Author

Aziz Matta

2006, جريدة النهار, مقالات

العائلة ومكوّناتها / السبت في 15 تموز 2006

اتخذ كلمة عائلة بمعنى الثنائي المؤلف من رجل وامرأة واحدة وفي معظم الأحوال يرزق الله هذا الثنائي اولادًا. اخترت هذه الإضاءة المسيحيّة ليس حصرًا، فمعظم الجماعات في العالم تعيش هذا النظام. منطقي يسير اذًا على هذا الإصطلاح. الصفة المعروفة للقاء بين المرأة والرجل في هذه الكتلة لقاء شرعي أو قانوني. ولكن عندي أو عند الروحانيين ليس هو الجوهر ولكن بسبب الطابع الأصلي أو المدني لا بد من تنظيم. غير ان حميم هذا الكيان في ما أفهمه من الأصول المسيحية انه رباط قائم بالله ومشيئته وقائم بالمحبّة التي هي، الى بشريّتها، نعمة الله.

في إطار هذا التعريف المسألة المطروحة هي لماذا تنهار العائلة أو تتشقّق. هناك جواب عالم الإجتماع. الدراسات المجتمعيّة والسيكولوجيّة كثيرة ولكنا نرى في الخبرة ولا سيما في ما نسمعه في المحاكم الروحيّة او جلسات الارشاد أن الشكاوى القائمة بين الأزواج ترتكز على عناصر مختلفة لا حاجة الى بسطها الآن والكثير منها متعلّق بالمال، بالبخل، بتفاهة المعيشة اليوميّة ولا حاجة الآن الى استعراضها، ولكن ما من شك في ان العائلة اذا لم ينته الخلاف فيها الى طلاق تكون بصورة وجود شخصين مطلّقين روحيّا ومتساكنين لادراك الأزواج أن الانفعال مؤذ للطرفين وللأولاد فتراكم الناس بعضهم الى بعض تحت سقف واحد بلا اتصال حقيقي ويحكمهم الضجر والتأفّف والتذمّر والمشادات وكأنّ العائلة في كثرة الأحيان تصير كأنها مجرد مساكنة.

أنا مدرك في الفحص العقلي أنك انت تخطب فتاة لا تعرفها ويتعذّر عليك معرفتها الحقيقيّة في مدة الخطبة، فقد يكون عند الفريق الآخر أساس من الفضائل وقد لا يكون وتكتشف العيوب مرّة واحدة أو لفترة تلو الفترة وعليك ان تقيم بيتًا واحدًا مؤسّسًا على الرمل. والعيوب متجذّرة عند معظمنا والتوبة غير واردة أو واردة قليلاً ويموت المرء على ما شبّ عليه وعليك ان تنتظر ان رفيقك في الحياة يكفن في الرذائل التي تراه عليها. العائلات متشققة في حالات كثيرة ان لم أقل في كثرة الاحوال ويتعزّى كل فريق وانسباؤه بقوله: هذا نصيبي وكأنّ ثمّة حتمًا مكتوبًا عليك أو كأنّ لعنة حلّت بك ولا دواء لها. هذا ما كان كثيرًا في كل حقبات التاريخ وهذا لم ينته. ولكن عندنا اليوم، بعد عصرنة العقل، مسألة جديدة في العالم كلّه بعدما بنى الشعراء الزواج على الحب فيزول بزواله.

#  #  #

يقول الكاتب السويسري الكبير دني دو روجمون Denis de Rougemont إن الحب لم يكن منذ الأزل وانه صناعة عربية نشرها المطربون العرب من الأندلس في أوروبا ولم يقولوا انه يهيىء للزواج بالضرورة ولكنهم قالوا انه كثيرًا ما يعاش الحب خارج البيت الزوجي. هذه مسألة فيها نظر. إلا أن العبرانيين عرف كتابهم الحب ولكنا لا نرى في العهد القديم بالضرورة الحب سابقًا للزواج. انه حر كما في نشيد الأناشيد.

والحب الذي تكلم عنه الإغريق وسموه إروس انما هو هذا الانجذاب التلقائي وأظن ان الكلمة العربية التي تقابله هي العشق وما همّ الإغريق ان يكون بين الجنسين أو الجنس الواحد وأفلاطون مليء بهذه الأفهومة. ثم نرى أن النصوص التأسيسية في المسيحية (الأناجيل وبولس) لم تتكلم على الحب إطلاقًا وفي كل حال لم يجعله بدءًا أو شرطًا للزواج.

ثم جاءت الرومنسيّة في أوروبا وتحدثت للمرة الاولى في الأدب الغربي عن الحب وما يرافقه طبيعيًا من شهوة. يتضح من هذا العرض الموجز أن العلاقة بين الجنسين في كل الحضارات ابتدأت برغبة الجنس وأن الحب جاء تغذية له حتى استقر الفكر الغربي على انك تبدأ الزواج بالحب وما يقارنه من شهوة حتى انفجرت الثورة الجنسية في اوروبا في منتصف القرن العشرين وارتكز الزواج عندهم على الحب. ثم انتقلت القناعة بالحب الى بلادنا شرطًا للزواج وصرت تسمع في النزاعات الزوجيّة تبريرًا للطلاق: انا لا أحب زوجي أو لا أحب زوجتي. فاذا ذهبت العاطفة التي ابتدأت بها العلاقة الزوجيّة ذهب الزواج كله.

كلنا يعرف أن العشق يذهب ويجيء وانه اذا بقي وحده أساسًا للعائلة تنهار العائلة اذا ما انهار. لذلك ترى في كثير من البلدان الأوروبية ان عائلة من ثلاث تنتهي الى الطلاق. لا أعرف دراسة في بلدنا بحثت في هذا الأمر ولا يبدو عندي اننا قمنا بإحصاء أسباب الطلاق أو الإبطال عند المسيحيين لمعرفة ما اذا كنا لحقنا بالوضع الغربي ولكن ما من شك عندي في اننا سائرون على هذه الطريق.

ذهنيًا، هنا تكمن المسألة ولو غطي هذا الموقف بالاسباب التي يدلى بها أمام المحاكم الروحيّة.

#  #  #

الفكرة التي تعاش ضعيفة في الأوساط المترفة والواقعة تحت التأثير الغربي هي فكرة العهد. كل سر الزواج عند المسيحيين قائم على فكرة العهد عشقت خطيبتك أم لم تعشقها وبقيت عاشقًا لزوجتك ام لم تبقً. اللهب لا نعرفه على زخم واحد طوال الزوجية إلاّ قليلاً وآباؤنا يقولون ان من حكمة الحياة الزوجية انها تطفىء الشهوة وان الزوجية تاليا طريق الى العفة.

وفي العفة حديث طويل كثير التعقيد. لكن الإكتفاء بزوجة واحدة بعض من العفة وتقييد للشهوة اللاهبة. آخر الكلام في هذا انك بالعشق وحده لا تكون متزوجًا فإن هذه القوة الرهيبة فينا تحتاج الى إشراف الله عليك بالنعمة التي تنزل عليك ونسميها المحبة.

لذلك لما تحدّث بولس في الرسالة الى أهل أفسس عن الزواج قال انه مرتكز على المحبّة لا على العشق اذ قال: «ايها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة» والمسيح أحب كنيسته حتى الموت. انت اذًا تبذل نفسك عن زوجتك بإمانة شهوة الإنفصال وكل الرغبات المؤذية المؤدية الى الإنفصال العقلي والقلبي عنها. والقلب الذي أقصده هنا هو القلب الذي يسكنه المسيح فيجعلك للآخر كليًا لأن لك معه مشروعًا الهيًا واحدًا وهو مشروع المحبة.

بكلام آخر بلا إله لك ليس فيك محبة ولا فيك زواج. بلا إله تعيش جسدك وحده. مع الله تعيش جسدك أيضًا والمرافقة وتنشئة الأولاد والنمو المشترك بين هؤلاء جميعًا لتشكلوا كنيسة صغيرة أي مسكن الله مع الناس. والحب في تركيبتنا النفسيّة والبيولوجية يتجسّم في الجنس أيضًا ولكنه يتجلّى أيضًا بكل أطياف الحياة العائلية والقوة التي تبعثها فيك من أجل العمل والفكر والإبداع.

واذا هذا لم يوجد تكون فصلت الجنس عن الحب وتكون فصلت الحب البشري وهو مكان نطق عظيم عن المحبة الإلهية النازلة في العائلة. أنا لست أقول إن الحب زائد جنسًا هو مجال وان المحبة الروحية مجال آخر والتربية مجال ثالث. أقول إن هذه كلّها متلاقية في حضرة الرب وأزيد أن الرب في الجسد كما هو في القلب والعقل.

غير أن هذا التلاحم مستحيل ان لم تؤمن بأن هبوب الروح الإلهي فيك وفي امرأتك هو في الدرجة الأولى الزواج. الجسد على ضعفاته وهبوطه وارتفاعه اذا انسكب عليه الإيمان مقر لله. والتلاقي الجنسي عبادة لله اذا كان الله أكرم ونزل الى هذا الثنائي الطيّب الكريم والى عائلة تقوم على تمجيد اسمه.

كان لي نكتة ظاهرها مزاح وهي ان القديسين وحدهم لهم الحق في الزواج. زواجهم كامل بكل مركباته. الزواج دعوة عظيمة تعني بالأقل اننا بلا مسعى الى القداسة نكون في طريق التهلكة وطريق العبث بحياتنا العائليّة. العائلة لك ان تجعلها ان كنت مؤمنًا بيتًا من بيوت الملكوت على الأرض تصل به الى الصفاء الكبير والحرية المذهلة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الحاكم / الأحد 9 تموز 2006 / العدد 28

الحاكم رئيسًا كان للجمهورية أو وزيرًا او قاضيًا فضيلته الأساسية أنه يحبّ العدل اي ينصف الناس جميعا وعلى السواء ولا يميل الى ابن طائفته او منطقته ولا يؤْثر الغني على الفقير ولا ينتظر شيئا من الأغنياء لأن التقرب اليهم او الى ابناء ملّته او ضيعته يجعل عقله يطيش وفكره ينحرف.

هو دائما في حالة الخروج من شهواته وموداته وأصدقائه ليكون فمًا للحق او يدًا. وهو على مثال الله لا يحابي الوجوه اذ لا بد ان يطمئن الناس اليه ويحسّوا ان الوطن للجميع وان الوطن يحميهم من المجرمين والظالمين. ومن المعروف عند الجميع ان القاضي يتنحّى من نفسه ان كان المتقاضي نسيبه او كان صديقًا مقرّبا لئلا ينجرّ وراء عاطفة فيضيع العدل الذي هو خادمه.

قد يخطئ الحاكم او القاضي. لذلك يجب عليه ان يدرس القضية التي يعالجها درسا دقيقا خوفا من ان يزلّ. ولن يزلّ اذا عشق الحق وعرف انه يشفي المواطنين به وان كان هـذا ضد ما يشتـهـون. من هنا ان الحاكم يحتاج دوما الى الاتصال بالله اي ان يتطهر باستمرار بالكلمة الإلهية ليأتي حكمه او قراره وفق قلب الله فيفهم، اذ ذاك، ان الله يسوس الشعب بحكمه او قراره.

وحتى يحصل هذا فالمسؤول يكتفي بمعاشه ولا يرتشي. فهو أشبه بالراهب الذي لا يبتغي مالا ولا سلطة. ويقول مع الياس النبي: “حي هو الله الذي انا واقف امامه”. وأراد النبي انه ليس واقفا امام الملك ولا ينصاع لأوامره ولكنه ينفّذ الكلمة التي يوحي اليه الله بها. واذا عدلت الدولة فلا نحس بوطأتها او أذاها. واما اذا ظلم الرعية مسؤول فيها فيقع المواطن في إحباط وتتشتت الرعيّة.

هذا يتطلّب ان تكون الدولة غنيّة اي ان نجعلها نحن غنية بدفع الضرائب وألا نخرب شيئًا في البلد. أنت لا يحق لك أن تنتظر رعاية الدولة اياك ما لم تقم بواجبك تجاهها، الأمر العائد بالنفع على أبناء البلد جميعا. هناك آليات لمحاسبة الدولة اساسا. مجلس النواب اداة من ادوات هذه المحاسبة. فلا تنتخب الا نائبا شجاعا، حرا دأبه ان يحاسب الحكومة لكي تهتم هي بك.

هذا يعني ان كل المسؤولين ينبغي ان يكونوا مثل الرهبان مع احتفاظهم بأموالهم واولادهم وأثوابهم والا يعاشروا كثيرا المجتمع الثري لئلا يتأثروا به وان يرتبطوا بعهد مع الله حتى لا يشتهوا هذه الدنيا وينكبّوا على ما يغري بها فإن الإغراء يلهيهم عن العدل.

وإن انت تمنيت ان تصبح موظفا في الدولة كبيرا او وزيرا فلك ذلك على ان يكون محركك هو الخدمة. لا مانع ان ترى في نفسك هذه المواهب ثم ان تقتنع ان هذه المواهب هي للخدمة حتى تشارك في تحسين البلد وتقويمه.

الحكم جميل فقط لتصنع به اعمالا جميلة. فاذا تهيأت بالدراسة والفكر السياسي لتصير وزيرا فهذا جيد، وأن تهيأ بعلم الحقوق والقضاء لتصبح قاضيا فـهـذا جـمـيـل أيـضا. أمـا اذا طـمـحـت الـى منصـب حبا بالسلطة فأنت مفسد لضميرك ومدمّر للأمّة. العدل جميل والإدارة جميلة. وتخدم فيها ككاهن يخدم المذبح. حَسَنٌ ان تشتهي وظيفة تليق بك وانت مهيّأ لها على الا تعتبرها معبرا الى المال لأن “محبة المال أصل كل الشرور” كما يقول الرسول. ادخل طاهرا وابقَ طاهرًا واخرج طاهرا ليرضى الله عنك ويتعلّم الناس منك الطهارة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الطفل / السبت 8 تموز 2007

لم يتكلم يسوع عن الطفل باعتباره في العائلة. أصلاً لم يقل السيد كلمة عن العائلة ولا بولس قال ما تعدّى عناية الأهل بأولادهم. على انه وضع رؤية صوفية عن الزوج البشري وعن علاقة الزوجين الى ان تكون صورة عن محبة المسيح للكنيسة الا انه حذّر من الإنتماء القبلي الى العائلة ووحّدنا بما سماه بولس في ما بعد عائلة الله. لكن المعلّم خصص شخصًا واحدًا في فكره وهو الطفل.

غير أن السيد لم يبد اهتمامًا للحياة المجتمعية للطفل في الحديث المباشر عن تربيته ليس لأن المسيحية ديانة «روحانية» كما يتهمها بعض ويلمحون بذا الى انها ناقصة ولكن لأن الأسس تهمّ المسيح فاذا وضعها فكأنه يضع العمارة كلّها.

الواضح لمن يتتبع النصوص التأسيسية ان الطفل في قيمته يأتي من يسوع وإن تجاهلته أجيال كثيرة في بلدان كثيرة لماذا كان يجب أن يؤدب الطفل بصورة عنيفة على توالي القرون لنصل منذ سنوات معدودات فقط الى حقوق الطفل؟ بماذا كان ينبغي ان نكافح عمالة الأطفال وأمية الأطفال ولم يدخل هذا في عقول البشر منذ أقدم العصور؟ لماذا لم يفهم الأهل أن للطفل لغة ومعاملة الا حديثًا؟ لماذا كان لا بد أن يعيش الأطفال في عزلة وان يتعامل معهم الكبار في المراهقة فقط؟ هذا هو سر البلادة العقلية الذي لازم القسم الراقي من البشرية طويلا ويلازم حتى اليوم الجزء الفقير والمقهور منها.

الطفل عالم بحد نفسه ويجب أن تفهمه انت في مرحلية سيره الى بلوغه ورشده. وأظن أن الفضل في عالم التربية الحديثة القائم على علم النفس كشف لنا فرادة الطفل وشخصيته وسره وكيف نسطيع ان نتنازل ليظهر على مواهبه فتعطيه ما وهبت ويعطيك ما وهُب. ولعل هذا اكتشاف لنا جديد بالنسبة الى أجيال قريبة منا كانت تعتقد ان الكمال هو في الكهولة. فأهمل الطفل اذ ظن انه فقط مشروع رجل أو امرأة وانه عندنموّه نعامله عقليًا. فمن المؤكد طبعًا ان أجيالاً كثيرة عبرت ولا تعرف شيئًا عن هذا الوجود الضخم الذي يسبق العقل العاقل الواضح. كان ينظر الى الطفل كأنه حي ينمو جسديًا بانتظار تفتق العقل فيه. كانوا ينظرون الى الطفل على انه يتلقّى واذا خاطبوه فمن عليائهم الى ان يصل الى هذه العلياء بالعقل. كان عالم الطفولة مجهولاً الا من حيث حاجته الى طعام وشراب وكساء ونظافة. كيان بيولوجي غامض التركيب يستخدم الطب لإنمائه وشيء من الغنج لمسرة البالغين.

#  #  #

الذين هم للناصري سلكوا وكأنهم لم يفهموا شيئًا عن قيمة الطفل في عينيه. انها، في الحقيقة، لا تقدّر بثمن. الطفل كان محتقرًا في اسرائيل القديم. لا يتعاطى غير التعليم من لم يبلغ الثلاثين. العمر، قبل هذه السن، يكتنفه الغموض. عند سؤال التلاميذ المعلّم: «من تراه الأكبر في ملكوت السموات» يدعو طفلاً على طريقته التربوية ويقيمه في الوسط قائلا: «الحق أقول لكم: ان لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السموات» (متى 18: 3) وكيف يعود الانسان مثل الأطفال. يجيب هو عن السؤال الذي طرحه: «فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات». هو طبعا لم يقل من صار طفلاً ولكن قال: مثل هذا الطفل لأنه لا يريد قصرًا عقليًا أو قلة نمو سيكولوجي اذ النضج من شروط من يستمع الى الكلمة جيدًا. ان كلام المعلم مركز بوضوح على قوله: «من وضع نفسه». ذلك لأن الطفل لا يعرف نفسه عظيمًا. لا يريد المعلم منا عفوية دائمًا وكلامًا غير معقول أو غير متزن ككلمات الصغار ولكنه يريد نفسًا كنفس الأطفال أي ما كان يظن، عند ذاك، أنه براءة. ما من شك في أن الطفل يكذب. الطفل بريء لأنه لا يعرف انه يكذب لكونه يعيش في عالم تصورات تحجب عنه الحقيقة. الطفل غير ساذج ويحوك عالمًا من الحكايات يظنها حقيقة. فلكونه لا يفرّق بين الصدق والكذب يحيا خارج الواقع. لكونه لا يعرف يحسب على انه خارج الهوة القائمة بين الصدق والكذب.

يسوع لا يريدنا ان نتشبّه بالأطفال من حيث انهم لا تمييز عندهم بين الخير والشر ولكنه يدعونا الى ان نصير مثل الأطفال من حيث انهم في بساطة لهم حقيقية لا يعتبرون أنفسهم شيئًا (فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل). اذًا، انت بالغًا مدعو لا الى ان تصير ساذجا كالطفل لأن الحكمة هبة الهيّة ولكنك مدعو الى بساطة القلب ونقاوته وبهما تتجاوز رؤية نفسك شيئا. قول السيد هو «فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل» –ولم يقل وصار طفلاً- فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات.

في هذا المنحى يقول السيد: «من قبل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي، فإياي يقبل». أجل يريدنا الرب أن نعلي شأن الطفل في حضارة تحتقره أو في مجتمع قد يحتقره. يريدنا أن نكتشف الطفل ومعمودية الاطفال كانت من هذا القبيل. ويريدنا ان نتعلّم من الطفل بساطته لأن كذبه ليس كذبًا.

في تلك الحضارة اليهودية والعالمية آنذاك حيث كان الطفل محتقرًا قال يسوع: «ومن قبل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي فاياي يقبل». يسوع يجعل نفسه مثل الأصغرين الذين لم يبلغوا النضج العقلي. ان تقبلهم على انهم أحبة الله، أن ترفع شأنهم كالكبار. أن تحترم طفولتهم هو ان تقبل المسيح بالذات.الى هذا «من عرّض أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي للخطيئة، فأولى به أن تُعلّق الرحى في عنقه ويلقى في لجّة البحر» بعد قليل يعمم يسوع حكمه ويندد بكل من عرّض غيره للخطيئة أي بكل من أعثر الآخر. ويهم يسوع أولا الاّ تعثر هؤلاء الصغار لأنك قد تدفعهم الى المعصية باكرًا ويقعون في أعماقها لأنهم تعلموها وهم صغار.

ذروة الكلام ألاّ تخطىء أمام الأطفال والاولاد ولا مع أحد أو امام أحد لأنك قادر بسوء تصرّفك على أن تزج ناسًا في جهنّم. طبعًا قد تؤثر خطيئة «صغيرة» تأثيرًا كبيرًا. هذا يدعونا الى مراقبة شديدة لسلوكنا. في الحقيقة لست مسؤولاً الا اذا كان عملك سيئًا أو مؤذيًا بحدّ نفسه.

هذا كلّه يدعو الأهل الى رقابة شديدة على كلامهم وسلوكهم وما يشاهدون على الشاشة في حضور أولادهم. المزاح الثقيل وحديث النميمة وسبّ الآخرين وشتمهم، كل هذا يخرّب ضمائر الصغار تخريبًا. الذين تعرف أنهم ليسوا خفيفي الروح ولا يميزون بين الجد والمزح جديًا يصطدمون عند المزاح.

التقوى تقوم على الارتباط بينك وبين الآخرين. لذلك ينبغي أن يأتي كلامك ذهبًا تصلح به القلوب. أي سلوك تسلكه بقسوة، بجفاف يمكن أن يؤذي من يراك. أنت مسؤول عن أخيك لئلا يموت روحيّا وقد يموت. أخوك من قلبك ومن روحك. احفظه بطهارتك.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العائلة مهددة/ الأحد 2 تموز 2006 / العدد 27

العائلة قائمة إنْ أنت آمنت أن الله يريدها أن تصمد وإن دعمتها بسلوك مسيحي طاهر -إذا كنت أبا ومحبا لزوجتك- وسلوك رعاية دؤوب لأولادك. العائلة كيان تدعمه باستمرار او يتعرض لخطر الانهيار او التشقق. لا يكفي أن تتكلل لتنشئ العائلة. هذا سهر يومي وتجميل لأخلاقك حتى يقوم البيت على أسس المحبة والحكمة. وإلا كانت في ظاهرها قائمة وفي حقيقتها متصدعة، وقد تنتهي بما يكرهه الله والقديسون اعني الطلاق.

ينبغي أن تكون متعقّلا عندما تقدم على الزواج. واسمحوا لي ان اكون صريحًا جدًا لغيرتي عليكم. هناك نوعان من الرجال ممنوع الزواج عليهم. الانحراف (الذي يسمّى اليوم المثليّة الجنسيّة) والعجز الجنسي مانعان أساسيان للزواج. إذا كنت مصابا بأحد هذين الأمرين فضميرك ينبغي ان يمنعك. المرأة ليست شخصًا ندخل معه في اختبار. اذا دلك اختبارك على عدم الأهلية فتحمّل مسؤوليتك وكن شجاعا وامتنع في هاتين الحالتين.

الشيء الثاني لا تقم بزواج عقلي محض قائم على الحسابات. هناك حد أدنى من المودة والانجذاب ان لم تشعر بهما لا يحق لك ان تطلب يد صبية دلك واحد عليها ولا تحس تجاهها بأية عاطفة.

الشيء الثالث أنك تدخل في المشروع على أساس انه رحلة العمر وليس مؤقتا وانك قد تكتشف في الآخر أخطاء أو عيوبا. قد ترى الفتاة ان الشاب بخيل. هذا لا يبطل الزواج. قد يلحظ أحدهما مرضا لم يصرح الآخر به. لا شيء يضطره على ذلك. هذا لا يبطل الزواج. انت تتحمّل كل الأوضاع الصحية عند رفيق حياتك المجهولة منها او الطارئة. ليس الزواج مشروطا بصحة كاملة او عقل عظيم. وقد لا تجد الرفيق كثير الذكاء او عظيمًا في القداسة. تكمل مع ذلك المشوار.
مهما كانت الأوضاع- الا ما يذكره القانون على أنه سبب للانفصال- المبدأ في الحياة الزوجية الإخلاص. انت، عند اكليلك، تعاهد الله على أن تعف عن الجنس الآخر كليا وان ترافق الزوج او الزوجة. ذلك ان الإخلاص يعني انك اخترت رفيقًا واحدًا لحياتك العائلية ولا تسعى الى آخر. وهذا ليس سهلًا عند كل الناس. ولكنك تصلي لحفظ طهارتك وتهرب من الأشخاص الذين تحس انهم يريدون إغراءك وأن يكسروا لك بيتك.

الحياة الزوجية جهاد مستمر تخصبه النعمة الإلهية. هو ترهُّب لأنه ارتباط بوجه واحد مهما تعب او مرض أو شاخ. ففي الكهولة والشيخوخة جمالات ليست أقل فرحًا من عهد الصبا.

في كل مراحل حياتك الزوجية افهم ان المشاركة بركة من الله وانك لا تكتمل الا بالآخر. ان ترعاه ويرعاك . وافهم كذلك ان كل تشقق في العائلة مؤذٍ للأطفال وان الطلاق مؤذٍ كليا. وافهم أيضا ان الأولاد لا ينمون الا برعاية الوالد والوالدة معا وليس في ان يقضي الولد وقتًا عند أبيه ووقتًا عند أمه المفصولين. وابنك اساسي لنضجك كما انت أساسي لنموه.
اذا اكتملت عناصر محبتك للآخر وحفظت نفسك والآخر من الدنس وحنوت على بنيك وبناتك ورافـقـتـهم حتى بـعـد سن الرشـد وتابعتـهم ولـو تـزوجـوا وضممتَ أحفادك إليك فهذا سر سعادتك على الأرض التي أعْطاها الله اياك. وهذا قد يكون مدخلك الى الملكوت.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

العائلة / السبت في 1 تموز 2006

العائلة ليست مؤسسة فقط، هي روح، واذا كنا نشاهد اليوم ضعفنا في التماسك العائلي يذهب في كثرة من البلدان الى حد انفراطها فهذا ناتج من ابتعاد الناس عن القيم التي كانت تجعل العائلة صامدة، ما يفسر لنا جزئيًا تلاشي العائلة هو ذلك التعظيم الرهيب لاستقلالية الحب عن تعبيره في الاسرة. ما يفسر ان عائلة من ثلاث عائلات في فرنسا تنتهي بالطلاق هو اعتقاد هؤلاء المطلقين ان ارتباطهم بعضهم ببعض مبني على الحب حصرًا. انهم معًا، يقولون، ما دام الحب قائمًا فاذا انتهى في احساسهم فإنهم ينهون ارتباطهم.

أنا لست عالم اجتماع لأحلل الاسباب الاخرى التي تضع حدًا للأسرة. اذا كان عندك تقديريًا عشرة بالمئة من المثليين في كثير من بلدان الغرب (لا اعرف النسبة عندنا) فمن الطبيعي ألا يقبل هؤلاء الزواج. لا أعرف اذا كان العامل الاقتصادي يساهم في انهاء الزوجية. سمعت في المحاكم الروحية عند المسيحيين ان البخل سبب من أسباب نفور المرأة من الزوج. ولكن ما من شك في ان ظاهرة المثلية من العناصر المؤثرة في تهديم العائلة وفي المثل العليا التي تقوم عليها.

غير أن الفلسفة السائدة في الغرب ان الحب مفهومًا هوى او غرامًا او هيامًا هو الذي تقوم عليه علاقة الجنس. فالجنس اذًا حر كالهوى فاذا بلغ المتزوجون مرحلة الفتور العاطفي او العلاقة الرتيبة فلماذا تبقى العلاقة؟ فتحويل الحب الى مؤسسة، يقول هؤلاء، يجعل المؤسسة بلا نفع.

في الواقع تبقى الألوف المؤلفة من الازواج مرتبطة بقانون لا تملأه عاطفة. وتتحول العلاقة الانسانية، الوجدانية، الشعورية التي بدأ بها الزواج الى علاقة شبق وتكرار فعل لا يتحرك فيه الشعور او قلما يتحرك وكأن الانسان مقهور بعلاقة كثيرًا ما ضعفت فيها اللذة نفسها اذ تكون قد فرغت من الفرح. والزوجية فرح او ليست بشيء. لذلك عند اخفاق هذه الوحدة الانسانية التي تقوم عليها الزوجية يرتفع السؤال من نفسه: لماذا كل هذا النظام؟ في الحقيقة ان الاحساس بالنظام يتكون من فقدان الحياة العاطفية أما اذا كنت لا تزال على علاقة حب فلا يخطر النظام على ذهنك.

مثل هذا التساؤل يخطر على عقل الانسان في اي وضع كان فيه. على سبيل المثال تشك احيانًا في الوطن اذا كانت دولته تقمعك أو لا تقدم لك شيئًا. من هنا انك تهاجر فإنك ما كنت قادرًا على ان تحب بلدك والقائمون عليه لا يحبونك. مثال آخر عشناه كثيرًا في هذه البلاد: اذا احسست ان الرئيس الروحي في كنيستك لا يسهر عليك ولا يرعاك تفتش عن كنيسة تظن انك تجد فيها انتعاشًا لنفسك او حرارة لقلبك. لا تفهم ان وجود الوطن حياة لك ولو أهمله أولو الأمر. لا تفهم ان كنيستك عظيمة في تعليمها وتغذيتها لك كائنًا ما كان سلوك الكاهن او الاسقف. في المثل الاول تكون حولت الاول الى وجود مشروط وفي المثل الثاني تكون حولت الكنيسة الى البشر القيمين عليها في حين ان الوطن روح والكنيسة روح وانت لا تعلم او لا تريد ان تعلم.

#  #  #

قلت: العائلة روح وانت تقتل الروح بالفتور او تحييه اذا ايقنت ان العائلة لا تلغى بخطايا الزوج او الزوجة واذا ادركت ان الحب يتجدد كلما ازددت اخلاصًا وقويت في العطاء، ولست في حاجة الى علم كبير لتعرف ان هذا الجسد يهدأ في آخر الكهولة وان المحبة لا تهدأ لأنها تأتي من الله. ولست في حاجة الى علم كبير لتعلم ان «المحبة اقوى من الموت» واثبت من الجنس. الزواج ليس كله مضجعًا ولكن كله اخلاص.

لماذا الاخلاص؟ لأنك عاهدت كائنًا آخر عليه، ان كنت لا تؤمن بالعهد الزوجي وتؤمن فقط بالعاطفة الجياشة وما يرافقها من شهوة كان الافضل ألا تتزوج. اذا كنت تحسب ان الزواج مؤسسة او قانون ومجرد مكان للحقوق والواجبات فكان الاحرى بك ألا ترتبط. مرة جاءني رجل وامرأته وقالا لي: «اننا اتفقنا على الطلاق». قلت لهما انتما تتكلمان وكأن الزواج عقد ثنائي قائم مقام التراضي وتجهلان انه ليس عقدًا ثنائيًا ولكنه عقد ثلاثي… قالا: من الثالث؟ قلت بل الاول هو الله. اذا كنت لا تؤمن بالله في الحقيقة اي في اعماق نفسك وكنت لا تؤمن ان الرب هو الجامع فما كان عليك ان تقترن بامرأة.

أنا أمضيت اثنتي عشرة سنة قاضيًا في الاستئناف في كنيستي في لبنان وجلست سنتين قاضي محكمة البداية في ابرشيتي وعرفت شقاء عائلات كثيرة جاءت الي للمحاكمة كما عرفت تعس عائلات اخرى جاءتني مسترشدة وفهمت صعوبة الاوضاع كما عرفت ان مواجهتها غير ممكنة ان لم يعد الله الى قلوب متنافرة وكثيرا ما تنافرت لاسباب غير جدية وادركت ان الناس لا يعرفون الصبر الذي لا يحل على انسان الا من ايمانه، والصبر ان تعيش مع الله ورفيقك في الصعوبة، الحياة العائلية فيها عسر كثير لاسباب عديدة اهمها في متابعتي لاحوال النفس ان الرجل لا يعرف امرأته في مرحلة الخطبة واذ به يفاجأ بعيوب تصدمه وتتكشف له عيوب الفترة بعد الفترة ولم يقرأ كلمة الكتاب: «احملوا بعضكم اثقال بعض وهكذا تمموا شريعة المسيح». ولم يعلم هذا الانسان ان التراحم والتواد بين اثنين أفي الزوجة عاشا أم في الحياة الاجتماعية انما لا يحصلان بلا تعب.

#  #  #

لماذا المعية؟ لانك لا تكتمل الا بالآخر الذي ارتبطت بخدمته والانتباه اليه ورعايته بالحب الالهي وليس فقط بعفوية القلب البشري الذي قد يقف او اقله يفتر. ليس من اخلاص فينا للوطن او الكنيسة يقوم فقط على ما نكسبه منهما، ليس من كتابة عظيمة تستقيم للأديب بلا دوام دراسة اذا ما زال الارتعاش، ما من مؤمن كبير لم يعرف انقطاع النعمة الالهية حينا بعد حين وما من قديس لم يخطئ، انت، مؤمنا، لا تنتقل من مجد الى مجد على الدوام. انت تنكسر وتجبر النعمة كسرك وتعيدك الى رؤية محبة الله اياك.

#  #  #

ثم هناك الاولاد الذين هم فرحة لا تفوقها الا فرحة الروحانيين بالصلاة الدائمة التي بها يحسون انهم ابناء الله المدللون، كلنا اختبر في العيلة او عند اصدقائه ان الولد يكلف سهرا طويلا وعناء كثيرا ووقتا غير محدود وقد يطول وقت العناية الى سن متقدمة.

هذا الولد لا يمكن ان تعنى به مربية غريبة تستحيل عندها عاطفة الاهل. اظن ان العائلة تثبت بالاولاد وهم يثبتون بالعناية التي يتلقون والكثيرون منهم يثبتون على الايمان والرجاء والمحبة لكونهم رأوا هذا في ذويهم، يقول معلمي كوستي بندلي في هذا المجال انك لن تعرف الله «أبًا لك الا اذا احسست بأبوة ابيك الجسدي، الانسانية هكذا قائمة على انك تلد ابنك وتربيه وكذلك هو يربيك، ولذلك قالت احدى العالمات الفرنسيات في دراستها حول الجنس ان العائلة على رغم السقوط الاخلاقي العميم – باقية الى الابد. ويقول كل العلماء الذين تتبعوا حالة اولاد المطلقين ان هؤلاء في حالات كثيرة تؤثر فيهم صدمات الانفصال. فالولد ليس فقط ابن ابيه وامه ولكنهما ابنهما مجتمعين فان كلا منا، نفسيا رجل وامراة معًا ولا تتكون شخصيتنا اذا امضينا اياما من الاسبوع مع الوالد واياما مع الوالدة ولكنها تتكون اذا انصبّ فينا الراقدان متعاملين، متلاقيين.

هنا استحضر الفيلسوف العظيم هنري برغسون القائل ان من قطف لذة الزرع يجب ان يحتمل عناء الحصاد، لا تقول كنيستي ان الزواج غايته الانجاب ولكن الانجاب ثمرته المباركة. «المرأة وهي تلد تحزن لان ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لانه قد ولد انسان في العالم» (يوحنا 21: 16).

الفرح لا يقتصر على ايلادك ولدك ولكن على ايلاد الرجل زوجته او المرأة زوجها. هو فرح العطاء المستمر المضني ولكنه الفرح، انا لا استطيع ان اعرف مقاصد الله في تكاثر الجنس البشري، ولكني احس بأن الله اله الفرح وان ما يهمه من كل قصتنا في الزواج ان نبدع ذاك الذي يرافقنا بدوام المحبة وهي غير مشروطة بما قدمه الرفيق او بما يعطينا الاولاد، انا اعلم ان الانسانية في الحياة العائلية عرفت جمالات روحية لا توصف وحققت قداسة مذهلة. وهذا لن يظهر في انسانية اليوم ما لم تعرف ربها من جديد.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الحكام المترهّبون / السبت 26 حزيران 2006

«إنها محبة جمال العدل التي تجعل الإنسان السياسي خصبًا، منتجًا خير المدينة».

(أفلاطون في كتابه «المائدة»)

أعرف رجلاً قيل له: شركة الطيران الفلانية ترغب في أن توظف أخاك في وظيفة عليا. ولما سأل عن مواصفات العمل قال إن أخي ليست عنده كل هذه المواصفات فلا أوصيكم به. لقد أستطاع صديقي هذا ألا ينظر الى منفعة أخيه بعدما رأى ان آخرين أولى من أخيه بالعمل.

ان تخرج من ذاتك ومن عائلتك وقبيلتك ووطنك لتشاهد الحق وتحكم له قاعدة من قواعد الاستقامة اساسية: فمن أهم مسالكنا الخيّرة ان نعتقد اننا لسنا مركز الوجود اذ لا يقوى الانسان ان يكون حكمًا على نفسه أو حرًا من رغباته اذ يحكم حسبما يظهر له من شخصيته وكثيرًا ما تبدو له جميلة ليجد في ذلك استقرارًا ويحصل على اطمئنان.

لن يعدل الانسان بينه وبين الآخرين ما لم يتخذ الله حكما. والله ليس عنده محاباة وجوه (رومية 2: 11) لكونه يحبنا جميعا بمحبة واحدة اذ تبدأ محبته بالانصاف وليس لك عليه شيء اذا اغدق على أحد أترابك ما لم يغدقه عليك، ليس لأحد منا حق في ان ينال فوق الانصاف. لهذا كان الحاسد خاليًا من كل عذر.

تتنازل المحاكم في حكمتها الى الضعف البشري فلا تقبل شهادة نسيب مخافة من الكذب ولكن اذا كنت مليئا من الحق تشهد له أوتشهد عليه ولك في حديث ود خال من النميمة ان تكون كامل الموضوعية في الكلام على أقرب صديق. ذلك ان العقل عند بعض من الناس حر من الشهوة وله ان يحكم دون الرغبات فتخرج الحكمة على لسان العادلين.

غير أن هذا يتطلب زمنًا طويلاً من النسك وتطهّرا من التحزب لا يحصل الا عند الذين يرون الله دائمًا عن يمينهم فلا يتزعزعون. والفرق كلّه في دنيانا بين من يرون انفسهم في رؤية الله لهم ومن يشاهدون أنفسهم في عيون الناس. المؤمن يعرف نفسه مفحوص الله فيقترب اليه ليقوى فحص الله له وتزداد تنقيته. أما الجاهل على المستوى الروحي فلا يؤمن بنفسه في التكوّن الالهي. لذلك يريد ان يأتي ممن له منفعة منهم لأن الوجود عنده مال يجنيه أو سياسة ينتهجها. انه يملك من هذه الدنيا لأنه منها. يوجد هذا بما يملك ولا يوجد بما هو عليه.

#  #

#

واذا صحّ هذا في كل الناس فمن باب أولى انه يصح في أهل السياسة لأن هؤلاء هم مترهّبون أو ليسوا بشيء. فاذا استعرنا صورة الراهب فلكونه لا يرى الا الله أمام وجهه أوكما يقول الياس النبي: «حي هو الله الذي أنا واقف أمامه» بمعنى اني ليست مسؤولاً أمام سواه ولأن الأمر كذلك يجعلني مسؤولاً عن كل الناس وهذا لا يحصل الا اذا كنت بالحقيقة فقط. فعندما يقول أفلاطون ان الانسان السياسي يحب جمال العدل فهو يعني انه يحب الحقيقة التي يدل العدل عليها اذ ليس في فكر افلاطون من فرق بين الحقيقة والجمال.

والعدل عنده كما عند أهل أكابر اليونانيين عدل من أجل المدينة. وعنده أن خير المدينة يأتي من العدل لأنها مدينة أحرار التي اذا ظلمها الحاكم يحولها الى مدينة عبيد ولا عقل بلا حرية. تفقد طبيعتها كمدينة يسوسها الحكماء وهؤلاء يسوسون أشخاصًا والعبيد ليسوا بأشخاص أو ما كانوا كذلك قبل نزول الوحي. فمن أجل العدل لا يتعاطى الفيلسوف – الحاكم شأن المال. والقضاة في الاسلام فقراء لأن الفقر الكبير كالغنى الكبير يؤمّن لك الحرية.

العدل عند القضاة أصعب من العدل عند الحكام لأن الأدلة قد تأتي مغلوطة أو الشهادة كاذبة. والمشهد في الجزاء كثيرًا ما يؤثّر في العاطفة. والهدوء الداخلي يحتاج الى ترويض كبير. واستقلال القاضي عسير اذا خشي المؤثرات السياسية التي يريد اصحابها إخضاعه. إن عدل القاضي – اذا تغلب على معاثر حياته – يحررك من الخوف ويجعلك تؤمن بأن الفضيلة ممكنة وبأنك قادر على تجاوز الخصام الحقوقي. بينك وبين آخر تشادّ. لا تستعمله، تحوله حالة نقاش أمام القوس. فالمنازعة لها أن تجري في سلام وتسلّم من الأمة حقك وكثيرًا ما تقتنع انه هو الحق اذ قالته أفواه لا يرقى الشك الى صدقها. لا تحيا أمّة بلا طمأنينة.

غير أن العدالة التي يتوقّعها المواطن هي الصادرة عن الحكام في حدود صلاحياتهم. أفهم ان السياسة مذاهب أي اتجاهات ومواقف وانها كثيرة التعقيد. غير ان أهم ما يهم المواطن فيها الإدارة وعندما يقول الفرنسيون: «الوزراء يعبرون وتبقى المكاتب» ويريدون بذلك الموظفين الكبار، يفهمون ان الادارة أكثر استقلالاً عن السياسة من الوزارة وفي بعض محطاتها هي تصريف أمور الحياة عند المواطنين وقد يكون اقوى عنصر في الادارة الاستقامة واستقبال أصحاب المعاملات بتهذيب وربما ببشاشة وهنا أيضا لا محاباة للوجوه لأن المعاملة اذا ما تلت غيرها فلصاحبي المعاملتين الاهتمام الواحد عند الموظف. ولكون هذا قائمًا في الملاك ولا يحتاج الى رضاء أحد في حكومة تحترم نفسها وتمسك بالترقية حسب الاستحقاق. هذا ممكن تسميته الأمن الإداري الذي تفرضه الديموقراطية، وجوهرها ألا نذبح بعضنا بعضًا وان نتفاهم بالحسنى ونتناقش بالحسنى. فإذا حمى النظام الديموقراطي تنوع الأفكار والتزام المواقف المختلفة فمن ثمار ذلك ألا يُحرم مواطن حقه في تسيير معاملته. من باب صفاء نفسه ان يثق دائما بأن الدولة قائمة لتمنع عنه الظلم وتوصله الى مطلبه الحق. بكلام آخر هكذا ينبغي ان تكون دوائرنا سليمة بحيث لا تأتي صعوبة حياتك من الحكم ودوائره. ينبغي ان تكون الدولة حاضرة بحيث لا تجعلك تحس بوطأة تأتي منها أو تنغيص معيشتك. فاذا حصل نتوء بينك وبين القابضين على زمام الأمور فقد تيأس ليس فقط من أولي الأمر ولكن من كيان البلد. وهذا حافز للهجرة ما في ذلك ريب.

#  #

#

من المؤكد طبعًا ان الإنسان ضعيف لكن واجب الأمة نحو القائمين على الإدارة تأمين معاشهم حتى لا يصيبهم اغراء أو يكونوا بلا عذر اذا وقعوا فيه. حقيقة هذه القولة في العهد الجديد: «محبة المال أصل كل الشرور». وصراع هذه الشهوة رهيب. لكن الإداريين كالمتدرجين في المحاماة ينبغي ان يتلقوا دروسًا في اخلاقيات الادارة وان يترقوا من دراسة. أعرف ان الخطيئة لا تموت ولكن ويل لدولة لا تريد ان تصير ينبوعًا روحيا يطارد الخطيئة. ان الدولة لمن العناصر التي يتنقى بها المجتمع. القديسون وحدهم لا يحتاجون الى الدولة.

متى يسمع الحكام عندنا كلمات كهذه من العقلاء؟ هل تعلم الطوائف عندنا ان تعليم الاخلاق المتعلّق بالحكم جزء أساسي من توجيهها؟ أفهم ان الزهد صعب وان الانسان يخشى الموت ولذلك يشتهي المال الذي يحصنه من المرض ويغدقه على تعليم أولاده وما الى ذلك. المؤمن الكبير هو من يتعلّم ان يموت وان يكون صغيرًا في أعين الناس وهاربا من المجد لأن مجد هذا العالم هو العائق الكبير بينك وبين الله.

هنا يأتي الكلام عن الوزراء وهنا يجب ان نعين الناس في ضعفهم. النواب سيشتهون الوزارة لكونها تزيدهم مجدًا ولو أتعبتهم. وما من شك في ان فصل النيابة عن الوزارة يدل للوهلة الأولى على انه ضد المجد الباطل وأدنى الى الشفافية من اختلاط الأشياء بعضها ببعض. لكن هذا كله يفترض انك لن تبلغ جمال العدالة الذي اشتهاه افلاطون لأهل السياسة ما لم تكره أمجاد هذا العالم وتصمد أمام اغرائه وان تقرر ان تصير راهب البلد. ماذا لو وقف وزير مسلم تقي قرأ كتابا في الأدعية وليس مثله كتاب عشق إلهي وقرأ على الزملاء دعاءً طويلاً وأقاموا بينهم ميثاقًا على ان يكونوا جميعًا رهبانًا مع احتفاظهم بأزواجهم وأولادهم وسيارة واحدة وأثوابهم الأنيقة ولا يشتهوا شيئًا آخر. هكذا يكونون قد قرأوا كتاب «المائدة» أو الحب لأفلاطون ومزقوا كتاب «الأمير» لمكيافيللي حتى أحج اليهم كما أحج الى أديرة مدينة الله انطاكية العظمى.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العائلة/ الاحد 25 حزيران 2006 / العدد 26

لم أعثر في العهد الجديد على كلمة عائلة. ولكن لها مرادف وهي لفظة “بيت” كما في قول بولس: “وعمدت ايضا بيت استفانوس” (1 كورنثوس 16:1) ونقلتها الترجمة اليسوعية الحديثة: “قد عمدت ايضا أسرة اسطفاناس” ويقول المفسرون ان المراد بهذا الكلام انه عمد اسطفاناس وأولاده. ويكتفي العهد الجديد في الكلام عن الزوج والزوجة اي ان عنده رؤية الى قدسية الزواج. ولكن الرسول يحصر كلامه عن واجبات الأهل نحو الاولاد، عن تربيتهم وعدم إغاظتهم.

ولكن ما من شك في المسيحية ان الأب والأم اللذين لم يرزقا اولادا يشكلون عائلة، واذا لم يظهر اولاد فالعائلة كاملة والمحبة كاملة. وفي الارثوذكسية لا نقول ان غاية العائلة الإنجاب، ولكنا نقول ان الإنجاب اذا تم هو ثمرة التقديس الذي يجمع الأبوين. الى هذا نقول ان العائلة هي الكنيسة الصغيرة، ويقول الكتاب ان كل ابوة على الأرض هي صورة عن ابوة الله لنا.

تبـدأ العـائلة التي فيـها اولاد مـن المعمـودية وهي الولادة من فوق وبها يصير الطفل ابنا لله على صورة الابن الوحيد المولود من الآب. ولكن من الواضح انك لست ابن ابيك ان لم يكن ابوك مؤمنا. الولادة الجسدية عندنا فرصة لزرع المحبة لله اذ لا يقول الكتاب: أحبب اباك وامك ولكنه يقول: اكرم اباك وامك. ولهما منك المحبة لكونها معك من عائلة الآب. لذلك قال الرب يسوع: “لا تَدْعُوا لكم ابا على الأرض لأن لكم ابا واحدا هو الآب السماوي” (متى 9:23). ويصرّ السيد على ان نحب الله اكثر مما نحب اهلنا اذ يقول: “من أتى الي ولم يُفضّلني على ابيه وامه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل عن نفسه ايضا، لا يستطيع ان يكون لي تلميذًا” (لوقا 26:14). فاذا اصطدمت مع اهلك لكونك تحب المسيح وهم لا يحبونه فلست انت منهم. فالرابط الوحيد بينك وبينهم انهم يرشدونك الى المسيح وانت ترشدهم اليه.

فليس لهم الحق ان يزوجوك على من لا تحب. هم ليس لهم الا المشورة، ونحن نزوج الراشدين كما شاؤوا ونقبل في الرهبانية من الراشدين من شاء. لأن الانضمام الى يسوع خير من الانصهار في القبيلة. ولا يعترف الإنجيل بالقبيلة لأنها تنزع عن الانسان حريته في الطبيعة او حريته في المسيح.

اجل هناك فوائد معنوية ووجدانية ان تتحسس بالقرابة على الا تصير هذه المشاعر عصبية تفصلك عن العائلات الأخرى فتناصر عائلتك ان كانت على حق او كانت على الباطل. انت نصير الحق، ومنه تولد، ولا تولد من اللحم والدم اللذين يفنيان في التراب.

غير ان اهمية العائلة الصغرى او الكبرى انها تمرين لك على المحبة. انت تحب اولادك طبيعيا ولكن لا غنج ولا دلع لئلا يفسدوا. تحبهم في المسيح اي تهذبهم بالإنجيل وتصحح العاطفة التي يمكن ان تسترخي. الشوق بدء والمحبة في المسيح هي القوة الحقيقية التي تنمي شخصية اولادك فلا يكونون لك لأنهم ليسوا لك. هم لله فقط وعليك ان تكشف لهم محبة الله لهم بالإنجيل وترويضهم على قراءته وفهمه وان تصطحبهم الى الكنيسة لأنها هي امهم الحقيقية وهناك يذوقون لطف الله بهم ويتمرنون على محبة إخوتهم في المسيح.

الى هذا ففي بلدنا تدعوهم الى محبة غير المسيحيين الذين هم ايضا ابناء الله وإخوة لهم فيه، وافهم جليا ان ليس لنا نحن تكتل طائفي بازاء الآخرين ولكن لنا اصطفاف كنسي لنذوق المسيح وننقل اخلاقه الى كل الناس. فالعائلة هي البيئة الاولى التي يتكون منها الوطن، والوطن عندنا مكان المحبة والخدمة لكل البشر.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أولادكم في الصيف/ الأحد 18 حزيران 2006 / العدد 25

قد يحس الولد في العطلة المدرسية انها فترة فراغ لطولها، فراغ من الدرس وراحة من الانتظام المدرسي الذي قد يكون عند بعض وطأة عليهم. أنْ يقضوا هذا الوقت دون ان يكون مجرد اضاعة لهم ودونما ضجر هذا هو السؤال الذي يواجه الأهل تربويا. ما لا ريب فيه ان الراحة يجب ان تكون نسبية لا كاملة لأن الولد اذا كان بلا انشغال انما يحلو للفكر السيء ان يدغدغ خياله.

المسألة الأولى هي هل سيبقى ابنكم او ابنتكم مع رفاق المدرسة وقد يتفرقون، ام انه يختار رفاقا جددًا ينبغي ان تعرفوهم ولا يجوز ان يدخل في عشرة طارئة لا تعرفون انتم اخلاقها. فإذا كان الولد في الموسم الدراسي في عهدة مدرسية، ففي هذا الموسم انتم وكلاؤه وحدكم. وهذه فرصة نادرة لتعرفوه ويزداد تعلقكم به. فالعطلة الصيفية ليست عطلة لكم. هي تجعلكم أكثر انشغالا بأولادكم وأقرب الى الحديث معهم فلا تستسلمون لمشاهدة التلفزيون معا فهذه ليست بتربية ولا تستسلمون للخـليوي طـوال السـهرة اذ تكونون بـذا غائـبين.

ثم تطرح مسألة البحار والجبال والنزهات. هنا لا أريد ان أضيّق حرية أولادكم. الأمر خطير أو دقيق ويجب معالجته بحكمة. مع من يسرح أولادكم ويمرحون. الصيف خطر ويحتاج المراهق فيه الى رعاية دقيقة. معاشرة الرفاق مسؤوليتكم فتدبروها.

والأهم من كل ذلك الا يكون الصيف عطلة للعقل. ليس لأولادكم فرصة ليتابعوا مناهج دراسية. ولكن عقولهم ينبغي أن تتروض كما أجسامهم. أنا لا أعرف الآلات الجديدة (الحاسوب، الانترنت) لذلك لا أستطيع أن أرشدكم كثيرًا. ولكن حذارِ أن يسهر الاولاد بعد ان تكونوا انتم ذهبتم الى الرقاد. يقال لي ان في هذا خطرًا شديدًا. وبعامة ليس من الصحة الأخلاقية ان تنهزموا من أمام حضارة الصورة ولو كانت سليمة. لا يمكن للصورة في السينما او غيرها ان تعوض عن المادة المقروءة. الموسيقى السليمة -كلاسيكية كانت ام شرقية- رياضة طيبة وتؤثر في تكويننا الشخصي. ولست أقصد بالمقروء الجرائد والمجلات السليم مضمونها، فهذه كلها لا تقوم مقام الكتاب.

الانسان المثقف وليد الكتاب من أفلاطون الى يومنا هذا. وغالبا ما يقرأ أولادنا الى العربية لغة أجنبية أو أكثر. فاذا كنتم أهلا لإرشادهم في ذلك فافعلوا هذا. ربما دلهم أساتذتهم الى بعض الكتب. وقد يكون عندكم كتب جيدة يقدرون على فهمها. وربما قدرتم ان تشتروا كتبا تليق بأعمارهم نظيفة المعنى والمرامي. ان مراقبتكم لمطالعاتهم من مسؤوليتكم. لا يتثقف الإنسان حقيقة الا اذا عرف تراث الانسانية المثقفة. لا تكفي الشهادات والامتحانات والدراسة في معاهد التدريس. المهم ان يصل كل منا الى المفكرين الكبار. وان كان هذا عمل الحياة كلها فبالدرجة الأولى يتم في سن المراهقة والشباب.

وخير الكتب ما تركه لنا الله مباشرة من فمه اي الانجيل. فليبدأ الشاب أن يتأمل فيه اي ان يدرسه كل يوم. المسيحية بلا انجيل غير عميقة، غير حارة. طالعوه مع أولادكم. هذا أنفع.

الى هذا لا تناموا صباح الأحد بل أفيقوا ورافقوا أولادكم الى الكنيسة لأن الكنيسة غذاء القلب وليس للقلب اصطياف. هكذا تحفظون اولادكم للرب وتتقدسون أنتم برعايتهم.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

أحد جميع القديسين / السبت 17 حزيران 2006

أحد جميع القديسين يقع غدًا في كنيستي. وقد وضعناه في هذا التاريخ أي اسبوعًا بعد حلول الروح القدس على الانسانية لنقول ان القديس ينزل من السماء على معرفته بما قاله الرسول: «لنا هذا الكنز في آنية خزفية…» (2كورنثوس 4: 7). الموهوبون من أهل الأرض رتب: «اهل السياسة وأهل الأدب وأهل الفكر». كل هؤلاء يأتون من الأرض ويعتبرون أنفسهم شيئًا. وحده القديس يرى نفسه لا شيء ويرى ان الله الذي يلامسه هو كل شيء.

وفي البدايات أقول إن هذا الانسان يتشبه بالله فهو مألوه مع كون جزء منه مصنوعًا من تراب. هذا ما هو يراه. لكن الرب يقرأه نورًا أي يقرأه على انه منه. الأبطال يجيئون من الأرض. لذلك لا يعرف القديس نفسه بطلاً. واذا اتفق على انه شاعر كبير أو مفكر كبير يعرف ان هذا لا علاقة له بالقداسة وان انضم اليها. ويعرف انه يدان في اليوم الأخير. وان رصفناه مع أهل السماء فهؤلاء كلهم سيدانون إلاّ من أهرق دمه حبًا فدماؤهم هي الصك الذي يجعلهم ملتصقين بالعرش في ذبحهم اذ ليس من دليل على الحب مثل الدم المراق. والى جانبهم مريم الجالسة على يمين المستوي على العرش اذ لم يكن عندها شيء لنفسها بسبب من اندماجها الكامل بالحبيب.

الاكبرون عندنا يعيشون شعور الخوف من الدينونة لعلمهم بخطاياهم. والقديسون كبار لأنهم يعرفون خطاياهم. وهذه من اولى درجات السمو. ونحن طلاب التاريخ الكنسي نعرف ضعفاتهم لما كانوا في البشرة. وهم مع علمهم بما أوتوا من مواهب لا يستكبرون ويهبهم ربهم معرفة تقصيرهم والمعرفة هذه أولى خطوات تقربهم وتكشف لهم الرؤى النازلة عليهم من أبي الأنوار.

المحبة هذه تبين لهم بعدهم عن الله اذ يعرفون ان القربى تأتي من تنازل الله عليهم ولا تأتي اليهم من جهودهم. والقربى في فهمهم هي قرباه لا قرباهم. ولا يقولون عن أنفسهم انهم متحدون به ولكنهم يتركون لله وحده ان يكون القريب. واذا أعلنت الكنيسة قداستهم فهي لا تحكم على درجات القربى لان هذا متروك للدينونة. وتكون قد كشفت أنهم أرادوا هذه القربى على قدر ما للإنسان ان يقترب وتقول إنها تعرف مقاصدهم لما كانوا على الأرض وتعرف جهودهم وانها تسعى الى تقليدهم لانهم كانوا شركاء الله في قداستهم.

ونقول هذا لنعني ان الرب جاء الى هذه الارض لنكون شركاء مجده ونحن في هذا الجسد بعدما علمنا ان الملكوت هو في داخلنا وان ابن الله أمسى عشيرنا في الجسد ليردم الهوة التي أقامها الفكر الديني بيننا وبين الله عندما جاء المخلص. نحن لا نقول بالاختلاط بيننا وبين الله لاننا لن ندرك طبيعته لا هنا ولا فوق ولا نخترقها ولكنا نعرف انه هو تجاوز الهوة بين جوهره وجوهرنا لما تنازل الينا وكشف لنا اننا مدعوون الى ان نجلس في احضانه.

وهذا متاح للعالم والجاهل فالعلم والجهل مقولتان لا يهتم الله لهما ذلك لان كلاً منّا امّي في حضرته وكلنا عدم أمام ظهوره. والعلم زينة وليس عند الله زينة. و«العلم سيبطل: كما قال الرسول ويبقى الحب وحده بهاء هذا العالم وبهاء الملكوت.

#  #

#

أنا لا أنفي عن أحد سعيه الى الالتماع والنجاح الدنيوي. ففي هذا شيء من الخدمة. وهذه الدنيا يجب ان تكتمل على صعيدها. ولله سرور بكل لمعة وبالمعرفة غير المنتفخة. فالمواهب البشرية ترشد الى الله أحيانًا. غير ان هذه المواهب ليست بشيء في حد نفسها واذا أنت وضعتها عند قدمي الرب فقد ينهضك الى القداسة. وان لم تضعها فأنت مستكبر أي تظن نفسك شيئًا ولست، اذذاك، بشيء.

واذا عدنا الى عبارة جميع القديسين فلكي نقول إن المختارين عند الله هم أكثر مما نعرف أي ان القديسين ليسوا جميعًا في التقويم ولنقول إنهم يشفعون بنا على الدوام وان الفردوس غير مغلق وانه هو وطننا الحقيقي ومن كان فيه يستضيء بنور لا يعروه مساء.

أفهم ان هذا الكلام لا يعني شيئًا لكثيرين وان الله غير مطلوب عند كثيرين لأن انسان هذا العصر يعبد نفسه ويعبد ملذاته وربما اتبع أخلاقًا اجتماعية وعادات مألوفة فاطمأن اليها وظن انها تصنع له توازنًا يعيش فيه. قلت عبد الانسان نفسه فأسلم الى العواصف التي تهب في نفسه وجعل منها شعرًا وفنًا وربما جعل منها فكرًا وحسبها المطلق لانها هي فيه أي اعتبر ان ما يتخبط فيه شيء عظيم لمجرد ان هذا التخبط هو فيه وان له ان يكشفه للناس لكي يدخلوا هم أيضًا في العاصفة ولذلك لم تبق من ضرورة ان يترجم هذه العاصفة بكلام مفهوم لانه منذ سقراط هو سبيل التواصل ولكن الحقيقة عنده ان ينقل العاصفة اليك حتى تماثله بالتخبط.

هذا الغاء لله بمعنى انه الغاء للوضوح وتاليًا كان هذا الغاء للوجه البشري فيرسم لهم قامة أو ما يشبه القامة بلا رأس وليس لك بالضرورة ان تتحسس برأسك أو تؤمن انه ضرورة لاكتمالك لينظر وجهك الوجوه الأخرى وتتكامل بما فيها من ضوء، واذا غاب وجه الانسان فآليا يغيب وجه الله وقراءتك للأشياء من خلال الله. كل هذا طبعًا نقض لمفهوم القداسة.

#  #

#

العصر الحديث، بناء على كل هذا، يقول لك إن الموجود هو ما يجب ان يوجد اذ ليس عندنا معيار لتحسين الموجود. فما من شك في انه إذا غاب الله يغيب معه المعيار. واذا أراد الإنسان إظهار ذكائه يقول لك ان العقل هو الإمام. سؤالي انه إن لم يكن إمام غير عقلك انت اذ ليس من عقل خارج العقول. وعقل اينشتاين غير عقل بائع الخيار. ولو كان العقل لا يخطىء لا تدربه انت بالمعارف. فاذا اجرمت كثيرًا وذبحت عشرة أشخاص يكون لك عقل ذابح أي مبرر لذبح آخرين. واذا سرقت حتى اليسر فتسرق الأكثر لتصل الى غنى أكبر. العقل زئبقي لانه ذاتوي يتأثر بشهواتك وهي ترشده كما يرشدها. هو قوة معطوبة ككل القوى التي فينا. ومن قال بالعقل بصورة حادة مفرطة وبأنه المطلق فلكونه أيضًا يعبد ذاته ولا يعبد الذي تكلم مرة واحدة بالأنبياء وأخيرًا بابنه كما يقول أنصار ابنه اذ السؤال هو ما المرجع الله أم انت.

هنا – وعلى هذا الصعيد – تأتي مقولة القداسة التي تقول الرب هو المرجع وانت تسمع اليه. واذا واليته أو آمنت به يدفعك هو ان تقول قوله وتقتدي به ولك بكلامه ان تخلص وبلا كلامه ان تهلك. واذا اصغيت اليه حسنًا فلك الحظ ان تقوّم مسلكك ليصير مسلكك كلمته فتهذب قلبك وتنزهه حتى لا يقول فيه عقلك المعطوب ما يلطخ هذا القلب فيزداد عقلك سوءًا وطريقك اعوجاجًا.

واذا سلم قلبك من الخطأ والخطيئة ينمو ايمانك اذ يصبح عقلك سليمًا بالله ومعافى ويبدأ مشوار القداسة. هذه تبدو مسعى عسيرًا جدًا لان الانسان غير صادق ولا يريد لنفسه جهدًا كبيرًا. الله يريدنا ان نتعب لانك ان لم تحمل صليبك لتتبعه فلا تصل الا الى خطاياك أي الى عبادة نفسك. اما اذا رأيت نفسك تتكون من القاء نفسك على صدر المسيح فتسمع كلمات لا يسوغ النطق بها تجعلك انسانًا جديدًا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

وكلاؤنا/ الأحد 11 حزيران 2006 / العدد 24

لا يمارس المطران سلطة من نفسه اذ ليس لمخلوق سلطة. يمارس سلطان المسيح في إقامة الأسرار وإدارة الكنيسة. هذه أقوال آبائنا منذ البداءة. ولك ان تبدي رأيك في شخصه ورعايته في أوساط المؤمنين وبكل محبة بنوية. وإذا كان لك عليه شيء فتذهب إليه وتأتي بالأدلة، وله من رحابة الصدر ما يجعله يدافع عن نفسه أو يعتذر ويعترف بالخطأ ويقوّم الاعوجاج. وإذا عاند الحق فاذهب إلى البطريرك، وعند ذاك يحاكمه المجمع. أما إذا أشهرتَ ما تعتبره أنت خطاياه، فمعنى ذلك انك تعتبر نفسك قاضيا. وهو عنده من الحشمة والأبوة ما يمنعه من الرد عليك بالوسيلة ذاتها وأمام جمهور لا يعرف احد هويته.

ان تكشف أنت ما تعتبره عند المطران معصية أو خطيئة لإحداث بلبلة باتخاذ الجمهور حكما يعني انك تبغض الرجل. ليس هكذا يسلك أهل الكنيسة. الكنيسة فيها مراجع وليس فيها ثرثرة. بالثرثرة تهبط العزيمة ويتعرض الإنسان إلى الشك بالآخرين، وإذا أطلق المفتري افتراءه فهو يذهب بنفسه وبالآخرين إلى حكم الشيطان الذي هو الكذاب وأبو الكذاب.

الأمر الآخر الذي أود قوله اليوم وقلته غير مرة تذكير المؤمنين بقول الكتاب «لا تَمَسّوا مسحائي يقول الرب» وبالكلام الآخر: «رئيس شعبك لا تَقُلْ فيه سوءًا» (أعمال 23: 5) لأن هذا يزعزع ثقة الناس بالناس ويزرع الفتنة في الكنيسة وروح الانشقاق إلى جانب الحزن الذي تزرعه في نفس من تفتري عليه.

الشيء الثاني الذي أود قوله أننا ولو كنا لا نستعمل الآن عبارة وكلاء الكنيسة، ونحتنا عبارة مجلس الرعية، يبقى أعضاء المجلس وكلاء للمطران. وحتى لا يكون المطران مزاجيا ويعزل من يشاء، جعلنا له قانونا وهو ان يعيّن المجلس لأربع سنوات، وكان من الواضح في التشريع ان هذه المجالس مؤقتة. والقانون قبل تعديله لاحظ ان ثلث الأعضاء يترك بعد سنتين. والفكرة إذًا كانت ان أحدا لا يبقى إلى الأبد حتى يتدرب العدد الكبير من أبناء الرعية في إدارة شؤونها بإشراف الكاهن. وهذا أردناه حبا بالمؤمنين لا بغضا بمن أنهينا خدمته.

قد نستبقي عددا عند التغيير ليستفيد الجدد من خبرة القدامى، ولكن لا قبول عندنا لبقاء أي كان إلى الأبد. هذا ليس فيه نكران لصلاحه للخدمة. هذا فيه فقط تأكيد أننا نريد عناصر جديدة. في الكنيسة إنسان واحد يبقى حتى موته وهو المطران والكاهن. مع ذلك يعزل المجمع المقدس أي مطران ولكن بعد محاكمة. كذلك يعزل المطران الكاهن بعد محاكمة.

أما العلماني في مجلس الرعية فيذهب عن هذه الخدمة عندما يبتّ المطران ذهابه. ولا يتضمن ذلك انه مشجوب. يبقى أخا محبوبا، حياته المسيحية هي خدمته للرعية. هناك مسؤولية عظيمة لكل منا تأتيه من معموديته، ولكن ليس لأحد حق بأن يكون مسؤولا ماليا أو كاتبا أو ذا وظيفة في مجلس رعية.

وإذا صار خبيرا في شيء فيُطلب رأيه دون ان يحمل لقبا. الشغل لا يتوقف على انتماء شخص إلى مجلس رعية. ونحن لا نكون ذممنا أحدا أو أنقصنا أهميته عندما نضع أحدا آخر مكانه. نكون فقط تأملنا خيرا من الإنسان الجديد الآتي.

فسَّرنا هذه الأشياء قديما، وأرجو الا يجلب احد عليّ اتعابا كما قال بولس الرسول. جاء الوقت لكي لا يتعبني احد. لماذا لا تسير أمورنا كلها «بلياقة وترتيب» كما يقول الرسول أيضا حتى ننصرف إلى الأشياء العظيمة ولا نبقى في التذمر؟ ماذا يمنع ان نكون جميعا ودعاء، لطفاء على صورة المعلّم الإلهي؟

Continue reading