Author

Aziz Matta

2011, مقالات, نشرة رعيتي

مَثَل الزارع / الأحد 16 تشرين الأول 2011 / العدد 42

في كل زَرْع زارع وزَرْع مثل القمح وأرض مزروعة أو نحاول أن تكون مزروعة. هذه أشياء قالها يسوع في مَثَل هو ألّفه. يسوع من الناحية الأدبية في الأناجيل الإزائية اي الثلاثة الأولى واضع أمثال.

في هذا المثل يتكلم اولاً على أنواع الأرض. نوعٌ من الحَب في أرض أولى وقع فيها الحب على الطريق وليس على الأرض فأكلته طيور السماء، وعلى أرض ثانية وقع على الصخر فلم ينبت اذ اختنق بالشوك، وعلى أرض ثالثة نبت وأَعطت الحبةُ مئة ضعف وهذا نادر جدا. فلما سأله التلاميذ عن معنى المثل أَوضح انه للتلاميذ فهم ولغير تلاميذه ليس من فهم. فبخلاف ما يعتقد البعض ليس المثل لتسهيل الفهم. يجب ان يكون قلبك منفتحا لتفهم.

أَدخل يسوعُ تلاميذه في الفهم وقال: الزرع هو كلمة الله، والزارع طبعا هو الله، والله وكلمته واحد. عاد الى الأرض الأولى وأوضح أن الذي وقع على الطريق هُم الذين يأتي إبليس وينتزع الكلمة من قلوبهم. هؤلاء لم يسمعوا شيئا او لم يريدوا أن يسمعوا. هي حال الكثيرين منا. هناك فئة أُخرى تسمع الكلمة الى حين وليس عندها استمرار في الطاعة. ليس لها أصل. وهنا يُصرّ يسوع أن الكلمة الإلهية تضعها انت على الكلمات الإلهية السابقة. انت تُنمي معرفتك للكلمة اذ تُسلم قلبك الى الله. عندك استمرار في تقبّل الكلمة وإلا تقع عند أول تجربة. ليس عندك قوة لصدّ التجارب.

النفس التي تشبه تلك الأرض التي كان فيها شوك هي التي تختنق «بهموم هذه الحياة وغناها وملذّاتها». جزء من هذا الكلام ردّدته الكنيسة في نشيد الشاروبيكون في القداس الإلهي: «لنطرح عنا كل اهتمام دنيويّ»، أي لا تكن الدنيا شاغلتنا او ضاغطة علينا. هذا لا يعني أننا لا نتعاطى في الدنيا عملا، ولكن يبقى قلبنا عند الله. لا تكون الدنيا تحصرنا فيها.

هموم الحياة يوضحها لوقا الإنجيلي بشيئين: الغنى والملذّات. الغنى الذي نستبقيه في جيوبنا او المصارف ولا نشارك الفقراء فيه يستبدّ بنا حتى يصير ربّا. عند ذاك انت تسمع لهمساته او وسوساته ولا يبقى لك وقت او قوة لتسمع لكلمة الله. الغنى يُسيّرك ولا تُسيّرك الكلمة.

أنت عبدٌ لما تسمع له: عبدٌ للمال اذا شئت او عبدٌ لله اذا شئت، عبدٌ للخطيئة او عبدٌ للبرّ. هذا يعني أنك تختزن البرّ في نفسك وتثمر بالبرّ لأنه يزيدك إذا اقتنيته. وهذا يتطلب صبرًا طويلا دائما. والصبر أن تستقبل الله فيك على الدوام ليطرد الرب كل ما يجرّبك اذا جاء المجرّب. أن تحب الله عاملا فيك هذا هو الصبر المسيحيّ. انت لتستمرّ كذلك يعني أنك تتقبّل النعمة اذا نزلت عليك وتُعطيها فورا. هذا يعني ألاّ تؤجّل عمل الخير الى الغد إذ قد لا يكون لك غد. وهذا يعني أن تحب كلمة الله وتؤمن أنها هي التي تُجدّدك وتطرد عنك كل رغبة في الخطيئة.

افهمْ أنك لستَ الزارع وأنك فقط متقبّل الزرع الإلهيّ حتى لا تستكبر. أَطع ربك ولا يبقَ فيك إلا أثره فتصبح إنسانا إلهيا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأقباط / السبت 15 تشرين الأول 2011

«وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين» (المائدة 42). هذه كلمة مرسلة الى القائمين على الحكم في مصر الذين نزل عليهم حلم الحرية، وهي تتضمن السلامة والعدل والسلامة بين الناس. ومن أسس العدل الا يُستصغَر (بفتح الغين) احد في اية كتلة من القوم. انا لست سائلا اهل الحكم عما فعلوا الأسبوع الماضي او ما فعل بعض من أقباط. نحن نسعى الى ما كان اهم من حدث واحد ولو مؤلما جدا. نحن ساعون الى ديمومة علاقات مجموعات يشير الى وحدة الشعب المصري قبل ان يضطر هذا اوذاك من الأمة ان يأسف ويعزي بعد فوات الأوان. الرؤية الا يحل وقت نعاين فيه مذبحة اخرى صغيرة كانت ام كبيرة.

طبيعي ان نناشد المسلمين في مصر ونحن أكيدون ان معظمهم أمة مسالمة غير ان للفاضلين ان يربوا الأمة كلها ولا يترك للرعاع شأن الوطن كله. لماذا يتوالى حرق الكنائس. لست أعلم نية الحكام الحاليين في شأن استئذان المسيحيين السلطة في شأن بنائها وترميمها تصل الى استئذان إقامة مرحض في المبنى الملحق بالكنائس. هذه جزء من تشريع عثماني لم يعدل مع الاستقلال. ولكن لماذا لم يطبق هذا في بلاد الشام مرة واحدة وأشاد المسيحيون الكم الذي ارادوه من البيع. اين هذه القسوة من العهود العمرية؟

اذا كانت السلامة جزءا من الحرية فالسلامة تتطلب من العرب الى اي دين انتموا ان يصلّوا. ألم تفهم مصر ان الأقباط اوجدهم ربهم ليبقوا كما اوجد المسلمين ليبقوا الا اذا اعتقدت مصر انه لخيرها وتقدمها العمراني ان التخلص من الأقباط نافع لهذا البلد العظيم. بالله قولوا لي كيف القضاء على الأقباط نافع للجماعات الدينية الأخرى في البلد؟

مذبحة وراء مذبحة تجيز لنا ان نعتقد ان ثمة خطة لإراقة الدماء لا أستطيع ان افهمها الا لمصلحة الاشرار وهي بالتأكيد لمنفعة اسرائيل. وقد بينت في مقالات اخرى ان عند اليهود عداء للمسيحيين خاصة. ولكن بين المسلمين حكماء كبار قادرون على الدعوة الى التعايش مع المسيحيين وهؤلاء يسمعهم الشعب الذي تدفعه قلوبه الطيبة ان يراعي حرية الأقباط في عبادة مأذونة في التشريع وفي التعبير عن الفكر اللاهوتي شعبيا او اكاديميا في عقل مصري عال قائم على العطاء للأمة وعلى تلقي ما عند الأقباط من فكر.

#   #

#

عندما كنت أتردد الى مصر كان عدد الأقباط الذي كانت دوائر الدولة تقر به لا يتجاوز النصف او الثلث من العدد الحقيقي الذي تعرفه الكنيسة بسبب من واجب الإحصاء في الرعايا. وكأن الحكم نفسه في هذه السنوات الخوالي ضالع في استصغار الأقباط. هل للحكم الذي يسعى ان يقوم اليوم مدني حقا لكي لا يخفي الحقيقة؟ هذا الاستصغار مريب ومصر تقول منذ جمال عبد الناصر ان قوميتها عربية وتاليا ان الأقباط عرب والعربي اخو العربي في السراء والضراء. الزاوية العربية مقاربة شرعية لوحدة مصر. واذا اصر المصريون شعوريا على الوطنية المصرية فلا احد ينازع الأقباط على هويتهم.

انا أناشد المسلمين في العالم ان يكون المسيحيون العرب هاجسهم. في الاسلام المسيحيون في ذمة المسلمين اي في رعايتهم. نحن من انصار حكم مدني لا يكون احد فيه في رعاية الآخر. مع ذلك يطلب الاسلام الى اتباعه ان تكون لهم غيرة على اهل الكتاب وان يسندوهم في حكم معتقدهم. وهذا قد يتطلب تعاونا اسلاميا عالميا ليحافظ المسلمون على المسيحيين في ديارهم. ورجائي يتركز ليس على الدول الاسلامية وحسب بمقدار ما يرتكز على تقوى الشعوب الاسلامية.

قد تكون الغاية الأولى من الحوار المسيحي-الاسلامي في الظروف التي نمر بها الحفاظ الكامل على الجماعات المسيحية العائشة في دار الإسلام. والاتكال هنا علي المثقفين المسلمين المتدينين في كل مكان. وهذا التحرك من شأنه ان يحس المسيحيون انهم في أمان. لنا ان نرجو الى المسلمين ان يتمسكوا بديانتهم من هذا القبيل فلا نشك بهم ولا يشكون بنا. ولهم في معتقداتهم ما يجعلهم قرباءنا وان يجعلنا من قربائهم فنشعر ويشعرون اننا معا من ملة ابراهيم. لا نريد لهم الا الخير وتقدمهم في كل ما يعود من خيرات هذه الأرض.

ونحن نقول لهم صادقين ما ورثناه من الإنجيل اي المحبة وهم يقدمون لنا الرحمة التي في كتابهم وتلتقي قلوبنا بما فيها من نقاوة وإخلاص. وليس احد منا صاغرا عند الآخر.

#   #

#

نحن ننتظر ان يضبط الحكم في مصر وغير مصر الاوضاع لأن للحكم قدرة على القسط او بلغة اليوم على المساواة وعلى الحرية في المساكنة الوطنية.

سيء هو الإنسان الذي يبيت للآخر الأذى وصالح ذلك الذي يريد له النمو والازدهار ويتقبله تقبل الأخ لأخيه.

المسلمون والمسيحيون رزقهم الله احترام الحياة، الحياة للكل. «ولئن بسطت يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك اني أخاف الله، رب العالمين» (المائدة، 28). هذا اشتهيه ميثاقا الهيا بيننا، ميثاقا يلغي القتل الجماعي بصورة قطعية اذكروا ان الدين يقوم على الشهادة اي إرادة ان يبقى الآخر على حريته. «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة، 256). هذه قاعدة مطلقة لا تنسخها آية أخرى في ما يتعلق بأهل الكتاب. من هنا ان المسالمة اساس اسلامي لمعايشة المسيحيين. هذا مبدأ يحلو لي ان يقوى في دار الإسلام ويحلو لي ان يفهم اهل الغرب اننا في هذا الشرق نريد ان يحب بعضنا بعضا وهذه قاعدة في المسيحية تشمل في الحب كل انسان بصرف النظر عن دينه، من حيث ان البشر جميعا هم اخوة في رؤية الرب لهم.

الأحب عند الله ان تكون المجزرة قد انتهت في مصر لأن مصر ليست بلد الفتنة اذا ترك الشعب لضميره. في المشرق الذي يضم سوريا ولبنان ليس من سابقة قريبة لذاكرتنا فيها تقاتل لا سيما ان كل جماعة دينية تعتبر الأخرى أصيلة فلا العثمانيون او المماليك اتوا بالمسلمين ولا الفرنجة اتوا بالنصارى. نحن معا هنا من اقدم العصور وذهب كل منا مذهبه وعلى قدر التصور البشري سنبقى معا في هذا المشرق العربي ملتصقين بالرحمة الالهية وبالثقة بيننا الى ان يرث الله الأرض ومن عليها واذا قدرنا نحن ابناء سوريا ولبنان وفلسطين التاريخية ان نلازم بعضنا بعضا فلا شك ان هذا يصبح نموذجا للمسلمين والمسيحيين في كل الأرض ولا سيما في ديار العرب سوف نحمل مصر وشعبها في أدعيتنا وسوف يكون عيشنا الواحد في أرض العرب دعوة الينا جميعا لنبقى واحدا في رعاية الله.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله الحي / الأحد 9 تشرين الأول 2011 / العدد 41

في فكر يسوع أن هيكل اورشليم سيُهدم، وفي فكر بولس أنه لم يبقَ له معنى لأن الله لا يسكن هياكل مصنوعة بالأيدي. فاستعاض الله عن الهيكل بأنه سيسكن هو في الناس. «إني سأَسكُن فيهم وأَسيرُ فيما بينهم وأَكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا».

عندما يقول «سأَسكُن فيهم»، يعني أنه يجعلهم كنيسة له، أُمّة مقدّسة كما سيسكن في قلب المؤمن بالروح القدس. وأما قوله «وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبا» بصيعة المضارع اي الفعل الدائم فيدلّ على أن محبة الله لشعبه باقية الى الأبد وتَظهر أُلوهة الرب بالتفاته الدائم الى شعبه، وهذا يتكوّن شعبًا له لمعرفته أنه محبوب. ليس من شعب بالمعنى الاجتماعي. يصير شعبًا لله لكونه يُقابل محبة الله له بطاعته للرب. الله يحبّ، والشعب يطيع كلامه. شعب الله يُكوّنه الله ولا يكوّن هو نفسه.

واختصاص هذا الشعب بهذه المحبوبية يدفعه الى قبول كلمة الرب: «اخرُجوا من بينهم واعتزلوا». هذا انفصال معنويّ بالإيمان عن الوثنية وليس انفصالا اجتماعيا إذ لا بدّ أن يبقى المجتمع المَدنيّ والسياسيّ قائمًا، ولكن هناك من كان لله بالإيمان وهناك من ليس له هذا الإيمان.

ويوضح الله وجهًا من وجوه أُلوهيته أنه يكون لنا أبًا ونصبح نحن له بنين وبنات. هذه هي عائلة الآب كما يسمّيها بولس. هذه هي الولادة الجديدة او الولادة من فوق كما وصفها السيد في الإنجيل الرابع. وإذا كنّا عائلة الآب فمطلوب منّا أن نستمر في هذه العائلة، ولذلك يأمرنا الرسول أن نُطهّر أنفسنا من «كل أدناس الجسد والروح». هناك خطايا تُرتَكب في الجسد، وهناك خطايا تُرتكب بالنفس فقط كالكبرياء والبغض وكل أنواع الحقد.

عندما نسعى الى الابتعاد عن كل خطيئة «نُكمل القداسة بمخافة الله» اذ القداسة هي التشبّه بالله المنزّه عن كل خطأ وكل خطيئة. وفي هذا قال الرب: «كونوا قدّيسين كما أني أنا قدوس». وهذا يقتضي أن نخاف الله. العهد الجديد تربويا بقي على فكرة خوف الله، على خوف العقاب. ليس من مزاح مع الله، ليس من غنج ولو كانت لنا دالّة عليه. خوف الله ليس رعبا في حضرته ولكنه جدّيةٌ في تلبية أوامر الرب. ليس من تسوية ممكنة او معقولة بينك وبين الخطيئة. عليك أن تعرف أنها موت، وأن حياتك مع الرب تقتضي أن تُطيع كل كلامه وأن تعيش معه بثقة كاملة واتكال عليه واسترحامه.

نستمرّ في العهد الجديد أن نخشى العقاب وفي آن معًا أن نرجو المكافأة بسكن الروح القدس فينا وأن نذوق الملكوت فينا منذ الآن وأن نرجوَه في اليوم الأخير.

نحن نصير معا شعب الله بالمشاركة الكنسيّة وتجلّي الله في الكنيسة وفي الفرد معا. المهم أن نحسّ أننا له بنين وبنات لأننا عرفناه أبًا حاضنًا إيّانا، قادرين أن نقول له: «أبانا الذي في السماء» لأننا ذقنا بالنعمة أنه يُجدّدنا كل يوم بنعمته.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأمومة / السبت 8 تشرين الأول 2011

الوالدية أبوة وأمومة وفي لقائهما سر لا يكتنه ولكني أحاول استيضاحه لأفهم نفسي وأمي. كيف يكون الإنسان كله نفسا وبدنا منذ لحظة اللقاء بين رجل وامرأة والنمو، عقليا وجسديا، مشروط بهذا اللقاء. وهل التواد الضعيف او القوي بين الرجل والمرأة صلة بنوعية الولد ام نحن بيولوجية بحتة او عقل محض او يضاف اليهما نعمة من عند ربك لأنك في ظاهرة الخلق الموصول دائما بالحب؟ غريبة العربية المحكية التي تقول عن المولود ان هذا خُلق في اليوم الفلاني مع ان الله لم يخلق الا آدم وحواء.

ما من شك اننا تصورنا تصويرا لا غوص عليه ممكنا. بدءا لماذا جسد كل من الزوجين مهندس للآخر من حيث ان العلاقة تسير نحو الانجاب اي نحو الوحدة بين الجنسين واستمرارهما. هل ان كل هذه الهندسة التشريحية وضعت فينا ابتغاء التكاثر؟ ولماذا ملء الأرض بالأطفال والواضح ان الموت مسجل فينا منذ اللحظة الأولى من تكويننا. هل الحياة هي السر ام الموت؟ نحن في إعجاب امام الحياة وفي رهبة امام الموت لأنه هو الصدمة ومع ذلك تستمر الخليقة.

في عجائبية هذه المسيرة للأمومة مكانة مميزة منذ حصولها وحتى انتهائها بالموت في كل جوانب وجودها. يمكن اختصارها بأنها مدى باقٍ كالأرض في حين ان مساهمة الذكر تبدو مقتصرة على الزرع الذي يبدو دون مشاركة المرأة ديمومة حتى لو كان الوالد عظيم الشعور. وكأن الحياة هي في المرأة التي تحفظها مع ان الرجل ساهم في نشوئها.

بعد ثانية التكوين يبيت الجنين مع أمه كيانا واحدا او ما يبدو واحدا من جهة الهواء والغذاء ونمو الأعضاء حتى التأثر بالموسيقى التي تسمعها الوالدة الى ان يقطع حبل السرة وتبقى الرضاعة. ولكن بعد الفطام لا تستقل الوالدة.

هنا تحضرني قصة زيارتي لمريض في رعيتي منذ خمسين سنة ونيف يدعى ابراهيم. بعد وصولي بقليل تدخل علينا أمه وتناقش فيما اذا كان اخذ الدواء. قلت لها: يا ام ابراهيم هل نسيت ان ابراهيم عمره 64 سنة؟ فهمت عند ذاك، ان الرجل كان لا يزال في عينها وليدا يربى. هذا ينقح ما ظننته طويلا ان النساء يبكين عند الموت بسبب من قوة انفعالهن وفهمت بعد ذلك أنهن يقبلن بالطبيعة الموت لكونه عدوا للحياة التي ظهرت بهن. منذ أيام قليلة كنت أقيم جنازة فتى دون العشرين من العمر. كانت امه متلا شية حين كان أبوه يتابع الصلاة حاضرا متينا، واضح كان إيمانه لما حدثته قبل الدفن. اجل كان -حسب عباراته- عميق الرؤية الدينية ولكنه على مستوى الطبيعة كان متماسكا. السر في ذلك عندي كان ما أسميه استمرارية الأمومة.

#   #   #

اما الأبوة ولو كانت حليفة الأمومة في طبيعة الإحساس الا انها تنمو في العمق لسببين اولهما شعور الوالد بأنه أصل في تكوين ولده وثانيهما رقة يمكن ان تكون كبيرة لكونه يحمل الولد على ساعديه. الحنان الطبيعي اذا توفر يساعد ولكن رقة الوالد تعظم بالضم. هي اساسا عمل خارجي في حين ان احتضان الأم وضع بيولوجي يترك اثارا سيكولوجية كبيرة ومديدة في الزمن.

الوالد لا يعوض للأولاد كثيرا عن زوجه اذا ماتت اولا لأنه يعمل خارج البيت فلا يبقى له وقت يعطي فيه ما كانت الأم تعطيه لو عاشت. اما الأرملة فقد يمدها الله بشيء يشبه الرجولة فتحمل العائلة. ذلك ان كل كائن بشري فيه بعض رجولة وبعض أنوثة وظروف المعيشة تقوي هذا العنصر او ذاك. يشتد اللين او الصبر او المجاهدة حسب الوضع المعيشي الذي يكون فيه الفريق المترمل.

فمن المؤكد ان الأمومة والأبوة تلتقيان في العائلة بحيث تعظم كل واحدة في منحاها اذا ترسخت الأبوة في نحوها والأمومة في نحوها وكانت كل منهما رافدا للآخر. الطفل لا يبقى سليما اذا انقطعت العلاقة بين الرجل والمرأة فانفصلا وكان الولد يتأرجح في المسكن بين الواحد والآخر. اذاك، ليس عندنا رافدان ملتقيان. الكمال في ان يكون الأب حاملا امومة ما والأم حاملة رجولة ما بحيث يكونان جسدا واحدا اي كيانا موحدا.

#   #   #

في حسباني ان الأمومة تربية منذ حمل الجنين، تربية كتبها الله في جسد المرأة بالصبر، تحمل الأوجاع ثم العناية الفائقة بعد الوضع والقيام بالتربية سنين طوالا والرعاية ما دام الوليد حيا حتى أقصى كهولته فضائل يمنحها الله في مجانيته العظمى ويرفقها الرب بحنان تفاوت كثافته بين امرأة وامرأة حتى شاع ان الأم حنون فأكّد بولس ان المرأة تخلص بولادة الأولاد اذا هم ثبتوا على الايمان والعفاف والمحبة. الاولاد يأخذون ولا يأخذون منها. هي المعطاء واولادها لا يبادلونها المحبة بالمقدار الذي يستلمون ذلك ان الحب ينزل (الى البنين والبنات) ولا يصعد الا بمقدار. لذا كثيرا ما ترى الأهل في حالة اجحاف تصل احيانا الى الحزن الكبير.

الولد يخرج الى العالم ولا بد له ان يصدم ذويه ليؤكد استقلاله عن الرحم. ازاء التمرد على الوالد يحاول ابوه ان يثبت سلطانه. ويعزز هذا التنافس على الوالدة بين الولد الذكر وأبيه. لذلك كان الولد (نفسيا) قاتل أبيه: العاطفة مبذولة ويبقى صراع ما مع الأم او مع الأب. لذلك نزلت الوصية: «اكرم اباك وأمك». لو كانت هذه في سياق الطبيعة او لو هانت لما جاءت.

ما أنكرت ان هذا الإكرام ينساق انسياقا احيانا ولكن هذا يحتاج الى جهد حتى يأتي الأولاد لذويهم ردا على حب هؤلاء.

من هنا، ان الأمومة الصالحة واجب ولئن كانت الغريزة تسندها كما تسندها النعمة المسكوبة من السماء على المرأة المنجبة.

#   #   #

تصل الأمومة أحيانا الى حد القداسة ولا سيما اذا كان الولد يصحرها اي لا يستجيب لها بقدر محدود من العاطفة. واذا قابل عطاءها الأخذ تصير جنة. غير ان بعض الأمهات ينكرن انفسن ويبذلن حياتهن مجانا اتماما لمشيئة الله. يبذلن الزوجية مجانا في أحايين كثيرة. في هذه الحال، تصبح الأمومة اعجوبة او ترهبا.

إكليل هذا الكلام ما قاله يسوع عن مريم لما كان معلقا على الخشبة وكانت واقفة عندها مع التلميذ الذي كان يحبه والتواتر يقول عنه انه يوحنا الانجيلي ولكن المؤكّد في النص انه التلميذ الذي كان يسوع يحبه ويحق لنا ان نقوم بقراءة نقدية ونفهم انه نموذج لكل من احبه السيد. «فلما رأى يسوع ان التلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لأمه يا امرأة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ هوذا امك».

من هذا الكلام لنا ان نفهم ان كل انسان فيه مسيحية ما يصبح ابنا لمريم. هي حاملة الأمومة لكل بشر. ربما توقعا لأمومتها في الإنسانية النبوية وامتدادها في الإنسانية التي الله أحبها لنا ان نرى في الطاقة وعد حنان ورفق في كل أم.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة / الأحد 2 تشرين الأول 2011/ العدد 40

من العظة على الجبل، وهي قاعدة الأخلاق المسيحية، في هذا المقطع يبدأ بالقول: «كما تريدون أن يفعل الناس بكم كذلك افعلوا انتم ايضًا بهم». الآخر كل شيء لك. يحتاج ان يكون حبيبك. أهو في حاجة الى طعام؟ فاعطه منه. هل هو في حاجة الى تعزية، الى اقتراب منك؟ فمُدَّه بكل ذلك لأنه ينوجد بك.

ليست المسيحية مبادلة عواطف. أحبب بلا انتظار ردّ المحبوب عاطفة مثيلة بعاطفتك. «مجانًا أخذتم (من الرب) مجانًا اعطوا» لإخوتكم البشر. لا تفرّق في العطاء بين من يحبّك ومن لا يحبّك. أمر الله المؤمنين جميعًا بأن يحبوك كما الله يحبّك. يصل الى ذروة المعنى بقوله: «أحبّوا أعداءكم». اذا عاداك أحد الناس لا تردّ اليه العداء. هو أخطأ أولا الى الله ثم الى نفسه وأنت لا تنتظر منه عاطفة ليس له قدرة ان يعطيها إيّاك. هو المهم في عينيك ولا أهمية لكونه جرحك او هدمك. انت همّك تقدمه الروحي. وأنت تعرف انه سقط في مرض الخطيئة وما يطلبه الله اليك ان ترفعه من هذا السقوط. مصلحته الروحية همّك وليس أن تبقى فوق التعدي. كفاك أنت ان تكون حبيب الله.

عِدَاؤه عيّنك طبيبًا له كما ان هذا الجريح على الطريق من أورشليم الى أريحا عيّن الله له طبيبًا وهو السامري الشفوق الذي من غير جنس اليهود ومن غير دينهم وهو في تراثنا صورة المسيح الذي يُعنى بأهل الكنيسة والخارجين عن الكنيسة على السواء. ينبغي ألا يمس قلبك اي حقد او بغض وأن تقيم في قلبك كل من تجدهم في مسيرة حياتك إذ هكذا يسكن الله في قلبك. فإذا لم يسكن فيه يكون قلبك فارغًا لأن الرب هو الحضرة. سعيك ان يصبح قلبك مثل قلب المسيح الذي غفر لقاتليه. مَن أبغضك لا يعرف انه يؤذي نفسه. إذا أحببته قد يحس بأنه يؤذيها.

وينهي متّى هذا المقطع من عظة الجبل بقول يسوع: «فكونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم». القاعدة هي ان تتمثلوا بالله. هو نموذج سلوككم. هو أب للشاكرين والأشرار ونعمته واحدة لهؤلاء وأولئك وان كانت له أساليب تربوية مختلفة فالله في شدّته ولطفه واحد كما ان كل والد في الدنيا محبّ لولده اللطيف وولده الشرس بالمحبة نفسها ولو اختلف الأسلوب.

الرحمة هي السِعة. في هذا الكلام يأمر السيد ان نعطي من لا يريد عطاءنا، أن نعطي بالسخاء نفسه حسب الحاجة التي نعرفها عند الآخر. ولكن أية كانت الحاجة فأنت حاضن كما ان المرأة تحضن أولادها جميعًا بلا تفريق. ولكن فتش عمن يحتاجون الى رحمتك في أيام ضيقهم ولكل نفس ضيق مختلف. فتّش من الحاجات المختلفة ولبّها. الآن، الآن وليس غدًا لبِّ فيفهم المحتاج انك رسول الله اليه وبك يصير عارفًا لله.

الرحمة وجه من وجوه المحبّة عندما يكون الآخر في وضع خاص. تفهم هذا الوضع. ادخل هذا الوضع وارحم الآخر من داخل نفسك وداخل نفسه فيصبح المعطي والمُعطَى اليه واحدًا في الرب لأنك لا ترحم الا اذا كنتَ مع الرب الذي هو مصدر الرحمة. اذهب ووزّع نفسك على الآخرين حتى لا يبقى فيك الا الحب.

جاورجيوس

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الحب الواحد / السبت أول تشرين الأول 2011

سوريا واحدة ونحن نريدها واحدة. تشرذمها خطر على المنطقة كلها وأولا على لبنان. لقد أنشأ الانتداب الفرنسي ثلاث دول فيها حتى استعادت وحدتها سريعًا لإحساس شعبها بوحدته.

هذه الوحدة يمكن توطيدها بالسلام الذي يفترض ان يبقى الدم في أوردة السوريين وشرايينهم «نجني من الدماء يا الله» (المزمور الـ50).

لا قوة للشرق العربي ولا أمل له بالصمود امام العدو بدون سوريا قوية، متلاحمة أطيافها، حرة من تاريخ تشنجاتها، غير وارثة سوى أمجادها. ان الحكم المدني حلمها فيما صار مؤخرًا حلم العرب. نرجو أن يبقى هذا الحلم في النفوس ورفضًا للتراث المتجمد وتمييزًا بين اللاهوت والناسوت او بين حكم الله لما نسمّيه خلاص النفوس وحكم البشر الذين لهم ان يستلهموا ربهم في إدارة شؤون الأرض. فالأولى لا تصير آخرة ولكنها تتوق اليها وتنتقل وفعلها في الحضن البشري.

في كل العروبة هذا هو الموضوع لأن العروبة تتضمن سوالا رئيسًا حول شرعية قيام الانسان في ناسوتيته وهذا ما يبرر التعددية وحمل عبء التعدد في وحدانية الوطن. التعددية ليست بعثرة والاصطفاف الواحد بلا ألوان سياسية مختلفة يقتل الأفراد اي يقتل الحرية. وعليك ان تختار بين الحرية المتفرقة الأفكار بالضرورة والحزب الواحد. لله وحده الحق بأن يعتقد انه كل الحقيقة.

أرجو ان يصل العرب الى الاعتقاد ان اختلافهم غنى لهم وان يعتقدوا بخاصة ان الله لم يفوض احدًا بإدارة الدنيا. هذا ما يعنيه الحكم المدني. انه تجمع الناس في بلد من البلدان يجعلون عقولهم معا وانا ما قلت ان عقولهم معزولة عن الله كل كتلة لها ان تظن انه يوحي لها ما يشاء ولكنها لا تستطيع ان تفرض على بقية الناس ما هي تحسبه أساس الحياة المجتمعية. لا يعني لي شيئا ان تقول دولة انها تدين بهذا الدين او ذاك. الدولة هيكلية قانونية اي انها ذات تركيب تجريدي. اما الوطن فأشخاص يتلاقون ويتفاعلون وبينهم وجداناتهم اي أعماقهم الإنسانية ومن هذه الأعماق تطلع مسيرة الدولة. أنت في الوطن أخي وأقيم معك الدولة في مواجهة أفكارنا وقناعاتنا وفي مقابلتها نصل معا الى حكم يوافقك ويوافقني ولا بد ان نختلف ولكن ميثاقنا ألا أبسط يدي لأقتلك ولا تبسط يدك لتقتلني. الدولة هي قبل كل شيء مكان السلام.

#   #   #

ليس أحد يعلم الى أين الربيع العربي صائر. لا بد ان فيه بذارا ديموقراطية ولكنه قد لا يخلو من أصولية. قد لا تكون هذه على الشدة نفسها في كل البلدان ولكن يجب ان نفهم ان ديكتاتورية جماعة قد تكون اسوأ من ديكتاتورية فرد. أمام هذه الضبابية التساؤلات حول الحرية تطرح نفسها بسبب من اختلاف الفلسفات السياسية.

غير ان هاجسي ليس التطور الممكن لكل ربيع عربي لأن العروبة السياسية ذات ألوان او نكهات مختلفة. ما يحدث في مصر لم يكن له مثيل على أيام ملوكها وقد كنت في شبابي متتبعًا لحكم الملك فؤاد والملك فاروق وأتت ببطرس غالي باشا القبطي رئيسًا للحكومة وثورة مصر على الانكليز قام بها مسلمون وأقباط على السواء اي ان قربى المسيحيين من الأجانب ما كان معروفًا. لماذا تغير الموقف بعد ثورة يونيو لست أعلم على التدقيق لأقول في الأمر شيئًا. الانبا شنوده بابا وبطريرك الاسكندرية كان يرفض رفضا قطعيا ان يحلم اي قبطي بذاتية قبطية على الصعيد السياسي. هل يكون احد أسباب التوتر ان الأقباط في الجامعات والمهن الحرة كالطب والصيدلة كانوا متفوقين بصورة منقطعة النظير. ربما التقدم العلمي لا يخدم احدا. الى هذا كلنا يذكر ان الانبا شنوده منع ابناءه ان يزوروا اسرائيل بعد إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين. واللاهوت القبطي ككل اللاهوت الأرثوذكسي متشدد تجاه اليهودية واليهود. وممنوع على أحد ان يجادل المسلمين فيما لو أصدر احدهم كتابًا او مقالا ضد المسيحية. وما من شك ان الأجهزة الأمنية المصرية على شيء من التراخي إزاء أحداث طائفية. المشكلة تحتاج الى حل جذري لأننا نريد جميعا ان تبقى مصر العزيزة بلدا عربيا مميزا. ما من واحد من جيلي حركته الثقافة العربية الا اذا جاء عقليا من مصر. ومن يعرف العظمة الروحية عند أقباط مصر وتقواهم وهدوءهم يحزن لاغترابهم.

#   #   #

ما يهمنا بنوع خاص هو المثلث سوريا-فلسطين-لبنان- حيث تتقارب الطبائع والتقاليد بين المسيحيين والمسلمين. لست أعرف لماذا لنا هذه الخصوصية في دنيا العرب. ولكن الواضح في ذاكرتنا الجماعية ان الحكم العربي منذ البدء راعى المسيحيين. فقط حكم المماليك كان قاسيا ربما ايضًا على أطياف غير مسيحية. بقيت عقلية القربى سائدة بيننا في العصر العثماني قبل كفاحنا والتتريك في اوائل القرن العشرين. بكل اطمئنان يمكنني القول ان السلاسة في علاقات الطوائف كانت حاكمة ولن تتغير طبائعنا بسهولة او سرعة. لذلك لست أرى سببا لمخاوف بعض المسيحيين. ما جرى في العراق الواقع في حرب طويلة لا يمكن اتخاذه نموذج خطر على المسيحيين فالكل هناك قتل الكل. ونحن تختلف ذهنيتنا عن الذهنية العراقية.

هل ينقص المسيحيين شجاعة ورجاء. لنا ان نمد أيدينا الى أيدي المسلمين كما كنا نفعل دائما. أفهم ان يقال ان ثمة حركات جديدة، متصلبة.

ولكننا على كل الصعوبات نحن نحيا بالمسيح القائل انه معنا حتى منتهى الدهر. الخوف اكبر قوة تقتلعنا من مكاننا. هو دائما قتال لمن يسميهم الناس أقليات لأن العدد عندهم هو كل شيء. الى هذا شعوري ان المسلمين المعتدلين الذين يحبوننا ويريدوننا أهم وأقوى من المتشددين. وكل منا يعرف بينهم الصديق المحب.

آن للمسلمين ان يفهموا ان التهمة القديمة القائلة بأننا كنا نتعاون مع الأجنبي لم تبق الآن صحيحة. ألستم تذكرون ان شارل ديغول الشديد في إيمانه الكاثوليكي هو القائل ما مفاده ان فرنسا تتعامل مع الطوائف اللبنانية على السواء؟ يبقى الأميركيون الذين يدركون ان الدولة ليس لها صاحب الى الأبد. وهم لم يظهروا يوما انهم أصدقاء المسيحيين. ماذا نستطيع نحن ان نعطيهم ولهم مداخلهم ومخارجهم مع بلدان عربية ليس فيها مسيحي واحد. ونفط المسلمين جذاب.

في السنة الـ 636 كان العرب يحاصرون دمشق. فهم واليها منصور بن سرجون جد القديس يوحنا الدمشقي انه يجب ان يفتح أبواب المدينة لئلا يدخل العرب عنوة وقد يتعرض المسيحيون الى خطر. ولكن لما احتل العرب دوائر الدولة وجدوا ان المسيحيين ماسكون بكل الدواوين. استبقى المسلمون المسيحيين في الدوائر لكونهم اصحاب المعرفة. معنى ذلك ان المسيحيين فهموا ان العرب دخلوا بلاد الشام ليظلوا فيها حكاما وفهم المسيحيون انه لا بد من التعاون.

الشيء الآخر الذي لا بد من قوله ان اهل السنة هم 85% من مسلمي العالم وان كل فكرة حلف الأقليات باطلة وغير نافعة. هذا لا يعني اننا نترك صداقتنا مع الشيعة. انهم اولا رافضون كل صدام مع السنة ولهم جميعا ومتحدين قيل: «كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالعروف وتنهون عن المنكر». نحن مغتبطون جدا لنهضة الشيعة كما نحب شعراءهم القدامى والمعاصرين. وفي الإلهيات نحب انفتاحهم وقد ظهر عظيم من عظمائهم الامام موسى الصدر انه يحبنا في صدق كامل ورددنا محبتهم في صدقنا. غير انه لا بد ان نفهم اننا عايشنا السنة في المدن معايشة صدق ايضا فيها كبر عندهم واظن اننا كنا على كياسة تجاههم ومحبة ربطت افرادا وعائلات الى هذا اليوم. نحن لسنا فئويين في معاشرتنا المسلمين وهم امة واحدة. قلبنا مفتوح لهم جميعا اذ ليس في قلوبنا ان كنا للمسيح سوى المحبة.

غير اننا، مسيحيين ومسلمين، في حاجة الى التوبة والتطهر الدائم لنعانق الآخر. ووحدتنا الوطنية عناق حتى لا يمسها الرياء.

هذا وطن العطاء القائم على الرجاء وديمومة التنقية. المسلمون فيهم «جرح عيسى» اي جرح الحب كما سمّاه ابن عربي ولا يريدون ان يشفوا منه لأن له الولاية. ونحن معهم في هذا الحب. هكذا يُبنى الوطن.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

نُور المسيح / الأحد 25 أيلول 2011 / العدد 39

«نور المسيح مضيء للجميع»، هذه العبارة التي نقولها في القداس السابق تقديسه تملأ بدايات هذا المقطع الذي يستهلّ فيه بولس كلامه، وهو بلا ريب يشير الى نور السيد الذي ظهر له في طريقه الى دمشق ليُلقي القبض على المسيحيين. الذي صار له أن يشرق من الظلمة التي كان فيها الرسول نور ينيرنا على وجه يسوع المسيح. بعد التجسد الإلهي صرنا نرى نور الله على وجه يسوع الذي هو الطريق الوحيد اليه.

ومع أن الرسول يرى جلال مجد الله، بقي يرى الضعف البشري، فقال «لنا هذا الكنز في آنية خزفية ليكون فضلُ القوة لله لا منا». «كل موهبة كاملة منحدرة من أبي الأنوار». هذه الخزفيّة التي نحن عليها تجعلنا «متضايقين في كل شيء» ولكن بسبب من النعمة نحن غير منحصرين. النعمة تُحرّرنا من خزفيّتنا، من معطوبيّتنا. كذلك نحن متحيّرون نتماوج بين ما هو لله وما هو لغير الله، ولكنا «غير يائسين»، «مضطهَدين ولكن غير مخذولين». الاضطهاد هو الوضع الذي قال عنه يسوع انه ينتظرنا. لماذا الاضطهاد؟ لأن أهل الظلمة لا يقبلون النور، لأن الأشرار يوبّخهم الأخيار طبيعيّا دون أن يتكلّموا. «حاملين في الجسد كل حينٍ إماتةَ الرب يسوع». آلامه ترتسم في أجسادنا بالاضطهاد وفي نفوسنا. واذا احتملنا الموت تظهر حياة يسوع فينا. هذا الذي حصل للسيد، أي الموت والقيامة، يرتسم في وجودنا نحن. فإن تعذّبنا يأتينا السلام. وإن متنا موت الخطيئة نتوب.

ثم يؤكّد فكرته هذه مرة أُخرى «نُسلّم الى الموت من أجل يسوع لتظهر حياةُ يسوع أيضا في أجسادنا». دائما عند بولس ثنائية الموت من أجل المسيح والحياة في المسيح. هذا هو الإيمان. هنا يذكر بولس ما جاء في المزامير: «آمنتُ لذلك تكلّمتّ». الشهادة بالكلمة، البشارة ثمرة الإيمان. واذا شهدنا وتكلّمنا يكون يسوع قد زرع حياته فينا لأنها هي التي تتكلّم. وفي الأخير سيُقيمنا الآب كما أقام مسيحه من بين الأموات. ونحن نقوم من أجلكم. هذه هي شركة القديسين. نقوم معا لنحيا معا في ملكوت الله. انتظارا لهذا تتكاثر النعمة التي تهيّء قيامتنا. وتتكاثر النعمة بشكر الأكثرين. وقمّة الشكر هي في القداس الإلهي الذي تزداد فيه النعمة لمحبة الله.

بولس متّجه دائمًا الى الله بنور المسيح وبقوّة النعمة. هذا كثيرًا ما كلّفنا اضطهادا ومضايقات يوميّة وأتعابًا كثيرة. لا قيامة بلا صليب. ولكن لك أن تقبل الصليب برضاءٍ مُشاركا آلام السيد فتنال محبة الله وتُوزّعها على الإخوة بالمحبة وترفع عنهم الضيق بتوجيههم الى الصبر واحتمال المشقّات.

في وسط المصاعب ترى نورَ المسيح على وجوههم. نحن الذن نؤمن بيسوع قاماتٌ من نور. إنْ كنّا فعلا له فليس فينا إلا النور. يسقط التراب عنّا. تتلاشى الصعوبات اذ تحلّ محلّها التعزية. كل ضرر ومشقّة وحزن في النهاية تقودنا الى المسيح يسوع، الى حنانه ورقّته ودفئه فلا يبقى فينا سواه، ونصير إياه، ويصير إيانا بالحب الذي يسكُبه علينا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

السيد اردوغان هل يقرأ؟ / السبت 24 أيلول 2011

في الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على وزراء الخارجية العرب في القاهرة أقف عند جملتين منه اولاها ان «تركيا والعرب يشتركون في العقيدة والثقافة والقيم». العقيدة، بلا منازع، هي الاسلام. هنا كلام يتضمن ان دولته لا يرى وجود اثني عشر مليون مسيحي عربي على الأقل وهؤلاء لا ينتظرون من اجنبي تحديد هويتهم القومية. في ما يختص بالثقافة اللغة التي كان لها أثر كبير في الأناضول هي اللغة الفارسية. بعد محمد الفاتح صارت القسطنطينية قطب جذب للشعراء العرب والفرس حتى تأصل التركي البسيط. ولكن بعامة لم يبقَ من تأثير عربي غير مختلط بالأثر الفارسي حول القرن الخامس عشر والسادس عشر.

بظهور التنظيمات في القرن التاسع عشر اتجهت تركيا ادبيا نحو الغرب. ثم مع حرب الاستقلال وإعلان الجمهورية التركية السنة الـ 1923 تصلّب الشعور التركي حتى جاء ناظم حكمت الثوري (1902-1963) ثم اتسع الأفق بدءًا بالسنة 1939 بالترجمات والاتجاه نحو الفكر المجتمعي والسياسي. ما هو حي الآن في الأدب لا علاقة له بالعروبة. اما القيم التي يشير اليها السيد اردوغان على انها مشتركة بيننا وبينهم فمنها القديم والحديث فما من شك ان القديم غير ضاغط علينا واننا تواقون الى الحداثة وذائقون اوربا بعمق في حين ان الأتراك متعلقون بالعتيق بشدة واوربا عندهم أمل بالانصهار السياسي بها استكمالا للحلف الأطلسي الذي يجمعهما ويجعل تركيا قوية في دنيا العرب على رجاء عثمانية ما العرب فيها حليف صغير لا شريك كبير.

اما الأكثر مخافة مما سبق فقول السيد اردوغان: «كان في التاريخ التركي شاب قام بإنهاء حضارة سوداء وتدشين حضارة جديدة عريقة عندما فتح اسطنبول وهو محمد الفاتح». انا لا اناقش عراقة الحضارة التركية وعظمتها. ولكن ابدأ بسؤال للسيد اردوغان لا ينبغي ان يصدمه وهو هل قرأ الحضارة البيزنطية التي يسميها سوداء. الأتراك عسكر اقوياء استطاعوا مع موآمرة الأساطيل الغربية التي كانت تربض هناك ان يغلبوا اعظم فكر حضاري السنة الـ1453. ولكن كيف يريد السيد اردوغان ان يقنعنا ان الحضارة المتكاملة العناصر والخلاقة والسامية روحيا حتى السماء كانت سوداء. كيف لا يرى ان نهضة اوربا ما اخذت تظهر الا بهجرة العقول البيزنطية الى الغرب الذي اقتبس منهم العقل الاغريقي وانشأ الفكر الحديث؟

#   #

#

الحضارة البيزنطية اهم ما فيها الثقافة. عرفت الخط مكتوبا باليونانية واللاتينية في اعمال المؤرخين القدامى ورسائل في الزراعة والفن العسكري، في الطب والطب البيطري، في تأويل الأحلام، كل هذا الف مكتبة كبيرة. اليها كانت مكتبة البطريركية المسكونية التي كانت تحوي أعمال المجامع وكتب الاباء. الى هذا مكتبات خاصة. هنا وهناك كتب طقوسية. ندرة الكتب نابعة من كونها غالية.الوصول الى الكتاب يسهل في العائلات الغنية. المدرسة الابتدائية يشرف عليها الأسقف، يتعلّم الولد فيها القراءة والكتابة والحساب. الكتاب الرئيس هو المزامير. في المدرسة علم الجمّل حيث لكل حرف قيمته في الرقم كما في العالم العربي. الترتيل متقن في المدارس.

كل الأولاد كانوا يتبعون المدارس الوسطى. تعلم الناس كل ما في الحضارة القديمة: هوميروس، الهندسة، البلاغة، الرياضيات. كانت الفلسفة تتضمن اللاهوت والرياضيات، الموسيقى، علم الفلك، الطبيعيات. في القرن الثالث عشر ظهر في الترجمة اعمال لاتينية وفارسية وعربية. أخذ القوم عن اللاتينية مفردات الحياة الإدارية وعن العربية تلك المتعلقة بالنسيج. كانت الكنيسة متعلقة باللغة القديمة. عرفت القسطنطينية غير مؤسسة جامعية، ثم كان للبطريركية تعليم جامعي.

#   #

#

المعرفة العالية كان لا بد ان تتضمن تفسير الكتاب المقدس وبعد تحديد العقيدة ظهرت المفردات اللاهوتية. لقد اثر النسك والتصوف في التعليم وتركزت العقيدة على كتب يوحنا الدمشقي. الصوفيون الكبار كانوا سمعان اللاهوتي الحديث وغريغوريوس بالاماس ونيقولاوس كبازيلاس. هنا تظهر سير القديسين. الكتب الطقوسية وضعت بين القرن الرابع والقرن الخامس عشر وعليها يعيش الارثوذكسيون حتى اليوم. جزء اساسي من الثقافة البيزنطية ان تعرف استعمال كتب العبادات لا سيما حسب الأعياد والمواسم.

ثم تأتي الأعمال الأدبية الموضوعة بلغة العلماء. وتعالج التاريخ والجغرافية والفن العسكري والبلاغة والقصة، والفلسفة والألسنية وقواعد اللغة.

التاريخ يبدأ من بدء الخليقة وينتهي عند زمن الكاتب. الى هذا الفلسفة اليونانية التي أظهرت اباء الكنيسة. وقد استعار الفكر المسيحي مصطلحات الفلسفة لينتقل ورأى انه يكمل الفكر القديم بالوحي. غير انها بقيت مستقرة في جوهرها. استعملت أساليب مختلفة في بناء اللاهوت غير ان عدد الفلاسفة الأصيلين كان قليلا ولكن كثر العالمون بالآداب اليونانية الكلاسيكية والنقاد وعلماء اللغة وبرز شعراء مسرحيات.

لعل اجمل ما كتب الشعر الديني. كل ما يسمى في الصلوات القنداق والقانون شعر. الى هذا عرفت بيزنطية الشعر الشعبي والقصة بالفصحى وبالعامية. كذلك عرف علماء رياضيات وفيزياء وبصريات.

عرف البيزنطيون علم الحيوان من الناحية التطبيقية وعلم النبات التطبيقي اي استعمال النبات في الطب والصيدلة. اخذوا الخيمياء عن سترابون وطبقوها في المعادن والصبغة والأدوية والزجاج.

على الصعيد الطبي في التنظيم الصحي. أسست مستشفيات وصار للأطباء تعليم نظامي وعززت مواردهم. اشتهروا في علم العين: بولس من ايجينا كان دارس الجراحة والتوليد وأثر في الطب العربي. ميخائيل بسيلوس وضع قاموسا في الأمراض. خصصوا كتبا في طب الأسنان والتمعوا في البيطرة وفي طعام الحيوان. الصيدلة كانت عندهم جزءًا من تعليم الطب وأخذوا في الصيدلة شيئا من العرب والفرس.

#   #

#

عظمت الخطابة وسيلة للدعوة السياسية او الدينية. ومن الخطابة الوعظ الذي اشتهر فيه يوحنا الذهبي الفم في القرن الرابع ومطلع الخامس في أنطاكية والقسطنطينية ولدينا مواعظه في اللغة اليونانية مترجمة الى معظم اللغات الأوربية وبعضها الى العربية.

ظهرت الأيقونة الخشبية او الجدارية في الامبراطورية ولا سيما لتعليم الأميين. منذ القرن الرابع بدأ الرسم كما الفسيفساء. اقدم الفسيفساء (العذراء، القديس جاورجيوس) في سالونيك. القليل حفظ في ايا صوفيا وبقيت ايقونات كشف عنها من عهد أتاتورك. القليل في قبرص والأكثر في رافينا (ايطاليا). وبسبب غلاء الفسيفساء استعيض عنها بالرسم الجداري الذي عرف كثيرا في ما هو الآن المشرق العربي وهو في حالة التجدد اليوم في كل انحاء سوريا ولبنان. كذلك زينت المخطوطات بالتصاوير ولا سيما كتب الأناجيل. وارتبطت الصور بصناعة الصياغة والتطريز.

انتبهت الكنيسة الى ضرورة الأيقونة في المجمع المسكوني السابع وحددت تكريمها تحديدا عقديا في السنة الـ787 ملأت الكنائس والبيوت في الدنيا الارثوذكسية وكان بادئ التنظير لها القديس يوحنا الدمشقي الذي عاش راهبا في فلسطين وتبنت الكنيسة رأيه في الأيقونة وهو القائل ان التجسد الإلهي يفرضها. ان روحانية الايقونة في كل بيت ارثوذكسي في العالم الى جانب استلهامها في الكنائس كان من العوامل التي حفظت الايمان.

كل البيزنطيين، كما يؤكد المؤرخون، كانوا مؤمنين. اذا وجدوا راهبا في الطريق يطلبون بركته. في هذا الجو لك ان تفهم اهتمامهم بالمرضى والفقراء.

لقد ظلم بعض الأباطرة ولكن بعضهم تركوا الملك ودخلوا الديورات رهبانا. كان هذا المجتمع على خطاياه يريد ان يدشن في الأرض ملكوت الله في لاستقامة الرأي وطهارة السيرة. علامتها البكاء على الخطايا واللطف والتسامح والسلام والتعاطف والزهد بالمال والتقشف. هذه كلها مجتمعة بكلمة واحدة هي محبة الرب.

الأمر كله ان يهتدي الانسان من الامور الخارجية الى الامور الداخلية. بكلام آخر كل المؤمنين في وسط هذه الحضارة كان نهجهم صوفيا، بحيث تقيم في سر الله ولا تعلم حواسك شيئا مما تأخذ من إلهك وتصلي دعاء الرب يسوع في داخل قلبك مرددا اسمه مئات المرات في اليوم او ألوفا حتى تنطفئ الكلمات ويصبح قلبك كلمة.

من عرف العبادات البيزنطية التي تكونت اصلا من بلادنا يرى فيها غنى لا يتجاوزه غنى آخر. كل صلاة من الصباح الى الغروب الى نصف الليل تحمل هذه القناعة التي نعبر عنها يوم الفصح بقولنا: «المسيح قام من بين الأموات» انت في القداس ترجو الله بعد ان يأتيك جسد الرب ودمه ان يجعلك في «كمال ملكوت السموات»، متحررا من المحاكمة في اليوم الأخير ومن الدينونة. كل هذه الصلوات الكثيفة، العميقة، البلورية وجسدك ساجد او منتصب ونفسك بلورية نابعة من الكتاب الإلهي او هي نظم له لتصبح شعرا إلهيا مع الجماعة.

اذا قرأ السيد اردوغان كل هذا هل يقدر ان يقول ان كل هذا البهاء الذي وصفناه ما قدر لنا هو حضارة سوداء؟ انت لست معذورا ان قرأتنا وفهمتنا خطأ. انت لست معذورًا ان رأيت النور ظلاما. أجدادك اقتحموا المدينة التي كانت تعرف انها وحدها آنذاك مقر الحضارة في العالم. انصف ما كان قبلك جميلا واقرأ لأنك مسؤول.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب / الأحد 18 أيلول 2011 /العدد 38

الصليب شجرة الحياة اذ أتمّ عليها يسوع غلبته للموت. غير أن وصولك الى هذه الحياة يتطلب منك جهدًا كبيرًا طوال حياتك على الأرض، وهذا ما عبّر عنه مرقس الإنجيلي في قراءة اليوم: «من أراد أن يتبعني فليكفُر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». من أراد ان يتبعني تعني أن لك أن تمشي وراء السيد وكلماته، ولك أن ترفض هذه المسيرة. ولكن إن أردت أن تتبعه، تكفر بنفسك ونزواتك وتتخلّى عن شهواتك وتتوب. بلا هذا كله لست على طريق الصليب. لا يبقى لك مِن أنا منغلقة على نفسك، متمسّكة بذاتها.

ثم انت تعرف أن في دنياك صلبانًا كبيرة يجب أن تُصلَب عليها. لك مشاكل في عائلتك أحيانًا. الرجل قد يكون صليبًا لامرأته أو المرأة صليبًا لزوجها. ولك أحيانًا صليب في حياتك المهنيّة وحياتك الوطنيّة. او فيك امراض او تشنّجات. هنا يقول الرب يسوع: «من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها». أن تُخلّص نفسك من الخطيئة يفترض تعبا كثيرًا ونضالا يوميًا. ليس من يوم واحد في حياتك لا تُواجه إغراء الخطيئة وجاذبيتها.

هذه الأشياء الفاسدة التي تُواجهها يجب ألاّ تدخل الى نفسك، وإذا دخلتْ وجب عليك أن تطردها. لذا قال المخلّص بعد هذا: «مَن أَهلكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». ان كنتَ مرتبطًا بيسوع وحده تقدر أن تُهلك نفسك، ويعني هنا خطاياك وشهواتك.

ويصل ربّنا بنا الى الذروة عندما يقول: «ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟». ماذا ينفع أن تكسب مالا كثيرًا او نفوذًا كبيرًا ووجاهة، واستمتعتَ بكل الملذّات ولم تجعل مكانًا في قلبك لله؟ هنا يستعمل العالم بمعنى فساد العالم. أنت مدعوّ أن تختار بين ربحك لله وربحك للعالم.

في هذه الحرب الروحية التي تقودها على الشر الآتي إليك او الذي دخل إليك، يجب أن تُدرك أنك تخصّ المسيح، واذا كنت من خاصّته تكون قد بدأت الدخول الى الملكوت على هذه الأرض إذ «ملكوت الله في داخلكم». أنت تُجاهر أنك للمسيح إذا طَلب أحد الناس أن تكشف هويتك. تُجاهر بإيمانك بيسوع وبأن كل فكرك مرتكز عليه.

التعزية التي أعطاها يسوع أحباءه في هذا الخطاب هو أن بعضًا منهم لا يموتون حتى «يروا ملكوت الله قد أتى بقوة». يسوع بشّر بملكوت الله، وهذا الملكوت حلّ بمجيئه لأن تعليمه هو بدء إدخالنا الملكوت وعجائبه ايضًا. ولكن عندما قال: «ملكوت الله سوف يأتي بقوة» قصد موته وقيامته. عندئذٍ تتأسّس الكنيسة وينزل الروح القدس على التلاميذ، وإذا اقتبل الناس المعمودية تكثُر الكنيسة وتعطي جسد المسيح ودمه أي يمتدّ ملكوت الله في النفوس. الكنيسة هي مدخل الى الملكوت بالإنجيل والأسرار المقدسة. ينمو ملكوت الله في الكنيسة ويكتمل في السماء حيث نُعاين الله وجهًا لوجه.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الإيمان / السبت 17 أيلول 2011

نبدأ باللغة. الإيمان هو التصديق. هو الأمن اي نقيض الخوف. وهو الثقة. ومنه المأمن اي موضع الأمن. وهو الأمانة. لغةً وحسب لسان العرب تبدو لفظة الإيمان أقرب الى القلب. عند الإمام الغزالي وفي المسيحية هو نور قذفه الله في الصدر اي ان الله مصدره والانسان يتلقاه ويستجيب له بطاعة التقوى والسلوك. ليس تاليا تحركا عقليا ولو لعب العقل دورا في التلقي. ولكن العقل ليس منشئ الإيمان ولو حاولت فلسفة القرون الوسطى الوصول الى ما تسميه البراهين عن وجود الله.

ممكن الإقرار بوجود الخالق عقليا ولكن التثبت العقلي لا يقودك الى الحركة نحو الله بالقلب ولا الى معاشرة الله بما تسميه بعض الفلسفات اختباره او ذوقه. اذا كان الإيمان يقيمك كيانيا في كل وجودك لا يكون فقط إفرازا منطقيا. كان لي صديق في مرحلة إلحاد قال لي انه لا يقبل الا بما يمليه عليه عقله. أجبته ان كان عقلك كل وجودك كيف اخترت زوجتك؟ ما أمرك عقلك بحبها ولو ساهم جزئيا في ذلك. هل أملى عليك عقلك ان سيمفونيات بيتهوفن اجمل ما في الموسيقى؟ في التصرف البشري لا احد يسلك وكأن العقل وحده يحركه.

في المسيحية الايمان هو بالله وحده. لذا يقول دستور الإيمان: «اؤمن بإله واحد». ويضيف: «وبرب واحد يسوع المسيح». لأن الربوبية هي الألوهية. لا يؤمن المسيحيون بمريم، يكرمونها. لا يؤمنون ايمانا بالقديسين ولو استشفعوهم. لا يؤمنون ايمانا بأنبياء العهد القديم. يؤمنون بكتبهم لاعتبارها بعضا من الوحي.

ليس من العقيدة ان تؤمن بأية معجزة حصلت بعد معجزات المسيح. الناس أحرار ان يصدقوا الظهورات المنسوبة الى القديسين او لا يصدقوا. احرار ان يقتنعوا بعجائب هذه الايقونة او الا يقتنعوا. كل ما هو مخلوق لا يدخل في نطاق الإيمان. هذه المرأة او تلك تتقبل رسائل من السماء أمر ممكن ولكنك لست ملزما تصديقه. الهرولة الى مواضع العجائب تصديقها او نفيها لك. لماذا نحتاج الى معجزات ليقوى ايماننا بالله؟ «الله كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه». واذا كان من ترعاه ضعيف الايمان تعيده الى الكتاب الإلهي. من لا يؤمن بما أتى فيه لن يقنعه اي ظهور لاحق.

ان ثمة ديانة شعبية تكثر فيها الخرافات، عاطفية، انفعالية، تكثر فيها الهلوسة كثيرا ويضغط انصارها عليك لتصدق وانت تكفيك قيامة المخلص وحضوره في إنجيله والقرابين.

#   #

#

المؤمنون الأقوياء، القائلون في اعماقهم ان الله كل شيء لهم قلة عزيزة. كل من اتكل على ماله او صحته ليس متكلا على الرب ولا يلتقيه في مسيرة الحياة. الناس تتراكم في ذاكرتها تصورات دينية وكلمات دينية التقطوها من بيئتهم يحسبونها فكرا إلهيا فيهم وهي ليست بشيء. ديانة يركبونها لأنفسهم يظنون انها تحميهم من المرض او العوز وقد تكون احيانا تلفيقا يفسد به ما أتاه من عبادات صحيحة. الدين خطر جدا ان لم ينقه الله بنعمته كل حين. من لم يوحد نفسه بالله وبحبه تنزل عليه الوثنية دون ان يعلم. هكذا تكون عندنا جماهير كثيرة. هذا النوع من الديانة المبتلة بالخرافة كثيرة الانتشار.

لا يقي الله آليا من الديانة الركيكة من علت به المقامات. الجلباب الأسود يبقى قماشا ان لم تغير حامله يد العلي. ليس ما يضمن القداسة في الكاهن لمجرد انه صاحب دور فكثيرا ما يختلط الدور بحب السلطة او بشغف المال والمستلم رئاسة ليس متحررا بالضرورة من شهواته ولكونه يعمل في المقدسات قد يحسب انه وصل اليها وقد يصح هنا قول في الانكليزية: «كل سلطة تفسد والسطلة المطلقة تفسد مطلقا» حتى يرانا الله عراة في القبور. الإيمان ليس مضمونا عند كل المقامات. لذلك كان الرهبان الأقدمون يهربون من القسوسية الى البراري.

المقامات مدرسة الكيد او يمكن ان تكون. وكانت العرب على حق عندما قالت: «طالب الولاية لا يولى». والمشكلة ان الأبرياء لا يعرفون اهل الكيد ولا اهل المكر وكأن الله لا ينقذ الصالحين الا بموت الأشرار والمشكلة انه لا يحق لك ان تنتظر موتهم لأنه في حكمة الله وهي غير مكشوفة لك.

حسبك وجه ربك وان تتعزى به وان تعرف انه يقود الكنيسة بروحه القدوس وانه مكتوب عليك الصبر حتى يأخذك ربك اليه لتنضم الى محافل الأبرار.

اسهر اذًا على نفسك حتى لا تقع في الكيد والمكر اذ قد ندرك وقتا يصير فيه الأطهار نفرا قليلا. هذا ما رآه يسوع حاصلا في آخر الأزمنة. في الانحدار العام تقف على صليبك حتى تخرج منك آخر قطرة دم.

#   #

#

يطرح عليّ الأذكياء سؤالا حول العلاقة بين الإيمان والمعرفة لأنهم بادئون بالعقل واهل الايمان بادئون باليقين وكأن الاجتماع بينهم عسير. كيف نحفظ نحن المؤمنين الله وهو الحفيظ؟ يقول القديس كيرلس الاسكندري: «من الضروري ان تؤمن لتستطيع ان تفهم… المعرفة تتبع الإيمان». ثم جاء بعد كيرلس اوغسطين المغبوط ليقول: «نؤمن لنعقل ولا نعقل لنؤمن». بمآثرك الطيبة في الإيمان تنمو في المعرفة. وتدقيقا لما روينا يقول الذهبي الفم. «بالإيمان نصل الى المعرفة في شؤون الله. الإيمان معيار المعرفة والإيمان هو الذي يقود العقل الى المعرفة».

الإيمان ليس قضية براهين منطقية. يأتي من الثقة بالرب. ويقول كاسيانوس البار: «يقيني حتى اؤمن ان أعرف من هو الذي تكلّم». دع جانبا الأدلة. اجل، يجب ان نعقل عقليا بمقدار ما وهب الله ايماننا.

#   #

#

اذا نظرت الى الناس جميعا ورأيتهم يتساقطون كالحشرات في ما يعملون ويخربون اوضاعهم واوضاع الناس افهم ان لا إله لهم ويغطون إلحادهم تغطية. «نفسي حزينة حتى الموت» لكون المؤمنين باتوا قلة. ولكنا نعلم ان الإنسانية مخلّصة على الرجاء واننا مدعوون الى تجديد اخوّتنا بالروح القدس حتى ينهي الرب الأزمنة الرديئة في فصح مقيم.

Continue reading