Author

Aziz Matta

2006, جريدة النهار, مقالات

لقطات ورؤى / السبت 19 آب 2006

الإثنين الماضي عرّجت على كاهن عاليه في طريقي إلى بحمدون لأداء صلاة الغروب لعيد السيدة وعند دخولي دارة الكنيسة رأيت ابنة الكاهن برفقة طفلة محجّبة لا يزيد عمرها عن العاشرة. صافحت ابنة الكاهن ولما نظرت إلى الابنة الجنوبيّة وضعت يدي على صدري وفعلت هي كذلك. ولما خرجت من بيت الكاهن لأكمل طريقي إلى بحمدون رأيت كل طفلة من هاتين راكبة دراجة. فهمت توّا أن هاتين صورة عن شعبنا الواحد وأننا نمشي معًا على طرق الوجود وقد يكون لنا منعطفات فكرية مختلفة يمليها علينا بالضرورة التزام ديني. في اللحظة التي فيها اكتب يبدو سلوك كل منا مرتبطًا بقراءته لإسرائيل أي بمعرفة قراءتها لنا أو عدم هذه المعرفة. أنت مع الصد للعدوان أو لست مع الصدّ. أنت مع الصد بأيّة وسيلة لأن مبتغاه أن يلغيك وأنت مع المهادنة لاعتقادك انك إذا تهاونت مع إسرائيل يرتب لك السيد جورج بوش مكانة في الشرق الأوسط الجديد فتتوهّم إسرائيل إن تهاون لبنان إلى الأبد لأن بعضه تاجر مثلها أو متغربن مثلها وأنت في هذا أبله كليّا لأنك لا تشاء أن تفهم انك إلى الأبد غوي (اي من الأمم) في اللاهوت اليهودي الذي من أنصاره مَن يؤمن ومن أنصاره من لا يؤمن. وأنت أبله لأنك لا تعلم أن اللاهوت إذا سقط يصبح سياسة والسياسة تصبح حربا.

وأنت عندما تتكلّم جديّا عن نزع سلاح حزب الله يتعمّق غباؤك أولا لأن الدولة عاجزة عن تسلّمه أو عن استعماله وان الدولة كانت تعرف أنها لن تتصدّى يوما لانعدام الطيران عندها وللتفاوت الرهيب بين جيشها وجيش العدو ولمعرفتها بأن العديدين يرضون بدولة غير محصّنة ويتشرّفون لفظيّا بالاستقلال والسيادة لعلمهم بعجزنا. أنت إما تبتغي دولة انت قادر على حمايتها واذا كنت عاجزا عن ذلك فتتوقّع أن تندرج بمشروع الشرق الأوسط الجديد يصير فيه بلدك منتجعًا للعرب ومعهم أصدقاء وصديقات من يهود وفلسطينيين. وهذا شرق أوسط جديد تبشّر به المسيحية المتصهينة التي يدين بها الفريق الذي حوّل جورج بوش وهي معتقد يعني حقيقة الامبريالية الأميركية القديمة الجديدة التي أداتها إسرائيل، وهذه صيغة تعني عيش كيانات متلاقية بالتجارة الدولية وطرق مواصلات ومعلوماتية متطوّرة في إطار العولمة التي وان بيّنت دراسات غسان سلامة على أنها مشروع أميركي تكون مقاولته في هذه المنطقة إسرائيل. الخيار هو ليس بين حزب الله واختفاء قوته القتالية. القضيّة في الأخير هي كيف تفهم نشيد مريم من إنجيل لوقا “حط (أي الله) المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين”. هل أنت نصير الأقوياء أو نصير المستضعفين.

***

مشكلتنا ليست كما طرحها بعض في حرب 1975 أي لبنان نريد. نريد وطنًا نهائيًا موحدًا لا وصي عليه – وحجتي على بعض أنهم لم يقولوها- ولو ارتبط بدول كثيرة بلا إتباع ولا تذييل. كيف يعاش هذا، ما ترجمته العسكرية؟ لا نستطيع أن نتكل كليا على الأمم المتحدة التي يزيد ضعفها وتقل فاعليتها ولا يؤمن المفكرون السياسيّون الأميركيون بفائدتها إذ يؤمنون بأن العالم إمبراطوريتهم ولا حاجة إلى إمبراطورية جديدة هي للدول مجتمعة ومتآزرة. ثقوا بأني لا أكره أميركا ولكني أؤمن بالتواضع في السياسة نفسها وأؤمن بقوة الفقراء على تجاوز عقدهم وخوفهم ليصبحوا أعزة في الأرض.

بكلام أبسط، أوجدوا لنا صيغة للبنان قوي أو ضعيف يصونه الغير أي يحبه الغير فأفهم أن تجرّدوا البلد من كل سلاح شرعيًا كان أو غير شرعي إذ أقرأ دائمًا أن الجيش اللبناني هو للاستعمال الداخلي وقد سمعنا من أعلى مقام في الدولة انه لا يصح تموضعه على الحدود لئلا يحمي العدو. أنا لست خبيرًا عسكريًا لأناقش هذا الموقف ولكنه اعتراف واضح بأننا لا نقدر أن نقف عند الحروب وأننا قوة لنحمي الأمن الداخلي. ولكن القول أن جيشنا لا ينفع على الحدود يعني أن إسرائيل تنفع على الحدود أي أننا ارض مستباحة من منطلق البحث في الجيوش وان لنا ثقة بإسرائيل مغرومة بنا حتى لا تشتهي مهاجمتنا.

ودليل غرامها بنا انها دمرت 15000 منزلا وقتلت ألف إنسان ثلثهم أطفال وان حربها غايتها ما صرح به رئيس حكومتها أولمرت انها تريد إرجاعنا عشرين سنة إلى الوراء. هدفه في إرجاعنا إلى الوراء إذا كان يريد التطبيع والتعاون. هذا لا استطيع فهمه إلا أن الغاية منه سوى الحقد الواضح انه يريد إخضاعنا لبلده واستدراجنا إلى مشروع للشرق الأوسط الجديد نكون فيه غير فاعلين.

يتحدثون عن انقسام في لبنان بعد هذه الحرب. هذا قائم اليوم ليس بين طائفة وطائفة ولكنه بين أهل الإذعان وأهل الرفض. أهل الرفض لا يدّعون أنهم منقذو لبنان ولكنهم يساهمون في ذلك بصورة فعالة. أهل الإذعان يذهبون إلى أن الحل هو في يد الدولة وأنا قرأت هذا في كتب الحقوق لما كنت أتعاطاها. السؤال الحقيقي هو هل في يد دولتنا قدرة أو وسائل أو هل تقبل منها الولايات المتحدة لجم إسرائيل وكل الأدلة التي بين أيدينا تدل على أن هذه الحرب لم تقررها إسرائيل بلا بركة أميركا لحسابات لها خاصة قد تتجاوز بلدنا حتى تحقق مشاريع الشرق الأوسط يطيع الناس جميعا الامبريالية المتجددة.

***

أما بعد فتحرك قلبي صباح الثلاثاء لما رأيت صورة أرتال السيارات تعود. يريدون جنوبهم بانتظار إعادة تعميره. ندائي اليوم إلى شباب لبنان إذا شرع أهلنا بالبناء أن ينزلوا إليهم ويقوموا معهم بالعونة التي كنا نمارسها في الجبل فينظمون مخيمات عمل وينقلون الحجارة أو مواد البناء ويعمل كل منهم حسب طاقاته ولا نبقى هكذا قابعين في موضوع السلاح. إذا لطف أهل الجنوب وقبلونا بحب نسكن الخيام ونعمل بأيدينا فيحس أهلنا هناك وفي الضاحية أننا واحد معهم واحد وان هذا البلد اخذ يكتشف انه واحد في الحب فيسير من الحب إلى القدرة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (1كورنثوس 3: 9-17)/ الأحد 13 آب 2006/ العدد 33

عقيدة الخلاص في كنيستنا إننا، حسبما قال بولس في هذه الرسالة، إننا عاملون مع الله أي أن الخلاص هو تلاقي قوة الله وقوة الإنسان الذي يطيع الله “لأنكم بدوني (أي بدون المسيح) لا تستطيعون أن تعملوا شيئا”.

ثم استعمل بولس صورتين عن عمل الله: الأولى أنكم حرث الله أي انه هو الزارع النعمة فيكم، والثاني أنكم بناء الله. وهذا ما قاله بولس في موضع آخر: أنتم هيكل الله، ولكنه قال ايضا في هذا السياق “المسيح نفسه حجر الزاوية”، والصورة تعني، حسب فن العمارة في بلادنا، انه حجر الفلق بحيث يقام اولا في بناء العقد قفص خشب يوضع في رأسه حجر ترصف من حواليه كل حجارة البناء بلا اسمنت وتتساند الحجارة فيما بينها لأن حجر الزاوية او الفلق هو ساندها.

ولا يقع حجر واحد بسبب التماسك فيما بينها الذي تستمده من الحجر الفوقي.

هكـذا نحـن المؤمنين متماســكـون بالمحبـة ولكن بقوة هذا الذي أحبنا وجمعنا بعضنا الى بعض. ثم يؤكد بولس ايضاحا ان احدا لا يستطيع ان يضع اساسا غير الموضوع وهو يسوع المسيح. وهذا يعني طاعة لإنجيله.

واخيرا يقول الرسول ان احدا يبني اما ذهبا او فضة الى آخر قوله. ولكن قيمة هذا الذي بنيناه سيظهره الله في اليوم الأخير” لأنه يعلن بالنار” والنار هي النار الممحِصة للمعادن. وهذا يفهمه من تعاطى الصياغة اذ يضع الصائغ قطعة تحتوي معادن كثيرة وفي النار تفرز المعادن ويصير الذهب وحده سبيكة فينفصل المعدن الثمين عن المعادن الأخرى.

“ومن احترق عمله فسيخسر وسيخلص هو كمن يمر في النار” اي يخلص بصعوبة. سيخلص بسبب من رحمة الله ولا يخلص احد الا بها.

ويبقى بولس على صورة البناء التي استعارها ليتكلم عنا ليقول:” اما تعلمون انكم هيكل الله وان روح الله ساكن فيكم”. والمعنى ان الروح القدس هو الذي يجعلكم هيكل الله وهي الكنيسة المتكونة دائما بالروح القدس.

وأخيرا يقول: “من يفسد هيكل الله يفسده الله لأن هيكل الله مقدس وهو أنتم”.

هنا يستعمل بولس صورة الهيكل ليقول شيئين: كل منكم هو هيكل الله وهذا تفسدونه بالخطيئة. وكل خطيئة من اي نوع كانت تشوّه الانسان وتلطخه ولايستطيع ان يعود هيكلا لله الا بالتوبة التي تحرره من شهواته كلها ليستعيد الجمال الأول الذي خلق عليه فيراه الله جميلا كما خلقه وكما افتداه المسيح بدمه. هذا هو الشيء الاول.

ثم يقول: “ان هيكل الله مقدس وهو انتم”. ربما أراد هنا انكم هيكل الله مجتمعين اي بكونكم كنيسة وكأنه يقول ان من أخطأ انما يشوّه الكنيسة فكلما أخطأ المسيحيون لا تظهر الكنيسة عروسا للمسيح. ويبتعد الغرباء عن الكنيسة لأن المسيحيين لم يبقوا على المسـتـوى المطلـوب منهم. وكـذلك قـد يبتعـد المسيحيـون انفسهم عن الكنيسـة اذ لا يـرون فيـها ناسـا صالحـين كثيرين ولا يحسون انها مكان الخلاص. الخطيئة تؤذي الجماعة. فمن ارتكب معصية تحسب على الجماعة كلها ويشك الناس في ان الكنيسة تهذّب أولادها. الخطيئة ليست ضد الفرد وحدها ولكنها ضد الجماعة وضد الله بالدرجة الأولى.

عبرة هذه الرسالة ان مرتكزنا هو المسيح واننا مدعوون ان نبني انفسنا والآخرين عليه حتى لا يعثر أحد وتظهر الكنيسة جميلة جدًا.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

المقاومة ولبنان الآتي / السبت 12 آب 2006

أخيرًا اتخذت الحكومة قرار إرسال الجيش الى الحدود عند انسحاب جيش العدو، فيما أكتب هذه الأسطر لم يصدر بعد قرار مجلس الأمن يأمر جيش العدو بالجلاء على وضوح شرعة الأمم المتحدة بإنهاء كل احتلال.

هذا والمقاومة باقية اذا لم تتسلم القوة الدولية مزارع شبعا. وحديثي اليوم عن المقاومة الاسلامية وفلسفة استقلالها عن الجيش. وما يدعم رؤيتي هذه البطولات التي أظهرتها المقاومة وتقنيتها العظيمة وحجم ترسانتها وتحرك أظهر لنا ان استخبارات العدو لم تكن بشيء كما افتضحت اسطورة تفوقه العظيم.

سؤال أول يطرح نفسه لماذا لا تنضم المقاومة الى الجيش. جوابي البديهي انها في ذلك تكون قد وضعت حدًا لحرب العصابات وان الجيش لن يقوى بها لو انضمّت اليه لأن لبنان سيخسر الفائدة العظيمة من وجود حرب عصابات. أي نكون قد خسرنا قوة عظيمة باسلوبها وروح نضالها وما كسب الجيش قوة إضافيّة. لقد ثبت ان لبنان لا يستطيع صد عدو دائم لنا اذا تخلينا عن حرب الأنصار. وكونه عدوًا دائمًا من رموزه ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يعيّن لها دستورها حدودًا نحن متروكون اذًا لحسن أخلاقها وهذا يحتاج الى إثبات.

السؤال الثاني لماذا مقاومة إسلامية. هذا متعلّق بالأيديولوجية التي تُلهم المقاومين. هؤلاء مجاهدون في سبيل الله كما هم يعتقدون. والجمهور الذي يحيط بهم أو هم محوره يعتقد ذلك أيضًا ما عدا فئة من مذهبهم. ثم من يمنع اللبنانيين غير الشيعيين ان يقاتلوا في سبيل الوطن وليس في سبيل الله؟ ان لم نقبل القوة الدولية ان تبقى الى الأبد فمسألة الدفاع عن الوطن مفتوحة، ذلك ما لم نجد نحن والعرب والدول صيغة عسكرية للدفاع عن لبنان. ان العرب لا يريدون ان يخرجوا جيوشهم معنا ولا سيما ان بعضا منهم حليف الاميركيين وان بعضًا له تبادل ديبلوماسي مع اسرائيل. العرب لن ينوجدوا على ساحتنا عند الاعتداء وتقتصر جهودهم على دعمنا الديبلوماسي وهذا في أفضل حال.

قبل توقيع سوريا ثم توقيعنا معاهدة سلم مع اسرائيل فهي مهددتنا ولن تهدد سوريا فإن سوريا لم تهددها ولا أحد في العالم يهدد سوريا. فإذا قبلتم بقيام حرب عصابات عند اقتحام اسرائيل بلدنا يحق لهذه المقاومة ان تقوى كما تعرف. لذلك أقول إن نزع السلاح عن حزب الله لا معنى له ما لم نضمن سلامنا. لا يكفي ان نقول إن تحرير مزارع شبعا ينزع عن الحزب ذريعة التمسك بسلاحه.

السياسيون اللبنانيون أو بعضهم يقولون هذه ميليشيا والسلاح سلاح الدولة. هذا يصح نظريًا ولكنه تأكيد حقوقي لا يأخذ الواقع في الاعتبار. أعطونا مع اسرائيل سلامًا مضمونًا دوليًا نطمئن اليه وهو ان الدول ستأتينا بسرعة البرق لترد عنا احتمال هجوم في أي ظرف. وهذا لا يؤكده أحد نصًا حتى الآن.

مع ذلك ما الحقيقة المبدئية في علاقة الجيش بالمقاومة؟ في المبدأ ان كل المقاومات التي ظهرت في أوروبا كانت متصلة بالجيش مع استقلالها العملاني. بكلام آخر ان المقاومة ليس لها قرار سياسي بمبادرة في القتال. عندئذ يثبت ان لا علاقة لها بسياسة اقليمية. هناك تناقض في رؤية كل الشعوب المتحضرة ان يكون الفريق الواحد صاحب قرار سياسي وقرار عسكري. فالحكام هم أهل السلم والحرب. لذلك كان كليمنصو يقول: الحرب هي بهذا المقدار هامة انك لا تستطيع تسليمها الى العسكر (وأراد ذلك ان العسكر لا قرار لهم في بدئها ولا نهايتها). ولكن كل هذا بحث مرجأ الى طاولة الحوار.

#  #

#

الواضح عندنا وفي الحزب انه لا يسعى الى تحرير القدس فإن سوريا وإيران ليستا مستعدتين لذلك ولأن تحرير القدس يتطلّب جيوشا وليس حزب الله جيشًا ولا يحلم عرب اليوم ان كانوا متأمركين ومؤسرلين بتحرير القدس. الى هذا ليس عند الولايات المتحدة رغبة في اقتحام ايران لأنها اذا قصّر حلفاؤها الإفغان في بلادهم عن الاستيلاء على كل البلد واذا لم تتمكن أميركا من نشر سلمها في العراق ولن تتمكن فإيران الأقوى من أفغانستان والعراق بعدد سكانها وعديد جيشها وتكوين جغرافيتها ستكون مقبرة للأميركيين. ومشكلة السلاح النووي ستطول وليس لحزب الله دور في حل مشكلة ايران مع الاميركيين.

أنا عندي مشكلة مع ايديولوجية حزب الله وليس لي في التوضيح الذي أتيت به مشكلة مع المقاومة . وهذا يعني –ما بقي الحزب وسيبقى طويلاً- اننا بعد الحرب وحلول السلام الحقيقي في البلد سيواجه اللبنانيون هذه الأيديولوجية كما يواجهون كل الايديولوجيات.

ما لا بد من قبوله اليوم هو ان أحدًا في العالم لا يقنعني ان خطف جنديين اسرائيليين كان سبب حرب معدة من زمان. الواقع الذي لا يناقش ان اسرائيل هي التي دمرت بلدنا وقتلت ضحايانا وجرحت مَنْ جرحت. نحن مع المقاومة لنضمّد جميعا جروحًا هي في الواقع جروح عدد من اللبنانيين كبير وهم من كل الأطياف والفئات. لذلك ليس من معنى استراتيجي للقائلين ان حزب الله زجنا في الحرب.

لا أحد ينكر اذًا انه لا يسوغ ان تكون دولة في دولة والمبدأ يصح تطبيقه إن صارت دولتنا دولة محصنة. ولكن ان تلغي المقاومة نفسها الآن على رجاء قيام دولة قوية يعني ان تلغي قوة فاعلة برهنت عن تفوّق عسكري كبير في انتظار نشوء دولة ليس فيها كل مقوّمات الحماية. انت لا تقارن واقعًا بحلم. ازاء عدو لا تثق به والمتكرّر عداؤه تحتاج الى اختراع حماية للبنان دائمة.

هناك طبعًا مشكلة السلم مع اسرائيل. هذه تخص العرب جميعًا لأننا لا نريد ان نبيع الفلسطينيين لليهود وليس لنا وجود أمام الله والتاريخ ان لم نحافظ على كرامة الفلسطينيين. لعل أهم ما انجزه حزب الله انه أول فريق عربي صمد أمام اسرائيل وان قادتها اكدوا انهم لا يستطيعون القضاء عليه كليًا. مَنْ كان عنده اداة تخويف مثل هذه أيرميها جانبًا لحلمه ان جيشنا سيتصدّى؟ وهل يكون مطمئنًا لحسن النيات عند اسرائيل تجاه لبنان؟ لو كانت لها هذه النيات لماذا فعلت ما فعلت؟

معنى ذلك ان ما يوحّد الشعب اللبناني شيئان: أولهما الغضب على اسرائيل «ليطمئنّ قلبي» وتزول اسباب الغضب برعاية دولية للبنان متحركة ورادعة لعدونا التاريخي وثانيهما ان نؤمن ان اسرائيل ليست عدوة للشيعة وحدهم ولا ضاربة للجنوب وحده. انها لغباوة ان نظن ان عداء اسرائيل لنا ناتج من تحرش الشيعة باسرائيل. هذا اذا تحرشوا.

وهل هي خطيئة ان تكون لقوم بيننا حماسة لا تتوافر عند الآخرين بالقدر نفسه؟ هذه حماسة الفقراء الذين يؤثرون الموت على حياة منقوصة الكرامة. الشيعة ظلمهم التاريخ وهم قلة في دار الاسلام وما حكموا حتى لا استفظع مصائب أخرى حلت بهم بقوة الفاتحين من ديانتهم وغير ديانتهم.

ماذا لك على فاجعيتهم أو كربلائيتهم؟ هذا تراثهم وهذا شعورهم. هل تظن ان أحدًا في هذه البلاد ليس له كربلائيته؟ ولكنا نصمت من أجل الوحدة الانسانية والوحدة اللبنانية لنتعايش في فلسفة حكم مدني كما سماه المغفور له الإمام محمد مهدي شمس الدين. وهذا كان موقف السيد موسى الصدر بهذا التعبير او بآخر ولعل تعلّق الشيعة بالعدالة يقرّبهم من الإلحاح على عدالة يقرّ بها كل لبناني للبناني الآخر.

لن أناقش الحركة الإحيائية في الإسلام كما يسميها الدكتور رضوان السيد. أرجو ان تكون الاحيائية سحابة صيف تزول أمام غرب يكون أشد إصغاء. الى انين المستضعفين. كنت أعرف شيئًا عن غطرسة الغرب ولكن بعدما طالعت كتاب غسان سلامة: «عندما تعيد أميركا صنع العالم» بالفرنسية وفهمت رفض اميركا للقانون الدولي واستعمالها «الصيف والشتاء على سقف واحد» والتعدي على حريات الشعوب ودعم الديكتاتوريات في العالم أدركت ان مشوارنا مع يهود فلسطين طويل. عندما فهمت ذلك اقتنعت بأن لبنان عليه ان يفتش عن اسباب لديمومته أقوى من التي يستعملها الآن.

واذا صح استدلالي في هذه الأسطر، لم يبق من سبب لخلافات طائفيّة. ليس صحيحًا ان احدًا منا لا يحب لبنان وان صح ان كل من تعاطى السياسة له صداقات هنا وهناك. هذا من طبيعة التكوين التاريخي لبلد أجمعنا على انه نهائي. ليس المجال هنا للتحدث عن تنظيم داخلي آخر للبلد فقد قلنا جميعًا باللامركزية. ولكن اسمحوا لي انا الارثوذكسي ألا أعيش حصرًا مع مسيحيين آخرين في منطقة واحدة. المسيح لا يريد وطنًا مسيحيًا وقد قالها. أنا من الساحل السني وألفت الإخوة الموحّدين في الجبل، أحببت طلابي الشيعة في الجامعة اللبنانية بعدما ذقت ذكاءهم. يريد أحد كبار المحللين السياسيين ان يسمّينا شعوبا ولكنا تلاقينا في هذا البلد الطيب، الحالم، الوديع ونصرّ على ان نبقى معًا ولكن في وعي كامل لأعدائنا وخصومنا والأصدقاء حتى لا يقع الظلم على لبنان كما يقول حبقوق النبي والله موفّقنا الى ما فيه رضاه.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

التجلّي والآلام/ الأحد 6 آب 2006 / العدد 32

روايات التجلّي في متى ومرقس ولوقا متشابهة جدا. تجلّى يسوع أمام التلاميذ الثلاثة الذين اصطحبهم الى الجبل. أضاء وجه السيّد كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. المهم في هذا الحدث أن الإنجيليين لا يتكلّمون عن نور سقط عليه من الشمس فتأثيرها واحد على كل الناس. عقيدتنا الأرثوذكسيّة تقول إن هذا النور خرج من داخل يسوع، من كيانه على جسده وثيابه. اي إنه النور الإلهي غير المخلوق الذي ينزل على القديسين في هذه الأرض ويشعّ عليهم من الله اذا غلبوا أهواءهم وصاروا الى الصفاء الكامل او الى الهدوء لأن مصادر الشهوة التي في الإنسان إن انقطعت عنه يدخل في سكينة الله ويصير من الهدوئيين.

الشيء الثاني الذي أراد الإنجيل تبيانه ان موسى وإيليا تراءيا له على الجبل. هذان النبيّان اقتربا من الله كثيرا ولكنهما لم يشاهداه وفق قول الكتاب: “الله لم يرَه أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (يوحنا 1: 18). الآن على جبل التجلّي رأى النبيّان وجه الله على وجه يسوع. شاهدا الإله متجسّدا.

دخل موسى وايليا سحابة المجد التي كانت تحيط بالمعلّم. مرقس ولوقا ينفردان بالقول ان النبيين دخلا سحابة المجد التي كانت تظلّل المسيح. غير أن لوقا ينفرد عن الجميع بقوله ان موسى وايليا “تكلما عن خروجه الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم”. وكلمة خروج هنا تعني الآلام. تكلّم موسى وايليا ليس عن المجد الذي كانا فيه مع السيّد المبارك ولكن عن الآلام التي هي مجده الحقيقي. هذا يقوله انجيل يوحنا مرارا حيث ساعة المجد تعني ساعة الصلب.

نجيء من هذا لنقول في الظرف العصيب الذي يعيشه بلدنا انه ينبغي ان نفهم آلام المواطنين جميعا ولا سيما الفقراء والمهجّرين يستطيعون ان يحولوها اذا كانوا مؤمنين الى تجلّيات بالروح. اذ الحزن عند المؤمن يتحوّل فرحا لأنه بالمسيح يغلب الانسان أحزانه ويتحرّر من وطأة فقره.

ومَن تهجّر من بلدته او قريته انما يهاجر الى الله لأن الله سكنانا بعد ان حلّ الابن في بشريّتنا وصار هو فقيرا. ففي بدء مسيرته على الأرض تهجّر يسوع مع مريم ويوسف عندما قرر هيرودس قتل الأطفال في بيت لحم وضواحيها. وفي حالات الضيق التي عاناها، او لمّا كان يعتزل تلاميذه، كان – في انسانيته المباركة – يصلّي الى الآب. هجرة عن الناس الى وجه الآب.

وكان يسوع غريبا في قومه. ألسنا نرتل يوم الجمعة العظيم: “أعطني هذا الغريب”. المهم دائما في حالة العزلة والقمع والاضطهاد والحرب التي لا يعرف احد متى تنتهي ان نطلب نزول النور الإلهي علينا وانسكاب النعمة في قلوبنا حتى ننظر الى وجه الله فلا نسكن الى وجه آخر وقد لا يكون قد بقي لنا مسكن على الأرض او نكون فقدنا عزيزا.

فاذا عيّدنا اليوم للتجلّي فلنتذكّر الفقراء والذين غيّبهم القهر عن منازلهم او دمرت منازلهم ليحسّوا بفقرهم الى الله وهم اليوم في كل مكان من لبنان في موآساة المحبين افـرادا كانوا ام مـؤسسات. الى اية فئة او دين انتموا هم يبيتون في المسيح الذي يحمل أوجاعهم حتى يقصّر الرب الزمان الرديء ونحيا في الرضا.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

قانا / السبت 5 آب 2006

قبل بضعٍ من سنين زرت قانا والدليل الذي كان معي رافقني إلى قبور الشهداء الذين قتلتهم إسرائيل في الحادثة المعروفة. قبور مرصوفة الواحد إلى الآخر لتشهد على الظلم وعلى صمت الشعوب. هذه المرة رأيت صور الأطفال يحملهم مسعفو الصليب الأحمر. رأيتهم مقتولين في طراوتهم وما قيل أين دفنوا وهل تسلّمهم ذووهم الذين قُتل بعض منهم ما في ذلك ريب. لأن إسرائيل الجافة لها عداوة مع الطراوة ومع أن تنمو الحياة عند من تسميهم الأمم.

الذين يذكرون المسيح عند امتحانهم يعودون إليه في هذا الطور أو ذاك من مسيرته على الأرض. لا بد ان يعرف قارئي ان الكتاب يقول الشيء القليل عن طفولة يسوع التي أحب أن أقرأها في لوقا القائل عن السيد في طفولته: “وكان الصبي ينمو ويتقوّى بالروح ممتلئا حكمة وكانت نعمة الله عليه” (40:2).

أطفال قانا منعتهم إسرائيل “أن ينموا وان يتقووا بالروح لأنهم من الأمم (غوييم بالعبرية) وسيان ان يحيوا وان يموتوا لأنهم ليسوا من أبناء الموعد. كفى أن ينمو أبناء اليهود وان يتقووا بدنا وعقلا ويتعلموا في الجامعة العبرية في أورشليم ـ القدس أو غيرها ويتروّضوا على السلاح يذبحون به من يعرقل فتوحاتهم.

أنت تحب البراعم لشوقك إلى الورود وتخشى عليها الاستئصال لحبك اكتمالها. كل منا يبكي على البراعم إذا قُصفت. إسرائيل لا تبكي إلا على إسرائيل حتى تبقى شاهدة لإلهها الذي في بدء تاريخها كان إله قبيلة، وكان يقهر الآلهة الأخرى. خسارة لأي إله أن يموت أطفال لبنان. وهؤلاء ليس لهم تقنيات يرتقون بها ولن يكون لهم طائرات في بلدهم الصغير.هؤلاء كل وجودهم التصاق بأرض فقيرة. ألم يقل شاعر عبري في العراق قديما: “يا ابنة بابل الصائرة الى الدمار / طوبى لمن يجازيك على ما جازيتنا به / طوبى لمن يمسك أطفالك / ويضرب بهم الصخرة” (مزمور 137: 8 و9).

بعد هذه الحرب اللعينة من يعلّم اليهود أن يحبوا أطفال الأمم كما يحبون أطفالهم؟ من يكرر لهم قول الناصري: “دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات”؟

***

مشكلتنا الكبرى مع الذين اعتدوا علينا ليست فقط سلام لبنان لسنا نعرف متى يحل أو إذا يحلّ. مشكلتهم مع أنفسهم هي القضية. والقضية هي هل يُلهمهم الله يوما على رغم تراث حقد لهم أن يؤمنوا بالطفولة وان يعاملوا البشر جميعا بطراوة؟ أنا لا أنكر على احد منهم محبته لأولاده. هذا شيء من الحشا. ولست أنكر على اليهودي خارج إسرائيل أو غير مؤسرل فكريّا أن يحب أولاد الناس. ولكن ماذا إذا غرست هذه الدولة العسكرية قناعة ان الطفل العربي سوف ينمو وانه يحمل طاقة جندي فتخشاه وتتعامل وإياه على أساس هذه الخشية على طريقة الحرب الاستباقية التي تبناها جورج بوش الابن؟ في هذا المنطق القائم عند بعض من المحافظين الجدد في أميركا القتل الاستباقي للأطفال معقول كثيرًا. وإذا كانت الحرب الاستباقية تحتاج إلى الكذب كما حصل في العراق ففي إبادة الأولاد الغرباء هي تحتاج إلى حقد.

نحن نحب الأفراد اليهود وفق تراثنا وان اختلفنا في تقدير لاهوتهم. إلى هذا ليس للإسلام قضية مع اليهودية ولو كانت له مشكلة مع اليهود في حياة الرسول. ولكن بعامة لم يحظَ اليهود بحرية كتلك التي حظوا بها في دار الإسلام ونحن المسنين نذكر الحرية البالغة التي كانوا يتمتعون بها في مصر والمغرب. ولكن بيننا وبينهم اليوم قانا وهذه مشكلة لا تحل بسهولة إن لم يتوبوا عنها صراحة أي إن لم يعترفوا إن أولادهم وأولادنا سواسية. وكان خيرا لهم ان يخسروا معارك من أن يقتلوا طفلا واحدا في الجنوب. قال هنري برغسون ما مفاده: انه إن قيل لي نقتل طفلا لتنجو الأرض أقول فلتخرب الأرض وينجو الطفل.

لا يمكن لأمة أن تتعسكر كلها كهذه التي تدمرنا الآن ويبقى فيها رقة. لها أن تبني مصانع وتنتج أسلحة ويبقى قلبها ملطخا تداعبه الشياطين. في التراث العبري ليس الأولاد الغرباء وحدهم مقصيين عن المعاملة الحسنة ولكن البالغين أيضًا ليس عليهم رحمة. فقد جاء في سفر تثنية الاشتراع:” وإذا تقدمت إلى مدينة لتقاتلها، فادعها أولاً إلى السلم، فإذا أجابتك بالسلم وفتحت لك أبوابها، فكل الذي فيها يكون لك تحت السخرة ويخدمك. وان لم تسالمك، بل حاربتك فحاصرتها، وأسلمها الرب إلى يدك، فاضرب كل ذكر بحد السيف. وأمَّا النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة من غنيمة، فاغتنمها لنفسك… هكذا تصنع بجميع المدن البعيدة منك جدا والتي ليست من مدن تلك الأمم هنا. وأمَّا مدن تلك الشعوب التي يعطيك الرب إلهك إيَّاها ميراثا، فلا تستبق منها نسمة بل حرمهم تحريما”(20: 10-17).

كذلك في سفر يشوع بن نون: “استولوا على المدينة. وحرموا كل ما في المدينة من الرجل وحتى المرأة، ومن الشاب حتى الشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، فقتلوهم بحد السيف” (6: 20 و21).

من كان شعب هذه فلسفته ونفذتها في فلسطين عصابة الإيرغون وشترن عصر الانتداب البريطاني يحتاج إلى تبشير أي إلى التنكر للصهيونية تنكرا كاملا وإلاَّ كانت الوداعة عنده مشجوبة والرحمة مرفوضة. كل تحركه العسكري تكون فعلته في قانا هي النموذج.

أمام جريمة قانا لا بد من معاقبة مرتكبيها أي لا مفر من لجنة دولية تحقق في مسؤولية إسرائيل لأن المجزرة كانت ضد حقوق الإنسان وإغفال العقاب يفسح في المجال للمرتكب أن يقوم بمجازر أخرى متى حلا له ذلك. “ولكم في القصاص حياة”. الجرحى وأهل الضحايا لهم ألاَّ يصبحوا فريسة الحقد ولكن يجب شفاء الحاقدين بإدانتهم عسى يتوبون.

بعد هذا -وليس قبل هذا- يأتي السلام الذي لا يشفي وحده القلوب الجريحة. اللبنانيون الذين ذاقوا ما لم يذقه العرب في هذه الآونة آخر من وقع السلام ليأمنوا أنفسهم المرة تلو المرة فظائع القصف والدمار والموت. كيف يقوم البلد ولا تتكرر الفاجعة يفترض ان نصبح في هذا البلد مجتمعا موحّدا لا انقسام فيه حتى لا تقع أية مدينة أو قرية في ما وقعت فيه قانا، حتى لا تموت الطفولة في القلوب. وهذا يتطلّب حسّا عالميا وإحساس الدول بوجود لبنان، هذا البلد الجميل الوديع الذي لا يطلب شيئا إلا أن يجتنب اعتداءات متكررة. إنها لمصيبة على العالم كله إن صرنا بلدا كله مدمّر.

يجب أن يزول فخر إسرائيل حتى لا يحترق بلدنا. لن تجد إسرائيل راحة إن بكينا بكاء الليل كما قال إرمياء. ينبغي ألا يسير أطفالنا مسبيّين ويتامى. ارفعْ يا رب غضبك عن ديارنا وعزّنا بتعزيات روحك فلا يبتلعنا أحد. اشفقْ علينا يا الله، إله خلاصنا.”انطرح على الأرض الفتى والشيخ”. لا تسمحْ يا رب بأن تُهشّم عظام شبابنا والأطفال. مراحمك يا رب لا تنتهي. إحفظْ لنا الكرامة التي بها نحيا لأننا محبوك.”حل بنا الرعب والهلاك والدمار والتحطم” (مراثي ارمياء). “الأطفال طلبوا خبزا ولم يكن من يكسره لهم”. لا تقطع عنا أغانينا فهذا بلد الفرح. لا تصرف وجهك عنا في أيام الضيق هذه. لا تنسنا ربّ وعوّض علينا كل ما خسرناه ونحن نؤمن انك القيامة والحياة. لا تنبذنا إلى النهاية ولا تغضب. تعال يا رب، تعال وتعهّد الأحباء الذين احترقوا في قانا والجنوب والضاحية وأهل كل بقعة منكوبة وأعدْ إلينا طفولتنا واعتبرنا بالتوبة إليك أبرياء كأبناء قانا الحبيبة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

هذه الحرب / الاحد 30 تموز 2006 / العدد 31

اذا كانت المحبة تجعلنا في حزن بسبب الذين سقطوا في الحرب، ومعزين للعائلات التي نعرفها، فإنما يدفعنا إيماننا الى التوبة وهذه هي وظيفة كل محنة في حياة الذين استبقاهم ربهم على الأرض. هذا وقت رجوع اليه حتى لا ننام نومة الموت كما يقول النبي المرنّم.

الى هذا قد نختلف في التحليل السياسي وانا لست هنا لأملي عليكم موقفًا سياسيًا. في الكنيسة كلكم أحرار. ولكن الموقف الذي سوف نتقيّد به بعد الحرب هو العمل على إعادة إعمار لبنان والحفاظ على وحدة بنيه الذين سيختلفون في الآراء السياسية وهذا يجب ان ننتظره في مجتمع حر. ما قد نختلف عليه الآن هو معرفتنا لأسباب الحرب. انا كمواطن بينكم لا يقنعني ان خطف جنديين إسرائليين يدفع دولتهما ان تشن علينا حربا بهذا الحجم وهذه الشراسة. هي أولا دولة خاطفة منذ تأسيسها وساجنة الآن لمئات من المناضلين العرب. وهذا أمر له تسوية معقولة. واذا كان الخطف مسؤولة عنه فئة حزبية في لبنان فأنت لا تعاقب كل لبنان بالموت والحريق والدمار وقطع كل اوصاله لجعله بلدا ضعيفا في المنطقة يحتاج الى عدة سنوات للنهوض. ان حملة ضخمة كهذه التي شُنّت علينا إنّما تحتاج الى أشهر من الاستعداد سبقت خطف الجنديين. هناك اذًا خطة لتدمير لبنان مرتبة دوليا وكُلّفت اسرائيل تنفيذها اعتقادًا من الدول ان الحرب قد تُنهي حزب الله. الحوادث الأخيرة دلّت ان هذه المنظّمة لا تنتهي بسهولة ولن يُقتل اعضاؤها واحدًا واحدًا ولن تضعف الى حد انها ستسلّم سلاحها طوعًا او كرهًا. موضوع سلاح حزب الله يُعالَج لبنانيًا او لا يُعالَج. لا لشيء، كلّفتنا الموآمرة الرهيبة هذه، دمار لبنان.

أنا لا ادخل الآن في مناقشة شرعية المقاومة في ظل وجود الدولة. فاذا اعتبرنا وجودها غير شرعي لا يبرر دولة اسرائيل في مشروعها القضاء على لبنان. وعند رجوع السلم سنناقش موضوع المقاومة والتسلّح خارج الجيش. نحن الارثوذكسيين لن نسهم في نقاش الا على اساس وطني اي على اساس يحفظ وحدتنا ولا يجعلنا قبائل متناحرة حتى التقاتل اذ لن يبقى، عند ذاك، منّا شيء.

هذا الوطن متّحد يجتمع فيه المسيحيون والمسلمون على السواء ولا ينبغي ان يميز فيه فئة على فئة. هذا سيكون بلد الكفاءة والعدالة والتكافل الاجتماعي والعلم والرقي ولا يحتمل خصومات حادة ذات طابع طائفي. ما دمرنا في الحرب الأهلية اذا تكرر سيدمّرنا بعد الحرب.

الآن نضمد الجراح. لذلك دخلتْ هذه الأبرشية في العمل مع النازحين في عدة أماكن. قد تكون إمكاناتنا ضعيفة، ولكن شعور الإخوّة والترحاب بهم شيء يطلبه الله الينا.

كفانا الرب شر القتال وأعاد إلينا سلامًا حقيقيًا في الواقع الوطني وفي القلوب وألهم أعداءنا أن ينكفئوا عنا ويهتموا بشؤونهم.

إن كنيستنا واسعة الصدر وتستوعب جميع المواطنين بمحبة واحدة ولا تنجرّ وراء الانفعالات الهـوجـاء وتسهم فـي إعادة تعمير الـبـلـد مـاديًا ومـعـنـويًا لنقوى على ضعفاتنا وتقوم عندنا دولة قوية مستقيمة ترى نفسها في خدمة الناس جميعا لنحيا بسلام.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الحرب وما بعدها / 29/7/2006

لماذا لم تأمر الحكومة الجيش بصد العدو؟ أنا أفهم إن هذه هي وظيفته ما لم تعتبره الدولة حصراً قوة أمنية للداخل. أو قد يعني هذا إن الحكومة فوّضت إلى حزب الله وحده أن يدافع عن البلد. إذ ليس من تنسيق بين جيش غير فاعل ومقاومة فاعلة. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً بعد وقف إطلاق النار عن مكان الجيش في بلدنا. هذا يعني أيضاً أن شعبنا معرّض للإبادة. ثم لم تقل الدولة إنها إذا انتزعت من المقاومة سلاحاً في أي ظرف تسلمه إلى جيش فاعل. إذ ذاك نتحول مجتمعاً أهلياً غير معسكر، جميلاً منسجما مع إسرائيل وعربها في هذه الكتلة الاميركو – شرق أوسطية.

هذا يعني ليس فقط نزع السلاح عن المقاومة ولكن نزعه الفعلي عن كل العرب لتبقى إسرائيل الدولة المعسكرة وحدها في هذا الشرق الجديد. بأي معنى هو جديد؟ ويكون لبنان ديموقراطية نموذجية بحيث تقدم للعرب صورة عن ديموقراطية وهمية إذ العرب غير مهتمين – كما عبّروا هم غير مرة – على أنهم لا يريدون ديموقراطية على النظام الغربي وتالياً غير راغبين في أن يقتدوا بديموقراطية لبنان الوهمية.

أرادت القيادة الإسرائيلية أن يرجع لبنان عشرين سنة إلى الوراء. لست أناقش هذا الرقم فقد يكون أعظم. بلدنا أمسى ذا مساحات كبرى مهدمة ومحروقة. فإلى أين يعود النازحون إذا قالت لهم المدارس التي لجأوا إليها إني احتاج إلى قاعات صفوفي لأستوعب فيها طلابي أواخر أيلول أو بداءة تشرين الأول؟ اذا كان عندك مليون نازح لا تستطيع أن ترميهم في الشارع. أو تبعثهم إلى ركام القرى المهدمة.

وعندما تشترط أميركا تعليق وقف النار على نزع الأسلحة من المقاومة فكأنها تقول فليمت مَن تريد إسرائيل قتله متى شاءت إذ لم يبقَ من يدافع عنه.

أين رأيتم بلداً ليس فيه من يدافع عنه؟ فإذا قرر مجلس الأمن أن إسرائيل لا يحق لها الاستمرار في العدوان فليس ما يضمن أنها مستعدة للانصياع لهذا القرار وهي لم تنصع لقرار واحد ونفّذت المقاومة وحدها – لا الجيش – القرار الـ425 فانسحبت إسرائيل من أراضينا. والعالم كله يغنج إسرائيل بذريعة أن ثمة قوة إرهابية تدافع عن لبنان. هل هيئة الأمم المتحدة راغبة أو قادرة على أن تردع إسرائيل؟ من قال إن هذه القوة فاعلة أو قادرة على أن تردع حزب الله إذا أطلق سلاحه من وراء القوة الدولية الرادعة؟ لم تقل أميركا حتى الآن أنها تربط نزع السلاح من حزب الله بتحرير مزارع شبعا. عند ذاك، وعند ذاك فقط، لن يبقى لحزب الله حجة لحفظ سلاحه. لأنه اكتفى بتحرير لبنان لا فلسطين. وليس معقولاً أن تتغير المعطيات إلى حد أن تجتمع قوى العرب والعجم جميعاً لضرب إسرائيل.

• • •

كل هذا يعني أن يفكّر اللبنانيون منذ الآن في شكل دولتهم وقوتها وإمكانها الدفاع عن نفسها إذا هوجمت مرة ثانية. لا شيء يضمن أن إسرائيل تنوي أن تصير دولة مسالمة ولم تبرهن عن هذا كلما سنحت لها الفرصة للانقضاض على العرب ولا سيما أن كل ايديولوجيتها تدعوها إلى أن تكون مهددة لهم كما تدعوها – إذا لم تعتد – ألا تكون راغبة في التعاون وإياهم تعاوناً أخوياً صادقاً. فإذا كانت حتى الآن لم تسلم بخريطة الطريق ولم تقبل بنشوء دولة فلسطينية لماذا تريدون أن تقبل باستقلال لبنان وسيادته؟ ومن قال إنها راضية حقاً عن هذا وهي ترى لبنان منافساً لها وهو الذي يوحّد بين أطيافه و”شعوبه” وهي لم تستطع حتى الآن أن تعتبر عرب إسرائيل مساوين لليهود ومئة حالة عندي تبين أنها تفرّق بين اليهودي والفلسطيني في أراضيها. وهي متمسّكة بهذا التفريق لعلمها الديموغرافي ان فلسطينييها يتكاثرون.

وهل من سياسة أميركية واضحة لتحمل الدولة العبرية على ألا تكون جسماً هجيناً في هذا العالم العربي؟ هذا يفترض أن الدولة التي تسمي نفسها دولة يهودية راغبة في أن تعيش بالمساواة مع العنصر العربي وان تنزع عنها الصهيونية désionisation لتصير حقاً دولة يتساوى فيها اليهودي المتديّن والأصولي واليهودي غير الأصولي وكذلك اليهودي المشرقي الأصل واليهودي الغربي الأصل والسفرديم والاشكيناز. إسرائيل تفتش عن وجود لها يؤمن لها السيطرة الدائمة والمعسكرة على العرب جميعاً.

أما لهذا الليل من آخر؟ وهل يعقل أن يقبل المسلمون أنفسهم مغلوبين أبداً وهم لا يرتضون سيادة أحد عليهم إلى الأبد؟ وفي هذا الذل الذي يذوقونه أليس المعقول أن يستعدوا لتمرد لهم في المستقبل مهما طال الزمن؟ ماذا يهيئ اليهود لاحتمال انتفاضة إسلامية عليهم؟ هل يتكلون أبداً على الولايات المتحدة لتقمع المسلمين في عنفوانهم وهم لا يرضون أنفسهم أذلّة في الأرض؟ من قال أن الولايات المتحدة الأميركية دولة تحافظ على أحديتها في هذا العالم؟ من يمنع المسلمين من أن يرتموا في أحضان الصين وهي ناهضة بسرعة مذهلة؟ إسرائيل لا تقدر على أن تتكل على نفسها إلى الأبد وهي لا تستطيع أن تعيش على اقتصادياتها وحدها اليوم فكيف إذا ضعفت اقتصاديات أميركا في السنين المقبلة؟

ثم ليس من أمل في المستقبل القريب ان يصبح بلداً حيادياً لأن الحياد بالمعنى القانوني للكلمة يعني قبول سوريا وإسرائيل به معاً. إذا تعبت إسرائيل من حروبها على لبنان لا يبدو معقولاً أن تقبل سوريا العروبية بحياد لنا نحافظ فيه على ثقافتنا العربية وشعورنا العربي. غير أن الحياد لا يعني ألا نكون على قوة عسكرية معقولة. فسويسرا دولة حيادية لكن شعبها معسكر مستعد دائماً للحرب إذا هوجم. هل ذهنية اللبنانيين المتحمّسين قليلاً والنائمين كثيراً تؤهلهم لان يكونوا في بيوتهم جنوداً محافظين فيها على سلاحهم وغير قاتلين به أحدا أي أن يكونوا كلهم أمة جنود في الطاقة تستنفرهم دولتهم ويلبونها. وهذا يعني ان يكون لهم فهم واحد لدور لبنان ولقدرته على التصدي لأية دولة تدعوها شهوتها إلى الاعتداء عليه؟

بعد وقف النار لا بد لنا أن نفكّر معاً في ميثاق جديد نحفظ فيه أنفسنا وندافع عنها ونبني وطناً موحداً غير منقسم ولو اختلفنا في التفاصيل ضمن الحرية والديموقراطية الصحيحة؟ هل نعلن اليوم أمام الله والتاريخ أننا نريد بلداً وإننا لا نستجدي أحداً ويعزينا الكبار الآن بالممرات الآمنة ينقلون عليها طعاماً وشراباً ودواء وهم قادرون على منفعة لنا أكبر أي إيقاف النار. نحن ما اعتدينا ونستحق أكثر من الخبز الذي لا يحيا منه وحده الإنسان.

• • •

أجل نحتاج إلى كرم كبير لنسند المشردين وإعادتهم إلى بلداتهم وقراهم. فالدولة وحدها عاجزة عن ذلك. والدول الكبرى لن تشفق علينا بلا مراعاة مصالحها. شكراً لها على كل حال. نحن نحتاج إلى فلسفة جديدة لوجودنا كوطن ودولة وهذا يتضمن تجاوز الطائفية سياسية كانت أم فكرية. نحن أخذنا على أنفسنا أن نكون أمة مجتمعة واحدة. ولكنا لن نبيع لبنان بسبب من الخوف أو من قلة الموارد. أقنعتنا العهود المتتالية أننا بلد فقير وهذا حسب التنقيبات العلميّة غير صحيح. لكن هذا التجديد يتطلّب إعمال الفكر وتنقية لأخلاق لنا تدهورت في السنين الأخيرة تدهوراً مريعاً. “إنما الأمم الأخلاق” ولم نقتنع جميعا بذلك.

لا ينفع البكاء ولا التحسّر. العمل القائم على طبيعة جديدة حسنة قولاً وبناء وإبداعاً هو الذي يؤهلنا لدور كبير في مجتمع مشرقي جديد نحفظ فيه استقلالنا وميزاتنا فلا نكون فريسة لعولمة هوجاء شرسة ولو تبنينا عقلية تكنولوجية في صناعات كبرى أو صغرى نسد بمواردها ما نحتاج إليه لنحافظ على بلد نؤمن بفرادته وعطائه.

هذا يعني فور انتهاء العدوان أن نتجمع روحانيين ومثقفين، عمالا وتجاراً ومزارعين، لنفكر في مستقبل لنا مشرق في براغماتية مباركة من غير أن نهمل المبادئ الإنسانية التي أرسينا وجودنا عليها ولا نبقى فريسة سياسات ضيقة تافهة. ما عسى تكون سياسة البلد ككل مجتمع مؤمن بمواهب الله والعقل لأننا مللنا الموت والحريق والدمار لنرجو لأنفسنا وأولادنا قيامة مجيدة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (رومية 12: 6-14)/ الأحد 23 تموز 2006 / العدد 30

هي مأخوذة من الرسالة الى أهل رومية وتمثّل الجانب العملي، التطبيقي في تعليم بولس. ولعلّ فرادتها أن الرسول لم يشأ أن يكون المسيحيون مماثلين بعضهم بعضا الا بالتقوى ولكن لكل مؤمن موهبته فهذا قوي في العمل الاجتماعي وذاك قوي في اللاهوت والآخر في الإحسان او في العمل الإداري. وما يجمع كل هذه المواهب في بناء واحد هو المحبة اذ ماذا ينفعك ان تكون صالحا للإدارة او التعليم النظري وانت غير محب. وكان بولس قد كتب نشيد المحبة في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس وهي مع ما كتبه يوحنا في رسالته الأولى الجامعة من أعظم ما قيل عن المحبة في تاريخ الناس.

غير ان الرسول يتميّز عما كتبه سابقا بقوله:”لتكن المحبة بلا رياء”. فليس المهم ان تظهر لطفا تجاه انسان تكرهه. يكفيك ان تكون مهذبا. والمجاملة والمصانعة من أجل ان تكسب عطف الآخرين دون أن تحاول محبتهم بالخدمة لأمرٌ مكروه. الإنسان ينطق من القلب او لا ينطق ابدا.

وحتى تصل المحـبـة الى الـذروة تابع بـولـس فكره بقوله:”كونوا ماقتين للشر وملتصقين بالخير”. انت لا تستطيع مثلا ان تكون صادقا ما لم تكره الكذب. قول الكتاب هو “حِدْ عن الشر وافعل الخير”. افعل الخير ترجمها الرسول بقوله:”ملتصقين بالخير”. هذا اكثر من فعل الخير. هذا عشق له بحيث تروض قلبك على طلب الفضيلة يوما فيوما وصاعدا على سُلّم الفضائل بحيث لا تدع واحدة منها تفوتك لأن الفضائل متماسكة، تُكمل بعضها بعضا.

ولئلا يظن مؤمنو رومية ان لك أن تحب هذا بعض المحبة والآخر أقل أو اكثر قال:”محبين بعضكم بعضا حبا اخويا” اي كأن الناس كلّهم إخوة لك فلا تغرق في عطاء روحك وانسكاب قلبك بين واحد وواحد حتى يصل الى قوله:”مبادرين بعضكم بعضا بالإكرام”. هنا ليس يطلب بولس فقط ان تكرّم جميع الناس ولكن ان تبادر بالإكرام فلا تدع الآخر يسبقك فيه. اعطِ الآخر ما لم يكن ينتظر ليرتاح ليس فقط اليك ولكن الى ربه.

ثم يلح على الا يتكاسلوا وهو كان قدوة في الاجتهاد يبشر في كل حين ويكدّ صانعا خياما في الليل ليعيش فيصل بعد هذا الى قوله:”حارين بالروح” فاقضوا على الفتور فإن الرب يريد كل القلب ولا يقبل تهاونا بمحبته وطاعته. الحماسة من أجل كلمة الله ونشرها وتوطيدها هي التي أَعطت الكنيسة عمالًا لا يستريحون. بهذه الحماسة نفسها نكون”عابدين للرب” بقلب نقي فلا نشرك به عشق المال او السلطة او اي ما يمكن اعتباره إلهًا يستأثر بمشاعر النفس.

هذه العبادة تمدنا بالفرح وفرحنا دائم لأن رجاءنا دائم. ولئلا يظن مؤمنو رومية ان الرسول يعدهم بالمسرات في كل أيامهم، يحثهم على أن يكونوا صابرين في الضيق، والعهد الجديد كلّمنا عن المضايقات التي كانت تحل في الكنيسة قبل أن يكتب بولس رسالته الى اهل رومية اي في منتصف الخمسينات من القرن الأول. ولا يكتفي بحضّهم على الصبر اذ يقول في آخر هذا الفصل “باركوا الذين يضطهدونكم”. لا تجعلوا الاضطهاد يأسركم بالبغض. اغلبوا القائمين به بالغفران ولو متم. ذلك ان موت الشهادة يحيي الكنيسة.

وقبل أن يصل الـى ذلك يطلب اليهم المواظبة على الصلاة. في كل أوقات شغورك صلِّ ومع العمل اليدوي يمكن ان تصلي واذا انشد قلبك الى فوق انت مصلّ ولو لم تنطق بكلمة. ويختم دعوته الى الفضائل والصلاة بحثه على الإحسان للقديسين اي لمؤمني اورشليم الذين كانوا فقراء بسبب اضطهاد اليهود لهم. ثم اغنياء كنتم ام فقراء استضيفوا الغرباء ولا سيما المسيحيين الفقراء الآتين من الشرق الى رومية.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

هذه الحرب الرهيبة / السبت في 22 تموز 2006

دعوتي الى الله منذ بدء المحنة أن يأخذ لبنان بعطفه وكرمه. ومن كرمه أن تقف هذه الحرب التي شنتها اسرائيل حاقدة. موت عبثي، شرير، رهيب يحل بنا مع ما يرافقه من تدمير وتمزيق وقطع أوصال البلد. استلذاذ العدو بموتنا ونحن شعب بريء بكل أطيافه مهما تعددت آراؤنا بحكمة هذه الفئة او تلك.

لا يذهلني ان تتصرف اسرائيل كما تصرفت فهذا في آداب آبائها الذين أمروا بإبادة الكنعانيين اي نحن. هذا قديم وسابق للنصوص التأسيسية للصهيونية التي تقيم دولة يهودية لا تختلط اساسا بالعناصر الأخرى. هذا موقف إقصائي في تأسيس الدول المعاصرة.

لا يذهلني هذا ولكن يذهلني اصطفاف الاميركيين والاوربيين بعامة وراء الدولة العبرية وقول الولايات المتحدة إن اسرائيل تدافع عن نفسها. من اعتدى عليها؟ اذا كان المعنى الذي اراده السيد بوش انه خُطف لها جنديان فهل هذا يقابله كل هذه المجازر والدمار والهلع والتجويع للشعب اللبناني؟هل إحراق لبنان ضروري لإعادة هذين الجنديين؟ ليس بين هذا الخطف والحرب الشاملة علاقة سبب ومسبب. ثم من يصدق ان عملية حربية بهذا الحجم لم تستلزم اشهرا من الاستعداد في إطار عملية تأديبية ضخمة جدا للبنان هي جزء من مشروع سياسي عالمي يحدث هزة كبيرة في المنطقة كلها؟ الأكذوبة الكبرى بعد إخفاق الأميركيين في العراق انهم يرون لبنان مهيأ ليصبح نموذجا للدولة الديمقراطية الحرة بين العرب ثم يباركون او لا يمنعون الاعتداء عليه. هل من ديمقراطية ممكنة في بلد لا قوة فيه؟ بعد سياسة الأرض المحروقة التي يمعن الإسرائليون في التماسها او تطبيقها من أين لأحد ان يقيم دولة ديمقراطية، راقية، توحي الحرية لكل العالم العربي؟

الذين يظنون ان خطف الجنديين الاسرائليين كان عمل غباء من حزب الله (وانا ما قلت اني ابرره) انما هو سبب مباشر لتعطيل الحوار الوطني الجاري مع هذا الحزب والذي كان من شأنه ان يحاول صيغة تفاهم بينه وبين الفئات الأخرى. ان سجالا مقولا او صامتا مع حزب الله في الوقت الحاضر من شأنه فقط أن يدعم اسرائيل والدول التي ساندتها. مهما يكن من أمر فسوف تقوي هذه الحرب لبنانية حزب الله من حيث ان حلفاءه في الخارج او الذين يمدونه بالمعونة المالية لن يقفوا على رأيه ليصلوا الى تفاهم مع الأميركيين. ان ربح المقاومة لهذه الحرب يقوي لبنان وستخرج من المحنة اكثر توحدا مع كل اللبنانيين بلا مساءلة عن لبنانيتها.

#        #

#

كتبت هذه السطور الإثنين الماضي وربما يكون قد تم قبل صدور هذه الأسطر قرار لوقف النار. ما ينبغي ان يفهمه اللبنانيون هو ان يفتشوا عن مصادر قوة وإصلاح للدولة وتعبئة كبرى لقواهم تخرجنا من هشاشتنا. عند السلام او الهدنة ينبغي ان نعرف ليس فقط عدونا هذا الذي يميتنا الآن ولكن ان نعرف الفاترين تجاهنا او اللامبالين بمصيرنا وويل، اذ ذاك، لمن لم يفهم ان وحدتنا الوطنية الحقيقية تقوم على الولاء المطلق وغير المشروط للوطن وحده. ان الدول التي قالت بعد خروج الجيوش السورية انها مع سيادتنا برهنت ان المطلق عندها اسرائيل. هل نحن قادرون ان نثبت لها ان لبنان هو ايضا مطلق وان احدا لا يحق له ان يتفرج على حرائقه كما تفرج نيرون على حريق روما واتهم المسيحيين بفعلة ارتكبها هو؟ في ظل هذا الموت الذي نذوقه يحق لنا ان نغضب والا نتكل حصرا لوجودنا على الآخرين. نحن لسنا شعبا حاقدا ولكن الا يحق لنا ان نغضب؟

نكون قد غرقنا انفسنا في الموت الكامل اذا استسلمنا بعد هدوء الحال الى نرفزات طائفية سخيفة. نبارك نحن لمن جاء النصر على كتفيه لأن هذا هو نصرنا جميعا. التاريخ هكذا يمضي، والويل للعرب كلهم اذا انتصرت اسرائيل علينا. ستجعلهم، اذ ذاك، كلهم عبيدا لها.

لم تفهم الدول الغربية ان السلام الذي يسود المنطقة لن يكون السلم الأميركي ولكن السلم الاسرائيلي. ولم تفهم اميركا ان اسرائيل هي التي تستخدمها وان اسرائيل في اعماقها السيكولوجية لا حليف لها على رغم الحلف الاستراتيجي الذي يربطها بالولايات المتحدة. هذا حلف حقوقي وليس حلفا  نفسيا. واتمنى لو أدرك المسيحيون في العالم ان التفوق اليهودي الذي يحمله النصر الاسرائيلي خطر عليهم بالدرجة الأولى لأن الصراع الحقيقي على مستوى العقيدة الدينية هو بين الكنيسة واليهودية واسترخاء مسيحيي الغرب ازاء اليهودية واليهود الساطع في اللاهوت الغربي منذ تسعين سنة وما كنا هنا ضحاياه في اية كنيسة شرقية ارثوذكسية كانت او غير ارثوذكسية قد يطالنا لنقع في بدعة المسيحية المتهودة. ان ما وراء الغطرسة الاسرائيلية غطرسة يهودية واضحة تكره المسيح شخصيا وتكره بخاصة بولس الرسول الذي نقض اليهودية. هذا كله موجود في الآداب اليهودية ولكن من يقرأ؟

قد لا يكون مسيحيو لبنان على وزن كبير في سياسة بلدهم اليوم. ولكني أٍقول لهم بكل وضوح ان اسرائيل لا تؤثر وجودهم على الوجود الاسلامي لأن المسيحيين اللبنانيين ليس عندهم ما يقدمونه ليعشقهم اليهود وان المسلمين عندهم النفط. ونحن تعايشنا  والمسلمين العرب في أزمنة أكثرها كانت سلامية ووجدنا هنا في لبنان صيغة عيش تمكننا من اعظم حرية ممكنة ولن نتمتع بحرية عظيمة في ظل السلم اليهودي.

#          #

#

وبعد الألم لا بد من الإبداع ولا بد من السماحة تهيمن على كل النسيج اللبناني ولكن هذا يتطلب الا نحمّل اية طائفة مسؤولية هذه الحرب والى هذا سنعمل معا لنهضة لبنان ولكن بتضحيات عظيمة تجعلنا نقيم دولة عظيمة.

سنتحمل الألم ولا سيما اذا امتدت المحنة لعلمنا ان تكاتفنا شرط دوامنا بلدا حرا قادرا ان يصير نموذجا للعرب يتعلمون منه الحرية الكاملة لبلادهم وربما غدونا نموذجا للعالم. ولا نخافنّ الموت لأن الموت حرية للأحياء، هذا اذا فهموا ان الفرد هو والجماعة يقويان بالطهارة وان هذه الطهارة هي التي تنشئ دولة قوية ومستقيمة.

يبقى أن قلوبنا مع النازحين الى كل مكان وهم في حاجة الينا جميعا والى ادعيتنا. ارجو ان يلهمنا الرب جميعا مساعدتهم مباشرة او بواسطة الجمعيات الخيرية وهيئة الإغاثة العليا ولا سيما الاهتمام بطعام الاولاد والأدوية للأمراض المزمنة. والأهم من كل ذلك ان يكون جيران المؤسسات التي لجأوا اليها في القرب منهم يحسون ان اللبنانيين في المحنة معا.

دعاؤنا الى الله ان ينتهي القتال ليعود كل منا الى دياره وينعم بلدنا بالراحة والسلام.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الأطفال ويسوع/ الأحد 16 تموز 2006 / العدد 29

قبل ظهور المسيح لم يكن اليهود ولا الأمم الوثنيّة تعير أهميّة للطفل. كانت الشعوب تهتم فقط بالإنسان الراشد. والطفل رضيع أو يأكل ويشرب، ولكن لم يعتبر أحد أنّ له شخصيّة يجب أن تُراعى وأنّ له الحقّ بنمو غير قهّار. وحده يسوع لم يتجاهل الطفل.

عندما سأله تلاميذه: “من تراه الأكبر في ملكوت السموات” دعا طفلاً وجعله في الوسط قائلاً: “الحق أقول لكم: إن لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السموات” (متى 3:18). كيف يكون الإنسان مثل الأطفال؟ هو طبعًا لا يريد أن يكون الإنسان ساذجًا. يجيب السيد عن سؤالهم: “فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات”.

ركّز يسوع على أنّ الطفل متواضع بمعنى أنّه لا يعرف نفسه عظيمًا. لا يريد عقلا كعقل الأطفال أو أن تتكلّم كالصغار بلا فهم كافٍ. هل أراد يسـوع البراءة؟ في الواقع الطفل يكذب (يقول مثلاً: لا، لم أكسر الصحن) ولكن هذا ليس بكذب حقيقي لكونه يعيش في عالم تصورات تحجب عنه الحقيقة. الطفل يحيك عالما مـن الحكايات يظنّها حقيقة. يحيا خارج الواقع. لا يعرف الفرق بين الصدق والكذب.

يسوع لا يريدنا أن نتشبّه بالأطفال من حيث أنهم بلا تمييز بين الخير والشر ولكنّه يدعونا الى بساطة الأطفال. أنت، بالغا، ينبغي أن تحارب السذاجة العقليّة لتكتسب الحكمة ولكنّك مدعوّ الى بساطة القلب ونقاوته ولا ترى نفسك شيئًا. أنت لا تصير طفلًا ولكنّك تصير مثل الطفل على تواضعه. وعند ذاك أنت الأكبر في ملكوت الله.

في هذا المنحى يقول السيّد: “من قبِل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي فإياي يقبل”. أجل يريدنا السيّد أن نعلي شأن الطفل في مجتمع لا يزال أحيانًا يحتقره. أن نكتشف الطفل، أن نعمّده لأنّه كائن حبيب الله كما يريدنا أن نتعلّم عن الطفل. يريد الطفل أن ينمو، والمعلّم درس في مدرسة الناصرة بدليل أنّه قرأ الكتاب المقدس في مجمع الناصرة. لا يرضى أن يبقى الأطفال في الشوارع. لا يريد عمالة الأطفال وبذا يكونون قد تركوا المدرسة وعرّضوا صحتهم للخطر. لا يريد أن يستعملهم أهلهم لكسب المال وقد يكون الأهل أحيانا كسالى يستغلّون أولادهم. لا يريد أن يغيظ الأهل أبناءهم وبناتهم لئلا يفشلوا ويكرهوا أهلهم.

يريد أن يحبّوا أهلهم وليس فقط أن يكرّموهم إكرام خوف. يأبى السيّد الخوف الذي يضرّ كل انسان صغيرًا كان أم كبيرا. لا يريد قصاصًا جسديًّا مبرحا لأنّ الولد بهذا يكره أهله. وإذا فعل فغالبا ما يكره الله الذي يصوّرونه له أبًا. أمّا أنت اذا كنت أبًا عطوفًا أو أمّا حنونةً فغالبا ما يحس ولدك بأن الله عطوف حنون. وداعة الأهل هي التي تكشف وداعة الله.

Continue reading