لقطات ورؤى / السبت 19 آب 2006
الإثنين الماضي عرّجت على كاهن عاليه في طريقي إلى بحمدون لأداء صلاة الغروب لعيد السيدة وعند دخولي دارة الكنيسة رأيت ابنة الكاهن برفقة طفلة محجّبة لا يزيد عمرها عن العاشرة. صافحت ابنة الكاهن ولما نظرت إلى الابنة الجنوبيّة وضعت يدي على صدري وفعلت هي كذلك. ولما خرجت من بيت الكاهن لأكمل طريقي إلى بحمدون رأيت كل طفلة من هاتين راكبة دراجة. فهمت توّا أن هاتين صورة عن شعبنا الواحد وأننا نمشي معًا على طرق الوجود وقد يكون لنا منعطفات فكرية مختلفة يمليها علينا بالضرورة التزام ديني. في اللحظة التي فيها اكتب يبدو سلوك كل منا مرتبطًا بقراءته لإسرائيل أي بمعرفة قراءتها لنا أو عدم هذه المعرفة. أنت مع الصد للعدوان أو لست مع الصدّ. أنت مع الصد بأيّة وسيلة لأن مبتغاه أن يلغيك وأنت مع المهادنة لاعتقادك انك إذا تهاونت مع إسرائيل يرتب لك السيد جورج بوش مكانة في الشرق الأوسط الجديد فتتوهّم إسرائيل إن تهاون لبنان إلى الأبد لأن بعضه تاجر مثلها أو متغربن مثلها وأنت في هذا أبله كليّا لأنك لا تشاء أن تفهم انك إلى الأبد غوي (اي من الأمم) في اللاهوت اليهودي الذي من أنصاره مَن يؤمن ومن أنصاره من لا يؤمن. وأنت أبله لأنك لا تعلم أن اللاهوت إذا سقط يصبح سياسة والسياسة تصبح حربا.
وأنت عندما تتكلّم جديّا عن نزع سلاح حزب الله يتعمّق غباؤك أولا لأن الدولة عاجزة عن تسلّمه أو عن استعماله وان الدولة كانت تعرف أنها لن تتصدّى يوما لانعدام الطيران عندها وللتفاوت الرهيب بين جيشها وجيش العدو ولمعرفتها بأن العديدين يرضون بدولة غير محصّنة ويتشرّفون لفظيّا بالاستقلال والسيادة لعلمهم بعجزنا. أنت إما تبتغي دولة انت قادر على حمايتها واذا كنت عاجزا عن ذلك فتتوقّع أن تندرج بمشروع الشرق الأوسط الجديد يصير فيه بلدك منتجعًا للعرب ومعهم أصدقاء وصديقات من يهود وفلسطينيين. وهذا شرق أوسط جديد تبشّر به المسيحية المتصهينة التي يدين بها الفريق الذي حوّل جورج بوش وهي معتقد يعني حقيقة الامبريالية الأميركية القديمة الجديدة التي أداتها إسرائيل، وهذه صيغة تعني عيش كيانات متلاقية بالتجارة الدولية وطرق مواصلات ومعلوماتية متطوّرة في إطار العولمة التي وان بيّنت دراسات غسان سلامة على أنها مشروع أميركي تكون مقاولته في هذه المنطقة إسرائيل. الخيار هو ليس بين حزب الله واختفاء قوته القتالية. القضيّة في الأخير هي كيف تفهم نشيد مريم من إنجيل لوقا “حط (أي الله) المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين”. هل أنت نصير الأقوياء أو نصير المستضعفين.
***
مشكلتنا ليست كما طرحها بعض في حرب 1975 أي لبنان نريد. نريد وطنًا نهائيًا موحدًا لا وصي عليه – وحجتي على بعض أنهم لم يقولوها- ولو ارتبط بدول كثيرة بلا إتباع ولا تذييل. كيف يعاش هذا، ما ترجمته العسكرية؟ لا نستطيع أن نتكل كليا على الأمم المتحدة التي يزيد ضعفها وتقل فاعليتها ولا يؤمن المفكرون السياسيّون الأميركيون بفائدتها إذ يؤمنون بأن العالم إمبراطوريتهم ولا حاجة إلى إمبراطورية جديدة هي للدول مجتمعة ومتآزرة. ثقوا بأني لا أكره أميركا ولكني أؤمن بالتواضع في السياسة نفسها وأؤمن بقوة الفقراء على تجاوز عقدهم وخوفهم ليصبحوا أعزة في الأرض.
بكلام أبسط، أوجدوا لنا صيغة للبنان قوي أو ضعيف يصونه الغير أي يحبه الغير فأفهم أن تجرّدوا البلد من كل سلاح شرعيًا كان أو غير شرعي إذ أقرأ دائمًا أن الجيش اللبناني هو للاستعمال الداخلي وقد سمعنا من أعلى مقام في الدولة انه لا يصح تموضعه على الحدود لئلا يحمي العدو. أنا لست خبيرًا عسكريًا لأناقش هذا الموقف ولكنه اعتراف واضح بأننا لا نقدر أن نقف عند الحروب وأننا قوة لنحمي الأمن الداخلي. ولكن القول أن جيشنا لا ينفع على الحدود يعني أن إسرائيل تنفع على الحدود أي أننا ارض مستباحة من منطلق البحث في الجيوش وان لنا ثقة بإسرائيل مغرومة بنا حتى لا تشتهي مهاجمتنا.
ودليل غرامها بنا انها دمرت 15000 منزلا وقتلت ألف إنسان ثلثهم أطفال وان حربها غايتها ما صرح به رئيس حكومتها أولمرت انها تريد إرجاعنا عشرين سنة إلى الوراء. هدفه في إرجاعنا إلى الوراء إذا كان يريد التطبيع والتعاون. هذا لا استطيع فهمه إلا أن الغاية منه سوى الحقد الواضح انه يريد إخضاعنا لبلده واستدراجنا إلى مشروع للشرق الأوسط الجديد نكون فيه غير فاعلين.
يتحدثون عن انقسام في لبنان بعد هذه الحرب. هذا قائم اليوم ليس بين طائفة وطائفة ولكنه بين أهل الإذعان وأهل الرفض. أهل الرفض لا يدّعون أنهم منقذو لبنان ولكنهم يساهمون في ذلك بصورة فعالة. أهل الإذعان يذهبون إلى أن الحل هو في يد الدولة وأنا قرأت هذا في كتب الحقوق لما كنت أتعاطاها. السؤال الحقيقي هو هل في يد دولتنا قدرة أو وسائل أو هل تقبل منها الولايات المتحدة لجم إسرائيل وكل الأدلة التي بين أيدينا تدل على أن هذه الحرب لم تقررها إسرائيل بلا بركة أميركا لحسابات لها خاصة قد تتجاوز بلدنا حتى تحقق مشاريع الشرق الأوسط يطيع الناس جميعا الامبريالية المتجددة.
***
أما بعد فتحرك قلبي صباح الثلاثاء لما رأيت صورة أرتال السيارات تعود. يريدون جنوبهم بانتظار إعادة تعميره. ندائي اليوم إلى شباب لبنان إذا شرع أهلنا بالبناء أن ينزلوا إليهم ويقوموا معهم بالعونة التي كنا نمارسها في الجبل فينظمون مخيمات عمل وينقلون الحجارة أو مواد البناء ويعمل كل منهم حسب طاقاته ولا نبقى هكذا قابعين في موضوع السلاح. إذا لطف أهل الجنوب وقبلونا بحب نسكن الخيام ونعمل بأيدينا فيحس أهلنا هناك وفي الضاحية أننا واحد معهم واحد وان هذا البلد اخذ يكتشف انه واحد في الحب فيسير من الحب إلى القدرة.
Continue reading