Category

2007

2007, جريدة النهار, مقالات

مريم المصرية / السبت ٢٤ اذار ٢٠٠٧

المسيحيون الأرثوذكس يلحّون كثيرا على التوبة الحقيقية اللابسها الكيان ولا يكتفون بالندم على ما تراكم فيهم من خطايا. في المبدأ كل المسيحيين واحد ويبتغون هذا الرجوع بالعمق الى الله غير ان الارثوذكسيين يملأون كل عبادات الصوم بهذه الفكرة وهذا  التصميم لكونهم يسعون الى مألوهية الانسان منذ الآن ويتوقون الى الا يقيموا فاصلا رهيبا بين هذه الدنيا والملكوت الأخير وتزعجهم – مع ان العلماء المدققين لا يرفضونها – عبارة مارتن لوتر ان الانسان دائما بار ودائما خاطئ. الأرثوذكسيون يشدون الخاطئ الى  البر بحدة ويهيكلون الصوم كله يوما بعد يوم ليرتفع الانسان الى اهتداء كيانه كاملا الى النور ولا تبقى ثنية من الظلام فيه.

                      لا يريدون حضورهم في الله مجرد توق. لا يحبون الرغبة. يريدون الاقامة في حضن. وتهيؤًا لمناولة القربان يطلبون ان يكون هذا القربان “لكمال ملكوت السموات” وكل من قرأ حرفا في اللاهوت يعرف ان هذا غير ممكن وان الكمال عند القيامة الأخيرة. ولكنهم هكذا في حالة اشتياق الى السيد يريدون ان يتحقق الملكوت الآن وان ينتصروا الآن على الخطيئة.

                      ويكويهم هذا الشوق فبعد أن تأملوا الصليب منذ أسبوعين يأتون الى ذكرى القديس يوحنا السلمي الكاتب الصارم على الخطيئة والفضائل  ثم يأتون الى هذه التائبة مريم المصرية التي لا نعرف احدا كسر الخطيئة كسرا وامتشق روحيا امتشاقا مذهلا مثلها وكانت اشد طهارة من نساك الأردن حيث عاشت وذهل بها صفرونيوس بطريرك اورشليم الذي كتب سيرتها ثلاثة قرون بعد انتقالها الى الرب.

                      لماذا حركت مريم المصرية كنيسة الشرق؟ ربما لأنها تعاطت الفسق وفي المسيحية العربية الكلمة تعني خطيئة الفتى العزب او الفتاة وتخصص كلمة الزنا للمتزوج او المتصل بمتزوجة. لماذا اتخذت الكنيسة نموذج فاسقة تابت مع ان آباءنا يعتبرون الكبرياء اشد هولا من الزنا. لست أظن ان استهوال الفسق دخل الينا من الرهبانية ولكنه دخل من استخفاف بالتراث اليوناني الراسب عندنا ولا سيما اهل الغنوصة او المعرفة. في التاريخ المسيحي بدءًا من بلغاريا (البوغوميل) وانتهاء بفرنسا (الكاتار) كان الفسق شائعا في هذه البدع لكونهم كانوا يحتقرون الجسد ويعتبرونه لا شيء. ثم ظهرت حركة فسقية في روسيا من ضمن المسيحية.

                      كانت المسيحية تخشى تدنيس الجسد ووضعه في مكانة دونية على رغم تقديسها للزواج بكلمات أخاذة عند بولس. ربما ان الاعتداء الفكري على العفة جعل الكنيسة تتخذ هذه الفتاة مريم المصرية التي انتهك عفافها صورة للخاطئ المهتدي.

#            #

#

                      الاسكندرية موطنها. كانت في القرن الرابع اسبق مدن الإغريق في الحضارة . كان قد بقي فيها شيء من الفلسفة تعيش من أفلوطين وفيثاغوراس وفيلون الاسكندري (اليهودي) ولكنها كانت مبدعة في النحت والعمارة والفلك والأناقة المترفة وتدلنا على ذلك المنحوتات الصغيرة المحفوظة بمتحف الاسكندرية. أظن ان قديستنا عاشت في هذه البيئة المترفة لأن صفرونيوس يقول انها تعاطت الفسق طلبا للعشق وليس التماسا للمال. ما يعني انها لم تندفع الى الخطيئة بسبب الفقر.

                      في هذا الانجراف ما كانت واعية – على ما يبدو من تحليل دقيق للسيرة- انها كانت مصدومة بسبب من ايمانها. على الأغلب انها حجبته عن وعيها ولم تلغه ودليل ذلك انها أرادت ان تحج الى القدس بمعنى انها لم تطرد الله طردا كاملا من نفسها والسيرة تقول ان قوة سرية خارقة منعتها من دخول كنيسة القيامة. الأرثوذكسيون يفهمون هذا جيدا عندما لا يستطيعون ان يقبّلوا ايقونة اذا خطئوا ثم انحلت الصعوبة عندها.  

                      بعد هذا ذهبت وسكنت برية الأردن سبعا واربعين سنة. كيف عادت الى شفتيها آيات المزامير وكلمات الاستغفار؟ بالايمان نقول انها اعتمدت ببكائها بالعلم نقول ان هذا الاندفاع الرهيب الى الفسق صعقها صعقة قوية كما اخترقت الارض الاولى منذ ١٥ مليار سنة بشعاع من نور فجّرها وظهرت العوالم الاخرى. يُلمَس الانسان بلمسة علوية يعرفها المؤمن فيصير فورا انسانا جديدا. كيف يهدأ جسد فتاة دون العشرين. نحن نعرف ان الجنس يتحرك بقدرة من الدماغ وذلك بواسطة غدة وهرمونات. ان الخيالات المؤذية جمدت عند رؤيتها ايقونة مريم في كنيسة القيامة وصار هذا الجسد الى هدوء. هذا اقرب تفسير ممكن الى العلم ولا يناقض قول الأبرار عندنا الذين يقولون ان الله هداها. الله عندنا يستخدم قوى الطبيعة.

                      نصف قرن من النسك كان كافيا ليجعلها مجرّدة من كل شيء او في حالة الرث الكبير وتبدو هكذا تعيش من أعشاب الصحراء. القاص الكنسي كان همّه ان يقول ان الذين يلبسون الله ليسوا في حاجة الى ما هو من المادة. وقد اضافوا الى هذا في كتب النسك عندنا ان ما سموه “الأفكار” اي هذه الآتية من الدنيا انما تحولنا عن الرب. الفكرة المقولة في هذه الأدبيات ان النور الإلهي يغذّي المؤمن المجاهد. وهذا ليس من المخيلة اذ يعرف كل الصوامين ان الكلمة الإلهية تعوّض عن الطعام او تصير هي الطعام بمعنى ان الأتقياء لهم نواميس ليست من الطبيعة.

                      غير ان ثمة خبزا لا يُستغنى عنه وهو الخبز النازل من السماء ويريد به المسيحيون شيئين: الكلمة الإلهية التي تصير لهم طعاما وما يتخذونه كقرابين يعتقدون ان يسوع يجعلها بالروح القدس إلى جسده ودمه أي إلى كيانه.

                      مريم المصرية كانت في حاجة الى هذا الذي آمنت انه هو الذي يغفر لها خطاياها واختصارا لقصة زوسيما الذي تذكره السيرة اتى هذا الراهب اليها بعد ان اهتدى الى مكانها فتناولت بالقرابين المقدسة بعد انقطاع كبير فسميناها بفعل هذا التقديس العجيب امنا مريم المصرية التي استوطنت فلسطين ثم قلوب الصائمين اذا سعوا بجد الى الطهارة.

                      ثم عاد زوسيما ليناولها ثانية يوم الخميس العظيم في السنة اللاحقة فوجدها قد ماتت. وتجليّاتها لم تمت . لأن كلّا منّا كان مثلها بهذه الخطيئة المتحكّمة فيه او تلك وفي لحظة مباركة لامسته النعمة او انقضت عليه وحوّلت وجهة قلبه واتجاه فكره وتجرد من دنياه التي كانت فيه متحكمة الى الرب القدوس الحاكم وحده القلوب المرتدة اليه.

                      اظن ان الاعتبار الاساسي الذي وضعته الكنيسة نصب عينيها ان تقول للخطأة المتوغّلين جدا والمتوغّلين قليلا في الشر ان خطاياهم ليست نهائية او حاسمة او ان تكرارها حتمي. هذا هو بهاء الايمان ان له القوة على البقاء وان الشر لا قوة له الى الابد لأن الانسان مصنوع على صورة الله وحسب مثاله وانه قادر ان يتحرك الى الخير اذا انعطف الله عليه وهو عطوف واذا الانسان اراد ان يتخلّص من شره صادقا.

                      انا اعرف اناسا تابوا الى الله توبة طيّبة نصوحا وماتت ميولهم الى الشهوات المؤذية واعرف انه لم يبقَ لهم أدنى ميل الى سيئاتهم السابقة ولكن هؤلاء كان يجب ان يكتشفوا محبة الله لهم وان يستنتجوا من ذلك انه يمدهم بقدرته لتخطي ما كانوا عليه. ان الاستعفاف الكامل لفاسقة مثل مريم المصرية للدليل ليس فقط اننا قادرون على تجاوز هذا النوع من السقطات ولكن لكل سقطة.

                      الله سيد على المستحيل، لما احس به الانسان مستحيلا. والتوبة الحقيقيّة لا تقوم على ان الدنس يزعجنا ونؤثر عليه الصلاح لكونه يريحنا. التوبة ان تتوجه بكل قدرتك وكل عزمك وكل قلبك ونفسك الى الاله المحب لتقيم معه أُلفة كالألفة التي كانت لك مع معاصيك. لا يكفي ان يكون دافعك الاستراحة من المعصية ومن أذاها. فإن لم تستجب لحب الله إياك بحبك اياه اي بالطاعة يكون ما اعتبرته توبة حركة بشرية انت مركزها. التوبة العميقة هي التي كان الرب مبدئها ومرجعها.

                      التوبة في الأخير هي عبادة للرب اي خروج من أناك المنغلقة على ذاتها والتي كانت تسعى الى ملذات الدنيا لترتاح اليها. واذا اكتشفت ان سلامك هو العودة الى وجه الرب تبدأ بالإيمان بأن هذا ممكن والممكن برأفة الله يصبح فيك حقيقيا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

المجد الباطل / السبت ١٧ آذار ٢٠٠٧

 لبنان بلد المجد الباطل. ولست أتكلم بالضرورة على كبار القوم الجالسين على الآرائك. فمن عظماء الدنيا مَن تواضع امام الله والإخوة ومن أدنياء القوم مَن استكبر. وقد تكون شهوة السلطة – اي سلطة- في البيت، في الدكان والمكتب والعمل ذروة ما يشتهي امرؤ يوهم نفسه انه هام، ذلك انه يؤمن بـأهميّته اذا اعترف الناس به على ما يرى في نفسه من قيمة. فاذا لم تقرأه كما يقرأ نفسه تكون عاقا او خائنا او عدوا. وينتفخ بك ولو كنت من أتفه الناس اذٍ. يجب الا ينقص مادحوه. والناس  ناسان. ناس يؤمنون ان الله ناظرهم وناس يهمهم رأي الآخرين فيهم. والمعنى انك اذا كنت سائرا في المجد الباطل اي ذاك الذي ينبغي ان يكون مركز انتباه للآخرين يتضمّن هذا اعتقادك ان الله ليس مركز الحياة وان وجودك انت هو الوجود. وفي مسيرة إلغائك الله من المحبوبية تكون قد أقمت مقامك وتصبح مثل آدم لما أغرته الحية ليكون مثيل الله.

                      في إمارة مولدافيا في القرن الرابع عشر اي قبل ان تتوحد رومانيا كتب أمير إلى ولي عهده (المزمع ان يصير أميرا): « يا بني لا تشتهِ ان تصبح أميرا ولا أسقفًا ولا رئيس دير لأن هذا كله من مجد العالم».

                      لا تطمح بأن تكون مرئيا ولا ان تغدو مائدتك أسخى مائدة في البلد ولا ان تبني اجمل بيت في بلدك. وفي السياق نفسه لا تشتهِ ان تطمع بالمال واشتهه كثيرًا اذا كنت مزمعا ان توزعه على المساكين. في بلد كهذا قائم حتى الآن على قانون انتخابي سيء اذا طمعت بالنيابة لأنها تنمي قدرتك على الخدمة فهذا ممدوح ولكن ان طمعت بتعظيم نفسك فأنت مقيم في دنيا التفاهة.

                      ويتغذّى المجد الباطل بمديح الناس إياك، وهنا يوصينا باسيليوس الكبير ان نسكت فورا ما دحينا اذ قد نعجب بأنفسنا ويقودنا، اذ ذاك، المجد الفارغ الى الكبرياء. لذلك يقول النبي: «ادخل في الصخر وتوارَ في التراب … عيون البشر المتشامخة تُخفض وترفع الإنسان يوضع ويتعالى الرب وحده» (اشعياء 2: 10و11) فمنعًا للتشامخ يقول القديس يوحنا كاتب سلم الفضائل: «ان ذوي الأخلاق السامية يتحمّلون الشتائم بنبل وفرح» ولهذا الراهب العظيم نعيد غدا في كنيستنا.

                      إن الخفاء افضل من الظهور ما لم يفرض عليك واجب الهداية ان يعرفك الناس. وان لم يكن عندك ما تقوله اصمت لأن الصمت اقل أذى من الثرثرة وهي دائما لا مضمون لها. فإن عرفت نعمة الخفاء تدرك ان الله يراك وحسبك هذا عزاء. واذا اضطررت الى الاختلاط فلا تتوخَ ان تبدي ذكاءك او معرفتك للغات او انجازاتك الدنيوية والروحية. لأن ما كسبته في هذه الدنيا من مال ونفوذ وقوة فهو من الدنيا. اما المواهب الروحية فليست ملكا لك. انها ودائع الله فيك لتقول كلمته وتشهد له.

#             #

#

                      فليأتِ كل ما تقوله او تفعله من التواضع الذي هو معرفتك انك لا شيء فلا تجعل نفسك شيئا لأن هذا روح شر ويهدم الآخرين. لا تعمل شيئا حسنا ليكافئك الرب فالمكافأة في السماء ولا تطمع بها بل اطمع بالرضاء الإلهي وغفران خطاياك ومعنى ذلك الا تشهر فضائلك لينمو بها الآخرون. هم يلمسونها ان كانت حقا فيك. وان كنت من المثقفين وكتبت مقالا او كتابا فلا تسل أحدا اذا قرأك اذ تكون آنذاك، في كثرة أحيان، ساعيا الى المديح وهذا قد يدمّرك. واذكر قول الكتاب: «الويل لكم ان قال فيكم جميع الناس حسنا» (لوقا 6: 24).

                      ان تطرب بهذا الإطراء يعني انك لا تزال من اهل الأرض. ابتغِ بالحري بساطة القول وبساطة السيرة وفتش عن اقتباس الفضائل عند الآخرين لتتشبّه بهم. وعند ذاك تعرف انك تجيء من الأبرار وانك لست آتيا من جهودك اذ يقول القديسون عندنا: لا تدخلك جهودك الروحية العظيمة الى السماء بل رحمة الذي يرحم من يرحم ويرأف بمن يرأف. انت لست ثمرة اعمالك مهما عظمت. انك زرع القديسين فقط فاذا عاشروك لا تفخر بما استمددت منهم بل افخر بأن المخلص تنازل اليك ليهبك شيئا من التواضع.

                      واذا تعلّمت ذلك فلا تأخذ زائرك الى قصرك ان كنت ذا قصر لتتباهى امامه بما بنيته لأن المال الذي بين يديك وديعة من اجل الفقراء وان عشت في الترف فمن المؤكد انك تصاب بالعُجب (مع ضم العين) فالثري الكبير مهدد به والقلة لا تقع.

                      لا تتبختر بالسيارات التي عندك ولا تدع زوجتك تقتني الأثواب الفخمة الكثيرة محتشمة كانت ام غير محتشمة فلا شيء يقنعني ان خزانة المرأة بالثياب الكثيرة الفاخرة لا تعرضها الى التباهي. فلتتعلم المرأة أيا كان بهاؤها وأية كانت مقتنياتها الخاصة انها من تراب والى التراب عائدة. هذا لا يعني ان النساء معرضات الى الزخرف اكثر من الرجال. وعلى كل منكم ان يراقب شريك حياته بتواضع ولكن بالحزم الذي توحي به التقوى لأن الأناقة المغالية والاقتناء المفرط يعرضان الى التنافس والآخرين والى تفاهة الكلام والسلوك واذكر كلام بولس: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم» (غلاطية ٢٧:٣). فاذا لبست المسيح لا تستطيع ان تزيد عليه فخرا. هذا يملي عليك البساطة في كل شيء.

                      انا لست بقائل: لا تحب جمال الفن في منزلك والكثير من الاشياء الضرورية في عالم اليوم ولست موحيا ان ترتدي الرث من الثياب او المتصدع من الأثاث ولكني قائل لك فقط «ان مَن افتخر فليفتخر في الرب» (1كورنثوس 1: 31).

                      هذا ما قاله بولس بعد ان قال: «من كان في العالم من غير حسب ونسب وكان محتقَرًا فذاك ما اختاره الله؛ اختار غير الموجود ليزيل الموجود، حتى لا يفتخر بشر أمامه».

                      هذا يقودنا الى انتفاخ بعض بعائلاتهم وما يغذي عصبياتهم الأسرية كأنك تستمد من ذويك مجدًا وليس عند انسان مجد. فلا تحتقر ان كان اسم عائلتك مشهورا عند الناس الذين لا شهرة لهم لأنك لست بالضرورة مثل اسلافك الصالحين فالفضيلة لا تورث واسم البشر زائل بزوال هذه الأرض وتبدل الأزمنة. واعلم ان عائلتك ان خسرت اموالها فغالبا ما يتعرض مجدها الى الزوال. لذلك من جعله الرب كاهنا في كنيستنا اذا خاطبناه لا نذكر اسم  عائلته بل نقول ان فلانا خادم للرعية الفلانية. وعلى غرار هذا كلما تقدست تزول ذاكرة عائلتك من ذهنك ويبقى ذكر القديسين الذين بفضلهم نلبس المجد.

                      اجل هناك زهد بكل ما تقتنيه ومن هذا زهد بجمالك و بثقافتك. فهذه كلها ملك للرب ونحن ليس عندنا ملك ولكوننا مؤتمنين على ملك الله ونديره لمجده وعزة الفقراء. وملكاتنا العقلية ليست لنا وهي فينا للخدمة فقط وهذا كله إذكاء للبهاء الإلهي في الناس.

                      كل ما قلته في هذه الأسطر هو لتحفظ الله في قلبك واذكر قول يسوع: «مجدًا من الناس لست أقبل» (يوحنا 5: 41) وفي هذا الإنجيل نفسه قال السيد ايضا لليهود: «كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبون» (يوحنا 5: 44).

                      ان ترفض المجد الذي ظننت انك ورثته او ذاك الذي يأتيك مما تملك او مما تقول وذاك الذي انت عليه جسديا كذلك الذي تؤتاه من حسناتك هذا شرط لتتقبل المجد الذي يكللك به الرب. فعند ذاك يضيء الله عليك بنوره وتمشي امامه لكون الدنيا غير قادرة ان تزينك. فإن اخليت نفسك من كل عجرفة وادعاء ووعيت انك فراغ يغدق الله عليك غناه ويجعلك من المقربين ويرى نفسه فيك وانت تعي نعمته فقط ويحل الملكوت فيك في أزمنة الدنيا حتى تنتقل الى الملكوت ههنا ينزل عليك فاذا اختطفك تسير في الله وتكتمل فيك صبغة الروح ويقول الله فيك منذ الآن كل شيء ويرى هو انك اصبحت كلمة من عنده.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

سلام المصلوب / السبت ١٠ آذار ٢٠٠٧

لبنان مصلوب كلّه. اصحاب المنافع في الدنيا يصلبونه. يصلبوننا نحن الذين لا مصلحة لنا أنانية في هذا الوطن. ان الذين يعتبرون انفسهم كبارا يميتون الصغار الذين لا يفيدون من هذا البلد شيئا. قلبي على الأطفال الذين لا يفهمون لماذا عند البالغين شحنة بغضاء، لماذا ليس عندهم طراوة الطفولة فيتكاذبون، لماذا لا فرح فيهم، لماذا يصممون الموت بعد ان خُلقوا للحياة، لماذا يصنعون صلبانا لبعضهم البعض، لماذا لا ينشدون صادقين: كلنا للوطن، للعلى الذي لا يتكوّن الا بالتواضع. هذا البلد يبدو مملكة شيوخ عجز فقدوا حسهم بالورود. يريدون ان يحيوا بلا اشتمام للجقيقة ولا تذوّق للخير واذا تصالحوا فلكي يقتسموا الغنائم ولا يوزّعون المغانم للمحتاجين الى النور.

                      يريدنا الأكابر طعاما لهم ولا يريدون انفسهم غذاء للجميع. قال المسيح: «خذوا كلوا هذا هو جسدي». الوطن يقدّم نفسه طعاما لمن أراد الحياة وهؤلاء الأكابر يعطوننا حجرا بدل الخبز وانقساما عوض عن الوحدة. لماذا جفاف القلوب العطشى الى الماء الحي؟

                      لكوننا نعرف ان البشر الضعفاء محكوم عليهم بالمصلوبيّة وضعت كنيستنا يوم غد ذكرى ترفع بها على الرجاء مصلوبيّة الناس. في بلد يتباغض الناس فيه بلا سلاح اردنا ان نرفع البغضاء بالحب. لذلك تجيء غدًا، الأحد ذكرى الصليب الذي يقول للبشر ان واحدا منهم رُفع على هذه الخشبة لكي ينال كل واحد منهم حياة عوض الموت العميم ورجاء بدل اليأس. وهذا يجري في طقس اذ يوضع صليب وسط صينيّة فيها رياحين او زهور ويُطاف به ونجثو امامه ذاكرين الصلب والقيامة معا. ويعطي الكاهن المؤمن زهرة ليقول له رمزيا: ان المسيح فرح العالم وان الانسان لن يبقى مقهورًا الى الأبد اذا عانق المصلوب فاتخذ هذا مصلوبيّة الانسان ليجعله قياميا.

                      نحن فصحيون ولا نميت احدا لأن يسوع مات ليخلّص العالم وليس فقط الذين ينتسبون اليه بالمعمودية. انت، ايا كنت، تطلب الحياة وهي تبدأ بالحياة الجسدية. «لم يظهر الروحي اولا، بل البشري، وظهر الروحي بعده» (١كورنثوس 15: 26). وانتظام الدولة قائم اولا لخدمة الانسان الطبيعي ثم نداء الله اياه يجعله ممتلئا حياة روحية. في البدء يكون المجتمع المدني ثم يصعد من داخله ناس يتروحنون بالعطاء الإلهي الذي ينسكب عليهم فيكونون على الأرض اهل سماء وفي عصر الأزمات لا تتوارى عن اهل الحب السماء التي يحجبها الكثيرون عن انفسهم وهي تخترق نفس من احب اختراقها لكي تجعله منذ الآن انسانا ملكوتيا.

                      لماذا نقيم هذه الذكرى في منتصف زمن الصوم؟ اننا قد لاحظنا ان بعضا من الصائمين يملّون جهادهم وينحون الى الاسترخاء فلئلا تضيع صورة المخلّص عنهم نضع لهم هذه الصورة التي اذا انطبعت في قلوبهم تمكّنهم من الاستمرار بالجهاد اذ ليس يجوز في الحب الملل ولا يسوغ التراجع بعد ان نزلت عليك الرؤية. وينتج عن قبلة الصليب ان المؤمنين يتعانقون وقد عرفوا ان السيّد نفسه بموته قد عانقهم ونقّاهم ورفعهم بالروح الى الآب.

#         #

#

                      ينتج عن هذا ان قتل النفس لا يجوز طلبا للسلام. فالرب لا يميت ولكنّه يؤدّب. وانت تدع خصمك او من ظننته كذلك للرب الذي يحييه بتهذيب من عنده فإنك ان قتلت احدا تخرجه من إمكان التوبة وتتحجّر نفسك او تنصدع بحيث يستحيل عليك ان تضمن لك توبة في اي يوم من ايام حياتك. وامام حرمة الحياة يستوي الخاطئ والصالح. كلاهما الله ضامنه وواعد بتنقيته وهو الذي جعل في يديه وحده سلطان الحياة والموت. ونحن نعيش بعضنا مع بعض على رجاء كسب كل منا الطهارة الذي تنزل علينا من فوق.

                      لم يفوّض الرب أحدًا بأن ينفّذ عنه موت الآخر وهو القائل لكل قاتل: «قايين، قايين اين أخوك؟» اي كان عليك ان تعايش أخاك الذي لم يكتب عليه الفناء بيد أخيه. وتعميم المعنى ان كل انسان اخوك لأنكما اتخذتما عطاء الحياة الواحدة ووعدا إلهيا بأن تنموا معا. واذا خفت نشوز اخيك فعليك بالموعظة الحسنة وان تصالحه بالرأفة التي فيك عسى الا تنبت بذور الخطيئة ويرد لك الصالح بالصالح وتلتقي نفسك بالبهاء الذي في نفسه اذ ليس من احد خاليا من البهاء.

                      كان عندي قبل الحرب في لبنان موظّف نسمّيه قواسا وهو حارس للأساقفة في بلدنا وللقناصل والسفراء في استانبول وهذا من باب رعاية السلطنة العثمانية لهذه الفئات من الناس وكان لهؤلاء الحق ان يحملوا سيفا وفي العصور الحديثة مسدسا. وفيما كان هذا الشاب يتمشّى في بيتي امامي احسست ان تحت سترته مسدسا. سألته: ما هذا؟ قال هذا سلاح رخصته الدولة. اجبته انا لا اريد ان تحميني لأني اؤثر ان أموت من ان يُحكم على شخص آخر – ولو قتلني ـ بالاعدام او السجن المؤبّد وغالبا ما كان رب عائلة وانا ليس عندي عائلة وجرّدت الرجل من السلاح.

                      الرب أعزل ونحن على مثاله وليس لنا شأن بالسلاح. لذلك كنت دائما اكره كلمة صليبيين التي اتخذها الفرنجة في القرن العاشر لما هاجموا بلادنا. كانت صدمتي بأنهم يقتلون باسم من قال: «يا بطرس رد سيفك الى غمده لأن من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ». وهذا الكلام جعل الملايين من المسيحيين يشهدون اذا استشهدوا. وهذا الكلام ادخل الى القانون الكنسي ان الكاهن او الراهب لا يسوغ له الدفاع عن نفسه لأن في ذلك احتمال قتل لآخر. والقانون عندنا يقول ان الكاهن لو قتل شخصًا  عن غير عمد اي بحركة خاطئة ينبغي ان يوقف عن اقامة القداس الإلهي كل ما تبقى له من حياة.

                      لما حل المسمّون بلغّتهم صليبيين في بلادنا وأمعنوا فيها الفساد كان عند المسلمين لياقة اخّاذة انهم سموهم فرنجة ولم يسمّوهم صليبيين لعلمهم ان المسيحيين لا يقتلون.

                      المسيحيون باقون بقوة المسيح فقط ولا يسعون الى طريقة اخرى وهم يغفرون للقاتل. ليس لديهم سلاح آخر وما لهم شهوة النفوذ ولا الحكم ويعرفون ان الغلبة لكلمة الله ومشيئته. لذلك لا يقتنون سلاحا وقد قيل لهم: »لا تخافوا ممن يقتل الجسد خافوا بالحري ممن يقدر ان يلقي النفس في جهنّم« وجهنّم، طبعا قائمة للمعتدين.

                      ليست الدنيا تقاسم غنائم. انها إنفاق مغانمك على المحتاجين والمحتاج اذا شاركته ما عندك يرفعك الى السماء لأنك لا تقدر ان ترفع نفسك وحدك الى السماء ولكن يرفعك الإخوة ان احببتهم والإخوة هم كل الناس الى اية عقيدة انتموا. وانت قادر بالرحمة ان تجعلهم من اهل السماء في اليوم الذي يديننا الله فيه اجمعين. «يأتون من المشارق والمغارب ويجلسون في احضان ابراهيم وابناء الملكوت يلقَون خارجًا». ضمانتك الوحيدة لتصبح من ابناء الله ان ترى ان لله أب لجميع البشر.

                      انا ما دعوتك الا تنادي بالمساواة بين ابناء الوطن الواحد. ولكن اعلم ان ليس لك كرامة مستقلة عن كرامة الآخرين. وعليك ان تطلب حريتك لأنها هي الكرامة. ولكن قد تداس. عند ذاك تسعى الى الآخر بالكلمة ونضال الكلمة ولا تكون من زبائن الاجنبي لأن ذاك لا يصون الا نفسه ولو قال غير ذلك. والكلمة فعالة ان كنت انت عظيمًا في الحب. قد يكون لسواك لغة غير هذه اللغة. هذا شأنه وله من يدينه. اما انت فلك فقط جهاد النفس. ولا احد يقدر ان يكون على قلبك طاغية وانت انسان القلب ولا سيما ان المسيحية لا تعرف نفسها كتلة بشرية او حزبية. لذلك لا تناصر الا المظلومين ولكن دائما بالكلمة الحلال والبروز الطاهر للنفس. واذا كنت من القارئين فالوحي عند المسلمين يقول: «من قتل نفسًا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (المائدة ٣٢). فعلى صعيد التعامل الشخصي نحن مع المسلمين واحد.

                      لذلك كانت الميليشيات كلها باطلة في عيني الرب وكان القتال الداخلي باطلا ايضا في عينيه. واعلم ان الفتنة مدخل الى القتل.

                      نحن جميعا مدعوون الى الجدية كاملة اذا اردنا الا يموت احد بيدي انسان فنكون من الظالمين فكل منا وكيل الآخر على حياته ونموه وازدهاره والحفاظ عليه في كل ظرف من ظروف البلد وفي كل ازمة من التاريخ حتى يعلو حق الله ولا نمحق وجودا جعله الله لمجده وصانه مع عياله وفوّضنا امر حياته مهما اشتدّت علينا المحنة اذ الرب قادر ان ينجينا من وطأة التجارب بسلام ينزله علينا نعمة من عنده.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الحرية الكاملة / السبت ٣ آذار ٢٠٠٧

ان تكون على علاقة حميمية مع الرب يعني ان تكون حرا من كل انسان وفي البدء حرا من قلبك. انا افهم ان تجمعك مع قومك – اهل الضيعة او بني طائفتك ـ انسجام عاطفي، طبائع متقاربة، عصبية تاريخ، دفء. ولكنك لا تجيء منهم لأن عمقك لا صلة له باللحم والدم ويجب الا يكون اسير التاريخ  ولا أثر فيه للخوف اذ الخوف يحدث القوقعة والقوقعة تحتاج الى تلك الحرارة التي تجعلك من ذويك او بعض من ذويك.

                      اما اذا نزلت من فوق حيث انت جالس مع الله ولو سرت على هذه الأرض فالسماء مدخلك الى الناس وانت مرجعهم اليها اذ ينشدون بك الى رب السماء ويتصرّفون هنا كأهل سماء فاذا عادوا اليك لا تحركهم عصبية ولا يثيرهم سلطان شهواتهم اذ يعرفون انك لا تشاطرهم شهواتهم لأن ما يحركك انت سلطان لا يأتي من تراصهم ولا من غضبهم الجماعي الذي يأتيهم من انتفاخهم.

                      افهم ان تدفع لحمة العقيدة الى خدمة ذويك ولكن الخدمة ليست التناصر. انت تنصر اخاك على الظلم اي اذا بات مظلوما ولكنك لا تنصره اذا ظلم هو نفسه لمجرد ان بينك وبينه نسابة او وحدة دين. الدين ينزل من عند الله ولكنه لا يصل الى كل النفوس او يصل مكسورا او مجزأ او مشوهًا. هذا الإنسان لست كفيله في اعوجاجه. ما من شك انك راعيه ولكنك انت راعي الآخر وتضحي من اجل الراعي والمرعي.

                      انت من رعية اهل الله فقط ولك معهم عهد الطاعة للإله الجامع بينكم. وانت فيهم كفيل الفقراء والبسطاء لأن هؤلاء الله نصيبهم. واذا كنت من ذوي اليسر فاقترب اليهم ليعرفوا ان الخلاص في الدنيا يعطيه المحبون. اجعل المحتاجين مجتمع الحب اي الذين يعرفون ان الرب يملأهم من خيرات الأرض ويعزيهم بما يقوله لقلوبهم وبما ينفحهم من نفحات الروح.

                      ولكن هذه المجتمعات التي ينشئها الروح الإلهي والنفوس الملطفة به مولودة عند فجر الجودة وليست من المدى ولا الزمان ولا تتموضع فيهما. لذلك لا يسري عليها حكم التراص. من هنا انها تبدد بلاقوة فهي لا تتفاخر بما تملك اذ لا يعني لها ما تملك شيئا وتشعر بأنها كلما افتقرت الى الله تزداد هنا قوة وعزما واذا تعرت فالله ثوبها او جاعت فهو طعامها. لذلك ليس لها وجود بمقاييس اهل الدنيا، ولكنك تحس بغيابها اذا غابت.

#               #

#

                      لا يفهمنّ احد اني احزن اذا رأيت لصوق المسلم بالمسلم او المسيحي بالمسيحي على سبيل المثال. ففي كل مجموعة تراث واجبة رعايته وربما اتسمت كل طائفة بطبائع جميلة ولياقات تحمل السلام وسكائب روحية تشفي النفس المتعبة. المسألة كلها في حركتك الى من كان من مجموعتك الروحية ومن لم يكن منها على المستوى الجماعي كان هذا او على المستوى الفردي. هنا لفظة طائفة في لبنان ملتبسة. على صعيد القلب. انت معها لأنها وريثة الله بتعليمها وصلاتها ولست منها في حركتها الاجتماعية اذ يجب ان تتحرك وطنيا فليس من وطنيات صغيرة ضمن الوطنية الكبيرة. انت ليس عندك اصطفاف طائفي الا بسبب قيود الدولة واذا كنت مسيحيا لك مع إخوتك المؤمنين اصطفاف في جسد المسيح وهذا لا يعني شيئا على المستوى الأرضي الا ما نسميه اعمال الرحمة. ولكن ليس من تضامن ازاء تضامن وتنتفي هنا العصبيات.

                      من هنا اود ان اقول ان في الحياة الدينية شيئين مختلفين كليا وهما العقيدة والمحبة. فعلى مستوى العقيدة انت موحّد مع ابنائها وهذا يراه الله وله تعابيره في العبادات. اما المحبة فواحدة لجميع الناس إطلاقا فأنت محسن للمؤمن بديانتك ولغير المؤمن بها وتنصر اهل الحق وتقوم معهم بحركة واحدة نابعة من القلب.

                      من هنا اني لا افهم كلمة الأمة كما يستعملها المسلمون. لا انكر على المسلم ان يكون اخا المسلم في العقيدة ولكن هذا لا معنى له في الاصطفاف. اركان الاسلام شيء آخر وتوحد.  ولكن وحدة القلوب واحدة مع كل الناس بما فيهم المشركون والملحدون لأن الله وحّد نفسه بهم بما يسميه المسيحيون أبوة الله.

                      الأمة هي امة الله حسب الاستعمال القرآني واذا شنت استعمالها هكذا ولا تريد ان تتطوّر الدلالة لا مانع عندي. عند ذاك يجب ان تفتش عن مفردة اخرى للدلالة على المجموعة الوطنية حتى تحس انك واحد منها وواحد فيها. من الواضح ان المجموعة الوطنية كيان عضوي او جعلناه عضويا بسبب التوحّد الوطني الذي اصطلحنا عليه. كذلك الطائفة كيان عضوي قائم على المعتقد الديني. الكتلة الوطنية، مجموعة، لا دين لها ولذلك اذا تكلمت على دولة دينية – وهذا زال في الشعوب المسيحية – تعني استلهاما لقانونها الوضعي من شرع إلهي. وهذا ما هو حادث في الدول الاسلامية ولكن حيث لا شرع مسيحيا لا مجال لدولة مسيحية. من هنا انه لا مهرب من وجود كتلة وطنية موحّدة بالروح الوطنية والإخلاص لدولة ولكن ليس فيها إخلاص لمعتقد ديني كما انه ليس فيها من إمكان لنفي اي معتقد ديني اذ تبطل ان تكون دولة لتصير كنيسة او امة إلهية كما هي الحال في الاسلام. بكلام آخر، انت مضطر على العلمانية اذا اردت ان تقيم دولة بالمعنى الحديث، ذاك الذي يقوم فيه التمييز – ولم أقل التفريق – بين المعطى الإلهي والمعطى الدنيوية

                      نحن في لبنان لسنا مرتبطين كدولة بمعطى إلهي. لذلك ارتضينا الطوائف كما ترتضي هي نفسها دون ان نناقش اساسها الديني.

                      من هنا انه يسوغ ان تكون لمجموعة طوائف موقف وطني واحد لأن هذا الموقف مبني على المصالح الوطنية التي هي من هذه الدنيا.

#              #

#

                      هذا الفكر الحديث ما في ذلك ريب مصدره فلاسفة عصر الانوار في القرن الثامن عشر وقبل هذه الحقبة لم تكن من دولة حديثةولم تكن حرية دينية ولا شيء يقنعي  ان الدولة الدينية تعترف بحرية الاأديان بصورة كاملة. لها ان تعترف بشيوع الوظائف على كل المواطنين وحرية العبادة ولكنها لا تعترف بالامتداد غير المحدود للديانات الأخرى ولا بالحوار الديني اللانهائي او الدعوة او التبشير.

                      عندنا اليوم تكتلات حزبية من مختلف الطوائف وهذا بحد نفسه حسن وقد يكون هذا شبه ضمان لعدم الاحتراب الديني او المذهبي ولكن لا يعني هذا اننا استأصلنا اساس التوتر الطائفي اذا تغيرت الأحوال السياسية. اتمنى ان يعني هذا اننا فصلنا الدين عن القتال. واتمنى – اذا صدقنا جميعا – ان نزيل اسس التحارب في علمنة معيشة وان لم نقل بها جميعا من الناحية النظرية.

                      اذا حل السلام – وهو اسم من اسماء الله الحسنى- نفحص في جو من الأخوّة الشأن الديني المجتمعي وإمكان الحوارات الدينية والتلاقي بين الأديان في المجال المجتمعي وربما في المجال النظري بحيث نكافح الانغلاق النظري وتاليا الانغلاق الحياتي.

                      ويعزيني انا المسيحي الارثوذكسي اننا غدا نعيد لقديس عاش في القرن الرابع عشر يدعى غريغوريوس بالاماس اوضح المعتقد المسيحي القديم القائل بأن ثمة قوى إلهية أزلية نشترك فيها فنكون آتين روحيا من الله نفسه تقديسا كما أتينا منه خلقا دون ان نقتحم الجوهر الالهي لأن هذا يكون شركا. متى يصبح اللبنانيون مألوهين (والكلمة اسلامية) ؟ اي متى يتخلقون بالاخلاق الإلهية (والعبارة اسلامية ايضًا)؟

                      كل رؤية اخرى ترقيع. البلد لا يقوم فقط على القوانين والمؤسسات. هذه حسنة ولا بد منها. البلد يقوم على الطهارة وهذا ما يسمونه – باللغة السياسية مكافحة الفساد. غير ان طهارة الوزراء ومندوبي الأمة وموظفيها هي اعلى درجة من مكافحة الفساد. هي ان يدنو اهلنا من الله دنوا صادقا، شجاعا حتى يصبح الله – في عقولنا- ملك البلد كما هو في ذاته. متى نعترف بأن لنا في الطاعة له حياة فضلى بل افضل حياة؟ هذه هي حريتنا الحقيقية التي اذا اقترنت بالحريات العامة تقيمنا في تجليات عظيمة.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

وحدتنا المرجوّة / السبت ٢٤ شباط ٢٠٠٧

دائما في التاريخ ما هو المحجوب، غير المقول. فالواقعة ليست هي الواقعة التي حسمت ما يكتب المؤرخون عنه. كان هذا دائما معروفًا قبل ان يكشف كارل ماركس ان الاقتصاد هو الذي ينشئ السياسة وانك مدعو ان تعرف ما يكشف السياسة من وراء الحدث. على سبيل المثال انقسام الكنيسة الغربية والكنيسة الشرقية وكل حدث كنسي ظاهر وراءه دول متصارعة او دول ناشئة تتمرّد على اوضاع امبراطوريات قائمة. لولا تحالف لينين والدولة الألمانية مثلا لما استطاع السفر من سويسرا الى بطرسبرج ليقود الثورة.

              هنا يلعب الدين دورا رئيسا. هل بالدين وحده انتصر صلاح الدين الأيوبي وهل بالمسيحية وحدها جاء الافرنج ليحتلّوا دار الاسلام؟ والأذكياء يعرفون دائما كيف يهيجون الجماهير بقوة عقائدها والمطلوب آخر. والعقلاء الأصفياء الأذكياء  يعرفون بدورهم فصل الشأن الديني عن الشأن السياسي ابتغاء السلام.

              الدول ليست جمعيات خيريّة مهما تظاهرت بالمثالية. نحن الذين عشنا زمن الاستعمار كنا قد قرأنا عن اتفاقات فرنسا والسلطة العثمانية لحماية كاثوليك الشرق. وكنا نفهم، آنذاك، في الاطار التربوي الذي كنا فيه، ان هذا كان حماية للأقليات من السلطان التركي. هذا كان في القرن السادس عشر ثم عثرت في مجلة اختصاصية عن رسالة بعث بها الملك لويس الرابع عشر الى قنصله في احدى مناطق البلقان اي حوالى مئة سنة بعد هذه الاتفاقات برسالة يذكره فيها ان حماية المسيحيين في السلطة انما هو اساسي لمصالح فرنسا.

              في هذا الخط كشف امين معلوف في كتابه عن الصلبيين ان بعض الامراء العرب في العهد الافرنجي كانوا «فاتحين» على الافرنج ضد الخط السياسي الاسلامي. ليس المجال ان املأ هذا المقال بأمثلة من كل العصور وفي كل بلدان العالم. القصة ان السمكة الكبيرة تأكل الصغيرة وقبل الافتراس يجري حديث بينهما عن وحدة جنس السمك.

              هل يعني هذا انه لا مفر من هذا الابتلاع ومن المحادثة المهيئة له وان السياسة البادية غطاء لسياسة كامنة وان السعي الذكي وحده هو ان تحمي نفسك من الآخر. وبعبارة اخرى ان ثمة تعايشا ظاهرا وان الحقيقة ان كل فئة تسعى الى ضمانة استمرارها ما امكنت الضمانة في تاريخ الناس. وما من شك ان الثقة تضعف لعاملين: اذا تبيّن ان جماعة تنمو وتتقوى في حجم غير مسبوق و/او ان قوة خارجية تدعمها سعيا منها الى النفوذ. واذا تضاعفت القوة بالنفوذ قد تتلاشى الثقة كما تتلاشى ثقة السمكة الصغيرة بالكبيرة في لحظة من حوار السمكتين وقد تأتي سلاسة الحديث بينهما استعدادا لإلغاء الحديث بالموت.

#            #

              هل حان وقت الثقة بين الكبار في لبنان بعد ان تعرض التوازن الى اختلال ام ان اذكياء الأطراف المتعارضة يعرفون ان السلم الأهلي قائم على توازن لا مفر منه لكون الحياة احب الينا من الموت ولأن الموت ولو اختفى حينا يعود حينا آخر؟ ولست اقصد بالموت القتال الذي هو فشل السياسة تأسيسا على ان الاذكياء يرون ان الحياة المهتزة مهما تعسّر سيرها تبقى في الفقر والتشنّج افضل من التقاتل علما بالخطر العظيم الناتج من التوتر الداخلي. واذا بقي الامر متروكا لأهل البلد فهم يؤثرون التفاهم لأنهم يخشون الدم والغريب لا يدفع ثمن هذا الدم. ولكن هذا يفترض ان كل فريق يتخذ مسافة مع من يحالفهم ويؤثر الشقاء مع اهل بلده على الاستقواء بالاجنبي.

              هذا يعني تحييدا ما للبلد عن الصراعات الاقليمية والدولية وهذا يعني افتراقا رضائيا في الأزمات بين اللبناني وحليفه وفي بعض من التشريعات المدنية ليس من طلاق بالتراضي ولا سيما ان التراضي كثيرا ما كان غائبا عن العلاقات الدولية ونعود الى صراع السمكتين.

              المسألة المعقدة هذه اذا اردنا في الحقيقة الا نموت، ان يتفاهم اهل البلد على توازن متجدد بين الافرقاء اللبنانيين يحفظ لكل فئة من البلد نفوذها ولو صغر حجمه اي لا بد من اتفاق على ان نصغر معا وان نكبر معا على معايير يتم الاتفاق عليها. هناك لا بد من شكل جديد للتعايش او على صيغ جديدة في بلد يبدو انه قرر البقاء على الحياة. فهل اذا تجاوزنا الحياد العملي فيما بيننا نقدر ان نصل الى حياد بمعناه الحقوقي المتعارف عليه في سويسرا اي ذلك الذي يعترف به الجيران وفي وضعنا ان تقره سوريا واسرائيل بحيث تضمنان حريتنا الكاملة علاقات هدوء ونضمن لها نحن عدم محاربة الجار بعد اتفاق تضمنه المجموعة الدولية وهذا بعد حل الأزمة الداخلية القائمة.

              الحياد بمعنى اللاحرب بهدنة طويلة او سلم نهائي لا يعني شيئا على مستوى التعامل الاقتصادي او المشاعر او الانتساب القومي. فنحن بتركيبتنا التاريخية واللغوية لن نبقى على مسافة واحدة من اسرائيل وسوريا. ان تهادن لا يعني انك تعشق فنحن في الصميم نرفض الصهيونية فلسفة ومسلكا وتوسعا على حساب اية ارض عربية ونؤمن انها جسم في هذا الشرق هجين حتى لا اكرر ما كتبته غير مرة في اوربا ان هذه الدولة «حُبِل بها بالاثم وولِدت في الخطيئة». ومع ذلك نعرض صلحا او معاهدة عدم حرب لأن هذا في مصلحتنا. العداء الشعوري يبقى عندنا وعدم التطبيع الشعبي يبقى عندنا ولكن نتفق على السلم الواقعي.

              ونبقى على الأخوّة العربيّة مع سوريا وقد نختلف كما يختلف الإخوة. ولكن الإخاء السياسي كالإخاء في الجسد يعني ان اخاك ولو احببته ليس هو انت. قول الحلاج: «انا من اهوى ومن أهوى انا /  نحن روحان حللنا بدنا» مبني على ان ثمة ذاتين متلاقيتين على أقصى ما يكون عليه التلاقي. الندية على المستوى الحقوقي هي الكلمة. والندية في كل زواج هي القاعدة وفي التراثين الديني والمدني ان الحب يفترض ان يرى الزوج الى الزوج على انه آخر مع الاحترام المتبادل وهذا فيه الكثير من المساواة.

              واذا صح كلام الرسول العربي عند لقائه امرأة متبناه زيد: «سبحان مقلب القلوب» نرجو ان يميل الينا قلب سوريا الأبدية والمجموعة الدولية اذا لم يبقَ من مجال للاستغراق في التاريخ والاعتقاد بأننا بلد واحد. حقوقيا نحن صرنا بلدين منذ اول ايلول السنة الـ ١٩٢٠. ولا ينطق لسان لبناني واحد اليوم مهما كانت موداته بأننا بلد واحد.

              ولكننا لا ننسى التاريخ ولا الانتساب العربي الواحد وضرورة التعاون الصادق والنمو المشترك في الحياة الحضارية. وهذا كله اذا ذهبت عنا الغيوم السوداء من شأنه ان يتجدد ويقوى ومن شأنه ان يقنع الاشقاء السوريين بأن استقلالنا هو في مصلحتهم على كل صعيد. هذا الحياد اللبناني بالمعنى الذي اعطيته في هذه السطور لا يعني اننا نفقد حرارة المشاعر وواقع تعاون كامل وكبير. ويزداد تقاربنا ما ازدادت حرية كل بلد من البلدين ويأتي الخصب الفكري والاقتصادي بمقدار هذا التقارب.

              هذا يعني توبة اللبنانيين جميعا الى وحدة بلدهم وإيمان متجدد بقدرته على البقاء والعطاء.

#                  #

#

              غير ان هذا كله فقط ممكن اذا كنا على استقامة الرأي بالمعنى الموافق الحياة السياسية اي اذا اعتبرنا استقامة واجبا ملازما لوطنية نتربّى عليها وفق فكر لبناني قائم على تراث لنا أكيد. وهذا يرافقه طهارة عيش في المجال السياسي لا سيما الصدق في التعامل وإتقان وجودنا إتقانا كبيرا.

              الاوطان كلها تُبنى تاريخيا وليس من وطن منزل. نحن شكّلنا انفسنا شعبا او شعوبا قادرة على الانسجام في واقع سياسي معقول ولا مجال لتردنا الى هويات مذيلة. لقد تشكّلت لنا هوية لبنانية قادرة على العيش في ظل نمط حضاري لنا معقول في العالم العربي وغير بعيد ان نعلو به خلال بضعة اجيال الى مستوى اوربا الغربية.

              وعندنا كثافة تاريخ كافية لتمكننا من مستقبل تاريخي فيه شيء من القوة. ونحن نرفض تسطيح الذاكرة التاريخية ان كانت جامعة لكل اللبنانيين مع المحافظة على هوياتنا الدينية المنفتحة، الخلاقة على اساس مكافحة الانغلاق فيها دون العيش الواحد الذي ارتضيناه. هنا يأتي دور علماء الدين في الإسلام واللاهوتيين في المسيحية ونحن هادفون صفاء الرسالة الروحية حتى لا نموت اختناقا في هذا الوطن الصغير في حجمه، الكبير في دعوته.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

أخطار قائمة وعابرة / السبت ٢٠ كانون الثاني ٢٠٠٧

لا يسعك ان تعرف اذا كان من ظننته محتضرًا ذاهبًا الى الموت. بالرغم من اقتراب الموت يصوغ اللبنانيون نظريات في بلدهم. لبنان الرسالة، اية رسالة؟ الواقع المرير يذهب بنا الى الخيال وهو مكان التسلي الكبير والانفتاح على المجهول. كفوا عن التساؤل اي لبنان نريد لأنكم مهما أردتم لن يكون لبنان الا بكم، كما انتم على عصبيّاتكم وخذلاتكم امام تحديات التاريخ، لأنكم لا تريدون ان تتلاقوا. كل منكم يريد لبنان على صورة العظمة التي يقرأها في تاريخ طائفته. يأتيك بمعميات عن لقاء المسلمين والمسيحيين ولم أسمع أحدا يقول شيئًا عن عناصر هذا اللقاء او كيفيّة هذا اللقاء. اي لبنان؟ كلّكم يريد لبنان الماضي يأتيه من هذا الجبل او من صحارى العرب، يأتيه من هذا الكتاب المقدس او ذاك ولأنه يؤمن في أعماق نفسه ان الصورة التي يستلهمها من كتابه سيلصقها  على البلد فينشأ البلد. لا أحد يجيء من الكل الا اننا جميعا نتكلّم على الكل. كيف الاقسام بما هي عليه من تراث تصبح كلا؟ على اي اساس تحيا متشاركة. عندما ينص الدستور عن مخالفة العيش المشترك نستشفّ استشفافًا فقط انه يرفض مشروعا تقسيميا او مشروعا يؤدي الى التقسيم ولكنه لا يقول شيئا عن مدلول المشاركة او السبيل اليها. ويسحر اللبناني بالكلام على التعدد ولكنه لا يقول كيف بهذا التعدد يحقق شيئًا من الوحدة ولا يعرف شيئًا عن طبيعة هذه الوحدة او ابعادها او تطلّعاتها. اللبناني معجب بنفسه وبما يتصوّره كيانا له ولا يزال تاليا ابن الفكر السابق للوجود اللبناني. لا يحب الوجود. يحب التأمّل في الوجود ويعطي نفسه شهادة في الفرادة. يظن نفسه عالمًا بالآخر ولكن عنده ان الآخر يتكوّن بمقدار تشبهه به.

          هو مضطر الا يلغي الآخر ولكنه يتمنّى لو كان الآخر مثله لأنه هو النموذج. اللبناني يتلهّف الى الوحدانيّة التي فيها نجيء من قالب واحد ولا يجيء من الوحدة التي بها ننسجم بالآخر ولا نلغيه او عندنا شهوة ان يلغيه القدر بطريقة او بأخرى او ان يفنى تأثيره او يضمحل. اللبناني في اعماق نفسه تقسيمي او انقسامي. اللبناني شاعر بحيث انه كالشاعر يخلق لنفسه عالما خاصا به والشاعر عنده غواية عظيمة وعيشها اسهل من عيشنا في العالم كما هو في كل تمزيقاته وصدماته لأن هذا العالم في جراحه يتطلّب منك مواجهة وكل مواجهة تعرّضك الى الخطر او الى الصدق والى ان تكون واقفًا في الوجود.

#            #

#

          هذا الخلل الوجودي، الكياني في شعبنا يقتضي اولا الا نعتبر أنفسنا شيئًا كبيرا. لا بد ان نؤمن اننا نجيء من لبنان كائنة ما كانت ينابيع الفكر والإحساس التي يستقي منها هذا الفريق او ذاك واننا لسنا مرتهنين لهذه الينابيع ولا مرتهنين لما هو خارج الحدود. انا هنا لا أشير الى اية شريحة ولا اتهم اية شريحة. ولكني اقول إنه ينبغي ان نعيش في الحق الحاضر. لا أكسر القلوب. والخيّرون منا يجيئون من ينابيع كثيرة ومختلفة وقد تكون في كل نفس ميول متناقضة او متضادة. ولكن لنا ان نناقش كل فرد وكل جماعة في ما تدعيه ميزة لها فكل شريحة تحت التشريح ولها وجهها المجتمعي ولكن ليس من جماعة مقدّسة. ولكن اذا لم نطرح جدلية الوحدة والتنوّع نكون أسرى هذا او تلك ولا نؤلّف أمة في مسيرة التكون وغير هذا تراكم جماعات ليست في حالة التلاقي. وحالة كهذه تعني ان ما سماه الدستور عيشًا مشتركًا انما هو امنية وليس مسيرة.

          وفي هذه المسيرة نحن – حسب الدستور الأول- أمة لبنانية – أمة لبنانية ليست جزءًا من أمّة أخرى وهنا لست أشك في انتمائنا الى العالم العربي وقد تكرّس ذلك في الدستور الحالي. ولا مانع من ان نعطي معنى مزدوجًا لكلمة امة. غير ان علماء السياسة اصطلحوا على عبارة دولة -امة Etat- nation. ولكن ما هو اهم من مفهوم الامة مفهوم الوطن اي الارض ذات الحدود الدولية ووحدتنا في هذا الوطن وبهذا الوطن ومن أعمالنا فيه ان ننشئ  دولة واحدة ذات سلطان على كل التجمّعات الدينية على مستوى هذه الدنيا. اما ان نقول ان لبنان فوق طوائفه فيجب ان نعني ان مصلحته فوق المصالح الطائفيّة المنفردة ولا تعني روحيا انه اهم من كل طائفة لها علاقتها بالله، بهذا الإله الذي فوق الأوطان.

          هذا كله ليس فقط سياسة. هذا فلسفة وجود او اذا شئتم هذا تحول روحي وبتعبير اوسط هذا توبة وعندنا تعني اولا رجوعا الى الصدق الكامل ومحبة لكل الذين نعايشهم وذلك احتراما كاملا لما هم عليه من عقائد ورجاء لقاء انساني حر وتفاعل يومي لا يخفي خوفنا وذلك بسبب رجائنا ان الخير والبر قائمان في كل مجموعة وان كل مجموعة تستحق الحياة الكريمة وهذا ما يشكل وطنا اي ارضا وناسها فلا يحجب احدٌ أحدًا ولا يكم فاه ويبقي مجالا لمواجهات سلامية وشرعية في ديمقراطية ما ينبغي ان نبحث عن صورتها في معطيات البلد ليس وفق تراثاته المختلفة وحسب ولكن وفق تطلّعات واحدة لمنفعة كل المناطق في عدل كامل فيعتاد بعضنا بعضا ونذوق بعضنا بعضا ولا نتراص عدديا فقط ولكن نتداخل روحيا وعقليا وفي مجالات العمل وهذا ليس فقط سياسة ولكنه بنيان حضاري لا يقوم فقط على ذاكرات جماعية ولكن على تطلّعات الأزمنة الآتية بما هو توفيق الرقي العلمي والرقي الروحي معا.

#           #

#

          هذا يعني طغيان السياسة على حياة الوطن وان كان كل شيء يتصل بالسياسة بطريقة او بأخرى. في بلدنا السياسة ان تتدبّر شؤون كل شعبنا مجتمعا وان يتدبّر هذا الأمر الناس جميعا متمثّلين بمن يحسون انهم يمثلونهم مجتمعين. هي اذا تتنافى وسيادة اية طائفة كائنا ما كان عددها لأنها عند ذاك تحس بأنها هي الأفضل. والتواضع يمنعها عن ذلك ولو كان لها ميزات كثيرة تؤتاها من تراثها او خبرتها او نضالها. نحن في وطن نعطي بعضنا بعضا ما نتميّز به ولو كان هناك ما لا يُعطى بسبب من عقيدة او تاريخ. والوطن لا يعني ان نزيل عن كل شريحة لونها ولكن ان نقتبس منها ما يروقها اذ ليس من طائفة لا كبر فيها ولا بهاء. ولكنا نحن بما نعطي. وان لم نعطِ يعني اننا نخاف ومن استغنى بثروة روحية له يبددها لكي يدخل الكل باب العظمة الحق.

          وهذا يعني ان السياسة هي قبل كل شيء تربية نربي بها بعضنا بعضا فننتظر نمو الآخر ونسر لنموه اذ يمدنا هذا بشعور الاتكاء عليه. اما اذا كان بيننا التفاوت الثقافي عظيما فهو خطر على الوحدة لأنه يتضمّن شعور التمرّد على الوطن مجتمعًا.

          ولو كانت السياسة في كل شيء الا ان من اهم غايتها ان تسوس الاقتصاد اي عيش الناس بكرامة لأن نمو الانسان ليس بما يقوله في ادارة الشأن الوطن ولكن بما يعمل. ففي الانتاج الفكري او المادي بعد الرقي الروحي يحقق الانسان ذاته ويحب الارض التي فيها يعترف بقيمته اية كانت مهنته وايا كان مستواه العقلي. والسياسة العظيمة هي الاعتراف بأن هذا الوطن فيه طاقات طبيعية كبيرة وانه يجب تفعيلها الى الحد الأقصى لنعيش معا بعدالة وبأعظم ما يمكن تحقيقه من كفاءات. وهذا ما لم يدركه القيمون على البلد بصورة مرضية منذ الاستقلال اي ان البلدلم يكن مسوسا وفق المعايير المتعارف عليها في البلدان الراقية.

          وشعبنا اليوم فقير لا نزاع في ذلك اي انه غير حاصل على التقدير الذي يستحقه ولا على المحبة التي يحيا بها كرامته. انا اعرف اولادا لا يستطيعون ان يتعشوا واعرف اولادا سقطوا في ملعب مدارسهم لأنهم حرموا العشاء والفطور معا. وهذا لا يرصفنا مع البلدان الراقية. هناك حد ادنى من العيش هو حق لكل المواطنين. واذا ما ركزنا جهودنا على هذا العيش البسيط لكل من اللبنانيين تأخذ السياسة وجها آخر وتفقد الكثير من ثرثرتها. فلتكن مواجهاتها السياسية باغية الطعام والدواء وتدريس اطفالنا بما يجعلنا غير مهددين بالجوع لنستطيع ان نفكر ونقلع عن الهجرة ويكون حبنا للوطن مرتكزا لا على مدح الشعراء له ولكن على اعتراف الوطن بنا بشرا خلقوا على صورة الله ومؤهلين لأمور عظيمة.

          أفهم ان يكون الإنسان محتاجًا “والمحتاجون عندكم في كل حين” على قول يسوع الناصري ولكني لا أفهم في وطن يدّعي الفرادة والحرية ان يعج بالبؤساء. هؤلاء اخوتنا ولهم مثلنا جميعا الحق في حياة طيبة وعيشة عائلية هنيئة. هذا هو الخطر الحقيقي علينا واذا واجهناه بجدية نكتسب بحرية الحق وبركات السماء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الصوم / السبت ١٧ شباط ٢٠٠٧

في الكنيسة البيزنطية قرأنا الأحد قبل الماضي من انجيل متى مثل الابن الشاطر او الضال ويرصف الانسان نفسه مع هذا الفتى الذي أخطأ الى أبيه وغادر البيت واستهتر عائشا بالخلاعة. الكلمة العربية بحد نفسها تذكرني بالانخلاع عن الحب الأبوي الذي يكتنفني به ربنا مهما كان ضلالي. كلنا يعرف الخطيئة ولا يعرف كيف جاءته وقست عليه الا عند توبته. المثل الانجيلي حكاية يؤلفها السيد والسيد أديب في بشريّته يبسط الحقيقة الى البسطاء ليفهموا ويرتدوا والى علماء الدين كيف فهموا ايضا وتقوى قساوة قلوبهم. المثل ينشر الانجيل في الطاهرين ويقلق الذين آثروا الدنس وهم يعلمون.

         اما الاحد الماضي فرسم يسوع قصة اخرى يتحدّث فيها عن الدينونة التي يقوم هو بها. يقول السيد انه يجلس على كرسي مجده. لا فرق بينه وبين المجد. “وتجتمع اليه كل الأمم”. ولفظة “امم” مصطلح يعني هنا البشرية كلها ويدان من ظن انه ورث الشريعة وانها تزكيه. الشريعة تفضح فقط شقاءنا وتلزمنا الرحمة لنخرج من هنا وفي يوم الدينونة لا يدخل احد ببرارته ولكنه يدخل بالرحمة. هذا تعليم آبائنا النساك الذين جاهدوا حتى الموت ورأوا انهم “لم يصنعموا شيئا صالحا على الارض” وان الحنان الالهي فقط ينشئ فيهم ذلك البر الذي يجعلهم من ابناء الملكوت.

         المسيح ديان لأنه الضابط الكل. وكان على الكل ان يعرفوا انهم في يديه “الطاهرتين البريئتين من العيب” ولكنهم آثروا الدنس وهم في يديه. غير ان ثمة من وجد في الرب لذته وآثر عشرته على كل عشرة اذ يقول الكتاب ان الديان العادل يميز بين مَدين ومَدين، بين محب الله وعدو الله واذا خاطب المعلم الصالحين من الناس يقول لهم: “كنت جائعا فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني” الى آخر حسنة تقوم بها .

         ان يتماهى يسوع والانسان وان يجعل نفسه عديلا للجائع والمريض والسجين تعني انه لما ارتفع الى السماء لم يهمل اهل الارض لأن ارضهم بلا سماوية فيها تعود الى الظلمات الاولى التي كان عليها كون كان كقبضة يد ففجره شعاع من نور. لقد دخل الله الى هذه الأرض ليبيت فيها فيجعلها منبسط ضيائه.

         واهل الارض الذين يؤثرهم المسيح هم الفقراء الذين ايقنوا انه هو غناهم. ليس المحروم بحد نفسه مباركا ولكنه هو الذي اقتنع انه خسر حرمانه لما ربح الله. أصوفيا كان خطاب يسوع للمستضعفين ام لم يكن ليس هذا هو المهم. الأهمية كلها ان السيد المبارك اذا نظر الى اهل الارض انما يوحد نفسه بهؤلاء الذين لم يساوهم الكبار بهم، الذين استأثروا بكنوز الأرض التي اذا احبها احد يحب نفسه. يمكن ان تكون بلا علم، بلا قوة، بلا جمال، بلا ولد. افلاطون، شكسبير، دوستويفسكي، المتنبي انبهرنا بالتماعاتهم. هذه انسكابات بهاء. ولكن بهاء الله المشع في السماويات وضعه الله على وجه الفقراء والمرضى والمرميين على الآفاق كلها. كل شيء هم الضغفاء الذين تقبلوا الضعف الإلهي ليس من فوق الى تحت ولكن على مد الدنيا والتاريخ وفوق التاريخ.

#             #

#

         بالمقابل يقول السيد للصف الذي كان لاهيا بنفسه: “اني جعت فلم تطعموني… غريبا فلم تأووني… مريضا ومحبوسا فلم تزوروني”. يتعجبون كيف هذا: “متى رأيناك جاءعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا فلم نخدمك”. ظن هؤلاء الأغبياء ان يسوع بعد ان احتجب عن الانظار بارتفاعه الى السماء ترك الدنيا فارغة منه. يقول اللاهوت الارثوذكسي: “الخطيئة عدم الحس”. ان ترتكب هنات، ان تضعف نتيجة شهوة فهذا من ضعف الرقابة على نفسك. لا يعني هذا ان هذه الامور ليست رهيبة. ولكن هم يسوع الاول هو الآخر واذا مررت به ولم تره فأنت عديم الاحساس وخاطئ تحديدا.

         سأل بعضهم واحدا من الناس ذا مسؤلية ساطعة: اذا كنت محتاجا فلماذا لا تطلب. سمعته يقول: هم يرون حاجتي واعرف ان الطلب لا يتضمن بالضرورة شكوى ولا هو ذل ان اقمنا على الأخوة. ولكن الأجمل ان ينظر القوم اليك ويروك على حاجة ويشاركوك ما في ايديهم. عندئذ تحس انك وإياهم على مستوى واحد وتشاهد انهم شاهدوك. ولست تنوجد برؤيتهم ولكن برؤية الله الذي فيهم. الله، اذ ذاك، معطيك. جعلك الله في مرتبة لما جعل الحب يدفق عنك.

         عندما لا تشاهد المحتاجين انت تشاهد نفسك. تعتبر نفسك ممتلئة بذاتها لا بسكن الغير فيها. لا تعرف ان الآخر هو بالآخر. ولا تعرف ان ثروتك كلها والتراب الذي تدوسه واحد بعينَي الرب. اعرف كاهنا مسؤولا فهيما. قيل له: فلان في المستشفى يطلب ان تزوره. ما كان عالما بحالة المريض ولعلها لم تكن سيئة آنذاك. فلم يذهب ومات صاحبنا في تلك الليلة. ماذا كان المريض محتاجا اليه ليسمع؟ ما قوة التعزية التي كان من الممكن ان تنسكب من الكاهن الى قلب ذاك؟

#          #

#

         لماذا نقرأ هذا الفصل الانجيلي بضعة ايام قبل الصيام؟ هذا لندل على ان الصيام له: بعد عمودي وهو العلاقة بالله بالصلاة والإمساك والتركيز على الشأن الروحي والبعد الثاني الافقي وهو ان نحب قريبنا كنفسنا اذ لا تقدر ان ترى الحضرة الالهية فيك ما لم تحب الإخوة جميعهم ولا سيما المحتاجين. هناك طبعا تقشف وإمرة الانسان لنفسه بضبطها وتنقيتها والا جاء الصوم مجرد حمية. من الواضح ان شيئا من المبتغى ان تقمع ثورة الجسد على الكيان البشري الكامل حى لا ينخرط هذا ويتجزأ او يتبعثر وقد علمنا فرويد الكبير ان كل اللذائذ البشرية مرتبطة بعضها ببعض. ولذة اللسان هي على طريق هذا الانفلات.

         غير ان اهم ما في صومنا ان نحرم انفسنا الطعام كليا في بعض من النهار، وهذا يختلف بين كنيسة وأخرى وكم كنا نتمنى لو تمسك كل المسيحيين بهذا الانضباط الذي تسير عليه الكنيسة الارثوذكسية من القرن الرابع الميلادي. لنا في هذا خبرة نقدمها لكل اخوتنا في المسيح حتى يزدادوا قوة ونسكا.

#                 #

         الصوم مرتبط اذًا بالعطاء، بالمشاركة. انت تعطي الفقير مالك فيعطيك الرب حبه. وهذا لا يغنيك عن العطاء الموصول كل ايام حياتك على قاعدة انك مؤتمن على ملك الله الذي هو وحده الملك.

         الكنيسة المسيحية لم يبقَ فيها نظام التعشير قانونا ولا مانع ان يتمسك به من يشاء. ولكن اعطِ بكرم كبير. هذا يروضك كثيرا على المحبة.

#           #

#

         اما الدينونة التي صورها متى بهذا الشكل فقد قال عنها دستور الايمان: “وايضا يأتي ليدين الاحياء والاموات” ليس ان ابرز صفة في الله كونه ديانا ولكن لنوحي بأنه لا يستقبلنا الا بعد ان يفحصنا ونرى انفسنا عراة امامه بمعنى ان نحس بخطايانا الطوعية والكرهية وذلك على هذا العمق الذي يجعلنا الله فيه فنرتجف كلنا ونسترحم وتنقلنا اليه الرحمة لنجلس حوله مع جميع القديسن. في تعليمنا طبعا ان والدة الاله لا تدان لأنها ساكنة في المجد والشهداء يقيمون منذ الآن في المجد وشهادتهم دمهم.

         في كنيستنا ندخل منذ الاثنين القادم الصيام الكبير فنرفع اللحم والاجبان عن موائدنا والذي لا يمارسه او يمارسه قليلا فقد فوّت على نفسه ذوقا لله كبيرا وبهاء لوجهه عظيما. وابتغاء ذلك نكثف الصلاة ونحن العارفين بها نحس انها تغنينا عن طعام ولا سيما عن الطعام الذي نستلذه.  اجل “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل بر ونسك مع قداسة”. الإمساك وسيلة والصلاة نفسها وسيلة غير انهما وسيلتان لكي ندرك البر مع القداسة. هذا ما نقوله في سحرية الأحد الخامس. ولكن لولا العطاء لا تكتمل القداسة. ولهذا بعد هذا الكلام تؤكد الكنيسة في آخر ترتيلة من الأحد الخامس: “المتنعّم بالرب والسالك في نوره هو لا يعثر”.

         هذا كلام في العشق الالهي. هذه معمودية بالنور. لذلك كان الموعوظون اي الذين يستعدون لاقتبال النور كله بالعماد كانوا يعتمدون في ليلة الفصح. كل خدمة الهية عندنا بسط  لمعاني الفصح  هذا الذي نعبر فيه مع المسيح الى السماء. نحن ليس لنا هم آخر. واذا حققناه حسب مشيئة الرب وكلمته ووصاياه فنحن منتصبون – منذ الآن بالروح- امام عرشه الإلهي. وعندما يجيء الرب يسوع ثانية الى العالم لا نصوم ولكن نقيم معه العرس الى الابد.

         بطريقة سرية يقول لنا المخلص في رياضتنا السماوية: “انا آتٍ على عجل” (رؤيا  20: 22) واذا صمنا حقيقة وفي صدق وحرارة لنا ان نقول له: “تعال ايها الرب يسوع” انه يجيء في كل رياضة لنا نقوم بها ليقوى حبنا له.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

السلام / السبت ١١شباط ٢٠٠٧

هل ما نحسبه وحيا او ما يحسبه سوانا وحيا يتكلم على وجود وطن؟ لست عالما إسلاميا لأذكر شيئًا في هذا الصدد ولكن ما استقر عليه الفكر الإسلامي حتى اليوم نظريا هو دار الإسلام القابلة للتمدد الى ما لا نهاية. هاجس المسلمين كان الحكم لا الوطن وهناك بلدان اسلامية مختلفة لا احد يحكم بإلغائها وجعلها بلدا واحدا واذا كانت الدولة من صميم الاسلام ام لم تكن – والقضية خلافية- فمما لا ريب فيه ان الاسلام يقول بالدولة.

         في المسيحية انتمى الأوائل فيها خلال اربعة قرون الى الامبراطورية الرومانية ثم لما نعتت بامبراطورية الروم بقيت هويّتها رومانية وشعر كل واحد بانتمائه الى مدينته او قريته ولم يكن وطن بيزنطي. لفظة بيزنطي ليست موجودة في التراث اليوناني. هي اختراع الاستشراق.

         ولكن بناء على العهد الجديد ذكر الكتاب وطن يسوع لما اراد الكلام على مدينته الناصرة ولم ينسب الى بقعة من الإدارة الرومانية تعتبر وطنه بالمعنى الحديث. الأرض كانت ملك الملك وحورب الناس ليصيروا فرنسيين وبعد إخضاعهم نشأ الشعور الوطني وكل ذلك في تمخضات الثورة الفرنسية لأن الأرض أصبحت هي الوطن بزوال الملك. فافتخار مسيحيين في اناشيدهم الوطنيّة هو من باب الواقع التاريخي ولا تدفعك الكنيسة الى الاعتزاز بقطعة من ارض انما تدعوك الى محبة البشر الذين يعايشونك على ارض واحدة وفق كلام بولس: بليس لنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة (عبرانيين ١٢: ١4).

         بعد الانجيل عندنا نص لافت هو “الرسالة الى اهل ديوغنيط” كتبت على الأرجح في اواخر القرن الثالث تقول: “لا وطن ولا لغة ولا لباس يميّز المسيحيين عن سائر الناس. لا يقطنون مدنا خاصة بهم (الكانتون المسيحي…!) تراهم منتشرين في المدن اليونانيّة وغيرها وفقا لنصيب كل منهم… يقيم كل منهم في وطنه انما كغريب مضاف… كل ارض غريبة وطن لهم وكل وطن ارض غريبة.”

         مع غياب الانتساب الالهي الى وطن يؤكّد الانجيل الدولة: “ليس سلطان الا من الله… حتى ان من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله” (رومية 13: 1 و2). ترجمة لفظة سلطان في اللغة الحديثة هي الدولة في بنيتها العصرية واهمية الدولة في الفكر الكتابي انها تؤمّن السلام كما يقول بولس في الفصل الذي أشرنا اليه من الرسالة الى أهل رومية. والإخلال في السلام عصيان لله وبسبب من رعاية الدولة للوطن ينتج من الإخلال بالدولة تشتت وضياع وخوف والمألوف انك لا تخل بالدولة الا بالدم. والوطن لا يبقى له معنى لك ان استبحت ان تسفك الدم فيه وإراقة الدم خير وسيلة لتفكيك الدولة وقد تكون احيانا وسيلة لتخريب الوطن.

#          #

#

         في الدولة الحديثة يأتي واحد ويذهب واحد لأن المعاصرين جعلوا القدسية للوطن لا للدولة. والدولة بالعربيّة هي ما يدول اي ما يتغيّر او يتحرّك ولذلك يقال عندنا بتداول السلطة ولكن القدسية ليست لمن يبقى او لمن يذهب. هناك حقيقة واحدة في الأخلاقيّات السياسيّة وهي السلام لأن السلام يعني في الحد الأدنى الإمساك عن سفك الدم وهذا أغلى من الدولة وأغلى من الوطن. ذلك ان هذين الأخيرين تركيبتان بشريّتان واما الانسان الذي تقتله فهو خليقة الله.

         اعرف كل الاعتراضات على ما اقول من تعظيم الثورة ومن تحسين حالة الفقير بعد الثورة ونظرية تحرير المظلوم. وأعرف نظرية توما الاكويني الذي أباح قتل الملك عند الضرورة القصوى ونظرية خلاص النفس في محاكم التفتيش ونظرية قتل المشركين. كل هذا لا يساوي قطرة دم لطفل او لبالغ.

         غير ان الدم يبدأ بالغضب وفق ما تقوله العظة على الجبل. وكل الذين يثيرون الجماهير يعرفون ان حظها في القتل كبير وهي في غالب الاوقات تشحن بشعار تفهمه او لا تفهمه الى ان تندم اذا عرفت الحقيقة. المهم ان يبقى حكم على شيء من الاستقرار فيه عسكر يغرس المخافة في قلوب الناس لأنه من المهم ان تخشى الحكم العادل او القضاء العادل وان تعرف ايا كنت اذا خالفت القانون انك تذهب الى السجن. الحكومة تتعامل والمواطنين العاصين  للشرائع لئلا تزول الدولة التي هي قرينة السلام. بسبب من ذلك لا تعني الديمقراطية شيئا ان لم تعنِ القوة، والقوة التي اباحها الله ليست الاستبداد وحكم المحاسيب. الديموقراطية ليست نقاشًا اكاديميا لا ينتهي وليست هي كنيسة بين يديها ادوات تنفيذ. العدل بلا قوة هو فقط كلمة من القاموس اللبناني.

         كلنا يعلم ان الجندي لا يتعاطى السياسة ليكون لكل الوطن وهو يعلم ان في هذه الدنيا سلطة لا يناقشها حامل البندقية اذ هذا يؤهله ان يقتل ويغتصب الحكم. الجيش يحرس الوطن اذا حرس السلطة التنفيذية. هذه هي الطريقة المتاحة لحماية الحكومة وتاليا لحماية الدولة.

         الحكومة اية كانت تشكيلتها تعمل لكل المواطنين، من يرى مثلها ومن لا يرى مثلها وهي خادمتهم جميعا والغاية من هذه الخدمة العامة ازدهار العيش والثقافة والوحدة الوطنية ضمن الصراعات السياسيّة. وغاية الغايات السلم الأهلي. والسؤال في الديموقراطية هو كيف تعزز الوحدة الوطنية ضمن الاختلافات القائمة.

#            #

#

         هنا يأتيني التأكيد ان سلامة الناس اعظم من اي موقف سياسي. فلا بد ان نكافح التوتر الى اقصى حد ممكن لأن من شأنه القتال او ما يهيء له. ليس من قضيّة واحدة مهما بلغ شأنها أثمن من سلامة المواطن.

         ان تصل الى الحكم ليس غاية. فالثورة التي هي الحماسة الكبرى تأكل بنيها وفي بلدان عديدة منذ الثورة الفرنسيّة يتآكل الثوار ويحاكمون بعضهم البعض. وما تشاهده غالبا ان الفساد بعد بضع من السنين يقضيها طاهرون في الحكم يدب فيهم وترى الى عدم التغيير، الى الاستكانة في الحكم ولكني ادعو الى النقاش في اقرب ما يكون الى هدوء الطبائع واحترام الآخر وتقديس شخصيّته ان لم يكن من السارقين.

         قلت “مجتمع واحد” لأني لا احب كلمة مجتمع مسيحي الا من باب الوصف السوسيولوجي. لا يعني لي التراص المسيحي شيئا اذا كان يعني مواجهة للمسلمين. الزعامات المسيحية تحت الغربال ككل الخلائق العاقلة. وحدتنا في المسيح لا تفرض علينا الخيارات السياسية نفسها. الاخلاق المسيحية في سموها تؤلّف مجتمعا طاهرًا بين المسيحيين قد يكون قليلا او كثيرا.

         الى هذا ندعو الله لكي لا يتفرق المسيحيون احزابا متناحرة. والفكر يجعلهم يفترقون ولا سيما ان اذكياءهم كثر. ولكن لا اساس بشريا لأي خلاف بين الشيعة والسنة. السلام بينهم سلام لنا جميعا.

         كل شيء نسبي الا ان نبقى معا وتربطنا محبة عظيمة تنضم الى الاعتدال والعدل والمساواة لكي نتروّض على ان نصير امة الحق في لبنان.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

تسييس الله / السبت ٣ شباط ٢٠٠٧

قال الرئيس بوش غير مرّة انّ الله كلّفه وأمره باحتلال العراق وغير العراق. من اعتقد هذا انى لك ان تعالجه؟ اللبنانيون عندهم خفّة روح او ثقافة بحيث يعتقد بعضهم ان الله يكلمهم بهذه الامور ولكنهم لا يقولون. انا أفهم انّ المولى عزّ وجلّ يتنازل اليك ليشفيك من مرض لأنك خليقته وحبيبه ولكن ان يكون عنده سياسة للبنان او طائفة في لبنان فهذا عندي امر مضحك. الرب لا يعززك في منفعة لك دنيويّة ولا يعزز طائفة بحيث يعليها على غيرها وينصرها وتتبوأ به في مرحلة من التاريخ فهذا يضحكني اكثر. فالطوائف بشر والبشر اشقياء، متعبون ولا ينحاز الرب الى فريق منهم ولا دخل له في الحرب والسلم فهم يصنعونها بمقدار قدرتهم. والدليل على ذلك ان الدولة الواحدة تنتصر في معركة وتنهزم في أخرى. فأين أمانة الله لهذا القوم في حين وتواريه في حين. هكذا صلّى القسس الألمان لنصرة بلدهم في الحرب العالمية الاولى والقسس الفرنسيون لبلادهم في الحقبة نفسها وكل منها ظن انه فريق الله.

         لا مجال هنا لنذكر الحروب الصليبيّة واعتقاد الذين قادوها ان الله بعث بهم الى هذه البلاد. لماذا الله لم يتركهم فيها الى يومنا ولماذا اراد نصرهم واراد هزيمتهم؟ ولماذا تربح اسرائيل وتخسر اسرائيل؟

         هناك نزعة متأصّلة في البشر ان يجعلوا الله منقذا لمقاصد هم وضعوها. وكل شعب يعتقد ان الله حليفه يجعل نفسه شعبا مختارا. ومهما كان معنى العبارة لماذا انتصر العبرانيون مرات قبل مجيء المسيح وانكسروا مرات. الانسان يحتاج الى حليف وهو الذي يعلن الله حليفا له. لماذا بقي المسيحيون سبعة قرون في بلاد الشام اكثرية ساحقة واندثروا كليا في شمال افريقيا.

         في ظنّي ان من اسباب رقي الغرب منذ القرن الثامن عشر انهم درسوا الشأن السياسي عقليا وما اعتبروا نجاح الثورة الفرنسيّة اكليلا لله ولا مجيء بونابرت الى الحكم والملوك الآخرين  هبوط النعمة عليهم. لقد انتهى عصر النبوءة ولم يبقَ لله اليوم نصر ولا فتح والقصّة قصة سلاح وفهم سياسي وتقدم او تخلّف حضاري.

         وليس الله مع الشيعة او السنة او المسيحيين او سواهم في الحرب لأنه إله السلام او هو السلام كما تقول الكتب الموحاة. والجماعات الدينية او المعتبرة كذلك تلعب لعبتها السياسيّة بمقدار قوتها وما من احد يحمل تفويضًا إلهيًا لربح اي موقع وليس الله ضد خسارة اي موقع. واذا كان شيء من هذا فإنه محجوب عن فهم ايّ منّا.

#            #

#

         الله ترك لنا قيما روحية نسلك حسب مضمونها ولم يترك لنا خرائط عسكرية. الله ليس رئيس أركان. اذا قلنا هذا نعني ان الجيش المنتصر هو جيش الله. وهل يقود الله جيشًا آخر اذا ما انتصر وهل في الله مزاجيّة لينحاز؟ فإذا لم تتعلمن مقاربتنا للحرب والسلم فنحن في حروب حقيقتها دينية وظاهرها دنيوي. كان شارل حلو يقول ان حروبنا مع اسرائيل هي حروب انبياء. كان هذا عنده تعبيرا عن الطابع الديني الذي كان اليهود يطبعون به اعتداءاتهم. ولكن اي ولد يعرف ان الانبياء لا يتحاربون وان تفويض الانبياء اوراق مزوّرة يكتبها الناس لمصالحهم.

         اذا وضعنا الله جانبا عن هذه المسألة ودعوناه الى نفوسنا التائبة تزول الحرب لأنها عمل القلوب المليئة بالبغضاء. هنا لا بد من الرجاء وان نوقن اننا جميعا باقون لا بقوة السلاح ولكن بقوة المحبة بحيث تحس انك تعظّم الآخر وان محبته اياك تستبقيك في الوجود وان في الارض متسعا كافيا لك وله. هذا يفترض منك ايمانا ان الاخر لا يستطيع تهديدك ولو قال لأنك باق بالرضاء الالهي وانت اعزل وان لك رسالة له ولغيره على قدر ما انت زاهد بالدنيا وربما زاهد بالسياسة. كنت اقول لبعض اصدقائي المسيحيين: لما كنتم غائبين عن المسرح السياسي في السلطنة العثمانيّة كنتم اعظم ازدهارا في الفكر والابداع اي في امور تسري بلا سلاح وبلا مركز سياسي.

         انا ليس عندي دروس القيها على المسيحيين المسيّسين اليوم. هم افصح مني في مجالهم. واذا استطعت ان تبذل جهدا في دنيا الفكر والفن والنشاط الاقتصادي تزداد حاجة الناس اليك ويبقى لك فضاؤك ولهم فضاؤهم وتكتشفون معا ان العمل الانساني الكبير يحررك من الخوف وتاليا يحررك من الاتجار بالسلاح واستعماله. في الخمسينات على ما اذكر كان اندره جيد يحاضرنا في سينما روكسي في بيروت وقال لنا ان العالم صنعته الاقليات. لا تخف من الانقراض ان لم تهاجر. الانقراض يأتيك من التحارب ولا تخشى ان تنجب لأن هذا من مشيئة الله وهو يرزقك ويرزق ذريتك. لا تظن انك ستبقى بالدفاع عن نفسك الا بطرق السياسة الشريفة اذ يكون هذا دفاعا عن الوطن كله. وللناس ان يتسابقوا بالفكر وبالانتاج الاقتصادي وان يصفو فكرهم الروحي والفلسفي بسبب من النابغين فيهم وهذا مفيد للأمة كلها. اذا لم نهاجر خوفا فالمسلمون والمسيحيون قائمون في هذا البلد الى الأبد لأن الانسان غير الاناني وغير المترف يحب الاولاد وان يعيشوا معه وأمامه بالفرح والمعرفة. الطائفيّة ستزول من نفسها ان جاهدت كل طائفة على دروب العطاء والتقدّم. اذ ذاك ولو اتيت جسديا من اهلك الا ان سمو قلبك وارتقائك المعرفي يأتيان من كل الجماعات.

#           #

#

         اذا أصررت على ان تبقى من اهل الدنيا فقط فأنت على صدام فكل جائع  الى الدنيا يسعى الى ابتلاعها وحده. اما اذا اقلعت عن الشهرة فأنت مشارك والخبز، اذ ذاك، يبدو لك الخبز المادي دون خبز المعرفة قيمة.

         ان تنزع السلاح عن جعبتك يبدأ، عند ذاك، بتطهير نفسك وبجوعك الى الله والمعرفة والعمل الذي يأتي منهما. واذا ابتلعت الكلمة الالهية يستمدّها منك الآخرون فتحييون بها معا وتكونون جماعة تبتغي الطهارة التي هي اقوى عملا من المعصية. مشكلة الخاطئ انه لا يعرف عمقه. مشكلة المسلّح انه لا يعتقد كليا انه معرّض للموت وليس في الموت خلق على اي صعيد.

         في هذه البلاد ليس من مشاركة وطنيّة بيننا ما لم ننزّه الله عن ان يكون حليفًا لطائفة ما. الخطر هو من هذا الإله الذي تصطنعه على صورتك ومثالك. جهدك اذًا يبقى ان تعود الى الصورة التي رسمها ربك فيك لا الى صورة إله الحرب التي رسمتها لنفسك.

         والقضيّة لا تنتهي بقولك: هذه الفئة ليست مسلّحة. انا ليس عندي استخبارات لأعرف حقيقة الأمر. ولكن الخطأ ليس فقط في اقتناء السلاح ولكن في ان تشتهي اقتناءه. والخطر الأكبر اذا اقتنيته ان تعتقد ان يد الله على الزناد او انها هي التي ترمي القنبلة. ليس من وثنيّة عندي مثل هذه. انا لا ادعوك ان تكون علمانيا في كل مجالات السياسة. هذا ما اؤثره. ولكني ادعوك ان تنزه الله عن رسمه للحروب او قيادتها لأنك تسقط، عند ذاك،  في خطيئة استتجار الله لمصلحة لك وللجماعة التي تنتمي اليها واستتجار الله هو استعبادك فكريا لله وانت عبده.

         الخروج من استئجارك الله او تسييسه هو باب خلاصك في الايام التي نعيشها، انا لست مؤهلا ان اشير الى العوامل الداخلية والاقليميّة والدوليّة التي تتشابك لإماتتنا. نحن نموت في العمق من عدم عمق النفس او الفكر ومن عدم رؤية الآخر على انه أخونا ونموت من الخوف اي من غياب المحبة.

         كل شيء يبدو وكأننا لن نخرج من المحنة الا بعطف إلهي خاص.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

تحية إلى محمد السماك / السبت ٢٧ كانون الثاني ٢٠٠٧

أحيد اليوم عن “الحرب” الدائرة في لبنان لأجنح إلى ما هو أبقى ولست أعرف إلامَ تؤول. وقد يكون من حسناتها ان اللبنانيين اليوم ليسوا منقسمين طائفيًا في التزامهم السياسي الظاهر. ولعل هذه الكارثة التي حلّت بنا تسهم في اقتناعنا اننا مواطنون معا. ففيما كنت أطالع “النهار” السبت الماضي عثرت على مقال للصديق الدكتور محمد السماك اكون مقلا اذا حسبته مملوءًا من المحبة ليس فقط للمسلمين والمسيحيين في العالم ولكن للمسيحيّة والإسلام فيما هما عليه من تراث توحيدي.

                      محمد السماك يتجاوز الذاكرة الدينية الموروثة وكل شعور بالأذى  امن هذا الفريق جاء ام من ذاك. اجل لا مفر لي وانا اعرف الرجل ان اعترف ان من عنوان مقالة “قصة جسرين بين الاسام والمسيحية” ان صديقنا هذا كان هو شخصيا ولا يزال جسرا بيننا ليس في هذه المنطقة.

                      لست أخون المروءة التي تدعو الى التكتم لو قلت اني في اول اجتماعي به قال لي ان اهل الحي الذي يعيش فيه يقولون: “حارة بلا نصارى خسارة”. ما كنت اعرف العبارة ولكني كنت احس منذ طفولتي في مدينة طرابلس اني كنت اسمع من المسلمين ما يفيد هذا المعنى. وكنا هناك نتعايش ولا نزال في التعامل الودي الذي كانت العائلات والافراد تحس به. هذا اذا اهملت الاشارة الى اننا كنا واحدا على صعيد الصداقات ولا نلجأ الى العقائد التي تفرق بيننا واذا سمح لي لو ذكرت اني علمت الحضارة العربيّة الاسلامية منذ مطلع الجاهليّة الى آخر العهد الأموي في الجامعة اللبنانية منذ أواسط الستينات ولم اشعر يوما باستغراب احد ان كاهنا مسيحيا يعلّم المادة وعندما افكّر بالجد الذي ساد كل سنوات تعليمي ألمس ان طلابي لم يتفرقوا يوما على اساس ديني وهم يتحدثون عن الموضوعيّة التي كانت تتسم بها هذه الدراسة كما لم اكن اشعر ان المباينات السياسيّة – وكانت على اساس وطني- كانت تزعزع تقبلهم لكلامي في الاسلام. ومع اني كنت موقنا بأن العلماء المسيحيين في العصر الاموي ولا سيّما الفلاسفة منهم أسهموا في نشوء الفكر الفلسفي الاسلامي منذ تلك الحقبة.

                      وأذكر اني منذ اللحظة الاولى من تعليمي كانت اول جملة قلتها للطلاب تلفظت بها انني اطلب منكم اولا ان تأتوا بأوراق تدونون عليها الامالي وثانيا اريد من اجل فهم العرب ان يحمل كلّ منكم الى الصف مصحفًا لأننا سنعود كثيرًا الى الآيات.

                      واذا عدت الى محمد السماك لست اقول انه في هذا المقال كان موضوعيا في عرض اوضاع الناس الى اية عقيدة هم عليها كما كان طوال حياته الفكرية ولكنه كان منصفًا حتى منتهى الإنصاف بحيث لا تلمس في ما قال تحفظا على الديانة الأخرى وهو ماد للجسور.

                      كان الاستاذ محمد دائما يقف هذا الموقف ويقرب بين القلوب. هذه المرة يضع قولا هو في غاية المودة ومتوازن جدا من حيث اسلوب المعالجة اذ يمكنني القول ان هذه القطعة النادرة في الجودة الروحية هي وصيّته لنا جميعا. ويمكن اعتبارها حقا وصية للمسلمين والمسيحيين على السواء نحن الذين دعينا معا الى كلمة سواء.

#            #

#

                      سنّي كل شيء يظهر تعلّقه بمذهبه لم يذكر الشيعة والسنة. وانا الارثوذكسي ما كنت رأيت بعيني شيعيا واحدًا قبل بلوغي الأربعين بسبب انحصاري الحياتي في طرابلس الى ان عرفت الشيعة بين طلابي وذهلت لمستواهم العقلي وانبثاق الشعر عند غير واحد منهم. وبسبب من حرصي على تواضعهم لن اذكر اسما من اسمائهم ولكني قرأت عند كبارهم قولا في المسيح وقولا في مريم – ومن اجل الصدق- اعترف اني لم ألمس حرارة وحبا عندهم للسيد وامه في المسيحية العربية المعاصرة.

                      وانقطاعا عن هذه العاصفة الهوجاء، التي نحن فيها فشهادتي تدل على ان الروح يهبّ حيث يشاء كما جاء في انجيل يوحنا وان الحب يتجلّى حيث يشاء، وانا مؤمن اننا بعد انقشاع الغيوم سوف نشاهد مثل ذلك في الاستقلال عن السياسة.

                      ما يؤكّده محمد السماك ان سوء العلاقة بين الشريحتين يحتاج الى الإزالة لسوء الفهم بينهما. نحن نحتاج الى “مزيد من التعارف والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين” . كان دائما يؤذيني هذا الجهل اذ لا بد لك ان تسعى الى كل الجمالات الروحية المبثوثة في العالم كلّه. ان بعضا من آباء الكنيسة منذ يوستينوس النابلسي الى اقليمس الاسكندري يرون الجمالات الروحيّة في الحضارة الاغريقيّة الوثنيّة ويربطونها بالمسيح فمن باب اولى ان نرى ما يجمع الموحدين وما اتمنّاه ان يعمم هذا في اليهوديّة والمسيحيّة والاسلام وان نرفع تهمة الشرك عن كل هذه الديانات لأن هذا القول غباء. ففي مرّة التقيت فيها مفتي طرابلس السابق الشيخ نديم الجسر وكان خارجًآ من مجلس عزاء وانا داخل اليه قال لي سماحته قبل ان يلقي عليّ السلام: “انتم موحدون”. التقينا عند الباب وما كانت قامته تمكنني من دخوله. قلت له اشكرك سيدي لأنك رفعت عنا تهمة الشرك فقال لي “ولكنكم فلاسفة”. ادركت عند ذاك انه يشير الى الثالوث. فأجبته: هذا الثالوث ما هو الا حركة ضمن الوحدانية الالهيّة ثم افترقنا. كنت اكنّ له احتراما كبيرا ولا سيما اني تدرّجت محاميا عند واحد من آل الجسر. ناس من هذه النوعيّة يجب ان نفتّش عنهم تفتيشا ليكمل الحب.

                      يقول الدكتور سماك “تفاهم” بين اهل الديانتين. اظن ان كلمته هذه لا تفيد التعايش المجتمعي فقط او التلاقي في العيش ولكنها تمتد الى المحبّة ايضا وربما الى التناضح الفكري ما امكن ذلك ولا سيّما ان المليار والثلاثمئة مليون مسلم سيتكاثرون جدا حتى يوم الدين كتلة متراصة وانت، جديا، لا يمكنك ان تتجاهلها. والمسيحيون سيبقون كتلة متراصة صلّوا ام لم يصلّوا. في جو التلاقي الوجداني بيننا انت توضح ما تؤمن به وتستوضح الآخر ايمانه وهذا عندي بدء الحوار ان لم يكن ذروته.

                      وفي ظل هذا يتحدّث المؤلّف عن ” ثقافة حول الاختلاف واحترام المختلف معه”. لو كان المقال اطول وصار دراسة اكاديمية الاعتراف بالآخر حياتيا امر لا يكفي اذا رأيت انك مؤهل لبسط عقيدتك في اوساط علميّة وتبصّرت بديانة الآخر. فاحترام المختلف ينبغي ان تتضمّن حرية اخذك بأي دين وان يعلم الدين في الجامعات ويعترف لك حرية الكلام والكتابة وان تختار الايمان الذي تريده .

                      طبعا هذا غائب عن العالم العربي ما عدا لبنان. “لا إكراه في الدين” ليست فقط قاعدة الا تدخل في دينك قسرا من لا يريده ولكن ان تحترم حريّته بتغيير معتقده لئلا تكون القصة قصة المحافظة على العدد وعلى حجم اية امة من الأمّتين لأستعير التعبير القرآني.

                      الى هذا ان حسن العلاقة اخلت به الحروب الصليبيّة والاستعمار كما قال صاحبنا. غير ان الابحاث الجديدة دلّت على انّ المسيحيين الارثوذكسيين قتلهم الصليبيون هنا وثمّة بين انطاكية والقدس. ما وجب قوله انصافًا للتاريخ ان مسيحيي الشرق بعامة لا علاقة لهم بالاستعمار وكل من تتبّع الحياة السياسيّة في إطار الانتداب اطّلع على ان سلطة الانتداب عملت على تقويض النفوذ الارثوذكسي في هذه المنطقة وعلى تذويبهم في مجموعة مسيحية اخرى.

                      ثم يذكر الدكتور محمد ان المسيحيين العرب يستطيعون ان “يشكّلوا جسرًا معرفيا بين العالم العربي والغرب” كذلك يرى ان “المسلمين العرب يستطيعون ان يشكّلوا جسرًا معرفيا مع العالم الاسلامي غير العربي” وهذان المسعيان يسميهما جسرين.

                      ما يتحتّم عليّ قوله هنا ان المسيحيين في الغرب – على المستوى الشعبي- لا يعرفون شيئا عن المسيحيين العرب. فاذا قلت لهم انك ارثوذكسي مثلا يظنون انك روسي او يوناني ولأن العروبة والاسلام عندهم واحد. كم من مرة سئلنا في الغرب: متى جاء ابوك او جدّك من الاسلام الى المسيحية؟ نضحك ونفتح سفر اعمال الرسل لنذكرهم بأننا كنا هنا منذ العصر الرسولي واننا أكملنا طريقنا.

                      اليوم هناك مسلمون في اوربا مهاجرون اليها من شمالي افريقيا وتركيا والباكستان. هؤلاء تعاملهم السلطات الاوروبية بحرية وقد بنوا في اوربا الغربية آلافا من المساجد. السنة الماضية كنت أزور مسجد فيينا في النمسا مع زملاء لي يتعاطون الحوار الاسلامي المسيحي وشاهدنا إماما يرتدي ثيابا اوربيّة يعلّم الاسلام لشبان شقر بلغة المانية طليقة. انا لست استعمل عبارة تبادل في المعاملة ولكن يجب ان يكون من المألوف ان يعلّم قس مسيحي ايمانه بصورة موضوعيّة من يشاء في دار الاسلام وان يحق للمسيحيين ان يجتمعوا للصلاة يوم الأحد.

                      هذا قائم في الإمارات ومؤخرا اقمت في ابو ظبي قداسًا للرعية المسيحية في كنيسة مبنية بالحجر .

                      اظن اننا ان توخّينا التلاقي الحقيقي الكامل ينبغي ان ندافع عن حريّة الأقليّات حيثما وجدوا. اتمنّى الا نستعمل في علاقة الديانتين عبارة “حقوق الانسان” وان نلجأ فقط الى المحبة والسماحة ليبقى كل منا مختلفا.

                      ما قاله محمد السماك كثيره جديد بالنسبة الى التعامل وفي مسيرتنا الى الله الذي سنجتمع معا امام وجهه الوضّاء في اليوم الأخير.

Continue reading