الوحدة المطلّة / السبت ١٣ كانون الثاني ٢٠٠٧
بعد ان يعبر عيد الغطاس يتهيأ المسيحيون لاستقبال الصيام الكبير من حيث انه هو ايضًا استعداد لآلام المسيح التي تتبعها قيامته فيتغيّر الإيقاع الروحي عندهم ولا تقل الكثافة الروحيّة في نفوسهم ان كانوا من الطائعين. وهناك مواقف هي أعياد القديسين التي يتجلّى فيها المؤمن الممارس اذ يحاول ان يرى الى وجه الله ثم الى وجوه الناس في تجلّياتها لكون الانسان الطيب يتلمّس دائمًا الأنوار الإلهيّة على كل وجه. والوجوه اذا أضا ءتها النعمة لا تسأل انت عن دين صاحبها ولا عن نحوه السياسي اذ السياسة دائما عجين من الغلط ومن الصحة ان كان الناس صادقين. فالانفعال جزء من مواقفنا في هذا المجال والناس بعضهم أقرب الى قايين )وهو قابيل في الاسلام) او هم أدنى الى هابيل ما مرشّح لذبح أخيه له.
هذا اذا كنت في هذه الدنيا. اما اذا حالت دنياك الى جحيم فلا ترى وجه أخيك اذ يقول نص نسكي عندنا ان عذاب أهل النار الا يرى أحد وجه أحد فكل من ساكني جهنّم ظهورهم الى ظهر بعض بربط محكم ولا يعرف الواحد الآخر اذ لا يرى الى وجهه. ذلك ان العذاب هو العزلة المطلقة والافتراق الدائم. اما المؤمنون فيشاهدون بعضهم بعضًا لأن وجوههم مكونة مما ارتسم عليها من أنوار ربهم. ويقول المتصوّفة المسيحيون والمسلمون معا ان أهل الجنة ليسوا فقط في لقاء دائم مع الله ولكنهم يسيرون في الله بعد ان أمسوا إلهيين وليس لهم فوق من مبتغى الا هذه المسيرة.
وهناك طبعًا تكون الانظومات الدينيّة ملغاة وكانت هنا شرعة ومنهاجا وبعد زوال المنهاج تبقى الرؤية اذ تتكوّن هناك الهويّة الحقيقيّة بسقوط الحواجز ويكون الله الكل في الكل كما يقول بولس. وهناك لا تحتاج الى لغة اذ يكون التواصل انسكاب القلب بالقلب اي اننا نكون تحت نظام المحبة التي لا تسقط ابدًا وكان من المفروض هنا ان تكون هي اللغة ولكن الناس لا يعقلون.
# #
#
لقد افترضنا في هذا العالم ان يصبح لبنان قطعة من السماء وانا أقول دائما للأجانب ان اللبنانيين من ألطف البشر ومن الدلائل على ذلك أن المقاتلين من معسكري حربنا او حروبنا الأهلية اذا اجتمعوا معا الى عشاء في قبرص مثلا كانوا يرتاحون معا ويفرحون معا اذا لم يتحدّثوا في السياسة وسرعان ما خاطبوا بها بعضهم بعضا في السياسة يتراشقون بالصحون او الأكواب اي اذا تحولوا الى أنصار ويعودون في لبنان الى منازلات لا تعرف متى واين تنتهي. هم معا على موائد المحبّة وهم قاتلون في ميادين القتال والإنسان في اللغة الفلسفيّة مفارق للآخر بمعنى ان هذا غير ذاك والله أعدّه للتواصل وليس الى ان يقضي على الآخر برصاص كان هذا ام بغير رصاص.
ان تكون لك شخصيّتك لا تعني ان تكون واحدًا من حشد. العاقل لا يحتشد ولا يؤلّف جمهورًا ازاء جمهور ولكنه يؤلّف جماعة مع أهل العقل واهل الحب. أما المسيسون فيقولون ان لهم قضية كثيرا ما ارادوا بها تحزبا. ألم تسمعوا كثيرا اذا ما حل التأهّب للإنتخابات التشريعيّة: انا صاحب مبدأ ومعناها الحقيقي انا صاحب المرشّح الفلاني وسبب ذلك انه تناول القهوة مرة عند فلان او حضر لعائلته مأتمًا.
لبنان قطعة من سماء تعني ان لبنان اهم من اي نزاع فيه وأثبت وأقوم وان تفاوتت أسباب المنازعات وكان بعضها أقرب الى الوحدة منه الى الانقسام. انا لست داعية الى الحياد في اي خصام سياسي يتكوّن في البلد اذ لا تساوي بين المواقف في اي ظرف، ذلك ان في السياسة حقائق وفيها انسانيات وما يدعم تقارب الناس حتى الاندماج او بعض منه. وعليك ان تتدرّب في السياسة على الاستقامة ومنها وحدة البلد على التنوّع وان تفهم في الحقيقة اسباب الخلاف والوجهة الصحيحة فيه لا لتتراكم مع المتراكم ولا ان تحافظ على موقف اتخذته وتبيّن لك فيما بعد انه مغلوط. في السياسة كما في غيرها توبة. السؤال هو أين كان القديسون يقفون لو نزلوا الينا وشرح لهم اسباب الخلافات بين اهل الأرض. واذا تنازعت أمّان على أمومة الصبي كما في حكاية سليمان ينبغي ان نقتنع ان الصبي ينبغي الا يموت.
والمهم قبل الأهم الا نتقاذف بحجارة الشتائم وبذاءة الكلام لأن هذا بدء قتل او أقلّه محو الآخر من روحك لأن خصمك حبيب والخصومة اسلوب للوصول الى المصالحة الى بقاء بلد نعرف انه هش من تكوينه الحديث وان ازمات الهشاشة كانت تظهر فيه منذ استقلال لم نفهمه جميعا بالروح نفسها.
هذا بلد الحمايات منذ القرن السادس عشر هو وجواره اي بعد ان احتلّنا العثمانيون بقليل. ومع علمي ان بعض الظن سوء يفتقد الكثيرون منا الى حماية. ولكن هل فكّر شعبنا بأننا قادرون على رغم ضغط الاجنبي اننا بلغنا نضجًا واستقلالا روحيا يغنيانا عن التماس وصايات كائنة ما كانت لأن الغريب ايا كان لا يحبك كما يحبك أخوك ومبدئيًا تعترف بأخيك “اذا صدقت الوالدة”. هذا يذكّرني لمّا كنت رئيسا لمحكمة الاستئناف الارثوذكسية اني قررت فحص الحامض النووي في مختبر في فرنسا لأتثبت من أبوّة رجل. شعوري اننا لم نصل لبنانيين الى هذا الحد وان كان لا مهرب احيانا من شكوك.
ابدأ بتأكيد قناعتي اننا أجمعنا بالأقل اننا لا نزني مع اسرائيل واننا لن نهرول الى توقيع سلام معها حتى تحين قناعة العرب جميعا. مع ذلك يبدو ان ما تسميه انت وصاية يسميه ذاك تحالفًا. هذه قضيّة صدق وقضيّة تحليل سياسي عميق. والاحلاف تتغيّر فيما انت تقلب احوال الدنيا السياسيّة. غير ان اللبنانيين اتفقوا في نهاية احداث الـ ١٩٥٨ الا يدخلوا في حلف لئلا ينقسموا. هذا يعني ان هناك حدة ما لا نستطيع ان نبلغها وهناك عصمة ينبغي ان نتسلّح بها تبقي هذا البلد المتعدد المكون واحدا. ولك في السياسة الخارجية ان ترفض وان كان عليك ان تكون حكيما وعليك ان تزن الاثقال التي بين يديك وبين أيدي الآخرين: “ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا انفسهم” (المؤمنون. ١٠3).
وهنا يأتيني التأمّل ان الأصرار ليس الثبات الا اذا كنت ذاهبا الى الشهادة. وليس من ثبات يعني ان تأخذ البلد الى الفقر لأنك تستطيع بسهولة ان تسقط في الفقر ولست في السهولة نفسها تتعرّج الى البحبوحة. والفقراء مسؤوليّتنا الأولى لأنهم سادتنا كما قال القديس يوحنا الرحيم. والفقر هو الطريق المثلى لنصل الى الوصاية.
لا بد لنا ان نتعامل والدول الطامعة بنا وغير الطامعة بنا. القضيّة ان نحافظ اولا واخيرا بعضنا على البعض الآخر لئلا نسقط ببدعة القائلين ان لبنان عابر accident de parcours وانه يمكن الا يبقى. ليس من بلد في العالم له ضمانة ابدية. ولكن هذا البلد هو الذي اخترناه لنعيش معا فيه والذين يقولون هذا ما قرّره اتفاق سايكس- بيكو. أقول لهم ان هذا الاتفاق لم يأتِ على ذكر لبنان. هو كان عثمانيا مع نظام المتصرّفية ولكن الدول لم تقتطعه من كيان عربي كان هو جزءًا منه حقوقيا. نحن خرجنا من المدى العثماني بعد ان قسم الحلفاء هذا المدى. ليس من جدل بعد الطائف اننا غدونا بلدًا ذا سيادة. والسؤال في الأزمات هو كيف تحافظ او بوجه من تحافظ على هذه السيادة. وتقف بوجه الجميع لتحافظ على نفسك بأعظم حنكة ممكنة وبالوسائل المتاحة لك.
ربما ارادت هذه الدولة او تلك ان تراودك عن نفسك كما فعلت امرأة العزيز بيوسف. ولكنك تعف مثله بشجاعة وصبر طويل وايمان بأنّ الله يريد لك لبنان مرتعا لخدمتك وخدمة الحضارة الانسانية. المرأة الجميلة مغرية ولكن ليس مقدرا لها بالضرورة ان تسقط.
عند ارتجاج الوطن لا بد لنا من ان نقوي الدولة لتكون في خدمة كل الشعب وتساعد الوطن على ان يحافظ على منعته. وعندنا ان الدولة والبلد متشابكان بخاصة وكل منهما يقوى بالآخر. نحن الآن في حمى رهيبة لم أشاهد مثلها منذ استقلال السنة الـ ١٩٤٣ التي رافقت ما تبعها من ازمنة. أخشى ان تفتك الحمى في جسم الوطن فتكا كبيرا كما اني أرجو ان يلهم الرب كل الاطراف الى فهم ان لبنان اعظم منهم جميعا فإن هو ذهب ذهبوا. والمطلوب ان نحيا والا نموت بسبب من جهلنا وشكوك لا تنقطع.
وقد قال غير واحد فليمد رئيس المجلس الحكيم مائدة التشاور وهي مكان لاستعادة الثقة او بعض من ثقة. كذلك هي مناسبة لعقد زواج ماروني بيننا محرم فيه الطلاق حرما كاملا. ولا يعني هذا إبادة القناعات ولكن القناعات السياسية ليست كتابا متنزلا. لكل نجاح مائدة تشاور مع ما يسدينا العرب من نصح. المهم ان نتلاقى شعبا واحدا ونبدأ جدية تاريخ جديد نأكل فيه مع أولادنا خبزًا نستحقه ونتطهّر ونخلص ونسير معا في الله.
Continue reading