Author

Aziz Matta

2009, جريدة النهار, مقالات

أن يكون الأسقف بلا لوم / السبت 17 تشرين الأول 2009

من رأى نفسه عدما يصير وجودًا اذا قال له ذلك الروحانيون. لا أحد يأتي الى البهاء الإلهي بقوة نفسه. البهاء يشدّ الى نفسه الإنسان واذا الانسان اقترب منه يحس بأنه لا شيء ويبقى ممحوًا في عيني نفسه حتى يوم الحساب. اجل يجب ان يعرف كلّ منا مواهبه لأن في هذا اعترافا بعطاء الله. ويفنى هذا الإنسان لو ظنّ ان مواهبه ملكه. هي قائمة فقط بالرضاء الإلهي الذي ينتزعها متى شاء.

هكذا نقبل في كنيسة الله كل مسؤولية تفويضًا. وهذا هو معنى الخدمة والخدمة تنزل عليك من فوق. فاذا أُوكلتْ اليك لا تعطيك شعورا بأنك تستحقها. هذا هو معنى الخلق الإلهي أن ربك يوجدك كل يوم «خليقة جديدة». واذا ظننت انك بتّ وعاء لله فلا تنسَ ان «لنا هذا الكنز في آنية خزفية». انت مغبوط اذا وعيت الكنز الذي استودعته وويل لك إن حسبت انك بذاتك اكثر من خزف.
على ضوء هذا أقرأ كلام بولس: «من طمح الى الأسقفيّة تمنى عملا كريما فعلى الأسقف ان يكون منزهًا عن اللوم» (1تيموثاوس 3: 1 و2). لست أبحث الآن عن وظيفة من نسمّيه اليوم أسقفًا. فالتفريق عند كتابة الرسالة بين الأسقف والقس لم يكن واردًا او لم يكن تنظيم الرتب واحدا في كل الكنائس. مع هذا في قراءتنا لكلمة الأسقفية اليوم لنا ان نفهم انها تعني ايضا وظيفة من نسمّيه المطران بالعامية العربية نقلا عن اليونانية ميتروبوليت وهي تعني أسقف العاصمة.

مهما يكن من امر هذا ليس ما يدل ان بولس كان يمدح الطَموح الى الأسقفيّة ويحث الناس على اشتهائها فإنها عطاء الله والشهوة ضد العطاء الإلهي. المعنى كما يبدو انك اذا اشتهيت فاعلم أنك تشتهي شيئا عظيما. لذلك يجب ان تكون بلا لوم. والروحانيون -لا أنت- يكشفون ان كنت بلا لوم.

لا يسوغ لأحد أن يدّعي أهليته لأي منصب لأنه يكون قد حسب نفسه شيئا وتاليا صار لا شيء. واما من كان «يلبس الشمس والقمر تحت قدميه» (رؤيا 12: 1) فهذا يعاينه أكابر الروح كما يعاينون الشمس. الذين يتعاطون شؤون الترشيح لمنصب عالٍ في جماعة الله او في الدنيا هم يشهدون إن كان الرجل بلا لوم.

# #
#
واما من شوهد فيه رجس من عمل الشيطان فلا يجوز التوقف عند اسمه لحظة واحدة اذ من توقف هذه اللحظة يكون قد دخل الرجس. ان من لطمته الأرجاس يقود بالأرجاس لأن الفاسد مفسد بالضرورة. من أتى بالفاسد له مصلحة مع الفاسد أقلها التشابه بين المنادي والمنادى.

من نماذج عدم اللوم يذكر بولس أن المرشح للرئاسة الروحية ينبغي ان يكون »يقظًا رصينًا محتشمًا مضيافًا، صالحًا للتعليم، غير سكير ولا عنيف، بل لطيفًا يكره الخصام«. من لم تتوفر فيه هذه الحسنات يطاله اللوم، ما من مجال لأستفيض بتأمل كل فضيلة. ان يكون يقظًا، ساهرًا على نفسه، ضابطها. هذا شرط لإيقاظ الآخرين ليتخذوا طريق الرب. ليس في الكنيسة نائمون فاليقظة بالصلاة ووعيها والمحبة لكل الناس وتوحيد الأمة المقدسة بالتوبة والبذل الدائم في سبيل الإخوة. اما من غطّ فالكنيسة ليست سريرا لأحد.

أعبر الى كون الرجل صالحا للتعليم فالمسيحية عِلْم وتعليم اذ «في البدء كان الكلمة». الكنيسة التي تكتفي بالطقوس ولا يفهم فيها احد شيئا هي ليست بشيء. ومن لم يوهب التعليم والوعظ لا يحق لأحد ان يحفظه في ذاكرة لمنصب كاهن او أسقف. هذا يُكتفى به مرتلا او راهبا صامتا او خادما في الهيكل وهذه هي مسؤوليات مباركة نكتفي بها عند من سَمّيت. المسيحية شرح للكتاب الإلهي وللعبادات والتراث ومدرسة فيها كل الصفوف وذلك على مدى الحياة. واذا كان المؤمن العادي يُطلب اليه ان يعترف بلسانه كما يقول الرسول، فمن باب أَولى أن يأتي خادم الكلمة كما نسمّيه في رسامته شاهدا لهذه الكلمة. لذلك اشترطت كنيستنا الأنطاكية ان يؤتى الى الأسقفيّة بمن أتمّ علومه اللاهوتية وجالس العلماء. الأخرس لا تُسند اليه في الكنيسة رسالة. قد يكون أعلى من كل منصب بقداسته. عندما أتى بعض المؤمنين الى يوحنا الذهبي الفم بواحد ليجعله كاهنا سألهم عما يعرفون عنه. قالوا انه تقي. اجاب هذا لا يكفيني اذ ينبغي على كل المسيحيين ان يكونوا أتقياء. يجب ان يعرف.
# #
#
»غير عنيف، لطيفا، يكره الخصام» يكون اذ قال الرب: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب». لماذا انتقى السيد المبارك هاتين الفضيلتين ليصف بهما نفسه؟ لأنهما الأعليان. فقط ان كنت متواضعًا يرفعك الله وترفع بتواضعك الآخرين. فقط ان ابتغيت الوداعة وعشتها تذهب الى المذبوحية التي ذهب اليها المخلّص.
لا أعرف الفرق المدلولي بين اللطف والوداعة. في الرسالة الى أهل غلاطية يذكر الرسول اللطف والوداعة معا ويجعلهما من ثمار الروح القدس فينا. واذا عطفنا ذلك على كلام سابق له نفهم ان الروح الإلهي هذا ينتج فينا سلوكا روحيا.

واذا قال بولس عن الأسقف انه يكره الخصام فتأملي في هذا عدة عقود كشف لي أن أشد توبيخ لمؤمن هو الذي لا يرافقه الغضب وان الأفضل منه التذكير اذ الغضب فيه تسلط والتذكير فيه عودة نفسك ومن تلوم الى الله.
عندما يقول الكتاب ان الأسقف ينبغي ان يكون بلا لوم يريد ان مثل هذا الإنسان موجود وان ثمة امورا لا مزاح فيها. المسؤولون الكبار ينبغي ان يفتشوا عنه بمصباح عظيم وان يدققوا في سيرة من يرشحون ومن ينتخبون. وان يضعوا سدودا دون الوصول الى مقامات عليا. والسد يعني ان الملوم لا تجعله شماسا واذا اخطأت في رسامته لا يرتقي الى القسوسية واذا أخطأت لا يرتقي الى الأسقفية فالأسقف التافه يُعرّض الكنيسة التي يرعى الى التفاهة والمحب للمال يجعل الرشاة يتقربون الى الرئيس، وكذلك السارقون ويصبح الهيكل مغارة لصوص.

ولكون القانون الكنسي رأى ان هذه الأخطاء ممكن أن تقع ذكر محاكمة الكهنة والمطارنة وينتج عن ذلك التجريد احيانا اي الطرد. وعندي ان الكنيسة التي لا محاكمة فيها لا حكم فيها للفضيلة. الكنيسة هي المكان الذي نطهر فيه. وقد أراد يسوع ان نطهر بالرسل وبخلفاء الرسل. والفاسد خليفة لخطاياه وليس للقديسين.

الإصلاح في الكنيسة يبدأ من رؤوسها. الكنيسة لا تنتظر ان يتوب الكهنة والأساقفة طويلا. انها لا تقبل ان يستفحل شر من كان ساقطا سقوطا عظيما. هذا عاقبته الطرد.
مرة جرد القديس باسيلوس الكبير كاهنا عن كهنوته بسبب من زنى. بعد سنين عديدة وُجد هذا الكاهن في مأتم فتقدم الى التابوت ولمس الميت فقام الميت. فجاء الى باسيليوس وقال له: هل تريد دليلا أعظم من هذا على اكتسابي قداسة عظيمة لتعيدني الى رعيتي. اجابه القديس: قداستك شأنك مع الله ولكني لا أستطيع ان اعيدك الى رعيتك لأنك أعثرتها فلا يحق لك ان تصبح راعيها من جديد.

من يعطينا أمثال باسيليوس الكبير لنحسّ في ان هذه الجماعة التي نحن منها هي كنيسة المسيح حقا؟


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

تيطس/ الأحد 11 تشرين الأول 2009 / العدد 41

الفصل المنشور اليوم مقتطع من الرسالة الى تيطس، وهي مثل الرسالتين الى ثيموثاوس مدعوّة رسالة رعائية لأنها تتعلق بأمور عملية في الكنيسة. تيطس الآتي من الوثنية صار مرافقا لبولس امتدّ به الرسول في مهمة الى كورنثوس أثناء رحلته التبشيرية الثالثة وجعله معاونا له في كريت.

“صادقة هي الكلمة” اي التي سبقت، وهي أننا نتبرّر بنعمة المسيح. “وإياها أريد أن تقرّر” أي أن تعلّم بحزم. ومن أهمية هذا التعليم أن المؤمنين انطلاقًا منه يقومون بالأعمال الصالحة.

الكلمة التي بشّر بها بولس تُناقضها المجادلات الهذيانية او السخيفة وذكْر الأنساب. بكلمة أنساب يريد بولس التعليم العرفانيّ القائل بتراتب ملائكة او وسطاء او كائنات فائضة من الله الى المادّة السيئة لكون الله في هذا التعليم الخاطئ لا يستطيع أن يخلق عالما فاسدا فيستعمل ملائكة او وسطاء منسوب بعضها الى بعض.

بولس لا يريد أن يدخل تلميذه مع رعيته بمناقشات مع الأخصام ولا أن يدخل بمماحكات ناموسيّة اي تخصّ الشرع الموسويّ (ما يؤكل من الحيوان وما لا يؤكل) بعد أن قرر مجمع اورشليم الرسوليّ أن كل طعام حلال.

يريد أن نُنذر مرة او اخرى رجلَ البدعة، وهو يريد بها رجل الانشقاق في الكنيسة ورجل التحزّب. في خبرة الكنيسة أن البدعة او الهرطقة سبب للتحزّب، وان التحزّب سبب للهرطقة. غالبا ما كانت الهرطقة ناتجة عن روح انقسام، وعندئذ يقضي الإنسان على نفسه. غير أننا في تاريخنا قاومنا الهرطقات بالحجة وما تجاهلنا الخطأ العقائديّ. بالمقابل يزرع بعض الناس الشقاق لأنهم ضد الكاهن او المطران او مجلس الرعية.

بعض الذين كانوا على عقيدة أخرى كانوا يستغلّون الخلاف مع الإكليروس عندنا لينتُشوا منا خرافا. الحمد لله أن هذا صار قليلا جدا أو غاب.

بولس كان يهتم كثيرا بالنواحي العمليّة في الكنيسة مع كونه لاهوتيا كبيرا. بولس يرسل الى تيطس أرتيماس او تيخيكوس ليُعاونه في كنيسة كريت التي كان اول أسقف عليها، ويطلب منه أن يأتي اليه فترة الى نيكوبولس في اليونان لأنه أزمع أن يُشتّي فيها. كانت هذه المدينة مشتى وذات تراث ثقافيّ وسياسيّ. معنى اسمها مدينة النصر. ربما رأى الرسول أن للإنجيل مستقبلا هناك.

يَذكر زيناسَ معلّمَ الناموس. هل إنه إذا كان يهوديّا يعرف ناموس موسى، أم إنه إذا كان رومانيّا يعرف الشرع الروماني. المهم أنه كان من حلقة بولس. أبُلّس غالبا ما هو ذاك المذكور في غير موضع في الأعمال والرسائل، وكان لاهوتيا كبيرا في ذلك الزمن. كان الرسول يـريد تـيـطس أن يـهتمّ بهما أنّى كان البلد الذي يقصدانه.

وأخيرا يُذكّر بضرورة الأعمال الصالحة، ولا يـنسى أن يـرسل الى تـيـطس سـلام الإخـوة الذيـن كانـوا  يعيشون معه في اليونان. ويختم بقوله: “النعمة معكم جميعا، آمين”.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

المجد الباطل / السبت 10 تشرين الأول 2009

من استكبر فرأى نفسه ذا شأن، من أحس نفسه ذا مقام في السياسة، في الأكاديميّة، في رئاسة كنيسة او إمامة مسجد فهذا وقع في المجد الباطل. من افتخر بعائلته واستعظمها وفاضل بينها وبين سواها يكتسب بذا تفاهة تخرجه في العمق عن اي بهاء ولا يُكسبه علوا. الذي يعرف انما يعرف من اجل الحقيقة وخدمة الناس وليس ليتباهى بما يعرف. الصالح تسحره الحقيقة وتشدّه اليها لأنها بذاتها تهذبنا فما تصير ملكا لأحد. من سكر بما اقتناه وقال انه صاحب ما بين يديه أليس يعلم اننا لسنا مالكين لشيء واننا فقط مؤتمَنون (بفتح الميم الثانية)؟ مَن رأى انه قريب الى الله يرميه الله في الجحيم منذ الآن اذ رأى نفسه أهلا لسكنى الفردوس. وهذه الأهلية ليست عند أحد. من طلب الولاية تهرب منه الولاية اذ حسب نفسه يستحقها فرفع نفسه الى مقاماتها فتأذى بخياله.

لما كنت في السادسة عشرة من عمري وكنت قد تخرجت عرفت ان في احدى الشركات الكبرى وظيفة دنيا تساعدني على العيش. وذهلت اني ما نلت ذلك المنصب الا بعد مروري بمسابقة. تعجبت لأن هذا العمل لم يكن ليتطلّب كل ما كنت حصلته ولكني فرحت بأن القيّمين على هذه الشركة كانوا يسعون الى كفاءة من يعيّنون.

جاءني واحد منذ ايام يطلب مني انتخاب احد القسس أسقفًا على إحدى المدن. طبعا انا أليف لهؤلاء الذين يحسبون انفسهم مؤهَلين لمقام عظيم كهذا. كيف يحسّ هذا الأخ ان روحانيّة المسيح نازلة عليه او انه حصّل علمًا يُدرجه في مصف العارفين وانه محبّ حتى سكب نفسه في سبيل الإخوة وغسل أرجلهم وتاليا محو نفسه في الوجود المشترك؟

من يدفع مواطنين الى التماس مسؤولية نائب الا يعرف ان المتنطح هذا ليس عنده لسان يناقش فيه مشروع قانون؟ دائما أفكر بالمديرية العامة لوزارة النفط ان أنشأناها اذ المدير العام هو التقني. من من شبابنا يحمل دكتوراه في العلوم النفطية من هيوستن مثلا؟ هل كل طالب زواج يعرف نفسه مهيأ للحياة المشتركة ام انه عاجز ان يواجه وضعا اثنينيا؟ هل عرف ملتمس الرهبانية نفسه قادرا على الانعتاق من وطأة الجسد عليه؟ هل كل منا هو في المكان المناسب كما أراد ذلك أفلاطون؟

هذه دنيا مريضة بالمجد الباطل.

# #

#

كتب أحد أمراء مولدافيا لوليّ عهده في القرن الرابع عشر لمّا كانت مولدافيا مستقلة: يا ابني لا تشته ان تصبح أسقفًا ولا رئيس دير ولا أميرًا (هذه الوظيفة كان معدًا ان يشغلها عند وفاة أبيه) لأن كل هذا من مجد العالم. نظريا لك ان تصبح أميرا او ملكا وتبقى على تواضعك. على غرار هذا لا أفهم ان يتمنى بعض الكهنة ان يصبحوا أساقفة لاحتسابهم انهم يكسبون بذا نفوذا وسلطة وهم لم يختبروا مشقّة هذه الرسالة والمظلومية التي يكونون فيها احيانا كثيرا. لماذا هذا التنافس بينهم وبين رفاقهم؟ الا تخفي المنافسة أنهم أفضل من الآخرين؟ من قال لهم هذا؟ انت، راهبا، تبقى قابعا في زاوية من ديرك حتى يبرق لك البطريرك أن المجمع المقدس انتخبك وتلتحق بمكان عملك بنعمة الطاعة اذا نزلت عليك.

في الحياة الدنيا انت تدرس كثيرا وتتفوّق وتلتمع فيدفعك ذووك الى منصب مسؤولية او تناديك الدولة او يعيّنك حزب او كتلة سياسية، ولكنك في لبنان تبرز نفسك اذ ليس فيه من آلية ترشيح تقدّمك بسبب المعرفة. كل تنافس على هذا الصعيد كبرياء. انا أحب في الجمعيات الرهبانية الكاثوليكيةordres  أن يصل الراهب الى الرئاسة العليا وان يُعاد الى أدنى موقع في الترتيب الهيكلي. ذلك لأن الرئاسة عندهم خدمة والموقع الأدنى خدمة. لا تدع المجد يقرع باب قلبك. اذ ذاك، تصبح عبدًا للمجد. اما اذا أفرغت نفسك من هذا الشغف فيأتي الله الى نفسك ويسكنها. كل الموضوع هو هذا هل الله سيّد حياتك أَم الأنا الصلبة، المتقوقعة.

كل قصتنا مع الذات هي هل نحن ندرك ان شيئا لا يُزاد عليها لأنها إن تواضعت فهي كل الوجود. هذا ما أراده الناصري لما قال انك لا تستطيع ان تزيد على قامتك ذراعا واحدا. بهذا السياق لا تقدر ان تملأ نفسك من غير عطائها فإن أعطيتها قويت وجودا.

من هنا أن المال لا يضاف عليك فإن بددته على المساكين كما تقول المزامير: «يدوم برّك الى الأبد». وإن اعتبرته ضروريا فإنك لا تعتبر نفسك الضرورة الوحيدة. القول انك والعالم شيء واحد يعني انك جزء من العالم في حين ان ما هو خارج عنك عبد لك. والعبد لا يسودك، انت تسوده لأنّك حر منه. افهمْ ما قاله آباؤنا الكبار في الكنيسة: انت مؤتمن على المال لأنه ليس ملكك. انت تتصرف به لتجعله في خدمة المحتاجين اليه. هؤلاء بعطائك يصيرون إخوة لك. ليس لك الا الحب لتشعر أنك أخ للآخرين. تحرر اذًا من كل شهوة لأن كل شهوة تفتّتك او تبعثرك.

# #

#

أشد فتكا من اشتهائك المال شغفك بالسلطة، فقد جاء على لسان روحانيّ كبير: «كل سلطة تُفسد والسلطة المطلقة تُفسد مطلقًا». بعض الأحوال تجعلك في موقع السلطة. اقبض عليها وانت حر منها. «فذكّر انّما انت مذكّر. لست عليهم بمسيطر» (الغاشية، 21. 22) وحقيقة الآية ان أمرك ان شئت الأمر هو بالتذكير لأنه يعطى بالمحبة. وأما إن سيطرت عليهم تفصل نفسك عنهم فيبغضونك. اذكر انك لست بإله وانك باللطف وحده تجذب الناس الى إلههم.

لك أن تواجه وتناقش وأن تبرز للناس الحقيقة التي لا بد أن يحسّوا بها نافعة لهم ومنجّية. بكشف الحقيقة يأتي التوافق بل الوفاق والتداخل البشري الصافي. اعتبر ان كل انسان يستحق الحق. قدهُ اليه لا ليكون لك ولكن ليكون للحق. لا تطلب ان ينضمّ أحد اليك. حرّره من نفسك يصرْ من محبّي الله. لا تسأل عن ان تكون محبوبا بل اسعَ فقط أن تحب. غالبا ما يُردّ الودّ اليك بودّ أعظم. مع ذلك لا تطلب التبادل. ادفع الآخر الى ان يسعى الى ربه فيُنعم عليه ربه بالبذل. حسبك انت أن تكون حياتك في حياة الآخرين فيكون مجدك في قلب الله.

تعلّم قول الكتاب: «باطل الأباطيل، كل شيء باطل» (جامعة 2:1). كل شيء باطل ما عداك وما عدا الإخوة في أعماق نفوسهم. الوجود تلا في الذات، والذات لا تصادم مسيطرين. تلاقي الذوات في فقرهم الى الله وفقر الواحد الى الآخر اذ لا شيء خارج القلب. الوجود ملكوت الله في القلوب واذ ذاك، هي واحدة فيه ويصبح كل منها عرشه. اذ ذاك، ينزل عليها المجد الحقيقي. هذا هو وجه الله اليها.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله / الأحد 4 تشرين الأول 2009 / العدد 40

ينفرد بولس في كل الكتاب المقدس باستعمال عبارة “هيكل الله” او هيكل للروح القدس يدلّ به على الإنسان لكنه يشير الى ان المعنى قائم في العهد القديم عندما قال الله: “سأسكن فيهم وأسير في ما بينهم وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا”. هذا كلام يأخذه الرسول من إرمياء وحزقيال. كذلك الكلام اللاحق الداعي الى اعتزال النجسين وهُم الأُمم. في إشعياء يكون الرب “أبًا أبديا” (6:9). كذلك سيكون أبًا لسكان أورشليم ولكل الشعب.

في العهد الجديد تنمو فكرة أُبوّة الله للمؤمنين ولاسيما انهم واحد بالابن الوحيد. في كلام بولس، بناءً على الأنبياء، وعلى الخلاص الذي تمّ في المسيح يسوع، عندنا شيئان: الله ساكن في الناس، والله يسير مع الناس، وهذه هي الكنيسة.

وعندما يقول “أكون لهم إلهًا”، يعني أنه اليوم وغدًا هو معنا، وهذا الكلام يجد صدى في القداس الإلهي اذا اجتمع كاهنـان او أكثـر فيقـول الواحد للآخر “المسيح معنـا وفـي ما بيننـا” فيجيـب الآخر “كان وكائـن وسيكون”. معية الله معنا هي الكنيسة.

ينتج من كونه معنا أننا نصير شعبه. ليس من شعب بالمعنى الاجتماعي او العنصري شعبًا لله. الله برحمته ومحبته يشكّل الشعب. فعندما نستعمل عبارة: “شعب الله” نقصد أنه الشعب الذي الله يشكّله بالايمان. لذلك كان المسيحيون اليوم شعب الله أي الأمّة التي يجعلها الله لمحبته “أمّة مقدسة” كما يقول بطرس ويردّد ذلك بعده باسيليوس الكبير في قدّاسه.

نتيجة كوننا شعب الله أننا مدعوّون أن “نُطهّر أنفسنا من كل أدناس الجسد والروح”. باستعمال الرسول كلمتي “الجسد والروح” يقصد كلية الإنسان. إيماننا بأننا شعب الله أي خاصّته يقودنا إلى سلوك نبيّن فيه أننا نخصّه ونسير بنوره. ليس في المسيحية من فاصل بين الإيمان والعمل إذ الإيمان عامل بالمحبة كما يقول الكتاب.

ليس الإيمان فقط تصديقًا بما أوحاه الله إلينا ولكنه تنفيذ للوصايا حسب منطوق السيد: “مَن أحبّني يحفظ وصاياي” عندئذ نكون مكمّلين القداسة. إنـها حيـاة الـله فينـا. “لستُ أنا أحيـا بـل المسيح يحيا فيّ”. القداسة في فلسفة العهد القديم هي الانقطاع الى الله بالسلوك. ويبقى هذا المفهوم في العهد الجديد، ولكنه يبلغ عمقه الكامل عندما نفهم قول الله لنا “كونوا قدّيسين كما أني أنا قدّوس”، عندما نُدرك أن الذي يمدّنا بالقداسة هو المسيح يسوع نفسه.

“بـمخافة الـله” التي تـُنـهي هذا المقـطع من الرسالة التـي صيـغت في العهـد القديـم تـبقى صحيـحة في النظام الإنـجيـلي. نـحن، مع عـلـمنا أنـنا أحبـاء الـله، لا نـلغي فـي موقـفنـا مخـافـة الـله بـمعنى أنـنا نعرف هيـبتـه وعظـمـته وجلاله وأننا إزاء ذلك في رهبة. المحبة لا تنافي موقف الإجلال وتوقير الله والرصانة في مواجهتنا الرب.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

النظام المجمعي في الكنيسة الشرقيّة / السبت 3 تشرين الأول 2009

النظام الإداري في الكنيسة الأرثوذكسيّة تجسيد لتعليم لاهوتيّ. فالعقيدة عندنا يحفظها الشعب كله اي ان الرؤية لكل الحياة الكنسية هي رؤية الجماعة المؤمنة بما فيها الأساقفة. مع أهميّة المكان الذي يجلس فيها المطران هو يستمع الى ما يقوله الروح للجماعة التي يرعاها. من زاوية هو يأتي منها كما تأتي منه. هذا لا يعني أن المطران يستند الى جمهور رعيته ولكنه يأتي من اتقياء رعيته والممارسين. هؤلاء هم في الحقيقة جسد المسيح بحيث إنهم يؤلّفون المسيح على الأرض.

غير ان الأسقف ليس فقط متصلا بالجماعة الموكلة اليه رعايتها. هو يتصل عضويا بالمطارنة الآخرين الذين يسوسون كنيسة نسمّيها محلّيّة او إقليميّة كما انه متحد بأساقفة العالم كلّه الذين هم على استقامة الرأي. غير أن التحرك الواقعي في اليوميات تحرّك الكنيسة المحليّة مثل الكنيسة الأنطاكية.

هذه يرأسها المجمع المقدس الجامع لكل أساقفة المنطقة والجالس برئاسة البطريرك الذي هو الأول بين متساوين. سر الكهنوت الواحد يجعلهم مجمعا واحدا، والمرجوّ تاليا أنهم على فكر واحد المفروض أنه فكر المسيح. هذه المعية التي يؤلّفون والتي نرجو ان يمدّها الروح القدس بنفحاته حتى تخدم بالروحانية الواحدة كل الشعب المؤمن عن طريق خدمتها للوحدات الروحية التي نسمّيها أبرشيّات. فالمجمع الواحد كالمجمع الأنطاكي المقدس يشرف بسبب اتحاد أعضائه على كل المناطق لكوننا نفترض ان الأساقفة الملتئمين بفكر المسيح لا ينطقون عن هوى وأنهم يسعون الى المسيح منطلقين من الإنجيل. لذلك يضعون في قاعة اجتماعهم كتاب الإنجيل ليذكّرهم بأنهم يقولون قوله وليس لهم قول من خارجه اذا أتوا بقرار او وضعوا منهج عمل او أوضحوا الإيمان او انتخبوا أسقفا جديدا او حاكموا اسقفًا خالف القانون الكنسي.

البطريرك عندنا ضمانة وحدتهم لأنه بلغ عدم الهوى. وبفضل هذا التطهر يعتبرونه الأول بينهم ويظلّون حريصين على احترام موقفه كما يكون هو حريصًا على تبنّي موقفهم اذا بدا عن إجماع. لذلك لا يجتمعون الا بحضوره واذا استدعاه الله اليه لا يجتمعون الا لانتخاب خلف. فليس من مجمع بغياب البطريرك وليس من بطريرك بلا مجمع. وفي حال الشقاق لا يؤلف الذاهبون من المجمع مجمعا مهما كان عددهم. والأقلية في حال الانقسام التي يجالسها البطريرك تكون هي المجمع.

طبعا هذا النظام لا مثيل له في أية مؤسسة دنيوية أبرلمانًا كان أم غير ذلك. لذلك كان غير صحيح القول ان الأرثوذكسية ديموقراطية. هي الألفة او الائتلاف بالروح القدس. فكما تطيع أسقفك لأن الله أقامه رئيسا بوضع الأيدي (اي برسامته) كذلك تطيع المجمع المقدس ليس لأنه سلطة قائمة عليك بشكل تمثيليّ او حقوقيّ او جمعيّ ولكن لأنّ الأيدي وُضعت على رأس كل أسقف يوم رسامته. «الأسقف أيقونة المسيح» كما قال القديس إغناطيوس الأنطاكي. بطاعته تطيع المسيح.

# #

#

غير أن الأساقفة بشر تتسرب اليهم أخطاء. اذا أتى الخطأ إساءة الى العقيدة عليك ألا تطيع، وهنا تشكو المجمع الى المجامع الأرثوذكسية الأخرى، واذا أخطأ رئيسك المحليّ الى العقيدة وعلّم البدعة عليك ان تقاطع صلاته وان تعالج أمره مع زملائه ولا سيّما البطريرك. غير أن هذا يحصل قليلا جدا، وفي المئة سنة الأخيرة لم نلحظ شيئا من هذا لأن تحديد العقيدة من اختصاص المجمع المسكوني (العالمي) وليس من اختصاص المجمع الإقليمي.

وقد لا يكون المجمع حكيما في أمر رعائيّ او تدبيري. هذا يُناقَش في دورة لاحقة بشكوى او اعتراض معلّل وتسوّى الأمور إقليميا.

هنا يلعب الكهنة الورعون المثقفون كنسيا والعلمانيون المتديّنون الفاهمون دورا كبيرا. وروحية الأبوة المألوفة تُصلح الأمور ولا سيّما أن العقيدة تقول ان الإكليروس وعامّة الشعب المؤمن جسم واحد يتفاعل أعضاؤه بكلمة الخلاص التي يأتي الدفاع عنها مع حسن النية واستقامة القلوب.

ليس في الكنيسة قيمة للعدد. فأنت لا تطيع المجمع لهذا السبب. انت تقبله لأنه تعبير عن الكنيسة المتطهّرة اي الجماعة المصليّة. فقد رفضت الكنيسة في القرون الأولى مجامع مؤلفة من أكثر من أربعمئة مطران وسمّتها مجامع لصوصيّة. وما أقرّت الا تلك التي اعتبرتها ملهمة بالروح الإلهي. المجمع ليس سيد نفسه لمجرد اجتماعه ولكن ليقيننا أنه مرتبط بالرب. الله اذا ساد المجمع بالنعمة يكون هذا مجمعا إلهيًا وانت تلتزم بالألوهية فقط. الأساقفة وكلاء الأسرار المقدسة كما قال بولس، واذا تصرفوا بخلاف هذا التوكيل يصيرون لا شيء اذ ليس في الكنيسة من سلطة الا لله. في كنيسة المجامع المسكونية السبعة كان المجمع اللاحق يوكّد حقيقة المجمع السابق له، بهذا كنا نقترب من اليقين. ويتثبت اليقين عند قبول الجماعة كلها لما أتى به رؤساء الكهنة اذا اجتمعوا. ما كانت المجامع الكبرى تُعرف بالفهم او باللاهوت العظيم فقط ولذلك نقول في التقويم الآباء القديسون الذين اجتمعوا في نيقية او في القسطنطينيّة. قداسة المجتمعين هي التي تضمن صحة الرأي اذ ليس من فاصل بين الرأي ونقاوة السيرة.

# #

#

هؤلاء الذين نتّكل على طهارتهم مدعوون الى انتخاب في الخدمة عند شغور إحدى الأبرشيات بالوفاة. في بعض الكنائس كما في روسيا مثلا يشترك الكهنة والعامّة في الانتخاب المباشر. في كنائس أخرى هيئات ترشيحيّة مؤلفة من كهنة وعلمانيين تقوم بعمل الترشيح اي انها تقدّم للمجمع المقدس لائحة من الأسماء يختار منها المجمع واحدا. في بلادنا الهيئة المرشحة هي مؤتمر الأبرشية، واذا كان لم يتشكل يقوم المجمع في مرحلة اولى هو نفسه بالترشيح ثم ينتخب متقيّدا بالترشيح. هناك طبعا شروط ينبغي أن تتوفر في المرشّح أهمها حياته الروحية وأخلاقه ثم تحصيله اللاهوتي العالي ثم شرط السن وتدرّج في الخدمة.

غير أن كل هذه الشروط اذا توفرت هي اقتراب من المثال وليست ضمانة. تختار مثلا شخصًا يبدو لك وديعا عفيفا، وممارسة السلطة قد تفسده ويأتيك متسلطا. واذا رأيت الى تحصيله اللاهوتي الجامعي قد تظن أنه يعرف، ويتبيّن بعد ذلك انه ضعيف في ممارسة العقل اللاهوتي. ان الصفات الحسنة المتوفرة في كاهن قد لا تكفي لمعرفة أهليته للأسقفيّة. وقد تظهر فيه حسنات جديدة بسبب من مراسه الجديد ولا بد ان يختلف أعضاء المجمع المقدس عند اختيارهم. فهذا يركز على القدرة اللاهوتية في المرشح، وذلك على مواهبه الرعائية ولو كان ذلك على حساب المعرفة. والآخر يشدد على الإداريات عنده. ما الإداريات؟

ينبغي الا نتعجب من اختلاف المعايير عند السادة الأجلاء. فهذا يجذبه ذكاء المرشح وعلمه، وذاك يهتم بخبرته. ولكون القضية تتوقف على تقدير الأفراد يتعذّر الإجماع المنشود أصلا. غير أن ما يحررك نسبيا من التردد أن تطلب في من تدعوه الى رئاسة الكهنوت محبة للرب متينة وعميقة ويضاف اليها العلم لكون ما يُطلب في الرجل معرفة شؤون الإيمان معرفة دقيقة التماسا للوعظ والتعليم. اما ما يسمّى عندنا التدبير بما للكنيسة من ملك ورزق ومال فقد رأت الكنيسة الأولى ان يعيّن الأسقف المنتخب مدبّرا مطلعا على هذه الأمور، فالإنسان المثقّف لاهوتيا ليس عنده بالضرورة إلمام بشؤون الدنيا. واما الملمّ بها بخاصة وليس عنده العلم بالله وبكلمته فلا يقدر أن يرتجل الكلمة ارتجالا. لذلك يمكن ان تتضافر النيات الحسنة والآراء الثاقبة حول اختيار رجل ممتلئ بحكمة الله ويعطى بقية الحكمة زيادة فيما يختبر الناس والزمان وفيما هو يتكل على الحكماء والأتقياء في رعيته.

المشكلة الكبرى ان إنجيل يسوع المسيح مسلّم الى أناس محاطين بالضعف بضرورة طبعهم البشري وكبار القامات الروحية قلة عزيزة. ولكن الكنيسة في الدنيا لم تبلغ الملكوت ونحن نعرف كما قال الرسول أن «لنا هذا الكنز في آنية خزفيّة». أن تحفظ الوديعة سالمة حتى مجيء الرب يتطلّب سهرا طويلا واحتمال مشقّات في التعزيات التي تنزل عليك من فوق.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

هوذا الآن وقت مقبول /الأحد 27 أيلول 2009 / العدد 39

يريد بولس في الرسالة الثانية الى أهل كورنثوس أن يسعى المسيحيون فيها الى تفعيل النعمة، ألّا يُهملوها. لا ترجئوا خلاصكم يقول. الآن، الآن يوم خلاص. الآن وقت مقبول. قد يُداهمك اليومُ إن أجّلت توبتك والاهتداء الى وجه الرب. الى هذا يضيف انه لا يرتكب خطيئة لئلا يَلحق خدمته عيب. الرسالة لا تنتقل الى الناس إن كان الرسول يخالف شريعة الله لأنّ الناس يريدون أن يتعلّموا من سلوكه.

والبرهان على طهارة بولس الصبر الكثير، الضيقات في الكنائس ومن غير المؤمنين. وقد عدّد آلامه في موضع آخر وهنا يذكر الجلْد والسجون والأتعاب والسهر (في الصلوات والوعظ وعمل الخيام الذي كان يعيش منه لئلا يثقل على الكنائس). وهذا كلّه ناتج من الطهارة عنده ومن المعرفة. ومن المحزن اليوم أن قوما بيننا لا يطلبون المعرفة في الكاهن (كيف يعظ الجاهل؟). ثمّ يـصعد الرسول ويذكر طول الأناة فيه والرفق بالمؤمنين وهذا كلّه ثمر الروح القدس. من لا ينزل عليه الروح الإلهي أنّى له أن يرشد؟ أليس العمل من داخل النفس؟ أليس هو تجلّيات لها؟ ويعود ويـؤكّد أعـمال الروح القدس في المؤمنين، ويبدأ بالمحبة اذا كانت بلا رياء، صادقة. انها شرط لظهور كلمة الحق. المسيح كلّه حق و”المسيح قوّة الله وحكمة الله”.

ولكن النعمة لا تعمل وحدها. تستخدم أسلحة البِرّ في المؤمن يصوّبها من كل جهة، في كل حديث، في كلّ تعامل. يواجه كلّ موقف. يقبل الصيت الحَسَن والصيت السيء. وهذا الأخير يأتي من المؤمنين اذا كانوا ميّالين الى اليهوديّة والى فرض الختان على الوثنيين اذا أقبلوا الى المسيحيّة. “ليس الختان بشيء ولا الغرلة بل الخليقة الجديدة”. لا يهمّنا المجد العالمي. أعداؤنا، أعداء الرسالة يقولون اننا مضلّون ولكنّا صادقون. يروننا مائتين ونحن في الحقيقة أحياء. نبدو حزانى ونحن فرحون.

يؤكّد الرسول صدْقه ويؤكّد أنه حيّ، يُحييه الرب ويُحيي الآخرين به، ويؤكّد فرحه وهو لا يملك في الدنيا شيئا بل يؤكّد، على رغم فقره المادّي، أنه يُغني كثيرين. وأخيرا يقول “كأنّا لا شيء لنا ونحن نملك كلّ شيء”. حقيقتنا أن عندنا المسيح الذي يُغنينا عن كلّ شيء. نحن في الواقع لا نملك من الأرض شيئا ولكنّا أغنياء بالله. بـولس لم يـكن عنـده شيء إطـلاقًا وكفـاه أنـه كان يعمل خيامًا ليـأكل. لم يـسأل عن اطمئنان في الأرض. كل القضيّة هي أيـن تـجـعل طمأنيـنـتك. هـل هي في الـله او في المال؟ الفـقر الاختيـاري قـوّة كبيـرة لتجـعل حياتك بمنأى عن متغيّرات هذا العالم. انت لا يغيّرك شيء.

الثورة المسيحية الكبرى أنها قلبت معايير الناس. هؤلاء يسيطر عليهم شغف المال وشغف السلطة والتعلّق بأمور الجسد. ونحن غرباء عن هذه كلّها. نحن نحيا بالمسيح ويجعلنا في السماء ولو كانت أجسادنا على الأرض. نحن نبدو كتلة بشريّة ذاهبة الى التراب، وفي حقيقتنا نحن جسد المسيح اي مداه او امتداده. والسماء هي عرش الله، وقلوبنا هي هذا العرش. المكان الوحيد الذي نسكنه هو المسيح. كذلك هو يسكننا.

واذا كنت أرضيا وجاءك المسيح فمع تـجوّلك في الأرض تصير إنسانًا سماويا، غير منفصل عن السيّد.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الطاعة / السبت 26 أيلول 2009

المسلَّم به في الكتب المقدّسة ان الطاعة لله لأنه المؤمن اي الذي يؤمنك من شرك وتأمنه لصلاحه. ان تتمرد عليه ناتج من عبادتك لنفسك. الطاعة هي اذًا الايمان به وبقدرته ومحبته. انا لا تعجبني الدعوة الى الثقة بالنفس لالتباسها. المؤمن لا يتكل على ذاته مطلقًا ولكنه يتّكل على ايمانه اي على معرفته ان الله ساكن فيه ويمدّه بقوّة من فوق. انت تصحح فكرك بالفكر الإلهي اذ لست محصّنا بالعصمة. وما من عصمة طالعة من البشرة، المتقلبة والضعيفة، الهشّة. انا في المسيحيّة انتمي الى المذهب القائل ان ليس من انسان مصون بوعد إلهي قبل ان يتكلّم. وهذا المذهب يقول ان مجمع الأساقفة لا نطلق عليه وشاح العصمة قبل كلامه على الشأن الإلهي ولكن اذا لاحظنا انه وافق الإيمان الذي «دُفع مرة للقديسين» نعلن حقيقة انكشفت. ما من وليد امرأة يتربّع في الحقيقة تربعا. لذلك جاء في التراث عندنا ان المجمع يؤيّد المجمع السابق لتزداد قناعتنا بهذا الأخير. نحن نرجو ان يلهم الروح الإلهي من اجتمع رجاء. في أمور الحقيقة انت دائما في حالة جهاد. واذا أعلنت ايمانك بما قيل ففي هذا تعترف ان مصدر ايمانك هو الرب. لذلك اذا تكلّم المسيحيون في المجمع المسكوني الثاني على المجمع المسكوني الأول يقولون فيه اجتمع الآباء القديسون بمعنى ان قداستهم هي التي ضمنت صواب فكرهم.

من هذه الزاوية صحت الكلمة الإسلامية «الاجتهاد» التي أفهمها انها مسعى فكري عند العلماء اذ المفترض انهم الى جانب التحصيل العلمي هم مكلّلون بالبِرّ ولا ينطقون عن هوى.

هذا كلّه يعني انك في العقل وفي التقوى مطيع لله واذا أطعت بشرا فلتوفر الدلالات على انهم هم خاضعون لربهم. بطرس الرسول في هذا واضح ان الله أولى من البشر بالطاعة (أعمال الرسل 29:5)، عندما تقول عامة الناس ان الطاعة للوالدين واجبة ماذا يعنون؟ الأولاد يحسبون أن ذويهم يعرفون صالح اولادهم وانهم لا يقهرونهم. غير ان الكتاب المقدس لا يقول بهذا. انه يقول: «اكرم أباك وأمك».
# #
#
الواضح في المسيحية وجود مشيئة الهية ومشيئة بشرية وان الأولى وحدها مطلقة وانها وحدها المرجع. واذا قال المسيح وقلنا بعده انه ذو مشيئتين بحسب قوله لأبيه «لا مشيئتي بل مشيئتك» فلكي نحسم أن المشيئة الإلهيّة في المسيح هي التي طلبها المسيح سيّدة على بشريّته. والوحدة فيه بين الإرادتين لا تتم بسؤدد الإلهية على الناسوتية ولكن بدوام انسجامهما. لذلك قال عن علاقته بأبيه: «انا افعل دائما ما يرضيه» هذا لا يلغي ذاتية اية ارادة فيه ولكن يجمعهما كون السيد طوع إرادته البشريّة بحريته لله.

هكذا جوهر كلّ النضال الروحي الذي قام به القديس مكسيموس المعترف الراقد السنة الـ 662 ومات من اجله بعد تعذيب.

في الإنسان خضوعه لله ينفي كل عسف واعتباطية بمعنى ان لا قدسيّة لإرادتك ما لم تكن متطوعا لله دائما. انت لا تختار ما تشاء. انت حرّ بالكلمة الإلهية فقط لذلك قال المعلم: «وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يوحنا 8: 32). طاعتك للحق وحدها تبعدك عن التحزّب. اي متتبع لتاريخ الكنيسة يلحظ ان أهل البدع كانوا في معظم الأحوال تابعين لأهوائهم وغرباء عن الجهاد الروحي اي انهم كانوا مستكبرين. صاحب البدعة يغلف خطاياه باللاهوت وبتلاوة الآيات. من هنا تفهم ان تفسيرها احيانا خاضع للسياسة. ولكون الله عظيما انت كنت تحتاج في أزمنة الإيمان ان تغلف كل كراهيتك للآخر اي سياستك بلباس ديني. ما كان الدين الأذية. انت كنت الأذية.
# #
#
ما سميته طاعة كان في الحقيقة محبة. لما قال يسوع الناصري: «من سخّرك ميلا امشِ معه ميلين» (متى 41:5) أراد أن تضع نفسك في تصرف الآخر. فقد اعتبر هذا انه في حاجة ان تمشي معه في الطريق ربما لأنه لا يعرفها او لأنه كان في حاجة الى إنس. واذا لبيته تكون في حالة طاعة لله.

هكذا اذا قال بولس: «أطيعوا بعضكم بعضًا» فلأنك تحس أن الآخر في حاجة اليك مسبقا تشعر انه لا يريد استعبادك او استغلالك وانه فقير اليك. اجعل، اذ ذاك، نفسك حقًا فقيرا اليه. في إطار هذه القولة نفهم كل ما قاله الرسول عن الزواج. فاذا قال: «ايها الرجال أحبوا نساءكم كما أحبّ المسيح الكنيسة» وبعدها قال: «ايتها النساء اخضعن لرجالكن» فلا نلحظ فرقًا بين «احبوا» وبين «اخضعن» لأن الحب ينقذ والطاعة تنقذ بسبب من ان الطاعة المتبادلة كانت القاعدة على ضوء هذا التبادل تفهم العلاقة. واذا كانت الزوجة محبوبة حتى الموت كما أراد بولس فهل يعتريها خوف مما سمي الخضوع؟
واذا تكلّمنا في الكنيسة عن الطاعة للأسقف فليس لأن هذا عظيم بسبب من مقامه ولكن لكون الكنيسة أتت به الى هذه الخدمة بعد ان رأت انه «بلا لوم» (1تيموثاوس3: 2). قد يبدو يوما انه ملوم. لذلك جاء في القانون الكنسي انه خاضع للمحاكمة وانه قد يُخلَع (بضم الياء). هكذا في الرهبانية يُطاع رئيس الدير ليس لمجرّد مقامه ولكن الإخوة أرادوه عليهم رئيسا لفضائله. هم يطيعون فضائله ويعرفون انه لا ينطق الا بكلمة الرب. واذا نطق بخلاف هذا فالرئاسة الروحية التي تعلوه تخلعه ايضًا.

اجل يتسرّب الاستبداد للطبائع البشريّة. إزاء ذلك يقول بولس ايضًا: «ايها الإخوة، إن انسبق إنسان فأُخِذ في زلّة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة» ( غلاطية 6: 1). الروحانيون ملح الأرض ويواجهون أصحاب المقامات حسب قول الياس النبي: «حيّ هو الله الذي انا واقف أمامه» (1ملوك 18: 15). ليس في دنيا الحياة الروحية من انقلاب. الله وحده قادر ان يكسر الطغاة. وانت تصلي لذهابهم. الصالحون والصالحات يكرهون الجور. ان شهادتهم تسحق الظالمين بالحق. لذلك تظهر في الكنيسة والعالم حركات تجدد تأتي بوجوه حسنة هي إطلالات الله على دنياه.

ليس المجال هنا لأقول شيئا عن السلطان الجائر ولا عن الثورات. المهم ان نجتنب الفتنة والدمار اذ تكون الثورة. اذ ذاك، انحرفت عن غاياتها. في الواقع هكذا فعل معظم الثورات. اذ اكتفت فعليا بقيام بشر على بشر واستعاضة فئة على فئة ولم يحصل تغيير.

المهم ان تطيع الله والناس الذين هم له والإصلاح يأتي بهذه الروح. الرب يسودك مباشرة او يسودك بأحبائه واحباؤه لا يحكمونك الا بعد ان طوعوا انفسهم له. تراهم بمقامهم سادة وهم بنقاوتهم يكونون مطيعين لك.


Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

فردوس دير إيطالي / السبت 24 أيلول 2009

هل في الأرض فراديس تكشف الملكوت الذي أعده الله للذين يحبونه؟ من هذه الاطلالات الملكوتية عند الجانب الايطالي من الألب وانت ذاهب من تورينو ينبسط دير بوزه Bose على الخضراء والثمار والغاب ويقوم ناسه في منازل من حجر وخشب وقرميد وكل بناء ينسق بين هذه ويأكلون من تعبهم فقط رافضين كل هدية ليكون لله وحده فضل عليهم وعلى ايديهم. وما أنزل عليهم من حب وكرم وبركات صلاة وتلاوات الهية ينحت شخصيتهم على طراوة وبساطة ومباشرة صلة وهم مسكوبون بلطف يأتي خدمة ودقة انتباه لأن الضيف عندهم هو الملك بلا مساءلة لفكره أو تحرش بهواجسه.

هذا يعني انهم لا يحشرونك في قالب فلا تحس انك ضيف خاضع لقواعد فتمشي الأمور كلها ليمحى الفرق بين الضيف والمضيف.

هم رجال ونساء يرتدون ثياباً مدنية عادية بسيطة الا في الكنيسة حيث لهم لباس خاص أبيض. يصلون صفين مختلفين ويقيمون صلاة هم وضعوها تقوم على مزامير وأناشيد وتلاوات من الكتاب أو أدب روحي وما ألفوه في الإنشاد عميق المعاني مجرد من الانفعال العاطفي وملحن على مقام واحد اذا ساغت الاستعارة بحيث يتمكن الضيوف من مشاركتهم في الأداء.

بعد الصلاة فكر وعمل. لست أعلم ان كانوا يحصلون اللاهوت في كلية لاهوت أم لا ولكن المؤكد ان معرفتهم عظيمة لأن مكتبتهم تحتوي حوالي خمسين ألف كتاب في مختلف اللغات بما فيها موسوعات عدة. والثابت أيضاً انهم ينقلون كتبا لاهوتية الى الايطالية بما فيها مؤلفات لغير الكاثوليك كما يقرأون في الكنيسة أدباً روحيا لغير الكاثوليك.

ذلك ان هذه الأخوية الرهبانية تضم عدداً قليلاً من الإنجيليين واسقفاْ أرثوذكسياً متقاعداً لهم ما للكاثوليك وعليهم ما على الكاثوليك. انت تلحظ في الواقع ان هؤلاء يتعايشون بمحبة ويحفظون معتقداتهم واذا قرأت نصوص العبادات تلحظ انها “مسكونية” بحيث لا يفرض النص عليك مذهباً. قد تقبل ذلك وقد لا تقبل ولكن الفتح المبين تعايش سلمي لاخوة متباينين في العقيدة. ما رأيناه خلال أسبوع كامل استهل في 10 ايلول ان اساقفة وكهنة واساتذة لاهوت كباراً من الارثوذكسيين وقسساً من كنائس الإصلاح البروتستنتي اشتركوا في هذه العبادات ولكنهم لم يشتركوا في القرابين وكان للارثوذكسيين قداسان خلال هذا اللقاء الذي تم بين العاشر والثامن عشر من ايلول.

هذا هو الجانب اللاهوتي في حياة هذا الدير. أما الأعمال اليدوية فالزراعة على أنواعها ومشاغل نجارة وخزف فني ورسم ايقونات على الطراز البيزنطي. تقديري ان هذه الانحصارية تأتي من قناعتهم ان الشرق الارثوذكسي حافظ وحده للفن الكنسي وان سواه لوحات تأتي من قوانين الاستاطيقي أي من هذه الدنيا. فقد صار المشهد المعروف في الكنائس الكاثوليكية بعامة هو مشهد الانتقال من الصورة الى الايقونة بما يصحب ذلك من تفسير لاهوتي لهذه بعدما كان الغرب غير حساس للايقونة منذ ان حدد المجمع السابع المسكوني أي النيقاوي الثاني في السنة الـ787 عقيدة اكرام الايقونات.

لقد احتضن دير بوزه منذ احدى عشرة سنة اللاهوت الشرقي في مؤتمرين له كل سنة أولهما يتركز على الآباء الشرقيين وثانيهما على اللاهوت الروسي أو احداث الكنيسة الروسية. هذا الصيف كان موضوع اللاهوت الشرقي القديس يوحنا الدمشقي والموضوع الروسي راسم الايقونات القديس اندره روبليوف. واللافت ان المبحث فيهما قام على لاهوتيين أومؤرخين من الكنائس الشرقية ومن الكنائس الغربية ذلك لأن العلم علم لا أثر فيه لقراءة مذهبية. اليوم ومنذ سنين طولى يقوم الجميع ببحث أكاديمي ولا يختلفون في تحليل الاشخاص وآثارهم وتأثيرهم وبيئتهم.

ففي اللقاء الاول المخصص ليوحنا الدمشقي عند فجر الإسلام تناول لاهوت الرجل وكتابته العقدي والنقاش حول تاثيره في الفلسفة الإسلامية الناشئة كذلك حول مدى معرفته للإسلام ولا سيما انه لم يكتب في العربية. كان يعرف شيئاً من الإسلام وقد ساجل فيه وذلك في كتاب صغير في اليونانية. أما المساهمة الكبرى التي قدمها الى جانب كتابه الأساسي “الينبوع” بما فيه “الإيمان الارثوذكسي” فكان الدفاع عن الايقونة وقد تبنى دفاعه هذا المجمع المسكوني السابع.

وقد سيطر على البحث علم واسع لا تمييز فيه بين العلماء على الصعيد المذهبي. علم مدهش جداً تمنينا لو كان مثله في شرقنا وكله قائم على معرفة دقيقة للبيئة الأموية وللغة الإغريقية. وبين العلماء فرادة الرجل وعبقريته.

أما البحث في فَن روبليوف في القسم الروسي من المؤتمر فقام به في الدرجة الاولى علماء روس ولا سيما النساء وكان السعي الى معرفة كل أعماله وما سبقها وما رافقها مع التركيز على ايقونة الثالوث الشهيرة التي قد تكون من أجمل ما عرف الفن التصويري الارثوذكسي في كل أطواره. وفيها تتبين الإبداع في الزمن ذاك أي فترة أواخر القرن الابع عشر والخامس عشر.

طبعا تدرك الحياة الروحية عند روبليوف الذي لم يترك على وجه الدقة أكثر من 12 صورة الى جانب بعض الجدرانيات. هذه الروحانية المذهلة في كل ما وضعه جعل الكنيسة الروسية أخيراً تعلن قداسته وقدتوارت حياته الشخصية خلف ما تركه من آثار.

لم تكن الكنيسة الأنطاكية الارثوذكسية غريبة عن العطاء العلمي اذ أوكل الى احدنا ان يتكلم على “الخلاص في المادة” حيث كان التركيز على التجسد الإلهي واستعمال المواد في العبادات (الماء والزيت والقرابين الإلهية والايقونات) وحيث دار الحديث ضد ثنائية النفس والجسد وعن وحدة الكيان البشري وعن تجلي الانسان والكون.

هذه الأبحاث سوف تنشر باللغة الايطالية وكذلك أبحاث المؤتمرات السابقة نشرت في هذه اللغة ليتاح للجمهور الايطالي التعرف الى التراث الشرقي القديم من جهة والى التراث الروسي من جهة.

انفتاح الدير على كنيسة أخرى بهذه الصورة أمر نادر في العالم كله. هذا رجوع الى ينابيع المسيحية الاولى ولقاء في العمق بين الكنيستين.

الى هذا كانت غير مناسبة لتواصل العلماء والمطلعين في ما بينهم. لعل الأحاديث الشخصية لم تكن أقل نفعاً من التواصل الأكاديمي. لم يكن أحد منا يحس ان الآخر غريب. وما من شك في ان مشاركتنا في حياة الرهبان اعطتنا حيوية وفهما ما كنا عليهما قبل زيارة هذا الدير وقبل جلوسنا عند اقدام العلماء. كانت هذه خبرة عمق وانسكاب بركات جعلتنا نتبين اننا أدركنا وحدة في المسيح فيها تأجج كبير.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب في النفس / الأحد 20 أيلول 2009 / العدد 38

أحدًا بعد عيد ارتفـاع الصليـب كان يجدر بنا أن نتأمّل ما يعني لنا في حياتنـا اليوميّـة. على هذا يقـول الـرب يسـوع: “من أراد أن يتبعنـي فليكفـر بنفسـه ويتبعني”. انت تعرف انك معمـّد وانك نظريا من أتباع السيّد. هل أنت قررت عند رشـدك انك حقيقـةً تريد ان تكون ليسـوع؟ هذا يتطلـّب منك قرارًا واضحًا. وهذا يعنـي التزامًا منك بالمسيح لأن المسيـح يتطلّب منك كل قواك، كل عقلـك، أن تسخـّر له كل شيء، أن تعالـج كل أمور حياتك بكلمات إنجيله، أن ترفـض كل ما تحسّه مخالفـا لتعـاليـمه.

لهذا طلب منك أن تكفـر بنفسك، ليس فـقـط ألّا تتـعـلّـق بما ينافـي تعـلّـقـك به. اذ ليس من مساكنـة ممكنـة في قـلبـك بين يسـوع وأعدائـه. غير ان الآيـة ما قالت مثـلا استقلّ عن حُـبّ مالك او التمـسّك بما تـأكـل وتشـرب او ان ترتبـط مرضيّا بعائلـتـك. قال: اكـفرْ بنفسك لأن هذه كلها تشكـّل نفسـك. أشياؤك تصبـح ذاتـك، تتـكـوّن بها ذاتك. ثم اذا كفـرت بنفسك مبدئيا وقـررت ذلك حقـًا، يطـلب اليك يسـوع أن تحمـل صليبـك وتتـبعـه.

هذه التي ذكرنـاها وتحيد بك عـن يسوع تُعـذّبك. هي صليبـك. مطلوب منـك ان ترميـها، ان تستقـلّ عن شهوة المال ولو استعملته، الا تعبد مخلوقًا ولو أحببته، الا تغرق في هموم أولادك ولكن أن ترعاهم وتخـدمهـم، ان تصادق قومًا ولا تصيـر أسيرهم. انت بتّ عبـدًا للمسيـح. شرط هذا الا تُلقي على كتـفيك نيـرا غير نيـره لأن نيره هو وحده الحـريّـة.

وتنتهي الآية بقوله “أن يتبعني” الى أين؟ الى أين ذهب هو؟ الى الصليب. أنت معه حتى موتك، طيلة حياتك، فلا تستريح الا في حضنه. واذا اقتضى الأمر ان تُستشهد، تشهد ولا تكفر ولا تهرب.

خلاصة هذا في قوله: “ماذا يربح الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه” اي نفسه التي تتكوّن من حُبّها ليسوع. ليس من غنى في هذا العالم يُقاس بغناه ولا جمال بجماله. إن لم تصل الى ان المسيح هو كلّ شيء لا تكون قد تعمّدت.

ألا تربح العالم تعني أن ترمي كل ما يُعيقك عن رؤية المسيح وحده في حياتك.

هذه قناعـة يمكن أن تصل اليها بالتقشـّف، بالصوم. ان تمتنـع عن أشياء تراها ضروريّـة، وبالتقشـّف والزهـد وامتلائـك من الروح القدس، تلحظ انها في الحقيقـة ليسـت بشيء. تتمـرن على ان ما ظنـنتـه شيئـا هـو هباء وقبـض الريـح. ان تحـرم نفسك لتمتلئ من المسيح.

غير ان الحرمان لا يكفي. يجـب الملء، والمـلء هو كلمة الـله. فيـها تذوق ان شيئـا في هذا العالـم مهْما عظـم وجَمُل لا يساوي القوة الإلهيـة فيـك لو اقتنيتـها.

هدفك أن تصبح إلهيا. ليس أقلّ من ذلك لأن ما كان دون ذلك تافه جدا.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

إطلالات من إيطاليا / السبت ١٩ أيلول ٢٠٠٩

تتكثف النعمة لتنزل حيث تشاء. في قرية نائية محشورة بين تورينو وسلسلة جبال الألب يقوم دير يجذب اليه شحنة محبات مقولة بلاهوت ويضم، هذه المرة، مئتي وخمسين مؤمنا من كل مناطق الأرض ليتقدسوا معا ويعقلوا معا ايمانهم عسى يقولونه اذا عادوا للناس ليفرح المعطي والمتلقي معا ويزول انقسام الكنيسة في حلم او رجاء.

         Bose المشلوحة هناك تقول منذ سبع عشرة سنة كلمة الله في سبكها الأرثوذكسي وهي على المذهب الكاثوليكي، لها على استقامة الرأي، كل صيف، مؤتمر تتناول فيه جانبا من الروحانية البيزنطية تصوغها كلمات لاهوتيين من كنيستنا أمن روسيا ام من البلقان ام من عندنا جاؤوا واليهم اثنان او ثلاثة من الإخوة اللاتين استشرقوا فكريا ليتقابسوا ويستنير بهم زملاء لهم او متدرجون فيستضيء كل بالآخر وكأن ثمّة مائدة تنزل من السماء على أولهم وعلى آخرهم ليدنو كل واحد الى المعرفة والحب درجة او درجات.

         ويرمّموا ما تعثّر بناؤه في الماضي او في مواضع أخرى مفروض انها أرض بناء. ولكن الكنيسة بطيئة الصعود او ضاق مداها. الكنيسة جرح مفتوح. في بوزه كنائس الى التضميد، ذلك الذي يتيح لك الرؤية ولو شحّ النظر عند العتاق الذين لا تذهب عنهم بصيرة يشاهدون فيها القيامة المقبلة.

#                       #

#

         انت تتوقع جمهرة كهنة ورهبان وراهبات وأساقفة من كل صوب كما تنتظر أحاديث جانبيّة قائمة على ذكر المسيح ومن اليه من أهل السماء والأرض وتحس بالفرح المشرق وعذاب الانشقاق، وعلى ذلك انت تذوق وحدة وجود لا بد ان يكشفها العطاء الإلهي في ما فيه من رحمة. وكلما ازداد عمقك قوي وجعك. والأقربون الى العامة يقولون لك: لماذا نحن هكذا؟ ما الذي يفرّقنا؟ واذا اخذت تشرح لهم النصوص التي تنأى بالواحد عن الآخر يتساءلون اذا كان أهل العلم يذبحون بعقولهم القلوب او اذا كان الجالسون على أرائك السلطة يتناحرون من اجل المسك بالسلطة. هل الذين استووا على العلم غير صادقين؟

         لست أعلم ما دعا رهابين في الكثلكة ان يخصّصوا أسبوعا في السنة للفكر الأرثوذكسي وهم يعفّون عن السجال وعن أحلام الضمّ الجانح. عندما تعتزل مع الأكبرين تلحظ انهم إخوة في الذهن لا في القلب وحده اي انهم من الارثوذكسية على قاب قوسين او ادنى او هكذا أقرأهم وليسوا في هذا الدير الوحيد وتبقى شبه ارثوذكسي في كنيستك ولك هواك في فهم الكثلكة ولا تُكفّر من كان على غيرها من أهل التراث القديم.

         قد لا نكون بعيدين في الذهن على الأقل من حل معقول.  ان هناك من يقول ان المجامع المسمّاة مسكونية هي التي كنّا فيها معا وهي سبعة، واما تلك التي عقدها كل فريق منفردا فيعرضها على الفريق الآخر في اجتماع جامع ما يعني أن ما حدده أحدنا على انفراد يحتاج الى مصادقة من الآخر، والقبول المشترك يفترض تفسيرا جديدا.

         لا بد أن يستدعي هذا تعديلا في البنية الإدارية بحيث لا تطغى كنيسة على كنيسة اي بحيث لا يُفرض عليك ما كان عن تراثك بعيدا او ما كان مضمونه غير قابل للانصهار اذا اعتبرت الانصهار الفكري خيانة.

         وحدة تقوم على ايضاح وتنوير وصدق وتواضع يمكنها ان تُغني الآخرين بلا اعتداد ولا سيطرة ولا ابتلاع.

#                          #

#

         بين التاسع والثاني عشر من ايلول انعقد المؤتمر السابع عشر عنوانه: «الكفاح الروحي في التقليد الأرثوذكسي». حاضر فيه ثلاثة عشر ارثوذكسيا وثلاثة كاثوليكيين من إيطاليا وروسيا وطور سيناء وفرنسا وإنكلترة واليونان وصربيا وأميركا ولبنان. تناولوا موضوع الجهاد الروحي في أسسه الإنجيليّة وتراث الآباء ولاسيّما من جانب النسك عندهم.

         كيف تكافح الخطيئة والأهواء، ذلك كان الحديث كله. والهوى بلغة الرهابين القدامى هو ما يجعلك منفعلا بالتجارب التي تحلّ فيك وتنبت فيها الخطيئة فتصرعك.

         هذا كلّه يتطلّب البحث بالأساس اللاهوتي للجهاد حتى تنصرف الى القيام به. والكفاح يستهدف اقتناء الصلاة وأن تُطوّع قلبك لها. وتعي إن علمت هذا أنه عليك اجتناب النسك المتشدد، فيتبيّن لك ما عليك ان تقوم به اليوم في وضع بشري متدهور. وهنا لا بد أن ترى الى كفاح للهوى تقوده بالجسد لا قهرا للجسد. تأتي هنا الشراهة والبحث النفسي فيها الى جانب البحث الروحي.

         بعد هذا تطلّ على علاقة الكفاح الروحي ووحدة الكنيسة. الغفلة في الكنائس وبعض من قادتها أسهمت في انغلاق فيها وانقسام. واذا عرفت كثيرا عن هذا بكيت كثيرا ما يعني ان نفحة الوحدة هي القداسة لأنها وحدة بشر كما يسلكون. هي وحدة على الأرض وإن نزلت عليك من فوق. عُهد هذا البحث الى لبنانيّ.

         جهاد في الكنائس وجهاد من أجل العالم المعاصر. كيف ينزل الله الى العالم، كيف يحيا به العالم. كيف تُروحن العالم كما هو وتنتشله من كل سقطاته دون اعتزال في دنيا وهميّة وانت قائم على العلم وقيّم على التكنولوجيا. عُهد بهذا الى أسقف أرثوذكسي بريطانيّ الجنسية. أوربا في اهتدائها نافعة للشرق.

         الى هذا شاركنا الرهبان صلاتهم باللغة الايطالية. فهمنا منها ما فهمنا. ولكنا ما كنّا غافلين بالكلية اذ تعرف انت الانجيل وبولس والمزامير لكونها مرقمة وتَسْكنك نفحات من ايقونات بيزنطية جاءتك على إبداع كبير كأن الغرب الكاثوليكي يريد أن يعشقنا عن طريق الجمال ولكنك تفهم ايضا حبه عن طريق التواضع.

Continue reading