الرئيس المقبل / السبت ٩ حزيران ٢٠٠٧
ليس الهاجس ان نعدد أربعا او خمسا من الفضائل لنفتش بمصباح ديوجين ان كانت متوفرة في هذا او ذاك من كبار الموارنة. من يجري الفحص وما قدرة الفضائل عند الفاحصين ليروها في المرشح. لذلك نحن مرغمون على افضل نظام سيء وهو الديموقراطية لنتحرى عن رجل قد لا يكون اصلح من مدير للأزمة ولكنه لا يخلو من الفطنة والشجاعة اللتين تقودانه الى حلها بسرعة مضطرين على الطائف الذي تدنى مقامه عما كان عليه من قبل.
واذا ساغ لي التأمل المتواضع في الأمر لقلت ان هناك بديهيات لا يصح تجاوزها لئلا نبقى غرقى هذه الأزمة. الميزة الأولى ان يؤمن الرجل الآتي بلبنان وطنا حرا بينه وبين الرئيس زواج ماروني. وأقل ما تعني العبارة الا يكون عند الرجل صاحبة. الزواج يبيح المودات المهذبة العفيفة ولكنه لا يبيح الزنى. وأبسط ما يعني هذا ان يؤمن هذا الرجل بأن للبنان هوية وبأن له كيانه. الهوية هو انه ليس غيره او ليس من غيره. اعني بذلك انه لا يمارس التماس ولو مارس الملامسة التي هي قاعدة السياسة الخارجية لكل بلد والهوية اساس الكيانية التي عبرنا عنها بأن لبنان وطن نهائي.
هذا لا نريده شوقا منه ولكنا نريده ممارسة ومواجهة والمواجهة في العربية تعني ان يكون الوجه للوجه بحيث لا تلغي ذاتك ولا تلغي ذات الآخر فالإلغاء عبودية ونكون، اذ ذاك، أضعنا نهائية الوطن. وهذا يعني قبل زواج المرشح ولبنان ان يكون قد كان عفيفا قبل بلوغ المقام لأن الفسق قبل الزواج قد يعرض الرجل اليه من جديد.
من نافل القول ان يكون فهيما الى حد الفصاحة والعرب اهل فصاحة وبلاغة. غير ان ما كان اعظم من البلاغة ان يكون صادق القول يفي بما يعد بحيث ان لك عليه الحق ان تطالبه في كل حين بما وعد فيتدرب أهلنا بالحكم هم ايضا على الصدق الذي يعوزنا كثيرا وهذا ليس عند الآتي الينا بالأمر الصعب ان كان مطلعا على كل احوالنا ويعرف طوائفنا ويحبها ويعززها كلها ويحس ميزات كل واحدة منها في تاريخها وقابليتها الحاضرة على عشق هذا الوطن.
# #
#
وهذا يستتبع ان يكون عارفا تاريخ البلد وان يفهمه من الداخل حتى يكمل هذا التاريخ بالمعرفة دون ان يكون أسيرا له لأن الرئيس رجل المستقبل قبل ان يكون رجل الماضي. يدور مع الناس والأشياء ولا يداور. يلين في مواقع اللين ويتشدد في مواضع الشدة وفي هذا كله الحكمة يحب ولكنه يقاوم من اختال او تعرض لوحدة الوطن بخيانة مكشوفة او مبطنة اي يكون رئاسيا بلا اختراق للدستور اذ الشخصية البارعة هي التفسير للقانون ولا هو يكبلها.
وقد يقتضي هذا معرفة بالاقتصاد او يحيط به اهل الاقتصاد ويتدبرهم هو ولا يتدبرونه لأن الرئيس لا يعرف كل شيء بالفطرة ولكنه قادر ان يعرف اهمية اوضاعنا المعيشية ليتصدى لها بكل ما أمكننا استخراجه من الأرض زراعة وصناعة فيضرب مسلمة تافهة تقول اننا قليلو الموارد واننا مؤهّلون للخدمات فقط. هذه أكذوبة كبرى أقنعنا بها الأجنبي لاستغلالنا. هذا بلد فيه رقي كبير وذكاء كثير وقادر على اشياء كثيرة في الحقل الاقتصادي الذي يحمي سيادتنا بالدرجة الأولى.
هذا من شأنه ان بمنع عنا شهوة الهيمنة من هذا وذاك لأن الهيمنة نكران لهويتنا وكيانيتنا ونختار نحن صداقات دولية نحس ان فيها اقل طغيان ممكن. لأننا ولو كنا نحيا بلا تبعية الا اننا نحيا ككل دولة صغرى او كبرى بالتساند والتعاضد وهو بطبيعته يجري في اتجاهين.
والعفة عند الرجل ولو حجمت صلاحياته الا يكون له ثروة طائلة. وطالما اعتدنا ان نأخذ فرنسا نموذجا في أشياء فلنذكر ان رئيس جمهوريتها جان كازيمير Périer استقال السنة ١٨٩٥ لأن بعض النواب انتقدوه على ثروته وعلى كونه كان الأول في شركة مساهمة. وغيره وغيره استقال. التهاون مع ذوي الأموال ورجال الأعمال كان مكروها في ذلك البلد. فمن الصعب بمكان ان يكون الرئيس ثريا كبيرا ولا يتواطأ مع أترابه الذين له معهم مصالح. ديغول كان يتفاخر بفقره وكان هذا عنصرا من عناصر الإعجاب به. هذا يقودنا الى ان حياة الرئيس يجب ان تبنى ليس فقط على العفة ولكن ينبغي ان تذهب به عفته حتى النسك. الرئيس جورج بومبيدو الذي كان مصرفيا قبل توليه الرئاسة قطع كل علاقاته مع الأوساط المالية التي كان يتعامل واياها. رئيس الدولة يعيش بلا ترف والدعوات الى مائدته هي دعوات الى مائدة الجمهورية وليس له فيها شيء. الرئيس خادم ومن كانت له منافع في الأرض لا بد له ان يكثرها ويسعى الى ازديادها.
الرئيس من شغله الوطن ولا يهتم لأقاربه وتوظيفهم. اليسر المفرط إغراء كبير وهو ايضا صاحبة.
# #
#
انا اعرف ان غبطة البطريرك مار نصر الله صفير لا يريد ان يهمس باسم واحد من ابنائه ليجتنب العمل السياسي المباشر الممنوع في المسيحية على المسؤولين فيها ولكنه يعرف الفضيلة في غير واحد من أبنائه ويحس بخطر هذا وخطر ذاك. ليس له ان يشير الى واحد ولكن أبوته لأبنائه الروحيين العظام في السياسة تؤهّله ان يرفض هذا وذاك حسب القواعد الأخلاقية التي السيد البطريرك حارسها.
عناصر كثيرة او قليلة من الأزمة ستسقط ان أتينا برئيس صالح يقرب من الأسس المسيحية التي تقوم عليها الكنيسة المارونية والتي كان لها الفضل العظيم في إنشاء لبنان الكبير وقد أثبتت قيادتها العليا في حرب السنة الـ ١٩٧٥ حيادتها عن الأحزاب والميليشيات وأنا شاهد لذلك اذ كنت مندوبا عن كنيستي للمشاركة في القمم الروحية التي كانت تحاول ان تضمد جراحنا. كل القيادات الروحية كانت كذلك. ولن تتصرف هذه المرة على قاعدة اخرى اذا استؤنس برأيها بصورة رسمية وغير رسمية بالتنسيق مع بكركي.
وليأتِ النواب كل النواب الى جلسة الانتخاب. هكذا نتحاشى الجدل حول عدد المقترعين. هذا أمر لا ينبغي ان يكون فيه «شطارة» اذا اردتم يا سعادة النواب خلاص الوطن وان يبقى هذا الوطن سالكا طريقه الى الوحدة.
لقد تمزقنا بما فيه الكفاية واحتددنا اكثر مما هو معقول في بلد يريد البقاء وسلمنا الله حتى اليوم من القتال الداخلي. للمشاحنات حد وليس للصفاء والمحبة حد. وقد برهنا ان التوافق الفعلي والوجداني في قاعدة التلاقي بيننا ولنا ان نتحرر مما كان يفرقنا وان نسعى دائما الى ثبات لبنان وديمومته فهنا نريد ان نعيش وهنا يمكننا ان نعطي.
واذا أصررت على نقاوة الرئيس في هذه العجالة سنتعلّم ايضا ان نختار كل المسؤوليات من جماعة النقاوة. انا اعرف خطايا البشر في كل مجال من مجالات الوجود. وليس غريبا ان التمس العفة والفهم عند من ننتخب مندوبين عن الأمة وعلى من نستوزر. البلد في رؤوسه في السلطات الثلاث كلها. لست أطلب فردوسا على الأرض ولكن لنا ان نتوق الى الفردوسية مستقلين عن سطوة المال والاستكبار.
هذا التوق اعجوبة ولكن الأعاجيب بفضل الله وسعينا ممكنة. عند ذاك نستعيد بياض لبنان وبهاءه. البلد ليس بجباله ووديانه وسهوله والبحر. الوطن هو ناسه.
Continue reading