Author

Aziz Matta

2015, جريدة النهار, مقالات

الشعانين / السبت في ٤ نيسان ٢٠١٥

«قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعا راكبا على اتان وجحش ابن اتان». أليس هذا لنقول لهم انك في واقع القوة لا تملك وفي السياسة ليس لك شيء؟ تأتي اليها لتقتلك؟ من يذهب سواك إلى الموت طوعًا؟ لماذا اخترت الموت طريقًا إلى حياتنا؟ لماذا تطوعت له ولم تغلب بلا موت؟ لماذا اخترت مقهوريتك لقهر الشيطان؟ هل لعلمك انها هي وضعنا الطبيعي الدائم وانك فيها تلقى كل بشر؟ لماذا كان يجب ان تنزل إلى كل هذا الشقاء؟ ألعلمك ان الشقاء هو وضعنا الأساسي والسائد؟ لماذا أردت ان تلقانا في خطايانا؟ هل لعلمك اننا هناك، بصورة عادية، نبيت؟

من دخل إلى مكان ليموت فيه؟ غيرك تقبل الموت، لم يقتحمه. أكان ذلك لتعلمنا ان لا حياة لنا الا من موت أي من موت الأهواء والمنافع والخطيئة؟ أظن ان تحديك ايانا هو في قولك ان طريقكم إلى الحياة هي الموت. وفهمنا بعد هذا ان موتك أنت لاموتنا هو قيامتنا. كيف يذهب إنسان طوعا إلى موته؟ من سيرتك تعلمنا ان موتنا حبا هو طريقنا إلى القيامة وفهمنا انه لا ينبغي ان نحب الموت ولكن القيامة من بين الأموات. الموت قصاص، مفيد فقط لمن قبله طريقا إلى الحياة في الله. نحن لا نسعى إلى التألم. هذا تفسير خاطئ لضرورة اقترابنا من المسيح. المسيحية ليست ديانة الألم. هو فينا، لم نخترعه. ولكنك منه تذهب إلى هناك وإلى فوق.

ما دعا يسوع إلى الألم. هو فيك، يأتيك وتتقبله إلى حين وتتجاوزه بفرح القيامة الآتية إلى قلبك. خطأ التعليم الذي يوحي بأنه عليك ان تستلذ الألم. أنت بحركة أولى تستقبله ولكنك تفعل هذا لتتجاوزه ويحسب لك هذا برا. الواقع يأتي به اليك ولكن ربك لا يريد له ان يبقى. تقبله لا صبرا اليه ولكن إلى ربك وبهذا تزيله. الله لا يريد ان يفتعله فيك. اذا جاءك يربيك به. الكل يحررهم في الحياة الأبدية والخبرة الروحية تقول ان الله يعطينا التربية عليه بالألم.

لا يريدك الرب ان تفتعل الأوجاع فيك ولكنها تجيء. أنت لا ترحب بها ولكنها ان حلت اقبل ان تربيك. لماذا لا بد من ان تعبر بالألم؟ لم يجب يسوع عن هذا السؤال ولكنه لما اقتبل أوجاعه فهمنا ان هذا ما يجب علينا ان نفعله.

غير صحيح ان المسيحية ديانة الألم. هي قبول لألم لم يستشرنا أحد به لأن القبول هو ارتضاء ما يؤتى الينا بعده أي تعزيات الروح القدس. لماذا الدنيا قائمة على ان القيامة، قيامة كل إنسان تسبقها أوجاع؟ أظن ان هذا من باب الواقع ولكن من باب الإيمان ان ارتضاء الألم في الطاعة لله طريقنا إلى القيامة ليس الآتية فقط ولكن الحالة فينا بالمحبة.

إلى ان يقيمنا الله من بين الأموات نحن في قبضته. بيتنا رحمة كل منا للآخر. ان حيينا أو متنا نحن معه نرجو كل يوم حنانه. والرفق هو المناخ ونتعزى حتى ينزل.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

مريم المصرية / السبت في ٢٨ آذار ٢٠١٥

لست أعرف لماذا الكنيسة الأرثوذكسية تحب هكذا القديسات العائدات من التوبة ولا تبدو مسحورة بالقوة نفسها بالذين كانوا دائمًا تائبين. هل ان الأرثوذكس خطأة تائبون؟ ربما ليس عندنا تعريف عن المؤمن الكبير أقوى من قولنا انه جاء من التوبة. المسألة انك لا تقدر ان تتكلم عن البر ما لم تتكلم عن الخطيئة. هذا أسلوبنا من أجل الهداية. ثم لماذا هذا الكم من القديسين الذين كانوا خاطئين؟ هل لأن الكنيسة لا تعرف كثيرًا عن ناس كانوا دائمًا تائبين؟ أنت لا تستطيع ان تتعاطى الكنيسة الأرثوذكسية بسهولة. هي صعبة المنال وأصعب ما فيها انها لا تصدق ان الناس الذين كانوا طوال حياتهم أطهارا كثيرون. أجل هذا صحيح ولكن يبدو لي أيضًا انها تريد ان تعزي الذين كانوا خطأة بتصوير ان مصيرهم في حنان الله وتوبتهم في الخلاص. أجل نعرف من سيرة القديسين ان بعضهم كان طاهرًا منذ شبابه ولكن ما في أذهان الناس ان كثرة من الأبرار جاؤوا من الخطيئة. ويلفتك في العبادات الأرثوذكسية انها لا تتكلم كثيرا عن طهارة دامت عند بعض بقدر ما تتكلم عن التائبين. هل لأننا نعرف واقع الحياة أم نريد ان نرى أنفسنا خطأة لئلا نستكبر؟

ثم يلفتني في سيرة القديسين عندنا اننا نقول عن بعض من آبائنا انهم كانوا زناة. لماذا اللفتة إلى الخطيئة دائما؟ هل لأننا نخاف الغلو ان لم نصف الأبرار بأنه كانت لهم شوائب؟ لماذا الإلحاح على مريم المصرية ومريم المجدلية؟ لا يوجد غير هذين الاسمين في الخاطئات؟ ثم لماذ هذا الإكثار من ذكر خاطئات وليس من ذكر خاطئين؟ هل لأن من كتب السيرة هم الرجال؟ ثم لماذا انتقاء الخاطئات من مصف الفاسقات التائبات وليس فمن كنّ يتعاطين خطايا أخرى؟ هل الكنيسة ترتجف أولا من الزنى ولا نرى مثلا انها ترتجف من الكذب؟

هل الكنيسة تكثر من الكلام عن العفة لاحتسابها اننا من حيث الكم نخطئ أولاً اليها؟ لم اعثر في الأوساط التقية عمن تكلم جهارا ضد الكذب. هل لأن من تحصيل الحاصل قول الكتاب ان «كل إنسان كاذب».

لست أعلم لماذا الانتباه الشديد إلى عفة النساء في الأدب المكتوب لا إلى عفة الرجال؟ هل المضمون ان الرجل مباحة له أشياء وأشياء لأنه قوي أو معه مال والمرأة مقيدة بالعفة ليعرف ان أولادها هم أولاد زوجها.

ثم لماذا الخاطئات اسمهن مريم؟ هل كان المسيحيون الأوائل قليلي الخيال في اختيار اسماء لبناتهن أم انهم يحبون كثيرا أم يسوع فيرون ان في هذا الاسم دعوة إلى توبة صاحبته؟ لافت ان الكنيسة لتتكلم عن التوبة اختارت كثيرا نساء وركزت على انهن آتيات من الفسق. هل ان الرجال قليل فيهم الزنى أم لإحساسها ان المرأة العفيفة هي الكائن الذي يدعونا إلى الطهارة؟

أنا لست عالما في الطقوس المسيحية المقارنة ولكن لفتني ان الكنيسة الأرثوذكسية تتكلم كثيرا عن العفة بمعناها الجسدي. هل هذا التركيز أتى من ان كتاب الطقوس عندنا كلهم رهبان وما يجذبهم في الفضيلة أولا هو العفاف. هل لأنه صعب حتى على الذين في الدير ولا يمسون امرأة؟

في غرفتي ايقونة هامة لمريم المصرية. لماذا؟ من أتى بها؟ هل لكون التوبة معجزة، قريبة من المستحيل؟ بمعناها الكامل باللغة اليونانية هي تحويل كل ما في عقلك إلى الله. هل من إنسان له ان يصبح إلهيا إلى هذا الحد؟

لماذا بقيت مريم المصرية نموذجا لي جاذبا ولم اختر قديسا عاش القداسة طوال حياته؟ لماذا يعجبنا التائبون أكثر من الذين كانوا دائما طاهرين؟ تروقني الكنيسة الأرثوذكسية لأنها عرفت ان تختار قديسين ممن خطئوا. ربما لتقول للمؤمنين انهم جميعا قادرون على التوبة ان رغبوا.

كل يوم نحتفل بقديس. لماذا في الأيام المكثفة التقوى نحتفل بالقديسين الذين خطئوا؟ أظن ان هذا تربية لنا جميعا أي القول بالتوبة مهما عظمت معاصينا. أظن ان أهم ما في التوبة ارتياح التائب مع معرفته لضخامة خطاياه ان الله محاها له بلحظة.

لماذا المؤمن الكبير تجذبه توبة الآخرين؟ الأنه رأى فيهم ان مراسهم أبعدهم كثيرًا عن الحق وان رجوعهم إلى الرب صعب المنال ومع ذلك يرجعون. الرجعة الكبيرة إلى الله هل هي ممكنة؟ أنا أعرف انها صعبة ولكن ليس عند الله فينا مستحيل.

هل كل منا يريد ان يكون مريم المصرية في طور توبتها؟ هل يؤمن بأن هذا ممكن لله اعطاؤه لنا؟ لماذا تريد الكنيسة ان يكون التائبون والتائبات نماذج لنا؟ هل هي تصدق اننا راغبون في الصورة؟ تؤمن على الأقل اننا بالنعمة قادرون عليها.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

ان نبقى مع الله / السبت في ٢١ آذار ٢٠١٥

ان نبقى مع الله ان أعطى وان خذل أو حسبنا انه خذل هذه طاعتنا للإيمان. أنت فقير اليه ولا تشترط عليه شيئا ان أمدك بنعمة ولا تتذمر اذا حرمك منها. في ما تأخذ وفي ما لا تأخذ أنت فقير. أنت لست في تجارة مع الله. ان اعطى فهذا من محبته وان خذل فهذا أيضًا من محبته لأنه مربيك. واذا لم يجربك أحيانا كيف تعرف انه أب لك في الحقيقة؟

هو لم يشترط عليك شيئا فتكون معه. في غناك الروحي وفي فقرك هو معك. تجرد من علاقة التجارة معه. أفهم دفعة واحدة انه اذا اغناك بنعمة أو أفقرك هو معك. لست معه في عقد ثنائي. العلاقة بحبه لك. أنت تقبل حبه وتشكر. أنت ان أحببته لا تزيده شيئا.

لازمه لتحيا. وحدك أنت تافه. كن معه لتجد ان لك معنى. الإنسان وحده بلا إله صحراء. كيف يغتذي؟ مصلحتك ان تبقى معه. هو لا يستفيد منك بشيء. معه لك كيان لأنك وحيدا عنه فيك فراغ أو كلك فراغ. ولكن ان تبقى معه هو ان تبقى له أي مخصصا نفسك له، مندفعا اليه بكل قواك، ناسيا ملذاتك الضارة ومنافعك الخسيسة. ان تكون له هو ان تنسى انك مركز الوجود وان تنبسط أمام الناس بالخدمة. الله في الناس. ان لم تجده فيهم لن تجده في السماء. تبدأ السماء بالحب هنا، أحب الناس جميعا بالإخلاص الكامل.

السماء أولا فيك وفي الناس لأنها في الله والله فيك وفي الناس. كيف تعرف انك مع الله؟ في جواب أول اذا رفضت الرذيلة وآمنت بالبر وفي جواب ثان ان حققت البر بالمحبة. وهذه لا يزاد عليها لأنك بها تصل إلى الله.

أنت مع الله أولا ان آمنت وان تؤمن تعني ان تعتبر الله مأمنا لك وملجأ أي انك لم تبق في احساسك خارجا عنه. هذه المعية هي كل الإيمان ان لم تكتف بالإيمان كلاما.

ان تؤمن عملية في غاية الصعوبة ان فهمتها لأنك تعني انك اقتنعت بعقلك وسلوكك معا ان الرب هو كل الحياة وكل حياتك. معنى ذلك انك خرجت من ذاتك، من الأنا لتصبح عنده وله. في الأخير معناها انك أمتّ كل ما فيك من شهوات ليصبح الله شهوتك الوحيدة. الإيمان ترهب وانقطاع لتحقيق الحب بينك لترتفع قليلا أو كثيرا فوق المخلوقية.

اذا مكثت عند الله ماذا يبقى لك من نفسك؟ ماذا تشاهد منها؟ ان صرت حقا له لا تشاهد الا وجهه فتعود اليك الوجوه التي تحب مستنيرة بنوره وبينه. اذا تربيت عليه تلحظ يوما بعد يوما انك صرت تتكلم بكلامه وتطلب إرادته وتدرك ان شهواتك أخذت تتساقط.

ان تبقى وجوديا مع الله يعني انك تحب وان تحب كل إنسان حولك بلا نظر إلى حسناته. الحب مجاني كليا أي لا يطلب ردا. تعطيه بأمر من الله ولا تنتظر تعزية بان تبقى مع الله في فرحك وفي وجعك طالبا وجهه فقط لأنك اذا أدركت ان وجهه يكفيك تكون فهمت كل شيء.

ان تشعر ان الرب يكفيك لا تعني انك شعرت بالاستغناء عن خلائقه. تعني انك تراها من خلاله، ان ترى ملامحه على وجوههم. ان ترى وجوههم وحدها بلا ملمح منه هو ان تعبدها وهذا شرك. ان تراه على وجوههم تعني ان هذه تجلت وانك أنت تجليت بها. لا إله فيك ما لم يكن ناسه فيك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

أين أنت من الحقيقة؟ / السبت في ١٤ آذار ٢٠١٥

أين الناس من الله أو من الحقيقة؟ أنت تكتب فقط ليقترب القارئ من الحقيقة لأن الكاتب يريد ان يكون الناس مع الله. الكاتب يد الله وأنت، كاتبًا، لا تزيد عليه شيئا. تبلغ فكره بطريقتك. ذلك ان الله تكلّم بالأنبياء ونحن نترجمهم. لما كتب يوحنا الرسول: «في البدء كان الكلمة» كان يريد ان الله أيضا يكون في النهاية. ومعنى ذلك انه في المدى بين البدء والنهاية. انك في رؤية الله إيّاك وانك قائم بمقدار ما تريد رؤيته هذه. ومعنى هذا أيضا انك لا تقدر ان ترى الناس أو ان تجد فيهم شيئا الا اذا كانوا مشاهدين لله.

لذا انقسم الناس بين من رآه ومن لم يستطع ان يراه. والذين لم يستطيعوا ان يشاهدوه أعموا عيونهم لأنهم آمنوا بأنفسهم فقط ولم يؤمنوا به اي ماتوا بعشق أنفسهم. هكذا العشق اما ان تحب الرب فيجدك أو تحب ذاتك وحدها فتموت.

الكثيرون من الناس يظنون انهم يعرفون الله لأنهم ينتمون إلى ديانة من الديانات. اما هو فلا يعترف الا لمحبيه انهم له. البقية تقول كلاما. كل القصة بيننا وبين الرب ان نتأكد محبتنا له وهذا ليس بالأمر السهل. المحبة تحجبها أحيانا كثيرة اننا نمارس الدين في العبادات. هذه لا تكفي. السؤال الحقيقي الذي تطرحه على نفسك هو هل أنا محب لله في طاعتي له. قد لا تكون صلواتك مؤداة حقيقةً من القلب. المعيار الذي ورد في كتابنا هو ان تحب الرب الهك وان تحب قريبك أي الآخر كما تحب نفسك.

أين أنا من الله سؤال صعب لأن الله وحده يعرف. أنت تعرف فقط ان كنت تحب الله. المعيار الوحيد لمحبتك له – وهنا أترجم يوحنا الحبيب – انك تحب الآخرين. سهل عليك ان تحسب انك تحبه. يكفيك ان تقول هذا لتظن. الإنجيل قطع الأمر بقوله أنت لا تحب الله الا اذا أحببت الناس. وهذا لا يعني تدفق عواطف ولكنه يعني خدمة. محبة القريب هي أولا انتباه للقريب، لشعوره في السراء والضراء، لحال معيشته من أجل خدمته في واقع وضعه. كثيرا ما كان حضورك عنده أو معه خدمة له ولمصالحه. سير إليه وإلى قلبه.

أين أنا من الله من أصعب الأسئلة اذ كيف أعرف نفسي الا اذا كشفها هو لي. يكشفها لي بالألم اذا قبلته طاعة. ويكشفها لي اذا سلطت عليها كلمته. لا مزاح مع الله. أنت تطيع أو لا تطيع. هل قبلت ان تتألم من أجله اذا قضت الحاجة؟ هل قبلت الصدق أي الاعتراف أمامه في كل حين؟ هل قلت عن خطيئتك انها خطيئة أم تريد ان تحجب نفسك أمام الطاهرين؟

مشكلتك مع الكلمة مشكلة كبرى. قد تظن نفسك في الحق لأنك تتكلم صحيحا. هل كيانك في عمقه في الحق؟ هل أنت صادق مع الله؟ هل تكذب على نفسك عالما أم غير عالم؟ متى تكون أنت إياك أو تكون مجرد حكي.

هل كلامك هو أنت هذا هو السؤال. أنت مسؤول عن كل كلمة تقولها وعن كل كلمة تخفيها، تصبح إنسانا سليما اذا زال الفرق بينك وبين كلامك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الله محبة / السبت ٧ آذار ٢٠١٥

لي مكتب صغير في قريتي أطل منه على بيروت. كنت استلذها أيام دراستي في مطالع الأربعينات. الأشرفية حيث كانت دراستي العليا كنا نحسها صغيرة تتمشى فيها من البيت إلى الجامعة. أمامي مكتبة لا تحوي كل كتبي وورائي أيضًا كتب. أقلام وأوراق. لماذا ما كنت ألعب في المدرسة وخارج المدرسة؟ يبدو ان اللعب كان أساسيا ليكون لك رفاق. كل شيء كان يحصل عندي وكأن الكتاب بديل عن الرفيق. بعد المدرسة عرفت الصداقة.

الكثيرون ممن أحببت استدعاهم ربهم إليه طوال عشرات من السنين. أنا لا أرتب الحياة. اخضع لمن رتبها. هذا فيه حزن ولكن فيه تعزيات إلى ان يصلنا ربك إلى الوجوه التي أحببنا. لماذا اختار هذا أو ذاك من رفاقي؟ هذا شأنه ونبقى هنا مع الذين تركهم لنا.

الإنسان وجه إليك أي إطلالة. الناس في ما يتواجهون ان كان الله فيهم. ما عداه لحم ودم. من لا يأتيك من عند الله ليس لك في العمق لقاء معه. الحياة ليست أنت بل أنت مع الآخر. لك ان تفكر ولكن هذا لا يغير من هم حولك دائمًا.

لا أعرف إنسانًا لا يريد ان يكون محبوبا. عندما قال يوحنا الحبيب «الله محبة» ما عنى انها صفة من صفاته. أراد انه هو إياها. يوحنا الرسول ما قال ان الله محب. قال انه محبة. وكأنه أراد ان ليس فيه شيء سواها. ان كانت المحبة هي الله أو كان الله المحبة إلى أين تذهب؟ هل من شيء ممكن بعد هذا؟

ماذا تعرف بيروت عن الله؟ قبل دنو شيخوختي صرت أفهم ان الله غريب عن كثير من الناس. هم يستعملونه. يريدونه لهم. من يقول في نفسه: أنا لله وحده؟ واذا قلت هذا تعني بالضرورة انك للناس جميعا. اذا كانت بيروت لا تعرف الله وحده أي أعلى من كل الوجود ماذا تعرف حقا من الوجود؟

ليس عندنا تعريف عن الله. العقل يعرف وجوده ولا يعرف أكثر. الإيمان يعرف انه هو المحبة. دون هذا عواطف. هي اقتراب. أنت في الله وهو فيك. هذا اختبار. أعمق ما لك من معرفته انك تحبه بدءا من علمك انه يحبك. ان قلت شيئا آخر تكون آتيا بكلام من العقل وحده. العقل محدود ببشريته ولا يعرف أكثر من ان الله موجود. أما العمق الإلهي فلا تعرفه الا بالنعمة أي اذا صرت إلهيا، شبيها بالله اذ ذاك يحق لي ان أقول ان بيني وبين الله تجانسًا.

اذا قلت ان بينك وبين الله تجانسا أي انك من جنسه لا اعتراض لي لأنه بالحب جعلك من جنسه اذ تبناك. هذه مودة من الله نقابلها نحن بالطاعة والمعتقد المسيحي اننا نحبه لأنه أحبنا أولا. انه هو المبدئ. «أنا الألف والياء، البداءة والنهاية». الحياة الروحية رحلة منه وإليه وفي الطريق نعثر على القديسين ولكنهم ليسوا هم النهاية.

عندما يقول يوحنا الحبيب: «الله محبة» يعني انه كل المحبة وان لا محبة الا فيه. أنت بها لا تنقل عاطفتك وحسب. تنقل الله بنعمة. وفي المفهوم المسيحي الشرقي ان النعمة غير مخلوقة أي لا تقدر ان تفصلها عن الله. عندما نقول ان هذا الإنسان محب اذا أردنا لها مصدرا إلهيا نعني ان هذا الإنسان قائم في الله وبالله يتحرك. بكلام مباشر نعني ان الله الساكن فيك هو الذي يحب فيكتمل المعنى هكذا اذا أنت أحببت فالله فيك هو الذي يحب.

فإذا قلنا «الله محبة» وأردنا انه هو المحبة تكون المحبة كل شيء وبقية الفضائل ثمرات لها. يصبح لك هذا صحيحا في ذوقك للحب الإلهي اذا انسكب عليك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

أحد الأرثوذكسية / السبت في ٢٨ شباط ٢٠١٥

هكذا في كنيستنا نسمّي الأحد الأول من الصوم الذي نحن فيه ويعني أحد استقامة الرأي. تسمية قديمة جدا سابقة للانفصال القائم بيننا وبين المسيحيين الآخرين. أنت لست مستكبرا اذا آمنت انك في الحق. انت تشهد ليس لنفسك ولكن للإيمان الذي ورثته من الله. بهذا تعود إلى الله لا إلى كبرياء جماعة ان وجدت الكبرياء.

أنت لا تستصغر أحدا اذا قلت انك في الحق. في ذلك انت شاهد لله فقط الذي هو وحده جعلك ما أنت. لعلها مناسبة لأقول اننا ندعو الله الا يجعلنا في استكبار. أنت لست كبيرا في نفسك. أنت كبير بالنعمة. هذه مناسبة لأقول ان ايمانك بأنك موفور النعمة لا يستدعي شعور عظمة قائمة فيك. العظمة التي نزلت عليك ليس لك فيها فضل. وأنت لا تلازمك عظمة اذا تواضعت. البشر من لحم ودم وليس فيهم شيء. العظمة في ما ورثوا.

فإذا استكبر فريق منا نحن المسيحيين في ما أخذ يكون شكورا. اما اذا استعظم نفسه يكون قد سقط. الله عدو المستكبرين لأنهم استكبروا ولكنه ليس عدو من افتخر بالحقيقة التي نزلت عليه.

فإذا استعظم أهل الأرثوذكسية أنفسهم يضربهم الله. اما اذا شكروا العظمة النازلة عليهم يعليهم. أنت لا تمتلك الايمان المستقيم الرأي لتتعظم به. هو يملكك اذا شئت وتواضعت. دائما كان هم الكنيسة بقاءها في استقامة الرأي لأنه هو استقامة الإيمان والقلب. هذا افتخار بالله وليس استكبارا على أحد. انت لا تدين الذين ليسوا على الإيمان القويم. لم يصل إليهم. هم في سرّ الله وهو يتدبر مصيرهم. وليس عليك حرج ان افتخرت بإيمانك لأنه اعطي لك. هذا يزيدك إصرارا عليه وأنت لا تدخل السماء بفضلك بل بفضل النعمة عليك.

ويل للمستقيم رأيه اذا ادعى أو استكبر. هذا ليس له. انه أعطيه. اما لماذا هو حبيب الله فالجواب عند الله. والله لا يعطي أحدا حسابا. أنت تشكره ان عرفت انك له والشكر أيضا من نعمته عليك.

نحن الأرثوذكسيين لا ندعي شيئا ان كنا فاهمين. لا نقول اننا أفضل من الآخرين. ما عندنا ليس منا، ورثناه من الله وهو في ذلك حر. لا نسأله لماذا أعطانا، لا نعرف. وأنت لا تسأله اذا لم يعطك. هو يعرف.

ليس أحد يعرف لماذا هو في استقامة الرأي. هذا فضل الله عليه. وليس أحد يعرف لماذا لم يرث هذا الفضل. هذا شأن ربي. وليس من حق أحد ان ينسب إلى نفسه جمال انتسابه إلى الإيمان. هذه نعمة لا يملك ان يسبر غورها.

إذا دعاك الله إلى استقامة الرأي فلا شأن لك في ذلك. أنت تتقبل النعمة وتشكر. سر الله وحده إذا أقامك في بيته. مصير الذين لا يظهرون انهم في بيته لا تعرفه. هؤلاء ليسوا في معرفتك. انهم في الرحمة. لماذا نزلت عليك استقامة الرأي وعلى ذويك من قبلك. لن تعلم شيئا عن هذا. أنت فقط تشكر.

هنا أود ان أبدد سوء فهم قائما. أهل الإيمان المستقيم لم يقولوا يوما انهم أفضل من سواهم أو أقرب إلى الله. قالوا ان ما يؤمنون به هو ما انزله الله عليهم. هذا شأنه وليس شأن أحد. هم ليسوا في حالة ادعاء. هم في حالة شكر. اما لماذا أدخل المسيح إلى حظيرته قوما ولم يدخل آخرين فهو وحده يعلم. في كنيستي نميز بين المستقيمي الرأي والذين هم على رأي آخر ولا نقول غير المستقيمي الرأي. ولا نقول ان الذين ليسوا على استقامة الرأي ذاهبون إلى الجحيم. الله وحده يعرف هؤلاء.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الصوم / السبت ٢١ شباط ٢٠١٥

أنت تفرغ نفسك من الطعام أو من بعض من طعام لتعترف أنك فقير إلى خبز الله. الامساك رمز إلى فقرك اليه. انه ترويض النفس على فقر إلى ربها وإلى الآخرين. لذلك يوم غد، عشية دخولنا هذه الرياضة نستغفر الآخرين في طقوس كنيستي لأنهم ان غفروا لنا يؤذنون لنا بدخول الصوم فقراء ذلك اننا ان جعنا نروض أنفسنا على اننا جائعون إلى رحمة الله.

لا معنى للصوم الا اذا مارسته اقرارا بخطيئتك. هذا الاقرار بدء تبرئتك إلى ان يلبسك الله نفسه. أنت تجوع إلى الله لا إلى طعام. كل ممارساتنا ترويض إلى ان نتسربل الله بنعمته أي إذا ارتضانا. أنت لا تكسب الله بالصوم. هو يكسبك بمحبته. دائما كان هو البادئ والإيمان ان تتقبل.

عشية غد الأحد يجثو كل منا أمام من حضر صلاة الغروب ويستغفره بكلام واضح ويقبله تقبيلا حتى يدخل الصيام بالحب. الامساك هو المبتغى. توبتك إليه وإلى الله معا تؤهلك للامساك. بلا إله عائد اليك أنت في نظام طعامي آخر. بلا وجه تحبه ما أنت بصائم. بلا وجه تحبه ليس لك فصح. بلا وجه تحبه لست بشيء.

ان تمسك يوم الاثنين القادم عن طعام هو ان تمسك عن الخطيئة لأن الخطيئة كانت طعامك. ان تعف لا تعني شيئا الا اذا أردت بعدها لقاء مع وجه هو وجه ربك لأنه وحده يراك بحب.

ليس الطعام أو الامساك بشيء ولكنا نرجو ان امسكنا بحب الله ان نلتقيه لأن الموسم امتناع عن طعام الجسد لنستقبل الرب في الكيان. واذا كان الفصح فرحا فالصيام استعداد للفرح كما تكون صلاة العرس عندنا استعدادا للزواج. لسنا ضد الجسد. نحن لترويضه. كيف نكون ضد الجسد وقد لبسه المسيح! نحن ضد اهتراء الكيان بالخطيئة لأن الخطيئة ضد محبتنا لله.

من صام يؤمن بترويض الجسد وليس ضده ولا يستطيع لأن الرب لبس جسدا. ليس الأكل ولا الإمساك بشيء. كل شيء ان تحب الله والصوم عندنا وسيلة نتربى فيها على هذه المحبة وقد فسرنا نحن في بدء المسيحية انك تصوم لكي تعطي المساكين ثمن الطعام الذي أمسكت عنه. ان أهملت الفقراء لست بصائم.

قال عظيم في المسيحية باسكال الفرنسي: «أحببت الفقر لأن المسيح أحبه». أنت تحرم نفسك لتحب. ما عدا ذلك شكل. نحن لسنا ضد اللذة. نحن ضد الاستلذاذ. لسنا ضد الجسد ولكن ضد السعي إلى الجسد سعيا مجنونا.

هنا لا بد من ان يتنبه المؤمنون ان المطلوب الحقيقي في هذا الموسم ليس الامساك وحسب ولكن المطلوب وجه الله. أنت تربي نفسك على طلبه لأنه المتروك الأول. لذلك لا بد من تذكير أنفسنا على ان رياضتنا الاولى ليست الامساك بل قراءة كلمة الله. نحن لا نجوع إلى طعام. هذا تتربى عليه. نحن نجوع إلى كلمة الله. لذلك كان لا بد لنا ان نفهم اننا نمسك عن أطعمة في سبيل أكل كلمة الله. الله، الله ولا شيء آخر. ولذا يؤذيني من أمسك عن أطعمة ولا يستمع إلى كلمة الله ويقرأها وبهذه القراءة وحدها تعوض عن جوعك.

ليس في المسيحية ممارسة الا في سبيل المحبة، محبة الله والاخوة. كل شيء آخر زينة. المحبة حتى لا تبقى كلاما يجب ترجمتها افعالا ومن هذه الصوم. صح ان الصوم في غايته لله ولكنه في تنفيذه للإخوة، للعطاء.

الجسد منفصلا عن القلب لا يعنينا. وان نحب الله ولا نترجم هذا عطاء للإخوة غالبا ما كان وهما. ان كنت لا تحب أخاك الذي تراه كيف تحب الله الذي لا تراه. أنت مع الآخر في حضرة الله. ان أقصيت الآخر عن محبتك ليس لك اله. خذ الآخر معك واذهب إلى الله. حتى تصل.

المسيحي السطحي يظن انه يصل بممارسات. هذه قمة الأوهام. أنت تصل بالحب لأنه الغاية والوسيلة معا. ولكن لا تنسَ ان الحب لا يبقى في الفكر وحده، يتجسد بالالتفات إلى الآخرين ان لم تخرج من غرفتك إلى الآخرين لست بمحب. لذلك طلب يسوع إلى من أراد ان يحبه ان يترك أباه وأمه أي ان ينسلخ عن المودات التي تبعده عن الله. دائما يجب ان تذهب عن أشياء، عن ناس لتلتقي المسيح. لا بد لرؤية الله من ان تنسلخ. ان بقي من هذه الدنيا ما يلصق بك لا رؤية لك لله.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الدينونة / السبت في 14 شباط 2015

غدًا في كنيستي يرفع اللحم عن الموائد استعدادًا لدخول الصوم الكامل بعد أسبوع. ويقرأ في هذا اليوم فصل من إنجيل متى موضوعه الدينونة كأن الكنيسة تريد اننا بولوجنا الصوم نطلب التوبة التي ترفع عنا الدينونة. بمعنى أفصح، النفس هي الصائمة والإمساك عن الطعام رمز للعفة المبتغاة. ليس الجسد عندنا مستقلا عن النفس ولا النفس عن الجسد ولذلك إذا ابتغينا التوبة يكون الصوم عندنا رافدها. الكنيسة الشرقية فاهمة عميقا ان النفس لا تكتفي بذاتها بلا إمساك.

ولكننا لسنا مهووسين برفع اللحم. لذلك كان همنا تأمل دينونتنا الجارية اليوم لا غدا فينا. صح اننا نقرأ الإنجيل المتعلق بالدينونة الآتية. الا اننا نؤمن مع بولس ان الله يدين سائر الناس اليوم لأن دينونتنا ليست حدثا آتيا وحسب ولكنها قائمة في مواجهة الله اليوم. الله ديان ليس بمعنى انه يحاسب وحسب ولكن بمعنى انه يفصلك عن الباطل فيك ويشدك إليه.

ليست الدينونة محاكمة بالمعنى الذي يعرفه البشر أي ان يرصفك الله في الصالحين أو الطالحين ولكن الدينونة كانت ليرفع الله عنك الإدانة ويجعلك له. ولذلك لست له ما لم تنكر الشر الذي فيك ونتطهر لترى وجهه. الإنجيل يتكلم عن الدينونة آتية. ذلك ان الرب سيأتي ويدين. ولكن الرب أتى ولهذا لك ان تقول: «تعال أيها الرب يسوع».

لقد ركزت الكنيسة على هذه التلاوة الإنجيلية لتقول لنا ان الصوم كله لا معنى له الا التطهر وانك تدخل فيه لترفض الخطيئة وتقبل البر الذي في المسيح يسوع.

واضحة الكنيسة في كل ممارساتها ان المبتغى قيامة النفس من الخطيئة لتستطيع رؤية الرب. نحن لسنا مهووسين بالخطيئة كما يتصور الكثيرون. نحن البر همنا ونفهمه آتيا من قيامة المخلص إذا حلت فينا.

يجب ان تفهم كل ممارساتنا كالإمساك عن طعام انه سبيل إلى الله لسبب كوننا نطلب الطعام الإلهي. الجسد مستقر لله. لذلك لا نستخف بالصوم قائلين ما الجسد. الجسد مقر المسيح. لذلك نهذبه مع النفس ليقوى في خدمته لها.

ليس عندنا في الكنيسة نظام طعامي. كل جهد موجه إلى انتصار النفس في جهادها لرؤية الله. ولكننا جديون في فهم الجسد، في كونه مقرًا لله ويرتفع الله فيه. نحن نعرف الجسد مدعوا إلى المجد أي إلى مجده في المسيح. لم يكن المسيح نفسا فقط. كان جسدا ومات وقام في الجسد. وليس أحد مثلنا يقيم وزنا للجسد اذا سار وراء الله.

ليس عندنا شيء ضد اللحم. نحن نذهب إلى ما فوق الجسد، إلى رؤية وجه الله. نطلب الروح الإلهي ليسكن أجسادنا ونرى الجسد مقرا للروح القدس.

الإمساك عن اللحم تربية وليس غاية. وفي الحقيقة ان الصوم في البدء ما كانت غايته التقشف بل توزيع ثمن الطعام الذي تمسك أنت عنه إلى الفقراء. لا الخضار تقربك إلى الله ولا اللحم يبعدك عنه. على هذا الصعيد كل شيء رياضة إلى ان يملك الله جسدك. نحن ليست لنا عداوة مع البدن وهو هيكل الروح القدس كما يعلم بولس. اذا كانت الغاية الاتحاد بالمسيح فكل ما كان إليه وسيلة.

ليس الصائم ان لم يكن عفيفا قريبا من الله. أنت في هذا الموسم تدخل اذًا في رياضة كبيرة للنفس أي تبتغي عفتها، استقلالها عن الزائلات في الفكر والمحسوس. نحن المسيحيين نطمح ان نكون إلهيين ليس أقل من ذلك أي أحرارًا من الجسد ومن الخضوع للطعام وللنزوة. كيف يتم استقلالنا من هذا الجسد ونحن فيه هذا هو سؤال حياتنا.

نحن لا نصوم لنتحرر من الجسد ولكن من الشهوة وهي من النفس. من لم يفهم انه يمسك فقط محبة بالله أضاع كل جهده في الصيام. سؤال الصائم الوحيد هو هل أنا أصوم ابتغاء وجه الله؟ الإمساك عن الطعام وسيلة ممكنة لترى وجه الله وحده. الله حر من أشياء هذا العالم ومنا. أما أنت فموجود به. في أية لحظة تتحرر منه تموت. بلا إله دائم أمام عينيك أنت واقع في العدم.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الله نور السماوات والأرض/ السبت في 7 شباط 2015

نسي الناس ان لله وحده ان يحيي وان يميت. فالحياة عطاء وأنت تتقبلها عندك وعند غيرك وينهيها فقط من أعطاها. انها نعمة أي انها ليست منك وترتضيها ارتضاء شكر والحقيقة عندنا نحن المؤمنين ان ربك في الموت لا يستردها الا بما هي منظورة لأنه في الحقيقة يحفظها عنده بسبب من رجائك للحياة الأبدية. ولذلك حرّم الله ليس فقط قتل النفس ولكن كل اعتداء على الصحة بالإهمال لكون النفس ليست لك ملكا ولكنها عطاء تنميه وترفعه ذبيحة لله.

من هنا ان العناية بالصحة بلا مبالغة واجب ألقاه الله عليك. كذلك العناية بصحة الآخرين ولا سيما الموكلين إلى عنايتك. لا يعني هذا ان لك ان تغرق في رعاية جسدك. واهتمامك ليس فقط خوفا من الموت ولكن قبولا لك من الله. صح انه يحييك ولكنه يريد ان تشاركه في هذا الإحياء. الله ما جعل نفسه بديلا عنك في إحياء نفسك. يعنى بك ولكنه لا يعطل مساهمتك في حفظ نفسك. ليس هو بديلا عنك لصيانة حياتك. هذه جبرية عمياء. الله لا يلغي الانسان.

نحن شركاء الله. هذا ليس شركا. لا تعلوا الله إلى حيث تشعرون انكم لا تقدرون ان تدنوا منه. ما هذا الإله الذي لا تقدر انت ان تقترب اليه حتى لو شعرت بلمسه؟ هل من معرفة بغير نوع من اللمس؟

أقرب الى المسيحيين ان يقولوا انهم يلمسون المسيح. ما ييسر عليهم هذا القول معرفتهم ان له جسدا. في الحقيقة لا فصل ممكنا بين جسد المسيح وذاته. جسده من ذاته. يبقى المسيحيون يهودا ان لم يحسوا انهم قادرون ان يلمسوا ربهم هذا. هذه أعجوبة المسيحية انها تدنيك من الله فيما هي تستبقيك على الأرض بالنعمة.

نحن المسيحيين لا نخشى القول اننا في الله. عندما نقول اننا نحيا بنعمته نعني اننا نحيا به لأن عقيدتنا تعلمنا ان نعمته غير مخلوقة. بكلام أبسط نعمته هي هو أي اذا قبلت نعمته تكون قد قبلته هو. كيف يكون هذا؟ كيف يلامس المخلوق الخالق؟ لا نفهم شيئا الا بالنعمة أي بما يفوق العقل. كيف نكون شركاء النعمة وهي غير مخلوقة؟ ليس عندنا جواب عقلي عن هذا السؤال ولا سيما ان الكتاب يؤكد اننا شركاء النعمة. كيف يتحد المخلوق بالخالق؟ لا أحد يفهم هذا الا بالنعمة. لا يكفي جوابك للبسطاء ان الله على كل شيء قدير. هل هو قدير ان يلامسك؟ اذ ذاك أين أنت؟

هل تبقى حيث أنت اذا لامسك؟ الا يكون قد أعطاك شيئا من الوهيته؟ ما معنى هذا وأنت لا تزال في جوهرك؟ الجواب التراثي غير المفهوم عقليا انه يعطيك ذاته. من هنا عندنا ان النعمة غير مخلوقة. كيف يتم الاتحاد بين المخلوق وغير المخلوق؟ ليس في العقل جواب. نقول ببساطة ان هذا تنازل إلهي بحيث ان الله يبقى ذاته ويعطي ذاته بآن.

هذه جدلية عميقة وغير مدركة ان نقول ان الله فينا وانه يعلونا. كيف يتحد ويضمنا اليه ولا يندمج؟ نجيب فلسفيا هذا جوهره. غير ان العاشقين يقولون انهم يتحدون به ولا يقلقهم السؤال الفلسفي. «الله نور السماوات والأرض» وأنت تقول بالنور لأنه تراءى لك. هذه مكاشفة لا ينقلها العقل. القلب المستنير هو عندنا مركز للفهم لأن الله انسكب فيه. الانسان يبدأ بفهم الله اذا صار إلهيا أي يفكر بما يفكر الله به. هذا فقط بدء بعده تأتي المعرفة أي ذوقنا لله ولكننا نذوقه اذا أحسسنا انه يذوقنا. هذه مسألة حب لا يفهمها الا العاشقون. واذا قلنا ان الله نور لا نعني انه تنازل للفهم العقلي. نريد انه نزل للكيان البشري بالحب. لماذا الله محبوب وليس معقولا؟ نحن لا ننفي ان ثمة ذرات حب في كلامنا عن الله والا لما أمكن الكلام.

العقل بعض من نور. لذلك كان الله فيه ولكن العقل ليس كل النور. النور يرى النور.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

المستغرقون في اللذات/ السبت 31 كانون الثاني 2015

ليس من إنسان مستقر. القديسون وحدهم يعيشون في سلام. سبب ذلك ان أكثرنا يضطرب بسبب ما يحدث حوله. كل مضطرب بسبب ما يحدث فيه. بتعميق أكبر أقول انك في سلام ان لم تجئ من أحداث الدنيا ومن أحداث نفسك، ان نزلت من فوق.

كلنا في الدنيا. قلة ليست من الدنيا. انها من فوق. هذه وحدها لا تضطرب. عندما قال يسوع لتلاميذه: سلامي لكم، سلامي اعطيكم أراد ان يقول هذا سلام الله فيّ اعطيكم. ما كان من الناس فقط فيه هموم الناس أي الخلل الذي فيهم. قول يسوع لتلاميذه السلام لكم كان بعد قيامته أي عند تحرره من الموت. ما دمنا في الموت الروحي ليس عندنا سلام. وأنت اذا سلمت على الناس بعبارات السلام لا تعطيهم شيئا من عندك. تبلغهم سلام الله اذ قبل ذلك ليس فيهم قرار.

عندما تقول لإنسان السلام لك أو السلام عليك أنت لا تعني انك تعطيه سلامك اذ ليس هذا فيك. أنت تريد انك تبلغه سلام الله. ولكن لا ينتقل إليه بمجرد قولك. يجيئه من الرضاء الإلهي.

السلام نادر جدًا ولا يتوفر في الحقيقة الا عند القديسين. ولكن على المرء ان يسعى. في الحقيقة لست مصالحا الله الا في اليوم الأخير أي في آخر الأزمنة أو قبيل انتهاء حياتك لكونك تحت الخطيئة وهي عداوة الله. لست أعرف إنسانا في واقعه لا يعادي الله. انه قد لا يريد ذلك. ولكن كل خطيئة ترتكبها عمدًا عداوة لله لأنك في كل خطيئة تعلن نفسك ضمنا إلها اذ تعترف بنفسك حرا منه ومن كلمته.

مشكلة الإنسان الوحيدة هي الموت وبتعبير آخر هي الخطيئة. الموت الجسدي وحده ليس المشكلة الكبرى. فناء النفس في أحزان المعصية هو الموت. حزن المعصية فينا اكتشافنا عجزنا عن القداسة. بلا معصية نحتمل كل شيء. كل مسعى للاستقرار خارج الله ضرب من المحال لأنه اضطراب. الصعوبة الحقيقية عندنا اننا لا نصل إلى الله أو لا نسعى. بلا إله بماذا يتغذى الإنسان؟ ان التشديد على الإنسان وحده في الثقافة الغربية منذ القرن الثامن عشر كان بدء هلاكه. وجد الإنسان في نفسه أشياء جميلة ولكن هل كانت كل الإنسان؟

الإنسان وحيدًا، مستقلاً عن الله هو العزلة. كيف يأتي بنفسه من نفسه؟ اذا وجد نفسه مصحرا ماذا يفعل؟

كيف تتغلب على الموت وأنت في قيد الحياة، أي كيف تكون لك الحياة الحق مهما تقلبت عليك الأحوال الصحية أو النفسية؟ أين تكون في الحقيقة؟ من أي شيء يأتيك سلامك: من اللذة أم من المال؟ المشتهون الكبار يقولون ليس من فرح يأتي من اللذة. الفرح يأتيك من هذا الذي لا يعتريه فساد اذ كل ما يفسد يزول. هل سمعت المستغرقين في اللذات يتكلمون عن الفرح؟

Continue reading