Author

Aziz Matta

2008, مقالات, نشرة رعيتي

بولس في السجن/ الأحد 7 كانون الأول 2008 / العدد 49

يكتب الرسول الى أهل أفسس وهو في السجن في رومية. لذا سمّى نفسه «الأسير في الرب» او بسبب الرب يسوع. هنا طلب الى هؤلاء المسيحيين ان يسلكوا حسب «الدعوة التي دُعوا بها» اي وفق الإنجيل الذي تعلّموه من بولس، وهو طبعا يقصد التعليم الشفهي الذي أخذوه من الرسول.

بأيّة روح يطبّقون الإنجيل؟ «بكل تواضع ووداعة وبطول أناة». التواضع والوداعة كان السيّد قد أشار إليهما بقوله: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب».

بولس يعتقد أن الفضيلة تَشَبُّه بالمسيح. ثم يزيد على هذا انه ينبغي ان يحتملوا بعضهم بعضًا بالمحبّة، وفي هذا المعنى قال في الرسالة الى أهل رومية: «احملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا أتِمّوا ناموس المسيح».

غير ان ذروة الكلام في قوله: «حفظ وحدة الروح برباط السلام». هي وحدة الروح القدس الحالّ فيكم والذي ينُشئ فيكم سلام المسيح. وفي هذا عود الى كلام السيّد نفسه لما ظهر للتلاميذ عشيّة القيامة: «سلام لكم، سلامي أعطيكم». المصالحة مع الله تُنشئ السلام الداخلي الذي يتجلّى في سلام المؤمن. وحدة الروح القدس تجعلكم جسدا واحدا اي كنيسة واحدة فيها الروح القدس الواحد.

ثم أيضاحًا لهذا يؤكّد «رب واحد (المسيح) وإيمان واحد به» اي ايمان بأنه المتجسّد من الروح القدس ومريم وأنه مات وقام وجلس عن يمين الآب. هذا الإيمان الواحد يؤسس لمعمودية واحدة التي تدل على الايمان الواحد، الثابت والتي هي عهد أبدي مع الله. لذلك يقول دستور الايمان: «وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا». غير ان الايمان واحد هو ايمان «بإله واحد آب واحد للجميع».

ويوضح بولس أكثر عندما يقول عن الله انه فوق الجميع وبالجميع (اي عامل بواسطة المؤمنين) وفي جميعكم (اي حالّ في قلوبكم).

كيف يكون حالا عندي وعندك؟ يجاوب بقوله: «لكل واحد منّا أُعطيت النعمةُ على مقدار موهبة المسيح». وبولس كان القائل في هذه الرسالة مرتين: «بالنعمة أنتم مخلَصون». «كل عطيّة صالحة وكل موهبة كاملة منحدرة من الآب ابي الأنوار». انتم اذا نزلت عليكم النعمة تطيعونها. حياتكم الروحية تنزل عليكم من حنان الرب الذي يقوّيكم ويؤيّدكم بالروح القدس.

المألوف عند بولس أنه يضع أولا في كل رسالة تعليما لاهوتيا ثم يتكلّم عن الأخلاق المسيحية مُظهرًا ان الأخلاق ثمرة التعليم اللاهوتي.

مَن قال إنه يتمسّك بالأخلاق المسيحية ولا يتمسّك بالعقيدة يكون خارجًا عن رؤية الإيمان. الأخلاق متشابهة في كثير من الأديان، ولكن عندنا رؤية عميقة للأخلاق متّصلة بالتعليم. فمن رأى اللاهوتي جانبا، لا يرى ما هو خصوصي في الأخلاق المسيحية. يجب الاّ يغشّنا الشبه بيننا وبين غيرنا في الحديث الأخلاقي. هناك دائما ميزة للأخلاق المسيحية ناتجة من ميزتنا اللاهوتيّة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الدينونة / السبت 6 كانون الاول 2008

صورة من صور الله انه قاضٍ لأن الإنسان جاءه تكليف ليرعى هذه الأرض لتعود خيراتها رزقا للإنسان وتاليا قربانا لله اذ كل ما خلقه يعود اليه بقوة وتعزيز. وما كان ترابا يلبس النور في اليوم الآخر ليعترف الرب ان هذا كان خلقه. ما يقوله الخالق للمخلوق ان أدِّ حسابك عن نفسك وعن حراثتك للأرض بما فيه كم الجهد ونوعيّته ولانهائية إنتاجه فيظهر الانسان بذا انه اقتنع على انه خلق على صورة الله ومثاله.

الإنسان والخليقة واحد والسؤال المطروح عليه في اليوم الأخير هو: ماذا فعلت بنفسك وبأخيك وبالأرض التي سلّطك عليها تخدمها حتى تخدمك؟ والسؤال يتضمّن هل أهملت نفسك وأخاك والعالم ليحلّ الجدب في هذه الخليقة التي لما خلقتها ذقتها.

هل تذكر هذا: «وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور انه حسن» (تكوين 1: 3 و4). وفي تأويلي ان هذا لا ينحصر فيما بدا ضوءًا محسوسا. ولكنه نعمة هذا الضياء على الخليقة كلّها فاذا استنارت الدنيا تأتي منها الخلائق التي يذكرها سفر التكوين. وما ينزل على الخلائق حسن لأنه يتنزّل من فوق وبعد هذا تجبله بالتراب الذي انت منه وبالتراب الذي منه الخلائق.

والإنسان يتحوّل الى نار اذا قبل ان مخلوقيّته هي بالكلمة. في سرد قصة الخليقة ظهرت الموجودات كلّها بالكلمة وبعد رقي كبير جاءت النبوءة بالكلمة بحيث تصير انت انسانا آخر مكوّنا من هذه الأرض ومن السماء معًا. وترابيّتك تسقط اذا عرفت ان توظّف النور الذي انسكب عليك. غير ان العتمات قد تهاجمك لتطرد النور الذي فيك او تدفع نورك ليطارد العتمات. انت مسرح الظلمة والنور فاذا قبلت ان تصبح مسرح الله فقط، تجاهد جهادًا حسنًا ليبقى الله وحده صاحب المكان. كل نعمة الله هي فيك فقط. ولكنك لن تجاهد جهادًا شرعيا الا بأسلحة النور اذ لا تعلم الله شيئا عن فنون الحرب الروحية التي يجب ان تخوض. هو يعلّمك كلّْ شيء وهذا نسمّيه النعمة. فإن رفضت ان تخوض حربه تكون سلّمت نفسك الى العدو.

في هذه الحرب التي نخوضها ولأنّ الرب سلّمك نفسك تصبح مسؤولا عن استعمال السلاح الإلهي فيك فتمسك به او تهرب الى اللاشيء.

وما نسمّيه الدينونة هو سؤال ربّك ايّاك : هل استعملت السلاح الذي سلّمته ايّاك ام هربت من المعركة فاستولى العدو عليك. هل كنت أمينا على تفويضي؟ وانا سلّمتك ما كنت تستطيع ان تحمله ولن أسألك عن أكثر منه. هناك من كان أعلى منك قامة فوهبته ما كان قادرا على احتوائه. هذا أسأله كثيرا والفرق بينك وبينه أمر لا يعنيك. انا وحدي عارف بالأحجام.

يبقى اني سأقاضيك لأن الأشياء التي كانت فيك هي لي. انها ودائعي. واذا فرّطت بها ففي قوانين البشر هذا يسمى سوء ائتمان. أرجو الا تتكل على حناني بدون معرفتك بقضائي. اما كيف أجمع بين القضاء والحنان فهذا أمر لا تعرفه ولن أكشف لك الا عند حصوله في اليوم الأخير اذا حصل.

ليس من حقّك ان تقول للملاك الذي يسوقك الى يوم الدينونة: لماذا لا توفّر عليّ هذا المثول؟ ان واحدا من أحبّتي كتب: «هائل هو الوقوع بين يدي الله الحي». كيف لا تكون من الواقعين اذا انا مددتك بالنور وعدت اليّ بالظلمة؟ كيف أقرأ عتماتك نورا وهي ليست بذلك. هل تسمي هذا حنانا ورأفة ومغفرة؟ انا تحدثت عن الغفران لئلا تقع في دنياك في غيبوبتك اذا شاهدت نفسك مفتّتة. انا استطيع ان أرحمك في دنياك ولكني لا اقتحم نفسك اقتحامًا. يجب ان تدعوني اليك وهذا يسمى التوبة. ولكن غفلتك عن نفسك تجعلك ترجئ التوبة لكونك توكّلت على غفراني. انت مدعوّ ان تعمل معي. شيء من مطواعيّتك مطلوب. ولكونك مخلوقا انا أعطيتك حريّتك وما قلت لك اني بديل عنها. اذا ذقت محبتي فهي ترشدك الى جميع الحق ولكن اياك ان تعتقد اني أجرّك اليك جرًا لأن في هذا اقتحاما لحرية فيك انا ابدعتك عليها لتفهمها وتعرف كيف تلقاني بها. واحد قال اني دفعت اليك وزنات لكي تستثمرها. سوف أسألك عن الوزنات فاذا أغفلت عن توظيفها على طريقة اهل الدنيا الذين يعرفون كيف يوظفون اموالهم لن يبقى لك مني ميراث، هذا الذي اعددته لك لو كنت طائعا.

سأسألك عن كل خير وعن كل شر لأن الخير منّي والشر منك وكان يجب ان تبدده. لا تقل جاءتني ظروف فاضطرتني على الخطيئة. هل نسيت اني جعلت لك ظروفا افضل وهي ظروف النعمة واني احببتك كما لم تحب نفسك؟ ولكنّك لم تعرف ان تحبّ نفسك وأحببت عليها خطاياك.

لا تظنّ اني دفعت لمن ارسلتهم وصاياك ليضيقوا الحياة عليك. فأنا ليس من طبعي تعذيب من أحب وأحببتك ولم تفهم وخدمتك ولم تحس. خطيئتك انك لم تحس بي وأحسست فقط بخيالات رأسك وشهوة بطنك. واستكبرت بجمالك وما ظننته جميلا فيك وكل هذا من صنع البشر.

ستحضرك الملائكة امامي وأذكّرك بما فعلت لأنك لا تحب ان تنسى اللذائذ التي استسلمت لها وما أحببت ان تستسلم للفرح الذي تؤتاه من الفضائل التي حدّثتك عنها لتعظمك.

سوف أقول لك هذا لأنهضك من الغيبوبة الطويلة التي وقعت عليك، لتقرأ نفسك وما أحببت ان تقرأها. سأكشف لك ذاتك بما اقترفته بالفعل وبالقول وبالفكر اذ كنت تغمض عيني نفسك لكي لا تراها.

في اليوم الآخر سأريك نفسك كما انت. غالبا ما ترتجف لأن الإنسان لا يستطيع ان يرى القباحة ويحيا. انا إله الفهم ولا أخلّص إنسانًا غبيًا. لذلك كان لا بد لك في اليوم الأخير ان تقرأ نفسك كما أنا أقرأك.

وبعد أن تشاهد بشاعتك واستطعت ان ترى عليّ لمحة من نور وتطلب مني ان أبدّد بشاعتك فسأنقيك بماء كلمتي الأخيرة: أنا أحبّك لأنك ابني على رغم انك سهوت كثيرا وأردت ان تؤذيني. سأخلق فيك من جديد محبّة لجمالات السماء.

انت الآن امامي واقف عاريا. سآمر ملاكك ليلقي عليك الحلّة الذهبيّة التي تجعلك مؤهّلا لمجالسة القديسين الذين أرضوني وأوحّد بينهم وبينك مع انك لم ترضني على الأرض واذا رأيتك وانا أعبر طرق السماء لن أشاهدك الا لابسا الحلّة الذهبيّة وقد أيقنت الآن اني انا القيتها على عرائك.

تعال الآن ايها الحبيب فإني ولو جلبتك الى محاكمة الا اني لن أجلبك الى الدينونة.


Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة اندراوس/ الأحد 30 تشرين الثاني 2008 / العدد 48

أندراوس الذي نقيم ذكراه اليوم معروف بـ«المدعو أولا»، وهذا بناءً على إنجيل يوحنا. هذا وارد في سياق الحديث عن يوحنا المعمدان الذي كان له تلاميذ. هذا هو من شَهِدَ ان يسوع حَمَلُ الله اي الذي أعدّه الله للموت. طبعًا هذه نبوءة من المعمدان.

إثنان من هؤلاء تبعا يسوع بعد ان سمعا كلامه. انت ان كنت معمّدًا لا يكفيك ذلك. يجب ان تتبع المعلّم بكل جوارحك وبكل فهمك، وأن تذوق اتّباعك له وتفرح بهذا، وإلا كنت مسيحيا تافها، مرددا كلمات تعلّمتها ربما في المدرسة ولكنك لست بعد بتابع.

مكث هذان عند يسوع. فوق القراءة واقتباس التعليم والعقيدة انت مدعو الى المكوث عند يسوع اي الى تذوّق كبير واتّباع عميق.

اندراوس وجد سمعان (الذي سمّاه في ما بعد السيّد «بطرس») فقال له «قد وجدنا مسيّا- هكذا نقلناها حرفيا عن اليونانيّة- الذي تفسيره المسيح (خريستوس باليونانيّة)» اي المنسكبة عليه النعمة.

السيّد سمّى هذا التلميذ صفا (وهي كيفا بالآراميّة التي كلّمه الرب بها) وفي العربيّة هي مشتقّة من الصفاة التي تعني الصخرة. ليس سبب تغيير الرب لاسم سمعان واردًا في انجيل يوحنا. وارد فقط تغيير الاسم هذا السبب وهو اعترافه بأنّ المسيح ابن الله الحي.

بعد هذا تأتي دعوة فيلبس. كل هؤلاء هم من الجليل، من هذه المدن الصغيرة حول طبريّة. فيلبس يتعرّف على نثنائيل ويدعوه الى الجماعة التي أخذت تتكون حول يسوع. اعتراف بطرس بالمسيح في إنجيل متى وارد هنا على لسان نثنائيل. الوحدة بين التلاميذ هي وحدتهم بهذا الإيمان.

بعد انضمام نثنائيل الى المجموعة قال لهم يسوع جميعا: «انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر».

معظم كلمات هذه الآية مأخوذة من حلم يعقوب (تكوين 28: 12 و13). في حُلم يعقوب «هوذا الرب واقف على السلّم». في إنجيل يوحنا لا نعرف اين المسيح من السلّم أهو تحتها او عند نهايتها.

في سفر التكوين الرب واقف على السلّم. لا شيء يمنعنا من ان نقول ان يسوع في رأس السلّم، وعندئذ ينطبق عليه كلام سفر التكوين: «هوذا الرب (اي الله) واقف عليها».

يسوع يردم الهوّة القائمة بين السماء والأرض بتجسّده. ينزل الى كل أهل الأرض اذ يحلّ في أحشاء مريم.

يسوع هو القائل لنثنائيل انت تتعجّب أني قلتُ لك لمّا كنتَ تحت التينة. هذا أمر بسيط اذا قابلناه بأني انا الذي ردمت الهوّة التي كانت تفصل بين الأرض والسماء، والآن أتيتكم بكل السماء، أتيتكم بخلاصي.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

أي لبنان نريد؟ / السبت 29 تشرين الثاني 2008

من زمان طويل كان المرحوم الشيخ بيار الجميل الجد يرى المسيحيين عندنا ينتمون الى الثقافة الغربية والمسلمين الى الثقافة العربية وتغاضى عن ان الأديرة المارونية باعتة للثقافة العربية وعن ان المثقفين المسلمين لايتنازلون عن ثقافتهم الغربية. صلاح ستيتيه مثلا يكتب الفرنسية ببلاغة لم يتجاوزها مسيحي. المغاربة معظمهم يكتب بالفرنسية. وهل ننسى ان اهم عالمين بالعلوم الطبيعيّة في لبنان كانا مسلمين شيعيين وهل نجهل ان اهم علماء الإسلاميات هم آباء يسوعيون؟ هذا التفريق الى معسكرين فكريين سقط. اذًا لا نزاع يبقى على المستوى الثقافي ولا انتماء فكريا مزدوجا في بلدنا.

في المجال السياسي واضح ان المتقربين من ايران هم من كل ديانتي هذا البلد. وفي الفكر ايضا ايران تقرأ الثقافة الفارسية القديمة بنهم وتحس بأنها آرية. ولو تعلّمت العربيّة في الثانويات. في الوقت نفسه تنزع الى الحضارة الأوربيّة والشرائح المتغرّبة فيها لا يزعجها أحد في السلطة والقرآن العربي المبين فيه مفردات من الفارسيّة وغير الفارسيّة. والموسيقى العربيّة في مطالعها فارسيّة وفي مسيرتها تركية وفيها عناصر غربية مع محمد عبد الوهاب والرحابنة. معنى ذلك ان ليس عليك ان تقف موقفا حادا صارما بين الفرس والعرب.

اما الخيارات السياسيّة ففي تقلّب دائم. على سبيل المثال الغرب كان يعني لنا الاستعمار. والآن يقدّم نفسه دعامة للعرب كبرى. أميركا تستتبع بعض عرب ولكنها لا تريد هذا الاستتباع عداوة لإيران. ما يهمّ الولايات المتحدة الوحدة النفطيّة التي تجمع العرب وإيران. وكل خبراء. السياسة الخارجية يميلون الى القول ان لن تقصف اميركا ايران ولن تجرؤ اسرائيل على فعل ذلك لئلا تعرّض نفسها الى رفع الغطاء الاميركي عنها.

الذين يرون هويّة لبنان في صداقة الغرب لا بد ان يعرفوا ان الغرب السياسي هو فقط اميركا وان اوربا لا تتمتّع في السياسة الخارجيّة الا بالهامش الذي تتركه لها أميركا. الباقي ثقافة وعواطف تقليدية نحو الشرق. على الصعيد السياسي ليست أوربا حاسمة. لقد ولّى نظام الحمايات الذي فرض نفسه بانتهاء حوادث الـ 1860 وبعد زوال الانتداب. واذا لم تقم روسيا او الصين بدرجة أدنى فعلى اللبنانيين ان يفكّروا مليًا بالحليف الجدي الذي يختارونه. اميركا ليست صديقة احد الى الأبد. وهذا اذا قامت من كبوتها المالية الحاليّة. لا يستطيع لبنان ان يركّز سياسته الخارجيّة على اميركا. ان هذه لم تقتنع ان لبنان معشوقها. لا يمكن تغيير الأم الحنون.

فلنصادق اميركا الى حين وفي حذر (اي حسبما يوافق مصالحنا). ولنقف على مسافة معقولة من كل بلد بما في ذلك البلدان العربية وهذا يعني طبعا الابتعاد عن سياسة المحاور.

اما مسألة ولاية الفقيه فخيار شيعي والجدليّة كلها شيعية. والذين يأخذون بهذه الولاية لهم ان يقولوا اذا كانت تشمل اوامر عسكرية تصدر عن الفقيه. هذه تصبح، اذ ذاك، جدليّة وطنيّة. ولكن بصرف النظر عن ولاية الفقيه سياستنا تجاه الجمهورية الايرانية الاسلامية مسألة من مسائل سياستنا الخارجية. وهذه تبحث بين دولة ودولة. وهي مرتبطة بعوامل عديدة ومتغيّرة. من هنا أقول ان الذين يجعلون آمالهم في الولايات المتحدة ليس عليهم ان يرتضوا آليا موقفها من قضية تخصيب الاورانيوم في ايران. لماذا عند اسرائيل رؤوس نووية (اي قنبلة ذرية) ولباكستان الاسلامية القنبلة الذريّة؟

هل يهم أميركا أن نماشيها في رغبتها في معاقبة ايران. ماذا نستطيع ان نقدّم لها؟ اذا كانت الولايات المتحدة تسعى الى توازن مع العالم الرسلامي بما فيه ايران اولا فنحن لا نقدّم ولا نؤخّر في هذا التوازن.

المسألة التي تبقى في سؤال «اي لبنان نريد» هي مسألة الحرية والديموقراطية. في بلد مولّف من 18 طائفة لا احد يجرؤ ان يقول انه يريد الحرية لقسم من اللبنانيين دون آخر. فالإسلام باقٍ في لبنان الى قيام الساعة والمسيحيّة كذلك وأئمّة المسلمين وزعماؤهم يناشدون المسيحيين الا يهاجروا وانا اؤمن انهم صادقون لمعرفتهم بما قدم المسيحيون ويقدّمون لعزة هذا البلد وللونه الخاص في دنيا العرب… هل قرأ المسيحيون في آخر انجيل متى ما قاله المخلص: «انا معكم (ومعكم في لبنان) حتى منتهى الدهر». لماذا اذًا يشكّون باستمرارهم؟ المسلمون العقلاء يكرهون التطرف والإرهاب ويخشونه كما يخشاه المسيحيون لأنهم يريدون البقاء اسيادا في لبنان حر وديموقراطي.

وما يذهلني ان سياسيي هذا البلد اتفقوا على الديموقراطية التوافقيّة التي لا تعني شيئا في الفلسفة السياسيّة. الديموقراطيّة تقوم تحديدا على تنافس بين اكثرية حاكمة واقليّة غير حاكمة وعلى التداول عندما تتكلم عن انتخابات حرة تكون مقتنعا بأن الديموقراطية التوافقيّة لا معنى لها. وعجبي ان الأفرقاء المتخاصمين اليوم يريدون شيئا واحدا جامعا بينهم وهو الديموقراطية التوافقيّة اي في السياسة الخارجيّة التوازن بين الغرب العلماني والشرق المسلم.

نظريا ايضا او كلاميا اللبنانيون متفقون على ضرورة علاقة الندية والود بآن مع سوريا. العلاقات العملية خاضعة للنقاش لتأمين الندية والود. وهذا ينبغي ان يكون صحيحا، صادقا.والصدق هنا يعني صدق الطرفين واقتناع كل طرف ان الطرف الآخر موجود وانه يناقَش وان شيئا لا يُملى عليه. واللبنانيون الذين اختاروا الديموقراطية والحرية اختاروهما لأنفسهم وليست المرة الأولى في التاريخ حيث الأنظمة الحرة على الطريقة الغربيّة تقيم علاقات سلاميّة مع أنظمة يغلب فيها التشدد. نحن نقيم صلات مع سوريا التي تحكم نفسها كما تشاء وهي لا تنتظر ان نعلمها الحرية كما نحن نفهمها. يخطئ من يريد البلد في أحضان سوريا كما يخطئ من أراد ان يقاطع النظام الذي يسوسها.

الشيء الوحيد الذي نرجو ان يلهمه الله سوريا ان قراءة للتاريخ حادة بحيث تقرّ في وجدانها ان لبنان بلد قائم بنفسه وحر في سياسة خارجيّة له لا تعادي سوريا. ربما اخذ هذا ردحا من الزمن والسياسة ممدودة على الزمن وتتخذ خطوات عمليّة لتكتمل. المبتغى ان تؤمن سوريا بنا كما نؤمن نحن بها.

الأمر الهام هنا ان سوريا ولو ببطء تسير نحو حل الخلاف بينها وبين اسرائيل بمفاوضات غير مباشرة بانتظار التفاوض المباشر ومعنى ذلك انها آخذة بالتقارب مع الغرب وتاليا بردم الهوّة بينها وبين الفريق اللبناني المحسوب على الغرب. لا يعني هذا انها ستتخلى عن تقاربها مع ايران الذي ينتظر حركة مصالحة مع الرئيس المنتخب اوباما. طبعا من المبكر ان نتوقّع تفاهما سريعا بين ايران واميركا. غير ان النزاعات في التاريخ لا بد ان تنتهي الى سلم.

اذا كان هذا التحليل على شيء من الصحّة فإنه يعني ان الفرقة بين اللبنانيين المتنازعين أضيق مما كان يظنّ وانه حان وقت الهدوء والثقة بيننا لنقيم على فلسفة سياسيّة نابعة من مشاكل البلد حتى نقترب من وحدته بحيث نتفق على نوع من التوازن في سياستنا الخارجيّة بين الشرق والغرب. ولا نخشى ان يهتزّ لبنان حتى مشارف الزوال.


Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الخلاص في النعمة/ الأحد 23 تشرين الثاني 2008/ العدد 47

يقول بولس الرسول في هذا المقطع من الرسالة الى أهل أفسس أنّ الله أحبّنا بما فيه من رحمة لمّا كنّا أمواتًا بالزلّات. وبسبب من المحبّة التي فيه أحيانا مع المسيح اي عندما أحيا الآب مسيحه بإقامته من بين الأموات. هذا الكلام يدفعه إلى أن يقول: «انّكم بالنعمة مخلَّصون». الله يبادر وحده بالخلاص.

المرادف لـِ«أحيانا» قوله «أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات» اي بالصعود. نحن دائما مع المسيح وفي داخل كيانه. ثمرة ذلك ان هذا العطاء الذي صار فينا ستظهر في الدهور المستقبلة «فرط غنى نعمته باللطف بنا في المسيح يسوع».

دائما عمل الثالوث ينقله الينا المسيح في ما نسمّيه «سرّ التدبير» اي تجسّده وموته وقيامته وصعوده. في هذا كلّه يؤكّد الرسول لطف الله بنا، وبكلام آخر يؤكّد عمل النعمة، ويعود الى تأكيد اننا بها مخلّصون بواسطة الإيمان. هي عطاء في البدء، والعطاء الإلهي تتلقّاه انت بالإيمان. وحتى لا يظنّ أحد ان الإيمان عمل بشريّ، يؤكّد بولس ان هذا التقبّل نفسه هو عطيّة الله.

هذا يجعلنا في سرّ عظيم. الإنسان يجب ان يقوم بشيء. واذا حصلت الطاعة للنعمة نسمّي هذه الطاعة إيمانا. ولكن حدوث الإيمان نفسه فينا لا يأتي من أعمالنا حتى لا نفتخر «لأننا نحن صُنْعه مخلوقين في المسيح يسوع». اي نحن خلائق جديدة في من هو «بكر كل خليقة». نجيء من المسيح في سرّ الإيمان الذي هو دائما عطيّة.

لا جواب عن سؤال من سأل: لماذا هذا عنده إيمان، وانا ليس عندي هذا الإيمان؟ جوابنا ان الله ليس عنده محاباة للوجوه وليس عنده تعسّف وهو «يريد الكل ان يَخْلُصوا والى معرفة الحق يُقبلوا». الله يعطي الكل فرصة ليؤمنوا ويمهّد لهم طريق الفهم والتقبّل. ماذا عملوا بأنفسهم حتى لا يتقبّلوا العطاء الإلهي؟ لا أحد يعلم.

هذا هو سرّ الإثم كما أن هناك سر البر،ّ ولكن لا نجعلنّ الله مسؤولا عن عدم إيماننا. هو دائما كريم العطاء، ولكن لم يحصل عندك تقبّل. لا أحد في هذا يدينك. ولكنك شقيّ كثيرًا اذا بقيت في جحودك. تأخذك الكنيسة وتصلّي من أجلك الى أن ينزل عليك الهدىز

النعمة تطلبها، بقوتها تطلبها. المهم أن تحفظها في نفسك وأن تحافظ عليها بقداسة حياتك. وإذا استعرنا كلمات الرسول، تتسلّح بسلاح البرّ الكامل وتلتمس من الروح القدس ان يساكنك. وكنيستنا تعرف ذلك إذ تستهل صلواتها وخدماتها الإلهية باستدعاء الروح القدس: «أيها الملك السماوي».

وإذا أهملتَ صلاتك فالخطر ألا تكون محصّنًا ضد هجمات الشرير. وإذا لم تقرأ الإنجيل كل يوم فالخطر ألا تأتي كلماتك من الإنجيل وأن تأتي من انفعالاتك فقط. اعتنِ بعلاقاتك الاجتماعية وبمعرفة طهارة أصدقائك لأنهم هم أيضًا يُقوّون مكوث النعمة فيك. اختر من رعيتك او غيرها مجموعة مُحبة للمسيح حتى تكون وإياها جماعة النعمة، جماعة تبتغي التقديس.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الشعب السلبي / السبت 22 تشرين الثاني 2008

نُسب الى أحد كبار المستشرقين قوله إنّ الشعب اللبناني شعب سلبي un peuple negative. كان يحب العرب كثيرا وتردد قبل إبداء رأيه في شعبنا. ربما كان هذا رأيًا غالى فيه او كان تعميما ظالما. وسأحاول دون أن أتبنّاه أن أرى فيه بعض الحق.

أن نكون سلبيين هو الا نكون بنّائين بالقدر الكافي، ان نعفي أنفسنا من مسألة الفكر أو مسألة العمل، أن نخاف من الالتزام ومن تكوين أنفسنا فرديا او جماعيا. هل نحن محبون للجهد او كسالى او متكاسلون؟ ربما لم يكن في البلد إمكان جهد كبير لقلّة الموارد الثابتة او لا تزال الذاكرة الجماعيّة عندنا مثقلة بكارثة الجوع التي قصد جمال باشا السفّاح ان يحلّها بنا. على ذلك نسعى الا تخشى طائفة طائفة وان نتفاهم في سبيل وحدة نعيش في ظلّها بلا تسلّط للواحد على الآخر.

يبدو حتى الآن اننا نريد اجتماعنا كما هو في هذا التنوع المذهل الذي يكاد ان يكون تبعثرًا. انه شبيه بالتعدّد في الهند. ولكن الهنود الذين تعددهم أعظم مما عندنا يعيشون في التزامهم بلدهم وقبل كل شيء في ديموقراطيّة ثابتة. الدولة عندهم ترعى تراكمهم ان لم تستطع ان ترعى التحامهم. فاذا كان الالتحام عندنا صعبا لا داعي ان نبقى سلبيين تجاه الدولة التي هي حظنا الوحيد في التلاقي. غير ان الدولة لا تجمع ان رفضنا التلاقي الوجداني الذي يفترض حدا أدنى من ذبح المصالح الدنيويّة. فالتسابق على المناصب ان غابت طائفة عنها يعني في الحد الأدنى اننا نأبى الإنسان الكفوء في مكانة ما ظنّا منا ان هذا المنصب مسجّل لنا الى أبد الآبدين وان قوتنا هي فيه واحترامنا به حين لا تعظم جماعة بواحد منها ينال منصبا ولا يتدهور البلد من غياب هذا المنصب عنها. الاقتتال المعنوي على وظيفة مؤذٍ لوحدتنا. وهذا يهم القليل من الناس. من قال انه لا يقتتل يخفي الحقيقة ومن اقتتل له فكر المتسلّطين وجموحهم . كلا الطرفين رافض للبلد او هو سلبي كما قال ذلك العالم الأجنبي.

# #

#

غير ان عقلاء كبارا: مهندسين، أطباء، محامين، أساتذة جامعات يتقن كل منهم مهنته. غير ان قسما من كبار المثقفين لا يشتركون في توجيه الأمّة وبعضهم منحصر في مجاله المهني فلا تنصب المعرفة في تكوين الدولة. هناك إهمال للشأن العام وما تهمله يهلك. الانكفاء سلبيّة ان أيقنت أنك على هدى.

لعل الإهمال على كل صعيد هو السلبيّة. في اختباري القضاء المذهبي عندنا مدة أربعة عشر عاما لاحظت ان رفض الرجل لزوجته وأولاده أكثر شيوعا مما كنت أظنّ. ليس أنه يخون بالضرورة ولكنه يهمل حضوره وقد لا يقوم بأية عناية. كسل لست أعرف سببه أحيانا. ان ترمي انسانا في جوعه الى خبزه اليومي والى حضورك هو ان تلغيه وبجانب ما انت ملغٍ نفسك. لماذا أهملت نفسك في عجز رؤيته وعجز حبه ومن المؤكّد انه مهما كان مستواك الاقتصادي انت قادر ان تحضر.

مرة شكت لي امرأة زوجها وهما ميسورا الحال. استدعيته وسألته عن الأمر فأخذ يحكي لي كم يغدق عليها من أموال ومما يتيح لها فرص السفر. فاتحتها في ذلك فقالت انه لا يحرمني من شيء ولكنه يحرمني ذاته.

أعرف أن ثمّة ناسا منهمكين في الواجب المهني وان الوقت الذي يبذلونه لرعاية اولادهم قليل وأحيانا يساوي الغياب. المشكلة ان الولد لا ينمو وحده ولا يفهم وحده ولا يتهذّب وحده. اعرف ان الظروف تختلف وانك احيانا لا تستطيع ان تعيل ذويك ما لم تغب عنهم ولست هنا لأعرض عليك حلولا ولكنك تواجه مسؤوليّة رهيبة بجعلك هذه الزهور المحيطة بك تنمو بلا سقاية.

# #

#

شؤون وشجون أخرى تفضح شعبنا وكل شيء يتطلّب ان نصبح شعبا مجددا بالحضور في المجالات التي نحن عنها مسؤولون.

للمسيحيين من قرّائي أقول ان علاقاتنا بعضنا ببعض ضعيفة أحيانا اولا في الغياب عن العبادة وفي عدم الإبداء للرأي القويم اذا كان اهلنا متعبين روحيا او مهمَلين. فنترك الأمور تمشي او لا تمشي. نتشكّى ولا نقدم على الإصلاح، نتذمّر ونيأس احيانا ولا نقول للمسؤول المخطئ انه اخطأ ولا نقدّم حلولا ان كان في استطاعتنا تقديمها ونثرثر في المجالس ليقوى حزننا وحزن السامعين والثرثرة غياب.

لماذا ننتقد ولا نواجه او لا نتكتّل للمواجهة؟ لماذا لا ندعو الى الخير بلا انتقاد هدام؟ في الحقيقة في اي مجال من التي ذكرت انا موقن ان السلبيّة في معاملتك أهلك ومواطنيك والدولة والناس بعامة مستحيلة ما لم تكن على صلة بالله لأنه هو الذي يدير وجهك الى الوجوه ونفسك الى الهيكليات التي انت عنها مسؤول. والواضح انه اذا سكن قلبك يتحرّك قلبك وإهمالك لذويك والدنيا والساهرين على الأمّة وكنيسة الله انما يصير فيك لأنك حجبت وجهك عن رؤية الله لك. الإنسان ليس كائنا من مجتمع فقط وما هو بجسد محدود او منغلق دون بقيّة الناس. كل إنسان زرع الله في بستان الإنسانيّة. فإن لم تصبح هذا الزرع يجف بستان الإنسانية وتمسي أنت في قفر والذين لم تحبهم يموتون عطشا وبعد هذا تسأل لماذا الدولة عاجزة والكنيسة مشلولة والإبداع غير قائم؟ هل صدق المستشرق برؤيتنا شعبا سلبيّا؟ لست أعلم على وجه الدقة وقد لا ينفع السؤال. سلْ نفسك وحدك في فحص قلبك ان كنت انت سلبيا، ان كنت غائبا، ان حجبك سبات عميق عن حركة الوجود. هل رجوت الرب ان يتحرّك فيك، ان يجعلك في خدمة دائمة، معطاء؟ المهم ان تزيل عنك اسباب الغياب حيث ينبغي ان توجد اذا أردت ان يوجد الله فيك.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

متى الإنجيلي/ الأحد 16 تشرين الثاني 2008 / العدد 46

متى واضع الإنجيل المرصوف أول بين الأربعة، كان عشّارًا اي جابيًا. فيما كان يسوع مجتازًا رآه فدعاه الى أن يتبعه فقام وتبعه. حيث كنت أنت في مهنتك او في خطيئتك او في برّك يدعوك المخلّص.

بعد هذا وفيما كان يسوع متكئًا في أحد بيوت أصدقائه في الجليل اذا بجباة كثيرين وخطأة -ولعلّ كلمة خطأة هنا نعت للعشّارين الذين كانوا معتَبرين سارقين لمال الدولة- جاؤوا واتكأوا مع يسوع. هذا يدلّ على أنّهم أحبّوه وعرفوا ان عنده كلمة الحياة. فلمّا نظر الفريسيون الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبرارًا هذا المشهد قالوا لتلاميذه: «لماذا معلّمكم يأكل مع العشّارين والخطأة». كان الفريسيّون لا يحبّون هذا الاختلاط.

«فلمّا سمع يسوع قال لا يحتاج الأصحّاء الى طبيب لكن ذوو الأسقام». والربّ جاء للضعفاء وللساقطين. كان يريد رحمتهم وان يُشفَوا من خطاياهم.

أنت تأتي خاطئًا، ضعيفًا الى يسوع وهو يرفع عنك الخطيئة. اذا لامسك يسوع بروحه تتطهّر. فاذا عرفت نفسك ساقطًا اذهب اليه ولا تتمسّك بخطيئتك لئلا تموت.

بعد هذا قال لهم الرب: «اذهبوا واعلموا ما هو اني اريد رحمة لا ذبيحة». ويعني بذلك ذبائح العهد القديم التي هي التيوس والعجول وتقديمها لله لا يفيد شيئا. ما يريده يسوع ان تكشف ضميرك لله وان تتوب فتنزل عليك رحمته.

العلاقة المباشرة مع الله التي انكشفت لنا في العهد الجديد تجعل الله مقيمًا في نفسك والله يطهّرها لأنه يلامسها فلا يبقى فيها أثر لغيره.

واخيرًا أنهى المعلّم كلامه لهؤلاء بقوله: «اني لم آتِ لأدعو صدّيقين بل خطأة الى التوبة». الصدّيق اذا استقرّ الله فيه فوجهه الى الله. والله يضيء وجهك مستنيرا بوجهه والروح القدس اذا حلّ عليك بتوبتك يجعلك روحا واحدا مع الله وتمحى خطاياك بالنور الذي يكون قد حلّ فيك.

غير أن التوبة عمليّة لا تنقطع اذ الخطيئة تغريك دائمًا. اذا التوبة أقامت فيك تضرب هي الغواية التي تهاجمك من حين الى آخر. ومَن أصبح بارا يعتاد على البرّ ولا يبقى شغوفًا بالمعاصي.

اما الذي ينسى توبته فتتحكّم به المعصية. وكما يصعب على الغارق في الخطيئة ان يعود الى ربّه كذلك يصعب على من تنقّى ان يسقط لأنه يردّ التجربة بدرع الله. ومن هنا ضرورة الجهاد المستمرّ خوفًا من السقوط. الحرب الروحيّة دائمة ضدّنا. لذلك طلب بولس أن نتسلّح بسلاح الله الكامل، والمنتصر يفرح بالنصر.

هذا نصر الله فيك. هذا دوام الله فيك. لا تجعل الشرّ يتآكلك. ردّه بحزم وعزم ولا تألفه بعد أن بتّ أليف يسوع.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الرأي الحر / السبت 15 تشرين الثاني 2008

السوال الوحيد الوجداني الذي يطرح على المجاهد الوطني ان يبدي رأيه بحريّة، ليواجه ويجبه فإن المبتغى ان نعرف أنفسنا قائمين في الحقيقة ونخدمها بحريّة ممن نشايعهم او من نخاصم. هل ترضى نفسك بوقًا تردد قول من جمعتك معهم منافع لتعزيز مصالحك ام تبدع انت رأيك في استقلال عمن تشايع او من تحب لأنك رأيت ببركات بحث او إلهام الرؤية المنقذة؟ اذًا لك ان تكون في تفاهم مع بعض ممن حولك او في تواطؤ فكري ومع ذلك انت تختلف بتباينات (nuances)  قلّت أم كثرت وانت مستقلّ عمّن أحببت في فواصل ترى انت أهميّتها وهم لا يرون.

أضعف الإيمان أن تكون زاهدا بكل شيء من دنياك لا تبغي ربحًا ولا مدحًا ولا استتباعًا ولكنك تجهد في سبيل تبيان موقفك لإيمانك ان الحقيقة تمليه عليك وتحرّرك لتضمن استقلالك وإخلاصك لله الذي لا يقول ابدًا قول كل الناس ولا معظم الناس. انت تأتي من تاريخ اي من سياسة لأنك لست مولودًا اليوم. انت تأتي من قراءتك للماضي والحاضر ومن تطلعاتك. انت وليد الذين تنسجم معهم في البلد وفي العالم ولكنك ايضا مستقلّ عن التاريخ وعن وطأة طائفتك عليك. انت تحبّها لأن فيها أشياء مجيدة وتأخذ هذا المجد لتجعله عظمة الوطن وعظمة الأقربين اي العرب والأبعدين الذين يحملون حضارة محبة تبنيك وترفعك.

انت متجرّد ولو كنت موصولا وتقف من كل الكتل السياسيّة على مسافة تضيق او تتسع حسب قناعاتك التي تتخذها من إيمانك بالقديسين والفهماء من كل قطر ومن ماضي كل الأمم المتأدبة والذين لم يسفكوا فيها دما وتكوّن نفسك من كل بهاء روحي جذبك واخترته فإنك حامل التاريخ الناصع كله وهو وطن روحك الى جانب هذه القطعة الجميلة من أرضنا والتي تدعى لبنان.

واذا اخترت السياسة عملا لك فلكي تشيع هذه القيم المطهرة لكل انسان فيصبح فكرك الحر رأي جميع الناس الذين يتوقون الى حمل الحق فيرصفون نفوسهم بك لأنهم أنسوا الى ما تقول مبتغين ان ينقّوا ذواتهم بما تحمله من حق ويتحرّكون، اذ ذاك، حيث يستطيعون لينوجدوا في سطوع الحق الذي به يحدد أفلاطون الجمال.

انت اذًا مع اولئك الذين يحبونك من اجل الحق الذي فيك المستقل عن قبيلتك واستقلالك هذا هو نزاهتك ولا يحبونك الا لكونهم يشاركونك هذا الحق وتتجلّى، اذ ذاك، انسانيّتهم التي على سعتها تلتزم شيئا خاصا وهو البلد. هذا هو فن الحقيقة وليس من فن الا في الخاص، في المحلي. وليس اذًا من تعارض بين ان تكون من البشريّة وللبشريّة كلها وبين ان تكون من بلدك.

# #
#

هذا الموقف قد يقودك الى الفعل السياسي او الى الفكر السياسي لأن الإنسان كما يعرّفه أرسطو حيوان سياسي. وهذا يجعلك في مواجهة مع الحكم لا دفاعا عن خيار اتخذته، ولكن دفاعا عن الدولة التي تريدها نقية. واذا التزمت هذا الجهاد الوطني لا بد ان تكون موضع اتهام لأن معظم الناس متحيزون ويحسبونك متحيزا اذا وقفت موقفا في قضيّة تبدو لهم صغيرة وتبدو لك عظيمة لأنك تنطلق منها الى إصلاح الدولة اي الى الكل الجماعي الذي تحيا انت برقيه وهو يحيا بإصرارك على الحق.

يهمك ان يكون أوّلو الأمر في البلد على الحقيقة نظرا الى الفاعليّة التي في ايديهم اذ الحكم يصلح الجماعة اذا ارتضى ان يصلحه الخيّرون.

انت تكلّم الناس جميعا بحريتك وتصونها لإيمانك بأنك تحمل الحق الذي يبرّرك امام الله. سوف يضطهدك الكثيرون ويحاكمونك على ما يعتبرونه نياتك. من الأسئلة التي أسمعها دائما: لما قصدتني يا سيدنا لما لِمتَ الرعية في موعظتك. او اسمع سؤالا كهذا: ماذا دفعك ان تكتب هذا المقال؟ يعتقدون انك ترغب في إرسال رسالة «شخصيّة» من وراء كلمات تعتبرها انت من الحقيقة. كثيرون لا يؤمنون بموضوعيّتك او بحبّك للحقيقة. هناك استلذاذ بالنميمة وبتحويل كل كلمة منك او موقف الى انفعال ذاتي ما يعني عندهم انك تنطلق من مشاعرك الخاصة لتعود اليها. في الكلام اللبناني هذا محسوب على فلان وذاك على آخر. قلّة تعتقد باستقلال أصحاب القلم. فإلى جانب طائفتك يخلقون لك قبيلة وهميّة يرصفونك فيها لأنهم لا يتصوّرون الا الفئويّة. من هنا ان الخطاب الحقيقي يبطل بين الناس.


# #
# أطلق رأيك حرا ولا تدارِ احدا الا الفقراء والمظلومين. وليرتطم به من يرتطم. واعلم ان شدّة الفكر يمكن ان تقترن برقة تجاه الإشخاص اذ لا تفتعل انت صداما شخصيا وهم قد يفعلون.

وقد يكلفك هذا احيانا ان تخرج من الحزب ان كنت منحزبا لأن العقيدة تستلبها اللجنة المركزيّة وهذه كثيرا ما يستلبها شخص. العظماء في الإبداع قلّما يطيعون قرارا يُملى عليهم من فوق. وانقسام الأحزاب علامة صحّة في كثرة من الأحوال لأنه اكتشاف الحريّة.

غير اني في تأكيدي المفرط على حريّة الرأي أقول ان القيمة التي تعلو حريّة الرأي هي استقامة الرأي. انت تتراجع عن رأيك بعد مناقشة اذا تبيّن لك ان الصواب هو عند من يناقشك. فالشورى كثيرا ما كانت أعظم إبداعا من رأي الفرد لأنها قائمة على المحبة وبالمحبة تنجلي الحقيقة.

التربية الأولى هي في الانتقال من العبوديّة الى حريّة الفكر والقول والعمل والتربية الثانية هي التعظيم لاستقامة الرأي ولو جرّ ذلك عليك عذابا شديدا.

ما أكّدته الديموقراطيات انها ركّزت على مواجهة الآراء في حريّة شخصيّة ولكنّّها لم تؤكّد على المسعى المشترك الى الحقيقة. ليس في الديموقراطيّة تركيز على الشركويّة مع ان الشركويّة قائمة على استقلال الشخص. الديموقراطيّة اذا فسدت تولّد الشرذمة. فقط اذا نزل هاجس الحقيقة على جماعة سويّة متحابة ولو تنافست في الآراء نكون في مسعى تحويل الدولة الى كنيسة كما يقول دوستويفسكي.

حريّة الرأي شرط استقامة الرأي واذا ما تحقّق الصدق في تلاقي الجماعات نكون قد أقرنّا السياسة والنور.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

مع المسيح صُلبت/ الأحد 9 تشرين الثاني 2008 / العدد 45

عندما عُلّق المخلّص على الخشبة انا المؤمن به اليوم كنت معه، ولما عاد بجسده الى الحياة عدت انا ايضا اليها، وهذا يُتمّم بالمعمودية.

فاذا قمت انا مع المسيح لا أكون انا الذي بل المسيح يحيا فيّ. لي حياة جديدة اي سلوك جديد والمحبّة تنعش نفسي وجسدي وهما مبذولان في سبيل الآخر.

ثم يقول الرسول: «ما لي من الحياة في الجسد (ويعني كل الكيان) إنّما أحياه بابن الله الذي أحبّني وبذل نفسه عنّي».

كيف أذوق المسيح، كيف أختبره؟ كيف ألتصق به؟ جواب بولس: هذا كلّه يتحقّق بإيماني به اي بثقتي به، باقتناعي انه مخلّصي اليوم وغدا.

إن اقتنعت ان يسوع مخلّصك وانك لا تخلص بقوّتك تكون له وتتلقى فداءه.

في هذه الرسالة وحدها وفي هذا المقطع وحده يقول بولس عن السيّد: «أحبّني». كلّ إنسان ينتظر ان يقول الرسول: «أحبّنا» ليشمل الجميع. ولكنّه عندما قال: «أحبّني»، أقام علاقة حميميّة مع السيّد. ولم يكتفِ بكلمة «أحبّني»، ولكنه عطف عليها قوله: «وبذل نفسه عنّي» وذلك بالموت.

معرفتي بذلك تجعلني انسانا جديدا. الإنسان يفرح بصديق يحبّه. ومحبة الصديق محدودة او غير كاملة او تصعف احيانا او يحصل تباعد بين الأصدقاء. الله وحده حبه كامل، دائم، ليس خاضعا لمزاج او تغير.

الأمر القاطع اذًا ان الله يحبّك، ولكن يجب ان تغذي محبّته لك فيك. انت إن قرأت الإنجيل تعرف الوجوه المختلفة التي أحبّك الله بها ولا تنسى بسهولة هذه المحبّة.

الى هذا كل انسان يكتشف لنفسه الوجوه المختلفة التي يحبه الله بها.

ثم يرى احيانا كثيرة ان الحوادث التي مرّت عليه قد تكون رسائل الى ضميره ليتوب ويحيا من جديد.

في الأسرار المقدسة تحصل الحياة الجديدة، ولكن مرة او مرتين او اكثر تشعر اذا تناولت جسد الرب ودمه حقيقة قوله في العهد القديم: «ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب».

الى هذا الأمور الأمر الرئيس ان تعيش بطهارة. هذه نادرة جدا. ولكن إن استطعت أن تعيشها او في الفترات التي تعيشها يتجلّى لك ان الرب طيّب وانه هو الذي يحييك.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الهدايا / السبت 8 تشرين الثاني 2008

لي صاحب يتعذّب من الهدايا التي تُهدى اليه. أتكلّم طبعا على الهدايا البسيطة: كتاب، قلم حبر سائل او ناشف لأني لا أعرف الناس الذين يتقبّلون عطايا كبيرة. انا اعرف نفسي- في داخل احاسيسي – اني صبيّ صغير من حارة النصارى في احدى مدننا الساحلية. اعرف ايضا التاريخ الذي حصرنا في هذه الحارة وتقبلت الظلم لعجزي عن ان اقلب التاريخ. واذا قبلت الأزمنة الغابرة مع انها في لحمك يقال انك بليد او عاجز. كيف تكون عاجزًا امام ما مضى؟

في واقعي وشعوري بقيت من حارة النصارى من الذين كانوا يحيون من جمال ما يُتلى ويُنشد في كنيستهم الكبرى التي ساهم جدي في بنائها. غير ان ظروف أبي مكّنتني من ان ادرس ما استطعت دراسته وجنيت منه القليل القليل وظللت اذًا على شيخوختي الطاعنة فتى ممحوا من حارة النصارى ولم أحزن. في هذا السياق يتعجّب كل من أعرفهم اني لا اعرف قيادة سيارة ولم أقتنِ سيارة. تلك التي أركبها الآن بسبب مسؤوليّتي الحاضرة ليست لي. انها للمؤسسة التي أسعى الى إدارتها او رعايتها كما يقال في لغّتنا.

الى هذا أعرف ان أحدًا لا يحب الفقر. انا أحسّ انه يحميني لأني لا أخاطر بخلاص نفسي بالخروج منه. رسمت اذًا نفسي في حارة النصارى مع اني أعيش في جبل لبنان حيث تستطيع ان تبقى فقيرًا او ان تتخلّص قليلا او كثيرا منه. ولكني لست اريد هذا الخلاص. احبّ أن أستغرق في اللاشيء واحبّ فوق هذا الا يعرفني أحد. وأتعذّب لأني لم أبقَ مجهولا بسبب مما هيّأه الله لي من عمل.

أحب ان يعرفني الله وأخشى معرفته اياي في واقعي النفسي. ماذا يعمل بهذا الواقع. هذا ما لست اعرفه قبل اليوم الآخر. أتساءل لماذا أكشف لكم هذا بعد ان آليت على نفسي ان أكون موضع نسيان. هل انا نموذج؟ اي هل احب ان يصبح الكثيرون منكم من حارة النسيان على اي دين كانوا.

فيما يتبقى لي من أيام او سنين – وحسب سنّة الطبيعة هي قليلةـ أقول لكم متواضعا اني أتمنى أن يصبح كلّ منكم – ولو أمسى غنيا كبيرًا- نسيا منسيا اي الا تكون نفسه على علاقة بالمال ولو كانت جيوبه او حساباته مليئة. كان لي في الغربة صديق كبير مليء جدا كما تقولون اليوم ولكنه كان مسكينا بالروح كما يقول متى الانجيلي. ولما كان في بلده من حارة النصارى ايضا، لم يخرج روحيا منها وكان يصر على ان يبذل الكثير من المال خشية ان يحبه. لا تستطيع ان تكون منقبض الكف ومن حارة النصارى في آن.

ما أتيتكم معلّما وأنا لا أزال أتعلّم. ولكني قلت لكم هذا خوفًا مني عليكم. أخشى اذا أردتم ان تربحوا العالم ان تخسروا نفوسكم اي ان تخرجوا من كونكم نسيا منسيا، أعرف كل النظريات التي تدافع عن المال الكثير، المخزون بشغف لأنّه يوهمكم انكم أقوياء ولستم بأقوياء. أخاف ان ترحبوا بوجوده لاعتقادكم انه يزيدكم قوة. وانا لست خبيرا بتوظيفه مع اني مجاز بعلم المحاسبة وأعرف قوّة هذا العدو الممكن ان يتحوّل في جيوبكم أفعى تلسعكم او تلسع الذين تقربونهم اليكم لتحسوا ان لكم عليهم سلطانًا. فاذا تحول فيكم الى سلطان فأنتم آلهة وربكم قال على لسان موسى: «انا هو الرب إلهك الذي أخرجك من مصر، من بلد العبودية لا يكن لك إله سواي» ولكنكم لا تسمعون لظنكم ان ما لكم قوة وهو كذلك في هذه الدنيا ولكنه عدوكم اذا سعيتم الى ما هو فوق هذه الدنيا اي الى نفوسكم الطاهرة التي هي وحدها ترى الله.

# #
#

هل جعلتم مالكم جزءًا من شخصيتكم او جزءًا من تعاملكم ومن كان حولكم؟ اي هل هو مكوّن لطبيعة العلاقة بينكم وبين الناس ام تعدونه للفقير وحده لتدخلوا في الرحمة التي ينزلها ربكم على المساكين فتنالوا بذلك أجركم فتصبح في ذلك قلوبكم فقيرة الى غير ما تمتلكون اي الى الله المعطي لمن يشاء في سبيل خلاصه؟

هل تجمعون حولكم الناس لاستجدائكم ام تبددون أموالكم ليرى الله انكم أعطيتم من نعمته عليكم أكان موردكم شرعيا ام لم يكن. ان ما تعطونه يصبح شرعيا ولو كانت الوسائل غير الشرعية مصدره. انتم قرأتم كتبكم وتعلمون ان اموالكم هي مال الله وحده وانها تاليا للجائعين او شبه الجائعين. واذا بددتموها تصبحون متساوين مع الذي أعطيتموه. قبل العطاء أنتم وحيدون. وليس لكم مع الأبرار شراكة.

ولعلّكم تكنزون على الأرض لخوفكم من مرض او مصيبة. و«المحبة تطرح الخوف خارجًا». اذ يبقى ان من أحببتموه يصير الى جانبكم. وحده هذا الحب يقيكم شر نفوسكم المتعبة.

الأزمة المالية التي حلّت في العالم اليوم كافية لتعلّمكم ان ليس من مصون، ورجائي الى الله الا تصل الى بلدنا او الا تصل بما يهددكم. أنا أصلّي من اجل طمأنينكم اذ أكره ان تهدد الأزمة أحدًا ولكنّها تعلّمنا بالأقل ان أحدًا من الناس غير مضمون بما عنده. ولكنكم اذا احببتم كثيرا يزيدكم الله نعمة ورزقًا لتعرفوا انكم مفوضون على ما رُزقتم به. من له مثل هذه النعمة ان يكون مفوضًا من العلي؟ اعطوا يقوَ تفويضكم ولكن اشيعوا ما عندكم ليصير المسكين بدوره مفوّض الله لا ليصبح مفوضا عندكم. انتم تصبحون شيئا ان بذلتم الكثير مما عندكم ولا تبغوا من ذلك شكورا ولا استتباعا. اعرفوا انكم والفقراء معا خلائق هشة او معرضة للعطب في كل حين. اذ ذاك فقط تعلمون انكم قادرون ان تصبحوا شيئا. تعلّمت مما يقوله كل الناس ان احدًا لا يأخذ معه في الموت شيئًا، غير ان آباءنا النساك علّمونا انه يأخذ في موته ما اعطاه والذين تمنحونهم شيئا يدعون من اجلكم فيسجل الله ليوم الدينونة ما اعطيتموه ربحا لكم.

# #
# انتم تعرفون، بطريقة او بأخرى، ان المال طريق الى السلطة اي الى السلطة على الناس فيما هي خدمة. والسلطة تمارَس سياسة. انا كتبت مرارا في هذه الزاوية ان السلطة مسؤولية اي مسؤولية للخدمة. لا مانع عند الله ان يختزن بعضٌ كثيرا من المال على الا يحسب انه مالكه لأنه فقط مؤتمن عليه. لقد وضع الله في عنق الأثرياء مسؤوليّة الحب. والحب يعطى والا كان كنزًا من الكنوز اي محجوبا. تصرّفوا اذا كالفقراء اي لا تسرفوا في شيء من متاع الدنيا. اما قرأتم: «وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور» (سورة الحديد، الآية20) وقبلها جاء: «اعلموا ان الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم». والسؤال الذي توصي به الآيتان هو كيف تتخلصون من الغرور واللعب واللهو والزينة وتقيمون في الحق والمشاركة والمشاركة توزيع إلزامي وفي ذلك وصية او أحكام حسبما ذهب مذهبكم. فاذا اكتفيتم بهذه الدنيا وزخرفها فليس في نفوسكم رحمة وليس لي انا الصبي الفقير من حارة النصارى ان أبحث في مصيركم في اليوم الآخر. هذا لا يعلمه الا ربّكم ولكن منظر السلطان المنفتح يبكيني وأتوجّع عنكم وقلّما تتوجّعون .

اعطوا ولا ترجوا من أحد شيئا بديلا لتقيموا في مملكة الحق والبرارة التي تنقذكم منذ هذه الدنيا فيكون المعطي بتهليل كالذي يُعطى بتهليل. ليس في المال مشكلة الا اذا انقبض او اشترط صاحبه شيئا على أحد.

اجعلوا الناس في حنانكم ولندخل جميعا ملكوت الفرح في هذا العالم. والفرح ليس من عمل الناس ولكنه منّة من ربّكم عليكم. ان في بلدنا تجمّعا صغيرا يدعو نفسه «واحة الفرح» وهو يهتمّ بالمعوّقين من الأديان كلّها. لماذا لا يكون الأثرياء بعضهم الى بعض واحة للفرح الذي من مكوّناته العطاء المبرور وفوقه العناية الشخصيّة بكلّ من كان ضريرا او أخرسَ او أصم أو مبتور الأعضاء. متى يكون هؤلاء تاجا فوق رؤوسكم لتزول حارة الفقراء وحارة الأغنياء معا من القلوب حتي نصبح جميعا حارة الله او سماءه على الأرض فنصعد اليها منذ الآن اذا امتلأت نفوسنا من حضرة الآخر الذي هو لنا ترجمة لحضرة الله.

هل يصير لبنان كلّه واحة الله ليس فيها استعلاء وليس فيها بؤس ويكون ربّكم مستعيرًا الأيدي التي تعطي والأيدي التي تأخذ ويبدو من أعطى ومن أخذ في حالة الشكر لله وحده ويعلن كل واحد ربه سيدا. النفس التي تحب تنتفض من ذاتها من شغف الزينة واللهو واللعب ولا يبقى في ميدان هذه العلاقات غير وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

Continue reading