Category

2007

2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس المقبل / السبت ٩ حزيران ٢٠٠٧

ليس الهاجس ان نعدد أربعا او خمسا من الفضائل لنفتش بمصباح ديوجين ان كانت متوفرة في هذا او ذاك من كبار الموارنة. من يجري الفحص وما قدرة الفضائل عند الفاحصين ليروها في المرشح. لذلك نحن مرغمون على افضل نظام سيء وهو الديموقراطية لنتحرى عن رجل قد لا يكون اصلح من مدير للأزمة ولكنه لا يخلو من الفطنة والشجاعة اللتين تقودانه الى حلها بسرعة مضطرين على الطائف الذي تدنى مقامه عما كان عليه من قبل.

               واذا ساغ لي التأمل المتواضع في الأمر لقلت ان هناك بديهيات لا يصح تجاوزها لئلا نبقى غرقى هذه الأزمة. الميزة الأولى ان يؤمن الرجل الآتي بلبنان وطنا حرا بينه وبين الرئيس زواج ماروني. وأقل ما تعني العبارة الا يكون عند الرجل صاحبة. الزواج يبيح المودات المهذبة العفيفة ولكنه لا يبيح الزنى. وأبسط ما يعني هذا ان يؤمن هذا الرجل بأن للبنان هوية وبأن له كيانه. الهوية هو انه ليس غيره او ليس من غيره. اعني بذلك انه لا يمارس التماس ولو مارس الملامسة التي هي قاعدة السياسة الخارجية لكل بلد والهوية اساس الكيانية التي عبرنا عنها بأن لبنان وطن نهائي.

               هذا لا نريده شوقا منه ولكنا نريده ممارسة ومواجهة والمواجهة في العربية تعني ان يكون الوجه للوجه بحيث لا تلغي ذاتك ولا تلغي ذات الآخر فالإلغاء عبودية ونكون، اذ ذاك، أضعنا نهائية الوطن. وهذا يعني قبل زواج المرشح ولبنان ان يكون قد كان عفيفا قبل بلوغ المقام لأن الفسق قبل الزواج قد يعرض الرجل اليه من جديد.

               من نافل القول ان يكون فهيما الى حد الفصاحة والعرب اهل فصاحة وبلاغة. غير ان ما كان اعظم من البلاغة ان يكون صادق القول يفي بما يعد بحيث ان لك عليه الحق ان تطالبه في كل حين بما وعد فيتدرب أهلنا بالحكم هم ايضا على الصدق الذي يعوزنا كثيرا وهذا ليس عند الآتي الينا بالأمر الصعب ان كان مطلعا على كل احوالنا ويعرف طوائفنا  ويحبها ويعززها كلها ويحس ميزات كل واحدة منها في تاريخها وقابليتها الحاضرة على عشق هذا الوطن.

#          #

#

               وهذا يستتبع ان يكون عارفا تاريخ البلد وان يفهمه من الداخل حتى يكمل هذا التاريخ بالمعرفة دون ان يكون أسيرا له لأن الرئيس رجل المستقبل قبل ان يكون رجل الماضي. يدور مع الناس والأشياء ولا يداور. يلين في مواقع اللين ويتشدد في مواضع الشدة وفي هذا كله الحكمة  يحب ولكنه يقاوم من اختال او تعرض لوحدة الوطن بخيانة مكشوفة او مبطنة اي يكون رئاسيا بلا اختراق للدستور اذ الشخصية البارعة هي التفسير للقانون ولا هو يكبلها.

               وقد يقتضي هذا معرفة بالاقتصاد او يحيط به اهل الاقتصاد ويتدبرهم هو ولا يتدبرونه لأن الرئيس لا يعرف كل شيء بالفطرة ولكنه قادر ان يعرف اهمية اوضاعنا المعيشية ليتصدى لها بكل ما أمكننا استخراجه من الأرض زراعة وصناعة فيضرب مسلمة تافهة تقول اننا قليلو الموارد واننا مؤهّلون للخدمات فقط. هذه أكذوبة كبرى أقنعنا بها الأجنبي لاستغلالنا. هذا بلد فيه رقي كبير  وذكاء كثير وقادر على اشياء كثيرة في الحقل الاقتصادي الذي يحمي سيادتنا بالدرجة الأولى.

               هذا من شأنه ان بمنع عنا شهوة الهيمنة من هذا وذاك لأن الهيمنة نكران لهويتنا وكيانيتنا ونختار نحن صداقات دولية نحس ان فيها اقل طغيان ممكن. لأننا ولو كنا نحيا بلا تبعية الا اننا نحيا ككل دولة صغرى او كبرى بالتساند والتعاضد وهو بطبيعته يجري في اتجاهين.

               والعفة عند الرجل ولو حجمت صلاحياته الا يكون له ثروة طائلة. وطالما اعتدنا ان نأخذ فرنسا نموذجا في أشياء فلنذكر ان رئيس جمهوريتها جان كازيمير Périer استقال السنة ١٨٩٥ لأن بعض النواب انتقدوه على ثروته وعلى كونه كان الأول في شركة مساهمة. وغيره وغيره استقال. التهاون مع ذوي الأموال ورجال الأعمال كان مكروها في ذلك البلد. فمن الصعب بمكان ان يكون الرئيس ثريا كبيرا ولا يتواطأ مع أترابه الذين له معهم مصالح. ديغول كان يتفاخر بفقره وكان هذا عنصرا من عناصر الإعجاب به. هذا يقودنا الى ان حياة الرئيس يجب ان تبنى ليس فقط على العفة ولكن ينبغي ان تذهب به عفته حتى النسك. الرئيس جورج بومبيدو الذي كان مصرفيا قبل توليه الرئاسة قطع كل علاقاته مع الأوساط المالية التي كان يتعامل واياها. رئيس الدولة يعيش بلا ترف والدعوات الى مائدته هي دعوات الى مائدة الجمهورية وليس له فيها شيء. الرئيس خادم ومن كانت له منافع في الأرض لا بد له ان يكثرها ويسعى الى ازديادها.

               الرئيس من شغله الوطن ولا يهتم لأقاربه وتوظيفهم. اليسر المفرط إغراء كبير وهو ايضا صاحبة.

#           #

#

               انا اعرف ان غبطة البطريرك مار نصر الله صفير  لا يريد ان يهمس باسم واحد من ابنائه ليجتنب العمل السياسي المباشر الممنوع في المسيحية  على المسؤولين فيها ولكنه يعرف الفضيلة في غير واحد من أبنائه ويحس بخطر هذا وخطر ذاك. ليس له ان يشير الى واحد ولكن أبوته لأبنائه الروحيين العظام في السياسة تؤهّله ان يرفض هذا وذاك حسب القواعد الأخلاقية التي السيد البطريرك حارسها.

               عناصر كثيرة او قليلة من الأزمة ستسقط ان أتينا برئيس صالح يقرب من الأسس المسيحية التي تقوم عليها الكنيسة المارونية والتي كان لها الفضل العظيم في إنشاء لبنان الكبير وقد أثبتت قيادتها العليا في حرب السنة الـ ١٩٧٥ حيادتها عن الأحزاب والميليشيات وأنا شاهد لذلك اذ كنت مندوبا عن كنيستي للمشاركة في القمم الروحية التي كانت تحاول ان تضمد جراحنا. كل القيادات الروحية كانت كذلك. ولن تتصرف هذه المرة على قاعدة اخرى اذا استؤنس برأيها بصورة رسمية وغير رسمية بالتنسيق مع بكركي.

               وليأتِ النواب كل النواب الى جلسة الانتخاب. هكذا نتحاشى الجدل حول عدد المقترعين. هذا أمر لا ينبغي ان يكون فيه «شطارة» اذا اردتم يا سعادة النواب  خلاص الوطن وان يبقى هذا الوطن سالكا طريقه الى الوحدة.

               لقد تمزقنا بما فيه الكفاية واحتددنا اكثر مما هو معقول في بلد يريد البقاء وسلمنا الله حتى اليوم من القتال الداخلي. للمشاحنات حد وليس للصفاء والمحبة حد. وقد برهنا ان التوافق الفعلي والوجداني في قاعدة التلاقي بيننا ولنا  ان نتحرر مما كان يفرقنا وان نسعى دائما الى ثبات لبنان وديمومته فهنا نريد ان نعيش وهنا يمكننا ان نعطي.

               واذا أصررت على نقاوة الرئيس في هذه العجالة سنتعلّم ايضا  ان نختار كل المسؤوليات من جماعة النقاوة. انا اعرف خطايا البشر في كل مجال من مجالات الوجود. وليس غريبا ان التمس العفة والفهم عند من ننتخب مندوبين عن الأمة وعلى من نستوزر. البلد في رؤوسه في السلطات الثلاث كلها. لست أطلب فردوسا على الأرض ولكن لنا ان نتوق الى الفردوسية مستقلين عن سطوة المال والاستكبار.

               هذا التوق اعجوبة ولكن الأعاجيب بفضل الله وسعينا ممكنة. عند ذاك نستعيد بياض لبنان وبهاءه. البلد ليس بجباله ووديانه وسهوله والبحر. الوطن هو ناسه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الاكليريكي / السبت ٢٦ أيار ٢٠٠٧

لما وزع فاتح فلسطين يشوع بن نون أراضيها على اسباط بني اسرائيل لم يعط بني لاوي المولجين خدمة الهيكل حصة قائلا ان الله نصيبهم. وفي الترجمة اليونانية للعهد القديم نصيب تقال كليرس التي جعلنا منها اكليروس لتعذر البدء بالساكن ومن كان يخدم الله تحديدا في أمة المؤمنين سميناه اكليريكيا وهي كلمة تشمل مختلف الرتب.

ويقال عنهم القسس او القسيسون كما وردت في القرآن او القساوسة وهي لفظة سريانية او سامية بعامة. اما لفظة رجل دين فهي لفظة شائعة ولا نعرفها في الكنيسة ولا يعرفها الاسلام لأن كل المؤمنين واحد والرجال كلهم رجال للدين.

صحّ ان القانون الكنسي منذ القرن الرابع يستخدم كلمة اكليروس مميزا اياه عن العوام وفي الاستعمال الحديث فقط نقول علمانيين وهذه لا معنى لها لاهوتيا اذ تعني الذين في العالم وكلنا في العالم. الاكليريكي، كاهنا كان ام أسقفا، يرئس صلاة الجماعة ومن رئسها هو إمامها. له ميزة او مكانة من حيث يتقدم الجماعة في اداء الشعائر ولكن ليست له قدسية خاصة وليس هناك تفريق بين مقامين امام الله اي انه ليس من هو فوق ومن هو تحت. هو بالمصطلح المسيحي خادم للأسرارفيقيم مثلا المعمودية والقداس ولكن في الجماعة. وليس من اساس اطلاقا لاحتسابه وسيطا بين الله والناس فما من قداس يقام بلا حضور الشعب ومشاركته ولننته اذًا من هذا. اعتزاز المسلمين بأن ليس عندهم رجال دين وان عند المسيحيين طبقة شفعاء او وسطاء بين الله والناس آمر غير مؤسس. ليس من بشر عندنا يستنزل عليك نعمة الله. القيام بالأسرار المقدسة إمامة لازمة لآداء الخدمة فكان التوقير اذًا بسبب من كون القس اداة لا سببا.

#       #

#

الاكليريكي بشر ويخطئ كبقية اليشر وقيامه بوظيفة من وظائف الكيان الكنسي لا يدل على طهارته الشخصية وكثيرا ما كان عامة الناس أرقى منه على معارج الطهر. انه رجل يحمل صليب الخدمة ومسؤوليته الرعائية تعرضه الى اغراء لا يتعرض له العامة. ومقاومته للإغراء تقتضي له صمودا كبيرا وقياما امام وجه الرب حسب كلام الياس النبي: «حي هو الله الذي انا واقف امامه». هذا الرجل يثبت فقط بالاله الذي يثبته فإنه به يحيا ويتحرك ويوجد.

الى هذا ومع ان الكاهن هو المسؤول الأول في رعيته يذكر المؤمنين تذكيرا بما هم يعلمون ويجتنب حدة الطباع وعندي انه يجتنب التوبيخ ما مكنه من ذلك كلام الله فاللوم المقرون بحزم ولين معا افضل من التوبيخ الشديد ليقيني ان التوبيخ طالما رافقه الغضب والغضب يـؤذي دائما ويجعل الواعظ غير رقيب على لسانه. كيف تكون خادما ورئيسا معا. تلك هي المسألة وقد قال المسيح عن نفسه انه خادم وهذا يتطلب وداعة كبيرةوتواضعا لا حد له. وترعى الرعية بمزايا راعيها ووهجه الروحي ولا ترعى بتفرد الراعي برأيه ولا بتحيزه لفريق دون آخر. والانقسام يتأجج بانحياز المسؤول وتحوله، اذ ذاك، الى مسيطر.

واذا بقي غير فاهم واستفحلت أخطاؤه فهناك تدابير إدارية لكبح جماح أهوائه. اما اذا ارتكب معاصي انكشفت للملأ وأحدثت خللا ومعاثر فهو خاضع للمحاكمة الكنسية بما فيها الايقاف عن الخدمة والتجريد من الكهنوت. كذلك الأسقف خاضع للتأديب في مجلس المطارنة حتى درجة التجريد من الكهنوت ايضا.

#           #

#

في بعض الاوساط الضعيفة اذا حزن انسان من كاهن يقاطع الكنيسة واحيانا يترك المذهب نفسه. هنا يجب ان نذكر ان المسؤول عابر وان عليه مسؤولا له قدرة الحل والربط. اما ما ينبغي ان نلتفت اليه فهو اننا اعضاء في كنيسة المسيح القائمة الى الابد فيه وقد يكون الراعي فيها من اية درجة كان تافها. نحن نأتي من حضنها والكاهن لا يكوننا . يكوننا الصالحون وقد يكون منهم او لا يكون. اجل «ويل لمن تأتي عن يده العثرات». ان حصلت نتجاوزها ونصلي كيف يمحو الله خطايا من أخطأ ونتابع الطريق ومعنا وفوقنا خاطئون. اذا نظرت الى كنائس كثيرة ولمست الضعف فيها لا ينتابني شك في ان من قادها منذ ألفي سنة هو المسيح نفسه. ولكن المسيح يحتاج الى فعلة له على الأرض وتظهر الخبرة احيانا كثيرة انهم غير اكفياء.

في المبدأ تعرف ان الراعي يحمل اليك الله كلمة الله لكونه درسها واحبها واحبك. ولكن قد يكون اميا او شبه امي في هذه الطائفة او تلك. احيانا هذا الأمي يرعاك بقلبه والذي قرأ لاهوتا كبيرا قد لا يكون على شيء من محبة الرب وانسانا بلا قلب.

المشكلة الكبرى انك لا تعرف الرجل الا بعد تسلمه مسؤوليته. نظريا وفي الكنائس الراقي تعليمها اللاهوتي تأتي بحامل شهادة يدل اساتذته على كفاءته. ولكن هل يعرف معلم اية مادة ان كانت الجمالات الإنجيلية متوفرة في الرجل. في المبدأ فقط اذا تقدم احد الى الدراسة يحسب انه محب للرب ولكنه فتى ويعسر عليك ان تمتحن محبته الحقيقية لله وقوة شخصيته وبراعة كلامه ونزاهته عن عشق المال ولطفه وما الى ذلك.

على رغم كل المؤسسات التعليمية وتنوعها وعلى رغم كل تفحصك للشباب المتخرج لا تستطيع ان تعرف اهلية احد العميقة لخدمة اسرار الله. ماذا تفعل ان بان لك تقصيره فيما بعد؟ يحكى اليوم على التربية المستمرة. هذا حسن ولكن هذا جزئي وانت لا تقدر ان تخلق الانسان خلقا جديدا. لذلك كانت الكنيسة في رئاستها دائما مكان التقصير والجهل وكانت ابدا هوة بين المتكلم والكلام الالهي الذي انسكب علينا.

لعلم الله بذلك يفتقد هو كنيسته بمواهب الروح، بالقداسة، والفهم، والغيرة عند الناس العاديين ويرممون ما كان في حاجة الى ترميم في كنيسة الله. واذا حركهم الروح يحركون الآخرين والنار تنشئ النار فترى محطات للروح هنا وهناك على رغم التدهور الذي يكون عليه الرعاة. يبعث الرب برعاة كبار ويبعث بناس ظاهرهم انهم عاديون وكثيرا ما كانوا اعظم من الرعاة. يصلح الله احدنا بالآخر بالكلمة او بالإشعاع الشخصي، في البهاء الذي يبدو من المسلك.

هذا لا يعني انه علينا ان نتكل على هذه البعثات الطارئة اذ نحن مسؤولون جماعيا عن إصلاح الرعاة. كلنا معا نبني جسد المسيح بسلامة الحياة الروحية وقوتها وكل ما فيها من حلاوات.

التاريخ دائما محزن على رغم وجود الشهداء والقديسين والذي يعرف كثيرا يتمزق كثيرا. ولكن قيل عن الكنيسة في الكتاب العزيز: «الله في وسطها فلن تتزعزع». هي حفظت أعضاءها ولم يحفظها الرعاة الفاسدون. لقد ارتضى المسيح ان يجعلها مسكنا له وهو بانيها يوما فيوما فلا ييأس أحد ويشددنا عظماء الروح ونبقى بهذه الأعجوبة الدائمة التي هي الكنيسة.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الشبيبة المارونية المؤمنة / السبت 19 ايار ٢٠٠٧

منذ بضع من سنين اكتشفت البهاء الروحي في الشبيبة المارونية. هذا لم يكن يلفتني كثيرا في الماضي بسبب الغليان السياسي الذي كان مستحوذا على هذا البلد. ولست اوحي بهذا الكلام ان المسيحيين ما كانوا روحانيين بمقدار. ولكن عشت الأحد الماضي في كنف سيدة النجاة في بكفيا خبرة رائعة. كان هذا لقاء مع لجنة مسكونية للشباب المسيحي منه بعض الأرثوذكسيين من ابرشيتي.

                      فترة تأمل في البدء وصلاة الغروب الأرثوذكسية في المنتهى مع شغف في اكتشاف الآخر وضمه الى الصدر وقناعة اننا جميعا للمسيح مع بقاء كل واحد في كنيسته. هذا الشباب كان هاجسه في ذاك الاجتماع التقارب في الصميم ابتغاء وحدة يهبها الرب احباءه. واذا وصفت غير لقاء لي في السنوات الأخيرة بكهنة موارنة شبان يهيئون اطروحات ويلتمسون مشورة من اسقف ارثوذكسي رأيت ان مناخ العلاقات بيننا تغير تغيرا كبيرا معزيا بحيث ترى ان المخلص يشق طريقه في القلوب بلا هذا الانغلاق الذي كنت أعانيه قبل اربعين او خمسين سنة من اليوم.

                      طبعا شبان ابرشيتي الذين هم جزء من هذه اللجنة نالوا بركتي للانضمام الى رفقائهم الموارنة وهم على صلابة معروفة في الاوساط الارثوذكسية وفي الوقت نفسه على طراوة نمت عند احتكاكهم بالآخرين. انت لك ان تكون شديدا ولينا بآن. وأظن ان هذه ظاهرة آخذة بالنمو الآن ولا تفسير عندي لذلك الا ان محبتك ليسوع تدفعك الى كل من أحبه. فاذا كان الحبيب واحدا فماذا يفصلك عن المسيح حبيبا؟ وان يدعى اسقف ارثوذكسي كان يوصف بالتمسك الشديد بعقيدته في جو كان يقال فيه «نحن واحد» والقول على عمقه لمن يفهم الاعماق كان في حقيقته ميوعة لا تحل المسائل الخلافيةولا تقرب كما المسيح يريد.

                      ما لفتني في التأمل في بكفيا انه كان قائما على ثلاثة فصول انجيلية كان من اراد يعلق على جزء منها. والتركيز على النصوص التأسيسة عنى لي ان هؤلاء الشبان والشابات ارادوا انفسهم آتين من كلمة الله ومجمعين عليها ومجتمعين في ما توحي اليهم اي ان الانجيلية لم تبق محصورة بتلك الكنائس التي تنعت نفسها كذلك. فالانجيلية هي اولا ارادة الانجيل. طبعا النقاش بيّن اننا لا نفهم النصوص دائما فهما واحدا. ولكن هذه حالة كل قراءة لأي نص في العالم وفي الاديان.

#         #

#

                      المناخ السائد ان هذه الكثلكة الشبابية كانت ترى نفسها واحدة ولو متقابلة العناصر. لعلي فهمت اكثر مما كنت افهم في اجتماع لاهوتيين ان ثمة وحدة في العمق لا تأتي من العقل الفاحص المدقق ولكن من القلب المكسور. ادركت هذا بتحسس كبير لما قالت فتاة مارونية: ماذا نفعل بيسوع المصلوب؟ فهمت انها تعني انه بانقساماتنا لا يزال مصلوبا وان هذا الامر مسألة المسائل.

                      انا دعيت لأطرح المشكلة اللاهوتية التي تعيق وحدتنا كما دعيت الى الحديث في التطلعات التي ارنو اليها لنكسر الجليد.

                      قلت لهؤلاء الاخوة: «ليس من وقت لاستعراض كل المسائل الخلافية بيننا. سأحصر كلامي بما ورد في الرسالة الجامعة: «ليكونوا واحدا» للبابا الراحل وفيها مقظع صغير قال فيه ما مفاده: لنفحص ما المكانة التي كانت لاسقف روما في الالفية الاولى. سرّ الارثوذكس وغيرهم لهذه الفكرة الجريئة للبابا يوحنا بولس الثاني واخذ العلماء يعملون على هذه القضية. ،انها لقضية تاريخية بحتة لا تداخلها المذهبية. واذا كان المقام البابوي مستعدا ان ينتهج مسلكية الالف سنة الاولى يكون هذا هو الحل. غير ان بعض المرجعيات الكاثوليكية اوضحت ان معوفتنا التاريخية لا تلغي العقيدة التي حددها مجمع الفاتيكان الا،ل السنة الـ ١٨٧٠ وقد نصت على «الولاية العامة والمباشرة للبابا على الكنيسة جمعاء كما نصت على عصمته اذا تكلّم عقيديا   ex cathedra اي على المنبر الرسولي». لا نكون والحالة هذه قد قمنا بشيء. نكون قمنا بدراسة اكاديمية قد تؤثر على بعض الاداريات ولا توحد بين الكنيستين.

                      ثم قلت لهم: ما اجمع عليه العلماء هو ان اسقف روما في الالفية الالولى لم يصدر قرارا واحدا ليأخذ به الشرق. كان هو يرعى الغرب حصرا – ارادته في الرئاسة – وهذا قديم جدا- لم تحمله على اتخاذ قرارات نافذة في الشرق على اي صعيد.

                      ثم الشيء الاخير الذي كان لا بد من ايضاحه وهو من المسلمات عند العالمين ان الشرقيين لم يناموا ليلة مؤمنين بالرئاسة البابوية وأفاقوا في الضحى ليتمردوا عليها كلهم معا. اضظررت ان اقول هذا لان التعليم الذي اتخذته في طفولتي ان الشرقيين امة تمردت فجأة وتنكرت لعقيدة راسخة. ،من المعروف عند العلماء الكاثوليك ما اكده ايف كونغار رحمه الله ان كل المؤرخين  الكاثوليك قالوا بوضوح ان الشرق المسيحي لم يكن يتكلم على الاولية البابوية كما كان الغرب يراها. نحن اذا في مأزق حقيقي سوف تفحصه لجنة الحوار الكاثوليكي- الارثوذكسي المشتركة العائدة الى اجتماعاتها.

#               #

#

                      الاسئلة التي ظرحها الشباب الماروني كانت مرتكزة على موقع دفاعي يمكن ان تتوقعه من غير محترفين. مثال على ذلك ما اعتبروه ترجمة صحيحة: انت الصخرة وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي (او في الترجمة اليسوعية القديمة انت الصفاة وعلى هذه الصفاة سأبني كنيستي). كنت مصمما الا أساجل احدا ولا سيما ان مناقشة النصوص في الاصل اليوناني غير متوفرة. وفي اليونانية لا يستعمل السيد لفظة الصخرة مرتين ولكنه يقول: انت بيتروس Petros  وعلى هذه الصخرة يقول petra. والاسم بطرس نحته السيد من الصخرة ولكنه لا يعني الا ذاته ولا يعني الصخرة.

                      ما احببت ان اوضحه ان آباءنا في الالفية الاولى لم يؤسسوا كرامة الاسقف الروماني او مكانته على اولية بطرس في المصف الرسولي. وقال بعضهم ان كل اسقف خليفة بطرس وقال آخرون ان كل علماني له ايمان بطرس هو خليفته. اي ان اولية بطرس في المصف الرسولي لا تنتقل الى بابا رومية. هذا قبل الكل بمكانته الاولى على اساس تاريخي لا كتابي.

                      طرح علي ما تلقاه هؤلاء الشبان في مدارسهم. والواضح كان اننا امام تفسيرين مختلفين لا لقاء بينهما.

                      سألوا ما الحل. الحل هو في اللاهوت الكاثوليكي الحديث الذي يميز بين المجامع المسكونية السبعة التي تقبلها الكنيستان لما كانتا مجتمعتين والمجامع العامة. فقد انفرد الغرب بمجامع سماها هو عامة. ووجود كلمتين يدل بوضوح على انه يستحيل ان يكون لهاتين الفئتين الالزامية نفسها. الشرق كانت له ايضا مجامعه الخاصة ولا يستطيع ان يفرضها على الكنائس الغربية فرضا. كل فريق يتبنى ما يسمح له تراثه بأن يتبناه وهذه هي الطريقة التي كانت متبعة بالقديم اعني طريقة القبول اللاحق. واذا لم يحصل هذا يكون ما سميته عقيدة انت رأيا لاهوتيا حرا. فاذا كان مجمع الفاتيكان معتبرا على انه حدد العقيدة البابوية (الرئاسة والعصمة) مجمعا عاما لا مسكونيا تكون هذه العقيدة غير ملزمة للشرقيين الذين لم يقولوا بها. وتبقى في الكنيسة الجامعة خلافا شرعيا. فلا تكفرني اذا لم اقل بالعصمة البابوية ولا اكفرك اذا قلت بها ونتناظر اخويا في المحبة.

                      هناك مقاربات جديدة وشجاعة عند بعض اللاهوتيين الغربيين الذين يقزمون المواقف القديمة في الفاتيكان الاول. اما ان ينتظر الفاتيكان «عودة» الارثوذكس فهذا امر لا شيء مهيأ عندهم له.

                      اما بعد فقد سعرت بفرح لا يوصف عندما لمست الغيرة الملتهبة عند هذا الشباب الماروني على كنيسة المسيح- غير ان التوجيه المسكوني يبقى «شاعريا» في كل كنائس هذا المشرق وليس لي اطلاع كبير في صفوف الشباب على الموقف الآخر. الطهارة التي لمستها فيهم لا تكفي. ان من مسؤولية القيادات طرح الإشكالية القائمة وتبيان مواقف الاخرين لأن النور لا يكتمل الا بالمعرفة.  المعرفة نوع من الصلاة.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

عشق المال أو عطاؤه / السبت ١٢ أيار ٢٠٠٧

كتب العبادة في كنيستنا مليئة بعبارة «عشق الفضة» معتبرة (بفتح الباء) على أنها شهوة مركزية من حيث انها تؤدي الى طلب السلطة واشتهاء هذه اشتهاء فاتك لأنه استعباد للآخر وكل استبعاد الغاء. وكلما احتدمت رغبتك في متاع الدنيا وتوسعت هذه الرغبة لا يبقى حد لمطمع شرعي وترى نفسك مخطوفا ويعطل عندك نظام العقل اذ لا يبقى انتظام بين نفسك وبين ما ترغب فيه فاذا الذي بين يديك مالك عليك وانت تاليا مأخوذ اليه.

كل قصتنا مع الشهوة انها تنقل مركزك من حيث يجب ان يبقى اي من الاعتدال الى حيث يريدك الهوى. معنى ذلك انك تخرج من السلامة التي جعلك الله فيها لتسكن الخلل.

ليس في هذا الكلام مغالاة لأن استيحاذ المال استيحاذًا على كل الشخصية يجعلك تصير ما انت تحبه وعند اقصى سلطان الشهوة عليك تخسر محبتك للإخوة وفي منتهى هذا العشق تنغلق نفسك فتعجز عن العطاء اي عن الانتباه والخدمة. قال لي صديق ثري كلما ربحت مبلغا من المال كبيرا اوزع منه قدرا كبيرا خشية تعلقي بما ملكت. كان يخشى ان يصير عبدا.

بهذا المعنى جاء في العظة على الجبل: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك» (متى ١٩:٦-٢١). هل المعنى انه لا يسوغ لك ان تفتح حسابا في المصرف؟ الوضع الاقتصادي الذي كان المسيح يتكلم فيه كان وضع فقر شديد وكان يتطلّب اذًا ان تشارك الآخرين ما عندك. كان يسوع يريد ان تجعل محبة الله كنزنا حتى نتعلق بها فلا نشتهي ما بين ايدينا في اي وضع اقتصادي يكون البلد فيه. لذلك تابع كلامه هكذا: «لا يقدر احد ان يخدم سيدين. لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى ٢٤:١٦).

الفضة كانت عنده ان تملأ قلبك من الله او ان تملأه من المال. هو لم يثر مسألة نظام اقتصادي. مجال يسوع الناصري مجال القلب. السؤال هو ماذا انت عامل بقلبك؟

#              #

#

علمنا المغفور له رفيق الحريري كلمة هدر وما كنت اعرف استعمالها بالمعنى الذي استعمله بها. ثم ادركت انه لجأ الى هذه اللفظة لكونه كان حريصا على تهذيب اللسان وكان يريد بها السرقة. وكنت افهم انك اذا بددت مالك الخاص تبديدا فهذه خطيئة اقل شدة من تبديد المال العام حتى علمني العالمون ان الفرنسيين عندهم عبارة ان «الذي يسرق الدولة ليس بسارق». والدولة افهمها انها الناس اي ذلك الترتيب الذي يسهر فيه المسؤولون على سلامة الوطن وازدهاره وعافيته ورعاية الفقير والمريض والشيوخ وحماية البلد بالجيش وكنت قد قرأت عن سعد زغلول انه اذا كان في مكتبه وأراد ارسال كتاب الى احد انسبائه يرسل الحاجب ليشتري له ورقة وغلافا لأن الورق الذي كان على مكتبه يخص الدولة المصرية ويستعمل لخدمتها فقط. كذلك فهمت ان الموظف العالي في سويسرا اذا اراد نزهة مع عائلته يستعمل سيارته الخاصة لا سيارة الدولة لأن المكلّف لا يدفع لك ثمن المحروقات لانبساطك الشخصي.

كذلك علمت ولم ادقق ان هناك اسماء موظفين مسجلة على جدول وزارات عندنا وهم لا يعرفون باب الوزارة. واشياء مماثلة لو تحققناها لما وسعت مقالتي ذكرها. ثم فهمت ان الهدر شائع ايضا، ربما بمقدار اقل، في بلدن »راقية« ولكن هنا من يحاسب ويقاضي عظاما فيها بما في ذلك رئيس الجمهورية اذا حان وقت رفع الحصانة عنه. انهم يدركون ان مخالفة الشريعة قائمة في العالم ولكنهم يفهمون ايضا ان قضاة الدولة يسألون المرتكب عنها ولا ينتظرون محاسبة الله لنا في اليوم الأخير بعد ان أخذوا عن القدامى ان العدل اساس الملك. وقد فرقت الكنيسة عندنا في القرن الرابع بين مال الكنيسة ومال الأسقف فإن هذا له ان يستعمل المال الذي ورثه من ذويه وان يستعمل مال الأمة لحاجاتها.

في ايام شبابي اي منذ ستين سنة عرفت قضاة يعيشون من راتبهم فقط اي بشيء من التقشف كما عرفت من كان منزها عن الرشوة وكنت اقرأ لهؤلاء احكاما رائعة. وما كان علمهم دون الاحكام الفرنسية التي كنت اقرأها في المجموعات الحقوقية الكبيرة اذ كنت في هذا الحقل. اي ان هؤلاء الأساتذة كانوا على بعض من الحرمان ومع ذلك يقضون ساعات طولى بالتنقيب فإنهم كانوا موقنين بأن القضاء رهبانية وان مكافأتهم كانت بمجرد الأحكام العادلة وإرضاء ربهم وسلامة ضمائرهم.

وعرفت كهنة يرتضون بصداقات المؤمنين ولا يتذمّرون من الضائقة التي كانت تحل بهم وما كان لهم سبيل لشراء عقار وكانوا مؤمنين بأن غناهم هو في الفقر وكانوا يبيتون في ملكوت الله وهم على الأرض. عرفوا ان موطنهم هو في السماد. وكان بعض الفنانين في اوربا يبيعون لوحاتهم بسعر بخس. واليوم ترى مطربين ومطربات كما هم يسمون انفسهم وليس لبعضهم صوت ولا معرفة بالألحان ويجنى المال بالقد المياس.

#              #

#

قلت مرة لأحد أصدقائي ان المخلّص لم يتكلم ضد الأغنياء بحد ذاتهم ولكنه تكلم على خطر دخولهم ملكوت السموات. قال لي ان الخطر ليس في الثراء ولكن باختزانه اي بعدم توزيع بعض منه. وفحصت كل ما قاله الانجيل في هذا الموضوع وتبيّن لي حقيقة ما تقوله كنيستي في هذا الباب وهو ان الخطيئة هي عدم الإحساس في اي مجال انت تخطئ فيه. وفي مجال المال المعصية هي في عدم شعورك بالآخر. فأنت قائم في هذه الدنيا لتحب الآخر.وهذه المحبة توجدك وليس لها حد. نحن لم نحدد نسبة عطائك المالي ولكن الكلمة قالت في المزامير عن الكريم: «بدد، أعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد» (٩:١١٣).

ثم جاء آباؤنا الكبار امثال باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم  وأغسطينوس وأوجدوا نظرية الائتمان فقالوا: بيدك مال جاءك من إرث او عمل. هذا ليس لك. هو ملك الله وانت مؤتمن عليه غاذا ذهبت الى المسرح وكنت أول الواصلين لا تقدر ان تقول ان هذه الكراسي لي. وقالوا ان ألبستك وأحذيتك هي لك وللآخرين ولهم حق فيها. فأنكروا قدسية الملكية الفردية. هذه هي عندك وليست لك. هي للمحتاجين اليها. ليس لك ان تحفظ ما عندك الا بقدر حاجتك اليه. واذا كان الآخر في حاجة تصبح له وكأنهم قالوا انت لست متصدقا (ولو استعمل الكتاب اللفظة). انت تفرق ما عندك ليعيش الآخر وتعيش انت ايضا.

انهم لم يأتوا بنظام اقتصادي. هذا شأن الدولة. والدولة لم تكن تعنى  بنظام. وانت لا تبغي شيئا مما تعطيه. انت تطلب لنفسك برا وطهرا وقداسة. وهذه لا تقوم فقط بأنك تحفظ الوصايا فإن الوصايا تختصر بالمحبة كما علّم بولس. لك ان تملك كشخص اودعه الله الملك لتدبره وتحس بالأخوة.

وجمع بعض آبائنا مالا لا يقدر وأقاموا به مطاعم شعبية ومستوصفات وما الى ذلك. وما كانوا في مواعظهم على رفق مع الأغنياء ومع ذلك كانوا يجعلونهم كرماء حتى قال يوحنا الذهبي الفم ما مفاده ان مدينة روما لم يبقَ فيها فقير مسيحي او وثني لأن المسيحيين كانوا يبددون أموالهم على الجميع.

المال شيء عظيم اذا استعملته وفق هذه القاعدة فالمحبة ليست كلاما معسولا او اشتياقا او تحببا كلاميا. من لا يترجمها في العطاء – ان لم يكن شديد الفقر- تبقى عنده حكيا يحكى. واما من اخرج المال من جيبه او حسابه المصرفي فهي قلب مسكوب. والقلب المسكوب هو كل الوجود في هذه الدنيا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الفصح أيضا وأيضا / السبت ٥ أيار ٢٠٠٧

لا يزال ابناء كنيستي يتغنون بالفصح. لماذا هم سكارى الى هذا الحد؟ لماذا لا نقول شيئا آخر؟ لماذا لا نستطيع؟ في سفر الرؤيا ٨:١٣ يرد الكلام عن “سفر الحمل (بفتح الحاء والميم) الذبيح قبل انشاء العالم” وبالرجوع الى رسالة بطرس الاولى “المسيح هذا كان قد اصطفي قبل انشاء العالم” (1: 20) وبالمقارنة يتبيّن انه قد اصطفي للصلب قبل كون الخلق، أكان في علم الله السابق بخطيئة الإنسان ام لا. القديس مكسيموس المعترف علم ان السيد كان لينزل الى الأرض أاخطأ الانسان ام لم يخطئ وفي الحالتين هذا موت حب. خلقنا وخلاصنا واستمرارنا واشتراكنا بقيامة المسيح، كل هذا ثمرة المحبة الإلهية. وهذا هو العيد بكامل جوانبه.

                      لذلك عندما قال المعلم: “الآن تمجّد ابن الانسان وتمجد الله فيه”(يوحنا 13: 32) كان واضحا من حرف الجر في ان مجد الله كان قائما في جسد المسيح ودمه المراق. اي ان سمو الله وجلاله وقدرته وانعطافه علينا باتت في ذبح البشرية للابن لأن شيئا من الله لا يبدو حقيقة وفي العمق، الا اذا أبان هو نفسه في الحب المسكوب للبشرية.

                      عندما يسألنا الذين لا يؤمنون بهذا: لماذا هذه الذبيحة؟ أما كان الله قادرا ان يتكلم على محبته تكلما دون ان يجسدها بهذه الطريقة. أجل كان هذا ممكنا ولكنه اختار ان يفعل هذا. وبعد معرفتنا بالتجسد بتنا قادرين على فهم هذا الاختيار الإلهي. لقد آثر الله ان يكشف قرباه بهذا الأسلوب. هذا كان خياره الأزلي كما يقول العهد الجديد. ماذا لك على الله اذا أنسَ ابنه لنراه في أفعال ظاهرة فيأكل ويشرب ويشاركنا الموت فلا يكون غريبا عن حال من أحوالنا ما خلا الخطيئة.

                      لم يكن الله في حاجة إلى ان يقدم ابنه في كفارة دم. هذا تفسير سُمِع (بضم السين) عند مفسرين ما كانوا ينتمون إلى التراث. نحن ما همنا دم يسوع إلا سبيلا إلى الحياة الجديدة. همنا في هذه الذبيحة معنى الألوهة فقط تنسكب في نطاق الموت بجسد يسوع ليُعتَقَ (بفتح التاء) الإنسان بمحبته للمصلوب والقائم من الموت. في الجمعة العظيمة التي ندشن فيها الفصح لا نبرز الصليب فقط ولكن النزول عن الصليب. وعباداتنا يوم هذه الجمعة بالذات عبادات قيامية لا أثر فيها للحزن، نحن لا نتفجّع على المسيح ولا نهتم عاطفيا للظلم الذي لحق به. اننا مشدودون عبر آلامه الى هذا الذي سماه الكتاب فصحنا اي الى المسيح الظافر. يسوع هو نفسه الحياة قبل ان نعلن النصر في اليوم الثالت.

#             #

#

                      نتيجة لذلك نحن لسنا ديانة الألم ولسنا نستلذه مرضا او وجعا ولا يعني الشرق المسيحي شيئا ان يصاب انسان في بدنه. نحن لا نعزيه بأنه شريك سيده بالآلام. هذا لم يرد في قولة واحدة في العهد الجديد. اجل، تكلم بولس كثيرا عن مشاركة الآلام ولكنه عنى فقط شيئين اولهما اننا نموت معه في المعمودية وثانيهما اننا نغدو شركاءه اذا سعينا الى اماتة الشهوات فينا. هذا الاستلذاذ بالمرض واشتهاء الوجع او ان نبقى فيه هو من المازوشية ورغبة في شيء من الموت والمسيح معلم الحياة ومعطي الحياة ومن خدمته -لما كان في البشرة- ان يشفي مرض العقول والاجساد والخطيئة، الأمر الذي خصصت له الأناجيل صفحات كثيرة واعتبرته تبشيرا بملكوت السماوات.

                      انت ان مرضت تلجأ الى الله للإستشفاء لا لدوام المرض فيك. ان الملكوت نهاية الاوجاع وعليك ان تسعى الى الملكوت منذ الآن اي ان تصلي وتدعو الكهنة ليدهنوك بزيت وتدعو الطبيب للمعالجة.

                      نحن اذًا مع المسيح الحي. المهم الا نكون نحن من قاتليه. من العار ان نكون قوما فاتكًا بالله كما فعل اليهود والرومان قديما. يقبل المسيح جراحاتنا ويغفر ولكن نحن الذين اصطبغنا به كيف لنا ان نكون خائنين؟ الله يحتمل خياناتنا وينتشلنا منها ان صرنا من التائبين. واذا كان يهوذا صورة عن الخيانة المطلقة فهذا خنق نفسه قبل موت المسيح فنزل الى الجحيم ولما نزل اليها المسيح بموته اعتقه كما اعتق كل الجنس البشري الساقط والأبرار. ايقونة القيامة عندنا تمثل السيد بثياب بيض في مملكة الموت ينتشل منها آدم وحواء وكل ذريتهما حتى لا يبقى احد اسير الموت او اسير المعصية. واذا فهمنا قدرة المسيح على خلاصنا لا يضع احد على جبينه اكليل الشوك من جديد ولا يضربه بقصبة ولا يسمر يديه ورجليه بمسامير ولا يطعنه بحربة. من المسيحيين من يطعنون المسيح كأنهم لا يؤمنون بفدائه.

                      مع ذلك لملم منذ صلبه ويلملم اليوم كل شراذم البشر، الزواني والعشارين ومن اليهم. المصابون بالعمى الروحي يعيد اليهم البصيرة اذا قبلوه. قد تسمى باسمه وتحيد فعلا عنه فاذكر ولا تنسَ انك قد تصير مثل يهود ذلك اليوم والرومان. لا تقبّله بقبلة غاشة كما فعل يهوذا لأنه هو يقبلك بقبلات شفتيه للإيحاء اليك انك لا تزال حبيبه.

                      لا تتظاهر بالولاء له لأنك لا تستطيع ان تغشه وكما دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة سيدخل اليك ولو رفضته يقرع باب قلبك ويتعشى معك وتتعشى انت معه فإنه ضمك اليه قبل ان تلدك امك. وسيأخذك على صدره كما فعل بالتلميذ الحبيب في العشاء السري ويسميك باسمك كما سمى مريم المجدلية في البستان بعد القيامة فعرفته.

                      فيك اشياء كثيرة تجعلك حاجبا عينيك عن رؤيته. هذه الرؤية اساسية لتحيا. لن تحيا بمالك وقوتك ونفوذك وجمالك وعقلك. لست أنكر سحر هذا كله. ولكن قدرة المسيح على ان يسحرك اعظم بكثير. لا تضيع وقتك بما هو دون ذلك فإن المسيح بات فصحك اي عبورك الى الآب. وان احببت ان تصعد معه اليه فهو يجلسك الى عرشه منذ الآن اي قبل ان تأتي قيامتك وتجالس بعد القيامة من كانوا طيبين في الأرض أعرفوا اسمه ام لم يعرفوا لأن البهاء الروحي الذي يكون فيهم هو مصدره.

                      واذا عيدنا نحن للفصح ولا نزال قائمين في بركاته فليس لنحتكر ذلك وليس لأننا افضل الناس. ونحن للناس جميعا في أخوّة واحدة. ولكل انسان في هذه الدنيا انبعاثه من خطاياه ان كان من التائبين. ونحن لسنا كتلة منفصلة عن البشر لأن المسيح جاء ليبشر ان الناس جميعا من عائلة أبيه ان هم ارادوا ذلك بالعمل الصالح.

                      اما نحن فنعرف انه هو “الطريق والحق والحياة” ولكنا نعرف ان الذين يحبون الله من اي صوب جاؤوا هم شركاؤنا في المجد وليس لنا باللحم والدم ميزة على آخر ولكنه اختارنا نحن اتباعه لنعرفه كما كشف لنا نفسه بالكتب وله طرائقه ليكشف نفسه للطاهرين في كل أمة. ولا يفرق بيننا وبين الآخرين في حبه.

                      في هذه الدنيا عقائد مختلفة ولكل منا اخوه في المعتقد. ولكن محبتنا واحدة لجميع الناس بما فيهم الذين يشكون. نحن والعابدون لله والعابدون لذواتهم، نحن جميعا ابناء الله الواحد الذي يصطفي من يصطفي ولا نحاسبه على اصطفائه. وربك يدين كل امرئ على ما في قلبه ويحيي القلوب الجافة ويقيم في كل قلب بشري صار طريئا.

                      هذا هو الفصح الأخير وإطلاله على فرح السماء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

شعب واحد في دولتين / السبت ٢٨ نيسان ٢٠٠٧

سمعت من عدة ناس عرب وأجانب ان المغفور له الرئيس حافظ الأسد كان رجلا صادقا وانه يبقى عند كلمته فلماذا لا نعود الى ذلك الذي في كلامه عن اهل سوريا ولبنان انهم شعب واحد في دولتين. واستغرب ان بعضا من اللبنانيين الى هذا اليوم لا يحبون هذا الموقف وأملي ان يعتبر الحكم السوري هذه القولة للمرحوم الرئيس إرثا يحافظ عليه.

                      المعروف ان لفظة شعب مقولة تاريخية مجتمعية وان الامة مقولة اخرى لم يستعملها هو. ولم اسمع ان الحكم السوري الحاضر استعمل لفظة الأمة. ولم يبقَ في لبنان من يقول اننا لسنا عربا بعد ان كرس دستورنا الجديد انتماءنا الى العالم العربي. واذا اعتبرنا مقولة «الأمة العربية» فهي تشمل بلدانا أخرى. ثم قال غير سياسي لبناني انه سأل السيد الأسد الأب اذا كان يرغب في صهر لبنان في دولة عربية موحّدة انه اجاب انا اضم موريتانيا قبل ان اضم لبنان. هذه جملة افهمها انه لم يكن عنده مشروع ضم لنا او لم يكن عنده مشروع قسري لإنجاز هذه الوحدة. واذا صح تشبيه انصهار طوعي بين بلدين فهذا اشبه بالزواج الذي يتطلّب موافقة طرفين.

                      ما وصل الينا من تصريح السيد الرئيس الراحل انه اعترف بوجود بلدين مستقلين ولا يسوغ لأحد نظريا او براغماتيا ان يتصرف كأن هذا الميراث لم ينتقل اليه. اما المناقشة حول هوية هذا الشعب فلا طائل تحته بعد ان اعترفنا جميعا اننا ننتمي الى الحضارة العربية والشعور العربي واننا مع سوريا في تداخل عميق. هذا اذا اغفلنا الكلام على الجوار والتفاعل العاطفي الذي يربط بين اهل البلدين.

                      وضعنا كدولتين مستقلتين لا يختلف عن وضع بلجيكا وسويسرا واللوكسمبور وإمارة موناكو. هذه البلدان المستقلة فيها كلها عنصر فرنسي ولم تطالب فرنسا بضم واحد منها اليها. كذلك في سويسرا شعب الماني وشعب ايطالي ولم تسعَ فرنسا والمانيا وايطالية الى ضم جزء من سويسرا اليها. القومية ممكن ان تكون منتشرة هنا وثمة. ولكن التاريخ هو الذي ينشئ الدول. الدولة تقوم على المواطنة اي انها كيان حقوقي فرضه التطور التاريخي.

                      واذا عدنا الى وضع البلدين الشقيقين ولو كانا يحتويان عنصرا عربيا واحدا ما كانا يوما دولة واحدة بالمعنى الحقوقي للكلمة. كان كل هذا الشرق بعضا من السلطنة العثمانية وعند انهيارها مرت سوريا في فترة دويلات مختلفة حتى توحدت ولكن لبنان القديم كان متصرفية تابعة مباشرة لاستانبول ولم يكن معروفا بوضوح في اتفاق سايكس بيكو (اذا اهملنا ذكر المندوب الروسي آنذاك) كيف ستقسم الأراضي التي انسلخت عن السلطنة. ولكن الحديث عند المفكرين العرب اذكر منهم نجيب عازوري وشكري غانم في باريس والدكتور خليل سعادة كان ان لبنان يجب ان يكون له تنظيم خاص او حكم ذاتي الى ان اعلنت فرنسا في اول ايلول السنة الـ١٩٢٠ ان لبنان دولة مستقلة.

#              #

#

                      وتمثل لبنان في عصبة الأمم في جنيف واشترك في وضع شرعة الأمم المتحدة اي كان عضوا مؤسسا لهذه الهيئة. قبل ذلك عند تأسيس جامعة الدول العربية بعد ان عارض الوفد السوري مشاركة وفد لبناني عاد فقبله اي ان الدولة السورية اعترفت بدولة لبنان.

                      واذا ذكرنا، في تراتب القوانين، ان القانون الدولي يحكم القوانين الخاصة بالدول تكون دولة لبنان شرعية دوليا ويكون لبنان دولة قائمة بذاته. وعندما وضع مجلس الأمن ان تشكيل محكمة ذات طابع دولي مرتبط اصلا بمشاركة الهيئات اللبنانية يكون مجلس الأمن معترفا بالدولة اللبنانية استطاعت ام لم تستطع اتخاذ قرار يتعلق بهذه المحكمة.

                      ولكن فوق كل هذه الاعتبارات القانونية والتاريخية نرى ان الشعب اللبناني كله متفق على وجود لبنان ولو كان هناك مسائل خلافية حول الأزمة الناشئة بالبلد. كل فريق يصرح بلبنانيته. اذًا ليس عندنا اختلاف حول هوية البلد واستقلاله. ما من بلد لا يختلف حول مسائل سياسية هي بطبيعتها عابرة مهما اشتد الخلاف. الحامل على بطاقة هويته انه لبناني هو حقا كذلك.

                      الى هذا الاعتراف الصريح المسجّل السؤال الأعمق هو هل ابناء هذا البلد يؤمنون به حقا؟ بعد الطائف والدستور هذا السؤال غير وارد وليس عندك من تعبير شرعي عن لبنانيتك الا كونك قبلتها بقولك ان هذا البلد نهائي، الأمر الذي لا يباعد بينه وبين البلدان العربية الاخرى ولا سيما سوريا وفلسطين.

                      ما يبدو واضحا في حياتنا المشتركة اننا نريد ان نبقى من هذا الوطن لأنه موضوع حبنا وفخرنا. والحدود المرسومة قانونيا لا تمنع تعاطينا الواسع والمخلص مع الشعب السوري واية دولة تعترف بسيادتنا الكاملة اذ نحن موقنون اننا ننمو ونزدهر ضمن حدودنا وان لنا ما نعطيه الآخرين ببساطة وتواضع. واذا نحن نمونا بما عندنا من طاقات وأبدعنا – وليس في القول مكابرة – فكل انجاز لنا في اي مجال من مجالات الوجود خير للناس جميعا. والخيرات الأدبية والفنية والاقتصادية مشتركة بالحرية مع العرب الذين حولنا او البعيدين عنا. والمشاركة العربية لا تبطل مشاركات اخرى ضمن حريتنا.

                      هل نؤذي أحدا اذا احسسنا ان هذا البلد جميل وانه على صعوباته الداخلية قادر على خدمة نفسه والآخرين. والحدود المحددة لا تفرق بين وجدان ووجدان ولا تبطل العاطفة. قد نشبه بيتا صغيرا ويشبه بيت الآخرين قصرا وتحب انت ان تسكن كوخك وان يتمتع اخوك بقصره ولكنك تنام مع عيالك بمنزلك الصغير وينام اخوك الثري بقصره العظيم وتزوره ويزورك ويبقى كل منكما على كرامته.

#            #

#

                      في سوريا عقول كبيرة ومثقفون اعرف منهم بعضا في كل مدائنهم وكلموني بحب كبير عن لبنان وعن ضرورته للعالم العربي. أضيف الى هذا ان هؤلاء المثقفين حيثما حللت في المشرق العربي والمغرب العربي حدثوني بإعجاب عن لبنان وبتميز ابنائه بثقافة واسعة. هذا لم اتقبله باستكبار ولكني اؤكّد ان هؤلاء العرب يحسبون ان لنا رسالة في العالم العربي ويظنون اننا نؤلف جسرا بينهم وبين الغرب.

                      واذا كان هذا كله صحيحا فما يحمينا ويحمي الجار حدود واضحة آمنة وهذا له اهميته الأخلاقية منعا للفساد الذي يوقعنا فيه المهربون من كل صوب. ونحن على حجم صغير عصمنا انفسنا دائما عن الاعتداء كما يعصمنا ترسيم الحدود عن التآمر على سوريا في مقاهي رأس بيروت اذا صحت التهمة. ليس مثل الوضوح يقرب من الفضيلة.

                      وسوريا دولة كبيرة على الصعيد الاقليمي ومحترمة الجانب كثيرا عند الدول الكبرى وبخاصة في الزمان الذي نعيشه فليس لنا إرادة ولا قدرة على التدخل في مصيرها. جلّ ما نرجوه وهذا بكل اخوّة الا تتدخل هي بمصيرنا فلا يملي اي طرف منا شيئا على الآخر ونعيش معها بشفافية كاملة من شأنها ان توطّد القربى. والحب يأتي بعد العدالة فإنه ثمرتها.

                      وفي ظل المحبة والعدل نكون ادنى الى حل المشاكل اذا ظهرت ولكن نبقى دولتين حسب الإرث الذي استلمته سوريا من المغفور له حافظ الاسد. لا نطلب من سوريا الا ما طلبه هو اليها في تعاملها معنا.

                      مفتاح الحل لأزمتنا نحن هو في دمشق اولا. صعوباتنا ليست صعوباتها. وحكمها صامد ونحن نبارك لها هذا الصمود. فلا شيء يمنعها ان تبادر هي الى تحديد الحدود ولم اسمع من احد قادتها انه يرفض هذا مبدئيا. ولكن ارجاء البت يؤذينا نحن. والبت لصالحنا المشترك من شأنه ان يقرّب بين الفئات المتخاصمة في لبنان. ولست ارى مانعا في المبدأ ان يتفق الأفرقاء عندنا في هذه المسألة. الخلافات التي يتكلمون عليها قائمة على نقاط اخرى. والايضاح اذا جاء من دمشق قد يساعد على انفراج الأزمة اللبنانية.

                      التبادل الديبلوماسي يقوي اعتراف الواحد بالآخر والإقرار بنهائية كيانه ضمن العروبة. قال المغفور له حافظ الأسد مرة – وسمعته في التلفزيون- ان فلسطين هي سوريا الجنوبية ولكنه لم يقل يوما ان لبنان هو سوريا الغربية. وفلسطين تاريخيا كانت الأردن جزءًا منها. ومع ذلك – اذا لم أخطئ – في دمشق قائمة سفارة اردنية وفي عمان سفارة سورية. هل كثير ان تعاملنا سوريا الشقيقة كما تعامل الأردن؟

#             #

#

                      شؤون وشجون يمكن حلها اليوم بروح الصداقة في اي مكان في العالم ربما في خيمة كتلك التي جمعت الرئيس جمال عبد الناصر والرئىس فؤاد شهاب. قد لا نحتاج الى مثل هذا التعبير الرمزي ولكن ايضاح الحدود يوطد علاقات سوريا بالمجتمع الدولي الذي يكن لها ولنظامها كل الخير.

                      قناعتنا – وعبرنا عنها غير مرة – ان أمن سوريا من أمن لبنان والعكس صحيح. ولكني اقول اعظم من هذا. انا احلم ببلدين تخيم عليهما محبة كاملة لا يشترط فيها احدنا على الآخر شيئا كما في الزواج القائم على الوئام.

                      ألم يحن يوم تلاقينا وسوريا في العمق؟

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

العمر والأعمار / السبت ٢١ نيسان ٢٠٠٧

منذ سنوات قليلة انا مذهل بتركيب الجسد البشري. كيف تحوي النطفة في طاقتها كل الإنسان. أنشتين كان مهيأ لعظمته منذ اللحظة الأولى من تكوينه في الحشاء ولكنك تنمو في الزمن وتتشكّل وتتغيّر بالتربية والخبرة ولكن في حدود الجينات التي انت منها وفي حدود الذاكرة الجماعية التي منها تجيء. لا اتكلّم هنا عن الأبراج ولكن على ما اورثك ابوك وامك في عملية حب ومما يحملانه في جسميهما وربما في عقلهما ومن مناخ البلد وربما من نشوئهما الديني والثقافي. نحن امام سر كامل كنهه عند الله ونعلم قليلا «وغابت عنك أشياء». هذا ما زاد اعجابي في التكوين البيولوجي الذي يعجز العلماء كليا عن تقديره.

                      وفيما يلفتك في هذا المجال انك تأكل طعاما وبعد ساعتين يصير جزءًا من عينيك ويديك وكل أعضائك. نحن اذا مخبر كيميائي كامل وينتهي هذا المخبر باختلال وظائفه اي هذا التفاعل العجيب بين اعضائك.

                      هنا يستوقفني الموت المسجل فينا منذ تكون الجنين اذ نحيا من بعد الولادة ونموت معا بمعنى ان النمو لا ينتهي عند نقطة تبدأ فيها حركتنا الى الموت. الحياة والموت مترافقان منذ البدء وهذا بفضل الحب الالهي الذي أوجدنا وبهذا الحب نفسه الذي يستردنا الى الله عند اختلال وظائف الجسد.

                      بين هاتين الحركتين يعمل الأطباء. وظيفتهم ان يؤخروا الموت في علم تراكمي منذ هيبوقراط الذي كان لي فرح الصلاة على قبره في جزيرة كوس في اليونان. الاطباء حولوا الواقع الى نظريات وحفظوا خبرته وجعلوها فنا. انهم يصارعون معك الموت. ويلاحظون اقترابه او حدوثه المفاجئ وهذا ما اكسبهم الى التنظير فنا كبيرا فيه الكثير من الحدس. تعاون الاطباء على قدر ذكائنا ولكن ليس من عالِم في العالم يعرف متى تموت. وانا عندما أضع رأسي على الوسادة أستغفر لشعوري بأن شيئا في العالم لا يضمن يقظتي في الصباح الآتي.

                      وما زاد في ذهولي ان بعضا من نبات الطبيعة ولحم بعض الحيوان مكوّن بكيمياء ليصير جسدك. من وضع هذا الانسجام بينك وبين الطبيعة؟ هل أتى هذا كله بلا حساب ام ان فكرا واحدا جعل بينكما وحدة غايتها انت. لا تستطيع ان تنكر امام هذا العالم المتعدد، المتلون انه يتناغم والجسم البشري وكأنك انت غاية الطبيعة وان الوجود كله هو بالدرجة الاولى فكر متعال نقضي في هيمنته حياتنا على الأرض. واذا كان الانسان غاية هذا الكون وليس العكس فمعنى ذلك ان هذا الفكر (او هذا المفكر السامي) يحب الانسان على الطبيعة ويحب الأرض على بقية الأكوان ولهذا استطيع ان اؤكّد مطلع سفر التكوين: «في البدء خلق الله السماوات والأرض». لماذا جمع الكتاب كل المجرات والنجوم التي نعرف ولا نعرف باسم السموات وجعل الأرض متفرّدة عن كل الوجود. أليس لأن مليكها هو الإنسان الذي تقول التوراة ان الله خلقه على صورته كمثاله؟

#               #

#

                      فينا اذًا جمالات كثيرة قبل ان نموت. تنزل علينا رؤى ونبدع في الكلام والفنون والتقانة (ويؤثر الأكثرون على تسميتها التكنولوجيا). وبهذا الى اخلاقنا نشبه الله. غير اننا نمر بمراحل لندرك النهاية، نهاية هذا المطاف.

                      تأمّلت كثيرا في هذه المراحل بعد ان ادركت شيخوخة طاعنة اتخذ فيها وقايات كبيرة دفعا للموت ولست أرى ان كفاحنا البيولوجي وتحركنا النفسي يعنيان غير هذا. ويختلف عنهما الجهاد الروحي ومضمونه لقاؤك الله هنا وفوق وبهذا وحده تتغلّب على الترابية التي فيك.

                      غير انه يجدر بنا ان نتأمّل في مراحل العمر وهي ثلاث: الطفولة مع المراهقة، الكهولة والشيخوخة لكي نثمر عند كل اجتياز. انا ما ذقت الطفولة لما كنت فيها ربما لأن والديّ أراداني على شيء من النضج فيها والقفزة فيها مخاطر لأن الطفولة ولا سيما المراهقة تنتقم اذا تجاهلتها. كان والدي يكرهني على مطالعة بعض من صحف ومجلة الدبور وانا في السابعة وقبل العاشرة كنت أفهم من هذه الأدبيات الكثير ولكني ما تعاطيت الرياضة في المدرسة لأن رفاقي اعتبروني غير فهيم في هذا المجال.

                      غير اني منذ اربع سنين لظروف عائلية لم تتسنّ لي من قبل شاهدت الأطفال للمرة الاولى في حياتي بمعنى التعاطي والحب وما استطعت من فهم. والى الآن لا افهم كثيرا المراهقة المتقلبة، المزاجية احيانا. فاستغربت ان الطفل ليس ببريء كما تظن العامة فعنده هزء يتسلّط  فيه وغنج يستغل فيه ولكن كثيرا ما كانت عنده العفوية وأريد بها العلاقة المباشرة التي يسميها الانكليز Immediacy ولو كان عنده احيانا بعض من سياسة اي نوع من التخطيط القصير المدى. رأيت في الطفل الخطيئة ولكن بلا محاسبة اذ يعوزه الرشد الذي يؤتي الانسان المسؤولية.

                      الى هذا الطفل قادر على العطاء وعلى عاطفة جريحة، احيانا ولو لم يحفظ السوء ولكنه يحفظ الخوف. احفظ من الاطفال هذه الصلة المباشرة التي يقيمونها بلا مواربة ولا محاباة. هذا ينبغي ان نبقى عليه طوال الحياة والا نبقى على الجهالة عند الأطفال ولا على تقلبات المراهقين حتى تستقيم الحياة عند الكبر.

                      لن اكلّمكم على شبابي اذ لست قادرا على تحليل نفسي كثيرا. ولكني اختلط بالشبان الذين ارعى ويروقني الرفض عندهم لاعوجاج القادة ولكون الفضائل المفروضة في الكهولة باتت باهتة. واعذر تمرّدهم وأخشى طموحات لهم متصلة بما يشتهون ان يكسبوا. وهذا ما أراه اكثر فأكثر اذ لا تكاد تسأل فتى لماذا اخترت درس علم الحاسوب فيجيبك هذا يدر مالا كثيرا. مع اني اكره مقارنة الأجيال لا بد لي ان اذكر بأن الذين اقبلوا منا على الحقوق والطب والهندسة ولم يكن غيرها في الجامعة اليسوعية ما سمعت منهم ان هذه المهنة او تلك تؤمّن لهم دخلا كبيرا. لست اقول اننا كنا قديسين ولكن كان عندنا تطلْع الى جوهر المهنة وانسانيّتها.

                      الشباب حيوي ولست اريد بذلك قدرة الاجسام في كل طاقاتها ولكنه يحس بالحياة ووعودها بما في ذلك حياة الفكر وتأجج الإلهية فينا. فالشاب اراه عظيم التقوى وعميق الرؤية الدينية في كثرة الأحوال صحيح ان النبي داود قال: «خطايا شبابي وجهلي لا تذكر». ربما كان صاحب المزامير يتوب عن معصية فظيعة ارتكبها ونحن نعرفها ولكن لا شيء يشير على ان الشاب افتك جهالة في هذا المجال من الكهول واحفظ من هذا العمر الحيوية التي اتمنّى ان تستمر فينا بلا زهو.

#              #

#

                      اما الكهولة فهي العمر الصعب والبركات ايضا. ففي سن الأربعين وما قبيلها او ما بعيدها تحدث لكثير من الناس اهتزازات نفسية وروحية سماها الروائي الفرنسي le démon de midi, Paul Bourget مقتبسا عبارة المزامير «شيطان نصف النهار». الاربعون هي مرحلة الشك ولكنها هي ايضا مرحلة الإبداع الفني والفكري اذ ان الأكثرين كانوا بلغوا الكهولة عندما شرعوا بالكتابة. ربما اتى الشك والإبداع معا من اضطراب الكيان اي بدء الانهيار الجسدي وشيء من الانهيار النفسي.

                      عند هذا التراجع الجسدي للحيوية من المؤكد ان معظم الكهول يصيرون اعظم سماحة اذ يلاحظون ان الضعف شأن جميع الناس وانهم اخفقوا في ان يكونوا عظماء في الروح. ولكن اذا حفظ الكهل عفوية الطفل مع الفكر وحيوية الشباب ولم يخسر مثاليّته يكون قد بلغ نضجا كبيرا.

#              #

#

                      لست اعلم بعد ان كان للشيخوخة خصوصية او حسنات فهي على ما ارى تكمل سماحة الكهول وربما في مقدار اكبر لأنها ترى الناس يضعفون. الشيخ بعامة ينام على امجاده ولا يحب الكفاح الذي منه التغيير وقد يكون على شيء من الحزن لأن انتهاءه في الأرض يكتمل. طوبى لذلك الذي تضمحل عنده خشية الموت ويحافظ على حيوية لا تأتي من جسده بحيث يكون -على صعيد الوجدان والرؤية- طفلا وشابا وكهلا معا فلا تخفي فضيلة فضيلة او هبة هبة وتكون الأعمار غير حاجبة للحياة الواحدة. واميل الى الاعتقاد اليوم ان طول العمر عطاء من الله لنتوب اليه اذ تأكلنا الشقاء او بعض شقاء فيصبح الكيان البشري بكل جوانبه فيرانا الله على بلورية تروقه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

صلاة الجماعة / السبت ١٤ نيسان ٢٠٠٧

اذا أحزنك وضع البلد والإنسان تلجأ الى الله الصانع العجائب وحده وإحساس الكثيرين ان لبنان في حاجة الى أعجوبة تفتح الأبواب الموصدة. وفتح الأبواب يتطلّب منا أدعية مكثّفة والرب لا بد مستجيب. وأهم صلاة عندنا صلاة الجماعة حسبما ورد عن المسيحيين في القرن الاول: «وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة (او الشركة) وكسر الخبز (او المناولة) والصلوات» (اعمال الرسل 2: 42). يجتمعون يوم الأحد ليكونوا واحدا ويقووا بعضهم بعضا ويصيروا كيان المسيح الظاهر بالكأس الواحدة.

              لا ينكر احد الصلاة الفردية صباح مساء في البيت وفي كل مكان القائمة اصلا على ان تتلى في الكنيسة وما يرفعه المؤمن من أدعية ولكن لا دعاء فرديا يسمو صلاة الجماعة اذ نكون فيها في الحقيقة شخصا واحدا وفما واحدا وقلبا واحدا.

              في احد توما الذي اليه نصير غدا حسب تقويم كنيستي نقرأ في إنجيل يوحنا ظهورا ثانيا للسيد لتلاميذه وكان قد تراءى لهم مساء يوم الأحد الذي قبله اي يوم قيامته. اذ ذاك لم يكن توما معهم وأعطاهم الروح القدس اذ كانوا معا منتظرين المعزي الذي وعدعم به بعد العشاء السري. ثم ظهر الرب في الأحد الثاني وكان، عند ذاك، توما معهم وكان لم يصدق ان الرب ظهر فقال له المعلم: «هاتِ اصبعك الى هنا فانظر يدي، وهات يدك فضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا». لماذا وبّخ السيد هذا التلميذ على عدم الايمان؟ لا اجد طبيعة عدم ايمانه الا بأنه لم يصدق إخوته التلاميذ. كانت شهادتهم كافية ليؤمن. فلكون توما انفصل عقله وقلبه عن عقل زملائه الرسل وقلبهم وقع في خطيئة الجحود. كان ينبغي ان يكون مع الجماعة ولو غائبا عنها.

              المتخلفون عن قداس الأحد اذا سألتهم عن غيابهم يجيبونك: نحن نصلي في البيت. كيف تريدني ان اصدق ان الذي يغط في النوم ثم يحتسي القهوة مع زوجته ثم يفطر كان لحظة في حالة صلاة، انه يفكر في الواقع انه لا يحتاج الى ان يقف مع الجماعة المصلية وان يكون قلبه الى قلبها ووجهه الى وجهها ليرى الله من عليائه اننا نشكل معا وجه ابنه على الأرض. طبعا يؤلمني هذا التهاون وهذا الإعراض عن الاخوة اي هذا الانعزال العميق عن المشاركة.

              الفردية متأصّلة فينا- على هذا الصعيد وعلى غيره- والفردية هي الانقسام والتجزئة والتبعثر والخروج الفعلي عن الأمة المقدسة. قد لا يعي الغائب اننا نحن نصلي في الكنيسة للإخوة «الذين تغيّبوا عنا لأسباب ممدوحة». ما عدا ذلك ما العذر؟ انا لا اذكر هنا الذين فقدوا كل ايمان ولكني لست اظن ان في الشرق انسانا ملحدا بالمعنى الكامل. غير ان المحبة لله تفتر وافتقادنا للإخوة قد يتعطل وهذا اهمال للذين يحبونك ويريدونك مرصوفا في صفوفهم اي انهم لا يستغنون عنك وانت بالتغيّب استغنيت عنهم.

#           #

#

              عندنا قانون من بدء المسيحية يقول: ان من تغيب ثلاثة آحاد عن الكنيسة فليقطع اي فليخسر العضوية. والمعنى انك مدعو الى الكأس المقدسة ولا عذر لك ان خفت من ان يلقي عليك العسكر الروماني القبض. وكانوا يذهبون الى الكنيسة وهم تحت التهديد.

              يؤلمني جدا اذا اعطيتكم احصاء تقريبا عن الذين يحضرون صلاة الجماعة. ففي المنطقة التي ارعاها لا يتجاوزون العشرين بالمئة اذا كانوا كثرا. لست هنا لأعالج امام قرائي هذه الصعوبة. ربما وجب إكثار الكنائس ولكن هناك معابد تستوعب ومع ذلك يسود في احيائها اهمال كبير.

              في بلدان بعيدة عنا كثيرا يسوق المؤمن سيارته بين ساعة واربع ساعات ليصل الى الكنيسة لأنه ساع الى الخبز السماوي كما يقول يوحنا. عندما  كنت اسمع في البيئة التي نشأت فيها الكثيرين يقولون: احس بضياع كامل يوم الأحد اذا اضطررت الا اشارك في القداس الالهي. هل من له هذا الشعور اليوم؟ ليس يقول يسوع: «الكلام الذي اكلّمكم به هو روح وحياة». هل قصرنا بتبليغ هذه الرسالة؟ هل اهمل المسؤولون نقل الايمان؟ هذا بحث آخر ولكن هل معذوراحد بإهمال الألم الذي يكابده المصلون عندما يجدون انفسهم قلة اي عندما تتحول الكنيسة الى قاعة نصفها شاغر فلا تكون جماعة بل حجر.

              لماذا صلاة الجماعة؟ الجواب البسيط هو لكوننا كنيسة اي جماعة الذين يومنون بيسوع. حتى لو صلّى احد وحده فهو من الجماعة اي انه عضو في جسد المسيح. وانت تتحقق عضويتك في هذا الجسد عندما تتناول القرابين المقدسة اذ عند ذاك تصير من الجماعة. لكون هذه تجتمع قال بولس: «أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في دم المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فلما كان هناك خبز واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأننا نشترك كلنا في هذا الخبز الواحد» (١كورنثوس 10: 16و17).

              هذا يدل على ان خصوصية الكنيسة لا تقوم بالبناء وحسب ولكن بتناول الكأس. واذا كان ثمة ضرورة لإقامة الذبيحة خارج مبنى الكنيسة فالكنيسة قائمة في المجموعة البشرية التي تشترك بالقرابين المقدسة. في هذه الأيام، منذ عهد النهضة الذي بدأه شبابنا نرى المؤمنين جميعا يقتربون من الكأس ولم نبقَ في الزمان الذي لم يكن احد يقبل الى المناولة الا يوم الخميس العظيم او ثلاث او اربع مرات في السنة. صح ان الانسان يصبح عضوا في الكنيسة بالمعمودية ولكنه لا يبقى عضوا فاعلا الا اذا أقبل على الذبيحة الإلهية في كل يوم أحد وعيد. انى لك ذلك وانت مضطجع على سريرك  صبيحة الأحد مدعيا انك تصلي؟

              كيف تعيّد للقيامة كل احد وانت مستلقٍ في غرفتك؟ كيف تعي هذه القيامة عندما تتناول فطور الصباح في  منزلك ثم تقوم بنزهة مع أولادك؟

              صح ان الله موجود في كل مكان ولكن المسيح قال: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» وقال عن الكأس: «اشربوا منها كلكم. هذا هو دمي للعهد الجديد». بهذا نقيم العهد معه اي بهذا نحبه ويظهر لنا ذاته. غير ان العهد قطعه هو على صليبه. ولكن كيف تعلن ايمانك بالمصلوب اذا لم تقبل قول الرسول: «فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تعلنون موت الرب الى ان يأتي» (١كورنثوس 11: 25).

              كيف تكون غريبا عن اخيك، كيف تنعزل عن المكان الذي قصده ليستمع الى الكلمة الإلهية التي تؤهله ليتحد بالمخلص فيصير من المخلص والمخلص اليه. للمسيح حضوران هو حددهما: اولا بالانجيل وثانيا بالكأس المقدسة. انا ما انتزعت المسيح عن قلبك اذا تواريت عن الإخوة. ولكن هذا الذي في قلبك اذهب اليه حيث يجتمع الإخوة وأعطهم ما في قلبك وخذ ما في قلوبهم لتكونوا جماعة يراها هو واحدة فيه. هكذا تسيرون معا اليه واذا انعم عليكم بالكلمة والكأس تسيرون في الله وتصبحون معا سكان السماء ولو بقيت أجسادكم الآن على الأرض.

              لقد تحسس بعض من شعبنا منذ سنوات قيمة الذبيحة الإلهية بعد ان كانوا قديما يهتمون للإنشاد وحده. باتوا الآن أكثر لصوقا بالمخلّص كل حسب فهمه وكل بمقدار حبه. والفهم يزداد عند من فهم قول الكتاب: «ذوقوا وانظروا ما اطيب الرب» (مزمور 34: 8). وهذا يتحقق بامتياز عندما تلامس الكأس شفتيك فتنزع آثامك وتطهّرك من كل خطيئة.

              اذا كنت لا تهجر عائلتك الجسدية كيف تهجر عائلة الرب وهم اقرب اليك من أبيك وأمك؟ الى هذا صلوات مختلفة خارج القداس لا تؤتى انت معانيها ما لم تلازم الكنيسة في المواسم الكبرى وفي المواسم الصغرى. وبعض منها يتمم خارج اوقات عملك. واذا كان جسدك يتنشّق الهواء فإن روحك لا تتنشّق بصورة كاملة الا اذا سكنها الله بكلمته. انها في امتدادها وعرضها وشرحها هي في الكتب الطقسية التي لا تقتنيها في بيتك. واذا تلوتها مع الإخوة او استمعت اليها ترتفع قامتك الروحية وتمتشق حتى السماء. لا تتقزم روحيا بالجهل. الله يحييك بما قاله مرة واحدة وبالعبادات التي وضعها بإلهامه آباؤنا القديسون.

              «استيقظ ايها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح» (افسس 5: 14). لا تسترخ. ان الله لا يحب المسترخين. بادر بالجهد الذي قال لنا الله كيف يكون. اهتزّ وتعال الينا فتستوعبنا ونضمّك الينا ويستوعبنا الله جميعا حتى نتحرك به واليه. الجماعة في حاجة اليك ولا تكتمل الا بك فتعرف عندئذ ان هذه الجماعة عليها بهاء الله.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

القيامة / السبت 7 نيسان 2007

«سبق (داود) فرأى وتكلم عن قيامة المسيح انه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فسادا فيسوع هذا أقامه الله ونحن شهود لذلك» (أعمال الرسل ٢: ٣١ و٣٢).

ليس عندنا في الإنجيل وصف لخروج السيد من القبر أو لما قد يسمى انتعاشه. الايقونة القانونية للقيامة هي نزول المسيح إلى الجحيم، لمملكة الموت مرتديًا حلة من نور ويقيم بيديه الانسانية كلها ممثلة بآدم وحواء. هذا هو انتصاره على الموت. وعندنا في الأناجيل الأربعة وعند بولس تأكيد لظهورات السيد وتأكيد ان هذا الذي تراءى أمامهم هو هو الذي عُلق على الخشبة. من هذه الترائيات انه «اظهر نفسه للتلاميذ على بحر طبرية» لما كان تلاميذه ذاهبين إلى الصيد وما عرفوه في البدء. ثم يقول التلميذ الذي كان يحبه لبطرس هو الرب. المحبوبية تفهم.

واذا اكتفينا بشهادة يوحنا يذكر لنا ان مريم المجدلية جاءت إلى القبر باكرًا والظلام باق «فنظرت حجرًا مرفوعًا من القبر وأخبرت بذلك بطرس والتلميذ الذي كان يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه». هذا ما نسميه برهان القبر الفارغ. ثم كان لقاء المعلم مع مريم المجدلية في البستان وقد ظنت انه البستاني ثم سماها باسمها «فالتفتت تلك وقالت له ربوني (بالآرامية) الذي تفسيره يا معلم».

كان يهم الإنجيليين ان يقدموا شهادات ليقنعوا قراءهم. غير ان ابلغ شهادة عندي في كل الكتب ترائي المخلص لتوما الذي شك بعد الترائي الاول للتلاميذ ولم يكن فيه. فشك بما قال له التلاميذ. في المرة الثانية جاء يسوع والأبواب مغلقة فقال لتوما:”هات اصبعك إلى هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا”. أجاب توما وقال له: «ربي وإلهي».

توما أبصر جراح اليدين وجرح الجنب. ربما كان هذا الرسول يعتقد ان زملاءه رأوا شبحًا لأنهم كانوا يهلوسون. هنا أراد يوحنا الإنجيلي في سرده الحادثة الثانية ان يقول ان هذا الذي عاينه توما هو اياه الذي علق على الخشبة وان آثار الصلب ما زالت في جسده. من هنا نستطيع ان نقول أننا أمام حادثة قيامة.

نحن لسنا اذًا فقط مع فكرة القيامة ولكننا مع انتقال يسوع الناصري من قبر كان في شكل مغارة مغلقة بإحكام وانه هو نفسه صار خارج المغارة. وعلى هذا بنى بولس كل ايمانه بالمسيح.

#     #

#

موته كان الحدث الأول في كل هذه المسيرة. وهذا كان امرا قرره احبار اليهود وحكم به الوالي الروماني وشهده شهود كثيرون. والقيامة دلتنا على ان هذا الذي رؤي كان اياه ذاك الذي رفعوه على الخشبة ثم رفعه الله اليه.

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف كان جسد هذا الرجل عند القيامة. عندنا دليل واحد انه دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة. لا نقول نحن ان جسده اخترق الحواجز. نقول انه حضر ونبقى في السر الكامل. مجموعة الاوصاف تدل على انه تخلى عن كمدة الجسد، هذا ما يسميه العلماء l’opacité de la matière. ولكن كما رأينا في ما ذكرنا من ترائيات هناك تواصل بين المسيح المصلوب واياه قائمًا أو هناك تماه مع إضافة النورانية على هذا الكائن الذي بدا لأحبائه غير مرة.

غير أننا نستطيع مداورة ان نعرف شيئا عن مظهر يسوع في الوصف التي تقدمه الرسالة الاولى إلى أهل كورنثوس عن البشر الذين سيقومون في اليوم الأخير في الإصحاح الخامس عشر. الإنسان سيكون في عدم فساد (الفرق ان السيد لم يعرف الفساد قبل الموت وفي الموت). ثم يتابع بولس عن جسد البشر: «يزرع في هوان ويقام في مجد (يسوع عرف الهوان طوعًا). يزرع في ضعف (عرف السيد الضعف الجسدي طوعًا) ويقام في قوة. يزرع جسمًا حيوانيًا (بالمعنى البيولوجي وكان يسوع على هذا) ويقام جسمًا روحانيًا».

صار جسد يسوع بالقيامة جسدًا ممجدًا أي قائمًا بصورة محسوسة في المجد الإلهي وكان في المجد الإلهي بصورة غير محسوسة قبل ان يتجلى على جبل ثابور. القيامة لم تعطه مجدًا. كشفته فقط وهو قائم فيه إلى الأبد في ناسوته الجالس عن يمين الآب.

#            #

#

أثر هذه الحقيقة فينا أننا نحن المؤمنين به أمسينا قياميين أي قادرين على التغلب على الفساد والخطيئة والموت في اليوم الأخير. ايماننا ان قيامة جميع البشر ثمرة هذه القيامة التي تحققت في المسيح يسوع. نحن عندنا الطاقة الفصحية بالتوبة وغفران الخطايا واهلنا الرب على اقتبال النعمة التي في كنيستي قوة نور أزلي، غير مخلوق وينزله الله علينا في هذا الزمان. أي عندنا المألوهية في الطاقة وتصير تأليها أي نصبح مشاركين الله في هذه القوى دون ان نكون مشاركين الجوهر الإلهي. هذه المشاركة ليست شركا لأننا لا نعبر من وضع المخلوق إلى وضع الخالق. ليس من اختلاط في المألوهية بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية. ولكن هناك انسكاب النور علينا ومعمودية نور دائمة اذا نحن بقينا على التوبة.

على هذه الأسس نفهم ان الكنيسة تعيد للقيامة كل يوم أحد وذلك قبل تأسيس الفصح لأننا من هناك نجيء وبقوتها نرى المجد الإلهي ونحن على هذه الأرض. من الفصح تجيء ذبيحة القرابين في الأحاد والأعياد ونأخذ بالقربان قوة المسيح القائم من بين الأموات ونصير إلى القوة التي تتفجر في آخر الأزمنة.

إلى هذا كل شجاعة الشهداء الذين يموتون شهادة للمسيح آتية باعترافهم بالمسيح الظافر بالموت. يصارعون امبراطورية روما وهم عزل ويصارعون كذلك كل الدول التي تشبهت بروما وقست عليهم على رغم وداعتهم الساطعة. كل جرمهم انهم كانوا يرفضون تأليه السلطان العاتي وما كانوا رافضين الطاعة. تحاسبهم الدولة على ما في قلوبهم المؤمنة بوحدانية السلطة الإلهية. تروضوا على الوحوش وكانوا يتجاوزون أجسادهم النازفة والمفترسة بفرح ولا خوف.

قصة الشهيد مرداريوس في هذا الصدد تدل على ما كان يجول في نفوس هؤلاء. هذا كان نبيلاً رومانيًا يتمشى في قصره فسمع من الشارع ما اعتبره أغاني. أطل من شرفته فرأى قافلة تنشد. سأل خدمه: من هم هؤلاء ولماذا يرتلون. اجابوه هؤلاء يسمون مسيحيين وهذه رسالة جاءت من المشرق، انهم ذاهبون إلى الإعدام ويرتلون لأنهم يعتقدون أنهم اذا أعدموا يتحدون بمعلمهم الذي يدعى المسيح. قال رسالة كهذه عظيمة. نزل الرجل من قصره وانضم اليهم ليذهب إلى الموت.

الانخطاف الرئيس عند المسيحيين ليس إلى القيامة الأخيرة. انه انخطاف إلى المسيح الذي استقبلته مرتا أخت لعازر الميت وقالت له: لو كنت ههنا لم يمت أخي. أجابها سيقوم أخوك. قالت له مرتا أنا أعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع أنا القيامة والحياة. المعنى الظاهر ان عندك قيامة حقيقية فعالة هي قبل القيامة الأخيرة وهي أنا وفسر كلامه بعد هذا بقوله: «كل من كان حيا وآمن به فلن يموت إلى الأبد». قد يعبر بموت الخطيئة ولكنه ينهض منها اذا رآني على الصليب وخارجًا من القبر أي اذا شاهدني حاضرًا فيه.

المسيحيون المحدقون بالمخلص الآن قائمون معه في هذه الرؤية. حقيقة انبعاثهم هي اليوم ولهم ان يتطهروا الآن بلفتة منهم اليه فيصيرون خلائق جديدة مخلوقة بنوره. هذه العلاقة الحميمية به تجعل كل نفس من نفوسهم عروسة له اذ تعرف ان ليس لها حياة في ذاتها ولكنها تحيا به.

وتتمكن من ذلك اذا عاشت الفصح وهو كلمة تعني العبور مما كان ينهيها عنه، اذا عبرت اليه وتأملت وجهه وحده وعرفته انه كل موجود. في هذا السياق ألف القديس سيرافيم الروسي تحية فكان يقول لمن التقاه: يا فرحي، المسيح قام. أي انه عندك في صميم قلبك وهو محييك وليس عليك ان تنتظر شيئًا آخر اذ لا يزاد على الفصح شيء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

من الأسبوع العظيم الى الفصح / الاحد ١ نيسان ٢٠٠٧

ومضات فقط لنلتمس شمس الأسبوع الذي نفتتحه غدا بالشعانين  بعد بعث اليعازر من الموت اليوم. واهم ما في الحادثة حوار السيد مع مرتا اخت الميت لما قال لها: سيقوم أخوك فقالت له انا اعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع: «انا هو القيامة والحياة». المعنى ان القائم هو من كان في المسيح وان القيامة العامة تأتي تحقيقا اخيرا لهذا الحاصل اليوم. المؤمن في مماته او معاشه الظاهرين انما يأتي مني ويصير مثلي. واذا قام فيّ لا يحتاج الى شيء آخر يكمله. هذا العاشق ليسوع حيّ يعبر هذا الوجود وما بعد هذا الوجود.

                      في حادثة بعث أليعازر دشّن المعلّم موته اذ دخل الى اورشليم وخرج الجمع الكثير للقائه. سنخرج نحن بدءًا من غد من كل وطأة الدنيا لنلقى وجهه وفي هذا اللقاء غسل عينينا.

                      وبعد ان تنقضي الشعانين نقيم في كنيستي ثلاث ليال ما نسميه صلاة الختن. هذا مصطلح سرياني يعني العريس. ونرسم ليسوع العريس صورة لآلامه ونقيمها في الكنيسة لنقول ان من اقتبل منا، تواضع. هذا المسوق الى الذبح تصبح نفسه عروسة المسيح ولكن هذا يقتضي تشبها بالسيد في كل شيء. ونجترئ على الكلام على دخولنا خدر المسيح لأن حبه لنا هو زواجه الحقيقي مع الانسان. وهذا التزاوج بيننا وبين المخلص سيتحقق في دمه يوم الجمعة العظيمة عندما يرفعه الخطأة على الصليب، ذلك ان كل عرس لا يتم الا بالدم.

                      دخل يسوع الى اورشليم وأخذ يعلم. ندد بالفريسيين تنديدا واسعا، شديدا. ثم يحمل السوط ليطرد التجار من الهيكل. الاسبوع القادم صعب اذ كل منا مضطر ان يفحص قلبه ليعرف اذا كان من المنافقين او من تجار الهيكل وبعد ان يتعرى بتوبيخ يسوع له يصبح فقط من أحبائه.

                      عند ذاك يجالسه في العشاء الأخير وعند ذاك تهطل عليه الكلمات الجسام التي قالها السيد عن يهوذا الاسخريوطي: «ويل لذلك الرجل الذي يسلم ابن الانسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد». السؤال المخيف هو هل انا يهوذا آخر خائن لابن البشر بعد ان آلفته طويلا ثم حولت وجهي عنه لألهو بمغريات هذا العالم ام اتناول خاشعا، مكسورا المخلص ذاته بالحب عملا بقول الكتاب: «وفيما هم يأكلون اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا».

                      نحن لا نزال في لغة الاتحاد حيث ينبث في كياننا كله وفي قراءة اعظم سحرا هو يأكلنا ويشربنا او بتعبير ابسط في العشاء السري هذا يحل فينا ونحل فيه. ابوه الذي نخطئ اليه ينسى، عند ذاك، كل خطايانا.

#                   #

                      في إنجيل يوحنا ذكر لعشاء عادي وليس فيه ذكر لتقدمة الخبز والخمر ربما لأن يوحنا كان قد تكلّم طويلا عن خبز الحياة في موضع آخر. ولكن بعد الإشارة الى ان يهوذا اشترك في الطعام قال البشير عنه: «فلماذا اخذ اللقمة دخله الشيطان ثم قال فلما اخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلا».

                      كل عشاء يتم في الليل. ما يذكره اذًا يوحنا لا يدل على الوقت. المعنى الذي استدل عليه من السياق ان التلميذ دخل الليل قلبه. هذا جزاء الذين ينكرون يسوع كل على طريقته.

#                   #

#

                      في هذا المخاض تتهيأ امة اليهود لتقتل الذي كان منها حسب الجسد وهي التي أسلمته الى الوالي الروماني. بعض علماء الغرب يقول ان بيلاطس هو الذي اصدر حكم الإعدام وما قامت على مجمع اليهود خطيئة. غير ان هذا المجمع مع الرعاع هم الذين ضغطوا على بيلاطس وبتأثيره خوفه من هياجهم الجماهيري أعدم السيد. ليس البحث الحقوقي مفيدا اليوم وما البحث في تبرئة فريق ذا معنى فكل خطيئة ارتكبها احدنا قاتلة للمسيح. ولا رجوع عن مسؤولية هذا الذبح الدائم الا بالرجوع الى وجهه والانضمام اليه.

#                  #

#

                      نحن لا نتحدث عن هذه الميتة الا لكونها مطرح النصر والبر فالقيامة. وقبل ان يتم القتل الفعلي اسلم المعلم نفسه الى مشيئة الآب في البستان. في هذه الصلاة » لتكن مشيئتك لا مشيئتي« وحّد المخلص ناسوتيته طوعا بإرادة ابيه وانهار الفاصل بين الله والبشر، هذا الفاصل الذي أقاموه ليستقلوا عن خالقهم ويؤلّهوا انفسهم على غرار آدم. كان يسوع هو الوسيط بينهم وبين الله. فلما غربوه عنهم ورفعوه على الخشبة غفر للقاتلين ولنا وبهذا «تمجد ابن الانسان وتمجد الله فيه».

                      ارادوا استئصاله ولما نظر اشعياء اليه قبل ذلك بقرون قال: «لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه». ولكنا الآن وبعد ظفره صار هذا الوجه كل النور. كذلك قال اشعياء «لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحمّلها… وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا… تذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازّيها فلم يفتح فاه»

                      هذا لا يزال المشهد امام كل مؤمن به على رغم فيض النور من كل جسده. ذلك انه لما أخذ على نفسه كل أوجاعنا رفع عنا التوجّع ولكن بقينا نتأمّل في آلامه لنكف عن معاصينا ونذكر ان الله اشترانا بثمن  عظيم لنخرج في غفرانه الى روحية النصر. لذلك لا نتفجّع لأنه حررنا من كل فاجعة وأقامنا معه في مجد لا ينقطع.

                      ان ايماننا هو ان الحياة الإلهية الساكنة في جسده نزلت الى مملكة الموت وأبادتها. لذلك عندما نريد ان نعبر عن القيامة لا نرسمه خارجا من القبر ولكنا نصوره نازلا الى الجحيم ومنهضا بيد آدم وبيد حواء اي جنس البشر قاطبة من حكم الموت وأتعاب الخطيئة ليجلسنا معه في السماويات.

                      لذلك استطاع صاحب سفر الرؤيا ان يقول: «رأيت سماء جديدة وارضا جديدة» اي كونا ضاهره كما تعرفونه وحقيقته ان الله يراه نورا ساطعا من المسيح. وأكمل كاتب الرؤيا: «سيمسح الله  كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت».

                      بالدقة اللاهوتية هذا لن يكتمل الا عند المجيء الثاني. ولكن المؤمنين التائبين يذوقون مسبقا كنه هذا. تكسرهم ضعفاتهم هنا والأهواء ويتجلون بآن بمقدار ما يحبون بعضهم بعضا وليس من حب اذا استولت عليهم الشهوة. «بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كان لكم حب بعضكم لبعض». ليس من مضمون للمسيحية الا هذه المحبة. وهي الفصح الدائم على هذه الأرض والفصح الأبدي في آخر الأزمنة.

                      الآن نسير الى الله وفي تعمقنا الروحي منذ الآن نسير في الله لكون البشرة فينا قد انضمّت الى ناسوتية المسيح بضيائه وحبه.

                      عندنا هذا هو مركز كل شيء ومدى كل شيء والله يحب العالم بقوة هذه المصلوبية التي تجعل الدنيا كلها محتواة في قلوبنا ولكن مضاءة. نحن الذين اتكأنا في حضنه كما التلميذ الحبيب في العشاء السري يرفعنا الى صدره لنسمع تلك الكلمات التي لا يسوغ النطق بها، لنتكلم مثلما تكلم ونصبح واحدا معه بسبب من عطفه وكرمه وانحنائه على كل ثنية من ثنايا كياننا. اي نكون في حركة العبور اليه كل حين.

                      هذا هو الفصح الذي هو البدء والمنتهى والنور الذي لا يعروه مساء.

Continue reading