Category

2012

2012, جريدة النهار, مقالات

حتى يوجع العطاء (الأم تريزا) / السبت 6 تشرين الأول 2012

أن يأخذ الطفل الجديد ما يُعطى من طعام، ان يبتلع كل ما يستطيع فمه ابتلاعه، أن يلتهم كل شيء، هذا هو المنهج العادي في حياتنا اليومية. الأنا هي ما نريدها مركزا للوجود. ما آكله يصير جسدي. ما أتعلمه يصبح عقلي أنا.

لست أريد بهذا ان الإنسان اناني كله او انه مركز ذاته وليس فيه حركة الى الآخرين او لا يرى نفسه منوجدا في الآخرين وبهم. الإنسان ايضا عطاء وهذا يعني ان فيه قوّة الإنعطاف.

ولست هنا بصدد التحديد لمصدر العطاء عنده. نحن نقول ان هذا يأتي من الرب الساكن فيه او ان هذا نعمة مجانية من فوق وان ليس للإنسان فضل في حسناته ليس بمعنى انه لا يجاهد ليكسب المحبة ولكن بمعنى انها، اساسا وانطلاقا، نازلة عليه »فبالنعمة انتم مخلصون«. الخير الله مصدره اولا لأنه هو المبادر وهو المحب ونحن ما استطعنا ان نحب الا بعد ان عرفنا انه هو الذي يحبنا وفهمنا اننا قادرون على أن ننشئ الآخرين بالمحبة لإحساسنا باننا محبوبون.

نحن لا نخلق الخير فينا. نؤتاه. اجل، نكافح انانيتنا لاستلامه. نستجيب للإلهام الإلهي فينا. استودع الإنسان حب الآخر. ومن الناس من استجاب بقوة وبنيت نفسه بهذه الإستجابة. فمنا من يستجيب بنفس يسوقها الله اليه بسرعة ومنا من يتعب كثيرا ليطوع نفسه لربّه. هذا تلاقٍ بيننا وبين الإله الحبيب وهو يعرف سر ذاته فترى نفسك منسابا اليه او ترى نفسك مجرورا اليه بدفع منه كأنك غير مشتاق اليه.

هناك من يعشق الخطيئة عشقا صارما كأنّه يبيت فيها ويتآلفان كأنها خلقت معه وتحن اليه كما يحن اليها وهناك من لا يود هذه الإلفة ولا يسعى اليها ولا يريحه الا صدمها لأن قلبه غدا مقر الرب او عرشه. يحس بعض الناس انهم خلقوا على الفضيلة وكأنهم لا يجاهدون لكسبها وتشعر انت ان سواهم جبلوا بالرذائل جبلة رهيبة وان ربك فقط قادر ان يزرع فيهم حضورا له يأنسون اليه قليلا او لا يأنسون ولكنهم تذكروا كلامه الذي يرن احيانا في مسامع قلوبهم ويوقظهم ايقاظا شديدا فتنسلخ هذه القلوب عن الإغراء لأن النعمة أمست أقدر فيهم من معاصيهم.

#   #

#

واذا لامستك النعمة او استقرّت فيك فأغرتك وصرت لها عاشقا فلا يجذبك شيء آخر ويشدّك الرب الى لذائذه فتألف الألوهة فيك اذ تصبح منك او تصبح منها واذا بك انسانًا نزل من فوق.

«في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي… وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي. فما جاوزتهم الا قليلا حتى وجدت فأمسكته ولم أرخه» (نشيد الانشاد 1: 3-4).

ما في البال من الايمان يقود الى المحبة اي الى طاعة الرب. ولكنك انت تتقبل الايمان بالنعمة التي تنزل عليك فتدفعك الى ان تحب الله. انا لست أنكر أن محبتك له تترجم نفسها بحفظك وصاياه ولكن ان تعرف نفسك حبيبه هو الدافع الكبير الى طاعته.

ان تعرف نفسك حبيا هو ان تعرف انك استلمت كل قوة الله على بذل نفسه. «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل نفسه» (يوحنا 3: 16). الله معطى وليس فقط معطيا. هو على يديك او تسلل الى قلبك. ماذا يعني يسوع بقوله: «ان أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه ابي واليه نأتي ونجعل فيه منزلا» (يوحنا 14: 25). اذا آمنّا بكلام يسوع هذا نفهم ان الله ليس فقط فوقنا او علينا ولكنه فينا. في هذا تكمن قدرة المسيحيين على تجاوز انفسهم الى الألوهة وان يكونوا في دوام الصعود. هذا صعب وقليل ولكن فيه وعدا ونحن امام هذا النداء حتى نصير منه.

#   #

#

بنعمة هذه الحقيقة نصبح قادرين على العطاء في هذه الدنيا اي ان نصير في الآخرين بالحب او ان نصير الآخرين. فاذا لم تذهب الى الآخر لتتساكنا او لتكون اياه لا تكون قد استقللت عن ذاتك. «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (متى 16: 24). تنسلخ اذًا عن الأنا المنطوية والطاوية لتدخل اليك ذات المسيح. في أدنى الايمان تصبح معه بمعنى انك لا تريد ان تعرف ما هو لك وما هو له او توقن انك لست بشيء وانك تصير اليه فمنه ولا ترى هوة بينكما الا لإيمانك بأن كلّ ما فيك من بهاء يأتي من رحمته. فاذا آمنت بأنك أخذت منه كلّ نعمة تصير قادرا على العطاء اي معبرا للنعمة. ما هو من بشريّتك البحتة ليس فيه شيء ليعطى. انت معطٍ ما أخذت والآخر يستلم ما انسكب عليك من فوق.

ان بشريّتك بحدّ نفسها تفهة. انت يؤلّهك ايمانك اي يصبّ فيك كل قدرة الله. انت توزّع هذه القدرة وتعرف ان ما يطلبه ربك منك ان تنسى بشريتك المخلوقة او تتجاوزها لتعطي ما نزل عليك من الخالق اذ يبغي الله منك ان توزعه على أقرانك فانه ملكه وانت تعرف ان الناس يتلقونه بانعطافك عليهم ومشاركتهم هذا الكنز الذي انت مؤتمن عليه.

قد يوجعك ان يطلب الله اليك كل لحظة ان تعطي ذاتك فقد يوسوس لك الشيطان انك لست مسؤولا عن الناس بهذا القدر الذي عرفته من كتبنا المقدسة. رغبة الانطواء تقرع على باب القلب احيانا. انها من الكبرياء. ولكن اذكر ان كل جمال فيك يأتيك من العلي وانك لا تملكه الا بوصفك أمينا له. انت في دوام الانسكاب حتى تنوجد بالرؤية التي يراك الله فيها. واذا شاهدت الناس يلتمعون بالنعمة تحس ان ربك وحده أعطى وهو وحده يختار ان يوزع حتى يصبح الآخرون امة الله في الكون اي الذين يحملون حضرته.

هذه هي السماء قبل ان يصعدنا الله من القبور.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

ما الدينونة؟ / السبت 20 تشرين الأول 2012

لما كنت أتتلمذ في فتوتي على رهبان فرنسيين كان يقال لنا ان ثمّة دينونة خاصة عند الموت ودينونة عامة في اليوم الأخير. في هذا الزمن المبكر كنت أواصل التعليم الأرثوذكسي وما عثرت على هذه الثنائية فيه وكنت أقول لنفسي حسبي الدينونة العامة ورهبتها.

بعد هذا فهمت ان الكنيسة الشرقية تقول انك بعد الموت تدرك وضعك امام الله وانك في انتظار المكافأة ان لم تكن مثقلا بالمعاصي وان هذا بدء فرح وان لم يكن الغبطة الكاملة. والى هذا انت في انتظار القصاص الأخير ان كنت تحمل خطايا كثيرة فهذا بعض من عقاب.

ثم في شيخوختي اقتربت من فكرة الدينونة الخاصة وما تبنيت العبارة نفسها لأن كنيستي لا تستعملها. اقتنعت منذ وقت يسير ان ساعة الموت ساعة مواجهة مع الخالق والمواجهة رهيبة لأنك تبدو امامه في ثقل خطاياك وتاليا في تنافر وطبيعة الرب. وتحس ان هذا اللقاء هو ضمن مصيرك الأبدي ولو أعلن الله رحمته في المبدأ او في بدء التقائك به ومنتهاه.

لا يزين لي ان ثمة مقاضاة لك تحدد مصيرك الأبدي. وان يكون الله قاضيا فهذه صورة عن الحقوق ولو تكلمت عنها كتبنا المقدسة وهذه الكتب تحكي حكاية الانسان مع الله من حيث المبدأ ولكن الحكاية الكبرى هي في اللقاء فور فراقك هذه الأرض. الصورة التي استعملها هي ان المسيح يأتي الى جانبك في التابوت ويكلمك همسا وهو همسة توبيخ. ربما كان يسوع في هذا الاجتماع رقيقا ولكنه في طاعة أبيه لا تهون عنده المعصية لأنها تجرح رأفات ابيه بك. انت لم تقم بشيء لتضمد جراح الآب. انت تبقى عدوا بالخطيئة ويبقى الآب يضمك الى صدره او يجعلك الابن على صدره ويرى الآب ذلك ويتحنن دون ان يترك لومه اياك لأنه لو ترك اللوم يصبح متحيزا لك وليس متحيزا لشريعته.

#   #   #

وبشريعته وحدها تتقدم لأنك لا تستطيع ان تداعب الخطيئة وتبقى منه قريبا. قربك ببهائك الروحي لأن الرب ليس عنده زمرة يدنيها منه وزمرة يباعدها عنه. انت ان كنت له تصبح منه فيرى نفسه فيك لأنك ان صرت نقيا تصير مرآته والرب بطبيعته يحب نفسه فيك ويسألك دائما اذا قبلته وهو يعرف انك عنده او انك ظللت بعيدا عنه ساعيا الى نفسك لتستعلي بها وتقيم في كبريائها وتجعل كبرياءك منزلك كما تجعل الله في منزل بعيد.

كل قصتك مع الله ان تجعله اليك او الا تجعله اليك. واذا أقصيته – وهذا ما نفعله في الخطيئة – تلغي نفسك من الوجود الحق لتخلق لنفسك وجودا يغشك ويقيمك في اوهام الوجود. الخطيئة هي التي جعلتك تظن انك موجود بقوتك لا بقوة ربك اي انها تجعلك بعيدا عنه وساميا الى سراب يخدعك.

كل القصة ان تعرف انك انت نزيل الكيان الإلهي الذي فيك او نزيل الهيامات التي تصطنعها لنفسك في خوفك من الله. هل انت انسان الخوف ام انسان الثقة. هل انت مجتر لنفسك والخديعة المعششة فيك ام انت ملقى في حضن الآب ناسيا لذائذك وترفك لتشعر بأنك أمسيت ابنا اي ساكنا في هذه الأرض ملكوت الله النازل عليك بحنان الآب.

حنانه ان آمنت به يحول عينيك الى عينيه فتدرك انك موجود بنظرته اليك. وهذه النظرة ان التقطها تجعلك تفحص قلبك حسب العبارة الأرثوذكسية او تفحص ضميرك وفق العبارة الغربية. طوبى لك اذا رأيت الله في قلبك ورأيته يحرك نبضات الروح فيك وتبقى في نفسك بعد انطفاء الجسد.

#   #   #

ان أصرّ بعض ان يتحدّث عن دينونة خاصة أقول ان كل لحظة من حياتنا دينونة خاصة ان كنا يقظين بمعنى ان وعينا الروحي يجعلنا واقفين دائما في حضرة الله فنرى ان خطيئتنا تضربنا وان ابتعادنا عنه هو الموت. كل خطيئة موت ودون ان اتقرب من نيتشه الا تعبيرا اقول ان موت الخطيئة هو موت الله. ما أقبح وجود الذي يقتل الله في نفسه وهو غير عالم انه بذا يبيد نفسه من الوجود الحق ويجعل جهنم النار مقيمة في نفسه قبل ان تأخذها الشياطين ان لم يتب.

والتوبة تعني للخاطئ اكتشافه ان مسالكه كانت خاطئة وان كل رأيه في الله كان مغلوطًا لأنه كان يوهم نفسه ان المعصية ليست بمعصية وانها ضرورية للحياة وربما ما كان يسعى ان يحافظ في نفسه على الله او استعمل في ما كان أبعد من هذا ان يحسب نفسه قادرًا ان يستبقي له كيانا خارجا عن الكيان الإلهي.

قصتنا بمعايشة النفس للخطيئة رهيبة جدا لأنها قائمة على مغالطة كبرى انك قادر ان تعيش بلا إله وأقله انك قادر ان ترجئ لقاءك به وتاليا تعني ان ليس لك فكرة عن رهبة الموت وما يستتبعه هذا فيك.

الخاطئ ليس فقط منحرفًا سلوكيا. انه منحرف فكريا بمعنى انه ذو فكر مغلوط. التوبة ان تخلع عنك هذا الفكر ليكون لك الفكر الذي كان في المسيح يسوع كما قال بولس او ما يشبه هذا التعبير ان كنت على غير ديانة بولس.

ربِّ نجّنا من الخطيئة وقرّبنا من وجهك لنحيا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الشتم / السبت 13 تشرين الأول 2012

القتل جسدي او معنوي. الشتم صورة من صور القتل. نبيد الآخر بإبادة جسده او محقه او سحقه او نلغي كيانه الداخلي بالكلمة. واذا ظننا ذلك نكون فقط قد محونا أنفسنا. في مرحلة من البغض المبتغى إزالة الآخر فإن لم نتمكن من ذلك او لم نرد إزالته كليا نشطبه عن الذهن او من القلب ونقول هذا باللسان او بالقلم.

هناك اوضاع لنا داخلية لا تبيح وجودنا مع وجود آخر. الثنائية تكون في القلب او لا تكون وان تعترف بالآخر بكل مكوّنات عقله وسلوكه وتباينها وعقلك وسلوكك لأمر يحتاج الى جهد قد يكون عظيما. قبول الفروق بينك وبين الناس يعني انك تعايشهم على رغم الفروق والإقرار انك لست وحدك مالك الحقيقة.

انت لا تعايش الآخر كما هو قائم. انت تعايش صورة له فيك واذا اهتزت الصورة تزول المعايشة. الحياة رقصة صور وهذا مصدر قلق الى ان تطلع عن هذا او ذاك من الناس برؤية ترتاح اليها والرؤية عرضة للتغيرات لأنك تغير الرقصة او تحسب انه هو غيّر رقصته.

ايقاعك الداخلي ليس دائما هو اياه. لبعض من الناس ولا سيما ان كانوا مزاجيين ايقاعات مختلفة. وان كنت على ايقاع داخلي واحد في الصبح والمساء تعطي جوابا واحدا ان سئلت وتبدو ثابتا وهذا قد يزعج ولكنه شرط التعايش السليم. وكثيرا ما تتغير اجوبتك عن اسئلة الناس لأن قناعاتك ليست ثابتة ولأنك تراهم يتغيرون ولعلهم في الحقيقة لم يتغيروا ولكنك انت ترى فيهم الصورة التي تريد ان ترى او قادك مزاجك ان ترى.

وصعوبة التلاقي الحقيقي ان ثمة امزجة راقصة وامزجة غير راقصة وان هناك من يتوخى الحقيقة وهناك من يطلب نفسه ومنافعه ولذائذه. الحقيقة والانا المنطوية والطاوية لا تلتقيان اي ان في الدنيا قاتلا وقتيلا او مشروع قتيل. هناك من انوجد بايمانه او قناعاته وهناك من انوجد بتقلب احواله.

#   #

#

لماذا يتقلب هذا ولا يتقلب ذاك؟ الجواب البسيط ان ثمة من يؤمن بثبات الحقيقة ومن لا يؤمن بثبات الحقيقة لكونه بنفسه كما استلم نفسه من الوجود ولا يعرف ان لها مرجعا وهو الاله الثابت بذاته. قد لا ينكشف له الله بوجهه ولكنه يربط كيانه الداخلي بحقائق قائمة بذاتها ولا تؤثر فيها منفعة من الدنيا او من الوجاهة او من الطائفة او من الحزب. اي هناك من أقام في الحقيقة ويسلم لها وحدها وهناك من أقام في انفعالاته او منافعه وكبرياء يظنها إسلاما للحق.

انسان كهذا موقن ان ما فيه من حق هو اياه الذي يجعل كل انسان قائما في الحق. لذلك يكافح بإصرار لمدّ كل الناس به لحرصه على استقامتهم ولبسهم درع الخلاص وخوذة البرّ. هذا يحمل الإلهام الإلهي ولبقاء هذا الإلهام فيه يجاهد ولسبب من إصراره على الحق يقابله ضعفاء الايمان بالشتم وقصدهم العميق ان يقتلوه او يصفعوه والشتم الغاء مع صورة المحافظة على جسد الآخر. اما محبو الحقيقة فينتظرون اهتداء الناس جميعا وان يصلوا الى الحقيقة ولا ينضبون ولو تألّموا.

الذي لا صبر له على الحقيقة وان تنتشر يستخدم لسانه ليزيل الآخر. «هكذا جعل في اعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويضرم دائرة الكون ويُضرم من جهنم» (يعقوب 3: 6). ويتابع الرسول كلامه عن اللسان: «به (اي باللسان) نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذي قد تكونوا على شبه الله».

يتابع يعقوب قوله ان التصرف الحسن في وداعة الحكمة وهي تطلب الآخر حبيب الله وانت عليك ان تحفظه في هذه المحبوبية لا ان تميت نفسك وتميته بالشتم اذ لا يبقى فيك وجه الآخر ان انت قتلته بالكلام البذيء الذي لا يخرج الا بالغضب.

اذا أعطاك ربك الصبر فأنت في حالة انتظار. كل الرجاء انتظار لأن ربك سوف يأتي لأن الله حركة اليك والى الآخر برجائك.

هذا موقف قد يجعلك في عزلة. الهدوء دائما عزلة عن البشر. انه اجتماع الى الله ولكنك ان احببته تؤثر عشرته على عشرة الغاضبين وحسبك هو وإقامته فيك حتى تقيم الهدأة في قلوب من هم حولك.

لا مهرب لك من تحزبات الناس الا ايمانك بأن ربك يكفيك وبأنك رسوله الى من طلبه ومن لم يطلبه. انت لست وحدك ان استعصمت به. انه هو معطيك قوته لاستمرارك في فضله عليك. لازم نعمته عليك. لست في حاجة الى رضاء الناس. الايمان هو ان تسترضي الله فقط قبل الناس بذلك ام لم يقبلوا.

ولكن حذارِ ان تدنس لسانك . ان عففت به عن الشتم سبيلك الى حسنات كثيرة فيك. عفة اللسان الكاملة نتيجة لرفع الغضب الداخلي عنك وان تجعل ربك ينطق بك.

لا تتكلم الا بعد صبر ومن اجل البنيان. انت لست مدافعا عن نفسك. انت مفوض الحقيقة في الكلمة وفي السلوك. اخضع لمن هداك وبلغ مشيئته. ان كنت على هذه الطاعة يعصم لسانك من الزلل ويعصمه من غضب الشتم ليبقى موطن مباركات ما دمت حيا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الحملة على الاسلام / السبت 29 أيلول 2012

لماذا هذه الحملة المسعورة على الاسلام من قبل الغرب؟ اذا أردنا ان نعقل الأمور بلا تأويل نقول ان ثمّة شهوة لضرب الاسلام بسخرية وثأر واضح. لماذا التحرّش بالمسلمين اليوم وكأن هناك اوركسترا تنسق بين ناس من مختلف الآفاق كلمات عدائية.

ابتدأت القصة مع الصور الدانماركية حتى وصلت الى هذا الفيلم المسيء الذي شاهدت مقطعا منه أقل ما يقال فيه انه بذيء لطعنه بوضوح بالرسول العربي.

أذهلتني ايضا الطعون في الصحافة الفرنسية ولست أفهم هذا الإكثار من محاربة الإسلام ولا سيما ان الدنيا تبحث عن السلام وان الجو السجالي بين الأديان لم يبقَ له أثر منذ فترة من الزمن طويلة. هل هناك قوى سياسية معيّنة لمكافحة الإسلام؟ ما هو واضح عند المتابعين للشأن الديني في العالم ان الكنائس أخذت بالانفتاح على الديانات الأخرى ولها في هذا الأمر وثائق.

أنت ترى الآن كليات اللاهوت المسيحي في هذا البلد وغيره تعلم الإسلام بطريقة علميّة كاملة كما يعلّمه المسلمون ولا تناقش ولا تساجل. ويعلّم الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة اللبنانية مسلمون او مسيحيون. خلال سنوات قمت في الجامعة بهذه المسؤولية ولم يعترض على ذلك احد بقوله انّى لرجل دين مسيحي ان يعلّم مادة الاسلاميّات باعتبارها قسمًا من الحضارة العربية.

ماذا في عقليّة منتجي الأفلام السينمائية او مقالات الصحف ليهاجموا الإسلام؟ كيف بدت هذه الظاهرة؟ جلّ ما أقوله ان المذاهب المسيحية وانا أتابع نشاطها الفكري والعملي ليست مجندة إطلاقا ضد العقيدة الإسلامية. استنتج من هذا ان الرئاسات الروحية المسيحية ليست هي التي أوحت هذا التحرّك الجنوني الذي رأينا بعض مظاهره في الصحافة او السينما. والقيادات الروحية او الفكرية في الإسلام العربي تعرف ذلك.

#  #

#

نحن شاكرون لله ان علماء المسلمين العرب واجهوا هذه الحملات على دينهم بهدوء. بعض من هذا يعود الى ثقتهم بالمسيحيين العرب الذين يبغون العيش مع المسلمين في سلام وفهم.

لست أريد ان أعود الى هذا الفيلم المؤذي الذي طعن بالرسول وانا الذي قرأت سيرة النبي العربي جيدا تيقّنت ان ما عُرض ليس واردا في حياة محمد وان ما ظهرفي هذه الآونة الأخيرة ان هو الّا افتراء لست أعرف مصادره. العمل لا أثر فيه للعلم وتاليا لا يبقى لي ان أقول انه نشاط سياسي استخباراتي كامل.

شأن المسلمين بعد ان أظهروا غضبهم المحق ان يتصرفوا بحكمة ولا يعوز قادتهم هذا. وعلى المسيحيين في دنيانا العربية وفي الغرب ان يناصروا المسلمين لكون المؤمنين بالمسيح يبغون الحق والسلام الديني في بلادنا وفي العالم.

البدء هو في العيش الواحد بما فيه الاحترام الكامل لعقيدة الآخر ضمن الاختلاف العقلي المشروع. أمنيتي ان يفهم كل أهل الغرب الذين يؤلّفون المجتمع المدني ان الحروب الصليبيّة قد ولّت ولو كانت الحرب الحاضرة لا علاقة لها بالصليب.

نحن المسيحيين العرب قررنا منذ الفتح ان نعيش مع المسلمين في سلام ووحدة مجتمعية مع حرية للجميع كاملة. نحن طلاب حرية لجميع المواطنين وأعني بها الحرية المسؤولة عن الآخر والمحبة له.

هي كل أنواع الحرية وتعابيرها ومظاهرها الى ان يسود الدنيا حكم الله وعدله ورعايته. أن تطمئن الى الآخر يعني فيما يعني ان تقبله ممارِسًا لدينه والصورة المجتمعية لدينه وحقّه في الدعوة والصلاة وتربية عائلته وحقّه في كلامه رافضًا في هذا كل ما خالف التهذيب والأخوّة.

منطقتنا تعرف هذا الجو الودّي اذ نعيش الصداقات بين العائلات والأفراد وأصحاب المهن ونتقارب في المودّات ولا نفرّق بين الناس ولكنّا نفرّق بين الفاضل والسيّء من الناس.

#  #

#

المجتمع الطاهر الصادق يتخطى كل التطلّعات الذهنية البحتة. انه معطى إلهيًا يضاف عليه جهد بشريّ موصول اذ لا يأتي السلام عفوا ولكن يجب صقله واذا صقلته تنسكب عليك نعمة الله.

لست أقول ان قدرنا ان نعيش معا ولكن خيارنا ان نعيش معا. المسيحية والاسلام حاضران معا في أمة الله والله راعي أهلهما بانعطافه الدائم حتى الساعة الأخيرة من أزمنة الناس. هذا كله يقتضي صبرا طويلا وإرادة مساكنة طيبة مع الحنان الإلهي.

لا تخلو الدنيا من العصبيات الطارئة يبررها هذا وذاك ولكنا نعرف ان هذه ناتجة من وسوسات الشيطان وان مشيئة الرب ان نتحابّ فنتقابل والفاهمون لهم ان يتناقشوا في ما هو عقلي وفي ما يتجاوز العقل ولكنك لا تستطيع ان تكلّم الآخر الا اذا استطبت كيانه اي قلبه وعمله.

لا نستطيع ان نغضّ النظر عن وجود الآخر او ننسى انه هنا وثمّة ونعترف انه قائم معنا في المدى وفي القلب ولعلّ كل مدانا هو القلب. وفي قراءتي هو عرش الله واذا كان الله إلهي وإله المسلم ففي صورة يعرفها ربك نحن واحد.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

رؤية للوحدة المسيحية / السبت 22 أيلول 2012

تحقيق الوحدة المسيحية هاجس الكنائس كلها وتقارب التفاهم فيها في السنوات الأخيرة وليس ذلك فقط بسبب من ألم الانشقاق ولكن بفضل النزاهة والصدق وتعميق الدراسة. طبعا لا يسع انسانا ان يجزم بقرب هذا الحلم لأن تلاقينا في الحق هدية من السماء ولكنا مشينا خطى كتبت علينا من فوق. نزلت علينا انوار لاهوتيين كبار وهم أصحاب تجليات تدعمها تقوى المؤمنين المطلعين منهم والبسطاء بحيث نقدر ان نقول اننا نحيا الآن جو محبة تغلبت على العصبيات القديمة او كادت.

المهم في هذا الجهاد ما اقتنعت به الكنيسة الكاثوليكية فاقتربت كثيرا من الكنيسة الارثوذكسية. هي لا تزال ترى ان كنيسة المسيح فيها كاملة ولكنها ترى ايضا ان لها مع الكنيسة الارثوذكسية شركة شبه كاملة. تقول شبه كاملة لأن الارثوذكسيين لم يقبلوا مجمع الفاتيكان الاول (1870) الذي حدد ان لأسقف رومية ولاية مباشرة وعالمية على الكنيسة كلها وانه معصوم عن الخطأ. ليس هنا المجال لأبسط الموقفين الروماني والشرقي.

غير ان علماء الكثلكة فهموا جميعا ان الكنيسة الجامعة لا تعني حصرا كنيسة العالم مجتمعا ولكنها تعني ايضا الكنيسة المحلية التي تتحقق في الافخارستيا (سر جسد المسيح ودمه) التي تقيمها جماعة سليمة الايمان برئاسة اسقف مستقيم الرأي. على هذا اتفقنا الآن جميعا. اذا الكنيسة المحلية او الإقليمية جامعة وكنيسة المدى البشري الشامل جامعة ايضا.

المدى العالمي يقوده اساقفة متساوون في اسقفيتهم وتحدرهم الرسولي وان نشأ، هنا وهناك، اساقفة متقدمون هم بطاركة العالم المسيحي واولهم في الشرق ـ حسب التعبير الارثوذكسي ـ بابا رومية ولكنه ليس من رئيس تنفيذي حسب الرؤية الارثوذكسية.

لقد اوضح العلماء الكاثوليك ومنهم البابا الحالي لما كان استاذ لاهوت عقائدي في مونيخ ان اسقف رومية لم يتدخل مرة واحدة في شؤون الكنائس الشرقية اي لم يتخذ مرة قرارا اداريا نافذا في الشرق. استنتج من هذا الموقف الذي بات مقبولا انه لا بد من توضيح الاولية البابوية. فهل البابا حاكم عالمي ام «اول بين متساوين» كما يقول الارثوذكسيون.

راتسنجر (البابا الحالي) الذي له تقدير للارثوذكسية عظيم رأى ان الشرق في الوحدة المرجوة حقه ان يبقى اداريا على ما هو عليه اي الا يكون للبابا سلطة تنفيذية فيه وان تسوسه المجامع المقدسة فيه التي ترئس كنائس مستقلة غالبا ما تسمى بطريركيات ولا شيء يمنع ان تنشآ بطريركيات جديدة حيث الاوضاع الثقافية (كما في افريقيا مثلا) تتطلب ذلك.

#   #

#

مع ذلك تبقى عقبات وتساؤلات. في حسباني ان العقبة التي تلي قضية الرئاسة والعصمة هي العقائد التي انفردت الكنيسة الكاثوليكية بتحديدها. فقد تفردت الكثلكة بتحديد عقيدتين تتعلقان بمريم الاولى هي الحبل بها بلا دنس والثانية انتقالها بعد مسيرتها الأرضية (ولا يقال موتها) بالروح والجسد الى السماء. الكنيسة الارثوذكسية مع إجلالها العظيم لمريم تركت الكلام عنها الى الخدمة الالهية (الطقوس) والى حرية اللاهوتيين. هذا الاختلاف يعني على الأقل ان حل هذه العقدة يحتاج الى بحث مشترك لئلا يبقى بعد الوحدة خلاف مذهبي بين الشرق والغرب.

بعد العقبة تأتي المساءلة وهي هذه: ماذا يحل بالطوائف الشرقية الكاثوليكية اذا وصلنا الى اتفاق كامل حول رئاسة البابا وعصمته. السؤال ناتج من ان هذه الطوائف اصبحت كل منها كنيسة متكاملة المعالم والأركان متحدة مع الكرسي البابوي. والمعتقد الكنسي يقول ان ليس الا اسقف واحد في المدينة الواحدة فكيف تبقى ملل وتنظيمات كنسية مختلفة في هذا البلد او ذاك. عندنا اليوم مثلا بطريرك قبطي في مصر وبطريرك للروم الارثوذكس. من منهما سيجلس على كرسي القديس مرقس؟ ما من شك ان شيئا اساسيا يجب ان يتغير لتتحقق الوحدة اقليميا. في منطقتنا خمسة أشخاص لكل منهم لقب بطريرك انطاكيا وسائر المشرق. اذا لم يصبحوا واحدا لا نكون قد حققنا الوحدة في الإطار الإقليمي. الوضع الحاضر لا يمكن ان يستمر ونحن نتكلم عن وحدة. انا ليس عندي حل في المحافظة على سلامة اللاهوت والنظام الكنسي الموروث.

ربما اعطانا الله في المرحلة التي تنتظرنا اجوبة على هذه المسائل المعقدة. الفكر البشري وحده لا يؤتينا حلا ولو تقدمنا كثيرا في تقارب القلوب. اعرف ان المحبة بيننا ان كانت حقا إلهية فيها كل الضوء.

في الوجود المسيحي في هذا المشرق واضح اننا تقدمنا كثيرا في معارج المحبة والتعامل الأخوي. تبقى امور رعائية عملية نحتاج الى مواجهتها معا. حلمي الشخصي في هذه المنطقة ان نتشرق اي ان يستعيد بعض منا ما احتجب من شرقيتهم حتى يزداد تآلفنا العقلي هنا كما قوي تآلفنا الوجداني لا ليصير الكاثوليك الشرقيون جسرا بيننا وبين رومية ولكن ليكشفوا لرومية وحدة اللاهوت الشرقي.

بتأكيد رومية لاهوت الكنيسة المحلية صرنا معها على علاقة بلا واسطة ولكن امنيتنا العميقة ان يلعب كاثوليك الشرق دورا بارزا في مسيرة الوحدة انطلاقا من تراثهم الشرقي.

على هذا المعراج نحن جميعا ومعا في يد الله الذي اذا كرمنا بعطاء الوحدة يجعلنا قديسين في عينيه وهذا ما نرمي اليه في سعينا الى الاتحاد الكامل.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

لاهوتيون أرثوذكس في إيطاليا / السبت 15 أيلول 2012

أجيء من دير بوزه Bose القائم في شمالي ايطاليا بين تورينو وسفح الألب وهو مشهور بانفتاحه الكبير على الكنيسة الأرثوذكسية. وقد أخذت هذه الجماعة الرهبانية منذ عشرين عاما تدعو الى مؤتمر أرثوذكسي صرف كل سنة في أيلول تتناول عقيدة الكنيسة الشرقية من زاوية علم الآباء بخاصة. يدعى علماء أرثوذكسيون الى هذا اللقاء وينضمّ اليهم أحيانا علماء كاثوليك نحوا نحو هذا العلم الذي يقصي بطبيعة موضوعه أي موقف دفاعي او سجال. العلم البحت صار مألوفا في هذه الأوساط. على هذه الطريقة يسير علماء الكتاب المقدس الذي قلما تستطيع تحديد مذهبهم من مجرد قراءة أبحاثهم. البحث بحث ولا يحتمل توترا طائفيا.

منذ الثالث من أيلول اجتمع في هذا المكان ما ينيف عن مئتي شخص مطّلع ليسوا في الضرورة علماء ولكنهم قادرون على الفهم والمشاركة في المناقشات: رهبان وراهبات وكهنة وعوام أتوا من كل صوب. المساهمون الأرثوذكسيون تأخذهم من العالم كله ولا سيما من أوربا الشرقية وتستمع الى ألسنتهم المختلفة. هذا لا يعني أن وحدة العقيدة عند من يعلم تفترض وحدة الفكر وأنماطه.

كل المذاهب المسيحية حل بينها التعدد والتوق الى الوحدة. ولكن هذا مقالا لا ينتهي وان اجتهدنا. هذه المرة بدا هاجس الطبيعة بعنوان: الإنسان والنباتات والأزهار انطلاقا من سفر التكوين مرورا بالمزامير. العهد القديم كان هو مكان التجلي في هذا المجال وتبين أنّ العهد الجديد مقلّ في البحث عن الطبيعة انطلاقا من الكلمة الإلهية. الكلمة هي منبسط المسيح واياه نكتشف للتحدث في الله وتختفي الطبيعة المخلوقة فيه.

لماذا كل هذا الإهتمام بالشجر وما اليه؟ ذلك أنّ الإنسان بات مدمر الطبيعة ومتلفها. ومنذ فترة قصيرة من الزمن غدونا مسكونين بالحفاظ على الخليقة كما خرجت من يد الله وظهر علم البيئة وجهد الحفاظ عليها. كان المجاهدون الخضر في كل مكان ولهم أعمال واسعة وخطوط سياسية في كل البلدان وكان على الكنيسة ان تتكلم بدءا من الوحي وعبورا بالآباء القديسين ولا سيما في الشرق.

وسعينا لاستخراج ذلك من كل صوب تأملي عند كبار آبائنا. واختلفنا اذ يختلف العالمون فغدا المتحمسون للطبيعة الخضراء من وجهة نظر إلهية وغير المتشددين في الحماسة من وجهة النظر هذه اذ لم يلحظ هؤلاء عظيم اهتمام بالموضوع في المصادر الدينية الكبرى. ولكن بدا للأكثرين ان ثمة قولا الهيا في شأن الطبيعة وانه لا بد من ربط الفضاء الطبيعي بالفضاء الإلهي لأن الكلام في الخليقة ان لم يرتبط بالكلام الإلهي وبالوحي يبقى من هذا العالم.

#   #

#

ما من ريب ان الكنيسة تفكر في كل شيء حتى تسود الكلمة الإلهية كل الوجود ولو لم يختلط الكلام الإلهي بالكلام البشري. أجل ليس للكنيسة ان تؤسس جمعيات بيئية ولكن لها ان تدفع المؤمنين الى نشاط بيئي ليذوق الإنسان كونه حارسا للخليقة.

لم نكن على إجماع كامل ولو ذهب الأكثرون الى ضرورة التفكير الديني في الشأن البيئي ولا سيما ان الكنائس القديمة او التراثية تستعمل مواد الطبيعة في صلواتها: الخبز والخمر والقمح المسلوق والعنب والثمار الأخرى والجبن والبيض والزيت وتقدسها لان كل المخلوق قابل للتبريك الإلهي. كثير من الطقوس يقوم على وحدة الكلمة والماء ويقوم بعض من الرتب على استهلاك مواد الطبيعة فتؤكل بعد تقديسها بالكلمة. فبعد ان ألغت المسيحية الذبائح الدموية أدخلت الأطعمة النباتية في بعض من طقوسها وذلك على أساس المشاركة بين الجسد والنفس وذلك لا يتّخذ كامل معناه الا بفكرة الشكر لله على ما أعطى. والكلمة الأساسية في الصلاة المسيحية هي الشكر. مصطلح الشكر هو الذي نسمي به مناولة جسد المسيح ودمه.

الطبيعة تذهب معنا الى الشكر ويذهب جسدنا مع النفس ولكن ذروة الإتحاد بالله على مستوى الروح لا يلغي طبيعتنا الجسدية اذ الجسد عندنا سبيل من سبلنا الى التقديس. هكذا سلك مسيح الرب في تأسيسه العشاء السري الذي هو ذروة اتحادنا بالمخلّص.

#   #

#

ليس الكلام في التجمعات المسيحية اهم شيء في الضرورة. العطاء الروحي يأتيك أولا من الصلاة التي تقيمها والمحبة التي تعيش.

هذا اللقاء في قرية بوزه كان لنا مشاركة صلاة مع الرهبانية التي آوتنا. كنا الى الكنيسة ثلاث مرات في النهار. طبعا كان كل ذلك في الإيطالية التي كانت بالدرجة الأولى تلاوة مزامير. وانا لا أفقه شيئا في الإيطالية ولكنا كنا نرد الكثير منها الى الفرنسية لنفهم ما استطعنا.

الى جانب الصلاة الرهبانية الأعمال اليدوية والعمل الفكري بما فيه من إنتاج كتب باللغة الوطنية وترجمة عن سائر اللغات. مئتا شخص ونيّف معظمهم أرثوذكسي كانوا يشاركون في حياة الجماعة ويجالسونها للطعام على تقشّف معقول.

ما يدهشك في هؤلاء القوم المثقفين بساطة اللباس والعيش بعامة. لا يملكون شيئا على صعيد الأفراد ولكن يملكون عقولهم أو تملكهم عقولهم ولكل منهم سلطان على لسانه مهما تكلّموا من لغات.

ليس سهلا ان تكون قوي الفكر، بسيط المعاش، ومتواضعا، وديعا بآن. ان هذا باب الملكوت لمن يعلمون وباب الصفاء في هذه الدنيا. هؤلاء الناس رفقاؤك الى الحق. واذا اخذوك الى هذه الذروة تحس انك على رغم افتراق الكنيستين انت واحد معهم لأن الوحدة هي الحب.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

رياضة الجسد / السبت 8 أيلول 2012

«العقل السليم في الجسم السليم» مثل لاتيني قديم اتخذناه نحن ويبشر به دائمًا الأطباء الذين يقولون ان الخلل العقلي في كثرة من الحالات مرتبط بالخلل الجسدي وطبابته تسمى نفسية-جسدية. الكائن البشري كيان عضوي organisme كل شيء فيه مرتبط بالشيء الآخر. لذلك كان ترويض الجسد وسلامته اساسيان لحفظ القوى الفكرية حتى تأتي السلامة كاملة من كل جوانبها.

لقد لاحظ الأقدمون الضعف في كل جسد وحاولوا معالجته منذ هيبوقراط ابي الطب وكانوا قد ادركوا أهمية الأعشاب والوحدة القائمة بين جسدنا ومواد الطبيعة وكان غرضهم في تصنيف كل ما في الطبيعة انعاش الإنسان لبلوغه ما أمكنه من السلامة.

غير ان الإنسان ليس دائمًا مصابا ولو ضعف عنده هذا العضو او ذاك وفكر بدعم جسده السليم بالرياضة لئلا يسقط هذا الجسد اذا لم يتروض او تضعف قواه فاخترع العلاج الفيزيائي من جهة والرياضة البدنية من جهة التي يغلب فيها الآن المشي اليومي اذ يرى العلماء انك تعرض صحتك للضعف ان لم تمارس هذه الرياضة.

فلسفة هذا الكلام ان في الجسم دفاعا ذاتيا يعفي عنك احيانا ضرورة الاتخاذ للدواء. وما يذهلك حقا ان ثمة من يموت ولم يكن فيه مرض معروف.

هذا سر الموت الذي لم يعطَ لأحدنا حتى اليوم. نحن نعرف ان الأعمار طالت جيلا بعد جيل. سوف نصل قريبًا حسبما يقال الى معدل 120 سنة ونحن الآن بين الـ80 والـ85 تقريبا اي يبقى علينا ان نتحمّل عددا من الشيوخ كبيرا وهم لا ينتجون. ان نمو عمر الإنسان ينفعنا بفكر المسنين اذا تدفق ويضعفنا اقتصاديًا ما في ذلك ريب. ولكن ما الحيلة في العقود الآتية؟

يبقى انه واجب خلقي علينا ان نساعد آباءنا وامهاتنا على العيش الطويل لنستمد المحبة ونعطيها ونتشارك الوجود الطيب. هذا حلم الصابرين اذا صبروا ولكنه ضائقة معاشية لا مهرب منها الى ان يكشف لنا الاقتصاديون قدرة جديدة على احياء الإنتاج الزراعي والصناعي في صورة جديدة. بسبب من معرفتنا لكل ذلك ما هو في وسعنا ان نروض جسدنا ليقوى.

#    #

#

اعتقادنا نحن ان هذا الجسد ليس بدنا محضا. ليس مجرد مادة كالحديد والخشب. فيه مسعى. فيه نشأة الى اكتمال الشخصية في النفس او ذروتها في القلب كما علمنا الآباء الأقدسون. الجسد والنفس واحد بمعنى وحدة مسيرتهما الى المجد الالهي الذي سوف يكسو هذا الكيان المتكامل الذي ينبعث في اليوم الآخر ليتجلى كالنهار ويلتمع اكثر من الشمس.

نحن امام جسدنا في رؤية تهيوئه للقيامة. نحن في كليتنا مرافقوه اليها. وفي هذه المرافقة نناجي الله ويرد على نجاوانا بالحب. الحياة وثبة وليست فقط اعضاء من لحم ودم.

ولكون الجسد شريك هذه الوثبات نعنى به لنعطي الناس ما فينا فيقوى انتماؤهم الى الله ونجعل بيننا وبينهم قربى أقوى من النسب الذي هو من الدم فقط الى ان نصبح في اليوم الأخير عائلة الآب.

وحتى تكتمل المسيرة لا بد من عناية بالجسد كما العناية بالنفس وهنا تدخل مسألة الرياضة التي هي التماس للصحة ومحاربة للموت. والإهمال تسريع للمرض او الهزالة.

وليس هنا المجال لالقاء درس في التروض. نحن نقر المبدأ على انه واجب روحي واعتبار الصحة قيمة. الجهد لاكتسابها هو القيمة في الحقيقة ولكن المرض يصبح قيمة اعظم اذا اقتبلناه بصبر وكافحناه لأنه كثيرا ما يدنينا من الله ويطلقنا الى الصلاة.

#   #

#

هناك بد لنا ان نلاحظ المغالاة في الرياضة او تخصيص اوقات طويلة لها. هذا ربما أتى عند بعض عبادة للجسد وإهمال للنشاط الفكري. هناك من لا يستطيع ان يهرب من الضعف الجسدي ويبقى عظيم الفكر او الروح. القداسة تأتي قبل الرياضة البدنية والثقافة تأتي أيضًا قبلها. لا نتجاهلن سلم هذه القيم. مع ذلك تبقى الرياضة البدنية مسؤولية خلقية علينا لا بد من حملها.

في المدينة الحاضرة رياضيون محترفون يأتيهم راتبهم كاملا من الدولة التي تحتاج الى فرق مختلفة بسبب المباريات الدولية. هذا الرياضي الكبير لا يحق له ان يهمل تربية نفسه روحيا او فكريا لأن الإحتراف الرياضي لا يلغيه كائنا انسانيا يحتاج الى كل قواه النفسية والروحية والفكرية. لا يسوغ الغاء التغذية الفكرية في سبيل كسب المباريات.

يبقى من هذا كله انه لا يجوز لأحد ان يفتخر بصحته او قوته او جماله لأن كل هذا يؤول الى التراب. نحن مع الأخ الرياضي ولكنا اولا حول الأخ المريض لتعزيته وتقويته بالرب لأن الرب الساكن فيه لا يجعله يخشى الموت.

ما من شك ان اهل العصر يعبدون الجسد كما عبده اليونانيون القدامى والرومان وفي هذا منحى مادي واضح في معرفة الإنسان. وهذا تتبعه عبادة للجمال التي سادت مناطق البحر الأبيض المتوسط منذ نشوء الأديان الوثنية عندنا. والبدعة هذه استقوى به طب التجميل الذي لا نفع منه الا القليل لكونه قائمًا على التباهي بالحسن. وهذا التباهي باطل من أساسه. فأنت تقبل المرأة كما خلقها الرب وحسنها في الوداعة والطهر وهذه المنطقة او تلك لا تغير في حسناتها الروحية.

نقبل الجسد الذي الله خالقه ونروضه للحسنى والخدمة ابتغاء مجد الله العظيم.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الصحة والملكوت / السبت 1 أيلول 2012

ورد في لسان العرب الصحة خلاف السقم وذهاب المرض، وفي هذا اعتبارها الأصل أو المرجو وأن المرض سقطتها أو انحسارها وأنّ الرجوع اليها هو السلامة. لماذا أقرنا كلمتَي الصحة والملكوت ما لم تكونا مقرنتين في الكتاب العزيز. ولماذا هذا الإقتران؟

فكر الكتاب أن المرض بيان الموت المقبل وأنه هو أيضًا أجرة الخطيئة، أو انه من عالم الخطيئة. المخلّع كما تسميه الترجمة الأرثوذكسية أو المقعد بعد أن شفاه يسوع قال له: «ها إنك قد تعافيت، فلا تعد الى الخطيئة، لئلا تصاب بأسوأ» (يوحنا 5: 14) هنا لا يؤكّد الإنجيل أنّ الخطيئة كانت سبب العجز ولكنه يوحي بأن التوبة الحقيقية هي سلامة الكيان إذ جاء كلام المعلم عن الأعمى منذ مولده: «لا هذا خطئ ولا والداه» (يوحنا 9: 3). ولئن لم تكن الخطيئة سببا للمرض الا أن هذا يبقى من عالم الموت. ما من شك ان السقم شيء من زوال الى ان تبعثنا الصحة الى الوجود الكامل.

لذلك اهتمت الكنيسة لاستعادة السلامة والانتعاش وقد جاء في الوحي: «أمريض أحدكم فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب» (يعقوب 5: 14). الكنيسة اذًا تطلب السلامة وتصلّي في طلباتٍ كثيرة لعودتها إلينا.

أهمية المرض انه عميم بمعنى أنّ كلّ بشر يعاني قليلاً أو كثيرًا منذ نعومة أظفاره. بكلام أبسط السلامة الكاملة غير موجودة. نحن جميعا في مملكة الموت الى أن يقبضنا الله فعليّا الى رحمته. نحن إذًا، في مواجهة دائمة مع الحياة ومع العافية أي مع المستحيل. لذلك نحن عند المعاناة في اضطراب ما وربما في كآبة إذ السقم يساكننا ويؤذينا وقد أمسى الحالة الحقيقية للكيان.

هذا ما يفسّر أنّ يسوع الناصري يسكنه وجعه للإنسانية واسمه الحنان. بشريّته الموجوعة من رؤية المشلولين والعميان كانت تمتدّ الى بشريّتهم بالشفاء. هذا الشفاء رافق عنده التعليم. لذلك كان يكرز في مجامع اليهود ويشفي في شوارعهم حتى تنزل نعمة الله على الإنسان كاملة.

«وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كلّ مرضٍ وكلّ ضعفٍ في الشعب. فذاع خبره في جميع سورية فأحضروا اليه جميع السقماء المصابين بأمراضٍ وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم» (متى 4: 23 و24).

#           #

#

بعد هذا القول نعبر في رواية متى مسافات طويلة من التعليم حتى يجدّد الإنجيلي ما قاله في البدايات: «وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى ويعلّم في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى 9: 35) الدافع الى رعاية السيد للمتألمين قول الكتاب: «ولما رأى الجموع تحنّن عليهم اذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها». المحبة الواحدة تنزل على الناس تعليمًا أو تصحيحا للجسد الموجوع.

في آخر تعليم ليسوع عن المرض والسلامة، في ما نسميه إنجيل الدينونة يقول: «كنت مريضًا فزرتموني» (متى 25: 36). هنا وحّد نفسه مع الموجعين وكأنه يقول عنايتكم بهؤلاء هي عنايتكم بي. من وراء الواقعة أجسادهم أو عقولهم بناء مستشفى أو مستوصف أو كلية طب كان عند المؤمنين بيسوع سعيا اليه شخصيا. هنا لا يعني أنّ المنتسب اليه في الهوية هو وحده المحبّ. جلّ ما أوحي به هنا أن روح الناصري أنبثّت هنا وهناك وجعلتنا أطباء أو ممرضين أو بناة مؤسسات تعنى بالصحة لكوننا نريد الحياة للسقماء فلا يتألم أحد إذا كان قادرا على استعادة العافية.

المبتغى الأخير لكل هذا المسعى أن نقول للمريض اننا معه. يكفي أحيانا الجلوس اليه وحده بالأمل فقد يكون الأمل نصف العافية. نصلي معه وندعوه الى الصلاة التي الله ساكنها. المريض لا يكتفي برعاية الطبيب له. يريد أصدقاءه وأنسباءه حوله. فقد يكون هذا تعبيرًا عن دفق حياة جديد عنده أو يعني له ردّه الى الصحة. القصة كلّها قصة مشاركة على صعيد القلوب. الحب هو الجامع بين المريض والصحيح. الكلمة الجيّدة الصادرة عن هذه المشاركة الروحية بلسم ما في ذلك ريب على أن نلتزم الصدق فيها ولا نعطي آمالا كاذبة.

#      #

#

العناية بالجسد أمر إلهيّ. الجسد عطاء الهي كالنفس وكلاهما مشدود الى الرب. ينتج عن هذا أن اللجوء الى الطبيب طاعة للرب واننا مدعوون الى المعلم الحقيقي لا الى خرافات العجائز في ما يمكن القيام به وما لا يمكن، واتّباع الوصفة الطبية بعض من طاعة الله.

لا يجوز أن يموت الإنسان من جهله أو من كسله. بمبتغى أن نكون حاضرين في المرض نواجهه بالعلم وبالصلاة المكثّفة ان كنا مؤمنين.

في نطاق الأشفية يتكلّم الإنجيل عن علامات مجيء المسيح. «أما يوحنا (المعمدان) فلما سمع في السجن بأعمال يسوع أرسل اثنين من تلاميذه وقال له أنت هو الآتي أم ننتظر آخر. فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان  وتنظران. العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصمّ يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون» (متى 11: 2-5).

نلاحظ هنا أنّ التبشير ملازم لشفاء المرضى وأن فاعله المسيح أو تجلّيه هو في ثنائيّ هو البشارة والشفاء وتالياً ان حياة الكنيسة القائمة على الكلمة لا تنفصل عن طلب السلامة والعناية بالمرضى.

هذا لا يعني أنّ المسيحيّة ترفض الطبّ فقد كتب القديس باسيليوس الكبير رسالة الى الرهبان يدعوهم الى التماس عمل الأطبّاء. ولكن هذا يعني اننا الى هذا العلم نلجأ الى العالم الأكبر الذي هو الرب القادر أن يصنع العجائب.

كما يعني هذا أنّ الإنشداد الى الله بالإيمان يعني كفاحا للكآبة بمعناها العادي أو معناها العلمي الحديث. في هذا يتجلّى الملكوت فيما نحن لا نزال في هذا العالم الى أن يرث الله الأرض وما عليها.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأمّة / السبت 25 آب 2012

في الخطاب الاسلامي الديني ترد لفظة الأمة الكثيرة الاستعمال على جماعة المؤمنين بالإسلام وهذا مقتبس من القرآن: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» (آل عمران 11، 2). وتدل أحيانا على غير المسلمين كما في قوله: «من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله» أو كقوله: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة».

هذا الفكر القرآني لا يختلف عن فكرة شعب الله في العهد القديم إذ يقول الله عن العبرانيين: «تكونون لي شعبا». (إرميا 7: 23)، هذا بعد ان قال: «فأكون لكم إلها». الشعب يكونه الله. وهذا الاختصاص بالله ليس مبنيا على كونهم أكثر من سائر الشعوب. انه عطاء مجاني من محبة الرب (تثنية الاشتراع 7: 7 و8). هذا أمر ليس فيه استعلاء او اعتقاد عند العبرانيين بحسنهم الخلقي.

لا يختلف عند هذا المفهوم المسيحيون عن المسلمين واليهود. فقد ورد في العهد الجديد: «أما انتم فنسل مختار وكهنوت ملوكي وامة مقدسة وشعب اقتناه الله» (1بطرس 2: 9).

كل كتلة دينية من هذه الثلاث تسمي نفسها شعب الله أو امة الله وانه لشرعي ان تنظر الى نفسها كذلك اذا كانت لا تدعي في ناسها عظمة ولكنها تنظر الى الدعوة الالهية التي كونتها.

ومن الشرعي ايضا الا تنظر هذه الكتل الثلاث على انها واحدة او هي مدعوة بدعوة واحدة وهذا لا يعنينا الى انها جماعة واحدة في الوطن ما لم نتخذ غير المعيار الديني. هل ممكن ان نكون امة واحدة من هذه الدنيا ويحتفظ كل منا بانتسابه الى الله كما يشاء ويفهم علاقة الناس الذين ليسوا من «الامة» الدينية التي ينتمي اليها كما يشاء.

بعد الثورة الفرنسية نشأت فكرة الامة المتبناة اليوم في كل الشعوب ومن حيث هي كذلك لا رأي لها في اية أمة دينية. قبل الثورة الفرنسية لم تكن امة مدنية. كان الناس رعايا الملوك والارض كانت ارض الملوك يقطعون قطعا منها للافراد. بانتقال الارض اليهم قانونيا انتقل الملك. ولكون الناس صاروا مالكين وملتصقين بالارض باتوا امة وظل الله في السماء وهم اليه ولكن الله عندهم لم تكن له علاقة بملك الارض ولا للملوك علاقة. انت بت خاضعا للدولة ولك ان ترفض حكومتها لان الدولة تجعلك ماسكا بالارض وتعلنك مواطنا ولك حريتك في شأن الآخرة.

#   #

#

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الأساس الذي نبني عليه امة في العصر الحديث؟ مرة كنت أجالس صديقا مسلمًا متنورًا جدًا. فاجأني بهذا السؤال: لماذا اخترعنا العروبة نحن واياكم وما ارتضينا ان تقفوا انتم على ارض المسيحيين ونحن على ارض الاسلام. فاجاني سؤاله ولا سيما انه كان يتضمن خلسة اننا نحن المسيحيين اخترعنا العروبة لنهرب من التسلط الاسلامي الممثل آنذاك بالسلطنة العثمانية.

اليوم لا يبدو لي ان العروبة بقيت الارض السياسية الواحدة ولا سيما ان الدستور اللبناني يقول بالامة اللبنانية. العروبة ايديولوجية وكثرة من الامم لا تبني نفسها على ايديولوجية او على هوية قومية. ما هي اللحمة الحقيقية في بلدنا بين المسلمين والمسيحيين؟ لا نستطيع ان نقف على ارضية دينية اذ لا تربطنا وحدة عقيدة وهناك من كان ايمانه ضعيفا او من ألحد على طريقته. لا يبقى على ما ارى الا الانتماء الى الارض وجعلنا التاريخ في قطعة منها فيها لنا غذاء وامكانات تقدم ونتآزر فيها بالاستقامة والمعرفة. ويشرف علينا تاريخ هذه الارض واستمداد الاكثرين منا مبادئ ما نعتبره الوحي.

نجيء من الله  ونحيا به هذا لنا مجتمعين ونحكم بعضنا بعضا بقوانين جاء بها التاريخ وتشدنا الى المستقبل.

نستسيغ من التاريخ ما يروق حياتنا المشتركة ونستشف الآتيات نقتبس ما نقتبس من المصادر التي نستحب اي في ما يوافق الارضية المشتركة اعني ارضية البلد الواحد الذي يضبطه الحكم المدني اظن ان معظمنا لم يبقَ خائفاً من هذه العبارة. أظن أن هذه العبارةلا يراد بها أكثر من أن أهل المدينة واحد كما كان يقول اليونانيون القدامى ونحن نقول البلد.

#   #

#

غير ان القول بالحكم المدني لا يخلق بشرا جددا متلألئين بالفضائل. ماذا ينفع الحكم المدني ان لم يكن قائما على القيم الروحية التي لا مصدر لها في الحقيقة الا الاديان. المؤسسة الدينية لا تحكم ولكن الدين من حيث هو سماحة وسلام ومحبة هو الذي ينشئك في العمق ويثبتك امام المشقات ويجدد كيانك في كل حين. ليس من دولة دينية. هناك ناس دينيون يجعلون البلد على صورة بهائهم. اذا كان هؤلاء موجودين معا قد لا تحتاج الى حكم. الحكم ضروري لرفع شأن العدالة والفقراء. وهذا يتطلب فضائل كبيرة.

«المدينة الفاضلة» هو عنوان  لحسنات الناس الخلقية. اساسا الحكم عندهم. الحكم يشجع بعض النضال ويستمر به. ولكن لا حكم بلا مجتمع فاضل. الاساس هو المواطنون. والدولة تقوم بهم ولا يقومون بها.

من هنا كان الدور الاساسي للمعلمين الروحيين والوعاظ والتجمعات المصلية والداعين الى التقوى. من هنا اهمية الفكر الديني الخلاق الذي يجدد الدعوة بالتعبير المقبول لدى الانسان العصري. الكلام التقليدي لا ينفع شيئا. العبارة التي لا تجعل منك انسانا جديدا تكون لك كالجيفة.

تجند الكنائس للمسيح يدفعها ان قامت على العمق الى انشاء مجتمع فاضل. لا يكفيها ان تذكر الوصايا العشر. حسن ان يصبح هاجسها دعوة المؤمنين الى بناء «مدينة فاضلة» بكل تنوعاتها وبكل همومها، مدينة فيها اعضاء الكنائس وبقية الناس. هذه هي الامة المقدسة المبثوث فيها الروح القدس والعاملة في توجيهه في تقديس الذات والعمل الاجتماعي. قبل ذلك نحن نحلم.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الله والأعمار / السبت 18 آب 2012

خطايا شبابي وجهلي لا تذكر (مزمور 24: 7) وكأن داود بهذه الكلمات يرى تلازما بين المعصية وسن الشباب وكأنه كذلك ينظر الى الكهولة او ما بعدها على انها مرحلة توبة أخيرة. في الحقيقة اننا في الكنيسة الأرثوذكسية عندنا مصطلح الهوى الذي هو مصدر الزلات التي نرتكبها كما عندنا الحرب الروحية الشرسة على الأهواء بغية التطهر وفي سبيل إدراكه وضع آباؤنا النساك قواعد صارمة بحيث انك لا تتنقى من سقوطه ما لم تضرب مصدرها وهو الهوى الذي يتضمن كل أسباب السقوط في الجسد او في العقل كالغضب والبغض والكسل والشراهة وشهوة الجسد. ضدها الفضائل التي قمّتها المحبة.

إزاء كل شهوة تقانة كفاح روحي يستمر حتى استئصال الأهواء من جذورها. غير ان ما يُجمع عليه آباؤنا ان السبب الحقيقي لضرب كل الأهواء هو ان يتملكك الله.

فالقصة عندنا ليست ترويض الإرادة والرؤية العقلية لفساد الخطىئة. القصة كلها ان ترتمي في أحضان الرب الذي يحرق كل هشيم فيك ويضيء داخلك بحضوره الأخاذ. القضية ان تقيم في الأعماق الروحية التي هي أصل شخصيتك كما صنعها الله ببره فأورثك البر لتحقق كونك على صورته ومثاله وكانت الزلات تهزّ هذه الأعماق وتلطخها وتسلخك عن النشوء الأصلي الذي أتيت منه والناس لا يعلمون انهم خرجوا ناصعين من الفداء الذي اغتسلوا فيه فنالوا صبغة الله. حقيقتك الكبرى هي التي نزلت عليك لا التي نسجتها في ضعفك وظننتها خلابة وما هي بخلابة.

ووخز السقوط يجرحك ابدًا ويمزقك احيانًا ويفتتك وانت محتسب ان لك في سقطاتك تركيبة جديدة تجد فيها لذائذ وما تلبث ان تحس انها عابرة وانها تركتك مهشّمًا ليس فيك وحدة.

اجل الخطيئة توهم احيانا بوحدة اخرى ولكنك تحس بأنها صادمة للكيان الطيب المحجوب فيك وعبثا تحاول بدون العشق الإلهي ان تضرب البناء الفاسد وتدمّره انه كان لك بالفضيلة كيان عظيم.

#   #

#

اذا ارجأت توبتك قد تعود وقد لا تعود. الإرجاء يعني انك لا تزال عاشق الخطيئة ولم تتحسس فيك ذوقا لله. الله عندك مجرد حكي وليس وجودا مالئا كيانك. في هذا التردد لا تزال مشتتا مبعثرا بين الخطيئة المعششة فيك ورغبات صلاح لم يكتمل. لم تجلد نفسك بعد. لم ينزل منك دم ولم تذق حلاوات الله. لم تشنَ الحرب على زلاتك لكونك في الحقيقة لا تزال حليف السوء الذي فيك.

الويل لك ان داهمك الموت وانت غير تائب. معنى هذا ان الله يراك عند فراقك قبيحا اذ ابتعدت بعدًا رهيبا. لا يرى فيك ذلك الذي خلقه شبيهًا ببهائه. هذا لم يرضك فاستعرت الهًا مميتا ترضى ان يأخذك الى تيه قد يقودك الى الغرق النهائي. ماذا تعمل بعد هذا رحمته؟ هذا شأنه. هو كلّمك ولم تسمع او ما أردت ان تفهم. مَن قال انك بعد موتك ستسمع؟ هو لم يعد بذلك.

ليست التوبة مرتبطة بسن محددة. هي تنزل من فوق وكثيرا ما نزلت على شباب تراهم بيضا كالثلج. شيبك لا يعني شيئا. القلب كل شيء وفيه تختزن الكنز الإلهي. قد ينكسر جسدك ويتهاوى. هذا لا يسوق الى الاهتداء بالضرورة. انت لا تعرف سر الموت ولا تعرف ساعته. انه يأتي عليك كاللص كما قال الكتاب. الموت يسجل موتك الروحي او يسجل قيامتك. هل تريد لحنا ملائكيا بعده او صراخ شياطين. هل تشتهي لطفا الهيا او سخط إله. القرار بين يديك. اطلب من الله ان يُنزل عليك القرار لئلا تفنى في الجهالة.

#   #

#

لا احد يعرف حكمة الله في الأعمار. هناك ظاهرة بيولوجية لا ريب في ذلك ولكنها ليست مستقلة عن تدبير الخالق لها. ان يحفظ الانسان جسده معافى مرتبط به الى حد ومرتبط بالعناية الالهية الى حد. اكثر من هذا لا نعرف وليس من حاجة ان نعرف. جلّ ما يطلبه الله ان نكون مستعدين للقائه وما من لقاء حقيقي الا من بعد استعداد. عندنا نصوص يُفهم منها ان المسيح يستقبل الميت بما عنده من حنان ولكن هذا الحنان لا يتقبل من الميت فراغا. من هنا ضرورة تكليف الانسان نفسه ما في وسعها او أكثر حتى يكون قبولها مشاركة بينها وبين ربها. والرحمة لا حدود لها. هي فيض. هل للإنسان ان يحسن فقط؟ الحنان الإلهي اذا عنى شيئا فلا بد ان يعني تجميلا للنفس التي استُدعيت . بعض القديسين القلائل يقولون ان الرب لا يترك احدا في الجحيم الى الأبد. غير ان القديس اسحق السرياني الذي كان يؤمن بهذا منعنا من تعليمه رسميا خشية الانزلاق.

عندي ان المهم الاعتناء بذواتنا هنا روحيا مع الاتكال على الرحمة. المبتغى هو الجهد الأقصى لأن الرب جدي يطلب الينا الجدية ويكره الاسترخاء. ولكون الموت مداهما لا يسوغ اي تفريط. لذلك يجب ان نجعل أنفسنا امام الحساب وامام خوف الله والخوف تدرج لنا الى السماء.

اذا كان الله يحبك فلا تستغلّه لأن الاستغلال يعني انك لا تحب. انت حبيب الله. اذا لم ترضخ لمحبتك تكون خائنا له. السماء مفتوحة لك في كل مراحل حياتك. أحبب الدخول اليها.

Continue reading