Category

2007

2007, جريدة النهار, مقالات

الرئاسة المقبلة ولبنان / السبت ٢٠ تشرين الأول ٢٠٠٧

بكركي متمرّسة سياسيا منذ المثلّث الرحمات البطريرك اسطفان الدويهي، ورئيس طائفة غير اسلامية باللغة المألوفة عند اليونانيين في السلطنة العثمانية يدعى إثنارخوس اي رئيس الأمّة بالمعنى المصطلح عليه في تلك الفترة. كذا رئيس أساقفة قبرص عند الروم وهذا تغير مضمونه في مناخ الحداثة التي نحن فيها او اليها حيث نتجه الى التمييز بين الروحيات والزمنيات. وهذا موضوع واسع في الكثلكة الأوربية حتى ظهور العلمانية في مطلع القرن العشرين في فرنسا.

                      ولست في معرض إلقاء دروس في اللاهوت الذي أحمله من كنيستي وان أغبط هذا الرجل الدمث والحكيم الذي هو البطريرك صفير والذي حاول مثل أسلافه الكبار ان يمسك بزمام أبنائه من كل جانب  في زخم حبه للبلد كله. ولا تنظير لي لهذا التحرّك الشامل حيث أهل الأرض يستنجدون بالسماء كما قال غبطته مؤخرا بعد ان تعب من بذل جهود منهكة في هذا البلد المستحيل والتوّاق بآن الى وجود كريم.

                      امام هذا اللقاء بين السماويات والأرضيات سألت مرة الصديق الكبير المرحوم الأب يواكيم مبارك كيف يلتقي عندكم شأن السماء وشأن الأرض؟ قال لي ما كنت لا أفطن به في تنشئتي الأرثوذكسية، قال: «الرعاة يهتمون بآلام الرعية» ففهمت، عند ذاك، أن ثمّة لقاء شرعيا بين المستويين. هنا وقف حديثنا اللاهوتي حتى فهمت ان تاريخ الموارنة الحديث تنادي فيه السماء الأرض كما تنادي اللجة اللجة على قول داود النبي. كذلك أدركت أن التلازم التاريخي في هذه الجماعة بين الأمر الإلهي والأمن الزمني هو التلازم بينهم وبين لبنان ولذلك قولهم ان بكركي صرح وطني هو من تراثهم لأن قوة الموارنة مرتبطة بازدهار لبنان جميعا.

                      هذا لا يعني ان همّ لبنان حتى التضحيات الكبرى ليس من احساس الطوائف الأخرى بسبب تربيتهم على لبنان منذ ١٩٢٠ ولكن يعني هذا وطأة الآلام على الموارنة تجعلهم يشعرون ان لبنانيّتهم تكليف يكاد يكون إلهيا.

                      لذلك ليس تجاوزا ان يحمل هذا البطريرك هذا العبء وأقولها في نفحة كنسية وليس فقط بسبب من نظام الملل الذي تركته لنا السلطنة ومارسه الانتداب بطريقة او بأخرى. ومع ان معاهدة فرساي قررت تجزئة الامبراطورية المقهورة انما لم تبعثر تراثها والسلطنة عرفت شعوبها وخصائصها ضمن مشاعر هذه الشعوب.

#               #

         #          

                      بين يوم وضعي هذه السطور وظهورها اليوم أجرؤ ان أقول بتواضع وخفر ايها السيد الجزيل الطوبى والاحترام انحُ منحاك ولا تترك طائفتك منقسمة على مستوى زعامتها الدنيوية. انا موقن ان أبناءك متعبون ويريدون العيش الكريم ولا تهمهم السياسة. لا احد من الفقراء تهمه اصلا الا في سعيه الى إطعام بنيه وتربيتهم وأمنهم. بنوك، سيدي، أهم من زعمائهم ولا يناصرون هذا او ذاك الا من اجل العيش الذي وعدوهم به. وغير اعضاء كنيستك وراءك في السعي الى حرية لبنان وتركيز حياته الوطنية اذ بلا هذا يبقى جبالا وسهولا وبحرا بعد ان يكون خرج من التاريخ. نحن لسنا فقط مدى. نحن زمان وحركة زمان.

                      اعرف دقّتك في عدم رغبتك ان تناضل نضالا سياسيا وتحافظ فقط على الوطن في اساسياته. حاشا لي أن أوحي اليك بمسلك محدد وأنت أكبر مني وأسنّ ولكن أتمنّى ان تُخرج لنا من المارونية ذلك الدسم القادر ان يقوّينا في الهزالة التي نحن فيها قائمون. هنا إمارات (إشارات) تدل على ان كبار القوم لن يواجهوك بصدّ وكأنهم لا يرفضون لك موقفا فصلا ليقينهم بأنك لست مارونيا سياسيا بل ماروني وطني. المهم ان يقبل الكبار من رعيّتك هذا التوصيف وان يقدّموا لك ما هو أعمق من التحيات والتماس الدعاء.

                      انا أفهم مخاوف بعض والمجروح ترحمه. ولكني أتمنّى ان يحيط بك الزعماء الزمنيون من طائفتك. وشعوري عندما احاول ان أقرأ بين سطور الأخبار ان المواطنين جميعا وعلى رأسهم المسلمون يقولون في سرهم لك: «يا سيد، تشدد فنحن غرقى والبلد على قاب قاسين او ادنى من الحريق»، واذا فكروا بأولادك المختلفين يقولون هم لك آية من كتابك: «اضطرهم (اي الموارنة) على الدخول» اليك والى عشقك لبنان ولا تدعهم يتفرقون، واذا فتشوا عن رئيس «معقول» فليذكروا ان الحضسن أفضل من الأحسن وان لبنان حاليا لا يستطيع ان يختار الا انسانا جيدا من الموجودين.

#                 #

#

                      المتفوقون من الموارنة كثر واذا صلحت النيات وتجلّى الإخلاص لا بد ان يتفقوا على اثنين او ثلاثة ببركة السيد البطريرك وان عف عن تسمية واحد لأنه يأبى ان يخلط السياسة بالدين. مع ذلك اي راغب في الرئاسة ان كان قديرا، صلبا، مثقفا، نشيطا حسب التوصيف البطريركي لا بد ان يجمع عليه زملاؤه ويسترضوا رئيس كنيستهم وهو غير متحيز.

                      المهم ان يريدوا جميعا بأن ينجو لبنان وان يأتي هذا الرجل عاشقا للبنان، عارفا بتاريخه وحاضره وممتدا الى مستقبل بنّاء وان يكون في القوة نفسها محبا للشعب السوري جارنا العربي الوحيد. ولم اسمع منذ أشهر بشخص لا يدعو الى ازدهار الشعب السوري وصداقته. وفي هذا لا يزايد فريق على فريق. وفي هذا كلنا لا يزال متمسّكا بميثاق ١٩٤٣ والطائف الذي يكمله. من لا يريد الاستقلال لهذا البلد ومن لا يبغي سيادته الكاملة. ووثيقة الوفاق الوطني لم تعطل الأساسي في ميثاقنا الاول ولبه الاستقلال عن الشرق والغرب. هذا يرتب علينا حقوقا ويلزمنا بواجبات. وقبل كل شك يلزمنا بنهضة البلد من كل جانب ولا سيما الجانب الاقتصادي الذي اذا نما يجعل الناس في الرجاء ويدفعهم الى البقاء في البلد حتى لا يقال عن بلدنا فقط انه جميل ولكن يقال انه فاعل وحيّ.

                      اذا اضعنا فرصة النجاة في الاستحقاق الرئاسي نكون رمينا أنفسنا في المجهول الكامل وصراع مخيف لا يعرف احد عقباه. لا بد بعد هذا من بقاء خلافات نتجاوزها بالحرية والديموقراطية ومحبة بعضنا بعضا وهي اللحمة الاساسية عندنا لأن القوانين والمؤسسات على أهميّتها جافة بلا محبة. وهذا شعب لا تجوز فيه القسوة ولا يسوغ التباعد. وقد أثبتنا في الخلاف القائم أنه لم يبقَ من صدام حقيقي بين الطوائف لأن البلد يريد ان يعيش.

                      اذا لم يتيسّر لنا الإتيان بالرجل الأمثل فليكن بالأقل صالحا على المستوى الخلقي وفهيما للسياسة وتعقيداتها ومثقفا بثقافة عالية. اذا آمنا ان احدًا لا يريد ان يبيع البلد ويقوى على تماسكه ورؤية مصالحه فمثل هذا موجود في الطائفة المارونية ولا بد ان يراه الناخبون فيما هم يخلصون للدستور.

                      وبعد انتخابه تسير عجلة السياسة القويمة بانتخاب حكومة وسن قانون عصري لانتخاب مجلس النواب وقيام مؤسساتنا على الطهارة والعلم معا على ان يقرر كل منا ان يصبح مواطنا أصلح مما كان لأن المجتمع المطهّر هو أساس الحكم والحكم دافع لهذا المجتمع الى ما فيه رقيّه في التحرر من كل آثار التخلّف والعصبيّات الطائفيّة والقبليّة.

                      وفي هذا للاسلام والمسيحية دور عظيم بحيث نرضي الله ليس فقط في العبادات ولكن في المسلك الاجتماعي والسياسي لأن هذا ايضا من الدين وليكن المعلمون الروحيون والمرشدون والوعّاظ دعاة للوحدة الإنسانية المتينة في ما بيننا ولنختلف في شؤون الأرض في هذا التفصيل او ذاك وبدل ان نبني حياتنا الوطنية على الطائفيّة الشخصيّة المتوترة فلتُبنَ على السلام الداخلي الشخصي وعلى السلام بين الجماعات ولنحقق الايمان في الحياة الوطنية الواحدة كما نحققه في داخل النفس وليسُد الوطن نفَس روحي واحد فيه احترام وتقدير للمواهب التي عند الآخر ولنقتبس من الآخر كل جمالاته التي هي انعكاس للجمال الإلهي.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان الأبيض / السبت ١٣ تشرين الاول ٢٠٠٧

انكفأت عن قادة لبنان الى لبنان عليّ اتعزى. انكفأت الى الأرز الذي نصبه الله كما يقول المزمور ١٠٣ في حين ان كل الأشجار الأخرى نصبها البشر. هكذا يعلينا الكتاب الإلهي ويمدح جمال نسائنا في نشيد الأناشيد ويكشفنا هدفا لمطامع اسرائيل. انت لا يسعك ان تناقش في ما اذا كنا موجودين او غير قائمين على هذه التلال والجبال بعد ان ذكرتنا التوراة حوالى سبعين مرة كائنا ما كان منظور هذا الذكر.

                      لست اعلم اذا كان المهاجر الذي قرر عدم العودة لصيقا بالوطن. لست أدين احدا فهناك اولاد يكبرون ويتزوجون ويلازمون الأرض التي ابتغوا الإقامة فيها. انه لشيء عظيم اذا مت ان تضجع مع آبائك. تكون تشرقت اي طلبت ان تُدفن تحت الشمس في بلدك. واذا كنت مسيحيا تذكر ان أشعياء يسمي المسيح الشرق. وقبل انشطار الكنيسة في القرن الحادي عشر كل الكنائس كانت الى الشرق ومنه لبنان. ان كنت تحبه تسافر هنيهة طلبا للعلم او الرزق ثم تعود الى النور اذا التمسته عيناك ورغب فيه قلبك وتنتظر ان يلتصق لحمك بترابه عندما يقرر الرب استردادك الى الملكوت ولكن قبل ولوجك السماء يحجب وجهك ترابنا. الصوت الإلهي يناديك من تحت ترابنا. من عندنا تنطلق الى كنيسة السماويين.

                      لست متعصبا لجمال الطبيعة عندنا ككل اللبنانيين ولكن لا شك عندي وانا المسافر الكبير اننا في طليعة البلدان الجميلة ولكن بيوتنا راسخة في التاريخ في الساحل ومصوغة في الجبل كالماس في الخاتم. يسحرك بهاء الكثير من قرانا حتى نعيد الأشجار التي احترقت ونقول بذا اننا محبو الخضراء والجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ولكن يعذّبني ان السياسة عندنا ليست جنة واننا في حاجة الى زمن غير يسير حتى تصير حياتنا الوطنية على صورة القديسين. يؤلمني هذا البعد بين الطبيعة عندنا وهذه التشنّجات الجارحة التي تحزّ في كياننا البشري. لماذا بتنا هكذا على اللاوعي وعلى غير الاخلاص وهنا لا اتحدى احدا ليقيني ان فينا قوما طاهرين عندهم من كلمة ما تجعلهم مؤهّلين لخدمة البلد كما كان الفلاسفة يحكمون أثينا في ايام أفلاطون.

                      البلد لا يمشي من ذاته. لا يتحرّك الا بالمعرفة والمحبة اللتين لا تلازمان بالضرورة المقامات العلى. والعلم وحده بلا محبة يولد من أحشائه الخير كما يولد الشر. والكثير منا انفعالي بدءًا من قيادة السيارة الى رجل السياسة التي هي اصلا فن قائم على الصدق والتقوى والنزاهة الكاملة. ليس صحيحا ان السياسة تلطخ آليا صاحبها، انه اذا تعششت فيه المعصية تأتي أعماله سيئة ويقدر ان يفسد البلد.

#                  #

#

                      انا عشير لبنان من قبل الاستقلال وكدت أموت في مظاهرة طلابية في طرابلس صباح الحادي عشر من تشرين الثاني السنة الـ ١٩٤٣ تحت دبابة فرنسية قتلت احد عشر من رفاقي المتظاهرين عند اعتقال الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح ورفاقهما. وعرفت بسبب من عملي آنذاك قضاءً نزيهاً الى حد كبير وادارة معقولة في هذه الفترة وبعدها.

                      عند منظر الدم ولمسي لأعضاء رفقائي المتقطعة اهتديت الى لبنان رافضًا للإنتداب وآمنت اننا قادرون على الحرية ومستحقون لها. وعملنا لها لما كانت تتهدد وصرنا اليوم أكثر من اي يوم مضى مصرين عليها ليصبح كل منا بشرا سويا ونهدي مواطنينا وغير مواطنينا الى الحق.

                      بعد تلك الأيام صرت أتردد على جريدة لسان الحال وصرت أكتب فيها كل سبت وكان جبران حايك يعرف اني واياه كنا نذكر معا انطاكية عاصمة ولاية سوريا الروماني ومركز كنيستها حتى اليوم. وكان ذكر انطاكية يعني لنا النهضة الروحية في كنيستنا. قال لي جبران مرة: ما هي انطاكية؟ لم أفهم سؤاله. اجاب هو عن سؤاله بقوله: انطاكية هي اليوم بيروت. فهمت انه يعني نهضة الفكر العربي التي كانت العاصمة اللبنانية تحتضنها وانها المدينة الاولى في نشر الكتاب العربي كما لاحظ ذلك طه حسين وما كان أدباء العرب من العراق الى القاهرة الى السودان الى الخليج يتهمون لبنان بأنه انعزالي. الروح اللبنانية كانت تعني آنذاك لبعض الابتعاد عن العرب وكنت اعرف ان العروبة بدأها موارنة باريس وان الموارنة ثم ارثوذكس جبل لبنان سبقوا غيرهم بسنوات في تحدي الصهيونية. هل كان انعزالية ان تجبه الفكر الصهيوني فورا بعد مؤتمر بازل السنة الـ ١٨٩٧؟

                      هذا الشعب حي قلبه وحي عقله بانتظار إحياء الدولة. متى ينتهي الطلاق بين الحكم والأمة؟ متى يصير الحكم على صورة الشرائح الطيبة من عائلاتنا الروحية جميعا؟ طبعا انا لست أؤمن ان اللبنانيين جميعا قديسون ولكنهم محبو السلام ويسعون الى تنشئة اولادهم ونموهم حتى يأتوا روحيا على جمال جبل لبنان، على مداعبة الشمس لجبالنا عند الغروب فوق ضريح جبران او فوق قبر ميخائيل نعيمة في الشخروب.

                      من يعرف كل هذا لا يستطيع الا ان يشتهي الراحة لأهل لبنان والازدهار، لأن في هذا خدمة للعرب جميعا. كنت أحاضر مرة عن المسيحية العربية في الخليج وكانت القاعة قاعة للدولة ويقدمني شخص رسمي وكان ذلك امام خمسمئة شخص كثرتهم الساحقة من الإمارتيين فلم يجد تعريفا لي الا اني من وطن جبران ونعيمة وأمين الريحاني. هذا لم يخطر بباله ان المسيحيين انعزاليون. كذلك في المغرب لمست مع كبار من أساتذة الجامعات ترحيبا بي كلبناني.

                      اما اليوم فكلنا خائف على البلد بعد اقتناعنا انه يقوم على دولة فيها مقومات حكم سليم. والحديث منذ تولي الرئيس الياس الهراوي كان عن دولة القوانين والمؤسسات اي في العلاقة الموضوعية العادلة بينها وبين المواطنين. وهذه العلاقة في خلل مبين ويحس اللبناني انه متروك الى قدره وعمل الدولة عينا في التغلّب على القدر وإحكام العقل. هذا الشعب يحتاج الى رعاية، الى حضن، الى ثقة بالمستقبل القريب، الى الا يتعرّض الى الجوع. هذا كله يحتاج الى التضحيات من قبل اهل السياسة والى نوع من تخفيف حدة الحزبية طلبا لشيء من الرحمة. هل انا حالم لو قلت اننا في حاجة الى اتخاذ اهل الحكم والنواب البلد الى صدورهم التائبة وان يلتقوا على هو ممكن وبنّاء بآن؟

                      والقضية قضية ايام اذا كنا مصرين على انتخاب رئيس لأن إرجاء الموعد اذا لم يحدث فراغا لا بد له ان يحدث قلقا كبيرا حتى درجة اليأس. والناس هم المهمون ولاسيما الفقراء منهم. الى هذا لن يرضى الموارنة وربما عائلات روحية اخرى مسيحية ام غير مسيحية ان توضع الرئاسة في مهب الريح. انا افهم ان يتمسّك الماروني بمقام الصلاحيات فيه قليلة ولكنه يرمز الى منطق تاريخي.

                      في اليومين الأخيرين جمع السيد البطريرك صفير المجروح من اجل البلد أقطاب طائفته وأرجو أن يكونوا قد اتفقوا على صالح لبنان (مقالي مكتوب قبل اجتماعهم). وبالتأكيد لا يرغبون او لم يبقوا في موقع من يملي خيارا. ولكني اوصي في المحبة ان يراعى جانبهم اذا هم اتفقوا حتى نصل الى فكر ديموقراطي علماني لا نأخذ بعين الاعتبار الطابع السياسي للطوائف.

                      واذا لم يتم هذا الاتفاق فلندع الله جميعا ان يتم تحت قبة المجلس. ان رغبة البطريرك في ان يكون النواب جميعا هناك هي رغبة حكيمة تتخطّى بعض الاعتبارات الاجرائية فينتخبوا رئيسا قويا طيّبا فهيما مثقفًا غير تافه ومن بعد هذا لا نكون عند نقطة الصفر ولكن تسير عجلة الإنقاذ. من الممكن ان تبنى الدولة من جديد مع رئيس جديد وتتعهد السلطات الثلاث التي تضع يدها على مؤسسات البلد فتساعد هذه الدولة على تكوين مجتمع صالح نسبيّا ولكنه في حاجة الى خمسين سنة او اكثر من التربية الأخلاقية ليتفاعل والدولة في شكل خلاق يبنيه ويبني الحكم معا.

                      أرجو ان ترفع قلوبنا ادعية بارة لبدء مسيرة الإنقاذ حتى نبلغ قيامة لبنان الأبيض.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس المرجو / السبت ٦ تشرين الاول ٢٠٠٧

سوف يدرس المجمع المقدس الأرثوذكسي الوضع اللبناني في دورته العادية المنعقدة بعد يومين في دير مار الياس شويا (ضهور الشوير). نرجو ان يلهم الرب السادة المطارنة إلهاما حسنا ليقولوا كلمتهم لكل اللبنانيين لأننا كنيسة تخاطب جميع الناس. قبل ذلك أبث تأمّلاتي الشخصية التي لا تقيد احدا سواي.

                     قبل ولوج موضوع الرئاسة منذ صدور الثوابت الإسلامية قبل الطائف أكّد المسلمون نهائيّة لبنان وأخذنا عنهم بكل فخر وصارت معتقدًا من هذه الدنيا. فوطننا نهائي ما دمنا له. ولن يجتزأ الا اذا تغاضى عنه بعض منا الى ما يقسم ويفتت الكيان لتقوم الأنا الطائفيّة او التحزّب الضيق المقيت. ولن يثبت احد على لبنانيّته ما لم يؤمن بأن لنا مقوّمات وجود ووحدة على تنوّعنا وفي تنوّعنا وان عرضنا التعدد البالغ الحجم الى معطوبية تبدو في هذا الجيل او ذاك.

                     قبل الاستحقاق الرئاسي الكثيرون قائمون على صلاتهم من اجل هذا الوطن الصغير القادر على الكبر والعطاء الرسالي وكأن هذا البلد لا تحييه الا النعمة الإلهية مسكوبة علينا جميعا وعلى مختلف شرائحنا لأن البشرة فينا ضعيفة والخوف يجتاحنا بين حين وحين. أذكر لقاءً دعا اليه المثلث الرحمات المطران ايليا الصليبي في دار مطرانية بيروت وكنت حاضرا فيه وذلك السنة الـ ١٩٧٥ جمع كبار الزعماء. قال فيه المرحوم الشيخ بيار الجميل مؤسس الكتائب للزملاء المسلمين: نحن المسيحيين نخاف فأجابه المرحوم تقي الدين الصلح ولكن الخوف ضعف فرد عليه الشيخ بيار: أزيلوا أسباب الخوف حتى لا نضعف.

                     اليوم الخلافات السياسية لا تقوم على أساس طائفي لأن الطوائف مندمجة في هذا التيار وذاك. اليوم سيسنا مخاوفنا اي دولناها بعض الشيء ودخلنا في الشك في الآخر وهذا سيبقى كثيرا او قليلا من بعد الاستحقاق الرئاسي. ولكن الثقة تستعاد بالأفعال وتتدرّج انت اليها في الحياة المشتركة او المشاركة الفعليّة التي تبدأ بايمانك بإخلاص الآخر. انا اريد ان اؤمن بأن اية ذرة من الإخلاص تقوية عند الطرف الاخر حتى نؤمن بعضنا ببعض. وهذا يعني ان نبدل ما في انفسنا رحمة وصدقا.

#                  #

#

                     وهذا له مدى طويل، اي يتطلّب توبة كل منا الى الآخر وتصديقه في ما يقول والا يفتري عليه كذبا. قد يكون للتصديق مراحل اي قد يكون فيه درجات يكتمل بعدها وقد يحدث ما يحل العقد فنخرج منها سالمين فيتوحّد البلد على سلامة القلوب. ولا اريد ذلك شعرا او خيالا او وهما اذ الأوطان تبنى من حب الى حب ويبدو ان بلدنا هكذا ينبني. وهذا لا يمنع التوق الى عقلانية التجزئة والتوتر المستبد.

                     وقد نمر بمرحلة خلاصية تستتبع مراحل أخرى ما يساعد على تفكيك العقد الواحدة بعد الاخرى اذ تنمو طهارة القلوب بالأفعال الناطقة الدالة على التغير او إرادة التغيير. هل تكون وقفتنا امام الاستحقاق الرئاسي اذا ما تم في الإخلاص ايذانا بتلاقيات اخرى تنشء جميعا الوحدة.

                     ان نقول قولا واحدا في كل شيء فهذا غير مطلوب في الديموقراطيات وغير ممكن في تعدد العقول وتاليا الرؤى. الديموقراطية تقوم على تنازع وبديلها طبائع الاستبداد كما يقول عبد الرحمن الكواكبي. تداول الحكم هو عينا الاختلاف البناء لأن احدا في السياسة لا يستطيع ان يجزم بما هو حق او موافق. ما تزعمه انت صوابا اقول عنه انه خطأ. والخصومة الديموقراطية تفترض ان احدا لا يحتكر الصواب فأنا اقبلك وإن كنت على خطأ. وليس في الديموقراطية توافق. ومن اراد ان يفرض عليك ما يراه صوابا انما هو مستبد تحديدا. فما من صواب الا في الوحي.

#                  #

#

                       غير اننا قد نعيش مرحلة يضطرنا فيه التأزم الى توحيد المواقف حتى تصل بنا مؤقتا الى التوافق وهذا قد يكون سهلا اذا دخل كل النواب المجلس في الوقت المحدد بسبب حبهم للوطن وقاموا بواجب الانتخاب لرئيس ينتخبونه من موارنة لبنان وتتوفّر فيه الشروط التي تحدث عنها العقلاء في هذا البلد ويقيني ان هذا الرجل لن يكون متصلبا في كل ما اتّخذه من مواقف مع من زاملهم. لن يكون متصلبا ولكنه يكون صلبا اي قويا على عدالة ويكون محبا للبنان حتى الشغف، متحيزا للبنان ولا يغازل غير اللبنانيين ولو أغروا. لست اظن ان احدا يدعو الى انسان غير استقلالي او غير سيادي فالأخلاقية المشترطة فيه لا تداعب توجه قلبه الى ما هو غير لبنان وشعوري ان الآلام قادتنا الى التمسك بسيادة لا تنفي تعاملا طيبا والإخوة العرب القريبين منهم والبعيدين اولئك الذين يحترمون كياننا صادقين.

                     اجل ليس في البلد من يلم بكل شيء في كل مجالات الحكم لكونها من خصائص الوزراء كل في نطاقه. اما الرئيس فيرى كل الأشياء ولو على غير اختصاص وعنده نفحات تؤهّله ان يراه اللبنانيون حكما موجها وأبا لكل المواطنين فلا يفرق بينهم ولو كان ذا فكر سياسي واضح. لذلك لا يكفي ان تفصل  ثوب المواصفات  فنأتي بمن نضعه في الثوب. ليس هكذا تسير الأشياء. انت تتذوّق الرجل اولا فتأتي به اذا كان عظيم الأخلاق وذا ثقافة واسعة انسانية وسياسية معا. انت لا تعطي علامات لكل مواصفة ثم تجمعها ولكنك تؤمن بشخصه اي بطهارته وصلابته وعلمه وانه لا يعيش على الهوى.

                     ما هو الأعظم بين الموارنة والمناسب للظرف الذي نعيشه هذا هو السؤال. ما من شك في ان ثمة غير واحد. بمن نحن مقتنعون، من هو الأبهى والأعقل والأكثر اتزانًا والأطهر والأقرب الى قلب الله وذوق اللبنانيين ولو اختلفنا عنه بهذه الجزئية او تلك من فكره على ان يكون ملتزما بالحق وكلية لبنان. ما هي التزاماته التي نفترضها فيه يوم الانتخاب. اتمنى الا يأتي التوافق قائما على حسابات فئوية لئلا يدخل النواب منقسمين الى المجلس.

                     هل لنا ان نحلم بدخول ممثلي الأمة جميعا الى المجلس. يبقى موضوع النصاب الذي ليس عندي اهلية دستورية للتحدث عنه. ربما لم يفت الوقت للمذاكرة الفقهية في هذا الموضوع ولكنه موضوع تفسيري يبقى النظر فيه للمجلس اي يعني هذا تشريعا والجلسة ليست للتشريع. ألهم الله السادة النواب ليتفقوا منذ الآن على الرجل التماسا لفك العقد المتبقية. هذا يحتاج الى عملية حب كبيرة ينعم الله وحده بها.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

جولة اوروبية / السبت ٢٩ ايلول ٢٠٠٧

منذ صباي أحلم بالحج الى هذا الدير البنديكتي في قرية   Chevetogne في بلجيكا المتخصص بدراسة الكنيسة الارثوذكسية وهو على تصميم واضح ان يحترم بقاء الارثوذكسيين في كنيستهم. درس من اجل المعرفة التي تقود الى المحبة والتزام المحبة التي تقود الى المعرفة. الدير معروف بمجلّته التي تتابع بخاصة قضايا الشرق المسيحي اللاهوتية وهي مفتوحة لعلماء الكنائس المختلفة وقد نأى هؤلاء من زمن طويل عن السجال وانت تبحث في شؤون كنيسة اخرى بكل موضوعيّة وحب.

                     كل الرهبان لاتين معظمهم أوربي ووجهتهم الشرق. لذلك رأوا ان ينقسموا الى مجموعة تتبع الطقوس اللاتينيّة ومجموعة اخرى تؤدي الطقس البيزنطي وذلك في كنيستين مختلفتين اذ لا بد من هذه الثنائية المعمارية لكي يأتي الفن المعماري مناسبا للعبادات.

                     كان من الطبيعي عندهم ان ألازم الخِدم الإلهية في الكنيسة البيزنطيّة وشهادتي وفرحي كانا في انهم يتقنونها من كل جانب كما تقام في موسكو بلا اي انحراف او ضعف في الأداء. لغة الصلاة هي السلافيانية التي هي اصل اللغات السلافية. يستخدمها كل الشعوب الأرثوذكسية التي اشتقّت لغاتها من هذا الأصل اللغوي القديم. تلاوات الكتاب المقدس بالفرنسية. اما الترتيل فاسلافياني وذلك بلا لكنة إطلاقا.

                     الكنيسة مزيّنة بالايقونات على اختلاف المدارس التي أنشأتها. وما يدهشك بخاصة الحركات الليتورجيّة المختلفة متناغمة واللباس والبخور والسجدات بحيث يستحيل عليك ان تعرف الهوية المذهبية لهذه الكنيسة ان كنت من العالمين.

                     يحضر الى هذا المكان مؤمنون كاثوليكيون من بلجيكا وهولندة في الأعياد وبعض الآحاد. ويدهشك ان يتحمّل الكاثوليكي الغربي صلوات طالت في عيد رفع الصليب (١٤ ايلول) اربع ساعات في الليل ما عدا القداس في اليوم التالي. ولا شك عندي انهم لا يفهمون اللغة السلافية ولكنهم يسعون الى الجو الروحي الذي يتجاوز الكلمات.

                     كان شعوري وشعور بعض الحجاج ان هذه العبادات كانت منتشَرا للملكوت او استهلالا للملكوت.  هل من فرق جوهري بين إطلالات الملكوت هنا واكتماله فوق؟ هنا في وسط الصلاة تحس بالقربى الكبيرة بين مسيحي شرقي ومسيحي غربي. بطريقة ما غير مدركة عقليا تلمس ان الذي ينزل الى أعماق الصلاة الأرثوذكسية يلتقط فيها عمقا لاهوتيا يؤنسه التقابل العقلي بين المذاهب. ليس كل شيء في معرفتها. انت تذوق بفضل هذه الممارسة ان هذا الراهب الكاثوليكي الاوربي دنا منك دنوا كبيرا وينبسط هذا في حديثه كما انبسط في عبادته.

                     الى هذا البناء العبادي الفريد في جماله عندك بناء آخر وهو البساطة اول جانب منها الإقرار بضرورة الاستزادة من العلم في مكتبة ضخمة بكتبها المرتبطة، بخاصة، بتذوّق الشرق الأرثوذكسي.

                     وكان الأقرب الى نفسي في فضيلة البساطة ان العلماء ومن كان دونهم علما يقومون جميعا بالعمل اليدوي من تقديم الطعام على الموائد واعمال التنظيف. الكل خادم والكل يسعى الى المعرفة ما استطاع والجميع يرتلون واهم من ذلك كله تساوي الأفراد في الفقر وإكرام الضيف والتسابق في الإكرام كما يقول الرسول.

                     هذه أشياء هي مداخلهم الى الله ونوعية عيشها عطاء من الله. عندما تعايش هؤلاء الإخوة بضعة ايام تلحظ ان الكنيسة تتروحن بهم وبأمثالهم. ليس انهم بالضرورة الأقدس. فالقداسة ليست حكرا على أحد. ولكن ما يؤثر فيك ان ثمّة من عاهد الله على ان يكون له فقط. انا لا أنزّه احدا في الدنيا كائنا ما كان مقامه عن الضعف البشري. نحن من تراب. ولكن يجذبني الشهيد الحي الذي قدّم نفسه وجسده او صمم ان يقدمهما في ذبيحة حية وان ينقطع او يصمم ان ينقطع عن الملذّات الشرعية في هذه الدنيا ليكون كامل الانصراف الى تحقيق الملكوت في كيانه ويرجو التحقيق الكامل للملكوت بعد القيامة.

                     احزن ان انكسرت الرهبانية في كبير او صغير فلا بد ان تلتصق الترابيّة بنا ولكن ان تسطع القداسة في بعض حتى اؤمن بواقعيّتها فهذا يساعدني على ان اتغلّب على ضعفاتيي وأبقى على الرجاء.

#               #

#

                     بعد هذا انتهينا الى دير  Bose   في شمالي ايطاليا، عند سفح جبال الألب فيه رجال ونساء يشتركون في الصلوات والخدمة، في الزراعة، في رسم الأيقونات البيزنطيّة على أكمل وجه، في الفرح. دير كبير بأجنحة مختلفة تحوطه البساتين ووسط الكل كنيسة أبدعت طقوسا يرتفع فيها الإنشاد باللغة الايطالية. المجموعة كاثوليكيّة تتقبّل اعضاء من كنائس أخرى لا ينفكّون عن مذاهبهم وتجمعهم حياة قائمة على المزامير وتلاوة الكتاب وأناشيد هم ألفوها وتستلهم الكتاب بحيث يحس كل المشتركين بعمق مسيحي واحد. الشركة كما يسمون انفسهم مرتبطة بالأسقف المحلي تستقبل مؤمنين يطلبون الخلوة في هذا المكان الفردوسي الذي يتعاطى فيه البعض اللاهوت والترجمة وكل هذه المعرفة تتغذى من ينابيع الروحانية المسيحية الشرقية مأخوذة من السريانية واليونانية والانتاج الارثوذكسي الحديث بحيث يتروض عندهم من شاء على التراث الأصيل الذي يعطى بعلم ومحبة.

                     وتقيم الجماعة مؤتمرات لدرس الكنيسة القديمة اليونانية اللغة والكنيسة الروسية وذلك منذ خمس عشرة سنة يحضرها علماء من الكنائس كلها، مؤتمرات تباركها القسطنطينية وموسكو. والغرب علم لا تحيز فيه الآن وليس من محاولة لاقتلاع احد عن عقيدته اذ المعرفة العليا لا تحزب فيها فتكون مكان لقاء للقلوب والعقول.

                     المؤتمر الأخير دار بين الـ١٦ والـ١٩ من ايلول على «المسيح المتجلي في التقليد الروحاني الأرثوذكسي» تناول المجتمعون حادثة التجلي، في مجالات التفسير الكتابي للحادثة الإنجيليّة، في الليتورجية والايقونوغرافيا البيزنطية والوعظ في بيزنطية وروسيا وتكلم الدكتور رامي ونوس اللبناني البلمندي عن التجلي عند القديس يوحنا الدمشقي وتحدث غير واحد عن التجلي في الغرب وعند سمعان اللاهوتي الحديث وعن رؤية النور الإلهي عند غريغوريوس بالاماس وجبل آثوس وعند الكتاب الروسيين وخصص اليوم الأخير للروحانيين الأرثوذكس المعاصرين وكان مسك الختام الحديث عن معنى التجلي في العالم الحاضر.

                     تعلم كل منا من الآخر وصلينا معا واهتدى كل منا الى ربه على ضوء هذا الكلام. وحدة عميقة ربطت في الدعاء والتأمّل الفكري بين أساقفة أرثوذكسيين ورهبان غربيين وعلمانيين من الكنيستين ولو دخل مراقب ليفحص الفكرين ما كان ليجد بيهما فرقا ولم يأتِ احد على ذكر الفروق.

                     جولة على هذين الديرين البلجيكي والايطالي كانت زادا سماويا لكل الحاضرين. صلاة بلا فكر لا تكفي وفكر بلا صلاة عقيم وتشددت الوحدة بشهادة الرهبان للرب في ضيافة القلوب للقلوب.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الأنا والآخر / السبت ٢٢ أيلول ٢٠٠٧

انت في مواجهة مع الآخرين محبة او أنت تردهم اليك والى مركزيّتك والى اشتهائك واذا أفرطت في ذلك تنكرهم في الحقيقة وتلغيهم. الأنا المركزيّة سماها باسكال العظيم مقيتة وبلغته le moi est haïssable. انت كما أبدعك الله ذات حبيبة وهذا من ماهيّتك ولكن ذاتك تقوم في فرديّتك لأن الفرد يقابل الفرد بما يحمل من ذاتيّة ووجود.

                     انا القابضة على الغير لك في النسك ان تميتها ما أمكن ذلك اما الأنا المبذولة فتحييك وتحيي الآخرين بك. ولكن أناك وأنا الآخر لا تجتمعان الا اذا رأيت ان الآخر ضروري لك حتى التنفّس. قلت ضروري ولم أقل فقط نافعا اذ أيقنت انك لا توجد الا بالحب المعطاء الذي قد يبادل المحبوب بمثله او لا يبادل ولكن المحبة في معظم الأحوال تستدعي المحبة لكونها كائنة في كل نفس بالصورة الإلهية التي فيها.

                     انا لست موجودًا وحدي. انا موجود اذا أحبني آخر وكان محررا من الأنا القابضة او المنقبضة. وحتى لا تقبض الآخر او لا تنقبض لا بد لك من جامع لكما يحرركما معا وهذا هو الله. هناك دائما ثلاثة لتكون الوحدة وانا اتكلّم بشريا. والبشر مجتمعين هم على صورة المحبة الإلهية التي اذا تساقطت تبيد الأنا الصارمة، الهدامة لذاتها او للذات الأخرى وعند ذاك يغيب الله.

                     وهاجس الذات ان تنفع الآخر والنفع ان تشتهي له ما يريده الله منه وان تذكره بالحق وليس بما يراه هو نافعا له وقد يصدمه هذا ولا يحس بمحبتك اذا وضع نفسه في موضع منافعه ولذاته التي تبيده وانت تريد ان تجعله في الله. صورة هذا في العائلة اذ لا يلبي الوالد او الوالدة احيانا الولد اذا طلب فقد يطلب ما يؤذيه او يعظم شهوته الى الامتلاك ويرى الأهل ان الحرمان يفيده. كذلك الدولة الساهرة، الراعية لمصالح المواطنين الحقيقيّة تلبي مطالبهم المحقة ولا تلبّي مطالبهم غير المحقة. اذا كان الحكم سليما، صالحا يسعى الى قيام البلد كلا مع إيثار المناطق المحرومة على المناطق المترفة. هذه هي الخدمة المرحلية لكون الحكم خادم الجميع والرعاية هي للجميع. هكذا الراعي الذي يرعى مئة شاة اذا ضلّت واحدة في الجبال يترك الراعي التسع والتسعين ويذهب لاسترداد الشاة الضائعة. هذا هو الحب الشامل. كذا في الرعاية الروحية. المسؤول يهتم اولا بمن شردته اهواؤه اذ البقيّة لا تزال في الرشد.

#                    #

#

                     هكذا التعاطي في الفكر. انت في التقابل مع من عنده فكر لا لتملي عليه قناعاتك ولكن لتأخذ منه وتعطيه بآن. وهذا هو الحوار. انت تواجه المواقف إن حاورت لتصل الى الصواب الذي قد تكون عليه او الى ذاك الذي يكون عليه خصمك في الفكر لأنك طالب الحقيقة التي تحل عليك وتحل على من يحاورك.

                     ويحل عليك الحق او بعض منه ويحل على سواك الحق او بعض منه فتأخذ بلواء الحق أنّى ظهر لأنك لا تريد الغلبة لموقفك بالضرورة فتنقّح ما قلته وترمي ما لمسته سوءًا او خطأ عندك وتستغني بالصواب الذي عند خصمك فتجعله أخا لك. انت تتمسّك فقط بما بدا لك كلامًا إلهي الإلهام أجاء هذا الالهام اليك او جاء الى الآخر.

                     وفي المجال الديني لا تنكر على الاخر عقيدته ولا ينكر هو عليك عقيدتك والا وقعتما في السجال وقد بطل السجال في ذهنيّة المعاصرين ولكنك تستوضحه في ما يؤمن به وتوضح له ما انت مؤمن به وتترك لله حقّه في ان ينير  من يشاء وهذا لا يتحقق الا بالمقابلة السوية الهادئة وبحق كل بشر بإعلان ما يحسبه صحيحا. هذا شرط الحرية عندك وعنده والا تقع ويقع في نظام القمع ان لم نقل في التقاتل.

                     شرط هذا السلام ان الله يهدي مَن يشاء. أن تقبل هذا السر الإلهي شرط دخولك في المحاورة لأن الحرية شرطها السلام. اذا التزمت الحوار لا تسعى الى إدخال احد قسرًا الى ما انت مؤمن به ولكنك تلتمس النور الذي يقذفه الله في القلب كما يقول الإمام الغزالي. انت لا تحرر احدا بشريا ولكن الحق هو الذي يحررنا جميعا وقد جاء في سورة الكافرون: «لكم دينكم ولي ديني» (الآية الـ ٦) وأفهم هذا القول انه يعني حريتك وحريتي ما لا يمنع ان اباحثك في بعض النقاط او في التفاصيل ولا أطلب منك ان تتنازل عن شيء أصيل. كذلك أرجو ان أساعدك على معرفة الأصول عندك وعندي. وشرط هذا التواصل المحمود ان احبك وتحبّني لأن هذا هو السلام اذ المبتغى الا أحرجك والّا تحرجني وان نتلاقى في كل ما نعتبره تجلّيات إلهية فأحترم ما تقول وتحترم انت ما أقول حتى نتفاهم في هذه الدنيا ويكشف الله عن ذاته في اليوم الآخر.

#                   #

#

                     وحتى أكون انا ما انا وانت ما انت لا أطمع بشيء من عندك ولا تطمع انت بشيء من عندي فاذا انا اشتهيت ما عندك لا أبقى انا ذاتي فإن الرب أمدّني بحاجاتي وأمدّك بحاجاتك فهذا كلّه متاع  الدنيا ونحن أحرار من هذه الدنيا وكل ما فيها لتطمع فقط بالنعمة الإلهيّة التي تنزل علينا فينمو كل منا بقدراته ونتمنّى القدرات الروحية التي عند الآخر لأن هذه هي هبات الله من اجل الجميع. انا أشتهي اذًا فضائلك ليتحسّن كياني الداخلي. فاذا كنت مألوها وعطفت علي أتأثّر بعطفك وأصير بدوري مألوهًا. هذه هي الشراكة العميقة التي تجعلني أتشبّه بك وتتشبّه بي لأننا كلينا نطلب المألوهية فنصبح واحدا بالشوق الإلهي الذي فينا. جاء في كتبنا الروحية أن انسانا قرع باب السماء فسمع من داخلها من يقول من القارع قال انا. ولم يُفتح له الباب. ثم قرع ثانية فسئل من القارع؟ قال انا فلم يُفتح له حتى قرع للمرة الثالثة. فسئل ايضا من القارع؟ قال انت. ففتح له باب الجنّة. المعنى انه عندما يوحّد المرء نفسه بالله يدخل الملكوت.

                     على هذا المثال توحّد أناك بأنا أخرى فتصبحان واحدا مع بقاء الذات او الفرادة مستقلّة، ثابتة الى الأبد ولكنها في تداخل والأنا الأخرى. نحن لا نذوب في الآخر لأن هذه حلوليّة ولكن الذات تبطل إن لم تلامس الذات الأخرى بالإرادة والقلب ولكن بلا اختلاط.

                     لا علاقة الا بالاثنينية ولكن بلا انفصال بحيث يراكما الله واحدا في المودة والمودة غير سليمة ما لم تكن إحساسا بالود الإلهي لكل انسان. لا يزيل الله التعدد ولكنه يزيل الفُرقة وتأتي وحدتكما سرا يقترب من الوحدة الإلهيّة. نحن ذوات مختلفة في التوق الى الوحدة. لذلك أحترم طبائعك وتحترم طبائعي ولو حاول كل منا ان يهدي الاخر على هذا الصعيد. فأنا عفوي مثلا وانت قليل العفويّة. انت عظيم الإحساس وأنا ضعيفه ولكنك بدءًا من تكوينك النفسي تحاول ان تتقبّلني وأحاول أن أتقبّلك ولا تتغيّر أصول الطبائع ولكن يجمّل الإنسان ويحلو بالتأثر الخلّاق الذي يقبله. وانت بما عندك تحاول الأسمى ولكن في إطار إنسانيّتك. وهذا لا يفرق بين الناس اذا أرشدوا اي اذا اتّسعت أذهانهم ونفوسهم لاحتضان الآخر.

                     لا يحيا الا الإنسان المحضون. وبذا تصير انت اما للجميع تلد الآخرين بحقيقة الله اذا ربيت نفسك على الا تعطي شيئا غير الله. تفسّر أذواقك ولا تفرضها. تنفتح ولا تبدد ذاتك باستنساخ الآخر. انك وحيد ولو غدوت معطاء. العطاء وحده لا يهدد انسانا ولا يميعه انت وحيد ولا يشبهك آخر ولكنك لست واحدا لأنك في لقاء.

                     تلك هي الأنا المسكوبة، المتطهّرة التي تسعى الى تنقية ذاتها والآخر فتنوجد وينوجد الآخر.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

البعد الأفقي والبعد العمودي / السبت ١٥ ايلول ٢٠٠٧

الرب هو النور الوحيد في عتمات الدنيا. ما عدا ذلك لهو او شقاء. أنا أفهم ان يظن الانسان ان له بلهوه امتدادًا وبشقائه انقباضًا ذلك ان الانسان في سطحية وجوده يذهب أفقيا بسبب من بشرته التعبة وانحصاره في أفق رسمه لنفسه واكتفى لأنه جعل نفسه مركز وجوده.

                     هكذا يكون ابن الحادث او الحادثة، وليد مرضه وحزنه. ينشئه الزمان الذي يعيشه اذ يحسب ان لا شيء خارج الزمان ولا شيء خارج المدى. يقيم في حدود جسمه وحدود ذكرياته والآمال التي تغذي الجسم والتصوّرات او يبيت حصرا في آخر ويسر بعبودية تكفيه متاعب تجاوز نفسه وبيئته وقبيلته.

                     والأحداث قد تكون جساما كالحرب او خشية وقوعها. والعوز الدائم وأزمات بلد تشبه الحرب وما من شك ان الإنسان ضحيّة جهله او فقره او غناه ونزاعات في عائلته او مهنته او حزبه. بسبب من هذا او من بعضه يلمس هبوط نفسه وقد يشقى لعدم علمه بها. لهذا كله سمّى الكتاب هذه الأشياء وادي الدموع اذ لا حد للوجع، للإعاقة، لفقدان الأعزة او لغيابهم.

                     كل هذه الشجون جزء من حياتنا وهي تصيب البار كما تصيب الشرير ويخترع الإنسان الفاقد الرباط مع ربه تسليات يحس بعد تعاطيها انها لا تغنيه بشيء. فكما خيّبته اللذات التي استساغها تخيّبه اللّذات اللاحقة. يسعى المرء الى استلذاذ يظن انه يشفي عزلته او يخفف من مرارته. قد يبقى اذا فقد وعيه النير اسير ما استنبطه من تعاطي جسده او تعاطي فكر لا ينقذه من تخبطات هذا الفكر وليس له وهو في وسط الاحداث التي تعذّبه الا ان ينتظر زوالها واذا بأحداث لا تقل عن الأولى مضاضة  تصيبه او هو يرى ان ما هو له يمزقه ويجعله مقيما في القنوط. معنى هذا انه يخلق جحيمه بنفسه وقلّما يعرف الكثيرون سبيلا الى الخروج من الجحيم. ولست أغالي في استعمال هذه المفردة لأني سمعت مئآت من المرات من اختارها اذ  يقول لي المتأزمون في حياتهم العائلية: لقد باتت حياتي جحيما ولا أعرف الخروج منها.

#              #

#

                     كل هؤلاء الناس وضعوا أنفسهم في المجال الأفقي ولم يسمعوا بالمجال العمودي اي بالقوة التي تربطهم بالله. اما الذين لهم إله فيعيشون في راحة وسكينة في الحرب او توقعات الحرب. هم في هدوء في الصحة والمرض، في اهتزاز حياتهم البيتيّة او في ثباتها ولا يرون بأسا اذا حلّت بهم مصيبة او انتابهم مرض جسديا كان ام نفسيا لأن الله مقيم فيهم او هم قائمون به.

                     اعرف أناسا يلوذون بالله ان عاشوا في فرح او عاشوا في ضيق لأنهم ايقنوا ان الله صحّتهم وصمودهم اي انهم تجاوزوا انفسهم وانتقلوا منذ الآن الى السموات. الفقير المؤمن غذاؤه الرب والغني المؤمن ثروته الرب ولا يولي ما له من مكانة في ذاتيّته. انت تطلب من الخالق المخلّص ان ينزل اليك وتستقبله على انه حياتك كلّها على قول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ».

                     انت لا تستطيع تفريغ نفسك من آلامها اذا استعرت ما يعوض عنها من دنياك لأن الدنيا لا تغذيك بالحقيقة. اللذة ليست بديلة عن لذّة ولا ترفيه أعظم من الترفيه الذي انت عليه. كل لذة بحد نفسها فارغة. هي تنسيك متاعبك بصورة موقّتة حتى تحل بك متاعب أخرى لأنك تستقي كل هذا من العالم الذي جعلت نفسك مركزه. اما اذا اخترت إلهك مركزا لوجودك لا تبقى مستعبدا لمرض او قمع او اضطهاد او أزمة في بيتك او في البلد.

                     انت لا تنجو من وطأة أحوال دنياك أكانت من السياسة او من الاقتصاد. فهذه الدنيا على ما نرى مليئة بالحروب ولك ان تطلب السلام ولكنا نرى ان الحروب لا تنتهي وان المرض لا ينتهي وان كل خطيئة تليها خطيئة أخرى اذا انت قبلتها وكل معصية مرة اذ يبقى عندك ضمير في الطبيعة هو يوبّخك ولا يستطيع الا المسوخ ان يخنقوا ضمائرهم حتى النهاية.

                     واذا قررت ان تلازم بعدك الأفقي اي اذا قبلت السطحيّة فأنت متّ داخليا. ربما استطعت ان تؤمن بشيء من القيم وان تذكرها. غير ان القيم في عمقها تؤتاك من الإيمان وحسباني ان القيم مقولة فلسفيّة حاول بعضهم ان يقيمها مقام الله في حين ان ذاتك لا تستطيع ان تعيش الا من ذات الله فلماذا ابدال الوجود الإلهي بمفاهيم ثقافية. الايمان بالله ايمان فعال في القلب اي مغير لهذا القلب او شاف له. ولك مع ربّك مواجهة او تواصل او وصال بين ذاتك وذاته لأن فيه حياة تفعل في حياتك والمفاهيم الفلسفيّة ليست بديلة عنه. ذلك ان الله حي وما عداه أفكار يقبلها عقلك ولكنها لا تنعش نفسك.

#            #

#

                     انا ما ركزّت على الآلام التي تعانيها من جراء ذنوبك او من المرض وأزمات البلد والعالم لست اوحي انها هي وحدها المطل الى الله. اجل في الكتاب آيات كثيرة تدعو المتوجّع ان يستعين الله لأن الكتاب الإلهي يريد شفاءنا. وبهذا قال داود: «من الأعماق صرخت اليك يا رب» والأعماق يعني بها الألم الذي رمينا أنفسنا فيه. ولكن الصالحين يصعدون الى الله من فرحهم ويعرفون انه هو مصدرها. لذلك يقيمون في النجوى ولا يقيمون فقط في الاستغاثة.

                     وعندما نتكلّم نحن المسيحيين عن الصليب المصلوب عليه كل شخص نطلب إزاحته عن أكتافنا من حيث هو وجع  لكوننا نؤمن ان صليبنا الشخصي هو طريقنا إلى القيامة ولسنا نريد بها القيامة في اليوم الأخير ولكننا نريد بها ان الله هو حياتنا وقيامتنا وهذه ينبغي أن نحققها هنا. ان آلامنا الحاضرة اذا قبلناها بالرضاء والشكر والرجاء تحمل الينا طاقة التعزيات لعلمنا ان الرب يفتقدنا بها او يزورنا بها كما يقول القديسون ونعلم ان الله يساكن الألم ان كنا مؤمنين ويسكننا ونحن في الخطيئة ليرفعها عن كاهلنا حتى يتنقّى القلب.

                     الاوجاع محنة تأتي كما تأتي لأن العالم ساقط. هي كما هي ولسنا نعرف دائما اسبابها والله يعالج الانسان كما وصل الي وضعه. يحاوره ويلومه ويؤدّبه ويحبّه بآن حتى يرتفع عنه الغضب ويحل فيه السلام. وبهذا السلام الداخلي يعايش الحرب والجوع والضيقات والمتاعب النفسيّة. قد يأتي الشفاء الجسدي من رحمة الله وقد يلازمك طوال حياتك. السلام هو علاجك مع بقاء المرض. وانت تعيش اي وضع معقولا كان بلغة الناس او غير معقول. نحن في المسيحية لا ندعو الى البطولة ولكنا ندعو الى الصبر والصبر ليس استكانة ولا انهزاما امام الموجود ولكنه اتكال على الله الذي يداويك كما يشاء ويوحي اليك ان المصيبة الكبرى فيك هي الإثم الذي تواجهه انت بالتوبة اي بحضرة الله فيك.

                     الله لا يلغي التاريخ الذي تصنعه الشعوب ولا يلغي زمانك الشخصي ولا المدى الذي تعيش فيه ولكنه يرافقك في زمانك ومداك واذا صبرت هنا تنال هنا تعزيات منه. فتقيم السماء فيك قبل ان تقيم انت فيها في اليوم الأخير. اي ان الله لا يغنيك عن الأبعاد الأفقيّة التي تلازم جسدك ومشاعرك ولكنه يرحمك  بالبعد العمودي ويسهر علي محافظتك عليه.

                     هذا الإله  ليس فكرة مجرّدة كما ترى. انه حق ووجود ومتعة وفرح. هكذا تواجه نفسك وتاريخ امتك وتوجّعات العالم. غير ان هذا لا يتم فيك الا اذا آمنت ان الله هو المرتجى وانه عطاء لك لا ينقطع.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لا تسرق / السبت ٨ أيلول ٢٠٠٧

لا يعطي الكتاب تحديدا للسرقة بسبب كونها معروفة فيقول في سفر الأمثال مثلا: «لا يُحتقر السارق اذا سرق ليشبع نفسه وهو جائع» (6: 30) الا انه لا يعفيه من واجب رد ما سرقه مع الربى. يلحّ على ضرورة رد المسروق. بعض علماء الأخلاق في العصر الحديث ولكنهم يعفون الجائع الحقيقي من المسؤولية باعتبار ان حياته أثمن من مال آخر. طبعا هذا أمر طارئ ان حصل كائنا ما كان موقف قانون الجزاء.

                     على رغم الاستثناء يسمّي ارميا النبي السرقة قباحة ويرى انها تتنافى والعبادة في بيت الله. وهناك غير سفر في العهدين يرصف السرقة مع الكذب والقتل والخبث والمكر والزنى وينهي عنها جميعا بالقوة نفسها.

                     ليس مبتغاي هنا ان اوضح وزن المسؤولية ولو كان من البديهي ان سرقتك للفقير اعظم رهبة من سرقتك لسواه لأن الأذى هنا كثير.

                     واذا شئنا شيئا من العمق لست أؤسس نهي الوصية: لا تسرق على قدسيّة الملكيّة الفرديّة. هذا من الشرع الروماني وتقول  به هذه الكنيسة او تلك ولكن آباءنا وعلى رأسهم باسيليوس الكبير لم يؤسسوا الملكية الفردية ولا سيما اذا وصلت اليك. من إرث حرام او من سعي اقتصادي لك حرام.

                     ما يجعل ملك الآخر ممنوعا عليك هو انه لا يسوغ اغتصابه وليس لك ان تحكم في حلاله وحرامه. هذا الملك يعطيك اياه صاحبه حبا وحنانا ورأفة في واجب مشاركة. الآباء الذين كانوا أشداء في دعوتهم الى العطاء لم يحللوا النهب ولكنهم بقوا على لغة الدعوة فقالوا انك مؤتمن على المال الذي تحوزه وهذا الإئتمان قالوا انه تفويض من الله اي انك مسؤول عن استعمال مالك لمصلحتك ومصلحة الكثيرين حولك ولهم فيه عليك حق. غير ان هذا الحق انت تستجيب له فتوزّع مالا لله الذي كلّفك هذا التوزيع لكونك غدوت في منعرجات حياتك وظروفها حافظا هذا الرزق.

                     آباؤنا لم يناقشوا مصادر المال الذي بين يديك ولم يناقشوا اذا أوتيته شرعا او بخلاف الشرع. هم كانوا ينطلقون من ملاحظة للموجود ويدعونك لإشراك المحتاجين به. ما عندك يصبح حلالا اذا قررت العطاء. اي ان الذي تبدده على المساكين يزكيك اذ جعلت نفسك دائما في استعداد للعطاء.

#                    #

#

                     من هو الذي السارق يسرقه؟ في كثرة الأحوال هو فرد او مؤسسة او الدولة. الذ يمتنع عن دفع ضرائبه قد يعلل النفس ـ وسمعت هذا الحديث عن بعض ـ اني لن أعطي دولة مقصرة في القيام بواجبها تجاه البلد او يسرقها بعض من موظّفيها. لا نستطيع ان ندخل في هذا المنطق فلعلّك باستقامتك معها تعلمها ان تحق الحق وان تتفانى بخدمتك. ليس مقبولا ان تقول انا اسرق السارق كما ليس مقبولا ان تخون المرأة زوجها نكاية بالخائن. انت في السلوك مرتبط بكلمة الله التي تعرف انك بالنهب والسلب تؤذي من سلبت وتؤذي نفسك ثانية اذ استسلمت لضعفك وربما علمك الاختلاس وما اليه الكسل والبطالة. والمال لا ينتقل من يد الى يد الا مقابل عمل او كان إحسانا.

                     منطق الذي يسرق مؤسسة يعمل فيها يأتي من قول هذا انها لمؤسسة غنية ولن تفتقر اذا انا احتفظت لنفسي بمبلغ يزاد على راتبي فإن راتبي قليل. والمؤسسة قائمة على عدة اشخاص يديرونها. واذا كان عدد من الموظّفين يقول قولك

ويسعى سعيك الباطل فأنت مؤذٍ لكثيرين لا تراهم ولكنهم في الوجود.

                     الأفراد ليسوا يقيمون ـ على مستوى الملك ـ توازنا بين المالك ومن يشتهي ملكه فتخول المحروم ان يغتصب. والحائزون على شيء من المال هم عند المحرومين حارمون. المسيحية ليست مقرونة بأحكام يطبقها المؤمنون قسرا. المسيحية قائمة على الطوعية وهذه طوعية مقرونة بأمر صارم من الله.

                     في الديموقراطيات الليبراليّة الراقية ضمانات مختلفة تقوم الدولة بخدمتها ولعل اهمها في ما يعنينا اليوم ضمانة الإنسان العاطل عن العمل بحيث يحصل على حد ادنى من مستوى معيشته. هذا هو التضامن من في البلد او الكفالة الاجتماعية. وهذه كما تمارس تشجّع مبدئيا على الأمانة. واذا كان الى هذا ضمان الشيخوخة لا يحتاج الإنسان الى ما هو أكثر من هذا ليحيا في شيخوخة كريمة.

#              #

#

                     في احوال كثيرة لا تأتي السرقة من حاجة ولكنها تأتي من طمع اذ قد يكون الميسور سارقا. والكتاب يقول ان الطمع عبادة وثن. لقد رأى يسوع الناصري الى المال على انه عبادة لرب آخر. واذا استثنيت الجائع على ما ورد في سفر الأمثال. تتوفّر في السرقات عوامل طمع يكون المال فيها طمأنينة وجود. السارق الممتهن ليس فوقه سقف. يرفعه الى اللانهاية لأنه جعل حياته قائمة على الارتياح المادي الذي لا حد له. وهذا كله مرتبط بالملذات التي نتوخّاها. واللذة تستدعي اللّذة.

                     وهذا كلّه إشارة الى اننا وقعنا في المادية العملية التي في طياتها طلب اللامحدود والاقتناع بأننا نوجد بما في أيدينا ولا نوجد بقلوبنا. ولذلك كان الشفاء من الطمع ان نتحوّل عما نحوزه الى اعتبار القيمة في وجودنا المحب المعطاء اي الى الذات العميقة التي يصنع الله عافيتها. فتكون وانت فقير فوق ما يملك جميع الناس لأن الملك لا يحددك والله يحددك بمعنى انه يغنيك بنعمه.

                     قد تبقى تواقا الى الحصول على شيء ان كنت معوزًا. اذ ذاك هذه شهوة مبرّرة ولكنك مع عوزك تبقى حرا من عوزك وراغبا في وجود لك قيم وصافٍ وحر.

                     هذا لا يمنعك ان تناضل في سبيل اترابك المحتاجين طلبا للعدل وشيء من الارتياح الاقتصادي الذي هو حق لجميع الناس. بعد كل الاختبارات الايديولوجيّة التي سقطت في القرن الماضي لم يبقَ احد يؤمن بالقول الكامل وان كان علينا ان نسعى اليه دوما لأن هذا العدل هو التحقيق الأسمى للمحبة.

                     هناك اذًا بعد اجتماعي لجهدنا في هذا المجال لا بد ان يرفع الضعفاء الذين يشتهون مال الآخرين. ليس يعني هذا ان الفضيلة ينالها الناس جميعا بسبب من التنظيم القانوني للمجتمع. غير اننا نقدر عند ذاك ان نقول مع بولس: «جاهدت الجهاد الحسن اكملت سعيي وحفظت الإيمان». الى هذا كانت التربية عنصرا هاما في حفظ الناس من الرذائل وكان الله دائما عونا للطامعين به، الجاعلين اياه ثروة قلوبهم.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الألم / السبت ١ ايلول ٢٠٠٧

منذ بضع سنين أخذ الجسم البشري يسحرني بتركيبته العجيبة الخلابة. اجل كل جسم حيواني يجذبك بتركيب هو غاية في تعقيد يأخذك الى الدهشة ولاسيما ان الحياة- وهذا ثابت- لا تأتي بالتفاعلات الخيميائيّة في اي مختبر في العالم. آلة لا يحركها محرك منظور،  تبقى بقوّة التنفّس وتحوّل الأطعمة بالدم الى كل عضو من أعضاذنا فننمو زمنا لا يعرف احد في الدنيا سر نهايته ووقتها.

                     وفيما كنت أتأمّل في هذا مؤخّرا لاحظت ان كل نتاج الطبيعة الذي يؤكل انما هو مناسب لتركيبنا الخيميائي اذ يتحوّل الينا. أليس ان الذي صمّم جسمنا آلة هو اياه الذي صنع طعامنا وشرابنا؟ هل هذا هو كلّه نتيجة صدفة؟ ولكن اذا أخلّ في أبداننا عنصر خارجي كان الألم. وهذا الألم سبب تساؤل وجداني، كياني. لماذا الألم؟

                     اذا كان الألم مؤذيا للإنسان والى حقيقة مصيره هل أمكننا القول ان الله سبب أوجاعنا؟ هذا يعيدنا الى سؤال بسيط هل الله سبب الألم ومريده؟ الفكر العبري الظاهر في العهد القديم لا يرى الى الفرق بين ما يعود الى الطبيعة وما يعود الى ررادة الله، يضع السببيّة كلها في الله. فكر العهد الجديد ان ثمّة فرقا بين مشيئة الله ومعرفة الله. ان معرفته الأزليّة لا تحدث الأشياء. تقرأها. على سبيل المثال ليس الله يريد في الإنسان خطيئة. هذه من صنع الإنسان وفي مسؤوليّته والا كنا آلات يحرّكها الخالق ولا يبقى الإنسان حرا وقد ترك الله للطبيعة نواميسها وليس في الله تعسّف بحيث يوجع فلانا ولا يوجع ذاك. نحن لا نعرف حكمة الله من هذا القبيل. جل ما نعرفه ان الله يساعد الإنسان المتوجّع فيخفف عنه أوجاعه بالنعمة التي يغدقها عليه. انه الى جانب مخلوقه في الصحة وفي انحرافها. انه معه في موته وما بعد موته اذ ينشله من الموت بآمال القيامة ويجعله في محنه انسانا يتطلّع  الى الخلاص. يترك للطبيعة هوية تحركها.

                     الله سبب الحرية التي تأخذ مجراها في كل صوب. الطبيعة ولو سرت بإشراف الله عليها نبقى في سرها. والسؤال هو كيف نواجه حرية الطبيعة اذا آذتنا. في صميم هذا الأذى نتوجّه الى الله ليرفع عنا وطأة الأسباب الفاتكة فينا اي اننا نطلب الشفاء ونسلك على الرجاء ونسلم وضعنا الى الله ورأفاته عسى يتدخل ليعيد الينا العافية ولكنا لا نقول مثل العامة: لماذا فعل الله بي كذلك. انت بالإهمال احيانا  يتأذى جسمك  وتتأذى نفسك او ان هناك عوامل تحل بك وتحاول ان تسيطر عليها بما اوتيت من علم وما أوتيت من صبر  والصبر ليس إذعانا للمرض او استسلاما للقدر ولكنه مصالحة مع الله. ولا شيء في الكتاب يدل على ان الانسان المريض او العاجز اعترته الخطيئة اكثر من سواه. الأبرار يتألّمون ايضًا وهذا عطاء لهم من ربهم. لك انت ان تستخرج من أوجاعك رسالة الهية اليك وان تقرأ في ما حل بك تذكيرا لك من فوق حتى تدخل في عافية روحية تنمو فيك وتتجدّد وسط المحنة التي تذوق.

#            #

#

                     ما كان موقف السيّد من اوجاع الناس؟ هو الذي قال في مجمع الناصرة انه وجد في سفر أشعياء ما اعتبره قد قيل عنه هو: «روح الرب عليّ لأنه مسحنى لأبشّر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية» (لوقا 4: 16-18). يرى يسوع الناصري ان مهمّته مزدوجة: تبشير وشفاء. وهذا يؤكّده غير موضع في الكتاب مثلا قوله: «وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى 4: 23).

                     ولما ارسل اليه يوحنا المعمدان «اثنين من تلاميذه وقال له أنت الآتي ام ننتظر آخر فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون» (متى 11: 2-5). سؤال يوحنا يعني أانت المسيح المرتجى؟ وجواب السيّد لم يكن نعم انا هو ولكنه كان: هذه علامات مجيء المسيح فافهم. الملكوت اذا تحقق بعد المجيء الثاني ملكوت عافية.

                     بخلاف ذلك قبول الألم مشاركة في آلام المسيح. هذا لا وجود له في كلام الوحي. الفكرة الوحيدة المنتشرة بخاصة في تعليم بولس اننا بالمعمودية نصطبغ لنصير الى موته فندفن معه بالمعمودية للموت اي نسير الى موته حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن ايضًا في جدة الحياة (راجع رومية 6: 1-4). مشاركة آلام المسيح هي إماتة الشهوة ولا تعني إطلاقًا اوجاع الجسد او النفس. اما ان تتحمّل ما يعتريك ويعذبك فيبدأ من بعد الآلام بغلبة الرجاء والفرح. قد تؤتى عطفًا الهيا في ما تتعذّب ولكن هذا لا ينشئه العذاب. هذا ثمرة النعمة التي تمنحك تقديسا ان صبرت وربما وهبتك شفاء اذا رأى الله انه ينفعك روحيا. الألم بحد نفسه قوة سالبة وايمانك برفعه من هذه المرتبة الى رؤية المصلوب في طريقه الى القيامة.

                     المسيح المصلوب هو رب المجد كما قال الرسول. آلامه هو التي انسكبت حبا هي مجده كما يعلم إنجيل يوحنا وهي صارت سبب خلاص لنا لأنه هو الفادي اي الجاعل ألوهيّته في جسده. فإنه عند دخوله مملكة الموت يواجه الموت بحياته الإلهيّة وانت لا تفدي أحدا ولا تفدي نفسك. هو يخلّصك وسط التأوّه والتنهّد بحياته هو . قد يقرع بانحدارك الجسدي باب نفسك فإن فتحت له يدخل اليك ويتعشّى معك كما يقول سفر الرؤيا. فعند دخوله يحول النقصان الذي حل فيك الى كمال وما كان سلبيا الى إبداع في كيانك الروحي.

                     لا تفتعل ألما كأنه شرط لافتقاد الرب اياك. هو يأتيك متى شاء وكيفما شاء.

                     لقد رتّبت الكنيسة بعد توصية يعقوب الرسول سر مسحة الزيت الذي يطلب شيئين العافية والتوبة فالأولى ثمرة الثانية كما ان الخبز المادي صورة عن الخبز السماوي فمن كان له الأكثر له الأقل.

                     لقد بنت الكنيسة مؤسسات استشفاء رحمة بالناس ما في ذلك شك ولكنها اعتبرت انها بذلك تبذل للمرضى اهتمامها بهم في العلاج حتى اذا تعافوا يشكرون الله.

                     المهم ونحن امام الإنسانيّة المجروحة ان نقف مع الجائعين والمسلوبي الحرية وإطعام الجائع وتحرير المظلوم، ان ننظر ليس فقط الى إنفسنا ولكن الى البشر جميعا القريبين والبعيدين ليتلقّوا التفقّد الإلهي ويتعافوا روحيا وحسيا ونتشارك واياهم بالتطلّع الى رحمة الله والمحبة الإنسانسة الواسعة. متى يأتي ذلك اليوم الذي نستطيع فيه ان نقول: «وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت» (رؤيا 21: 4).

                     الا وهبنا الله ان نتوق الى هذه الرؤية.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان اليوم وغدا / السبت ٢٥ آب ٢٠٠٧

ماذا يعني لك ان تعيش في بلد كثير المعطوبيّة؟ في المبدأ انت منه وهو اليك. واذا أردنا بأنك منه وهو اليك ان الجماعات أمست في هذه المحنة أقرب بعضها الى بعض فحقيقة ذلك نسبيّة لأنها ناتجة من حالات طارئة. هي كذلك بسبب الضديّة وما هي كذلك في العمق بسبب من القناعات المؤسسة على شعور وحدة قائمة او وحدة نبنيها. فالجماعات عندنا هي ما يبدو منها فقد قال الخبير الأب لوبره Lebret قديما: «لبنان ليس عالم الكيان، انه عالم الظهور».

                     وهاجس اللبناني غير الاستثنائي ان يبدو امام الآخر. لذلك يصطنع لنفسه الصورة التي يريد الآخر الذي يهمّه ان يراها: مجتمعنا تتشابك فيه الصور، الأقنعة ولا تتلاقى فيه الوجوه اذا اردنا بالوجه صورة النفس.

                     هل التجمّعات اللبنانية تعد نفسها دائما لتخطي ذاتها وتاريخها ومكاسبها وطموحاتها للقاء الجماعات الأخرى التي تقوم بعمليات مماثلة علنا ندرك شيئا من الوحدة بحركة الواحد الى الآخر فتلتقي في وحدة الحركة ان لم ناتقِ على ارض واحدة.

                     وهذا يعني ان كل شريحة دينيّة او سياسيّة راغبة في إعادة النظر في ما مارسته قبل تفحص ذاتها اليوم لتلقي مما تعتبره تراثها ما يجب استبعاده عن رؤيتها لنفسها. هل ترتضي كل شريحة ان الأخرى تسائلها سرا او جهرا اذ يعرف كل فريق منا على وجه الدقة ما يفكّر به الآخر ويعرف آلامه ويجب ان يعرف اذًا ان الآخر مجروح وانه هو قد يكون الجارح ولكنا نختبئ وراء المقولة السطحيّة التي أشيعت منذ القرن التاسع عشر: «الدين لله والوطن للجميع». اعرف ان النيّة عند كاتبها كانت طاهرة ولكن المقولة تتضمّن التباسات كثيرة وقد تعني اللامبالاة بالأديان التي لا يمكن ان ننساها ونعرف انها تترك في النفس صدمات نجهر بها او نسكت عنها ولا نحب ان نذكر ما يصدمنا في الدين الاخر ونشرح الصدمات في حلقات خاصة، الأمر الذي يستدعي، بالضرورة، الحوار ايضًا وايضا والدراسة المعمّقة ونزولا الى أعماق المحبة. هذا من اجل الحق الذي يحررنا وان نحيا في سلام في معيّة صادقة ولا نقع في تلك الدهرية التي تعني إقصاء الايمان عن الفكر والسلوك.

#            #

#

                     ان تجاوز الطائفيّة الى الوطنيّة لا يتمّ على مستوى الدعوات الكلاميّة التي نقرأها في الأدبيات اللبنانيّة منذ ما قبل الحرب العالميّة الاولى ولا نتوجّه الى الأسباب السيكولوجيّة او الايديولوجيّة التي تجعلنا ورثة العتيق العتيق. ليس صحيحا ان اوربا حرة من الطائفيّة الدينيّة ولو تحرّرت من ترجمتها السياسيّة بالعلمانيّة. ففي الحياة الوجدانيّة وحتى تاريخ قريب كان ثمة مجتمع كاثوليكي ومجتمع بروتستنتي وقد كان هذا واضحا في المانيا بعد ان وحّدها بسمارك واشتد هذا في فرنسا مع حركة شارل موراس الشوفينية ومع كل القوميات الملتصقة بمذهب مسيحي في البلقان. ولعلنا لم نكن على هذه الحدة في العلاقات الإسلامية المسيحية.

                     غير اننا نحن اللبنانيين نحب الاختباء ونخشى المصارحة في الحياة اليوميّة، في البيت وفي الاجتماع الوطني وكأن معظم القوم «خشب سندة» اي كأن الحديث لا يصل الناس بعضهم ببعض وكأن الحقيقة في ما لا نصرح ولهذا كثرت عندنا محاكمة النيات. يكون الأمر كذلك عندما يكون المقول هو غير المعني بحيث انك تحتاج الى تحليلات مفذلكة لتصل الى الباطن المكتوم الذي يقيم الآخر علاقته بك، كأنك لا ترى سوى الشجرات الأمامية (اي الحكي) التي تخفي أدغالا مظلمة.

                     لذلك كان العيب المنتشر بصورة مريعة التذاكي الذي هو الالتماع بالكلام بالكلام الذي يصبح، عند ذاك، قناعا.

#             #

#

                     لست أعلم اذا كانت هذه الطبائع التي عليها الكثيرون هي التي تلد اهل السياسة عندنا ام ان ثمّة تفاعلا بيننا وبينهم يذهب على الخطين. لست هنا ارجم أحدا بحجر ولكن لا مفر من السؤال: هل ان الدولة هشّة لأنها صورة شعبنا ام انها هي المثال الذي نحتذي به. ما من شك ان الانسان العادي والخائف بسبب فقره او عدم أمانه ينجذب الى القوي ليقلّده. وما من شك ان الناس على دين ملوكهم ويقولون عند تعبهم اذا كان أمراء السياسة هم هكذا فكيف نكون افضل منهم ولهم في الدنيا متع ونفوذ والبعض عندهم مال ويعطى النواب تعويضات يرثها اولادهم وأراملهم من بعدهم مع ان  الكثير منهم يجني اموالا من مكتبه او المصارف.

                     واذا رأيت العظيم في قومك يهدر ما يهدر حتى استعمل المصطلح الجاري فأنت مغرى بالتشبيه بالعظام، والمعتبرين كذلك. فاذا كان الجالسون على الأرائك لا يحاسَبون فتحاول انت ان تستشفعهم لئلا يحاسبك أحد. في القانون الكنسي الذي يعود الى القرن الرابع عندنا ما مفاده ان الاكليريكي الذي لا يعرف بمخالفته الأسقف يجب ان يكشف خطيئته للأسقف ويطالب محاكمته عنها. بسبب التغاضي الكبير في لبنان عن الارتكابات ينمو عدم التقيد بالقانون او المطالبة بتطبيقه ليأس الناس من المراجع الادارية او القضائيّة ولإيمانهم بأن التعامل  يكون على قاعدة التفريق بين الست والجارية.

                     هناك قناعة بأن اهل الحكم طبقة مميّزة وان الطبقيّة عندنا ليست بين الفقير والغني ولكنها بين الحاكم والمحكوم.

                     على رغم كل ذلك نحن شعب مسكين وفينا طيّبون كثيرون. انا شاهد على فترات زمنيّة تعود الى ما قبل الحرب العالميّة الثانية حيث كنت تجد الكثير من المستقيمين والطاهرين وحيث كنت تستدين مبالغ طائلة بالليرة العثمانية الذهبيّة بلا كتابة سند وكنت ترد الدين. انا شاهدت ذلك في الاوساط التي كنت أعيش فيها وكنت أرى الدقة والاستقامة في العمل الصناعي وقلة الرشوة في الدوائر وقناعة الناس بنزاهة القضاء. واتكلّم هنا ايضا كشاهد ما يعني ان الشعب اللبناني ليس فاسدا في جوهره وان خطايا دخلت اليه ويمكنه التخلّص منها ان ساعده اهل الحكم.

                     طبعا تتطلّب هذه الطهارة اليوم شجاعة كبيرة وتقشفًا كثيرا اذا تألفت حلقات من الطاهرين وضغطوا على الوضع السياسي وحضهم على التقوى العميقة المسؤولون الروحيون في كل الأديان.

                     الحث على نقاوة القلب والعيش امر لا يحتمل ارجاء ان لم نتوقّف حصرا على الأزمة السياسيّة الحالة فينا اليوم. فلكل زمان صعوباته وما يبدو مآزقه. ولكن الانسان ليس أسير المأزق. ماذا ينفع الإنسان لو حللنا كل المشاكل العابرة مهما قست وخسرنا نفسنا. انت تحيا بالله في الضيق والفرج، تحيا مصلوبا او قائما  من بين الأموات. ونرجو الرب ونحن في الجراح ان يرفع عنا النير الذي وضع على اعناقنا ليزداد تعلقنا بالكلام الذي نزل على من اصطفاهم ربهم فكان بهم  الينا وكنا اليه.

                     نحن جميعا ومعا خلاص لبنان اذا اردنا ذلك  فالله يريد ذلك. متى نتعلّم ان الباطل باطل وان الحق حق. مرة قالت لي امرأة عجوز: «ان كان الكذب ينجّي فالصدق ينجّي اكثر وأكثر». هلا سمعنا الى هذه الحكيمة المصطفاة!

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الكذب / السبت ١٨ آب ٢٠٠٧

قالت العرب: «أعذب الشعر أكذبه». هل المراد بهذا الكلام ان الشعر هو الهروب من العادي الذي يجسّده النثر الى إحساس ينشئ كلمات اخرى. الشعر ليس كذبا لأنه ليس تشويها. انه بناء آخر ولو كانت الحجارة واحدة. هو في الحقيقة محاولة نجاة من واقع يؤلمك ولا ترتضي السكنى اليه اذ تكون، اذ ذاك، قابعا في ما يشبه الموت.  تخرج من الألم او تحاول في الإبداع الذي يعطيه التماس الفرح. ما من إبداع في الكذب الأدبي. الزخرف هو الكذف. القلق الذي لا بعده سلام يجعلك مختبئا فيه. هذا في الأدب.

                     أما في الحياة فالكاذب كثيرا ما ينجح بالاختفاء ولكنه لا ينجح بالاستمرار. بهذا المعنى قال فولتير: «اكذب، اكذب يبق دائما شيء من هذا». قد يصدقونك الى حين ولكن لا يصدقك كل الناس. لذلك كان الكاذب في الأخير محكوما عليه بالوحدة فيعتزله القوم الذين يلتمسون الشفافية لكون الكذب يؤذيهم او يؤذي مصالحهم ويرون كيف تمزقت شبكة العنكبوت وكيف انهار صاحبها ليس لأنهم بالضرورة أصدق. الكذوب لا يحب ان يكذب عليه لأن فيه إرادة الحياة. ليس هناك جماعة كذابين. الكذب لا يربط كاذبا بآخر.

                     الكذب يغري للكسب، لتغذية النفوذ. ولذلك يعرّض له الإنسان اية كانت مهنته او موقعه في العائلة. ولكن لا ضرورة له في اية حرفة. الديبلوماسي نفسه يحمل رسالة من دولته ويفاوض ويدافع عن موقف بلده ولكن لا شيء يضطره الى مجافاة الحق ولاسيما اذا امتهن ديبلوماسيّة مكشوفة كما هي الحال احيانا في ايامنا. كذلك المحاماة يعيشها الكثيرون في صدق كامل. المحامي يدافع عن وجهة نظر وعن الجانب القوي في موقف موكله واذا جانب الحقيقة يفضحه الخصم او القاضي. لا تستطيع انت ان تنفي واقعا ثبت او يمكن إثباته. تستعين القانون او تشرح الظروف بحيث ينجلي الوضع.

                     المبالغة في وصف الحسن للبضاعة وأساليب أخرى في التجارة كتحريف سجلات المحاسبة كل هذا يقع تحت عنوان الكذب الى جانب السرقة. انهما متلازمان.

#                 #

#

                     في بلدنا لا بد من ان يطرح السؤال حول الصدق عند رجال السياسة. أجيب توًا اني اؤمن بأن منهم من كان صادقا وكذا في بقية انحاء العالم. طبعا هذه فضيلة صعبة المنال حيث السياسة شأن الزعيم او النافذ الذي يشتهي ان يجدد قعوده على مقعد بعد ان احتله فترة طويلة او قصيرة. هذه شهوة السلطة التي ترهبني اكثر من اية شهوة اخرى. تضعف الرغبة فيها في وجود الأحزاب التي تختار هي مندوبيها الى مجلس النواب. ولكن في القبلية التي تتخذ اسم الديموقراطية – والقبيلة فردية- حظنا في الصدق قليل.

                     هناك أنظمة سياسيّة او تركيبات مجتمعية تضعف حظ الصدق. المؤكّد ان من انتهك العفة في الانتخابات يكون قد ارتكب الرشوة التي هي استغلال حب الناس للمال وتاليا قبول إفسادهم. من ينقذنا من هذه الآفة.

                     مرة سألت أحد أبنائي الروحيين ان كان يكذب. أجابني: نعم ولكني لا اؤذي احدا. قلت له: على الأقل تؤذي نفسك لأنها تقزّمها بخسارتك الشجاعة. المواجهة هي حق لمن تتعامل واياه. له حق في الصدق. ان تواجه هو ان تجعل وجهك اي داخلك امام وجهه اي داخله لأنك تقوي شخصيتك بالصدق وهو ينميها بمعرفة الحق الذي قال الناصري انه يحرر. بالصدق تتقبّله وهو يتقبّلك واذا اخطأ فله عليك حق عتابك ولعلك تشفيه من خطأ وقع فيه. اخرج دائما من نفسك لأن الآخر بات هو مركزك وانت توجد به وفيه ويحل النور عليك وعليه.

                     انه لمقلق جدا الا تكون متأكدا ان الآخر لا يصدقك. يختل التعامل اذًا ولا تعرف اين تقف واين يقف الآخر ويبدأ الشك بالنيات وتتهدد مصالحك وقد تصل الى اليأس من الآخر وربما تعمم شكك على جميع الناس وتعوزك اذ ذاك، قوة كثيرة ونعمة الهية فائقة لتستمر في الطهارة وتشعر ان الطهارة تؤذيك في حياتك الخاصة او العامة.

                     السؤال الذي يطرح نفسه احسب ان لنا جوابا عنه في ما قاله صاحب الرسالة الى العبرانيين حيث قال: «فاذ قد تشارك الاولاد (اي البشر) في اللحم والدم اشترك هو (اي المسيح) كذلك فيهما لكي يبيد بالموت الذي له سلطان الموت اي ابليس ويعتق اولئك الذي خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية» (2: 14 و15).

                     القصة كلها هي الخوف من الموت وهذا الخوف هو العبودية. فالسارق يسرق خوفا من جوعه وجوع اطفاله او في ظنه ان ما عنده لا يكفي وانه يعيش على مستوى الموت. كذلك الكذاب يكذب خوفا مما يشبه الموت. التلميذ مثلا يخالف الواقع الذي يسأله عنه المدرس خشية عقابه. الذي يخون زوجته هو دائما غارق في سرد حكايات لا أساس لها لكي تطمئن وترضى عنه. يخشى عقابها كائنة ما كانت صورته. قبولنا للموت هو اعلى مستوى روحي يمكننا بلوغه. اما اذا وصلنا فمعنى ذلك اننا احرار من الخطيئة.

                     انها اذًا لحرب دائمة نخوضها على الخوف بحيث لا نخشى تأديب احد في اية مؤسسة نحن فيها ونرضى بالطرد من اجل الحقيقة. وليس من نصف صدق وقد عبّر عن ضرورة كماله المسيح المبارك بقوله: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا وما زاد عن ذلك فهو من الشرير» (5: 37) فلا تسوية بين النعم واللا. وهذا المعنى يؤكّده بولس الرسول بقوله. «امين هو الله ان كلامنا لم يكن نعم ولا» (٢كورنثوس 1: 18).

                     اجل لك ان تتكتم والا تكشف الحقائق لفضوليين ليس لهم الحق بمعرفتها. اما حيث يقضي التواصل او المسؤولية في مؤسسة انت فيها فهناك المكاشفة وعند ذاك تبدي ما يجب ابداؤه. اي اخفاء يضر بصيت واحد من الناس او مصلحته فهو من الشرير. هناك حكمة تربوية احيانا في الإخفاء اتقاء صدمة عنيفة. هناك ارجاء حكيم لكشف امور. ولكن روح التصرف يبقى ان الحقيقة هي حياتك وحياة الآخرين ليكتمل كيان الجماعة الشاهدة الله.

Continue reading