Author

Aziz Matta

2006, جريدة النهار, مقالات

الروح القدس / السبت 10 حزيران 2006

غدًا يعيّد الارثوذكسيون لحلول الروح القدس على الإنسانية. يقول صاحب «محيط المحيط» ان العنصرة التي هي العيد عبرانية معناها اجتماع أو محفل. وفي الأصل اليوناني هو عيد الخمسين لوقوعه خمسين يومًا بعد الفصح. وعبارة الروح القدس وردت دائما معرّفة ولو قال بعض أدباء المسيحية العرب في العصر العباسي روح القدس ليجعلوا كلامهم مفهومًا في المحيط الذي كانوا يخاطبونه. مدلول اللفظتين معًا انما يؤخذ من الكلام في الثالوث ويعني الأقنوم الثالث فيه. وهو بحسب دستور الإيمان منبثق من الآب وهو في الكتاب روح الابن أيضًا.

هذا على مستوى الأزل. وأما على مستوى الزمان فالروح يرسله الابن الممجد بالقيامة بعد صعوده الى السماء أي انه ينقل اليك فحوى المسيح وقوة فعله لمّا كان بيننا في البشرة كما يبث فيك حركة كلامه في الإنجيل فيحييك به. فالمسيح ولو تجلى في زمن مضى انما يأتيك بزمانك أنت. وهذا ما اصطلحنا على تسميته بالعربية تأوين الخلاص ونحتنا مفردة تأوين من آن ومعناها ان نلتمس من الله ان تصبح فاعلية الخلاص ساكنة في الوقت الذي نعيشه. فعندما نسرد كلام المسيح «اصنعوا هذا لذكري» اللاحقة لقوله: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» و«اشربوا منه كلكم هذا هو دمي» لا تعني الذكرى ان تنتقل بالخيال الى حدث مضى ولكن كما يوحي اللسان اليوناني ان حققوا اليوم والآن الحدث الذي انقضى من طريق التأوين بحيث نحيا الحدث كأنه واقع اليوم. لذلك تقول الكنيسة الارثوذكسية: «اليوم عُلّق على خشبة» أو تقول: «اليوم يوم القيامة» فتوحد الزمن الذي يعيشه المؤمن بالزمن الذي عاشه المسيح.

فاذا قال بولس اننا في المسيح أوقال ان المسيح فينا فهذا كلّه فعل الروح القدس. أي انه هو الذي ينقلنا اليه أو ينقله الينا فيجعلنا. من حيث نحن جماعة، جسد المسيح أي كيانه أو حضوره أو مداه. من هذا القبيل لما حل الروح على التلاميذ يوم الخمسين جعلهم كنيسة. طبعًا الكنيسة ولدت بحب المسيح لها على الصليب. تلقت هذا الحب وجعله الروح نارًا وبهذا المعنى تعمدت بالروح والنار.

ولما نزل الروح «ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار فاستقرّت على كل واحد منهم». الكنيسة صارت واحدة واقتبل كل واحد منهم معمودية النار ونشأت فيه موهبة روحية أو مواهب. هي وحدة في اختلاف أو في تعدد المواهب. فهذا يصلي بحرارة وذاك يفهم ويعلّم والآخر يرعى الرعية جيدًا أو يدير حسنًا أو يرفع شأن الفقراء. كل هذا من الروح على تنوع. فاذا تمسحنت لا تدخل في قالب. ولو كنت على الايمان الواحد فلك تعبيرك وللآخر تعبير.

هناك من فوض اليه الرب ان يجمع مواهب الناس ويجعلها تتفاعل وتتكامل وهو الأسقف. له موهبة الوحدة أو توحيد العطايا. يعظ ويهذب ويؤدب لتتكامل العطايا الالهية في الجماعة. هو ليس عنده كلمة من نفسه. هو مطيع للكلمة الالهية ويحييها الروح فيه لينقلها في زمان الناس الى رعية مصابة بالامراض الروحية فيعالجها لتصبح على صورة المسيح.

لذلك يقول الرسول: «لا تطفئوا الروح» فاذا اخضعتم الناس لقوالب وكررتم ما قاله الأسلاف تكرارًا تكونوا مخضعين الرعية لمزاجكم الخاص أو لكلمة رغباتكم وليس لكلمة المسيح. وتنشأ الانقسامات في الكنيسة لأن كل واحد يقول كلمته كما تنفثها فيه شهواته أو يتكلم عن حسد وغيرة وبغض وكبرياء فتظهر كلمات من بشرتنا وليست من الروح.

ازاء كل هذه الشرور تقول عباداتنا غدا: «ان الروح القدس نور وحياة وينبوع… مطهّر للهفوات. اله ومؤلّه. نار من نار بارزة». هو حياة بمعنى انه يفجّر فيك «أنهار ماء حي» فتمسي انت كالروح. ذلك ان المسألة التي تطرح نفسها هي ما علاقة الكلمة (المكتوبة) في الوحي الروح. عندك انجيل ثابت. هذا ليس حكرًا على العلماء. أجل هناك منهج علمي لدراسته قائم على معرفتك النص الأصلي وتحليله اللغوي واضاءته بمعطيات التاريخ وعلم الآثار وما الى ذلك. ولكن هناك أيضًا عبور الكلمة الى قلبك، الى كيانك، لتصير انت بدورك كلمة ليس بمجرد ترداد المعقول الأصلي ولكن بحيث تصبح كلمة حية ومحيية. هذا ممكن فقط اذا ألهمك الروح الالهي المعنى الذي تحتاج اليه نفسك لتنتعش فيلهمك الروح معنى من الجملة الواحدة ويلهم سواك معنى آخر ويأخذ بيدك ليقودك الى القداسة.

أجل الروح مفسر الكلمة بمعنى انه يكشف غناها لك قارئا. ولذلك قال بولس: «لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى». ومع ان الروح أمين للمسيح الاانه يعطيك اليوم غنى بالقولة الواحدة وغدًا غنى آخر. هناك شيء مستند الى تفسير آبائنا وبحث العلماء ولكن هناك شيء غير التفسير وهو الإحياء.

وهكذا لا يردد المؤمنون بيسوع الانجيل اسطوانة ولكن ينقلونه رسالة شخصية قد لا تحيي ناقلها بالقوة التي يحيا بها سامعها.

هذا ليس ضد تعليمنا ان الكنيسة خزانة المعرفة. ولكن يخطىء من قال إن كل آية لها تفسير واحد. علميًا وفي السياق التاريخي يصح هذا لكن الإثراء ليس واحدًا لي ولك. من هنا ان الكنيسة ليست هي خزانة معرفة بمقدار ما هي ينبوع روح يتدفق كل يوم من فوق علينا نحن الارضيين ليجعلنا آنية للروح القدس ولو كنا آنية من خزف.

أجل كنا نعرف ان أسرار الكنيسة كالمعمودية والقرابين والتوبة والزواج وما اليها كلها من عمل الروح لأنها كلها محتواة في شخص المخلص ولكل – على طريقته – اتحاد بالمخلص. هذه تجليات يمكن ان نعيشها في عمق كبير اذ تاثير السر الكنسي يختلف بين مؤمن ومؤمن. غير ان غاية الاسرار على تنوعها ان تنشىء فيه القداسة. والروح هو الذي يحدثها ويغذّيها فيك.

أجل، في كل سر إلهي كنسي ينزل عليك الروح. والكنيسة هي في تحققها كنيسة الروح. المهم ان تفتح نفسك للعطاء الالهي حتى تصير حاملاً للروح. هناك من كان الله لباسهم، من كان نور وجهه مرتسمًا على وجوههم.

هذا يضطرنا الى جهد عظيم، الى بذل للنفس لا يحد ولا يتوقف. وهذا الجهد نفسه يأتي اليك بالروح. انت بالقداسة تبلغ القداسة. انت منحوت الروح يوما فيوما حتى تحل عليك وعلى البشرية جمعاء العنصرة الأخيرة في القيامة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

قداس الأحد/ الأحد 4 حزيران 2006/ العدد 23

أنت مدعو الا تكون مزاجيا في موضوع القداس. قد لا تفهم كل ما يجري صباح الأحد في الكنيسة. قد لا تدرك كل المعاني. هذا أمر يمكن درسه في كتب تُفسّر القداس الإلهي أو إذا سألت كاهنا فهيما. إذا صرت محبا للخدمة الإلهية وكانت طيّبة لديك لا تتعب، وكلما زاد فهمك يقلّ تعبك ويزول ضجرك.

إذا كان لقاؤك مع المسيح ضعيفا فهناك يقوى اللقاء. قد تقول لي اني أصلي في بيتي، ولكن اللقاء الأعظم الذي يريده السيد هو الذي دعاك إليه بقوله لكل الأجيال وأنت منها: خذوا كلوا، هذا هو جسدي، واشربوا منه هذا هو دمي. وهو القائل: من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه. وأقوال كثيرة مثل هذه تدلنا اننا لا نحيا حياة عظيمة ما لم نشترك بهذه المائدة الإلهية المعدّة أمامنا صباح كل أحد.

لا تَقُلْ: القداس طويل. إذا لم تعتبر الصلاة السَحَرية، فيبدأ القداس بـ«مباركة هي مملكة الآب…». وإذا عرف الكاهن والمرتل ألا يمدّا الترتيل مدّا كثيرا، ينبغي ان ينتهي القداس في ساعة واحدة. أنت لا تتعب بسبب الامتداد. أنت قد تتعب بسبب الضجر الذي يمكن ازالته بالدراسة والوعي.

إلى جانب لقائك مع المسيح، لقاء مع الإخوة الذين يصيرون كيانا واحدا يوم الأحد باقتبالهم الأسرار الإلهية. وفي هذا قال بولس: «فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد» (1كورنثوس 10: 17). هذه مناسبة لتغفر لمن أساء إليك وتستغفر وتنمو في الطهارة وتقوى أمام المحن والصعاب.

قد تجد حولك من ليس عظيم التقوى، وقد لا تكون معجبا بالكاهن. أنت علاقتك مع المسيح وتتناول من يديه. في الظاهر يناولك الكاهن، وفي الحقيقة يعطيك السيد جسده ودمه الكريمين.

وإذا كنت متكاسلا في قراءة الإنجيل، ففي الكنيسة تسمعه وربما أثّر فيك كثيرا ونهض بك وحوّلك تحويلا جذريا. ولعلك سمعت تراتيل كثيرة ولكن قد تدخل جملة واحدة من الإنشاد قلبك للمرة الأولى. ربما تَحَّرك قلبك بكلمتين أو ثلاث وصرت إنسانا جديدا. لا تهرب من ان تصير إنسانا روحيا. ربما لم تحلم بهذا وأردتَ نفسك عاديا في الفضيلة. ربما صرت روحانيا كبيرا بانتباهك بعمق إلى المسيح كما لم تنتبه إليه في الماضي. هل تخاف ان تصبح قديسا؟

لماذا لا ترتمي في حضن يسوع كالتلميذ الحبيب في العشاء السري؟ طالما هو أراد ان يقربك إليه بهذه الوسيلة، لماذا تتردد وتقنع نفسك ان لديك وسائل أخرى لتتقرب إليه؟

إذا كنت موسميا كالبعض، فجرب ان تنتظم في الخدمة الإلهية عدة أسابيع تَرَ انك صرت محبا لكلمة الله ومشتاقا ان تتناول جسد الحبيب ودمه وتكون قد أحسست بمحبته لك فيرتفع مستوى محبتك له. اذا لم تأتِ إلى يسوع تكون قد تركته وحده. هو يريد كل أحبائه له. لا يريدهم ان يناموا في الكسل وفي تركيب ديانة لأنفسهم في خيالهم. هو قال لنا ما علينا ان نفعل لنكون شركاءه. ألم تقل بضع مرات في طفولتك: «اقبلني اليوم في عشائك السري يا ابن الله»؟ اذهب إلى كنيستك وقلها مرة أخرى.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

خميس الصعود / السبت 3 حزيران 2006

خميس الصعود الذي حل من يومين اصعب الاعياد فهمًا على المسيحيين لان الكتاب وضعه في لغة المدى اذ يقول سفر لوقا «وصعد الى السماء» ثم تقوى الصعوبة في الدستور النيقاوي القائل بعد ذكر القيامة «وصعد الى السماء وجلس عن يمين الآب». من الواضح ان هذا الكلام يقابل في الدستور عينه: «نزل من السماء وتجسد». ومن الاوضح ان كائنا روحيا لا ينزل ولا يصعد ولا يقاس بالأبعاد فالابن فيما كان في البشرة كان دائما في حضن الآب فان جسد مريم الذي اتخذه مسكنا له لم يحصره وبقي كلمة الله في العالم كله ولم يحده العالم. لما قال لي احد كبار الأئمة: «نحن نرفض التجسيم» (تلك كانت مفردته) لان التجسيم حلولية، اجبته: كان يكون حلولية لو ذاب الابن في احشاء مريم وصار العنصر الالهي فيه مادة. انه – حسب تعبيرنا – اتخذ المادة اتخاذا ولم يَصُرْها، لقيها وداخلها ولم يتحول اليها.

فاذا تكلمت عن الصعود الالهي فيعني هذا صعود جسد المسيح الى الله من بعد القيامة اي صرنا في تمجيد ناسوتية المسيح ومعادلة الناسوتية واللاهوتية اذ ادركت الاولى الثانية بسبب من ارتضاء المسيح للموت ونهوضه من بين الاموات. الله لا يرفع اليه جسدا ترابيا. انه يرفع اليه ذاك الذي «فيه يحل جميع كمال الالوهية حلولا جسديا» (كولوسي 2: 9).

بالموت والقيامة تم اتخاذ الله جسد المسيح اتخاذا كليا وما نسميه صعودا انما هو التعبير عن هذا السر. صورة انتقاله الى السماء تعبر عن قوله: «انا ذاهب الى الآب». في الحقيقة انه لا يذهب ولا يأتي ولا ينزل ولا يصعد ولكنه يضم ألوهته الى الجسد والجسد الى ألوهته ويجب ان يقول هذا كلام بشري لان الانسان جعل السماء فوق والارض تحت واتت لغته من المدى والزمان ويبيت في مفهومه الاله ولا يقع الله تحت المفهوم لان المفهوم يحده. لقد استعمل الله اللغة واللغة تضعه تحت المعقول.

ويلتزم الله هذه المحدودية ليحبنا ويحيينا ضمن مقاييسنا لكن ذوي الحس الروحي يسعون الى تنزيهه والاتصال به في القلوب.

الديانات القديمة جعلت الآلهة على رؤوس الجبال والى هذا اشارت ايضا في العهد القديم. والشرائع الالهية تعطى من جبال وعليها تتجلى الآلهة. ويسمو الانسان من الارض الى الله لان الله ساكن العلو وهو في مقام السمو او السماء. وهذا كله لغة. ولكنك اذا تخلقت باخلاق الله او غدوت مألوها او متألها حسب المصطلح المسيحي فيتم لك هذا حيث انت ولا تضطر الى ان تذهب الى مكان آخر واذا احسست ان السماء نزلت عليك فما هذا الا لغة. لذلك لم يصعد المسيح الى مكان اذ ليس من مكان يصعد اليه. ولا نزل الى الجحيم نزولا لان ليس تحت الارض من جحيم. واذا قلنا انه نزل الى الجحيم فاننا نعني انه دخل نطاق الموت لكي يحطمه ويزيله ويجعل ما فوق الانسان وتحته نورا. انت ساكن النور وليس فوق النور وتحته وعلى جنباته الا النور.

لا يهمنا المكان الذي «صعد» منه المسيح. هناك تصوير اورشليمي او اطار اورشليمي لا بد منه. المسيح صعد بمعنى انه اجلس بشريته عن يمين الآب اي جعل بشرية الانسان اذا تمسحنت وصارت مثل بشرية يسوع مقترنة بالله وحاصلة على كرامته ذاتها. هذا هو معنى انها باتت عن يمينه.

كل من حد الله بحيز او حده بصعود او بنزول انما لا يقدر ان يصل الى حقيقته او طبيعته وتاليا يبقى هزيلا. انت لا تدركه باي صورة. تشير اليه باللغة. المرقاة اليه ليس اياه. ليس لله بيت. هو يسكن عراءه وانت اليه فقط من عرائك.

وعندما ارتفع المخلص الى السماء – اذا شئت تعبيرا – ضم بشريته الممجدة الى مطلق الله. المسيح في بشريته في السماء بمعنى انه يسكن المطلق في لاهوته وناسوته معا. انا لا احب كثيرا لفظة مطلق لانها غير محررة من الاغريق. الكلمة الانجيلية هي الكمال. ما حصل في الصعود ان السيد اعلن قيام بشريته في الكمال. ذلك المساوي للكمال الالهي.

واما نحن فمدعوون الى ضم بشريتنا الى بشرية المسيح. لهذا دعانا الرسول الى فكر المسيح. وهذا الفكر يتخذ بشريتنا اتخاذا وتاليا يشفيها فتصبح على صورة بشريته اي سالكة على طريق المجد. لذلك قال المسيح: «انا الطريق». فاذا احببته تكون عند بدء الطريق واذا ازداد حبك تمشي على الطريق على رجاء وصولك الى منتهاه.

وهذا هو كمالك ان تريد اكمال الدرب حتى لا يبقى لك درب تحيد به عما رسمه الرب لك من درب. وفي هذا قال الرسول: «فأما وقد قمتم مع المسيح، فاسعوا الى الامور التي في العلى حيث المسيح قد جلس عن يمين الله» (كولوسي 3: 1). القضية كلها اذًا ان فكروا كما يفكر المسيح وهكذا تكونون في العلى. اذ يوضح بولس بعد دعوته هذه ان «ارغبوا في الامور التي في العلى لا في الامور التي على الارض، لانكم قد متم وحياتكم محتجبة مع المسيح في الله. فاذا ظهر المسيح الذي هو حياتكم، تظهرون انتم ايضا عندئذ معه في المجد».

الكلمة الاخيرة ليست صعوده بل ظهوره ولا ينحصر ظهوره في ذاته لانكم بعدما امتم ما كان فيكم للبشرة واتحدتم بالمخلص الظافر وسرتم اليه وعلى طريقه لتكونوا منه تكون النتيجة ظهوره وظهوركم معا. ما كان الصعود الا استعدادا لظهور المسيح وكنيسته العروس والانسانية الممجدة فحيث كان وكنا فهناك العرش والبشرية التي تغني الجالس على العرش «نشيدا جديدا» وهؤلاء سيملكون الى الابد وسيقولون: «للجالس على العرش وللحمل التسبيح والاكرام والمجد والعزة الى ابد الدهور» (رؤيا 5: 13).

ذلك ان الصعود هو صعودنا في هذا السكر الصاحي الى البهاء الاخير.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

ارتفاع النفس إلى الله/ الأحد 28 أيار 2006 / العدد 22

لا ترتفع النفس من ذاتها إلى الله الا إذا سكنها الروح القدس. هو فيك يخاطب نفسه مع الآب والروح. الصلاة حركة نزول إلهي إليك ثم حركة صعود. هذا ما فعله الابن إذ نزل أولا ثم صعد.

الله ينزل إليك مباشرة بالروح الإلهي ولكنه نزل إلى البشرية جمعاء بالإنجيل. والإنجيل هو فكر المسيح ويحتوي على كل ما يمكنك ان تعرفه عن أسرار الله، تلك التي كشفها لنا. والإنجيل يصل إليك إذا قرأته ودرسته ومحّصته. والى استماعك إليه في الكنيسة يأتيك في الصلوات المختلفة والتراتيل لأنها تعبّر عن الإنجيل. أنت مع هذا الكتاب سواء أصليت مع الجماعة أو صليت وحدك لأنك إذا وقفت في بيتك أو في الشارع أو في السيارة فأنت تتلو بالدرجة الأولى صلوات من الكنيسة طُبعت في السواعي. وإذا صليت وحدك فأنت قائم روحيا مع الجماعة.

ولكن قد تقوم بدعاء بسيط وليس بصلاة كاملة. تقول مثلا: «يا رب ارحم» أو تقول: «يا رب، يا يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». حتى إذا تلوت أدعية قصيرة كهذه تبقى في الروح واقفا مع الجماعة.

ولكن المهم ان تكون واقفا في حضرة المسيح سواء أكنت تشارك في خدمة إلهية أم تصلي منفردا. أحيانا تكون مأخوذا بأداء الطقوس وهي عندنا أساسية. ولكن أحيانا يطغى النغم على الكلمات فلا تبقى الكلمات مفهومة. يحتاج المؤمن إلى انتباه كبير لكي يبقى مسمّرا على المعاني لأنها هي التي تجعلنا في حضرة المسيح. العبادات الطقسية قصد فيها ان تكون تجليات للسيد. حذار من ان تجعلها أنت حاجبة لحضرته.

التجميل المفرط للصوت والتسابق بين المرتلين يلهيان عن المسيح. ان كنا حقا نطلبه فهو يصل إلينا بصوت رخيم وصوت قبيح. ينبغي ان نستقل عن طغيان التعابير لنلازم الجوهر. ليس من لقاء في المعابد أو في الدعاء الفردي الا مع المسيح.

في الكنيسة أنت لا تحدق بالمؤمنين الذين هم أمامك والى جوانبك. كل منا متّصل بربه. اجل نحن مشتركون مع الإخوة بالصلاة الواحدة والقربانة الواحدة، ولكن هذا الاشتراك لا يعني اننا كتلة ذائب بعضها ببعض. أنت ملتصق بالسيد فقط وعنده تلقى الإخوة.

يجب ان تفهم ان الصلاة -جماعية كانت أو فردية- تتطلب مراسا كبيرا أي زمنا طويلا لتفهم كل احد ما فاتك في الآحاد السابقة. في كل ذبيحة أنت تكتشف المعلّم، ترى وجهه أبهى. تمر بك جمل كثيرة مرورا عابرا. ثم فجأة تتوهج هذه الجملة بعد ان كانت مطفأة. لذلك لا تستفيد كل الاستفادة ان لم تواظب. على هذا المنوال الصلاة الفردية. ان لم تواظب عليها كل يوم لا يمكن ان تتلوها بالدفء نفسه. لا يقوى الشوق إلى يسوع إذا انقطعت صلاتك. لا يمكن ان تجد المسيح ونظامك الإهمال.

وإذا أخطأت لا تترك صلاتك بسبب قرفك من نفسك. بالعكس ظرف الخطيئة هو ظرف الرجوع إليه. ولا رجوع إليه الا بمخاطبته بالكلمات التي تعرفها أو الكلمات التي تؤلفها. الصلاة معاشرة بين المؤمن وربه. هو يحبّك دائما ويودّ ان تخاطبه لأنك تستفيد أنت من هذه المخاطبة. الصلاة هي السبيل الوحيد حتى لا تنسى السيد.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

العداء للمسيح / السبت 27 أيار 2006

أصر اليهود على قتله ورضخت لهم روما. دائمًا هناك من يحلو له أن يقتل المسيح لأنه مقلق. في عصر «التنوير» الاوروبي كان المسعى الاخلال بالكنيسة بعد رفض الثوار للاكليروس. هذه هي القاعدة التاريخية انك اذا شتمت الكاهن تصبح عدوًا للمؤسسة الروحية التي هو خادمها. وبعد محاولتك هدم الكنيسة تجتاحك رغبة في قتل المسيح. ووراء ذلك قتل أبيه. فالاسهل عليك قتل الله بعد قتل ابنه لأن ابنه من لحم ودم ولك ان تقول للقارىء أو المشاهد ان يسوع الناصري «عمل» شيئًا بجسده اذ كان له جسد. عند ذاك تصل الى الشك في عفته وتصل تاليا الى الشك في الروايات التي كتبها اتباعه الاوائل أو اتباعهم والتي سموها الانجيل. واذ كانت هذه هي المرجع تنهار الكنيسة كلها.

عندما نرى ان قناة National geographic تذيع البرنامج التلفزيوني المسمى «انجيل يهوذا» في الفترة القصيرة التي تهيىء للفصح أي في الوقت الذي يكون فيه المسيحيون مشدودين الى رئيس ايمانهم لتطعن بصحة الانجيل وصدقه لا يسعني ان اعتقد ان اختيار هذه الفترة كان من قبيل الصدفة. ثم لا اقدر أن اتصور – لكثرة النشرات – المشكلة الا انها موجهة لزعزعة الايمان. لم أسمع مرة بحديث علمي يلقى غير مرة على الشاشة. هذا البرنامج وظاهره علمي لم يك علميا. فيه الكثير من الاستيهام. وليس من باب الصدفة ان هذا البرنامج بالذات يسبق فيلم «شيفرة دافنتشي» الذي يتناول سيرة المسيح من جانب آخر ولكن ذمًا وتشويها».

كل هذا قريب من المسرحية الغنائية Jesus Christ Superstar التي تعظم أيضًا يهوذا الذي يظهر على انه لم يشأ تسليم المسيح. وضع غير كتاب عن الرسول الخائن. الغاية الواضحة فيها تبريره أو الصفح عنه وهذه هي الطبقة الظاهرة من هذه الادبيات. الغاية واضحة وهي النيل من المسيح. الاثر الأدبي الذي صدر في السنة الـ1951 هو «تجربة المسيح الاخيرة» لنيكوس كازانتزاكي – واحدث الكتاب ضجة أو رجة عندما أخرجه في أميركا سكورتشيزه – حيث يتخيل يسوع على الصليب ان الافضل له كان ان يتزوج بمريم المجدلية وان ينجب. «شيفرة دافنتشي» الذي نقل الى السينما وعرض منذ ايام في مهرجان كان، يكرر تخيّلات كازانتزاكي. أجل قدمه مؤلفه دان براون على انه قصة ولكن القارىء العادي لن يلغي من دماغه عندما يرى الفيلم ان الناصري تعاطى الجنس وهذا ظهر منذ سنوات في فيلم دانماركي قرأت عنه في الصحف الاوروبية يؤكد هذا بصورة قبيحة جدا. وهذا كله ان دل على شيء فانما يدل على شيئين: طغيان الجنس على عقول بعض المؤلفين وعلى ان المسيح لا يخرج عن كونه انسانًا يشتهي الجسد ويستمتع به.

#   #

#

لقد نشرت «النهار» السبت الماضي دراسة قيمة عن «شيفرة دافنتشي» للأخت باسمة الخوري تلخص فيها الكتاب وتكشف اخطاءه التاريخية واللاهوتية. تلفت هذه الدراسة الى ان قصة براون اعتمدت انجيل فيليبس وانجيل مريم المنحولين أي من تلك الكتب التي سماها اصحابها أناجيل ولم تعترف بها الكنيسة. وهذا الرجوع الاعتباطي الى الاناجيل المنحولة يذكر بانجيل يهوذا المنحول أيضا وهي كلها من الكتب الغنوصية التي كانت تحتقر الجسد وتعتبره صنع اله الشر ووجدت كلها في نجع حمادي في مصر.

يذكر براون مؤلف «شيفرة دافنتشي» استنادًا الى انجيل فيليبس المنحول زواج يسوع من مريم المجدلية وهذا الانجيل يعود الى القرن الثالث الميلادي أي يبعد ما لا يقل عن مئتي سنة عن واقع سيرة المسيح. وتؤكد الاخت باسمة الخوري ان ليس في انجيل فيليبس هذا الزائف ما يشير الى اقتران يسوع بمريم المجدلية.

لا أستطيع أن أفهم اصرار هؤلاء الكتاب على القول بعلاقة ما ليسوع – زوجية أو غير زوجية – الا ارادة لهم لتدمير المصادر المسيحية أعني الاناجيل. الجنس كان سيئًا وكان شرًا في الاناجيل المنحولة التي استند اليها كازانتزاكي وبراون وسواهما. اذا كان الامر كذلك لماذا الالحاح على ادخال يسوع الناصري في نطاق الحياة الجنسية؟

لا داعي عند المسيحيين في جدالهم هذه التيارات المحقرة ليسوع ان يقولوا ان زواجه كان ممكنًا. أولا لان الباحثين لا يبحثون في الممكن ولكن في الواقع. ولو كان هذا الزواج قد حصل لتكلمت عنه الأناجيل ولا سيما انها تحدثت عن بضع نساء كن يحسن اليه والى تلاميذه. ولم يكن المعلم تاليًا معتزلاً جنس النساء.

غير ان ما يدعونا من حيث العقيدة الى ان نقول انه لم يتزوج هو ايماننا بأنه ابن الله الحي الذي تمت بتجسده الوحدة بين الوهته وبشريته وانغلقت هذه الوحدة في اقنومه فيقوم بجسده من موت ويمجد جسده هو ولا ينتشر جسده في أولاد له.

#  #

#

لا يهمني أن اتقصى واقع تأثر هؤلاء الكتاب باليهود المعاصرين الذين ظهرت كراهيتهم للمسيح في برنامج «جسد المسيح» (Corpus Christi) الذي شاهدته في قناة Arte ودعي الى الكلام فيه – لادعاء الموضوعية – علماء يهود أو ربانيون.

ولكن بصرف النظر عن التسرب اليهودي – وعلى افتراض انه لم يكن – في كل الكتب التي أشرنا اليها ردي البسيط على كل الذين ادعوا ان السيد كان له علاقة ذات طبيعة جنسية بمريم المجدلية ان هذا القول مجرد ادعاء غير مستند الى مراجع. اذا أردت ان تتصور ذلك استبقيك في صفوف المتخيلين. ولكن عندما تكتب عن شخص تاريخي توحي انك انتقلت من اسلوب القصة الى منهج التاريخ. براون أراد أن يقول إن يسوع، في الحقيقة، اتصل بمريم المجدلية وهذا تجاوز لقراءة التاريخ ويحق لي، اذ ذاك، ان أحس أن براون يتسلّى أو يمزح أو أن له عداء للناصري وليس لأي عداء تبرير.

بلا أساس تاريخي لا يحق لك ان تقرأ شخصية تاريخية. ان في هذا لتضليلاً. والحديث في الجنس له دائمًا رواج في هذه البشرية المتفلتة.

الى هذا أقول ان يسوع حي وانه غلب العالم وان مملكته باقية الى الأبد فالعداء رخيص ويزول عند كل فجر للحقيقة والمحبة. لقد حان وقت الجدية لمقاطعة المؤمنين مسلمين كانوا أم مسيحيين الفيلم لانك اذا قدست المسيح بنا ء على الكتاب الذي تؤمن به لا تستطيع ان تتسلّى أو ان تتفرج على عمل سينمائي يجرح شعورك الديني ولا تقدر على ان تتحمل مشهدا يدنس فيه شخص السيد فيما لو نزل هذا الفيلم الى الأسواق.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

المرأة السامرية/ الأحد 21 أيار 2006 / العدد 21

يسوع في طريقه من اليهودية الى الجليل كان لا بد له ان يجتاز منطقة السامريين الذين كان اليهود يكفّرونهم لأن دماءهم اختلطت بالدم الأجنبي ولم يعترفوا بكتب الأنبياء معترفين فقط بأسفار موسى الخمسة وما كانوا يعتبرون أورشليم مركزا للعبادة.

وصل السيد الى بئر يعقوب القائمة حتى اليوم في حمى كنيسة أرثوذكسية قرب نابلس الحالية، وهي مدينة لا تزال هذه الطائفة فيها وهي لا تعد أكثر من ثلاثمئة شخص في فلسطين والمهاجر.

تعب يسوع من السير فجلس عند هذه البئر عند الظهر. فجاءت امرأة سامرية لتستقي ماء فقال لها الرب:”أعطيني لأشرب” اي من دلوك. فاستغربت ان يكلّمها وليس بين اهل الطائفتين كلام، وذكّرت المرأة يسوع بهذا. حدّثها عند ذاك عن ماء حي غير ماء البئر ويريد به ماء الحياة الجديدة بالايمان به. فلم تفهم فأصر بقوله:”من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه فلن يعطش الى الأبد”(في موضع آخر سيقول الخبز السماوي). هذه كلّها صور يدل بها على نفسه وعطائه.

لما طلبت منه أن يعطيها هذا الماء قال لها: “اذهبي وادعي رَجُلك” (لم يقل زوجك لأنها عاشت مع خمسة رجال وتعيش الآن مع رجل). لم يرد إكمال حديث ديني عالي المستوى قبل أن تتوب. اعترفت، اذ ذاك، على أنه نبي. بادرت بمناقشة لاهوتية عن مكان السجود:”آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن المكان الذي ينبغي أن يُسجد فيه هو في أورشليم”. تجاوز السيد تقاليد اليهود وتقاليد السامريين بآن وقال: “تأتي ساعة وهي الآن حاضرة اذ الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق”. وأكد هذا مرّة ثانية. وكأنه قصد ان هذه الطقوس القديمة التي لليهود وطقوسكم انتم السامريين وتمركز كل فريق في مكان سوف تزول لأنها ظل للنور الآتي. واذا وضح النهار (بمجيئي، بموتي وقيامتي) فتزول العبادات القائمة على رموز، ويعبد المؤمنون بي الله بالروح، بروحهم المتجددة بالنعمة، فإن نعمة الروح القدس ستجمعكم ولا تبقى كل طائفة منكم تجمعا اجتماعيا او أمّة لأن الامم كلّها ستفنى في الأمة المقدسة التي أنشئها أنا بدمي وقيامتي وإرسال روحي.

بعد هذا قالت المرأة أن المسيح سيأتي ويخبرنا بكل شيء. عندئذ، أعلن يسوع عن نفسه أنه هو المسيح.

بعد أن آمنت المرأة أن هذا الرجل هو المسيح تركت جرّتها وقالت هذا للناس. تركت جرتها، تعني أنها تركت كل ما هو لهذا الجسد، للعالم وذهبت وبشّرت وصارت خليقة جديدة. صارت طبيعتها من طبيعة النور.

أضاءت منطقتها بضياء المسيح الذي صارت هي منه. غيّر يسوع برنامج مسيرته. مكث عندهم يومين. بشر هناك بالانجيل اذ يقول الكتاب أن الكثيرين منهم آمنوا به وآمنوا أنه بالحقيقة مخلص العالم. وكان هذا تمهيدا لمجيء الرسل الى السامرة بعد ان قام من بين الأموات.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

وجه الله / السبت 20 أيار 2006

آخذ الصلاة هنا حسب المصطلح المسيحي أعني ارتفاع النفس الى الله أكانت صلاة في الجماعة المقامة في أوقاتها أم الدعاء الفردي المؤدى ظاهرًا خارج الجماعة ولكنه مقرون بها لكون قلوبنا متناغمة متلاقية اذ الانسان المنتصب في حضرة الله واقف دائمًا مع الإخوة.

فمما أمره الرسل أن تلقى أخاك في الايمان في مكان واحد، أن تنتظم معه بقول وحركة في عمارة ولحن وكلمات تخرج من القلب والعقل في فصاحة التجويد والانشاد طلبًا لجدية الجمال. فأنت تقوى بأخيك اذا التمستما الحقيقة معا وأن انشأتكما الكلمة لتصير معه ومع الآخرين الأمة المقدسة. والذين يتركون عباداتهم انما يحيدون الى اعتزال الحب المصلي ولو لم أنكر على واحد منهم قدرتهم على الامتلاء من الله في عزلتهم.

طالما استعمل بعض كلمة «طقوس» بمعنى انخفاضي يصل أحيانًا الى حد الاستعلاء على المصلّين في بساطة نجواهم وكأنهم يتهمونهم بالسطحية أو الشكلية أو اللافهم وقد غاب عن ذهن هؤلاء ان العابد الصادق انما تدفعه طاعته لله ورغبته في ان يكون مع أحبته والاستمتاع بالكلمات التي صاغها القديسون وتروض بها الناس جيلاً بعد جيل.

ان التقوى مراس أو فيها مراس. ان تكون محصنًا بصلاتك صباح مساء وظهرًا وعند المغيب يحيطك بأسوار قد تمنع عنك غزو الخطيئة وتقيمك في حالة التلقي الحاضن لكلمات الرب. قصتك معه أو بعض من القصة ألفة كلامه. ومعناها العميق ليس فقط أن تتقبل الكلمة تضاف الى كلماتك ولكنها تلغي الكلمات الناهدة اليك من شهوتك فان كلمة الرب اذا غذتك تطهرك من إثم كلام لك خداع.

مصليًا في الجماعة وفي انفرادك انت واقف أمامه، لا ترى سواه فاعلًا. مع ذلك قد يحيد بك جمال الطقوس عن مضمونها وروحيتها. وهذا، بخاصة، في الكنائس الجميلة عباداتها، الغني تنظيمها، المكثفة والمتنوعة نصوصها. دائما أزعجني قول بعضهم: «كان القداس جميلا» اذ عند تحليل هذه العبارة تجد ان الناس استساغوا اتقان الترتيل والناحية الفنية بعامة. فاذا تفحصنا نوعية اقبالنا على العبادات ولا سيما اذا كنا غائبين عن المعاني نرى أنفسنا أمام هذه الكارثة أن المسيح دفين الطقوس. ولكن هذا لا يستتبع انه عليك ان تلغيها لتجعل لنفسك صلوات جماعية هزيلة الشكل والاداء. ليس من معنى لا صورة له، لا يتسربل كلمات مجودة اللفظ. وفي المسيحية التراثية يجمل المعنى بالايقونة والترتيل وفق التراث ولو قبلنا تجديدًا معقولا».

#  #

#

والفهم يتطلب ترويضًا على المعاني والرموز خارج المعبد وعلى معرفة الكتاب المقدس الذي هو نفحة العبادات وأصل تركيبها وتعابيرها. هناك شبكة مفاهيمية وتراث ينقل الكلمة الالهية. هناك أجيال صلّت قبلنا ودفعها الى صلاتها الروح الالهي وتركت لنا كنوزًا من المعاني لا تفنى. وانت تبدأ مما ورثته عن الابرار ولا «يوضع أساس غير الذي وضع».

وتدخل أنت على الميراث اذا شئت ان تصلي أو تدعو ولا تؤلف اذا دعوت على انفراد ما ليس متصلاً بمفردات الخلاص الذي نزل عليك وأنشأك ورباك وأصلحك. واذا دخلت صلاة الجماعة فأنت وحدك ماثل في حضرة الله أي أنك انت تصلي ولا أحد يقوم مقامك. الاصفياء من الاخوة يقيتون روحك اذا هي ارتفعت وانت تقيتهم ولكنك واقف في ما عندك من ضعف وقوة، في ما تستغفر انت وتتوب ولا ينوب عنك أحد بالتوبة ولو قوى صلاتك بما تراه عليه من حرارة. انت لا تذوب في الجماعة واذا وقفت فيها لن تقف حارًا ما لم تكن عظيم الانتباه على صلاتك الفردية.

في الكنيسة أو في بيتك مبتغاك ان تجيء من الله لعلمك بأنك لست على شيء. كثيرًا ما سمعت في أوساط الكسالى: هذا مرتكب ومع ذلك يذهب الى الكنيسة في الآحاد وكأن هؤلاء المتباعدين عن الصلاة غير مرتكبين. الخاطىء الذي يرتاد الكنيسة انما يقر ضمنًا انه انسان خاطىء. وانه جاء ليستغفر ويطلب من هذه الجماعة حبها له اذ يقر بأنها أخوية قلبه. يعرف نفسه مكسورًا، مريضًا، وجاء ليستشفي. دائمًا في المصلي اعتراف بالخطأ ضمنيًا كان أو صريحًا. من صلى مع الجماعة أو في بيته كان على شيء من التواضع، من الامحاء أمام الوجه الالهي الذي يطل عليه.

عمق الصلاة أن يحس المؤمن انه فقير الى الله، انه يتكون برضائه وانه دون ديمومة ذلك ليس بشيء. بدء الصلاة في هذا الاعتراف. وهذا يتضمن الاقرار انك لن تصير شيئًا الا بالتفاتات الرب اليك. واذا تكونت سنين طولى بهذه الالتفاتات لا يبقى فيك شيء منك ولا هذا الغرور الذي يدفع الأكثرين الى ان يحسبوا ان ما لديهم انما هو ثمرة جهدهم وقد علّمنا آباؤنا الكبار اننا ندخل الملكوت برحمة الله. المصلي الدائم هو ذاك المسترحم الدائم الذي يريد أن يمشي على دروب الرب ليبقى له من الرب نصيب.

#  #

#

من صلى وفق قلب الله أي التماسًا للملكوت لا طلبًا لهذه الدنيا انما تكيف النعمة قلبه وتزيده احساسًا بمقاصد الله فيصبح بصلاته الموصولة لله مجانسًا أي يقتني ما يسميه بولس «فكر المسيح». فاذا اكتسبه يصلي حسب عقل المسيح أي ينسج كل صلواته وفق «الصلاة الربية» ويطلب مشيئة الله فقط. فاذا نظر الله اليه بعد طول مراس يراه لنفسه مرآة. طريق هذا الانسان تصبح طريق الرب. بهذا المعنى قال الكتاب اننا ذرية الله اذ بسبب هذا التكوين الداخلي لنا نصير أبناء الله.

بعد هذا تدعو بكلمات أو بصمت عن كلمات العقل. يدخل قلبك في النجوى. أجل. لكونك أخًا للمؤمنين ولكون كلمات الكنيسة هي اياها كلمات الرب وسهرًا على تواضعك تمارس الخدمة الالهية التي تؤدّى في البيعة. هذه ضمان لتصلي بروح الله وهذا يقين انك تخلص مع الآخرين وبالآخرين. وهذا ما يؤهلك – اذا كنت خارج المعبد – ان تعبد الله بروحك أي بلا كلمات. فالكلمة الوحيد للآب يسكن فيك بالروح فإن «المولود من الروح هو روح». حياتك كلها تصير نطق الروح فيك.

هذا كلّه يسيل فيك دموع التوبة الدائمة حتى لا ترى وجها غير وجه الله وتصير انت بدورك كلمة فمن رآك يحس انه يرى المسيح.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

المسيحي الملتزم/ الأحد 14 أيار 2006/ العدد 20

من قبل ستين أو سبعين سنة من اليوم كان بعض الأرثوذكسين في مجالسهم ينتقدون الإكليروس انتقادا مرا وما كنت اسمع أحدا يلوم نفسه. هذه الظاهرة، ولو خفت صوتها، الا انها لا تزال قائمة لأن الإنسان يميل إلى الاعتقاد أن التقصير في حياتنا الكنسية يقع فقط على الآخرين، وأن تحسُّن الوضع الكنسي يأتي من إصلاح الآخرين لأنفسهم، حتى قامت شبيبة تقول أنا سأسعى أن أصلح نفسي وان أفهم أكثر مما كنت افهم، وان أدرس العقيدة الأرثوذكسية وأعلّمها الآخرين، وإذا تحسن الناس من اجل المسيح سينقلون حماستهم إلى الآخرين. قالت هذه الشبيبة: «أنا أطالب نفسي، والبهاء الروحي الذي ينزل عليّ سوف ينتقل بالقدوة». وإذا أحس بعض أحساسا كبيرا بالمسيح سيصير منهم كهنة ومطارنة ورهبان.

هكذا تبدأ كل نهضة صحيحة. غير أن الذين أنهضتَهم أنت قد يسقطون أو يفترون أو تنطفئ حماستهم بهموم الحياة فلا يبقون تلاميذ نشيطين للمسيح يسوع. وعليك إذًا أن تكمل الطريق وأن تعطي مَن فتر حماسة فقدها وأن تبثّ في مَن تكاسل حيويّة جديدة.

التجديد في الكنيسة أو الإحياء عملية دائمة، وأنت لا تطمئن إلى ان من دعوتَهم بلهفة وحرارة سيظلّون على اللّهفة والحرارة. وقد يصير احدهم كاهنا أو في مرتبة أعلى فيقع في الفتور أو الإهمال ولا يصبر على الجهاد أو يتدنس بإغراء المال أو غير المال. ليس أحد منا مضمونا حتى نهاية عمره. ولا تبقى كتلة بشريّة متماسكة إلى الأبد بما تجلّى لها من جمالات. فيترك هذا ويبقى ذاك وينفرط العقد. لذلك قال صاحب المزامير: «لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم خلاص».

أنت تكون قد وضعت في رفيق لك أملا. ثم تلحظ انه تراجع أو سقط فلا تبقى فيه الشعلة الأولى. أنت لا تستطيع ان تضع رجاءك كاملا في أي إنسان. لك ان تستعد للسقوط الذي يقع فيه مَن ناضل معك في الكنيسة وكان عظيم العطاء. لك أن تبكي وتتحسّر، ولكن ليس لك أن تيأس لأن نجاح الإنجيل ليس متوقّفا على واحد في هذا العالم وليس مرتبطا بكتلة أصحاب تجنّدوا معا ثم ابتعد هذا أو ذاك.

أنت ولاؤك للمسيح ولأيّ شخص غير مرتكز على تجمّع أشخاص. لذلك عليك أن تعتبر أن الكنيسة قائمة عليك وحدك وأن يسوع يضع هو أمله فيك وإن تبدّد الجميع.

«على هذه الصخرة سأبني كنيستي». هذا كلام موجّه إليك. أنت المؤمن بيسوع إيمانا كليّا والخاضع لكلمته صرت صخرة الكنيسة كلّها. ولكنك لن تبقى صخرة الا إذا درست الإنجيل درسا وافيا وقرأت الكثير عن المسيحيّة وقمت بالعبادات في الكنائس وأحببت وتطهّرت وغفرت ونشرت الرسالة كل يوم حولك.

عندئذ يغلي الفاترون وينهض الساقطون وتتجمّعون من جديد على حب يسوع وتتكتّل هممكم بعد ان استرخت. النهضة مشروع دائم. متصدع من وقت إلى آخر. أنت الذي لم تنقطع عنك كلمة الله عليك بتجديد البناء.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الصدق / السبت 13 أيار 2006

في لسان العرب الصدق نقيض الكذب. ويبدي هذا التعريف القاموسي ان الكذب أكثر شيوعا لأن الكذب سببه الخوف، ومنه خوف العقاب عند التلميذ أو الموظف أو اي خائن لأية أمانة أو المرتكب لأية معصية أو الواقع في أي مأزق. هؤلاء كلهم مركزون على الأنا التي تبغي إنقاذ نفسها أي الاستفادة من هذه الدنيا. وفي هذا قال الأعشى: «فصدقتها وكذبتها/ والمرء ينفعه كذابه». وهل الخطيئة، كل خطيئة، غير الاستمرار في ما نحسبه الوجود، هذا الذي يظهر ويجعلك قائما في أعين الناس الذين هم من الدنيا وقد ارتضوها مسكنًا لهم أو مسكنًا فيهم.

أما الصادق فهو الذي انتصر على الخوف لأنه يحيا بالحق ويقوله. هو الذي يقابلك ويعايشك برؤيته أو بهذا الإله الذي يحييه. هو قائم في اليقين ويؤمن ان عليه ان ينقله الى الآخر ليحيا هذا به بدوره اذ الحقيقة مشتركة ولو اكتشفها واحد. الأنا عند هذا الانسان ليست منغلقة وتنوجد من انفتاحها على الأنا الأخرى، الصادق يدرك انه يتكون ليس فقط بمعرفة الحق ولكن بانتشار الحق. فاذا أتيت من الحق الذي تعرفه تشتهي ان يأتي منه الآخر. في النهاية الانسان الصادق رسالي، مسكوب ويعرف أن الله نصيبه اذ قد يأتيه الضر من اشاعته للحق ولكنه يعرف انه لا يثبت الا في النور ولا يهمه الا ان ينزل عليه البر من الضياء العلوي.

واذا نحدرنا من الرؤية الى الأرض يمكن تصور سوسيولوجية الكذب. لماذا يقول المتنبي: «لا تشتر العبد الا والعصا معه»؟ لا شك في ان الوضع الاقتصادي يلقي ضوءا على الطبائع. ما من شك في ان مجتمعًا ينتج عبيدًا بظلمه أو اشباه عبيد يدفعهم الى التملق والاختباء واخفاء بعض تصرف ما من شك أيضًا في عالم اليوم في ان المجتمعات التي تعيش على شيء من الرخاء أقرب الى الصدق في مجال التعاطي العام ويبقى اخفاء الخيانات في الحياة الخاصة. يبقى وضع التقرب من اكابر القوم للحصول على منافع أو للتسابق في المرافق السياسية في الحزب الواحد. ويبقى في المجتمعات الكنسية وهي قائمة على الهرمية ان يتقرب الادنى الى الأعلى بالكلام المنمّق او المديح. الترقية في تجمعات كهذه ليست مبنية فقط على الفضيلة ولكن على بعض من تحزّب وتكتّل لا علاقة له بالله.

#  #

#

عظيمة هي تعزية من يرجو قولاً صادقًا من صاحب مقام واستمرار الصدق عنده. انت تتقوّى دائمًا بانسان ركن أو ببعض من أركان لتخرج من ضعف أو حيرة وليزداد صدقك.

واذا عثرت على صدق في بيئة ملوّثة بالكذب تتشجع كثيرًا ويقوى رجاؤك. يبدو ان الكثيرين لا يحلمون ان يختار الصادق له مقامًا في الوسط السياسي. أنا لست مختلطًا بهذا الوسط ولا أميل بطبعي الى أن أدين أحدًا ولكن في متابعتي صحيفة أو صحيفتين والإعلام المرئي كل يوم، يتبين لي أن هذا أو ذاك من أهل السياسة ينقض نفسه في فترة وجيزة جدًا لم تتغيّر فيها الأحوال السياسية ليتخذ موقفًا معاكسًا بالكليّة في يوم آخر.

أفهم أن يتوب ناشط سياسي، أن يتراجع عن مواقف سابقة بصراحة كاملة ولكن المواطن يحتاج الى أن يسمع لماذا يخطئ هذا السياسي وبماذا يخطئ نفسه في مواقف له سابقة، ذلك إن تسبب بأذى للأمة كلّها ولا يكفي أن يقول: «عفا الله عما مضى». الله لا يعفو اذا استغفرته فقط. يعفو اذا فضحت سلوكك الماضي ببساطة وتواضع وفسّرت طريقك الجديد وأثبت صدقك. يجب أن تعرف الأمة كلّها سبب قناعاتك الجديدة.

السياسي لا يخرج اذا كذب عن القاعدة العامة. انه يكذب لأنه يخاف. ان يكذب النائب لإصراره على العودة الى المسؤولية الحاضرة يعني انه يخاف على أن يبذل نشاطًا خارج النيابة يكفيه وسائل العيش. ان يتملّق الأعلين من القوم بغية الوصول الى مقام أعلى يعني أنه يسعى الى منافعه الخاصة. لما قال يسوع الناصري: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا» أرسى قاعدة تقيّد الجميع بالصدق في كل ظرف وفي كل زمان. وغاية القول ان تريد النعم اذا قلت نعم وان تريد اللا اذا قلت لا.

#   #

#

سياسة أيضا هي الحياة العادية عند أصاغر القوم وأكابرهم الذين يجب أن يتعايشوا بصدق حتى يطمئن أحدهم الى الآخر ويأمن مسيرته في الوجود. أنا عشت زمنًا قديمًا في لبنان حيث كنت تستدين مبلغًا كبيرًا بلا كتابة سند وكنت ترد المال في حينه. كان جو الصدق في ذلك الزمن مسيطرًا على المعاملات واذا أردت أن تدعم قولك كنت تقول: «فلان قال لي كذا وكذا». لم يكن هذا مستغربًا وما كان أحد يظن أنك انسان ساذج.

أنا لست أقول إن الصدق يفرض عليك التصريح بكل ما تعرفه. الصراحة فضيلة اذا وجب التصريح، والكتمان واجب في مقامات الكتمان. انت لا تخبر بأخبار الناس في ما يؤذيهم ولكنك تشهد حيث وجبت الشهادة على ما قاله بولس: «الايمان بالقلب يؤدي الى البر، والشهادة بالفم تؤدي الى الخلاص» (رومية 10: 10). لذلك أوجبت المسيحية الشهادة حتى الدم حتى لا تقوم هوّة بين القلب واللسان أي حتى لا تقع الشخصية في فصام. الموت، اذذاك، يصير فيك وفي الآخرين حياة.

واذا ساغ السكوت عن بعض من وقائع لأن السائل قد يكون فضوليًا بلا مسوغ فلا يحق لك ان تخفي الحقيقة الالهية اذا طلبت اليك لأن من واجبك أن تدعو اليها لكونها تخلص.

أجل في الكتابة أو القول لك احيانًا أن ترجئ قول الحق الى حين اذا كان الآخر لا يستطيع تحمّله. قد لا تصد الآخر صدًا كليًا ولكن لا تشوّه الواقع. قد تنتظر في تخطيط حكيم خلاص الآخر وقتًا مناسبًا لتنبيهه أو تنتظر وصوله الى نضج عاطفي أو ذهني لتقول له الحقيقة كاملة. هذا من باب رعايته وحبك له. أعرف ان الخيار بين المواجهة وإرجاء القول صعب جدًا… ولكن أذا كنت مليئا بالنعمة الالهية ومتروّضا على الشهادة يلهمك الله أن تؤدّيها في زمن مبارك.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العجائب/ الأحد 7 أيار 2006 / العدد 19

الأعجوبة الكبرى هي انتصار السيد على الموت. وكل شفاء، إنما هو نوع من تكرار الفصح لأن كل مرض طريق إلى الموت أو شيء من الموت. كل شفاء حضور ثانٍ للمسيح في جسد المريض. وقد لخّص يسوع رسالته هكذا: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين ولأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر».

مع كل هذا كان السيد يضع الأعجوبة في المرتبة الثانية بعد الكلمة الإلهية، هكذا لما أطلق التلاميذ إلى العالم قال لهم: «اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها». حتى قال: «هذه الآيات تتبع المؤمنين الذين إذا شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مرقس 16: 15-18).

شيئان متلازمان للشافي وللمشفي: الإيمان وعمل الشفاء. وهذا كثير في الإنجيل.

بعد القيامة أخذ الرسل يشفون، مثلا شفاء بطرس ويوحنا للأعرج (أعمال الرسل 3). نلاحظ في العهد الجديد امتدادا من عمل يسوع إلى الرسل. بعد عهدهم لاحظنا أن الكنيسة تسمّي بعض القديسين صانعي عجائب (نقولاوس، اسبيريدون مثلا). لا تقول كنيستنا أن كل قديس بعد موته صنع معجزات. الرب يخص البعض بهذه الموهبة. هذا يدل على اننا نقتبل فاعلية القيامة.

ثم في الكنيسة نفسها سر قائم من أجل الشفاء وهو سر مسحة المرضى. من المحزن ان أحدا لا يمارسه في الكرسي الأنطاكي (ربما لفقدانه الفعلي، رتبت الكنيسة أن يقام هذا السر لمنفعة الجميع يوم الأربعاء العظيم).

في فكر المسيح أن الشفاء علامة مجيء الملكوت. لذلك كان تعظيم الألم مسلكا غير مبني على شيء. عودا إلى الأعجوبة أو الشفاء من مرض عادي، نطلبهما خوفا من ان يتحكم بنا الخوف، وثانيا لأننا نؤتى في العافية علامة من الملكوت.

في معتقدنا الأرثوذكسي ان ما يسمى النواميس الطبيعية ظهر بعد الخطيئة. فإذا اخترق الله الناموس الطبيعي إنما يعيدك إلى الوضع السابق للخطيئة.

مهما يكن من أمر، الله حر ولم يقيّد نفسه بنواميس الطبيعة. يشفي الأعمى بطريقة لا يعرفها الطب. يدخل مباشرة مسيرة حياة المريض وينتشله من حزنه حنانا. الحنان هو ما دعا يسوع أن يخلّص المرضى.

لا نعرف لماذا هذا الشخص يشفي، وذلك لا يشفي. كاهن يتلو صلاة، وكاهن آخر يتلو الصلاة نفسها. واحد يقوم بدعاء الكاهن الأوّل ولا يقوم بدعاء الكاهن الآخر. يبقى ان واجب الكاهن ان يضع يده على رأس المريض.

غير ان الدعاء ليس محصورا بالكاهن. يمكن للملتزم الحياة الروحية إذا عاد مريضا أن يصلي معه أو أمامه أو ان يجتمع بعض الإخوة ليصلّوا.

تبقى تعزية المريض وإرشاده بكلمات يسوع وتهيئة المريض لاحتمال أوجاعه ولكن دائما بكلمات المخلّص وقراءة الإنجيل. هذا يجب ان نهتم له كثيرا لأن الإنسان المعافى بكلمة الرب قد يصير تقيا عظيما.

وعلى المصاب أن يقبل وضعه وان يسلّم أمره إلى الله الذي يعرف وحده ما ينفع الإنسان المصاب. في كل حال ينفعه دوام ادعيته وهي دائما للخير أكان الخير منظورا أم غير منظور.

اذكروا قول السيد: «كنتُ مريضًا فعدتموني». في جسد المريض الملقى على فراشه يسكن المسيح ونحن نوقظه ويتخذه المريض في وعيه إذا ذكرنا المسيح باسمه وقرأنا كلماته أو رتلنا أناشيد الظفر. المريض ينتظر قيامته.

Continue reading