارة قائلا: في العرف الديبلوماسي يقال يا أخي العزيز. أجابه الروسي: أخوك مفروض عليك (بالطبيعة) اما صديقك فتختاره.

كيف تتلاقى القلوب هذا سر الوجود. ما اجرؤ على قوله ان هذا سر إلهي. الله عاقد القلوب وفيه وبه تتوحد بحيث تنطق نطقا واحدا فلا يبقى محل للخلاف في الوجدان ولو بقي محل للاختلاف العقلي. ولا ينثلم القلب بذا ولا يخشى الاختلاف ولو بمباينة قليلة اذ المصدر واحد وهو الحقيقة الوجدانية العميقة التي تتبلر واحدة فيك وفيه.وتطمئن الى الآخر لعلمك بإخلاصه للحق صدر منك او صدر من الآخر. لم يجعلكما التماهي واحدا ولكن الحق انشأ فيكما التماهي لأنكما ثمرته الواحدة. للانسان قلب رحب بالحق او هو ليس بشيء.

فيها حركة شبيهة بالتنزيل والرب يختار لإلهامه آنية مختلفة في ما يبدو منها وكأنها واحدة لأنها قادرة على تقبل كلمة منه واحدة فاذا استوعبت تجعل من الاثنين واحدا. الباقي فروق في التعبير او النبرة او الصيغة. واحدكما اقوى منطقا او حدة ذكاء. وحدتكما ليست بهذه ولكن بما استلمته من فوق. التصرف الواحد يمكن ان يكون لغة الله اذا ظهرت.

لغة الله تصير لغة الناس سلوكا وكأنهم مرآة ربهم. قول الله نفسه نسميه اللاهوت وقول الانسان نفسه نسميه الناسوت. والقول والكيان واحد. ويقترب الانسان من الله احيانا بقوة بحيث لا تقدر ان تميز على مستوى الكلام ما هو للخالق وما هو للمخلوق. اذا كنت مع اهل التجلي لا تقدر بسهولة ان تؤكد ان قول الانسان هو له وحده. الرؤية اذا انكشفت تجعلك تميل الى انها سقطت عليك من المحل الأرفع.

#   #

#

ما المقولة الوجدانية التي فيها تنوجد الصداقة؟ هي الشركة او المشاركة اي ذلك الاتحاد الذي لا يلغي الإثنينية الكيانية ولكن يحول طاقتها الى وحدة عطاء، الى تكامل بمعنى ان الشخصية لا تتحقق الا بالآخر. الذات ليست الفردية التي هي تأكيد الأنا بالانعزال عن الآخر. الآخر ليس آخر بمعنى ضد أناك ولكن بمعنى انكما بتما حركة واحدة لا إقصاء فيها لصوت واحد منكما ولا ذوبان.

الوحدة تفترض دائما وجها آخر ليس مرآة لوجهك ولكنه نحوه او اليه. ما سميناه مشاركة يمكن تسميته المعية والمعية تفرض سيرا جنبا الى جنب في التآزر في حالة سلامة المشي او صعوبة المشي عند أحدكما. انت تعطي صديقك نفسك اذا رأيته يعرج فيحس انه قد بلغ السلامة.

غير انه يتعذّر عليك الذهاب ان لم يمسك الله بيدك. ما من تجاوز للثنائية الخطرة الا بالثالوثية التي الله مبدؤها وغايتها. الصداقة لا تنتهي الا اذا خان احدكما ربه فيخون منطقيا صديقه. ما من لقاء بشري محتوم مهما تأججت العاطفة. انها تسقط عند نتوء الأنا. فاذا غاب وجه الله عنكما يذبل انت او هو او كلاكما وكأن شيئا من صفاء القربى لم يكن. في عالم القصة وضع فرنسوا مورياك كتابا عنونه «صحراء الحب».  اية كانت فلسفة المؤلف احتسب ان الصداقة الجامعة هي التي تلغي جفاف الوجود فاذا زرعت المحبة تتفجر من تحتها الجنات التي تروي كل العطشى.

#   #

#

انتقدني بعض الأصدقاء لأني تجرأت في «لو حكيت مسرى الطفولة» على قول ما مفاده ان الصداقة اصفى عاطفة او اجمل. قد لا اكون متمسكا بهذه الصياغة ولكني أردت انها العاطفة الوحيدة على مستوى الطبيعة التي لا تتضمن تبادلا لأن التبادل يسري من نفسه. فاذا علاك المحب تعلو وتعليه بدورك ولا تطلب شيئا خارج نطاق الصداقة من متاع هذه الدنيا.

اجل عندك مشاعر اخرى طبيعية ايضا كتلك التي تربط الرجل بالمرأة وقد تصل هذه الى التجرد الكبير والى الصفاء ولكن تضاف عليها مكونات اخرى كالمال والبيت وذوو القربى التي تهدد احيانا الصفاء الكامل. قلت احيانا لأني لا أشك في إمكان الإخلاص الكامل في الحياة الزوجية. جل ما اردته في موقفي القديم في «لو حكيت مسرى الطفولة» ان الصداقة في طبيعتها الحالية كالماء العذب الذي لا لوثة فيه وانها في أحايين كثيرة طريقنا الى الحياة الزوجية العظيمة. انت تأخذ رفقاءك امام وجه الله فيستضيئون به ويقتربون.

في طاعة الله لا تستطيع ان تحب الله كما احبك لأن قلبه اوسع من قلبك. ولكن على صورة حبه لك تقدر ان تحب الآخر لأن الرب يوسع قلبك في كل حين ويجعل قلبك مثل قلبه على قدر ما تستطيع البشرة ان تكون متقبلة.

اذا مات الأصدقاء تبقى متشبها بفضائلهم فتحيا. الذين في الفردوس ومن استبقوا على الأرض يظلّون واحدا لأن الوجوه تظل الى الوجوه اذ الرب هو الجامع. اخرجوا من الصحراء.

قال أرسطو: «يا أصدقائي، ليس من أصدقاء». لن أناقش المعلم الاول في ما ذهب إليه مغاليا. فالبشرية لا تخلو من محبين صادقين كما لا تخلو من مبغضين كثر. في اللغة صادقته أي خاللته. ومعنى صديق فلان انه صدقه المودة والنصيحة. هناك اذا نأي عن الكذب. هناك مبيت في الاخلاص: «أحبب صديقك كنفسك». بذا تجعله قريبًا وكأنكما واحد. لعل كل سر الصداقة انه يكمن كليا في المحبة التي يصير فيها المحبوب واحدًا مع المحب.

مرة خاطب احد قياصرة روسيا الرئيس الفرنسي في رسالة اليه قائلا: صديقي العزيز، فأراد الرئيس الفرنسي ان ينقح له العبارة قائلا: في العرف الديبلوماسي يقال يا أخي العزيز. أجابه الروسي: أخوك مفروض عليك (بالطبيعة) اما صديقك فتختاره.

كيف تتلاقى القلوب هذا سر الوجود. ما اجرؤ على قوله ان هذا سر إلهي. الله عاقد القلوب وفيه وبه تتوحد بحيث تنطق نطقا واحدا فلا يبقى محل للخلاف في الوجدان ولو بقي محل للاختلاف العقلي. ولا ينثلم القلب بذا ولا يخشى الاختلاف ولو بمباينة قليلة اذ المصدر واحد وهو الحقيقة الوجدانية العميقة التي تتبلر واحدة فيك وفيه.وتطمئن الى الآخر لعلمك بإخلاصه للحق صدر منك او صدر من الآخر. لم يجعلكما التماهي واحدا ولكن الحق انشأ فيكما التماهي لأنكما ثمرته الواحدة. للانسان قلب رحب بالحق او هو ليس بشيء.

فيها حركة شبيهة بالتنزيل والرب يختار لإلهامه آنية مختلفة في ما يبدو منها وكأنها واحدة لأنها قادرة على تقبل كلمة منه واحدة فاذا استوعبت تجعل من الاثنين واحدا. الباقي فروق في التعبير او النبرة او الصيغة. واحدكما اقوى منطقا او حدة ذكاء. وحدتكما ليست بهذه ولكن بما استلمته من فوق. التصرف الواحد يمكن ان يكون لغة الله اذا ظهرت.

لغة الله تصير لغة الناس سلوكا وكأنهم مرآة ربهم. قول الله نفسه نسميه اللاهوت وقول الانسان نفسه نسميه الناسوت. والقول والكيان واحد. ويقترب الانسان من الله احيانا بقوة بحيث لا تقدر ان تميز على مستوى الكلام ما هو للخالق وما هو للمخلوق. اذا كنت مع اهل التجلي لا تقدر بسهولة ان تؤكد ان قول الانسان هو له وحده. الرؤية اذا انكشفت تجعلك تميل الى انها سقطت عليك من المحل الأرفع.

#   #

#

ما المقولة الوجدانية التي فيها تنوجد الصداقة؟ هي الشركة او المشاركة اي ذلك الاتحاد الذي لا يلغي الإثنينية الكيانية ولكن يحول طاقتها الى وحدة عطاء، الى تكامل بمعنى ان الشخصية لا تتحقق الا بالآخر. الذات ليست الفردية التي هي تأكيد الأنا بالانعزال عن الآخر. الآخر ليس آخر بمعنى ضد أناك ولكن بمعنى انكما بتما حركة واحدة لا إقصاء فيها لصوت واحد منكما ولا ذوبان.

الوحدة تفترض دائما وجها آخر ليس مرآة لوجهك ولكنه نحوه او اليه. ما سميناه مشاركة يمكن تسميته المعية والمعية تفرض سيرا جنبا الى جنب في التآزر في حالة سلامة المشي او صعوبة المشي عند أحدكما. انت تعطي صديقك نفسك اذا رأيته يعرج فيحس انه قد بلغ السلامة.

غير انه يتعذّر عليك الذهاب ان لم يمسك الله بيدك. ما من تجاوز للثنائية الخطرة الا بالثالوثية التي الله مبدؤها وغايتها. الصداقة لا تنتهي الا اذا خان احدكما ربه فيخون منطقيا صديقه. ما من لقاء بشري محتوم مهما تأججت العاطفة. انها تسقط عند نتوء الأنا. فاذا غاب وجه الله عنكما يذبل انت او هو او كلاكما وكأن شيئا من صفاء القربى لم يكن. في عالم القصة وضع فرنسوا مورياك كتابا عنونه «صحراء الحب».  اية كانت فلسفة المؤلف احتسب ان الصداقة الجامعة هي التي تلغي جفاف الوجود فاذا زرعت المحبة تتفجر من تحتها الجنات التي تروي كل العطشى.

#   #

#

انتقدني بعض الأصدقاء لأني تجرأت في «لو حكيت مسرى الطفولة» على قول ما مفاده ان الصداقة اصفى عاطفة او اجمل. قد لا اكون متمسكا بهذه الصياغة ولكني أردت انها العاطفة الوحيدة على مستوى الطبيعة التي لا تتضمن تبادلا لأن التبادل يسري من نفسه. فاذا علاك المحب تعلو وتعليه بدورك ولا تطلب شيئا خارج نطاق الصداقة من متاع هذه الدنيا.

اجل عندك مشاعر اخرى طبيعية ايضا كتلك التي تربط الرجل بالمرأة وقد تصل هذه الى التجرد الكبير والى الصفاء ولكن تضاف عليها مكونات اخرى كالمال والبيت وذوو القربى التي تهدد احيانا الصفاء الكامل. قلت احيانا لأني لا أشك في إمكان الإخلاص الكامل في الحياة الزوجية. جل ما اردته في موقفي القديم في «لو حكيت مسرى الطفولة» ان الصداقة في طبيعتها الحالية كالماء العذب الذي لا لوثة فيه وانها في أحايين كثيرة طريقنا الى الحياة الزوجية العظيمة. انت تأخذ رفقاءك امام وجه الله فيستضيئون به ويقتربون.

في طاعة الله لا تستطيع ان تحب الله كما احبك لأن قلبه اوسع من قلبك. ولكن على صورة حبه لك تقدر ان تحب الآخر لأن الرب يوسع قلبك في كل حين ويجعل قلبك مثل قلبه على قدر ما تستطيع البشرة ان تكون متقبلة.

اذا مات الأصدقاء تبقى متشبها بفضائلهم فتحيا. الذين في الفردوس ومن استبقوا على الأرض يظلّون واحدا لأن الوجوه تظل الى الوجوه اذ الرب هو الجامع. اخرجوا من الصحراء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

تسعون / السبت 14 تموز 2012

اليوم اذا قرأتم هذه السطور تجدون كاتبًا أوصله ربه الى باب التسعين ليشكر ويتعظ ويحاول الا ينأى عن وجه الله الذي يريد ان يكوّن له وجه بشر متقبل للحب الإلهي وغير مصالح لخطاياه. لماذا اكثر الخالق العطاء والمخلص انعطافه، هذا سر لا يكشفه لأحد. هذا متعلق بأبوته التي تنزل علينا نعمة تضعنا في يد الرب التي تحملنا بحنان عظيم وتحمينا هذه القبضة من كل شر، من كل عطب.

رافقتكم بضعة عقود من السنين في هذه الزاوية اكتب من حب في فرح وأبسط لكم تفكيرا نزل عليّ وأريد الا يختلط في أذهانكم بما هو من ضعفي. امنيتي الصادقة ان تنسكب النعمة نفسها في قلوبكم لا لتقرأوني ولكن لتقرأوها حتى لا انتصب بسبب من بشريتي حاجزا بينكم وبينها. «انا عبدك يا رب، عبدك انا وابن أمتك». ولئن شئت كلماتي ممسوحة بيسوع الناصري بلغني من اوساط كثيرة ان معظمها حرك قلوبكم أكنتم، على صعيد المذهب، له ام لم تكونوا. كنت احس اني معكم معية مؤلهة واحدة تجمعنا كلمة كانت تصدر احيانا عن بكاء ولكن دائما عن صدق احببت ان يسهم في شفائكم وفي شفائي.

نحن اذا في صباح كل سبت كنا نتقاسم فطور حب وإخلاص واحد لهذا الذي الذي حاولت ان ابلغكم رسالته أاخذت معقولي من كتابه ام من شوقي اليكم ولعل هذا واحد. سأبقى معكم ما دام هذا القلم وما دام هذا الجسد وما دمتم ترغبون في ان نلتقي صباح كل سبت وقلوبنا مطهرة.

هذه الرسائل لم تكن لو لم يرد غسان تويني ان تكون. في الكثير منها كنا نجيء معا من ينبوع واحد. كان يطيب لي ان اسكن في «النهار» حتى اطل عليكم وان صعب علي احيانا إنتاج هذه الأسطر.

لعلي لم اكن دائما على زخم روحها ولكني سعيت بتواضع ان أقول لكم الحق كما الترائيات التي اكرمني بها رسولا منه اليكم.

#  #

#

لم تكن كلماتي كلها حديثا في الله مباشرا. ولكني اعرف ان لله انتشارا في هذه الصياغة او تلك اذا قضى ان يلمس لساني لينطق به. فالله وحده المبدئ والمنهي وأردت ان أتلقاه هكذا وارجو الا يكون خذلني.

لما كنت اكتب اليكم أردت في الحقيقة ان أخاطبه لكي اتمكن في نهاية كل اسبوع ان آتي اليكم بما اوحى وان نطقت بغير ذلك اكون قد خنته عن عير عمد. «عبدك انا يا رب، عبدك انا وابن امتك».

الى حديثنا انا وانتم عنه كانت بعض الكلمات عن الوطن وعن المشرق. وما قصدت ان اكتب في السياسة مباشرة اذ بقيت مشيئتي ان اكتب عن الفكر الإلهي في السياسة علّ المستغرقين فيها ينظرون من خلالها الى وجه الله لأن «كل حديث بغير الله لغو». رجائي الا اكون قد خلطت بين الدنيا والآخرة. «وللآخرة خير لك من الأولى». كنت احيانا اسمع منه همسات يقول فيها ان السياسة ليست ميدانك. هي موضع من مواضع سيادتي اذا اراد اهلها سيادتي. اي شيء غير هذا باطل الأباطيل. ولكني لم استطع الا اشاهد من جرحتهم امور دنياهم والكلمة على قدر نفعها كانت تضمد لهم جراحهم.

كان غسان تويني المؤمن يعرف ان هذه المساهمات فيها شهادة للرب الذي كان يجمعني به. ولكن غسانا يقرأ الآن ما هو افصح وأبهى في ملكوت المحبة.

#   #

#

ماذا يبقى بعد هذا العمر الطويل؟ لا يحق لانسان ان يطرح عن نفسه هذا السؤال. السؤال الوحيد الذي يسوغ لكاتب يرى نفسه خادما ان يطرحه ليس سؤالا بالحقيقة ولكنه دعاء. ربي اعطني ان اطيعك بطاعة اكبر من تلك التي عشتها وباخلاص لك ليس فيه شرك. فلا يضاف الى وجودك وجود ولا الى فكرك فكر وادعو لكي تسكن وحدك القلب وان يكون هذا القلب مثل كنيسة كل جدارها الشرقي مزين بالأيقونات اي بحضرة قديسيك.

بعد هذا لا يهم ان اكون قادرا على إطلالة عليكم. متى ينكسر القلم؟ المهم ان تبقى فيكم صورة المخلص الذي رغب اليّ ان انقلها اليكم. ما يريده ربكم هو ان تتقبلوا دائما الكلمات التي صدرت عنه قديما وتصدر الى قلوب الكثيرين منكم. هكذا تطمئن روحي اليكم وهكذا تساكنون روح الرب الى ان يطل علينا جميعا فجر الحياة الملكوتية.

هذه السطور ليست وداعا ولا خوف فيها. انها التماس ادعيتكم لي حتى نبقى في هذه المعية المقدسة التي أرادتها جريدة «النهار» بيني وبينكم واعرف ان الرب لن يترك امة بلا شاهد له.

لا تتمسكوا في اية قراءة لكم وجدانية روحية كانت ام غير ذلك الا بما يريده الله لكم ولبلدنا حتى نظل دائما نستضيء بنور القيامة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الله معرفة / السبت 7 تموز 2012

هالني دائما ان أرى نصف البشرية أمية والربع شبه أمي، وقد ظهرت المعارف في كل أنواعها لنمو العقل، فالإنتاج لحياة كريمة خدمة للآخرين. حراثة الأرض بمعناها الشامل زراعة وصناعة يؤمنها العلم هذا اذا لم نذكر الفرح الذي ينعش قلب الإنسان ويقوي علاقاته بالآخرين.

بلا معرفة حقيقية تواجه بها عقول اقرانك يسود تصرفك الانفعال ويتحكم بك الغضب. لكن الثقافة هدؤك في المبدأ وطاقة معالجة لقضاياك وطريقك الى السلام. بركات الرب عليك أفعل إن استطعت أن تصبح سيد مسالكك. أجل عند بعض الأميين حكمة كبيرة. ولكن القاعدة أن تقتني بعض الحكمة بالمعرفة وتتلقى فضل الله عليك.

الى هذا هالني أنّ المتعلّمين الكبار أولاد الاغنياء في المرحلة الجامعية الخاصة لأن هذه المرحلة فيها إنفاق مالي. العلم العالي رديف اليسر وهذا فيه ظلم لمن لا يقدر أن ينفق عليه ابوه ما تتطلبه الجامعات او المعاهد العليا. وهذا امر لا يتعذر علاجه اذا رتبت الدولة ميزانيتها بحيث تربي المتفوقين على الأقل اذا لم تتمكن من تربية الجميع. كم حُرمت الأمة من مواهب الكثيرين من أبنائها وبناتها بسبب ربط الدراسة بالمال.

الدنيا ورشة تعليم دائم اذا شئنا للبلد الكبر ومساهمته في الحضارة العالمية. قال لي أحد كبار علمائنا القاطن الولايات المتحدة أن أكثر الاوائل في كل قطاعات التخصص لبنانيون. هؤلاء ما كانوا في حاجة الى الهجرة لو كان عندنا وسائل الرقي العلمي او التكنولوجيا فنصدرهما من هنا ويفيد كل مواطنينا من هذه المعارف العليا.

طبعًا هذا يقتضي أن تتوفر هذه الرؤية في طبقات اهل السياسة. هذا القول يذكّرني بما فعله الامبراطور بطرس الاكبر في روسيا لما قرر نقلها من بدائيتها الى أن تصبح دولة اوربية راقية. كان له أن يختار بين تأسيس الوف من المدارس الابتدائية وبعض المعاهد العليا، فآثر الخيار الثاني وأنشأ ما سماه الأكاديميات في كل نواحي المعرفة، وأدركت روسيا بسرعة المستوى الألماني بالمعرفة.

نحن قادرون أن نغرف من العلوم كلها وفي بعضها لسنا مقصّرين، ولكن لا بدّ من بلوغ كل المعارف الضرورية للانسان المعاصرين ولا بد من تعميمها على كل الموهوبين.

من المؤكد أنه لا يمكنك ان تصل بكل أحوال الوطن الى أعلى مستوى ممكن ولكن لا يجوز ان تبقى طبقات من الناس كثيرة كبير جهلها. انا أعرف أنّ ثمة فرحا لا يأتي من العلم وأنّ القداسة تنزل عليك من فوق ولكن العلم بمتناول يديك. يسهم كثيرا في إنعاشك الداخلي ولا يسوغ لك آن تبدد كل إمكانات نموّك الانساني بسبب من ضعف ميزانية الدولة. أجل هنا بحث سياسي في شأن الميزانية اذ لا بد أن تتكيف بالخيار الروحي الذي أمامنا وهو أنّ المعرفة أسبق من كل شيء.

#   #

#

ما هو أهم من علوم الدنيا هو علمك بالله وبشؤونه القائمة على المعرفة. أن تكون مألوها أي متلقيا ربك في قلبك يقتضي إلمامك بالنص الديني. أنا لست أنكر أنّ ربنا ينشىء لنفسه محبين وعالمين به دون أن يمسوا النصوص. ولكن لا شك عندي أنّ الإحاطة الطبيعية بما يجب آن يعرف عن الله يأتينا من الكتب المقدسة وما أوحت به لكتّاب لاحقين فسّروها أو بنوا لاهوتا عليها ولكن لا ريب عندي أيضا أنّ العارفين قلائل على اختلاف الأزمنة. فاذا كان قصد الوحي ان يعرف الناس مضمونه ليصلوا به الى ذوق الله بدراسة كلمته فالجهل رهيب.

أقتصر على تأمل الوضع المسيحي حتى لا أخطىء في التصور ولا أعلم من لهم معلمون. ففي الأسبوع الماضي كنت أقيم القداس الالهي في إحدى الكنائس ورأيت الى المؤمنين فوثقت أنّ عددا كبيرا منهم لم يقرأ العهد الجديد وذلك في سياق الموعظة اذ عدت بهم الى نصوص انجيلية لم يسمعوا بها. قلت لهم أنا لا أشك أنّ ذويكم اشتروا انجيلا لحق به الغبار فاذهبوا وامسحوا الغبار وافتحوا الكتاب تجدوا في البدء إنجيل متى فطالعوه كما هو منشور حتى تصلوا الى سفر الرؤيا فيعطيكم ما لا تعطيه الطقوس.

هذا النص يحرك القلوب وتحتاجون أنتم الى كل العوامل التي تلهب قلوبكم وتملأها ايمانا. فتشوا عن كل ما ينعش قلوبكم ويطهرها. القداس بني على كلمة الله ولكن كلمة الله هي حجر الأساس الذي لا يوضع أساس سواه. لقد تجلى الله بطرق مختلفة. لا حق لكم آن تنحصروا بطريق واحدة له. أنتم لا تقررون عنه. فإن شاء الكتاب فعليكم بالكتاب. وان شاء الانشاد فخذوا بالانشاد وان شاء الكنيسة فاجتمعوا فيها. غير هذا التفكير استسلام للهوى، للأذواق العابرة. واعلموا ان الله لا يُدرك الا بجهد عظيم وان معرفته ليست سهلة. اذا كنت مؤمنا فاعلم ان الإيمان التبليغ وليس فقط التبلغ الذي وصل اليك: «ليكن كلامكم بنعمة مصلحا بملح لتعلموا كيف يجب ان تجاوبوا كل واحد» (كولوسي 4: 6).

هذا كلام مرسل الى كل المؤمنين وليس فقط الى الكهنة. فإن كانوا أرباب التعليم فليس محصورا فيهم. كل منكم حامل كلمة الله ويجب اذًا إطلاقها حتى لا تبقى سجينة الكتب.

صح ان الله محبة ولكنه ايضا معرفة والدليل انه عرّف عن نفسه بكلمات. اذا ساغ لي تعبير تصويري عن الله أقول على كل منا ان يتساءل: «اي مقدار معرفي عن الله عندي». هل هو المقدار الذي اراده للإنسانية ام هو يرتضي ان يلملم الجهلة والعالمين. هل هم جميعا يرونه بالكثافة نفسها. قد يحبه الأمي اكثر من العارف بكلماته. ولكن هذا ليس شأني. أنا شأني ان أقول لربي: «بنعمتك انا تبلغت وان زدتني علما أبلغ حتى لا تبقى كلمتك مرمية في صحراء»؟

«انت ليس همك الكتب المطبوعة. انت جئت لتسكن القلوب بالكلمات التي تفوهت بها بالأنبياء ورسل ابنك الوحيد. وتريد كلماتك ان تعود اليك محملة برجاء البشر الذين أخصبوا النعمة التي أنزلت عليهم لكي يحسوا انهم أخذوا يتسلقون سلم الوصول اليك وعرفوا ان لك الحمد فيهم. السبب الوحيد الذي جعلك ترزقهم اولادهم هو ان يعرفك هؤلاء الاولاد ويدشنوا الملكوت من هنا».

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

هل من عائلة؟ / السبت 30 حزيران 2012

بعد ان قلت كلمات مؤخرًا عن الأب والأم والطفل لاحظت في الرؤية اللاهوتية ان كتابنا لا يجمع هؤلاء الثلاثة في متحد يسمى العائلة. ليس عندنا تاليًا كلام إلهي عنها ولو ورد كلام مستفيض نسبيا عن كل فريق من هؤلاء الثلاثة يتعلّق بخاصة في العلاقة الرعائية أو السلوكية ضمن هذا الثالوث.

العائلة، قائمة متحدا واحدا، ليست في الرؤية الإلهية ذاتا ولكنها اجتماع والعلاقات فيها بين شخص وشخص ككل علاقة بين الناس فينفتح الواحد على الآخر بالمحبة والقربى تقررها وصية المحبة القائلة ببساطة «أحبوا بعضكم بعضا كما انا أحببتكم» اي تفانوا حتى الموت. النسب لا يزيد مواهبك شيئا ولكنك تعظم ان مارست فيه عطاء النفس فتنمو نفسك اذا انسكبت في النفوس الأخرى.

انت تعطي الآخر ما استلمته من ربّك أكان لك نسيبا ام لم يكن. ليس عند امرئ شعور مخزون. هناك للعاطفة استعداد مكنون بسبب هذا الجسد كشفناه في مقالاتنا الثلاث الأخيرة. ولكن العاطفة تعطيها انت ان كنت ابا او اما ولا تعود اليك بالضرورة من اولادك ولا تدور بين الإخوة والأخوات بالضرورة. احيانا تدور بينهم شراسة او عداء. اما الشعور الأخوي فتؤتاه انت من مدى المعاشرة وامتداده وقد يغذي الله العشرة بنعمته.

لذلك كانت العلاقات  في العيلة ثنائية وتصبح ثالوثية فقط اذا اختار الرب هدفا لها. لذلك لا يقنعني من قال ان العائلة خلية للكنيسة. انها تحيا على الصعيد الطبيعي واذا دخلت الكنيسة اليها تقدسها واذا بقيت العائلة تعيش على صعيد الطبيعة ولم تستلهم ربها لا تكون عنده شيئا.

ختاما لهذا الجزء من حديثي أقول ان العائلة ليست في الكنيسة ولكن الكنيسة في العائلة.

#   #   #

من هنا يتضح لك ان العائلة قادرة على الفساد ان ابتعدت عن ربها واذ ذاك، تصبح خطرا فتضطر انت ان تؤدبها بأدب الرب. انت مدعو ان تبشر اباك وامك والإخوة والأخوات فتنشأ عائلة روحية بين المؤمنين منكم هذه العائلات الجديدة غير القائمة على رباط الدم حبيبة الى الله. محبو الرب نسميهم رعية واما الذين نأوا عن الرب فيصيرون من عائلته اذا التقطته قلوبهم.

#   #   #

تبقى العائلة على كونها طبيعية، مجتمعية هيكليا، مكانا من أماكن المحبة. لك ان تجعل نسيبك قريبك بالمعنى الانجيلي اي حبيبا واذا لم تحب ذويك حسب قلب الرب تفسد العلاقة وتصبح ضحية العائلية اي فريسة العصبيّة التي هي من مشاعر هذا العالم الشرير لكونها عداء للمتحدات العائلية الأخرى. العصبيّة تشديد للعواطف المنكمشة حتى الاختناق. الطبيعة مجرّدة من الانعطاف الإلهي عليها تقتل فينا الكيان الطيب. ولكن اذا احببت الأقربين تتروض بهم على محبة الناس جميعا. ليس الدم يجعل أنسباءك أقربين. الله وحده يقيم بالنعمة لحمة بين من تقاربوا. النسب ييسر القربى ولكنها حاصلة فقط بالرضاء الإلهي.

يقول الرسول ان المحبة لا تتباهى. انها نازلة عليك. لذلك كان الافتخار بعضوية لك في عائلة تحسبها انت مجيدة كان لها في العظمة مكانة من أتفه المشاعر البشرية. انت، عند ذاك، صريع المجد وهو طبيعيا باطل لأنه يأتيك من العالم الباطل. القلب الخاشع، المتواضع  هو وحده المجد. وانت وحدك تأتي من النور او تأتي من الظلمة. لذلك كان التفاخر بالآخرين او بالأنا من صميم التفه.

كل افتخار بالعائلة تحقير للعوائل التي لم تحفظ لها مجدا من هذه الدنيا الزائلة. ان تنأى بنفسك عن كل مجد شرط لإقرارك بالمجد الإلهي. ان لم تولد من هذا تكون مقرًا بأن دنياك تعطيك جمالات وانك تاليا آت من تراب هذه الدنيا.

العائلية تنشئ القبلية التي هي اليوم تحالف عائلات هي بقبولها الحلف هذا تقبل نفسها من لحم ودم واللحم والدم لا يرثان ملكوت الله اذ لا تدخله اسرة بل يدخله أفراد. انت تأخذ هويتك من النعمة وليس لك خارجها من هوية. كل تكوينك الباطني معطى لك من فوق ويبقى لك التراب. ويعرف التراب انك مغادره في اليوم الأخير وانك عائد الى الوجه الذي احبك وكونك بحبه.

احفظ نفسك من صنميّة العائلة ومن صنميّة القبيلة لكي تصير من عائلة الآب. انت بتحررك من كل صلة بشرية آسرة تدخل عائلة الآب وتبقى فيها ما دامت طاعتك. وفي مفهومنا هي الكنيسة التي بلا حدود، المكونة ممن يعترف الله ببنوتهم له اذا تابوا اليه وتاب اليهم. الأبوة الإلهية لا تقوم على خط تجميع ولكن على انتقاء الرب لمختاريه. الله ليس رئيس قبيلة او حلف قبائل او حضور قومي. هذا كله من طبيعة الدم. الله سالت دماء ابنه ليبطل الدم وشرعية الدم. الرب يؤلف ذريته من روحه ويضع فيها كلمته ونفحاته. ويكتب مجده بروحه واذا انت أسهمت بكتابة هذا المجد تصبح ايقونة المسيح الذي عندما تخلى عن مجده بالموت سر الله الى الأبد.

واذا انت أمتّ مجدك الموروث يجعل الله لك مجدا آخر لك ان تكفر به ان عدت الى عالميتك ولك ان تثبّته بانتهاجك القداسة اي باعتزالك هيكليات هذا العالم وبناء هيكل الله في جسدك ونفسك لأن الله يبغي ان يضع مجده فيك.

كل هذا لن يحصل لك الا بعد ان تفهم انك على الدوام صنع الله بعطائه المجاني وتكون، اذ ذاك، معمدا بالروح والنار. الكائن الناري فقط يدخل عائلة الآب.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الطفل / السبت 23 حزيران 2012

حرّكتني الجملة الأخيرة من مقال أنسي الحاج الرائع في عدد السبت الماضي في جريدة الأخبار اذ يقول «سلام على الأطفال يوم ولدوا ويوم يموتون ويوم يبعثون أحياء في عالم لا يقتل الأطفال». لماذا يهتز كل كياننا عند قمع الأطفال؟ أظن ان الجواب العميق هو لكونهم لا يملكون أدنى مقاومة للبالغين وان هؤلاء في حال تعذيبهم الصغار او قتلهم انما يخلون من كل انسانية. اذا فعلوا هذا يكونون قد صاروا اسوأ من الوحش لأن الوحش لا يفترس وحشا من جنسه. هم في ذلك خارج المعقولية.

في الكنيسة عيد الأطفال الذين أبادهم هيرودس اذ كان سيقتل المسيح مع الجمهور. كل صغير آنذاك، حمل الطفولة التي كان عليها يسوع الناصري. كل صغير يحمل فجر الوجود. والفجر تمتمة النور لنفسه. جمال الفجر ان فيه طيب الانتظار.

دائما سألني الغربيون لماذا شعبكم يأكل الثمار على فجاجتها. نوع من الشراهة قد يعني اننا نحب الاشياء قبل نضجها. عند الأجانب بلوغ الفواكه نضجها هو أعلى مستوى فيها. هذا كسب وليس بالضرورة المعيار.

ألف الإنسان فكرة النمو اذ يولد وينمو وكأن الولادة بدء الوجود والموت آخره. هل حقيقة الانسان الجسدي اطوار ام هي حالات مختلفة تلعب فيها النفس دورا كبيرا. واذا كانت رؤيتنا صحيحة تكون الطفولة نعمة وجود لها كمالها بذاتها ولو كان فيها تهيؤ بحيث ساغ القول ان الطفل ليس رجلا (أو امرأة) صغيرا كتبت عليه قفزات تبلغ به الكمال. انه في الحقيقة كامل وليست الكهولة او الشيخوخة كماله. كل سن تحمل اكتمالها في ذاتها. لذلك كان للولد لغته وللراشد لغته. وللصغير منطق وللكبير منطق وعليك ان تقرأ اذا استطعت والنفس تدخل النفس وان كانت ذات مقاييس مختلفة. الحب وحده العمق. لذلك امكن الولد ان يكون قديسا في اواخر الطفولة وهي تنتهي في تصنيف العلماء عند الثانية عشرة.

#   #

#

ذاتية الطفولة لا تعني انها منقطعة عما ورثته. فالكثير فينا ميراث فتجد طفلا اسمر وأخاه اشقر لأن احدهما ورث عن والد من والديه والاخر عن جده او جد جدّه. هذه مسائل لا قاعدة لها اذ ليس في الطبيعة منطق صارم. نحن نتقبل الأسلاف ونبني على ما اتخذناه منهم. التربية امر ضخم وحركتها فينا سر ولا تعرف شيئا عن مستقبل الاولاد اي لا تعرف كيف سيتصرفون او دوافع النفس عندهم وبخاصة لا تعرف النعمة التي تنزل عليهم وكيف يتقبلونها او كيف يرفضونها. نحن في رعاية الله الذي يعرف وحده سر عمله في العقول والأمزجة. انت، طفلا، مسيرتك كلها في استجابتك لعطاء الله او تمنعك عن افتقاده. هناك من يقرأ محبته وهناك من لا يقرأ الى ان يكسر هو الحواجز ويقر في الروح كما يشاء ويكمل القداسة في من شاء.

#   #

#

الله معطى للجنين في مقدار. هذا امر خفي ومستور عنّا. وعند تشكّل الجنين في لحظة تشكّله يحمل اساس كل عمره وتلتصق به التغييرات فيما بعد. تبقى المواهب او لا تبقى فاعلة اذا مرت الأيام. هذا ايضا تحجبه الأسرار. ولكن الهيكلية العقلية والعاطفية تتكوّن في حشا الأم فيصح القول ان أفلاطون تصورت شخصيته منذ البدء كما آلت اليه من بعد والذين يسبرون غور النفوس في ايامها او اشهرها الأولى يعرفون كيف تتفتق المواهب وتنشئ البالغين.

حدسي – هو مجرد حدس – ان الشعراء لما كانوا أجنة انما اعدهم تكوين ما للشعر وان العلماء مدعوون عند خلقهم ان يصيروا كذلك. لذلك كان عليك ان ترافق طفلك وفق عطاياه ليعطي من حوله فيما بعد ما أعدّه الله له.

هناك أطفال ادهشوني جدا. جيء اليّ بطفلة عمرها ثماني سنين مع أبيها ودهشت دهشا كبيرا لما سمعتها تجيب عن أصعب أسئلتي في شتى حقول المعرفة. يزيّن لي ان اباها رباها على معارف دقيقة جدا ولكن هذا لا يفسّر كل العمق التي كانت عليه.

في مثل هذه القوة كان موزار لما اخذ في الخامسة من عمره ليقدم حفلة موسيقية (Concert) في باريس في حضرة الملك والبلاط. والموسيقى الكلاسيكية من اصعب الفنون. في ايماني اقول ان الله كان دخيل هذه الموهبة.

كل الأطفال في كل بلدان العالم تأتيك بنماذج كهذه. كلمة «ولد استثنائي» لا تكفي تفسيرا. طرحي ان الطفولة عالم كامل يتمتع بمواهب خاصة محجوبة على كثيرين منهم ولكنها مكشوفة لبعض.

هنا يحضرني ما جاء في انجيل لوقا عن حادثة فقدان يسوع في اورشليم لما بلغ الثانية عشرة من عمره. لما وجده يوسف ومريم في الهيكل شاهداه في وسط المعلّمين يسمعهم ويسألهم وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته».

هذا طبعا فيه لاهوت كثير. وهذا قادر عليه بعض الأطفال الذين بلغوا نهاية الطفولة او قبلها.

واذا انت علمت بهذا ينبغي ان تفهم مسؤوليتك الكبرى تجاه اولادك الصغار حتى تكون بلا عيب أمامهم اذ ويل لك ان اعثرتهم أو ضربتهم أو شتمتهم أو جعلت بيتك مليئا بالصراخ وبذاءة الكلام.

اعلم ان اولادك يصلون الى الله بك. هذا هو الذي يرثونه وهذا هو الذي يبقى فيهم. كيف تجمع بين اللطف والحزم والحب الزوجي النقي هذه معرفة ينبغي ان تجهد لاقتنائها. اعلم تاليا ان الطفل مقدس وجمال وجهه ليس هاما عند الله.

طلع الفجر. لك فيه طيب قبل سطوع النهار. افهم انك مؤتمن على طهارة اولادك واتساع ادراكهم ليكون لك في عطائك هذا بنيان روحي لك لتهيئ لنفسك شيخوخة يلقاها الله فيك عافية حلوة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 16 حزيران 2012

المرأة ليست متسمة بالأنوثة فقط. انها متجهة الى الأمومة ايضا. الكيانية الأنثوية لا تبدو لي واردة في سفر التكوين الا اذا رأيناها مندرجة في الوحدة الزوجية التي عبر عنها آدم عند ظهور حواء بقوله: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي» (2: 23). اما الأمومة فواضحة في قول الله للمرأة: «بالوجع تلدين اولادًا» (3: 16). هذا قيل بعد السقوط. توا بعد هذا يقول: «والى رجلك يكون اشتياقك». هل هذا متعلق بطبيعة الأنثى؟ الفكر العبري لا يتحدث في جوهر الأشياء ولكن في حركيتها. يبقى ان سفر التكوين يتحدث عن الرجل والمرأة معا اي عن الزوجية كما يتحدث عن المرأة مع اولادها. اذ ذاك نحن في صميم الأمومة.

لن اغوص على التحليل النفسي. الغوص الذي ادخله فرويد على العلم لقلة معرفتي به ولكني أبسط للقارئ تأملات في بساطتها. سمعت غير مرة غسان تويني يستعمل للدلالة على اي انسان عبارة «ابن امرأة» فأخذت اتأملها. لماذا هذا الوصل بين كل منا وامه بإقصاء الوصل بأبيه؟

في الكتاب كلمة عن الأم مذهلة ليس ما يوازيها في الكلام عن الرجل وهي قول الرب انها «ستخلص بولادة الأولاد ان ان ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل» (1تيموثاوس 2: 25). هذا ليس «تقديسا» للولادة. انه تقديس للتربية. هذا غير الحديث عن الزوجية التي فيها كلام كثير ومرتبط بالقداسة. انه حديث ليس عن وضع الزوجية ولكن عن الأمومة المتصلة بالربوبية هدفا للأولاد.

يجري حديث العامة دائما عن عاطفة الوالدة. هنا ينبغي التدقيق وقول ان هذه العاطفة مرتبطة مباشرة بأن الولد كان طوال تسعة اشهر محضون امه. هناك وظائف كالتنفس بالرئتين ليست عنده وهو في حشا امه اي انه، بصورة ما، جزء منها لكونه لصيقا بها ولا يأخذ استقلاله الا اذا خرج منها او ادرك فطامه. تبعيته لها في الظاهر الجسدي تتحقق بقطع حبل السرة وبالفطام.

هنا يدخل العنصر السيكولوجي. بعد انفصاله عنها ماذا يبقى منها فيه على صعيد النفس؟ ما العقد التي ورثها؟ ما قرباه وما بُعده؟ هذه اشياء تصدى لها علماء النفس من بعد فرويد ولكن العامة في خبرة اجيال تعرف الكثير منها.

غير ان الأم ليست معقدة. تعاني من اخلاقها هي التي تؤثر في تربيتها. من الأمومة لا ترث الا الانعطاف الناتج من الحضن الرحمي. وفي الحديث الشريف -انقل من الذاكرة- أطلق الله اسم رحمته على رحم المرأة.

#   #

#

مهما يكن من امر الاشتقاق يبدو من الوجهة السيكولوجية ان الوالدة لا تقبل قطع حبل السرة ولا الفطام فتحس ان وليدها تابع لها او هي مسؤولة عن الاشراف عليه طوال حياته. تعنى به مهما بلغ من العمر كما كانت تعنى به لما كان طفلا.

ما وددت قوله ان الأم مندفعة بهذا الشعور تأسيسا على تركيبها الجسدي او تأثرا به ومما يقوي الشعور حملها الطفل على ذراعيها او في حضنها. القضية فيها شيء من اللصوق. شعور الأب مرتبط ايضا بكونه حمل ولده على ذراعيه. هي قضية لصوق هنا ايضا يختلط بها استقواء الوالد بارتباطه بالذرية. شعور الأم فرادته انه مدعوم بأساس جسدي.

ربما قويت عاطفة الأم بكونها راعية (تطعم الولد، تهتم بكسائه، بنومه). هي ربة البيت. في العربية يسكن الولد الى امه اي يجد عندها السكينة والدفء. بكلام آخر يجد الولد عندها الحضور.

تحمل الحياة بمعناها الشامل ومن هذا التقوى. هي مميزة بنقلها الإيمان الى اولادها وأحفادها وهذا لوحظ في القرن العشرين في الأنظمة الملحدة التي أغلقت الكنائس. كان الايمان ينقل من الجدات الى الأحفاد لأن الجدة كانت لا تخشى دوائر الاستخبارات. ولعل الجدين معا يقدمان عطفا للأحفاد لشعورهما باستمرار الحياة فيهم.

تقديس الانسان لأمه قوي في هذه البلاد بحيث لا يحتمل احد ان تشتم امه لإيمانه بطهارتها، هذه الهالة بادية بسبب ما أخذ الولد من والدته من عطف شديد يتسم بطابع القداسة.

على ذلك كله ما أردت ان أقول ان هذا الذي يبدو فضيلة في الأم ليس ناتجا حصرا من تركيبتها الجسدية فالأمهات لسن متساويات في العطاء الروحي يوزعنه مما نزل عليهن من فوق. فهناك نساء مهملات، غائبات، قليلات الحكمة، غير مؤهلات للتمييز بين اولادهن ما يؤثر على نمو الاولاد تأثيرا كبيرا. غير ان الولد الحكيم يرعى امه وما كان عندها رعاية قادرة. في الحقيقة ان العائلة دائرة كل منا فيها يستلم ويعطي في كل الجهات.

طوبى للتي تستطيع ان تصبح على صورة مريم عظيمة العطاء. هذا لا يعني انه ليس للأم الا وظيفة الأم. انها كائن بشري كامل »يعمل ويعلّم«، قادر على الإبداع في كل مجال من مجالات المعرفة والتضحية. وبهذا تعظم امومتها. هي انسان كامل الانسانية مبذول في كل محبة أفي البيت كانت ام خارج البيت. مثل الرجل تعطي الخيرات لمن كان فقيرا اليها. هذه الانسانية الكاملة متوفرة عند التي لم ترزق ولدا او عند التي تبتلت لله. هناك قوة عطاء عندنا جميعا. الوالدة ايقونة من ايقونات العطاء.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأب / السبت 2 حزيران 2012

الوالد تدل على لحظة الحبل عند المرأة والأبوة استمرار وبهاؤها في انها على صورة الأبوّة الإلهيّة. اجل لا يخفى عني ان الخبرة في هذا الموضوع أصل الكلام ولكني سأحاوله بسبب من حاجتنا اليه.

ما أودّ قوله بدءًا على الصعيد السيكولوجي ان الزوجية شيء والأبوة شيء آخر فقد يكون ربّ البيت ضعيفا مع امرأته ويقول العامة، عند ذاك، انه ليس برجل لأن هذه الكلمة مرادفة للسلطان المعترف به للرجل وكثيرا ما كان هذا الزوج متسلطا وهو ضعف آخر.

الولد في حاجة الى سلطان والسلطان عنده يمثله والده. ولعلّ هذا ميزة الرجولة علما بأن الوالدة قد تكون شرسة حتى العنف. كيف يكون الانسان ذا سلطة بلا تسلط اي كيف يكون حازما للتربية ورقيقا بآن؟ هذه موهبة هذا الجنس البشري الذي يسمى الرجال ولكن الموهبة في حاجة الى تنمية.

تقويم السلطة الأبوية بالوداعة يعاش مع الأم بمواهبها الطبيعية ما لا يعني ان عاطفتها اقوى من عاطفة الزوج. انها لون آخر من الشعور يقوم بخاصة على رعاية الطفل ثم الحدث باستمرار وانتباه اي خدمة. هذا يختلف عن قيادة الأب. واذا جاء الأب كثير الحنان وقويا بآن لا يعوّض عن المرأة التي جعلتها الطبيعة دفوقة العطاء. الأب والأم معا في توافق المواهب وتمايزها هما مصدر التربية العظيمة والعافية النفسية عند الولد.

صورة الأب في ذهن ولده حاسمة في مشاعر الولد. هي تنشأ من المعاملة وردة الفعل عليها. فإن كانت المعاملة سليمة، محبة، دائمة السلامة، هادئة يشدّ الأب ابنه اليه ويصبح كائنا حاضنا في أعمق معاني الكلمة فيرى الطفل او الشاب ان الله أب وانه هو من عائلة الآب. هذا ما تعلّمته من اطروحة الدكتوراة التي قدّمها كوستي بندلي الى جامعة ليون. لقد أثبت ان ثمّة علاقة حميميّة بين الأبوة العظيمة والايمان.

الأمومة تحضن والأبوّة تحضن. لم يبقَ من شكّ عند العلماء ان ثمّة سيكولوجية ذكورية وسيكولوجية انثوية وهما في وضع مشاركة في الحياة الزوجية. لذلك كان اليتم صعبا على الصغار غير ان الله يتمم في كل جنس ما كان في حاجة اليه بحيث يغدق احيانا كثيرة نعمته على التي توحّدت بوفاة قرينها.

#   #   #

ماذا نعني بقولنا ان السلطان يكمن اولا اوكليا في الأب؟ قبل الاشراف على تربية الأولاد التي هي مسؤولية يبدو لي ان ماهيّة الأبوّة قائمة في رغبة الرجل في الاستمرار. في تأكيد  ذاته. يولد ذكر يتماهى معه لأن الذكر حامل الاسم والاسم هو الشخصية في عقل الساميين وانتشر هذا الموقف في كل مكان. لما أراد موسى ان يعرف اسم الله كان يلتمس معرفة طبيعته. والله كشف لبني اسرائيل لا اسمه ولكن عمله اي استمراره فيما بينهم بقوله: «سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا» اي عندما تعرفون اني راعيكم ومبدئ حياتكم من كل جوانبها. قال: سأكون ما سأكون اي تعرفون هويتي بالنسبة الى عملي في وسطكم. واذا رأيتم حركتي فيكم تعلنون أنفسكم شعبي. انتم اذًا ذرية الله. «به نحيا ونتحرك ونوجد كما قال بعض شعرائكم ايضا لأننا ايضا ذريته. فاذ نحن ذرية الله…» (أعمال الرسل 28: 17 و29). هذا هو معنى العبارة المسيحية التي تقول اننا ابناء الله.

من هذا المنظار ساغ القول ان بين الرجل واولاده وحدة. من هنا كان اهتمام جميع الشعوب باسم العائلة وصحة النسب. ما عدا بعض الشعوب في حضارة اليوم الإنسان منسوب الى أبيه وهذا ما يفسّر امتياز الذكر في الإرث عند الكثير من الأمم. هذه صورة من صور الخلود على هذه الأرض.

هذا ما يفسّر ايضا انكباب الوالد على الانتاج. الذين سيرثون اسمه ينبغي ان يتمتعوا بالحياة التي يتمتع هو بها. العاطفة الأبوية تجعل الوالد يساوي شعوريا بين كل اولاده او يفضل احيانا الإناث ولكن الإناث محفوظات معاشيا في الزواج واولادهنّ من رجل آخر ومن هويته في حين ان الأحفاد الذكور يلبثون في العائلة. ذرية الرجل التي يؤلفها الصبيان هي هو.

#   #   #

الأبوّة تمرّ بامتحان صعب احيانا. السلطوية تغريها واذ ذاك، يصبح الاولاد أدوات بيد الوالد. يستبدّ هذا بذريته فتقتله انانيته. انسان لا يخرج من نفسه كان لا ينبغي ان يتزوج ويبقى في الواقع الشعوري منبوذ ذريته وتنفك العائلة عاطفيا.

لذلك كان على الوالد ان يعتبر نفسه خادما لأولاده، ساهرا عليهم لكي ينموا في ما عندهم من مواهب. عليه ان يفهم انه كان وسيلة حياة لآخرين وانه ليس رب واحد ولكن الله وحده هو الرب وشخصيّة الأولاد تبنى على الحرية وعلى الفضيلة والعائلة ليست ذاتا انما هي مشاركة احرار والمشاركة هي التواضع من حيث انك به ترفع الآخرين الى أعلى درجات الرقي اذا أحبّ الانسان ان يترقى.

الأبوة تعززها زوجية صالحة فلا يستأثر احد من الرجل والمرأة بكل شيء ولا يعطل فاعلية الآخر او دوره في التربية او استقلال شخصيته. بالتعاون الوثيق الصادق تسير الأبوة في منحاها والأمومة في منحاها. اي الغاء فريق للآخر يعطل أثر الوالد او الوالدة. الزوجية المعطاء عند الرجل تساعده على ان يبقى ابا صالحًا ودودًا. وبخاصة في تربية رائدة يقوي حبه الزوجي.

الأبوّة تفويض إلهي من اجل حراسة العيلة. والتفويض يفرض عناية الرجل بفضائله وحسناته فلا يبدد الموهبة التي نزلت عليه. لذلك لا يخرج عن الإخلاص الزوجي ولا يبدّد أمواله في طريق الرذائل ويسلك على الدوام طريق العفة وملازمة اولاده خارج ساعات عمله وبهذا يقدس بيته ويتقدس اذا فهم ان عليه ان يتشبّه بأبوّة الله لنا.

Continue reading