Author

Aziz Matta

2009, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد قبل الصليب / الاحد 13 أيلول 2009 / العدد 37

علّم بولس في الرسالة الى أهل غلاطية أن الإنسان لا يبرّره ناموس موسى ولكن الإيمان. نتيجة لذلك ما أراد ان يُفرضَ الختان على الذين ليسوا من أصل يهوديّ. واما الذين اهتدوا ولكنهم بقوا متهوّدين يريدون كل المسيحيين ان يمرّوا اولًا بشريعة موسى ومنها الختان. يريدونهم ان يختتنوا وهكذا يبطلون صليب المسيح، وهذا الصليب مركز الإيمان الجديد الذي لا يحتاج فيه المرء ان يخضع لشريعة موسى.

لذلك قال: “حاشى لي أن أفتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلِب العالم لي وأنا صُلبت للعالم”. العالم بالصليب مات وبقيتُ بإيماني بيسوع حيا. انا لست حيا اذا بقي العالم.

ولما قال: “انه في المسيح يسوع ليس الختان بشيء ولا القـلف” اي عدم الختان، لأننا نحن بتنا في المسيح خليقة جديدة، أحرارا من الوثنية ومن موسى.

وكـل الـذين يـسلكـون بـحسب هذا القـانـون،اي أن الختان ليس بشيء ولا القلف بشيء، فعليهم سلام ورحمة (انت تخلص بسلام المسيح ورحمته) وهذا السلام هو على اسرائيلِ اللهِ اي الذين صاروا اسرائيلًا جديدًا اي الكنيسة.

لذلك يقول لا تُتعبوني بهذا الجدل “فإني حامل في جسدي سِمات الرب يسوع” وهي سِمات الصليب في روحي وجسدي. ثم يختم بقوله: “نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم” وهذه النعمة تكفيكم اذ تُحرركم من الوثنية واليهوديّة معا.

ثم توضح القراءة الإنجيليّة أهميّة الصليب بقول الرب يسوع: “هكذا أحب اللهُ العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة”. هكذا سطعت محبّة الآب للبشر بأنه من أجلهم أرسل ابنه الوحيد لكي ينالوا به الحياة الأبديّة.

الصليب حصلت فيه غلبة الله للعالم الخاطئ ونهض المؤمنون الى حياة جديدة وانهم بالإيمان والمعمودية قاموا من الآن مع المسيح وشاركوه الحياة الأبديّة التي يبعثها فيهم. لذلك نقول في خدمتنا الليتورجيّة في عيد رفع الصليب المكرّم ما يلي: “افرح ايها الصليب الكريم، مرشد العميان وطبيب المرضى وقيامة جميع المائتين، الذي رفعنا نحن الساقطين في الفساد…”.

ومسيح الرب لم يأتِ ليدين العالم ولا يحكم الا من حكم على نفسه بالموت الروحي. واذا لم يفهم أحد سرّ الصليب والقيامة فلا يكون قد أخذهما، ويبقى يهوديا او وثنيا حتى اذا تعمّد.

المهم ان تأخذ الحب الإلهي وان تعيشه اي ان تصير خليقة جديدة تتجدّد كلّ يوم بالنعمة. وهذه هي المعمودية الدائمة وهي مشاركة السيّد بموته وقيامته. انت تتعمّد مرّة (وبمعموديّة واحدة لمغفرة الخطايا). واذا غفرت خطاياك بالتوبة تستمر فيك فاعليّة المعمودية.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

عيد ارتفاع الصليب / السبت 12 أيلول 2009

غدًا عيد ارتفاع الصليب حادثتان أوجدتاه. اولاها في القرن الرابع حيث وجدت القديسة هيلانة ام قسطنطين امبراطور الروم صليب المخلّص الذي كان مغمورا في التراب، والحادثة الثانية ان أعاد الأمبراطور هرقل ذلك الصليب من بلاد الفرس الذين كانوا قد أخذوه من أورشليم. فرح المسيحيون بالحادثتين وفهموهما رحمة من الله لهم. لن أعلّق على هذين الكشفين لأني أودّ تجاوز الواقعين في محسوسيتهما لولوج الجوهر.

تبديدا لكل لبس وددت أن أقول ان الصليب لا أهميّة له الّا بالمصلوب. كل الديانات ذات رموز وخطاب رموزي. لا يهمّني اذا كانت ذخيرة الصليب التي تضعها ضمن صليب فضيّ في عنقك جاءت حقا من صليب يسوع. لا أحد يمكن ان يثبت ذلك ولكن يجب ان يهمّك ان كنت مسيحيا ان تعترف بأن موت الناصري وانبعاثه هما كل المسيحيّة. وان كل عبادة او طقس او عقيدة هي من باب تعزيز ذلك الموت وتلك القيامة.

هذه قاعدتنا وهذا مدانا ولهذا نشهد. واذا تكلّمت خارج هذا الإيمان باحثا تاريخيا لا أحد اذا اتخذ منهج التاريخ المحض يستطيع ان يُخرج الأناجيل من باب التوثيق. لستَ مضطرًا ان تؤمن بالإنجيل لتثبت ان الإنسان يسوع الناصري عرف هذه الميتة. الأناجيل صحف ذلك الزمان والإنجيليون الأربعة ثلاثة منهم شهود وواحد تقصّى شهادات الشهود. انت مستقلا عن معنى الصلب أفداء هو أم خلاص لا مهرب لك من ان تقول ان المسمى يسوع الناصري او الجليلي ألقي القبض عليه وحاكمه اليهود والرومان وحمّله بيلاطس البنطي الوالي خشبة ليُصلب عليها فرُفع على تلّة الجلجلة مسمّرًا ومطعونًا جنبه بحربة وتأكد الوالي هذا الموت وقبر الرجل.

# #
#
حادثة الصلب من الإيمان بسبب معانيها. يبدأ ايمانك الحقيقي من قبول المعنى.

معنى الموت ليسوع الناصري انه ارتضى ان يحمل خطيئة العالم، ان يصير هو خطيئة لكي يحيا من يؤمن به بلا خطيئة، لينبعث الإنسان كلّ يوم من غضب الله عليه ليمكث في الرضاء الإلهي.

خشبة من خشبتين. الأولى عمودية والثانية أفقيّة. أما العمودية التي طرح عليها المسيح فتدل على ان السيّد ممدود من الأرض الى السماء وممدودون معه أحباؤه بالاتجاه نفسه. اما الأفقيّة التي كانت ذراعا المعلّم ممدودتين عليها فتدلّ على ان يسوع يضمّ بهما او فيهما كل المسكونة اليه دائما ولأنه يرتفع دائما. سمينا هذا العيد ارتفاع الصليب. ما هذا الا كلاما رمزيا. الحق اننا في ارتفاع المصلوب من اجل حياة العالم.

جاء في الكتب المقدسة عندنا عبارات من شأنها ان تضلّل. مأخوذة من العهد القديم ولكن يجب ان تُقرأ على خلفيّة العهد الجديد. كلمة كفّارة التي يعني ظاهرها ان يسوع مات بدلا عنا يمكن ان يتعثّر القارئ بها فيفهمها بمعنى حقوقي معروف عندنا في قانون الجزاء. هذا ليس له أساس في العقيدة. وقد قيل في الغرب في القرون الوسطى ان الخطيئة أثارت غضب الله وهذا الغضب لا يزول الا اذا أزاله إله ليتمّ التساوي بين الغضب والتكفير عنه. هذا ربما تعلق به حتى اليوم بعض المتشنجين في ايمانهم او من يحبون انهاء الثأر بالفدية على ما هو مألوف في مناطق قبليّة. هذا ايضًا لا أساس له.

وان كنا لا نزال نستخدم كلمة فادٍ فليس بارتباطها بهذا الفكر القانوني ولكنا نترجم بها اللفظة اليونانيّة التي تعني المحرر. المسيح يعتقنا من خوف الموت كما ورد في الرسالة الى العبرانيين: «ويُعتق اولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كلّ حياتهم تحت العبوديّة» (15:2).

اذا تغلّبت على مخافة الموت فأنت مقيم في الحياة. كلّ المسيحيّة تقوم على تناقض الموت والحياة وليس فقط الموت الروحي والحياة الروحيّة ولكن على التناقض بين الموت الجسدي والحياة التي تؤتانا من القيامة في اليوم الأخير.

الشيء الوحيد الذي يخشاه الإنسان هو الموت. يخشى حادثة آلة والمرض والغيبوبة. كلّ هذا موت. واذا لم يستطع ان يواجه هذا بصورة حقيقيّة فهو واقع في الخوف ابدًا. لا يتعزّى أحد ان قلت له هذا لا بد من حدوثه. الله سيّد على اللابد اي انه يقضي على المواتية هنا. كيف تتحرر منها ولو كان لها يوما ما تعبير بيولوجي؟ لا مفر من الموت الا بالمحبوبيّة. يجب ان يحبك إله لتحس بأنك محبوب. لا أحد يعوض عن الإله مصدرا كاملا لحيويتك. هذا كشفه يسوع الناصري بصورة بليغة بمعنى انه أدخل الحياة التي كان يحملها الى مملكة الموت. فجّر الموت من الداخل. «وطئ الموت بالموت» كما يقول النشيد الفصحي.

وفيما كان المسيح يدخل الحياة الى كل نطاق الموت أدخل معها المحبّة، والحياة هي المحبّة. بهذه وحدها تخرج انت من العدم. ارتضاء يسوع قتله إن هو الا تعبير عمّا جاء في الكتاب: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد» (يوحنا 16:3).

بهذا لم يبقَ محل للسؤال لماذا كل هذا التحرك الإلهي، لماذا هذه الستراتيجيّة الإلهيّة، كل هذه الخضة؟ اما كان ممكنا لله ان يعبّر عن حبه بغير هذه الطريقة؟ طريقة اخرى تأتي من سؤال افتراضي. الأمور صارت هكذا لأن الله حكمته في هذا. حكمته تجلت في ان يتجسّد الكلمة ويتأنسن ليكون لصيقا بالإنسان، ليفهم البشر ان الرب ردم كل هوة كانت بينه وبين بنيه. هل من سبيل أفصح من ان يلازمنا الله في دنيانا، في جسدنا، في اوجاعه، في موتنا، في قبرنا؟

المسيحي يعرف في كل ألم ان مسيحه شريك له ويعرف انه لا يُلقى وحده في التابوت وان شيئا فيه لا يقضي عليه تراب الأرض. انه يعرف انه ليس عبدا نهائيا لوطأة الدنيا. هو يقع في الخطيئة ولكنه ناهض الى البر لأنه يحمل في نفسه طاقة الحب. ويستطيع ان يغفر الى ما لا نهاية وان يذوق الفرح في أمراضه والكمال في عاهته ويختبر في القداس «كمال ملكوت السموات والدالة لدى الله لا لمحاكمة ولا لدينونة» لأنه قد انتقل بقيامة المخلّص من الموت الى الحياة.

هذا هو عيد الغد.


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم / الأحد 6 أيلول 2009 / العدد 36

بهذا الفصل يختم بولس رسالته الأولى الى أهل كورنثوس. يقول “اسهروا” اي تيقّظوا. واليقظة هي ان يثبت المؤمنون في الإيمان الذي لقّنهم إياه الرسول. يريد أن يكونوا متشددين بالإيمان كرجال . ثم ينتبه ان الإيمان لا يكتمل الا بالمحبة.

بعد هذا يذكر بيت استفاناس الذي كان ركنًا في كنيسة كورنثوس وكان بولس قد عمّده مع أهل بيته. ثم يطلب الى المؤمنين ان يسمعوا لهؤلاء وأن يتعبوا معهم، ولا شيء يدلّ أن أحدًا منهم كان كاهنًا. أنت تسمع للأتقياء.

بولس كتب هذه الرسالة في أفسس (آسيا الصغرى، تركيا الحالية). اليها جاءه ثلاثة من كورنثوس، استفاناس وفرتوناتوس وأخائكوس، وقال انهم أراحوا روحه وأرواح ذويه.

بعد هذا يقول: “تُسلّم عليكم كنائس آسية”. هذه كنائس أسّسها بولس انطلاقًا من أفسس حيث أقام أكثر من سنتين.

يؤكّد ايضًا “يُسلّم عليكم في الرب كثيرا أكيلا وبرسكلة” زوجته، وكانا معه، وكان لهما إسهام في تأسيس كنيسة كورنثوس. وتُسلّم على أهل هذه الرعية الكنيسة التي كانت تجتمع عند أكيلا وبرسكيلة. في بيت واحد في كل مدينة كانت تجتمع الكنيسة.

“سلّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدّسة”. القبلة المقدسة تعني غالبا تلك التي يتبادلها المؤمنون في القداس والتي لم يبقَ منها اليوم الا القبلة التي يتبادلها الكهنة في الهيكل. الكنيسة اللاتينيّة حافظت على السلام بين كل الإخوة عن طريق المصافحة بالأيدي. ثم يقول: “هذا السلام بخطّ يدي انا بولس”. نـحن نعرف ان الرسول كان يـُملي رسائـله على أمنـاء سرّ يـرافـقونـه في رحـلاتـه. هنـا أراد أن يـبـيّن محبّته لأهل كورنثوس، فأخذ القلم من أمين سره وكتب هذه الجملة.

ثم يقول: “إن كان أحد لا يحبّ ربنا يسوع المسيح فليكن مفروزًا” اي مقطوعا عن شركة الكنيسة. هنا لا يحرم الرسول انسانا بسبب خطيئة واضحة ولكنه يلاحظ أن من لم يكن عنده محبة للرب يسوع هو يقطع نفسه من الكنيسة ولو بقي في الظاهر منها. المحبة ليسوع كانت كل شيء عنده. اما الباقون في الشركة اي المحبّون للسيّد فيُعلن لهم نعمة يسوع النازلة عليهم بسبب من محبتهم. ويختم الرسالة بقوله: “محبتي مع جميعكم في المسيح يسوع”. المحبة التي يرسلها اليهم نزلت عليه لكونه قائما في المسيح يسوع. ويتقبّلها الذين هم في المسيح يسوع.

نـحن لسنا فـقط عـلى الأرض. إنـنا منـذ الآن في السماء ومع المخلّص. فالعلاقات بـيـن الـذيـن هـم ليـسوع بـالإيـمان ليست مجرّد عواطف بشريّة كعواطف القربى. أخوك وأبـوك وأمـك عنـده ينـتسبون مثلك للمسيح. هؤلاء الذين انضمّوا إليه بالإيمان والمعمودية أنسباء فيما بينهم لأن كُلاّ منهم قد انضمّ الى المسيح. هذه هي عائلة الآب.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الأب يواكيم مبارك بيننا / السبت 5 أيلول 2009

يضجع الآن الأب يواكيم مبارك في تراب لبنان مع آبائه. كنا نشتاقه ان يعود وهو أَحَبَّ ان يسكن حضن الأرض الأم. بهذا يحس المستبقَون ان هذا الذي اغترب لا يزال لصيقًا بهم حتى يبوّقَ البوق الأخير «فيقوم الأموات عادمي الفساد».

عشنا زمنا باريسيا واحدا أثناء تحصيل كل منّا اللاهوت ولم نلتق. ربما عاد السبب الى اني لم أقرأه هناك. كان لنا هنا اول لقاء لا يمكنكم تصديقه، وكان هذا في صيف الـ1955 أوالـ1956 اذ كنت أتمشّى في شارع عزمي في الفيحاء ووجدتني على يسار طريقي امام كاهن أسمر لباسه أوربي فقلت له: ألستَ انت يواكيم مبارك؟ قال ألست انت جورج خضر؟ ثم قال: انتظر هنا الأب جان دانيالو لأصطحبه الى كفرصغاب. اتريد ان تساهرنا؟ أحيينا الليل كله في مسامرة فكر.

كانت تجمعنا عصبية الشمال على لطفها. سألته مرة: كيف يجيء شاب مارونيّ من الجبل الى دراسة الإسلاميات. قال: بدأت رحلتي الى معرفة الإسلام منذ طفولتي اذ كان أبي يصطحبني الى محلات رفعت الحلاب لنأكل حلوى وهناك كنت أقرأ هذه الجملة: «كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله». وأبي كما تعلم كان خوري الضيعة. اجابني عن سؤالي: هذه آية من القرآن. فسألته ما القرآن، واخذ يشرح لي هذا حتى رأيت نفسي في رشدي غارقا في الإسلاميات. داعبته هكذا: الحلوى الطرابلسية اتت بك الى كل هذا العلم.

ومع اني دخلت انا الى هذا المجال، أحسست اني لم أبلغ إحاطته بهذه المعرفة او استلذاذه لهذه المادة. ذهلت مرة وانا في مجموعة من مسيحيين ومسلمين في جنيف بعد ان دعوناه إماما لصلاتنا وظننت انه سيتلو لنا فصلا من الإنجيل، ذهلت لكونه اخذ يقرأ علينا سورة الرحمان اذ لا يزال يطن في أذني: «فبأي آلاء ربكما تكذبان». لحظت ان الفريق المسلم ارتضى تلاوة قرآنية من كاهن مسيحي وذلك في لقاء مشترك. آنذاك كنت أتولى تدريس الإسلام في البلمند، فرأيت ان يتعهّد المادة من بعدي الأب يواكيم فتعهدها وأصدر فيها كتابه الصغير «الإسلام» مع مقدمة وضعها المغفور له الشيخ صبحي الصالح. آذاك اي في منتصف الستينات كانت بين دارسي الإسلام من مسيحيين ومسلمين مجاورة تصل الى حد التحابّ.

لم يمس عقيدته المسيحية بشيء، وهذا لم يثنه عن تعابير في التقوى من الكنيسة اللاتينيّة، كدت أعلم انها دخيلة على الكنيسة المارونية. غير انه في كهولته وضع «الخماسية المارونية» في خمسة اجزاء بالفرنسية في مناخ صداقات بيروتية ما كان بعض الأرثوذكسيين مقصيين عنها، وأظن ان الخماسية قوّت فيه النزعة الى التصوّف السرياني القديم الذي كانت روحه متجلببة به لما فارقنا.

كان يرتاح الى هذا الإنتاج الضخم . على هذه الصورة أتت الخماسية الإسلامية – المسيحية. تبدو ان الموسوعة عند مبارك أقرب الى ذوقه من الكتب الصغيرة. غير أن الرجل لم يكن ليفنى في العلم. القلب عنده كان الأهم. فمن وراء الإسلاميات مثلا كان يقصد العائلة الإبراهيميّة كما سمّاها ماسينيون اي لقاء اليهود والمسيحيين والمسلمين. ما كان يجذبه الى ابراهيم هو قول الله: «آمن ابراهيم بالله فحُسب له ايمانه برا». هذا صدى لما قاله يعقوب ابو الأسباط: «اني رأيت الله وجها لوجه ونجيَتْ نفسي». لا العلم اذًا بل الخلاص. ولاهوت هذه الجماعة او تلك مسعى خلاص كائنا ما كانت التسمية.

أظنّ ان الإسلام قاد مبارك الى ما كان يسمّيه arabité، ولعله هو الذي جعلها عُربة لا عروبة اذ لم أكن أعرفه عروبيّ الهوى. واللفظة arabité  نحتها ليوبولد سنغور. ولكوني مشيت مثله في هذا الخط الثقافي حاضرنا في أمسية واحدة في باريس عن العربة. كان عربي الاندفاع من حيث انه كان ضدّ الاستعمار وأراد للبنان تبنيا صادقا للعالم العربي. ما كان عنده حرج من اختلاط ما بين العروبة والإسلام. ولو شئت ان ابالغ قليلا لقلت انه كان يرتاح في الإسلام. هذا لم يمنعه من القيام بركيعات مسيحية نظامية. أظنّ انه كان يحب في خلوته ان تتمازج العربية والسريانية كما كان يريد الا يهمل الارثوذكسيون اليونانية. ما كان يريد ان تفنى اللغات القديمة عند المسيحيين في العربية. القديم كثيرا ما يحييك. أظنّ ان البطريرك بولس مسعد الماروني في الشقة التي سكنها في استانبول سمع من الطابق العلوي من يرتل بالسريانيّة فعلم بعد استقصاء انه كان احمد فارس الشدياق.

كان واضحا عندي ان الأب يواكيم لم ينغلق ابدًا في الأكاديميّة. اجل تحركات القلب يجب ان تنضبط، والذهن اذا جفّ يموت ويميت. كان يواكيم رائعا في التنقّل بين العقل والقلب. كان يحب الإطلالات على التراثات المختلفة على حبّه العظيم للكثلكة في وجهها الغربي.

على كل هذا العلم كان قريبا من البسطاء يخدم في تواضع كاهن قروي. هذا الذي كان من الموارنة الذين تعملقوا منذ انشاء الكلية المارونية في روما لم يسكره مجد العالم. القديس سمعان العمودي وسائر العموديين في كنيسة أنطاكية كانوا أحبّ اليه من اللاهوتيين مجموعين. هو وبعض علماء المارونية يقرأونها امتدادا لسمعان العمودي وللحركة الرهبانية الممتدة منه. هذه الرؤية تلتقي بحلم قنوبين عنده، فاشتدت وطأة الصومعة عليه ولكنه لم يستطع ان يعود حقا الى قنوبين حتى صلي عليه فيه. لاحقته بادية الشام الغنية بالأديار الى فرنسا. ما سكنت هذه البادية جسدك ايها الناسك العظيم حتى عاد جسدك الطاهر الى الرؤية التي تخترق التراب حتى الشمس. لقد شربت من نتاج الكرمة في ملكوت ابيك لما تواريت عن عيوننا، غير اننا اياك مبصرون في القلب وما استخلفت في الدراسات.

انت تأصّلت في قاديشا وعلوتها. جئت من لبنان وعانقت العالم. همّك فقراء الأرض وأن يتعزّوا في فراديس يُنزلها الله عليهم. أستشفعك يا يواكيم. بوركت تبريكا كبيرا الى يوم يبعثون.


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

حديث بولس عن القيامة / الأحد 30 آب 2009 / العدد 35

في هذه الرسالة يدور الحديث عن قيامة الرب. لماذا هذا الموضوع؟ هل ان بعضا من أهل كورنثوس كانوا يشكّون بحقيقة القيامة أم انهم رأوا ان القيامة تمّت بالمعمودية. هذا ما زعمه بعض كما ورد في 2 تيموثاوس 18:2؟ لا نعرف. قوله “أُعرّفكم بالانجيل” معناها أُذكّركم بالإنجيل. هنا لا يشير الى الأناجيل الأربعة التي لم تكن مكتوبة بعد. هو يعني بشارته هو.

يقول انهم قائمون او ثابتون في هذه البشارة التي هي تحمل لهم الخلاص.

بعد هذا يقول لهم: “قد سَلّمتُ اليكم ما تَسلّمتُه من المسيح”. يشير هنا الى انه استلم تعليمه مباشرة من السيّد. وقد سبق له ان قال الشيء عينه في حديثه عن سر الشكر (المناولة) لما قال: “فأنا من الرب تسلّمت ما سلّمتُه اليكم” (1كورنثوس 27:11).

“سَلّمتُ اليكم أولًا” تعني اولًا بالأهميّة. يذكر الرسول ان الرب قام في اليوم الثالث “على ما في الكتب”. لا يعني بذلك الأناجـيـل الأربـعـة اذ لم تــكن مكتوبة بعد، ولكنه يعني النبوءات القديمة الّا انه لا يذكرها بالحرف.

الظهور الأول الذي ذكره الرسول كان لصَفا اي لبطرس. نجد تأكيدا لهذا الظهور عند لوقا عندما تحدّث عن تلميذي عمواس عند عودتهما الى الرسل الأحد عشر ورفاقهم المجتمعين في اورشليم الذين كانوا يقولون: “قام الرب وظهر لسمعان” (وهو نفسه بطرس). هذا لا بد انه حدث في الجليل.

“ثم تراءى ليعقوب”. لماذا يعقوب؟ لأنه كان أوّل أسقف على أورشليم. ثم يقول: “وآخر الكل تراءى لي انا أصغر الرسل”. لا بد انه يتكلّم هنا عن ظهور الرب له على طريق دمشق الوارد في الإصحاح التاسع من اعمال الرسل. سمّى نفسه السقْط (بالعامية الطرح) لأنه ما كان يرى نفسه مستحقا نعمة المسيح. لماذا يقول انه ليس أهلا ان يُسمّى رسولا؟ يجيب لأني اضطهدتُ كنيسة الله. يقابل هذه الخطيئة بقوله: “لكني بنعمة الله انا ما أنا”. هو لا يرى نفسه شيئا. يرى انه ثمرة النعمة.

ومع كونه أحس بأنه لا شيء يقول: “تعبتُ أكثر من جميعهم”. لا شك انه كتب أكثر من الجميع وتجوّل في كل العالم المتحضّر آنذاك. الجلْد، الضرب، السجون، الرجم، الغرق، الأخطار المتعددة، الكدّ، التعب، السهر، الجوع، العطش، الصوم” ذاقها جميعا (2كورنثوس، الإصحاح 11).

لا ينسب صبره على كل ذلك الى قوته، ولكن الى نعمة الله التي معه. غير انه يختم هذا الفصل من رسالته بقوله: “هكذا نكرز (انا وبقيّة الرسل)، ونتيجة ذلك انكم آمنتم”.

إيمان المؤمنين يسبقه الاستماع الى البشارة، ثم ينزل الإيمان على المستمع بالنعمة. هذا يفرض علينا ان نقوّي ايمان المؤمنين بالوعظ اذ لا يجوز ان نتركهم على ما سمعوه في الطفولة، فالإيمان يتقوّى بالتعليم والوعظ، بقراءتنا الدائمة للكتاب المقدّس والكتب الروحية التي تصدر في كنيستنا. هذا هو سهر الإنسان على ذاته. وكلما امتلأنا من الفكر المستقيم، نعطيه الآخرين. الرعية كلها تنمو بالمعرفة المتجددة ابدا.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الصيام / السبت 29 آب 2009

يفرحني دائما إقبال رمضان لأن المسلمين يتطهّرون فيه وعظماؤهم في التقوى لهم فيه مقامات من عند ربهم وما من شك انهم الى عمق الصلاة أدنى ويطلبون في التلاوات قرباهم من الرحمان.

الحقبة هذه خلوة فضلى للتواصي بالحق والتواصي بالصبر واذا صبرت على جوعك وعطشك فأنت ايضا قابل للناس ولاسيما انهم يسيرون المسيرة التي تسير. ولعل بهاء هذا الالتزام ما جاء على لسان الله في الحديث: «الصوم لي وأنا أجزي به». هذا حج روحي ليس الى البيت بل الى رب البيت كما قالت السيدة رابعة العدوية. رياضة تبتغي وجه الله الذي لا يثبت سواه وتبطل أمامه رغباتنا الدنيا وفي هذا يقول الرسول: «ان الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: ايها الشاب التارك شهوته لأجلي، المبذل شبابه لي، انت عندي كبعض ملائكتي».

السالكون الواجبات والسنن ولوازم الإفطار يعرفون ان هذه ليست آخر المطاف. من الناس من هم أهل يقين ونضال روحي أعمق من الظاهر. المهم الغاية من هذا الذي يمكن اعتباره من الجهاد الأكبر. هو التخلق بخلق من أخلاق الله وهو الصمدية. ذلك لأن من اعتصم في طهارة قلبه غدا في أفق الملائكة ومن تشبه بهم يقرب من ربه فينعكس عليه نورصمديته.

فيما كان شوق المؤمن الى ذروة هذه الرياضة الروحية لا بد ان نلحظ حقيقة القول للإمام الغزالي: «الصوم ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص». اما صوم العموم فهو التقيد بالواجبات المعروفة وهي الكف عن شهوة الطعام والعلاقات الزوجية (في ساعات الإمساك). اما صوم الخصوص فهو كفّ الحواس جميعا عن الآثام وحفظ اللسان وكف السمع عن الإصغاء الى المكروه «لأن كل ما حُرم قوله حُرم الإصغاء اليه». ومن جميل قول الغزالي: «ان لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه فما من وعاء أبغض الى الله عز وجل من بطن مليء من حلال». وفهم هذه القاعدة عند الغزالي ان يأكل الصائم أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم. والسامي من أهل الخصوص هو الذي لا يدري بعد الإفطار أيقبل صومه ام يرد. القضية ليست آلية في الإسلام.

أما خصوص الخصوص فصومهم «صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية والكف عما سوى الله… ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر عما سوى الله عزّ وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا الا دنيا تراد للدين». هذا الكلام يرشدنا الى ان كلّ ركن من أركان الإسلام قائم بالنيّة والإخلاص. لذلك لا يجوز الإحباط اذا ظننا ان هذا او ذاك يكتفي بالظواهر. فالله وحده يدين القلوب. نحن ندعو لمن نحسبهم شكليين في رياضاتهم حتى يمنّ الله عليهم بعمق تقواه حتي يصير العامي في دينه من أهل الخصوص وربما من خصوص الخصوص. لعل صيامه يصير شبيها بصوم مريم المرتبط بالصمت والهدوء فهي القائلة: «اني نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم انسيا». وفي هذا تتجلى حقيقة القائل:

اذا ما المرء صام عن الدنيا فكل شهوره شهر الصيام.

الطريق كلها طريق الاسترحام حسب هذا الدعاء «الهي ربح الصائمون، ونحن عبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجد علينا بفضلك ومنتك، واغفر لنا أجمعين برحمتك، با أرحم الراحمين». اذا تحقق هذا في المرء يغدو نافذة على الحب الإلهي الشامل.

# #
#
كل الشعوب المؤمنة التي تحس بأن لها في الصوم التماسا لتجليات الحقيقة تمارس الصوم. البوذيون يتعاطون نسكا وتطهرا وقمعا للرغبات وهي عندهم تقود الى الموت. في الإنجيل هو توصية وليس أمرا إلهيا. في عدة مواضع في العهد الجديد يقترن الصوم بالصلاة لا ينقطع الصوم عن الصلاة وكأنه داعمها. يستمر هذا التراث في الكنيسة الأولى اذ نقرأ في اعمال الرسل ان الروح القدس كلّم كنيسة أنطاكية فيما كانت تقيم القداس الإلهي وتصوم ويطلب منها إرسال بولس وبرنابا ( أعمال 1:13-6).

في هذه الرحلة الأولى لم يكن من قانون يحدد الأطعمة التي يمتنعون عنها ولكن ابيفانيوس القبرصي في القرن الرابع يقول بالإمساك عن اللحم ومشتقاته ولكنه يقول بوجبة واحدة في اليوم ويتكرّس هذا في مجمع ترولو في اواخر القرن السابع. الإفطار كان عند المسيحيين الى زمن أدركته انا بعد أداء صلاة الغروب.

ولكون الصيام ترتيبا كنسيا اعتبره أباؤنا الزاميا. كانت الكنائس تختلف في شكل انضباطه. يبقى إمساكا اليوم في ساعات محددة وامتناعا عن اللحم والألبان في الكنيسة الأرثوذكسية. غير ان هذه لم تبقَ على شدتها الأولى فأباحت في القرون الوسطئ فاكهة البحر لعدم توفر الخضار والأعشاب في بعض المناطق. وتوسعت كنائس أخرى في مدة الإمساك وأنواع الأطعمة. الإنجيليون وحدهم عندهم صوم طوعي فردي غير مرتبط بحقبة زمنية.

تعددت الأصوام في كل كنيسة. الأرثوذكسيون عندهم أربعة أصوام بالإضافة الى يومَي الأربعاء والجمعة وفي بعض الأعياد. غير ان الواضح ليس فقط في شكل الإمساك ولكنه أولا في تكثيف الصلوات في ما يسمى الصوم الأربعيني المهيء للفصح.

يبقى هذا الصوم أهم الأصوام بمعانيه وجهاداته لأنه مرتبط بالاستعداد لما نسميه الأسبوع العظيم او اسبوع الآلام الذي ينتهي بعيد القيامة التي هي «عيد الأعياد وموسم المواسم». ومن حيث المعنى كل تعييد هام مشتق منها.

من حيث الرؤية يتركّز الصوم عند اليهود على التوبة وهي طلب الله وعند المسيحيين والمسلمين هو التماس وجه الله وهذا يتضمّن التوبة. بهذا يتميّز صوم الموحدين هؤلاء عن صوم البوذيين الذين ليس عندهم ايمان بالله ولا شك عندي ان الإله الواحد الأحد يتقبّل صوم البوذيين كما يتقبّل صوم «ملّة ابراهيم«.

واذا قرأنا الصوم في هذا العصر نراه احتجاجا على الإفراط بالطعام المتفشي في عصر الاستهلاك هذا. انه تأكيد لقول المسيح: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» (متى 4: 4).

الإنسان يحيا بكلمة الله اولا والباقي يُعطاه زيادة.


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

ختم رسالتي/ الاحد 23 آب 2009/ العدد 34

في هـذا المقطع من الرسالة الأولى الى أهل كورنـثـوس يـقول بـولس لمسيحيـي كورنـثوس في اليـونـان “ان ختم رسالتي هو أنـتم في الرب”. الكلام الإلـهي الذي جاء بـه الرسول يـجعل المسيحيين خـتما في الرب اي مخصَصين ليسوع، وهذا هو ردّه على الذين يفحصونه.

هنا يـتكلّم عن حـقوقه. سمّى منـها اثـني: أن يكون مصحوبـا بـزوجـة اولا، وثـانـيا ان تـسنده الكنائس ماليا. وبـعد ان تـحدث في الإصحاح السابـع عن الرغبـة في عـدم الزواج تـرك الحق في الـزواج. امـا الحق في ان تـساعده الكنـائـس مـاليـا فرآه صليـبا لا يـقدر ان يتحمّله.

يؤكّد حقوقه كرسول ولكن لا يستفيد من هذه الحقوق. كفاه ان يحرث كرم الرب على الرجاء وان يكون شريكا في الرجاء. يؤكّد من جديد: “قد زرعنا لكم الروحيّات أفيكون عظيمًا أن نحصد منكم الجسديّات” اي المعونة المالية، ولكنه لا يريد هذه المعونة. ثم يعرض قـضيـة السلطـان على الرعـية ويـقول ان له هذا السلطان.

“لكـنّا لـم نـستـعمـلْ هذا السلطان بل نحتمل كلّ شيء لئلّا نسبّب تعويقا ما لبشارة المسيح”.

يحيا فقيرا طوال حياته، لا يريد من الرعيّة سوى ان تكون خاضعة للراعي العظيم ربنا يسوع المسيح. انسان مجرّد من كل شيء ويكفيه رضاء الله عنه.

هو نموذج للكاهن الفقير الذي على فقره لا يشترط شيئا على من يرعاهم. يحبّهم فقط، واذا احسّوا يكرمونه. غير ان بولس لا يسعى الى أي إكرام ولا الى أي سلطان. سلطانه من حبه فقط ومن تعليمه، واذا تعرّض للجوع، وقد تعرّض، لا يهمّه الأمر.

فقر الكاهن القابل بفقره لا يعفي الشعب ان يساعده. ليس الشعب مبررا ببخله او بتقاعسه عن مساعدة راعيه. هو حرّ ان يكون منزهًا عن كل شهوة من المال، ولكن ليس الشعب مبررا ألا يساهم بمعيشة راعيه أكان الدخل ناتجا من العطاء الفردي او من مال الكنيسة. الكثيرون يعفون أنفسهم من العطاء اذ يعتقدون ان في الوقف مالا وقد لا يكون فيه الا القليل. منّا من يذهب الى الكنيسة قليلا ويصرّ على وكلاء الوقف أن يتحمّلوا نفقات الراعي، ولعلّهم لا يعلمون ان الوقف ضعيف في هذه الرعيّة او تلك.

بـصرف النظر عن الأوقاف، انت مسؤول ماديا عن الذي خصّص حياته لك وتعب من اجلك وترك مهنة كان يعيش منها لأجلك محتـسبا ان الكنيسة أمّه وانه يغتذي منها هو وعائلته. واحيانا كثيرة تخزن الكنيسة ما يرد اليها ولا تنظر الى الكاهن ظنا ان هذا الرجل يـحيا مما يجمع في القداس وقد يجمع قليلا. لا تدعوا الكاهن يـلتصق بالأغنياء كي يتحننوا عليه. اعطوا مما عندكم اذ لا يجوز ان يتـألّم الكاهن وعائلته من عوزه. لا يجوز ان ينصرف خيـال الكاهن الى المال، فهاجس المال يؤذيه اي يؤذي حياته الروحيّة وقد يـؤذي استقامته. وتتهمونه انه محب للمال. لا تضطرّوه الى هذا لئلا يسقط في التجربة.

ما قلت أن اجعلوه غنيّا. قلت ألا تجعلوه متـسولا. أكـرمـوه تـُكرمـوا أنـفسكـم. تـرتـفعون اذا ارتفع وتسقطون اذا سقط. أعطوا تُحرروا أنفسكم من سيطرة المال عليكم. تكونون هكذا قد أقرضتم الله.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الله وأهل السياسة / السبت 22 آب 2009

لما سأل القضاة سقراط قبل أن يحكموا عليه بالموت: «ما دليلك على انك مع الحقيقة» أجابهم: لأني فقير. لذلك شدّد تلميذه أفلاطون على أن الحكام يؤخذون من الفلاسفة وبتعريفه عن الفلسفة يقول انها معرفة الحق والخير والجمال. ولما تحدّث المفكّر الليبي العظيم ابراهيم الكوني عن فهم السياسة في حضارة الشمس التي ورثها الطوارق في الصحراء الكبرى قال: «فأبناء الشمس (اهل رغ) هم الذين يحكمون، ولكنهم برغم ذلك لا يملكون، ليقينهم بأن الامتلاك نجاسة لا تليق بأصحاب سلطان ينتمون بسلالتهم الى الإله الذي يملك كل شيء لأنهم لن يستطيعوا ان يعصموا أنفسهم من الدنس الدنيوي القرين بأي ملكية» (انظر كتابه: بيان في لغة اللاهوت، الجزء الأول ص 100 و101).


ربما كان حكام الدنيا احيانا اغنياء وليس لي ان أرفضهم بالكلية. ربما كان بعضهم تقيا. ولكي لا اثقل على احد لاسيّما اني لا اعرف الحكام ولا أعاشرهم اقول انهم لا يقدرون ان يعدلوا في الرعية اذا ابتغوا المال هدفًا او وسيلة وما استعملوه مختلطا بالحكم اذ الحكم من العقل فقط ومن القلب النقي وليس فيه تجارة.

التجارة بحدّ نفسها شريفة قائمة على اني أبيعك سلعة لتعطيني مالا. ليس عن هذه انا متكلّم فقد لا يكون فيها غشّ او خداع او كذب فأتقاضى منك ما هو معروف عند الأخلاقيين بالربح المشروع اي ما يتناسب وثمن البضاعة. اعرف ان ليس من تعريف قانوني للربح المشروع. هناك حسب الأسواق كم من المال ليؤمّن معيشة التاجر بشيء من البحبوحة ولكن ليس بالغنى الفاحش اذ الشاري يكون، اذ ذاك، مغبونا. والمفروض في التبادل الاقتصادي الا يكون طرف من طرفين مظلوما.

اما السياسة فليست من عالم الاقتناء ولا من عالم اليسر. هي فقط خدمة اي من عالم الحب. وعندما تقول انها تعاش في عالم المؤسسات من حيث هي إدارة فالمراد بهذا انها ليست علاقة الفرد بالفرد ولكن من العلاقة الموضوعية القائمة بين المواطن والدولة. والدولة جسم او هيكليّة او آلة في خدمة المواطن. وهي لا تعظم نفسها ولكنها تنعش ابناء الوطن اذا كانت داخلية وفي وجهها الخارجي انها علاقة نديّة بين دولة ودولة وهنا ينتفي الظلم. السياسة اذًا دنيا روابط في اختلاط الأحياء في ما بينهم. تأتي من كيان الحاكم وكيان المحكوم اي انها في الصميم وجدانية تقوم على التساوي في الكرامة والإكرام بين من تسلّمها وبين الذي تُسلّم نفسها له اي ليس فيها من هو فوق ومن هو تحت فينتفي فيها عنصر الدونية اي عنصر المستغِل والمستغَل والاستغلال يكون بالمال او بالاستبداد.

# #
# وما من استبداد بلا مال وروحية الاستبداد غالبا ما كانت قرينة بالابتزاز تغذي نفسها به وفي ذلك استكبار اكيد من جهة وذلّ اكيد من الجهة الأخرى. وهذا ما يعزّز الفوقيّة من جهة والدونية من جهة مقابلة. وهذا ممكن في الديموقراطية الظاهرية. الديموقراطية ممكن اقترانها بعدم الحرية وتشكيل طغمة تقوم على الكسب وطغمة تقوم على الحرمان وهذا فيه مرارة للمحروم وبذرة لتمرده وتشكيل جماعة ناقمة تتغذى بالحسد وبطاقة كبيرة على الفتنة. من يكون، عند ذاك، زارع الفتنة؟

في الديموقراطية الزائفة من يكون مسؤولاً عن الثورات وعن الدم الذي يرافقها عادة؟ من هو صانع الثورات الحقيقي، الظالم أَم المظلوم؟ كل بحث عن تقديم البلد خارج العدل بحث باطل. متى تفسد السياسة؟ تفسد في الشرخ القائم بين اهل الحكم ومن يسودون.

لست أنكر الطهر في الجماعة الحاكمة في هذا او ذاك. منهم قديسون ما في ذلك ريب والسياسة احتراف ممكن في عالم النقاوة. ولكنها احيانا يكون فيها لعنة. ويل لمن يلعنهم المواطن الفقير لأن هذا الله يستمع الى شكواه ويرى شقاءه وبكاء بنيه. إشعياء النبي يقرن الظلم بالمعصية والاغتصاب، ويرى بطرس في رسالته الأولى ان المظلوم متألّم كما يشهد حزقيال ان الإنسان يظلم بكثرة آثامه.

أليس من الظلم الا يستطيع اولادك ان يقتاتوا او ان يتعلّموا او ان يستشفوا؟ أليس هذا من مسؤولية الدولة؟ أهو من العدالة ألا يشرب الناس بما فيه الكفاية او ألّا تُضاء منازلهم.

ان أتى الناس بك نائبًا او جيء بك وزيرا أفليس لتصير خادما للشعب اي ان تنسى ما يعود عليك بالنفع او بالنفوذ. اما سمعتم ما قاله المسيح: «ما جئت لأخدَم (بفتح الدال) بل لأخدُم (بضم الدال) وأبذل نفسي فداءً عن كثيرين»؟

انا أفهم ان يشتهي احدنا النيابة او الوزارة ولكن غاية هذا المشتهى عطاء نفسه لأهل بلده وقد يبقى بعد بلوغه المنصب على عسر او شبه عسر لأنه، سياسيا، راهب ولا يملك احدا ويكتفي براتبه. كل ما زاد عن الراتب سرقة. عليك اذًا باليقظة حتى لا تموت روحك.

انا أرجو القادرين الموهوبين ان يدخلوا عالم السياسة ليقوم البلد بهم، لنصير جسما واحدا في الوطن الواحد. كم أحلم بأن يصبح النواب ساجدين لله فيما هم يشترعون. اذ ذاك يصبحون أهل دين وساسة من أجل الآخرة. اذ ذاك تسد الهوّة بين الدنيا والآخرة.

مرة سألت كبيرا في إدارة احدى الجامعات في بيروت وكان صديقا لي: ما الإدارة؟ ظننت انه سيقول انها مكاتب وملفات ومحاسبة وما الى ذلك. ذهلت لما أجابني: الإدارة محبة. السياسة نوع من الإدارة او فيها إدارة. هل يكون مستغربا ان نقول ان السياسة محبة؟ القوانين الوضعيّة وحدها لا تجمع الناس. هي تقمع الأشرار وتهذب الأخيار او تدعمهم وتدفع الجميع الى بعض رجاء. ولكن العمل السياسي هو قبل كل شيء ان يحب الحاكم شركاءه في الوطن وكما غسل المسيح ارجل تلاميذه ان يؤمن السياسي بأنه غاسل أرجل. بهذا وحده يعظم.
معنى ذلك ان السياسة لا تقوم فقط على الأحزاب ولو كانت هذه ضروريّة ولا تقوم على علم السياسة او احترافها ولكنها اولا ذوبان في الآخرين. هذا لا يبطل الجانب التقني فيها ولكن ليست كلها تقنيات وليست فقط تآزرا او تخاصما بين الكتل. وان خاصمت فغايتك الوحدة. الأنظومات الشمسيّة والنباتات والحيوانات كلها تقوم معا على وحدة الكون لأن الكون منسق وبلا حكمة فيه يزول.

ونتنافس او نتسابق في دنيا السياسة لنصير الى اتحاد، ذلك الذي يجعلنا في البلد جماعة عظيمة مترابطة في الداخل وطامحة الى تعزيز الحضارة في العالم.
كل الوطن وكل تاريخه ومسعاه مسيرة الى السماء بوسائل الأرض وما فيها من فضائل وقوة فكر وبهاء قلوب. ليس الجهد السياسي منتهى. انه تطهير النفس للجالسين في المقامات ولكل أهلنا في سيرهم الى الخير والوئام والعطاء في كل مجالات الإنتاج. هذا يتطلّب ذوقا روحيا مرهفًا. من لم يكن ذواقة للقيم العليا لا يحق له ان يتنطح للإسهام في بناء الأمة. والأمة العظيمة ثمرة عملنا الواحد في المجال الوطني حتى تصير الناس جميعا الى الفرح.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

آلام بولس / الأحد 16 آب 2009 / العدد 33

يفتتح الرسول هذه الرسالة بقولـه ان الرسـل مجعولون للموت وقد باتوا مشهد عـذاب لأهـل العـالم والسماء. اعتبـرهم النـاس جهّالا وقبلـوا هذا من أجـل المسيـح. وهذا حصة المسيحيـيـن جميعا. بولس اذ يتـوجـّه الى أهـل كورنثـوس يقـول بسخـريـة للمسيـحييـن انهـم ظنّـوا أنفسهـم حكمـاء وأقـويـاء وهـذا لا يكـتمـل قبـل القيامة.

ثم يعـود بـولـس الى ذكـر الآلام: “نحن نجـوع ونعطش ونعـرى ونُلطـم ولا قـرار لنـا”، ثـم يتـابـع متكـلما عـن تعـب الرسـل واحتمالهم الاضطهادات وتعييـر الناس إياهم بأنهم أقـذار العالم وأوساخ يستخبثها الجميـع. ويؤكـّد أنه يكتب هـذا لهـم لأنهـم أولاده الأحبـاء. يعتـرف ان لهـم مرشـدين كثيـريـن في المسيـح (بطـرس وأبلـوس، وكان قد ذكرهما في مطلع رسالتـه الأولى الى أهـل كـورنثـوس)، الا انه يـؤكّد ان ليس لهم آبـاء كثيرون “لأني انا ولدتُكم في المسيـح يسوع بالإنجيل”، هذا الإنجيل الذي بشّرهـم به وهو يقصـد بالدرجـة الأولى تعليمه عن صلب المسيح وقيـامتـه اللذين ابرزهما في مطـلع الرسالة ايضا.

ولكــونهم اهتـدوا بالإنجيـل، تجـاسـر ان يقـول لهـم: “فأطـلـب اليكـم ان تكـونـوا مقتـديـن بـي” وهـو يـعـرف انـه قـدوة اذ قـال فـي مـوضع آخـر “تشبّهـوا بـي كما أتـشـبـّه انـا بالـمسيـح”. انـت تسـتـطيـع ان تـدعـو النـاس اذا دعـاك اللـه ونحتـك كـي تكـون علـى مثـالـه.

هذا درس لنـا جـميـعـا. تعـليـمـك عـن المـسيـح وشهـادتـك لـه غـيـر ممكـنـيـن مـا لـم تـكـن مثـالا للجميـع فـي الصـدق والتـواضـع والـوداعـة والعفـاف. ومـن كـان كـذلـك فـقـط يـأتي بـه الأسقـف ليكـون أبـا لـلرعيـة. الأب هـو مـن لـه اولاد مـن ذاتـه. الأب الـروحـي مـن كـان لـه وجـود روحـي امام الله ويعـمل مـن وجـوده هـذا وجـودات اخـرى. الكـاهـن لـن يتـمكـن مـن رعـايـة الشعـب بـمجـرد نـدائـه لـه ان يكـون شعـبـًا صـالحـًا. امـا اذا كـان الـرئـيس صـالحـًا فـيـشـعّ مـنـه الصــلاح وهـو صـامـت. أنـت مِـن تعـامُـلـه مـع الشعــب تعـرفـه أيقـونــة للسـيـد وتـنـجـذب لـيس اليــه ولـكـن الـى سيـده.

اما اذا سقط الكاهن او الأسقف او الشمـاس فيجـدّف النـاس علـى الـلـه ويتـركـون الكنـيسـة او يهـمـلـون صـلاتـهـم.

عنـدمـا قــال السـيـد لتـلاميـذه: “تكـونـون لـي شهـودًا” مـا عـنـى فـقـط الشـهـادة بالكـلام. هـذه أســاسيــة ولا يـمكــن إهـمـالهـا إذ قــال السيـد: “تَـلـمِــذوا جـمـيـع الأمــم وعلّمـوهم ان يحــفــظـوا جـمـيـع ما أوصيـتـُكـم بـه”. هنـاك تعـلـيـم مـولــج الكـاهـن بـه، وإن لـم يعـلّم فكيـف يعرفـون؟ غيـر ان التعـليم لا يصـل الـى الأذن فـقـط ولكـن الى القـلب اي ينـبثّ من القـلـب الى القــلـب ويُحـدث فيـه تغيـيرا.

الإيمـان يأتـي مـن روح الكـاهـن وعقـلـه معـًا. هكـذا تـنـمـو الجمـاعـة.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

سرّ مريم / السبت 15 آب 2009

اليوم تعيّد الكنيستان الشرقيّة والغربيّة لرقاد مريم. الرقاد مصطلح مسيحي يدلّ على الموت. هذا العيد أيّا كان السبب التاريخي الذي أنشأه لا نفهمه الا صدى لموت المسيح وانبعاثه اذ أرادت الكنيسة ان ننظر الى المدى المريميّ على انه حضور للمسيح في شخص أمّه.

في الكنيسة الكاثوليكيّة فرق بين صعود المسيحascension  وإصعاد مريمassomption . المصطلح المريميّ هذا لا يعني اذًا حركة قائمة على انتقالها من ذاتها ولكن على حركة نقل الله اياها الى السماء بالنفس والجسد دون ذكر لموتها كما في العقيدة الكاثوليكيّة (منذ السنة 1950) أَم اتخاذ الله اياها الى المجد من بعد موت كما في الموقف الأرثوذكسي الطقوسي دون دخول في تحديد عقدي. غير ان خلاصة الموقف الأرثوذكسي ان مريم قائمة في المجد هذا الذي أدركه الشهداء. هي وهم في حالة استباقية للقيامة من حيث انهم -منذ الآن- تجاوزوا المحاكمة والدينونة.

على رغم أهمية العذراء ليس من عقيدة حولها في الكنيسة الواحدة غير إطلاق لقب «والدة الإله» عليها. استعملت هذه العبارة في مجمع أفسس المنعقد السنة الـ 431 دحضا لموقف نسطوريوس الذي قال انها أُمّ المسيح بسبب من انه نسَب اليه اعتقاده بفصل الألوهية عن البشريّة في المسيح. بهذه الصيغة شاءت الكنيسة ان تقول فقط ان الصبي الذي كان في أحشاء البتول هو إله وانسان معا ولا يعني إطلاقا انها والدة الألوهية فيه. العقيدة لا تتعلق في الواقع بشخص مريم. انها كلام عن شخصية المسيح فقط. ليس عندنا كلام عقائدي عن مريم. كل ما جاء عنها هو ما ورد في سرد البشارة والميلاد وزيارتها لأليصابات في روايتَي متى ولوقا. والبهاء العظيم في قولنا عنها هو تَقرّبنا منها في الإكرام والتعظيم في لغة شعرية، حميميّة، حارّة تسمو كل القوالب العقليّة التي يستعملها محترفو اللاهوت.

عند متى لم يكن من اتصال بينها وبين يوسف قبل إيلادها يسوع. متى أراد الكلام عن المولد البتوليّ ولم يقل شيئا عن علاقة بينهما بعد الميلاد. هذا ما يعنيه الأصل اليوناني بقوله «انه لم يعرفها حتى وَلدت ابنها» لفظة ابنها البكر غير واردة في الأصل. أضيفت بخطأ في النسخ، لعلها استعارة لعبارة «البكر من بين الأموات» التي جاء بها الكتاب عن المسيح في سياق الحديث عن كونه منقذ البشر من الموت. اما عبارة «إخوة يسوع» الواردة في الكتاب فتسمح اللغة العبرية باعتبارهم أنسباء له. كانت هذه تسمية جارية في المجتمع اليهودي آنذاك وعبارة «الدائمة البتوليّة» معروفة في الأوساط المسيحيّة في افريقيا منذ القرن الثاني فكانت من التراث قبل ورودها في المجمع المسكوني الخامس.

# #
#
رائع الحديث عنها في كنائس الشرق. ولكني غير مطّلع بالقدر الكافي على التراثات السريانيّة والأرمنيّة والإثيوبيّة لأقارن بينها وبين العبادات البيزنطيّة. في هذه العبادة لا تخلو صلاة عن ذكرها واستشفاعها الى درجة تجعلني أقول ان عدد الصلوات المتحدّثة عنها قد لا تقلّ عن الربع او الخمس من مجموع رتبنا الطقوسيّة. واذا أردت الاختزال أشير الى خدمة مدائحها في الكنيسة البيزنطيّة المكتوبة شعرا يونانيا والمستمدّ عمقها من العهد الجديد. هذه الكثافة كثافة حب لا تُضعف إطلاقا مركزية المسيح. من هنا ليس من مجال لتأليه مريم. هذه بدعة لم تقع كنيسة واحدة فيها طوال الأزمنة الغابرة. والكنيسة الرسميّة ليست مسؤولة عن استغراق الشعب الأمّي دينيا في غلوّ الإعلاء لمقامها.

يبقى مقامها الحقيقي اذا تجاهلتَه تكون مقاوما للكلمة. في التسبحة التي نطقت بها عند زيارتها لأليصابات قالت: «ها منذ الآن تُطوّبني جميع الأجيال» (لوقا 1: 48). هي ما ألغت التركيز على المسيح ولكن ضمّت نفسها اليه. في توازن روحيّ وفهم لاهوتيّ صحيح انت قادر أن ترى المخلّص وتراها الى جانبه. في تطويبك اياها لا شيء يضطرّك الى تقوى منحرفة. في هذا السياق أدركت الكنيسة انك تخاطب العذراء، والكنائس الحافظة لتراث الأقدمين تحسّ ان هذا يدفع الى التحدّث اليها لكونها حية في صلاة.

كلامها الى نسيبتها أُمّ يوحنا المعمدان مؤَسّس على لقائها بجبرائيل عند البشارة. قال لها الملاك: «لا تخافي يا مريم لأنك وَجدتِ نعمة عند الله». تفهم هذا بالاستناد الى اليونانيّة: انك محظيّة عند الله.

اخيرا يقول لها: «الروح القدس يحلّ عليك ونعمة الله تُظلّلك». اللفظة الأخيرة من المظلّة في العهد القديم التي يسكنها المجد الإلهي. انتِ غدوت الهيكل الحقيقي للحضرة الإلهيّة بعد زوال هيكل سليمان. ولما أكّد لها الملاك انها في عذريّتها ستلد القدوس أجابته بنَعم اذ قالت: «هوذا انا أَمة الرب، ليكن لي حسب قولك».

هذه أطاعت فيما لم يكن واضحا لديها كيف تتم فيها المعجزة. كان جوابها صورة لكل سلوك بشريّ يتضمّن طاعة لله غير شرطية بفهم او بغير فهم. من كان هكذا مريميّ النفس يلد المسيح في العالم من جديد على ما قاله مكسيموس المعترف. والطاعة الكاملة انسحاق كامل اذ تقيم الله امام عينيك ولا تعتبر نفسك شيئا. مريم قائدة في مملكة المتواضعين.

بعد البشارة والميلاد ذكرها الكتاب قليلا. بانت في عرس قانا الجليل خادمة للفرح وواثقة بأن يسوع سيحوّل الماء خمرًا. اما المشهد الأخير فهو وجودها عند الصليب مع التلميذ الذي كان يسوع يحبه واقفا. اذ ذاك قال لأمه: «يا امرأة هوذا ابنك، ثم قال للتلميذ: هوذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ الى خاصته».

نحن لا نعرف على وجه التدقيق مَن كان هذا التلميذ. التقليد الكنسي يقول انه يوحنا الإنجيلي، ولكن هذا لا يهمّنا إن أردنا ان نسبر غور النص في الانجيل الرابع. عندنا التلميذ الذي اصطفاه المعلّم من المصفّ الرسولي وهو منعوت فقط بأنه حبيب. لنا ان نفهم من الأسلوب الرمزي الذي يستعمله الإنجيل الرابع ان هذا التلميذ نموذج لكل تلميذ حبيب من ذلك الزمن الى منتهى الدهر. هذا مريم أُمّه ويأخذها الى خاصته اي الى بيت قلبه. ما معنى هذه الأمومة؟ واضح المعنى اننا اذا أحببنا يسوع نصبح محضوني مريم. هذه معايشة روحيّة لا أعرف كل مداها ولكني -قارئا للنص- أفهم انها حقيقيّة وان أقلّ ما فيها ان بيني وبين مريم حديثًا.

ما يؤيّد تفسيري انها كانت في عليّة العنصرة على ما ورد في سفر الأعمال (1: 14) اي انها كانت في الكنيسة التي كانت كلها مجتمعة في العليّة. اذا أكملت التلاوة تقرأ ان الروح القدس حلّ عليها اذ «امتلأ الجميع من الروح القدس» (اعمال 2: 4). واذا عمّقت فهمي أدرك تاليا ان مريم قائمة حيث الكنيسة قائمة وانها في الكنيسة حاملة للروح القدس. أهي مغامرة في التفسير إن قلت انك كلما تقبّلت الروح القدس تكون العذراء الى جانبك وتصبح روحا بتوليا؟ هذا سرّها وسرّ الروح.


Continue reading