Author

Aziz Matta

2015, جريدة النهار, مقالات

زكا العشار / السبت 24 كانون الثاني 2015.

قصته في الإنجيل قصة المال وجباة المال وكل الذين يلتمسونه. لا أعرف خطيئة حذر منها يسوع كما حذر من خطر المال. هل انه رآه أشد من الأخطار الأخرى؟ قال عنه إننا نعامله كرب يسود علينا. ربوبية الملك الذي نملك عندما يقول السيد: «لا تعبدوا ربين الله والمال» تعني في اللغة البسيطة انك تعتبر المال مساويا لله.

كشف يسوع الناصري كيف يرى سلطة الخطيئة على الناس. هي شبيهة بسلطة الله علينا ان آمنا. لها قوة الله ان قبلناها لكوننا نؤلهها لنملك. اذًا الخطيئة بديل الله لمن شاءها.

العشارون جباة عند السلطة الرومانية ولكن يعشرون حسب شريعة موضوعة أي يجمعون من المواطن عشر دخله الأساسي. منهم كان متى الذي صار رسولا للمسيح والضريبة هم يحددون مبلغها اذ لم يكن في ذلك الزمن محاسبة تدل الجباة على دخل المواطن اليهودي. وكان شائعا انهم يحتفظون لأنفسهم بقسم من المبلغ الذي يجبونه. ما كانت سلطة تراقب الأرقام. الوضع كله كان يدفع الجابي ان يكون ظالما اذ كان وحده الذي يقرر المبلغ. ولانعدام الرقابة على الجباة كان المعتقد السائد انهم يسرقون من مال الضريبة.

من هؤلاء الكبار كان الرجل القصير الذي اسمه زكا وكان لفضوله يريد ان يعرف هذا النبي الجديد الذي تكلم عنه جميع الناس. كان هذا في أريحا. كيف لزكا ان يرى يسوع والجموع تزحمه؟ صعد إلى جميزة على الطريق التي كان الرب يجتازها. كان مشتاقا إلى رؤيته. فضول أو حب؟ المهم في النص ان زكا لما لم يتمكن من رؤية يسوع لازدحام الجموع صعد إلى جميزة ليراه.

فلما وصل يسوع إلى الشجرة قال للرجل: «اسرع سريعا يا زكا، لأني سأقيم اليوم في بيتك». كيف أراد يسوع نفسه ضيفا هكذا؟ المهم قول الإنجيل ان الرجل نزل مسرعا واستقبل الرب بفرح. هذا الرجل الخاطئ زكا كيف جاءه الفرح بالمعلم؟ كيف تاب فجأة؟ هذا سر رؤية الانسان ليسوع. رؤية يسوع تبدأ عند الخطيئة وتنقلب حياة جديدة. دخلت إلى هذا الإنسان الحياة الجديدة اذ قال: «سأعطي الفقراء نصف أموالي». تحول قلب الرجل. رأى يسوع هذا فقال: «اليوم وصل الخلاص لهذا البيت». وقمة الكلام قول الرب: «ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالكين ويخلصهم» ما قال: جاء ليبحث عن الذين تهددهم خطاياهم بالهلاك. قال ان الذين حسبوا هالكين ما بقوا هالكين بسبب من محبته لهم.

ما معنى ان الخاطئ تمحى خطيئته؟ المعنى ان الرب لم يبق محاسبًا له اذا تاب أي لا يرى خطيئته في ماضيه اذ لم يبقَ له حلف مع الخطيئة ويراه الآب إنسانا جديدا لانه غير عقليته. هذا معنى لفظة توبة في الأصل اليوناني أي اكتسب عقل المسيح. يراك الله في خلقك الأول قبل السقوط. ليس عند الله سجل حسابات. عنده فقط سجل توبات.

عندي شعور فيما أقرأ الكتاب المقدس بجملته ان للرب ميلا خاصا، فريدا إلى الخطأة اذا تابوا ربما لأن مؤلفي الأناجيل يحسبون أن الأبرار هم له. تحس ان كتبة الكتاب يميلون إلى الخطأة اذا تابوا ربما لأن الأبرار مقيمون دائما في الملكوت.

أظن ان أهمية زكا العشار عندنا، اننا نحس أنفسنا قريبين اليه وان كلا منا لم يبق يائسا من توبته مهما عظمت خطيئته لأن بهاء يسوع أنه يشعرك بأنه قريب منك في عمقك البشري حتى ينسيك خطاياك فلا تبقى حزينا بها ولكنك تنتقل إلى الفرح الذي نزل عليك بالتوبة.

دائما شدني الخطأة الكبار اليهم اذا تابوا لأنني اعرف ان الرجوع كان مستحيلا وان قدرة الله وحدها تجعله ممكنًا. التوبة الحقيقية سر. لا تعرف أنت كيف ذهبت عنك الخطيئة وكيف عاد اليك وجه الله. كل لقائنا بالله سر.

دائما كان يذهلني ما كنت أحسه عند قراءتي كيف ان الأبرار يفرحون حتى التهليل برجوع الخطأة وما كانوا يتكلمون الا قليلا عن بقاء القديسين في الطهارة مع ان هذه ليست من المسلمات. هذا سر الله مع محبيه. هذا سر عشقه لنا.

دائما كان يلفتني في أدب التقوى عندنا ان كبار الكتاب ما كانوا يمدحون الراسخين في الطهارة كما كانوا يتهللون لرجوع الخطأة. ربما لأن كل كاتب في القداسة يشعر نفسه خاطئًا.

الصلاة المألوفة عند المؤمن في كنيستي هي هذه: «ارحمني يا رب، يا يسوع المسيح، أنا الخاطئ». هذه نصر عليها اذ نعتبر هذا الدعاء أساسيا في معركتنا مع آثامنا. هذا الدعاء يتعلمه أولا كل من باشر في حياة الصلاة عندنا. وهو يتضمن اعترافين أولهما الاعتراف بيسوع مخلصًا ثم الاعتراف بنفسك خاطئا. بعد هذا يمكنك الدخول إلى سر المسيح.

وصلاة العشار هذه نتلوها على السبحة الأرثوذكسية التي لا يعرف عنها الكثيرون ويقول الأكابر عندنا انك اذا تلوتها تكون قلت كل شيء. وقرأنا من قال: ان دعاء اسم يسوع (يا يسوع المسيح ابن الله ارحمني انا الخاطئ) فيه كل الصلاة وكان بعض يقولون انه يغنيك عن كل صلاة أخرى. ولكنا لم نهمل نحن من أجله أي صلاة تعلمناها. وبقيت صلاة العشار حبا لنا كبيرا لاسيما لعلمنا ان الرهبان في كنيستنا يتلونها مئات المرات في اليوم على سبحة القماش التي يحملون. وفي أيامنا اتخذ بعض الشبان السبحة عن رهباننا وباتوا يحملونها ويتلونها. ورأيت بعضا منا يتلونها وما كانت معهم سبحة. هذا كان جديدا في أرثوذكسية هذه البلاد والجديد فيها كثير.

أية كانت معرفتك بالروحانية الأرثوذكسية تبقى صلاة العشار ملجأ أمينا لك في ضعفك وفي توبتك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

أسبوع الوحدة/ السبت 17 كانون الثاني 2015

الحديث عن الوحدة المسيحية في هذا الموسم كالحديث عن حريق لم نعطَ معرفة اطفائه. يؤلمنا جدا ونتوق إلى إطفائه والإطفاء بيد الله. والمحزن اننا صادقون في اللوعة والجرح قائم ولا أحد يتمسك بالانقسام كما لا أحد يعرف الدواء. هل الصلاة المشتركة للوحدة دليل عجزنا عن وضع مدماك في بنائها؟ كيف نكف عن الدعاء؟ هل نعطاه في الزمان الحاضر أو القريب ان صلينا كثيرا؟ كل ما في الدين طبعا رجاء ولكن الرجاء ليس عندنا أحلاما لأنه قائم على الوعد الإلهي.

نطلب الوحدة من الله لأنها رجاء أي لأنها قائمة فيه وليست معطاة في الراهن الكامل. في رؤية تقوم على المحبة هي محققة في المسيح وفي المتقدسين عند كل فريق. الطاهرون يرونها ولو ممزقين أي انها دائما في القلوب تسبق راهنها. ما يعزيني باستمرار ان أرى في هذا البلد الأرثوذكسيين الأتقياء يحبون الكاثوليك وهؤلاء يحبون أولئك. ذلك لأن الأتقياء من كل مذهب يعترفون بالأتقياء من كل صوب، لأن الانقسامات التاريخية ولو عرفها العارفون لا تصل إلى القلوب.

ما يعزيني حتى البكاء ان الطاهرين في كل كنيسة يحبون الطاهرين في الكنائس الاخرى وكل يرى نفسه واحدا مع الفريق الآخر بحيث يحس ان الآخر في قلبه والقلب يشفي فروق العقول. بمعنى حقيقي وعميق لسنا مفترقين لأننا في حسّ المسيح وعقله واحد وهناك السكنى. غالبا ما سنبقى ممزقين حتى نهاية الدهور ومع ذلك يجب ان نجتهد في سبيل وحدتنا.

كل دارس عنده وصفة لحل المشكلة والأقربون من الحل ليسوا بالضرورة أهل السلطة. قد يكون بابا رومية أو أي رئيس آخر صاحب حل ولكن لا تتصوروا انه يستطيع كل شيء في دائرته. المتقاعسون عن التوحيد كثر ولو كان الكثيرون منهم حسني النية. ولكن الكسل يحكم الكنيسة كما يحكم العالم.

في احساسي المجتمعي الراهن ان جرح الانقسام قائم في جسد الكنيسة وان جل ما تستطيعه في الواقع المؤلم ان تشاهد وتبكي. واجب الصلاة من أجل الوحدة قائم على عواتقنا والمحبة في أدنى مستواها الا تؤذي الآخر بكلام غير مسؤول وجدل تجاوزناه حقا من زمان. هذا لا يعني انه يجب ان تقبل الراهن. والأهم في الراهن المعيش ان تحب الآخر من كل قلبك على ما هو عليه من جهل وتعصب أحيانا لأن المحبة وحدها الدواء.

المحبة ان كثرت وتعمقت تملي على القلب ما يجب ان يقول. غير انها جدية لأنها تجهل كبرياء الطوائف. ان تنكسر طائفة في ادعائها التاريخي صعب عليها ولكنه خبرة أساسية للخلاص. المحشورون في طوائفهم بعد ان خسروا الرؤية خطرون على الناس وعلى طوائفهم. من قال لك الا تتمسك ولكن من قال لك ان تخسر الحرارة في محبة الآخرين؟

أنا متأكد كل التأكد ان القداسة ان عظمت في كل فريق منا قادرة على اتمام الوحدة اذ الله يلهم، اذ ذاك على الأذكياء من اللاهوتيين ان يتفاهموا. اللاهوتيون يريدون الوحدة. لا تشكوا بهم. ولكن العقول المثقفة تكون بطيئة أحيانا. ارحموا أصحابها وأنصتوا إلى ما هو حق عندها.

صلّوا وثابروا على الصلاة في مسعانا هذا لأنكم ان طهرتم أنفسكم بالأدعية الطيبة يستجيب الرب لكم. أنا ما قلت ان تنسوا الدراسة. صلّوا وادرسوا. هذان توأمان.

لا تنحصر صلاتكم في أسبوع الوحدة ولا تنقطعوا عن الدراسة. هذا يعني بتعبير آخر ان العقل والقلب معا هما في سعينا إلى الوحدة.

صح ان المستقبل في هذا لله أيضًا ولكن هيئوا المستقبل بالمحبة وتعميق التأمل اللاهوتي.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

حبنا لله / السبت ١٠ كانون الثاني 2015

هل العالم حاضر يا رب اليوم أو غدا لاستقبالك أو يتلهى بنفسه حسب عادته ويضجر؟ ما كفر هذه الدنيا الا استلذاذ ذاتها لكفرها بما هو فوق؟ هذا هو الكفر ان نقيم الله في البعيد كي لا نشغل أنفسنا به. الكفر هو القول بأن السماء فوق فقط وان الأرض لا تحتاج إليها. هل تكون السنة جديدة بلا إله؟ دائمًا كان هاجسي هو هل الإنسان طالب الله أم ما هو حول الله؟ قد يكون الدين فقط لكثير من الناس أمور الله ولكن ليس الله ذاته أي عقائد وعبادات هي صور عنه. هل الرب محبوب حقًا بذاته قبل ان تصوره العبادات والمراسم؟ هل يهمك الرب مجردا عما حوله قبل ان تهتم بما حوله. الله والعالم، أنا والله، الله في الأديان هذا هاجس جميع الناس. ولكن الله بلا نسبة إلى أحد أو إلى شيء هل هو شغلي الشاغل؟

أعرف ان الله ينتسب ولكنه ينتسب بسبب من محبته. هل أنا أنتسب إليه ولو لم يكن محاطًا بشيء أو ما بدا معطيا لي شيئًا؟ صحيح ان الله متصل ولكنه يريدك له ولو أحسست انك لم تأخذ شيئًا. هل تراه لك كليا وحده بما أعطاك وبما لا يعطيك؟ هل تعرفه في فقرك، في عرائك. كتب الكثير في القرن الماضي عن حوارنا معه. لا أذكر انه كتب الكثير عنه وحده بحبه الأبدي لذاته ولنا في عرائه. أعرف ان الله جعلك غاية له في محبته ولكن هل عرفته غاية لك وما كان مسعاك ان تطلب شيئا لنفسك؟ مرة بعد المرة اطلبه لنفسه، لا تسأل شيئا لذاتك. اشكره هذا حسن، سبحه. هذا أحسن. انس نفسك في الصلاة وكن إليه لأنه المحبة الكاملة. لا تفكر ان صليت دائما في حاجاتك. فكر في حاجة الله إلى حبه إياك. الفلاسفة يقولون ان الله لا يحتاج. العاشقون يعرفون انه يقرب نفسه إليك. هو حر ان يربط نفسه بك ولو لم يكن بطبيعته محتاجا إليك. الله في محبته له منطقه. هو ليس حصرا فوق. انه هنا «معنا هو الله فاعلموا أيها الأمم وانهزموا لأن الله معنا».

هل تحس اذا جاء إليك انك بحاجة إلى شيء آخر؟ هل تعتقد حقا انك به تعيش؟ هل تحب الله وحيدًا؟ وحيدًا عن كل شيء آخر. هل تذوق ربك لحلاوته؟ المؤمنون الطيبون يقولون انه عظيم. أنا لا أنكر عليهم حقهم بهذا القول غير اني لم أتعرف كثيرًا إلى أناس يقولون انه قابل عشقهم له. يريدون ان يتحدثوا عن حبه هو لهم أي غالبا ما ينظرون إليه في وظيفته هذه. كثيرا ما بدا لي ان الكثرة توظف الله في مصالحها، في صحتها وصحة أولادها. أنا لا أنكر ذلك ولكني لا أحب كثيرًا ان تجعل الله موظفا عندك.

المسيحية قائمة على ان الله يحبنا. طبعا فهمها ان هذا منطلق لمحبتنا اياه. ولكن ما معنى ان نحبه؟ لست أذكر انه تكلم في الكتاب عن عشقنا له. هو قال: «من أحبني يحفظ وصاياي». لست أذكر ان الدين انفعالات في الله. هو طاعة. وهذه تكلف. ليس لي شيء على العشق الإلهي عند المتصوفين. هذا صادق وليس شعرًا وكم كنت اتمنى ان القائلين بالعشق يدعون إلى الطاعة. ذلك ان هذه هي المحك لصدق العلاقة بيننا وبين الرب. مرات كثيرة اشك في صدق العلاقة معه ان غالى القائلون بمحبته. اتمنى لو تكلموا عن طاعته. اخشى في استعمال عبارة محبتنا لله الا نكون قد وصلنا إلى الطاعة. الحب لله كلمة غير دقيقة أحيانا في الواقع الباطني.

المحبة لله تعني لي أولا الفقر إليه بمعنى انه الملجأ الوحيد وبوضوح أكثر اننا نحن له أكثر مما هو لنا. هذا تمييز يعرفه العاشقون. انه امتحان صعب ان نعرف اننا لله محبون. فما أيسر الكلام عن الحب. اعطى يسوع الناصري تعريفا عن ذلك بقوله: «من أحبني يحفظ وصاياي». العاشقون له تكلموا عن الطاعة أولا. كانوا يخشون الكلام في العاطفة لأنها تخفي أحيانا المحبة الفاعلةز

قد يعني الإلحاح على طاعة الله انك لا تهتم بالعاطفة نحوه. هذا غير صحيح لأن الذين تكلموا عن حب الصديقين له كثر ولكنهم آثروا الحديث عن الخضوع له لأن هذا ليس فيه لبس.

ان تحب الله وحيدا تعني انك لا توظفه لصحة أولادك أو لحصولك على مال. ان وصلت إلى الإحساس بأن الرب يكفيك وان كل شيء آخر زيادة تكون قد بلغت الكمال. ولكن حذار ان تظن ان محبتك للرب تعني انفعالا عاطفيا. هي قبل كل شيء طاعة لأنك في هذا تمتحن قلبك. ان تحب الله وحيدًا تعني انك تحبه ولو ظننت انه تاركك، وتعني انك له في المرض وفي الصحة واذا افتقرت من بعد غنى وبكلام أبسط اذا نظرت إلى وجهه وليس إلى منفعتك منه.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الظهور الإلهي/ السبت 3 كانون الثاني 2015

جاء من التاريخ وهو قبل التاريخ. ولد من مريم وهو خالق مريم. لأنه كان في البدء أي قبل بدء الخليقة. علاقتنا معه جاءت منه وأرادها منا أي من طريقه إلينا في الحب. نحن لسنا نعرفه إلا حبا.

أهم ما أراه في هذا الصباح انه مخلصنا من التفه، من الخطيئة. أليست الخطيئة هي التفه؟ أليس الوجود هو الحب والله مبدعه في تاريخ الفكر؟ اذا كان المسيح غير ما أعرفه في الحب فأنا غير موجود. أي ما عندنا من الخير والحق هو مكونه أو مترجمه. ذلك ان ارمياء قال: «روح أفواهنا مسيح الرب». كل عظمة في الدنيا، كل جمال ترجمته ولا يثبت جمال الا اذا استطعت ان تعيده إليه. واذا كنت أنت حاملاً جمالاً حقا فأنت منه مصبوغًا بصبغة الماء.

هناك على نهر الأردن سمع صوت الله يقول عن المسيح: «هذا هو ابني الحبيب». أنا لست هنا في وارد التفسير. جل ما أقوله ان الله في كتبنا ما سمى أحدا ابنا آخر. دعانا جميعا بعضنا مع بعض أبناء من باب الحب لا من باب اندماج بجوهر الله. هذا يكون شركا فنحن آتون من الله بالحب لا بجوهر أقنومنا البشري المخلوق. غير ان في المسيحية هذا الأمر اللافت ان يسوع الناصري دعي في كتبنا صادرا عن الله صدورا ونحن لسنا كذلك. نحن صنع يديه أي نحن مخلوقون بمعنى انه كان زمن ما كنا فيه.

كيف نكون مستنيرين بنور الرب ونحن مخلوقون؟ السرّ هو ان الله يعطيك نفسه فقط في محبته ولا يقسم جوهره. هذا سرّ لا يسوغ النطق به أو التأمل فيه. وفي التعريف الأرثوذكسي الأكثر وضوحًا أنت تتقبل النعمة الإلهية وهي غير مخلوقة ولا تصبح في الجوهر إلها ولكنك إله في مساهمة النعمة وهذا لا يفهمه إنسان.

ان ما حصل في نهر الأردن أعني سماع صوت الاب: «هذا هو ابني الحبيب» وظهور الابن في الجسد أي انكشاف الله للبشر في شكلهم كان التبيان الفصيح لعلاقة الله بنا. لقد أحبنا الله في المسيح لأنه جعلنا أبناء. وبهذا يقيم كل إنسان مؤمن به مسيحا آخر في وحدته مع يسوع الناصري.

أنت الإنسان تظهر ببشرة جديدة ان صرت مع المسيح أي بالمسيح ومنه. قبل ذلك أنت ابن امرأة. بعد ذلك أنت ابن لله. واذا ظهرت للناس يرون الله فيك. الله ظهر في كل مكان بما في ذلك الوثنية. ثم ظهر بالأنبياء وأخيرًا في حبه بيسوع المسيح.

هو ظاهر دائما بالذين يحبهم. هم يترجمونه. اتخذ كل واحد منهم لسانا له. لا تنحصر سكناه في الكتاب المقدس. انه جعل كلا من أحبائه كتابا له. لذلك تقرب أنت كل إنسان بالقدسية التي تقرب فيها ربك بكلمته. أنت لا تنقل إلى الناس كلماتك بل كلمة الله التي حلت فيك. اذا سمعوك يجب ان يحبوها وما لم يصلوا إلى هذا غالبا تكون أنت قد أخفقت. يستحيل عليك ان تظهر للناس ظهورا إلهيا الا اذا لبست المسيح أي اذا اتحدت به من عمق كيانك. ان تحدث عنه لا يكفي ليصل بك إلى الناس. ينبغي ان يحسوا انك اتخذته مخلصا لك ومرشدا كل خطوة في حياتك. اذا استطاعوا ان يحبوا الله من وراء عشرتهم لك تكون أتممت قصد حياتك. قبل هذا أنت في سعي. تكون قد وصلت اذا اتحد الناس بالله لأنك شهدت له أمامهم. بهذه الشهادة اليومية يكون الظهور الإلهي تم تفعيله فيك.

تفهم من هذا ان ظهور الرب للناس ما انتهى عند نهر الأردن. هذا كان تبريكا لكل الظهورات. يظهر يسوع فيك ان أنت أحببت الناس. عند ذاك هم يفهمون ان الرب يحبهم.

الله يظهر للناس بالناس. صح انه يبدو لهم بالكتب المقدسة. ولكن هذه الكتب انما ألهم الله بها قديسين ليكشفوها للبشر. الكتاب لغة اختارها الله لنفسه ولكنه يخاطب البشر بهذه الكتب أو اذا ناجى القلوب.

يظهر بالطريقة التي يختارها في كل ظرف حسب حاجة الناس. نحن أتباع يسوع الناصري نؤمن ان الله خاطبنا به ويخاطبنا اليوم بالإنجيل وبالأطهار. هذا شأنه واذا عرفت صوته لك ان تصغي. هناك ظهور إلهي خاص بكل إنسان اذا أحس بصوت الله. طهر نفسك لتسمع.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

السنة المطلة / السبت في 27 كانون الأول 2014

ما نفعها ان لم يطل الله عليها أو بالحري ان لم يطل هو على كل واحد منا. الجدّة منه وفيه فالسؤال إلينا جميعا كيف نفتح أنفسنا لينزل الله إليها. لا ينجو الإنسان اذا ظل يظن انه يجيء إلى نفسه من خارج نفسه. الأحداث لا تطل عليك ان لم تفتح في نفسك نافذة لتتقبلها. فأنت الحادث الدائم وما من شيء آخر. أنت المتجدد. فالجديد تاليًا انك مولود اليوم في النور. لا شيء يطل عليك الا النور ان أردت الا تبقى عتيقًا. لك ان تنعتق من ماضيك أو مما عتق من ماضيك فأنت جديد أو عتيق وليس السنة.

هل تريد ان تصبح إنسانًا جديدًا، غير مدين آليًا لماضيك فلا تصير عتيقًا بماضيك، هل تصر على الكسب أم ان تكون؟ معنى السؤال هل ترى انك مكون مما هو خارج عنك، من المال أو من الأحداث أم ترى انك مؤهل بنعمة الله ان تصنع الآتي مع الله؟ السؤال الحقيقي هو هل أنت حتما وريث ماضيك أم عمل النعمة التي تنزل عليك بالرضاء الإلهي؟ لذلك كان السؤال هل تتكل على أحداث ترجوها لكي تعطيك شيئًا من الوجود أم تلتمس هذا الوجود من ربك مع الجهاد؟ وهل تؤمن ان العتاقة ليست بتقادم الزمان ولكنها شيخوخة نفسك وارتضاؤها ذاتها على حساب تجدد ينزل عليها من فوق؟

في الحقيقة ليس من سنة تطل ولكن النعمة الإلهية ان دعوتها لتترجم لك الرضاء الإلهي. أنت لا تدعو السنة، تقدم نفسك للرضاء فإذا انسكب صرت إنسانًا إلهيًا وكل شيء آخر يزاد لك.

ان كنت مؤمنًا لا تنتظر السنة الآتية ولكن النعمة. الأيام لا تطل. البركات تأتي. الزمان ان لم يكن مكان الله ليس بشيء. ما يريده الله منك ان يدخل إليك. هو عارف انك بهذا تكون. السنة الجديدة تنتظر منك توبات. هذا وحده جديدك لأن التوبة ليست تكرارا لتوبات. انها خلق. بمعنى حقيقي هي خروج عن مألوف الزمن بحيث لا تكون آتية منه ولكن من النعمة. ليس لك تحرر من وطأة الزمن الا بانسكاب النعمة عليك.

الأحداث أحداث. انها متشابهة ولكن النعمة فيك يمكن ان تكون جديدة ومجددة. هي لا الحدث الإطلالة لأنها وحدها الفرح. لا تنتظر حدثًا يغير حدثًا بل عليك ان ترجو تجديدا لنفسك، انقلابا تسميه توبة. ليس المبتغى فقط العودة عن أخطاء الماضي ولكن رجاء مستقبل وضاء. هذا يعني ان المرجو موعد مع الله. انه وحده يجدد النفس.

ماذا ينفعك زمانك ان لم تنتظر الله فيه؟ أنت والله فيك صانع زمانك. لا تنتظر فقط السنة الآتية، اصنعها. اذا أطل الله عليك بطاعتك لك سنة جديدة أي مجددة فيها الأيام بالنعمة. اذهب والنعمة في فمك وعلى يديك. اربط مصيرك بالمحبة. انها منقذتك دائمًا.

اجعل كل يوم من سنتك مجددًا بالنعمة. لا تنتظر اليوم، اقتحمه ليكون بك مليئًا من الله. المهم ان يطل الله عليك، ان يكون هو ساكنًا كل يوم من أيامك. لا تخشَ الأحداث السيئة. يمكن ان تكون تذكرة بالله.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الله تحت / السبت 20 كانون الأول 2014

المسيح في العالم منذ نشأة العالم باعتباره فكر الله. ونحن لا نعيد لحدث ظهوره من مريم إلا لنذكر انه ظهور الله. والمسيحية كلها في هذا تقول ان الله بمسيحه سكن في العالم جسديًا. كنا نعرف قبل مجيء المخلص أن الله معنا، لكن مع المسيح رأيناه معنا وساكنًا فينا. في اليهودية كنا ندرك أن الله فوق، ومع يسوع فهمنا أنه معنا وفينا، أي بالمسيح ألغيت المسافة بين السماء والأرض، لذلك إذا سألت الطفل المسيحي هل الله فوق يجيبك لا أعرف. أنا أعرف أنه في قلبي.

عندما نقيم الميلاد لا نعيّد لحدث مضى ولكن لاستمرار هذا الحدث. المسيحية كشفت أن السماء ليست فوق بل إنها فيك. إنها أنزلت الله على الأرض، بعد ذلك صرنا نصعد إلى السماء. في اللغة المسيحية نقول إننا في الله وأن المكانية كلها لا معنى لها.

يصير الميلاد حدثًا دائمًا إذا وعيت أن يسوع يولد فيك عند رضاه وتفهم أنه أبطل المسافة بين الأرض والسماء أي كل بعد عن الله. طبعًا عليك دائمًا أن تقول أن الله فوق لئلا تقع في وحدانية جوهرية كافرة ولكن إن لم تحس أن الله فيك لا تكون انقطعت عن اليهودية الكامنة فيك. يسوع كان حدثًا ليبقى. والسر في هذا أنه فيك وإنه غير مندمج بآن لئلا تقع في الحلولية والعيد يدعوك أن تسلم له لإيمانك أنه الكل وإنه كذلك لأنه واحد مع الآب.

هذه هي حلاوة الحياة في المسيح أننا نعرف أنه واحد مع الله وواحد معنا أي أنه مكان اللقاء بيننا وبين أبيه. من لم يعرف المسيح في حياته ماذا يعرف عن الله؟ الرب يعرف الذين هم له. الله مع العاشقين.

المسيحية معية ولكنها ما ألفت أن ثمة هوة بينك وبين الله في الطبيعة. بمعنى أنك مخلوق وهو خالق. ولكن المسيحية ردمت هذه الهوة بالحب لأنها جعلت الخالق ساكنًا في أحشاء امرأة.

الله فوق ومعنا. هذه هي اليهودية والمسيحية معًا. الله فينا هذه هي المسيحية وهذا هو معنى التجسد. المسيح في الإنسانية توقًا منها وإذا أرادت الخلاص فحقيقة منه ومنها.

المسيح صار إنسانًا فردًا بمعنى أن له كيانًا يميزه عن كل بشر. وهو صار في الإنسانية بتجسده ومع كل إنسان بحبه ولاسيما في موته وأنت مدعو به وفيه أن تصبح إنسانًا كاملاً تبلغ «قامة ملء المسيح».

كان التجسد التعبير الأخير لحضوره في العالم وما كان البدء إذ البدء كان الكلمة أي هو. والتجسد لا يعني تحول ابن الله إلى كيان جسدي، ولكنه يعني ضم بشرية الإنسان، كل إنسان إليه بالتجسد والحب الهادي بالتجسد.

عليك دائمًا ألا تنسى أن المسيح فوق لكي تعرفه إلهًا وأن تدرك أيضًا أنه معك لعلمك أنه يحبك. هو ما صار إنسانًا إلا ليقول لك ذلك. طبعًا قال هذا بموته وقيامته الفصحية والأخيرة وكفتنا.

حق وجميل أن تذكر أن المسيح إنسان لتحبه حقًا ولتعرف أنه قريب. المسيح جعل بين الله والإنسان ملامسة أي ما هو فوق الإيمان، ما هو حب. هذا لم يكن معروفًا بقوة حتى مات يسوع على الخشبة. هناك نطق أنه المحب وهناك فهم البشر أنه واحد معهم وواحد منهم. عرفوا أن الله ليس فقط فوق وأنه تحت. الإقامة تحت لا تأخذ شيئًا من حبه.

وإذا نزل يسوع إلى أسفل هذا يعني أنه ساكن جميع الناس وأولئك الذين قيل لهم إنهم تحت. أنت لا يمكنك أن تستحيي بمقامك لأنك حيث كنت يكون المسيح معك. أنت لست كبيرًا بأحد. أنت كبير به.

أنت تفهم أن يسوع مع الضعفاء، الأغنياء منهم والفقراء لأننا كلنا ضعفاء. إنه مع المرضى، كل المرضى والمكسورين في عقولهم أو همتهم والذين يهملهم ذووهم وأصدقاؤهم ومع الذين يضطهدهم ذووهم وغير ذويهم أو مع الذين لا يحبهم أحد ولو أحبوا. إنه ليس مع المفتخرين بقوتهم أو جمالهم أو علمهم. هو مع الذين لا يقولون شيئًا عن أنفسهم ولا ينظرون إلى أنفسهم كما في مرآة. هو مع الذين لا يحس بهم أحد، مع المطرودين إلى الصحارى، مع الذين أبعدنا عنهم قلوبنا فألقيناهم في العدم. اذهب إلى الذين صاروا في العدم وأعطهم الله. هم لا يتوقون إلى شيء دونه. اذهب إلى الذين حرمناهم حبنا لأنهم صغار. دائمًا كن مع الصغار. هؤلاء هم من اصطفاهم الله فجعلهم حصته. الرب ليس مع الذي اعتقد نفسه موجودًا. إنه مع من حسب أنه عديم وأنه ضائع، وفي ضياعك إن لم تجد ربك لا تجد شيئًا.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الجنس والمحبة / السبت في 13 كانون الأول 2014

أنت تستدعي الجنس أو تعامله في الحياة الزوجية فقط. هذا ما أعرفه موقفا لديانات التوحيد. ذلك لأن الجنس لا يقتصر على كونه مكانا للحب ولكنه يتعدى ذلك إلى كونه مركزًا للحياة العائلية بما فيها إمكان الإنجاب. هذه مسلمات عند أهل التوحيد كلهم. لذلك نمسك عن الجنس في حال العزوبة. أنا أبدأ تأملي من ان كل شيء قائم في هدفه. اذا كنا متفقين على ان الجنس له وظيفة حتى نهايتها يكون في اللذة مستهدفا الإنجاب. أنا ما قلت انه وظيفة فينا محصورة بالإنجاب ولكني ما قلت ان لك ان تتحدث عنه بصورة كاملة مقنعة ان أقصيت الإنجاب عن هدفه.

اذا قبلنا ان اللذة مرافقة لنشاطنا الجسدي نقول أيضًا انها ليست غاية الجسد. وضعها الله فينا لترافق نشاطنا البشري في مجال أو آخر ولكن كل مجال له هدفه في الحياة الإنسانية الكاملة. ليس من مدى بشري غايته اللذة. أنت تأكل لتعيش. في طلبك العيش تعثر على اللذة. هي مرافقة للغاية وليست الغاية. لذلك كان الاستلذاذ من أجل نفسه ضربا للغاية. الله وضع فينا لذة الجسد لا لأجل نفسها ولكن لأنه يريد الحياة وجعل اللذة دافعة إليها. هي وسيلة وان جعلت الوسيلة غاية تخطئ.

تربيتي الفكرية أتتني من التراث بمعنى اني لا أخلق الحقيقة، ولكني استمدها من كل البهاء الروحي الذي سبقني في الحضارات التي أذوقها. أنا لست وليدا للحظة مولدي. أنا من التاريخ الذي جاءني من المسيحية أولا ومن كل ما يتصل بها أو يحن إليها. أنا أكره كلاما في العلمانية لا ينتسب إلى شيء. لا شيء يقنعني انك لست من أصل مسيحي أو إسلامي مهما قلت. ان كنت مسيحيا فألحدت تكون تربيتك المسيحية المغلوطة قادتك إلى الإلحاد. هكذا لو كنت مسلما. ما من إنسان يأتي فكريا من العدم. أنا كاتب هذه السطور أعرف اني أتيت من الكنيسة الأرثوذكسية ومن الشرق الأدنى ومن لبنان ومن اللغة العربية ومن دوستويفسكي وبرغسون وبعض آخرين. لا يولد أحد من عدم أو من ماضي تأملاته فقط. بعضنا ألصق بأمه الأرض وبعضنا ألصق بالله. نذوق الكون مختلفين ونتقارب بالمحبة التي نزلت علينا.

الجنس أحد أمكنة المحبة ولكنه ليس المحبة كاملة. لا شيء في النظر الى الانسان الكامل يسمى الحياة الجنسية. هذه فيها حد أدنى من الحنان عند أقوى الناس شهوانية. اذا طغت قد يعمى الانسان ويتكلم عن حياة جنسية. الانسان حياة ويأتي الجنس تعبيرا عن الحياة لأن الجنس هو من الانسان كله ان كان الانسان موحدا. العزل بين الانسان وجسده ليس له أساس في كياننا البشري. انت اذا اعتزلت ممارسة الجنس لسبب روحي او انضباطي لا تبيده. الميل الى الجنس الآخر في أقصى درجات العفة يبقى مشاركة. درجات التعبير تختلف.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

وجه المسيح / السبت في ٦ كانون الأول ٢٠١٤

اذكر فيما نحن ذاهبون إلى الميلاد ان الكنيسة تسمي الغطاس عيد الظهور لكوننا نكترث للمعاني أكثر من اكتراثنا للأحداث. فالكنيسة تهتم في الحقيقة لمولد السيد ولكن بخاصة لكونه إطلالته على العالم. القصة قصة تواصل مع المخلص لا ذكرى تاريخ.

الكنيسة في طقوسها تسمي الميلاد ومعمودية السيد كليهما معًا عيد الظهور. لا تذكر حدثًا بمقدار ما توضح الحدث لقاء بالسيد. الكنيسة ليست وراء تأريخ. الحب مبتغاها. لا يهمنا في التعييد ان نعرف على وجه التدقيق متى ولد السيد. يهمنا السيد نفسه. الكنيسة لا تعمل عمل المؤرخين. تذكر التاريخ لكي تحب. اهتمام الكنيسة بتاريخ السيد على الارض ليس من أجل كتابة التاريخ ولكن من أجل تأكيد حقيقة المسيح. نحن نعبد إلها قائما في الجسد. لنا إله ظهر في تاريخ الناس. إلهنا شوهد ولمسه الناس. الأهمية الكبرى ليسوع الناصري في تاريخ الأديان انه كشف لله وجها جديدا هو ان الله جعل نفسه منظورا، قائما ليس فقط فوق الناس ولكن مع الناس. أجل إله العهد القديم كان مع الناس انما عبرت المسيحية عن ذلك بقولها انه آكلهم وشاربهم ومات كما يموتون. موت المسيح هام جدا ليس فقط بسبب الخلاص ولكن لضرورة الكلام على ان السيد وجد نفسه معنا في كل شيء بما في ذلك الموت. صحيح ان المسيح حي ولكنه حي في الجسد إلى الآن بسبب من موت تغلب هو عليه. وجه المسيح إلينا من بعد التجسد هو انه حي من موت. هذا يعني اننا لا نستطيع ان نقبله حيا الا اذا قبلناه قد مات. من هنا أهمية تصوير المسيح المصلوب في الفن الصحيح ان عينيه مفتوحتان. ليس انهما كانتا هكذا تشريحيا ولكن بمعنى انه على الصليب كان غالبا للموت.

أنا لم أكن شيئا قبل ان أحبه فعلمت انه أحبني أولا واني بذا وُجدت. اعلم اني مهما أحببت لا أزيد شيئا على المسيح. به يبدأ كل شيء وبه ينتهي كل شيء. القصة قوله انه يحبني. أنا اذًا موجود فيه. هل من شيء يعمل الا ان أعرف اني حبيبه؟

اعرف ان لا شيء يزاد على ذلك. هذه المحبوبية تكفيني. المسيح محبة وإطلالة محبة ولكنها دائما محبة في موته ومن خلال موته. الحديث عن القيامة مضمونه أولاً الموت ثم الغلبة على الموت. وجه المسيح يبدأ وجها داميا على ان نتجاوز الدم بانبعاث السيد. كل حديث عن موته بلا حديث عن قيامته خطأ وكل تجاوز لموت بحديث عن القيامة خطأ. موت وقيامة معا هذه هي الحقيقة.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

التعالي‭ ‬والتساوي / السبت 29 تشرين الثاني 2014

قال الله لك انه في التعالي في حصرية عبادته: “أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، لا يكن لك إله سواي”. هذا هو تعاليه عن كل المخلوقات بحيث لا يُشبّه بسواه ولا يشبه سواه به. إلى هذا، هو معنا بالمحبة وفي هذا تنازل لأن المحبة تفترض شيئا من التساوي. في العربية نقول انه العلي أي العالي المطلق إلى قولنا انه محب حتى ذهبت المسيحية إلى انه محبة. هو جامع الصفات بمعنى ان الصفات حديث عنه وأنت ان وُصفت بصفة فتشبها به. فالكمال له من حيث الكيان ومن حيث الصفات وكل حديث عن اكتمال روحي في الانسان مجرد تشبه بالكمال الإلهي.

فالله يبقى دائما متعاليا لا يسوغ الدنو منه ولكن المسيحية كلها حديث عن الالتصاق به، ذلك الذي يستحيل تحققه في العقل بسبب البعد الأساسي بين كيانك وكيانه ولا يفهم الا بالحب. لا يمكن ان تفهم بالعقل انك تكون في حضن الله وجوهرك غير جوهره ولكن المحبة تفهم كل شيء. كيف تصل اليه وهو في دوام التعالي؟ في ظل التعالي ما معنى الاتحاد؟ واضح انك في العقل لا تتصور شيئا من هذا. المسيحية ما أعطت جوابا عقليا عن هذا السؤال. قالت فقط: “والكلمة صار بشرًا وعاش بيننا فرأينا مجده” (يوحنا ١: ١٤). بتعبير آخر لم تفسر المسيحية سر الله. قالت فقط ان الله جاء الينا بابنه في جسد فأحبنا واقتبلنا محبته. كل العلاقة بيننا وبينه هي على مستوى الحب. التصادم المنطقي بين تعالي الله وتساويه بنا نتجاوزه فقط في الحب. هذا معنى قوله: “الله محبة”. فيه تحل الصدامات العقلية لأنه هو الرؤية.

من أهم ما قالت به المسيحية عن الله انه تنازل. هو يتنازل بالحب ولا يخسر شيئا من سموه. هو تاليا فوق وتحت. ان جعلته فوق فقط تكون قطعت صلته بالبشر. ان جعلته تحت فقط أبطلت ألوهيته. هو وحده الجامع بين الفوق والتحت. التناقض بين التعالي والتساوي حله ربك في سر المحبة. كيف يساويك ويبقى أعلى منك هذا سره. أنت ان أحببت وأنت على الأرض تبقى فوق في محبتك. المحبة هي موضع اللقاء بين التعالي والتساوي.

الله كله في جسد المسيح وان كان لا يمتد لأنه ليس في المدى. هو في كل مكان بمعنى حلوله ولكن ليس بمعنى امتداده. “الله روح” ولا يمتد. لا يمس الشيء مسّا ولا يلمس لمسا ولكنه بروحه يحتضن. صح القول ان الله في كل مكان. هي تعني انه ليس في مكان ولا يحده مكان. الله غير داخل في نظام المكانية.

الله فينا في الحب وليس في انصهار كياننا وكيانه. الله لا تدنو أنت منه بكيانك. هو يدنيك اليه بحبه ويبقى متعاليا. ماذا يعني المسيح فيّ ولا يصير إياي بالكيان ولو اتحدنا بالمحبة؟ هذا يفهمه الذين وصلوا إلى محبة الله. يعرفون وحدتهم بالخالق الفادي ويعرفون الفارق. ما معنى الفارق في الوحدة؟ أنت تفهم هذا بحبك للإله فقط. تعرف انك بعيد وتعرف انك قريب. قلبك يفهم الاثنين معا. الله فوقك وفي داخلك في آن والرب وحده يلقنك ذلك.

مشكلتنا مع الفهم الروحي انه لا يشبه الفهم المنطقي. فيه منطق خاص لا يخلو من عقل ولكن ليس عقلا كله. الفهم الروحي يفترض اهتداء قلبك إلى الله أي يشترط توبتك لأنه يضم اليه كل ملكات وجودك الداخلي. الفهم الروحي يشترط تآزر كل قواك الداخلية من عقلية وروحية والتزام كل وجدانك. الانسان كله وليس العقل وحده هو الذي يؤمن. عندما تقول: أؤمن بإله واحد تعني انك تأتي اليه بكل طاقات وجودك وليس بالذهن البحت وحده. لذلك لا يبتّ خلاف في الامر الروحي والوجداني فقط بالمناظرة العقلية. أنت ملتزم بكل انسانيتك وتواجه الآخر بكل انسانيته. المسائل الدينية لا تحل فقط بالمواجهات الذهنية. الذهن فقط طاقة واحدة لاقتبال الايمان. هناك في الانسان الداخلي غير الذهن وحده.

الايمان عملية انسانية كاملة تجمع العقل والنعمة التي فوق العقل وإرادتك الخير أي انه موقف يأتي منك ومن انعطاف الله عليك. اذا قلت “أؤمن بإله واحد” أنت لا تعني انك تقوم بعملية عقلية بحتة. أنت قائل ان انسانيتك كلها مشدودة إلى الله وقائمة فيه. الايمان اذًا عملان عمل الله في الانسان وقبول الانسان لله. بالإيمان اذا لا تعود بمحض قواك إلى الله ولكنه هو أيضا يعود اليك بنفسه. عندنا في الايمان حركتان حركة النفس إلى الله بكل طاقاتها وحركة الله إلى ذاته.

ليس من عمل إيماني يقوم به الانسان بلا عون إلهي. الانسان لا يأتي إلى الله الا بقوة الله. التوبة حركة إلهية في النفس البشرية أولا.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

العائلة / السبت 22 تشرين الثاني 2014

قال لي خبرائي العائلة تنفرط. ان كانوا على حق ماذا يعني هذا؟ هل يعني ان الأزواج ضعفت أمانتهم أم انهم يهملون العناية بالأولاد أو الاثنين معًا دون الالتفات إلى الواقع؟ من الأسباب العديدة التي يمكن تبينها ما من شك عندي ان التشديد على العشق بين الزوجين يمكن ان يستتبع اهمال الاولاد والحقيقة انك ان أفرطت في الكلام عن الحب الزوجي يمكن ان تهمل الحديث عن الأولاد. في أيام شبابي ما كنت اسمع عن الحب بين المتزوجين. كنت أفهم ان هذا سابق للزواج وان الزواج قائم على العهد، على رباط فيه تعقل أي حياة روحية مع من تتعهدهم بالإخلاص أي برباط روحي يتجاوز مجرد العاطفة التلقائية. كان الفيلسوف الدانمركي كيركيغور يؤكد ان «تحب قريبك كنفسك» تعني ان الحب واجب وهذا يبدو للمرة الأولى مستغربا. طبعا لما قال الله تحب قريبك كنفسك كان من الواضح انه يجب ان تحب قريبك فقد لا يكون جذابا. عند المؤمنين حب القريب قد لا يبدأ بعاطفة بل بخضوع لله. لما أمر الرب بهذا كان عارفا انه لا يمكننا ان نعشق جميع الناس. المحبة اذًا هي أمر غير تلقائي.

على هذا النحو أمرك الرب بحب العائلة. ليس ما يدل ان حب الزوجين أحدهما للآخر بالضرورة تلقائي. الخلاف في الواقع العائلي اذ ليس ما يدل على ان الزواج يبدأ دائما بعشق أو يستمر بالعشق. خطة الله ان يبدأ رعايته إيانا بالطبيعة. ولكنه يعرف اننا في العائلة نحب أو لا نحب لأن هناك محبات تموت وكلها تضعف لأن الحب الطبيعي ليس فيه زخم إلى الأبد. استمرار العائلة اذًا واجب ان بدأتها لأنك لا تستطيع ان تكب الناس بعد ان عاهدتهم. من يعرف اليوم ان العائلة عهد؟ هذا خداع الجنس انه يوهمنا بالاستمرار.

يتوهم الإنسان ان العاطفة مستمرة لأنها حارة. انه يجهل ان الحرارة تنطفئ. العاطفة تزكيها بالإرادة ان كنت مؤمنا انها من الله. كل العائلات تموت ان اعتقدنا ان العائلة تقوم أساسا على الحب. هي تقوم على إرادة المحبة أي على اعتبارها واجبا إلهيا. العائلة ليست اختراع الجنس. الجنس لا يقول بالعائلة. هي أمر إلهي لإنقاذك من وطأة الجنس إلى واجب المحبة، أولادك تحبهم أو لا تحبهم دائما. زوجتك تحبها أو لا تحبها كثيرًا. الحب اذًا اختراع إلهي ليبقى الله دائما في الكون. العائلة هي التذكير بضرورة الحب ان ضعف. كل ما قرأته يدل على ان التشديد على العائلة يراد به تكوين المجتمع الفاضل. هذا نتيجة فقط. الكلام عن العائلة كلام أولا عن الحب والحب ليس غايته الإنجاب ولا العائلة غايتها الإنجاب. الحب غاية مطلقة بحد نفسه. نحن لا نحب من أجل تكوين عائلة. نحب من أجل الحب.

هذا الاهتمام المفرط بالعائلة هو من باب التكوين المجتمعي. عندي ان العائلة كاملة بالرجل وزوجته أنجبا أم لم ينجبا. الله ليست العائلة همه الأول، همه الحب. التكاثر نتيجة. الله يحب الإنسان تزوج أم لم يتزوج. غير صحيح القول ان الكنيسة مؤلفة من عائلات فسيان عندها العازب والمتزوج. الكنيسة مؤلفة من أشخاص والشخص كائن كامل. العائلة مجتمع ينمو فيه الأشخاص. العائلة مكان تحب فيه وقد لا تكون ذا عائلة وتبقى محبا. المهم ان تفهم، تزوجت أم لم تتزوج، انك من عائلة الله. العيلة مكان للنمو الشخصي وليس لاندماج الأشخاص.

Continue reading