Author

Aziz Matta

2011, مقالات, نشرة رعيتي

الخلاص بالنعمة/ الأحد 20 تشرين الثاني 2011 / العدد 47

كتب بولس الرسول هذه الرسالة من السجن، غالبًا من سجنه الأخير في رومية. وهي من أغنى رسائله، ولعلّها مُرسَلة ليس فقط الى أهل أفسس ولكن الى مدن آسيا الصغرى المحيطة بها. يؤكد في هذا المقطع أننا «حين كُنّا أمواتًا بالزلاّت أحيانا مع المسيح». يُشركنا الرسول دائمًا في حياة المسيح وفي جلوسه معه في السمويات من بعد القيامة. لا يفرّق بولس بين الرب والذين هم له.

وحتى لا يعتزّ المسيحيون بفضائلهم، يؤكد لهم أنهم بالنعمة مُخَلَّصون، وفي هذا المقطع الصغير يؤكدها مرتين. المسيح حاضن أحبائه، مُشركهم في موته وقيامته وصعوده الى السماء. كل شيء عنده نعمة من فوق والنعمة لطف الله بنا.

من أين تأتي النعمة؟ الجواب: من الإيمان، أي انها مجّانيّة. يعطيها الرب لأنه هو يريد، وهذا ليس لهم فضل فيه. هذا الخلاص هو عطيّة الله، وليس من الأعمال، وليس من ناموس موسى. وهنا يلتقي الرسول بالرسالة الى أهل رومية والرسالـة الى أهل غـلاطية، وتلك التي أَرسلها الى غلاطية قُرئت في أفسس. كل هذه المدن استلمت أن النعمة مجّانيّة والإيمان مجّانيّ، وفي كل هذا محاربة لليهود والمتأثرين بهم في الأوساط المسيحية في آسيا الصغرى. نحن مخلوقون للأعمال الصالحة التي سبق الله فأَعدّها لنسلُك فيها. ما يُسمّى «سَبْق التعيين» الذي ظهر في البروتستنتية الكلفينية والقائل ان هناك من أُعِدّ للسماء وهناك من أُعدّ لجهنم إنما هو اعتقادٌ رفضه هؤلاء الإنجيليون في القرن التاسع عشر ونحن كنا رافضيه من البداءة لكونه يُبطل المسؤولية الشخصية. الإنسان يخلُص لسببين، أولا لأن الله يريد أن يُخلّصه بالنعمة، وثانيًا لأنه يقبل هذا الخلاص الإلهيّ. الله يقول أنا المُخلّص، والإنسان يقول الله يُخلّصني. هذا ما نُسمّيه الموآزرة او المشاركة بين الله والإنسان مع أن الرب هو الذي يُبادر بالنعمة والإنسان يستجيب لها. في أيام الطوباوي أُوغسطينُس (القرن الرابع) ظهرت في أفريقيا بدعة بِلاجيوس وقالت: الانسان يخلُص بجهوده، وكَفّرتْها الكنيسة. هذا لا يمنع الواعظ من أن يحثّ المؤمنين على الأعمال الصالحة ويقول لهم إن أهملوا الجهد فلا يخلُصون. هذا كلام تربويّ مفيد هربًا من الكسل والإهمال.

غير أن آباءنا علّموا أن الإنسان لا يدخل الملكوت بجهده ولكن برحمة الله. أنت تسعى دائمًا ليقبل اللهُ مسعاك ويُكلل عطاءك، ولكن اذكُر أننا بالنعمة مُخلّصُون، وأنك دائمًا فقير الى الله، وأنك تنال الخلاص بفائق محبته ولطفه. هو الذي أَحياك بالمسيح وأَجلسك معه في السماويات. أن تعرف أنك نازل من فوق بالنعمة يجعل فيك روح تواضع الذي هو قوّة رجائك.

هذا الالتقاء بين النعمة والجهد البشريّ تعليم ساطع للرسالة الى أهل أفسس ورفضٌ للجبرية القائلة بأن الله جابرنا على دخول السماء او دخول الجحيم. المحبة لا تريد أحدا في جهنم، ولكن اكتسب انت المحبة بالطاعة الدائمة للآب بيسوع المسيح ربنا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الشجاعة / السبت 19 تشرين الثاني 2011

العلاقة البشرية علاقة شجاعة او علاقة خوف. اما علاقة الشجاعة فتأتي من ايمان الانسان بقوته او حقه. غير ان الايمان بالحق لا يقودنا دائما الى الجبه ولو قادنا الى الشهادة التي لا تحتاج دوما قوة بشرية بل يقينا يقول لك المؤمن ان الله الذي فيك يدافع عنك ولو قاد هذا الدفاع الى هدر دمك.

ولك ان تكون شجاعا لثقتك بأن رأيك مستقيم وتدعمه امام اي مخلوق بشري منفردًا او امام جماعة خطيبا او كاتبا. هذا ما يسمى عند العرب الشجاعة الأدبية. غير انك تتخوف احيانا من المجابهة ولو كنت متيقنا كل التيقن انك في جانب الحق.

بولس الرسول قال في رسالته الى أهل رومية: «كونوا رجالاً تقووا» وحثّ قبله المعلّم في طرق مختلفة على الشهادة امام الملوك والولاة وفي المحاكم والواضح ان حياته كانت صدامية من بدء بشارته حتى موته. والتلاميذ نلمس شحاعتهم امام اليهود وامام الأمم ومعظمهم استشهد ومن بعدهم أقبل الى الموت ملايين المؤمنين خلال ثلاثة قرون وكأن لهم ألفة مع النار او الزيت المغلي او الأسود لأنهم كانوا ينتظرون شيئا أفضل. كانت الحياة عندهم حياة مع المسيح وهذه السبيل اليها احيانا كثيرة الاستغناء عن هذه الحياة الدنيوية.

كيف تحب الانسان وتخشى منه أحيانا؟ هذا يعني انك تتوقع ان ينفصل عنك والا تظل عليك رعاية الحب. تفقد، عند ذاك، رعاية المحبوبية. تبقى وحدك وعند المقابلة التي فيها تبادل حجج ترى انك لا تستطيع مقابلة تعرف ان تحتج بها خوفا من فقدان الصداقة وتبقى منعزلا حتى يدبّر الله أمرك بعد أن أوكلته أمرك.

في هذه الحالة خوفك انت تحت التأويل. أنت غير قادر او غير عارف ويفسّرون خوفك الى عدم يقين عندك او يرصفونك في مصف الضعفاء مع أن الله ملك وتعرف ذلك وهم لا يعرفون ولكن الله لا يزعم ازعامًا. انه يوحي وحيا وهم لا يعلرفون.

#    #

#

ومع أن المحبة تطرح الخوف خارجًا على ما يقول يوحنا في رسالته الأولى الجامعة لا يحس الخائف المحب انه يستطيع المقاومة واحيانا يخسر قضيته في السجال او بعضها. يحصل هذا كثيرا في مجتمعات تتكل كثيرا على الكيد.

المأساة في ذلك ان الصالحين يشتمهم أهل الكيد او يدوسونهم وتربح الخطيئة ولكنها تربح ظاهرًا الى ان ينجلي الحق يوما بنعمة الرب.

كن أنت مع الضعفاء وبخاصة مع المستضعفين وهؤلاء ذوو قلوب نقية وعقول راجحة في أحوال كثيرة وأهل الظلم زاهقون تحت وطأة الرب الذي يدوسهم في حكمته لأنهم يريدون ان يسترضوه ولا يرضى ويبدو المستضعفون اسيادا في ملكوته وحسبهم هذا الرضاء.

#   #

#

يبقى السؤال كيف نزيد مساكين الأرض قوة حتى يغالبوا الشر في هذا العالم وحتى يبدو ملكوت الله بدوا ولا يختفي. هنا يأتينا قول المخلص: «كونوا حكماء كالحيات وودعاء كالحمام» صعوبة العيش ان بعض الناس حيات وبعضهم حمائم. كيف نقود الأشرار الى الوداعة وكيف نربي الودعاء على شيء من معرفة الأفخاخ التي ينصبها البعض حتى يزول أثرها. اذا كان الرسول قال: «المحبة تصدق كل شيء» هل عنى انك انت تظن كل من بادرك بالكلام انسانا سليما؟ لا أظن ذلك لأن بولس نعرف انه كان ذا تدبير رعائي في هذه المدينة وتدبير آخر في مدينة أخرى ويعرف كيف يواجه والي فلسطين مستخدما الحجة من القانون الروماني. «المحبة تصدق كل شيء» لا بد ان تعني انها قادرة احيانا على الاقتناع بأن الكاذب يمكن ان يصدق فتصدقه. وفظاعتنا احيانا ان نظلم انسانا صادقا. هذا جرح له ويكون قد اقتبله ربه بين التائبين وانت لم تقتنع. هل يندم على صلاحه وتكون انت رصفته من جديد بين الخاطئين.

تعلّم الشجاعة بالتماسها من ربك فان الخوف قد جاءك من التربية، من العقد التي ترابطت في كيانك ولم تستطع بقواك الطبيعيّة ان تتخلّص منها وتحس اذا ما تقدمت في الخبرة الروحية انه ينزل عليك قوة من العلاء. انت لا تستطيع ان تجعل لك سلاحا الا كلمة الله واللطف.

والكثيرون يعتبرون اللطف ضعفا لأنهم يقيسونه بالقسوة التي تكسبهم سلطة ويحسبون ان السلطة تجعلهم عظماء. حذار ان تقع في شهوة الظلم لتحس نفسك قويا. هذا ليس فيه شيء. أحبب من خاصمك وهذا يتضمن موآزرته لاصلاح نفسه.

تعلّم كيف تجمع بين اللطف وشدة القول ان كان عندك قول لأنك مسؤول عن ان يكبر مجادلك في الرب. لا هم ان تربح السجال او تخسره. المهم أن تأخذ بيد الآخر لتقربه الى ربك.

ولكن هناك من عرفوا ان يدافعوا عن انفسهم وهناك من لا يعرف ان يتكلّم ويعرف نفسه مظلوما. عليه ان ينتبه الا ينضم الى حزب القساة ولكن ان يكسب الشدّة مع المرونة التي هو عليها واذا بقي عيا وهذا ليس بعيب يصبح الله لسان حاله في هذه الدنيا او الدنيا الآتية. هذا حسبه الله.

نحن استلمنا من القديسين ان هناك تروضًا على الفضائل وتدرجا ما لم ينقلك الرب بأعجوبة من عنده الى ذروة الذرى. ولكن تدرب على هذه القوة الروحية التي بها تعلو فيك الشجاعة لتقدر ان تكون شبيهًا بالحية في حكمتها وبالحمامة في وداعتها فيسترك ربّك بستر جناحيه.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

السامريّ الشفوق/ الأحد 13 تشرين الثاني 2011 / العدد 46

هذا المَثَل من أهم الأمثلة التي تدعو الى محبة القريب ومحبة العدوّ. يبدأ بحوار بين ناموسيّ والمعلّم، والناموسيّ هو أستاذ في الشريعة الموسوية وبعامّة في كل الكتاب المقدّس. غالبًا ما كان من الفريسيين لإيمانه بالحياة الأبدية بعد الموت، فالحياة بعد الموت لم يكن اليهود يؤمنون بها سوى الفريسيين، وجاء اليهود الى الفكرة من بعد ظهور المسيحية. ردّ على سؤاله المعلّمُ بسؤال: «ماذا كُتب في الناموس؟». أجاب: «أَحببِ الربَ إلهك… وقريبك كنفسك».

هذا الجواب جمع بين تثنية الاشتراع 6: 4 ولاويين 19: 18. في سفر التثنية تبدأ الوصية هكذا: «إسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا ربٌ واحد فتُحبّ الرب إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قوّتك». أمّا ما جاء في سفر اللاويين فهو: «لا تُبغض أخاك في قلبك… بل تحبّ قريبك كنفسك».

ولمّا أجاب يسوع هذا الرجل: «إعمل هذا فتحيا»، قال للسيّد: «ومن قريبي؟» هل القريب هو اليهودي والمُساكن فلسطين معهم؟ عند ذاك أخذ يسوع يقصّ قصةً من تأليفه أهمّ ما فيها أنها تُظهر سامريّا اي غريب الدين يهتمّ بيهودي مجروح على الطريق ويُعالجه، وبين الشعبين قطيعة كاملة ولا سيما أن السامريين يعتمدون كُتُب موسى الخمسة ويرفضون كتب الأنبياء.

تخطّى السامريّ الفراق الديني القائم واعتنى بأمر هذا الغريب، ويقول آباؤنا ان سامري المَثل رمز للمسيح الذي ليس عنده غريب ولكن يُغرّبه الناس وهو المُعتني بالكلّ بمحبته ورأفاته وموته وقيامته.

لاحظوا أن أستاذ الناموس سأل المعلّم: «مَن قريبي؟». هذا سؤال أجاب عنه يسوع بسؤال: «أيّ هؤلاء الثلاثة (أي اللاويّ الذي جاز والكاهن الذي جاز وحادا كليهما عن الجريح، والسامريّ) تحسب صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص». فجاء الجواب: «الذي صنع إليه الرحمة».

السؤال: «من هو قريبي؟» بدا في النص الإنجيلي خطأ. الاهتمام الحقيقي: «مَن أَجعله أنا قريبًا لي». الجواب بالمحبّة التي تُحبّ بها تجعل الآخر قريبك. كل إنسان آخر قريبك أيّا كان دينه ولونه ووطنه إن كان في حاجة الى رعايتك. أنت أخ لكل محتاج، ولكن قم بعمل رعاية واهتمام ليُحسّ أنه أخوك وأنه قريبك. المحبة حركة وعندها تنعدم الفوارق.

البشرية كلّها أُمّة الله، وأنت واحد مع كل إنسان يمكن أن يحسبك عدوّه. أنت تخدمه غير ناظر الى مشاعره نحوك أو نحو دينك أو بلدك. أنت تسير على كل طرق الوجود لتفتّش عمّن تخدم ليؤمن بإنسانيتك وإنسانيته. المحبة تهدم الفوارق بينك وبين كل إنسان آخر. تُنقّي نفسك، وتجعلك انسانا آخر، وتُحسّ بها أنك ابنُ الله. اذكُر أنك إذا قلتَ في الصلاة الربيّة: «أبانا الذي في السموات» تُعلن أن البشر جميعًا، خطئوا أم لم يخطئوا، هم أبناء الله، وافهم أن الملكوت يبدأ الآن في قلوب المحبّين وفي قلوب مَن يرعاهم المحبّون. فتّش عمن هم الأكثر حاجة لأن الرب قريب إليهم كثيرًا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

مسيحية والمؤسسات / السبت 12 تشرين الثاني 2011

عاشت الكنيسة في بلدان فقيرة بلا مؤسسة واحدة وفق ما قاله اللاهوتي الروسي العظيم سرجيوس بولغاكوف: «الكنيسة ليست مؤسسة، هي حياة في الروح القدس». وكأنه أراد أن يقول ان المؤسسات التربوية وغيرها لا تنشئ مؤمنين بالضرورة. كبار الملحدين في الغرب وربما هنا درسوا عند رهبان متخصصين بالتدريس. يقولون لي: هناك جو ايماني بالمبدأ وهذا من شأنه ان يشدك الى الايمان. هذا صحيح ولكن ثمة مدارس علمانية تشدك الى الايمان ايضا وقد قرأت مؤخرا ان معظم الكهنة الموارنة في احدى الأبرشيات او في كلها متخرّجون من المدارس الرسمية الخالية من التعليم الديني.

خوفي من المؤسسات ان تحس الكنيسة انها قوية بها في حين انها قوية بالقداسة. في القرن الثالث في الأردن كانت الكنيسة تسمى كنيسة الخيام اي ان الجماعة لم تكن ذات بيوت وتتبدى كسكان الخيام والأسقف نفسه كان ذات خيمة والقداس يقام في خيمة وليس من دليل على ان من يرتادون الكاتدرائيات الكبرى أعظم تقوى من البدو. كان الفيلسوف الدانمركي كيركيغور يقول: مهما علا سور الدير فللخطيئة سبيلها اليه. قد يساعدك الحجر على الحياة الروحية ولكن ليس هذا مؤكدا. قد يؤطرك الرهبان والقسس والمطارنة وتبقى ضمن الإطار وتظل قليل الإحساس الروحي. الحياة الروحية ليست شركة تأمين. هي تنسكب عليك من فوق او لا تنسكب. لك ان تكون لها ولك ان تكون قالب ثلج.

المسألة هي أين تضع الأولية ومن اين تنتظر الشفاء. انت تحيا مع الرب وبه او فيه وله او ليس لك شيء من المؤسسات. انا أعرف التماعا روحيا عند ناس رعاهم كهنة دراستهم كانت ضعيفة واعرف فتورا روحيا عند من كان مرشدهم عظيما. عندي كنيسة فقيرة جدا تحنّ على اعضائها الفقراء. «يا عبد كل شيء قلب». ونحن الذين علينا مسحة من القدوس ما جئنا من كنائس غنية ويعطينا الرب حسب سؤل قلوبنا.

#   #

#

الأشياء كلها تجري وكأن الكنيسة لا تعتقد ان القداسة بحد نفسها فاعلة وانها في حاجة الى ما يسندها. كل شيء يدلّ هي ان الكنيسة تريد لغة العالم وأساليب العالم وانها بديلة الدولة واذا كانت هذه ضعيفة او غائبة وبدل من ان تقيم الدولة في نظامها وشرعيتها تجعل نفسها دولة او لابسة لباس الدولة.

ما لا يفهمه القيّمون على الكنيسة ان المسيح جاء ليغيّر العالم ولغة العالم. عندما كان منتصبا امام بيلاطس قال لهذا: «لم يكن لك عليّ من سلطان لو لم يُعطَ لك من فوق». السماء هي التي تسمح لك ان تقتلني وان بدوت اني خاضع لحكمك ففي الحقيقة انا خاضع للآب. ان لم نقل نحن قول المسيح نكون قائلين قول الدنيا ونكون مستعيرين لوسائلها ومستقوين بما تستقوي هي به ومستضعفين كلامها الأصلي وهو وحده الأصيل والا تكون تعلمنت بمعنى انها استعارت لغة العالم وآمنت بفاعليته ولم تؤمن بفاعليتها وتكون قد رمت بلغتها لتظهر انها ذكية وأفعل من مسيحها.

لقد جاء يسوع الناصري ليغيّر لغة التاريخ بعد ان غيّر التاريخ، لأنه يؤمن باللغة التي هو نحتها وبطل ان يعتمد لسان هذا العالم. السوأل الوحيد الذي نحن أمامه هو هذا: هل جاءنا المسيح بلغة جديدة هي تجدد الأذن التي تسمعها والقلب الذي تنسكب فيه ام جاء يسوع بلغة خشبيّة؟ هل من قرأ الانجيل ليفهم ان ألفاظه ومعانيه ليست من التي رصفت ككل رصف وان موسيقاها الداخلية غير موسيقى الطرب الذي يحرك شهواتنا.

اذا كان المسيح قائما فيك وعاملا بك وسائرا اليك فأنت مبدع ولست اتكلم على شاعرية كلامك ولكن على شاعرية كيانك الذي يهزّك ويهزّ العالم. عند ذاك، لك ان تصلي مع البداة وتتبع الأسقف البدوي لتأخذ الجسد والكأس وتستغني عن كل جمال مصنوع ألصق بك او وضعوه فيك. انت تخشى عندئذ، ان تكون قد خنت واستعرت غير بهاء يسوع الناصري وغير كلامه وغير فرادته.

هو تجسد في لحكمك وعظامك وبلغة مباشرة تبنى كيانك لكي يعيرك كيانه ولو للحظات لتتجلى. انت انسان جديد ان لمست هدب ثوبه وانت حي ولا يرعاك شيء غير هذا اللمس.

#   #

#

ينبغي ان تقرر العراء الكامل من دنياك ليفتح الله لك باب سمائه ويعطيك حلّة النور من داخل. الذين لم تتغيّر لغتهم يظلون يرونك عاريا ولا يسمعون لغتك الجديدة وتبقى أسطع منهم جميعا لأنك تكون تسربلت سربال النور وهم لابسون خرقا عتيقة لا تستر منهم شيئا لأنها تتمزق فترة بعد فترة.

لا تغيّر لغة الرب بكلام مسطح. ان فعلت يأتي يوم تنسى انت نفسك لغة الخلاص وتظن انك تشدد كنيسة المسيح بما استعرته لها من دنياك. اذا خسرت موهبة التمييز تكون قد خسرت كل شيء. ميّز واستقل عن كلمات هذا العالم وهيكلياته لتجعلك السماء بناء جديدا يغري العقل والقلب معا ويرى الناس انك ايقونة المسيح. الايقونة مصنوعة بإلهام من فوق. الزينة شيء آخر. المهم الا تؤمن بالزينة ولا ما يأتي به خيال الناس.

المسيحية جاءت بالروح القدس. خذه الى كيانك الداخلي فيأتي كيانك من فوق.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن وعامّة الشعب/ الأحد 6 تشرين الثاني 2011 / العدد 45

الكاهن، ولو صار أبًا روحيًا، واحدٌ مع كل أفراد رعيّته لأنهم معًا كهنوت ملوكيّ وأُمّة مقدّسة كما يقول بطرس ولهما معا محبة المسيح. ومن كان أبًا يرعى أبناءه في غيرة واحدة، ومن كان ابنا يُكرم أباه ولو عرف عيوبه، ولا مهرب لمخلوق من العيوب لأننا جميعًا بشر.

وحتى تتم هذه العلاقة سليمة لا يطلب أحد شيئا لنفسه، وخصوصًا لن يُصدم إذا لم يراعَ. ينبغي ألاّ يقول: «عندي كرامتي». فإذا لم يُراعها الآخر، فكرامتُك عند الله ولا تنقُص في عينيه. فإذا علمت أنك حبيبُ الله، لماذا تفتّش عن كرامة يُبديها لك مخلوق. ما أرادك يسوع أن تطلب. أرادك أن تعطي وأن تسأل نفسك إن أنت حفظت كرامة الآخرين.

علاقة الكاهن والمؤمن ذات اتجاهين. صحيح أنه راعيك، ولكن بالمقابل أنت تهتمّ به. تُبادر بالتسليم عليه، وإنْ كنت أُرثوذكسيّا مُحافظًا تطلب بركته إذ تؤمن أنه ينقل بركة الرب. وإن كنت على شيء من اليُسر تُقوّيه ماديًّا دون أن تنتظر مناسبة طقسيّة كإكليل أو فراقِ أحدِ أفراد عائلتك.

أَخطاء كثيرة ارتُكِبَت في الماضي لأن الكاهن ما قام بكل واجباته معك أو مع عائلتك. أردت أن تُعاقبه فتركت الكنيسة إلى كنيسة أخرى غير فاهم أنك تنسلخ عن استقامة الرأي الباقية بهذا الكاهن أو ذاك. فيموت الكاهن وتكون أنت وذريّتك على درب الخطأ. الحمد لله أن هذا نقص كثيرًا بعد أن اكتشف الآخرون أنهم إخوة لنا فلا يخطفون أحدًا من حظيرتنا ولا نخطف أحدًا من حظيرتهم.

وإن كان لك شيء على الكاهن فاشكُهُ للمطران، لأنه إذا تحقّق أنه أخطأ يؤدّبه ليس بانفعال ولكن حسب القانون ويُصالحك معه ويُقوّم له سلوكه فتعود المحبة بينكما.

أنت راعٍ ومَرعيّ معًا. وقد تكون أكثر وعيًا من الكاهن فتُرشده إلى الحق وتحضّه على المعرفة وعلى محبة رفقائه الكهنة إن كان في حاجة إلى هذا.

ومن واجبك أن تدفع الكاهن إلى قول حاجاته إلى المطران، فهذا لا يعرف بها كلها، ولا يستطيع، لا سيما إن كان عدد الكهنة كبيرًا. لا تُعط للكاهن مجالا للنميمة أو الانتقاد المرير لأن هذا يؤذي نفسه. ليفتح قلبه لمطرانه الذي ليس عنده حاجة ليتحيّز لأحد الكهنة أو يُهمل، ولكنه بشر ولا يعرف كل شيء. أَعطِ للمطران فرصة ليحبّه.

أَعطِ لأخيك المؤمن فرصة ليحبّ الإكليروس كي نبقى أُمّة ملوك واحدة. لا تترك مجالاً للثرثرة أو الحقد أو الحزبيّة في الكنيسة. وإذا كانت الرعية منقسمة لأسباب عائلية أو سياسية فالاجتماع الكنسيّ هو الفرصة المُثلى لتوحيد الناس. وإذا كانت معموديتنا واحدة فعيشنا واحد ويصير عطاؤنا واحدًا بنعمة الله.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

القتل / السبت 5 تشرين الثاني 2011

في البدء كان القتل إذ قتل قايين أخاه هابيل بعد ان طرد الله آدم وحواء من جنّة عدن. إذا جعلتَ نفسك خارج الرعاية الإلهية يمكن أن تبيد أخاك الذي الله يرعاه كأنك تقتل الله نفسه. وقتل قايين أخاه حسدًا إذ قبِل الرب قربان هابيل وإلى قربان قايين لم ينظر فاغتاظ قايين حقًّا من الله اي انفصل عنه وتاليًا انفصل عن أخيه. وحصل انهما كانا في الحقل وليس في جنّة عدن فقتل أخاه.

ثم جاءت الوصية بموسى: «لا تقتل» إذ لم تسلّم اليك حياة الآخرين. هذه تذهب فقط الى من أعطاها وتدخل في رحمته.

ان انتزاع الحياة فيه استكبار او هو آتٍ من الاستكبار. والاستكبار هو التأليه إذ الله له أن يبيد. كل معصية تأليه للذات والقاتل هو المبيد الأعظم إذ يحسب ان من هو مزمع على قتله ليس له حق في الوجود. هو يعيدك الى العدم او هكذا يظن وبعد هذا يحس انه أعاد هو نفسه الى عدم ويزداد شعوره بعد هذا يومًا فيومًا وكثيرا ما ييأس من توبته.

إلغاء الآخر هو الشعور بأن انسانا يجب ان يعود الى العدم بسفك دمه لأن وجوده لا يطاق. ذلك ان حياته تأكيد لكيان له مزعج حتى الاختناق. ان لم تخنق العدو تختنق. الوضع الداخلي للقاتل عبّر عنه القرآن بقول: «من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا» (المائدة 32).

القتل في النفس يحدث. المبتغى إذًا ان تحب عدوك لأنك اذا استبقيته في الوجود تكون أنت وإيّاه ممجدين للرب وتنبسط السماء في قلبك وفي قلبه. ولك أن تفهم قول القرآن: «والفتنة أشدّ من القتل» لا بالمعنى المأثوروحسب ولكن بما هو أعمق ان ما يريده الرب منك ان تحرر قلبك من فتنته لأنه هو محرك يدك الى الجرم. وتفسيري هذا يلتقي بما جاء في إنجيل متى: «قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم» (5: 21 و22). في اللاهوت الروحي عند آبائنا ان الغضب هو الشهوة التي تلد خطيئة القتل او الضرب وكل نوع من أنواع العنف وتاليا ان المسعى الروحي ان تستأصل الشهوة لئلا تتحول الى المعصية. والنفس الحرة من الغضب هي النفس الهادئة وهذا المنحى في تهذبه (اي اذا نحا نحو المبدأ) هو مذهب الهدوئيين الذين أبادوا كل شهوة في أعماق نفوسهم وصار الله وحده يسودها.

إلحاح الجريمة ثقيل جدا. حكى لي صحافي كبير في النهار انه تعرّف الى قنّاص من زمن الحرب قال له: «اني كل يوم أفيق في الليل وأرى الذين قتلتهم بوجوههم وألبستهم وهذا يقلقني جدا». كانت هذه عودة الرجل الى ضميره بعد ما حاول فريقه العسكري ان يطفئ فيه الضمير. تذكر القتل قد يلازم صاحبه عشرات من السنين او طوال حياته.

مع ذلك هذا هو الخروف الذي ضلّ في الجبال ويبقى أخا لنا وعلينا رعاية نفسه المجروحة ليفسح لربه مجال زرع كلمته فيها. وقد يكون هذا قاتلا كبيرا ومع ذلك للطراوة ان تعود اليه وتجعله حملا وديعا. التوبة عمل الله في النفس فاذا انفتحت له بالبكاء يمسح الله عن عينيها كل دمعة. بعض من قديسينا كانوا من أكبر العصاة وأخذهم ربهم برأفته وحنانه ولم يتبق فيهم الا ذكره.

استخلص من هذا ان علينا ان نربي أنفسنا على الغفران وهذا يستنزل رحمة الله علينا وقوته ويضع حدا لجموح الصرع فينا. التحول الكبير ممكن بعطف العلي مهما توغلنا بالمعاصي لأن القلب البشري حبيب الله والنفس قادرة ان تقول: «ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب» (مزمور 33: 8). واذا بلغنا العشق الإلهي بعد إثم لا ينكره الرب الى الأبد. من عظمة الرب ان ذاكرته تتفرغ من ذكر المعاصي. هل هذا هو غفرانه؟

# #

#

كان هذا كلاما في القتل الفردي. ما الكلام في قتل الجماعات بعضها بعضا؟ ما الحروب؟ ما من شك ان هناك بلدانا تبغض الاخرى او كان هذا عميما قبل الحرب العالمية الثانية ثم رأينا شعوبا بات من شبه المستحيل ان تتقاتل الآن. هناك ترويض ممكن.

هناك شعوب عرفت التحارب بما بدا سببا دينيا. أجل، يستعار الله من أجل القتل. على منطقة الجندي الألماني في عهد هتلر كان مكتوبا «الله معنا» واعتقدت شعوب ان الله يفوضها بقتل شعوب وان القتلة عسكر الله ومن هذا القبيل لم يخطئ كارل ماركس بقوله: «الدين أفيون الشعوب». هو شاهد القتل باسم الله واستمرار الفقر باسمه او قبول الفقر باسمه. هل اذا ذُبح فريق باسم الله يحزن الفريق الآخر؟ ملاحظتي ان هذا قليل جدا وكأن الذين لم يحزنوا شاركوا في القتل. متى نتصالح ونغفر الخطأ للخاطئين؟ ليس أحد منا وكيلا لله في سفك الدم. وكل تفسير او تأويل يتضمن معنى كهذا يكون من الشرير. ألا يستطيع المؤمنون في كل دين ان يدعوا بعضهم بعضا الى ميثاق سلام يجعل القتل في سبيل الله بدعة او كفرا؟

الى هذا أمن غير المعقول تغيير ايديولوجية الشعوب فتصبح ان الجيش دفاعي فقط اذا اعتدي عليه؟ اذا سمح لي ان اهذي أفلا اقول لماذا لا يمنع انتاج السلاح اطلاقا؟ يبدو ان المعامل في حالة الخطر تتحول بسرعة الى إنتاج آلات الموت. لماذا تخاف الشعوب؟ الى هذا لا أفهم كيف تقبل الولايات المتحدة اقتناء كل فرد من افرادها السلاح. ماذا يعمل اذا غضب الانسان وتشنج.

يعطى المواطن أداة القتل لم يحاسَب اذا قتل. كيف يتكلون على فضيلته؟ طبعا لا يمكنك ان تشفي الانسان من الغضب ومن امكان إبادته للإنسان الآخر الا اذا نزلت عليه نعمة الله. الغضوب جارح من داخله. لماذا اذا ادوات الموت؟ لماذا يجب ان نموت بغير أمر الله؟

افهم ان قول الملائكة عند مولد المسيح: «المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام» تعني ان الطاعة لله هي سبب السلام. أليس للأديان والدول ان تعمل شيئا ليتحقق شيء من هذا ان لم يتحقق كله؟ تلك كانت الغاية من تأسيس هيئة الأمم. هل نحتاج الى اتفاق سياسي علمي لنبلغ المحبة ام نسعى بالتطهر الذاتي لنزرع التراحم بين الأفراد والشعوب؟

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الغنيّ ولعازر/ الأحد 30 تشرين الأول 2011/ العدد 44

مَثَلٌ من لوقا، والمَثَلُ في الأناجيل حكاية ألّفها يسوع لم تكن محكيّة في الشعب. يصوّر فيها إنسانا غنيا وآخر فقيرا. الغنيّ يلبس الأُرجوان والبزّ وهو الحرير، «ويتنعّم كل يوم تنعّما فاخرا». الغنى الفاحش باللباس والطعام والمأوى والأثاث. هذه كلها متعة يومية.

يصوّر الإنجيلي الى جانبه فقيرا مطروحا عند بابه. كان مطروحًا لأنه كان مُصابًا بالقروح. كان جائعًا دائمًا تأتيه الكلاب لتلحس قروحه. نحن مع مرض شديد يُعرّض صاحبه الى عشرة الحيوان. اسمه لعازر اي الله هو الأزر أي العون. لعل لوقا أعطاه هذا الاسم ليدلّ على أن الفقير ليس له إلا الله.

«فنَقَلَتْه الملائكةُ الى حضن إبراهيم». هذه عبارة عند اليهود ترمز الى سكنى الملكوت. كان الفقير إذًا من عُشراء الله. الإنجيلي أراد أن الفقراء اللهُ رِزْقُهم ومُعينهم.

ثم جاء في النص أن الغني «مات فدُفن». وقال لوقا انه في الجحيم وهي في لغة العهد القديم مملكة الموت، وأَوضح انه في العذاب. لا يقول الإنجيلي لماذا هو في العذاب، ولكن مما سبق في النص الإنجيليّ نفهم أنه لم يكن يُشفق على الفقير ولم يكن يلحظه مطروحًا قرب باب قصره. هذا الغنيّ توجّه الى إبراهيم ورأى الفقير في حضنه. اشتهى أن يكون في الملكوت، ولكنه لا يستطيع أن يُلغي العقاب الذي استحقّه في دنياه، وأوضح الكاتب هذا بقوله: «بيننا وبينكم هوّة عظيمة قد أُثبتَت». اشتهى أن يغيّر ذووه الأغنياء مثله سلوكهم باقتبالهم رسولا من السماء. سأل هذا إبراهيمَ الذي يقتبل في حضنه أبناء الملكوت.

أتى الجواب قطعيًّا: «عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم». يقصد بموسى والأنبياء كُتُب العهد القديم التي تُعلّم الرحمة وكيف يخلص بها الانسان ليس أن الله بطبيعته شديد العقاب ولكن الخطيئة تُعاقِب صاحبها وتمنعه من رؤية الله ومن مُشاركة القديسين. كان لوقا كثير الوضوح بقوله عن أهل الغنيّ وأصحابه: «إن لم يسمعوا من موسى والأنبياء فإنهم ولا إن قام واحد من الأموات يُصدّقونه».

نحن نُمتَحن على محبتنا التي نُظهرها في هذه الدنيا. فإن وُجدتْ فينا على الأرض تبقى في النفس التي يستردّها ربنا اليه، ومحبتنا الباقية فينا هي خلاصنا. والمحبة هي أولا أن نرى الآخر وحاجاته وأن نجعله يحسّ أنه أخ وأن ما لنا هو له. إنه شريكنا في ما نملكه. وهي من حقّه علينا. إذا حصلنا على ثروة فنحن أُمناء عليها لا في سبيل ملذّاتنا ولكن في اعترافنا أنها أمانة لجميع الذين هم معنا وحولنا إذ لا يجوز أن يبقى أحد بلا طعام وكساء ومأوى.

ما لنا ليس في خدمتنا وحدنا. إنه للإخوة جميعًا ولا سيما للمعوزين الذين نحن وكلاء الله في خدمتهم حتى نُمجّد الله بما أَعطينا ويُمجّدوا هم بما أَخذوا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

النميمة / السبت 29تشرين الأول2011

اذا اردت الا تواجه نفسك اي حقيقة وجودك يصير لسانك سيفا على الاخرين لتقتلهم فيك اذ انت عاجز عن إبادة خطاياك او لا تراها لئلا تخيفك وتبقى مضطجعا على ذاتك التافهة. عندما يصير كل الكلام في السياسة مسيطرا على السياسة الخارجية اي طعنا ببلد آخر هذا يعني ان الزخم الجمعي في البلد المثرثر دليل الفراغ فيه والانتفاخ هو الفراغ. الآخر، اذ ذاك، جريحك او قتيلك اذ لا ترى نفسك ذا جروح او قريبا من التلاشي. انت لا تقدر ان تعترف لأن الاعتراف هو الكشف والكشف بدء التداوي او كله وهو اليقين ان الآخر طبيب لك او انك ناتج من فحصه ونصحه.

الثرثرة هي القوقعة اي هذا الانطواء على الفراغ. لا تستطيع ان تتحمّل الفراغ فتهرب منه لتدمير الآخر غير مدرك انك تدمّر نفسك. انك تبدأ تدميرها اذا أحسست ان الآخر اذا أحبك تكتشف ذاتك الحقيقية وتحبها اذا رغبت في إصلاحها بالمشاركة وهي نظرة الناس اليها بحب. تنوجد انت فقط اذا أحببت وانحنى عليك من أحب ربه. لعلّ الغاية الوحيدة لله في خلقه مسيرة المحبة فيه. فيها فقط يتجلّى الله والمحبة اقتفاء الكلمة الذي من البدء كان.

اما اذا انطويت فلا بد لك من حديث يأتيك من الفساد والشر فيك وقد أغراك الهوى ونعني به جذور الخطيئة. اوساخ تعرف انت طبيعتها او لا تعرف ولكنك تنزعها من عمقك ونتيجتها الأذى ولو لم ترده صراحة وعمدا. ولكن لا بد من الأقذار ان تخرج لتقبع في نفس اخرى ما لم ترفضها هذه النفس لكونها طاهرة. فلا يصيب السهم دائما فتؤذي النميمة صاحبها فقط.

#   #

#

الاخلاقيون يميزون بين الافتراء والنميمة. لم أجد في القرآن سوى افترى، وفي معظم الآيات هو الافتراء على الله كذبا او هو التكذيب بآياته ام سمى القرآن اعداءَ المسلمين مفترين من أمثال ذلك: «ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب» (سورة المائدة، الآية 103)، «ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون» (النحل، 116).

الكذب خوف عند فاعله وتجريح للآخر. هذا هو الافتراء ولكنك قد تقول عن الآخر امرا واقعا لا كذب فيه اما لأنك ثرثار او لقصد التجريح. تقول مثلا: هذا سرق وفي هذا تتحدث عن أمر حصل. هذا ما يسميه علماء الأخلاق نميمة ويقولون افتراء اذا لم يحصل سوء وانت اخترعته.

اي كشف لعورات الناس يسيء اليهم اساءة كبيرة لأن هذا يدعو من له مصلحة بهذا الى ان يمزقهم تمزيقا وقد تلازمهم نميمتك طوال حياتهم. هذا يصح كثيرا اذا تناولت عفة النساء بطعن. يصدّق الناس هذا بسرعة ولا يسعون الى تدقيق في الأمر. وقد ينتقل الحديث من لسان الى لسان ويدمر عائلة او عائلات وانت مدعو الى ان تكون عن آثام الناس صامتا والصمت ينجّيك دائما من الإفصاح الرذيل. الصمت مراقبة للنفس عظيمة اذ كثيرا ما تخلو هكذا في حقيقة ربها لأنها تكون منشغلة بالتوبة. اما الثرثار فلا يعرف التوبة.

قد تجعلك اجتماعيات سامعا لكل شيء. هذا ترميه في بئر الصمت ولا تترك لنفسك مجالا للتأمل في معاصي الناس خشية ان تقع فيها. آباؤنا حذرونا من ان نتذكر خطيئاتنا الماضية بعد ان تبنا عنها خوفا من ان تغرينا بها ثانية. انت تتأمل في الفضائل وجمالها علها تجذبك اليها ولا تتأمل في الفاسدات لئلا تحلم بها او باقترافها.

#   #

#

اقرأ هذا: «اللسان نار، وهو بين أعضاء الجسد عالم من الشرور ينجّس الجسد بكامله ويحرق مجرى الطبيعة كلها بنار هي من نار جهنم. ويمكن للإنسان ان يسيطر على الوحوش والطيور والزحافات والاسماك، واما اللسان فلا يمكن لإنسان ان يسيطر عليه… وهذا يجب ان لا يكون، يا اخوتي» (يعقوب 3: 5-13). اذا كان الرسول يرى الصعوبة في عفة اللسان ويطلب الينا مع ذلك العفة فهذا يعني انها ممكنة ان التمسناها من الله.

الله لا يريد منك إلا نقاوتك اذا كانت قوية فيك تصبح ينبوعا لنقاوة الآخرين. كل منا يريد ان يكون محبوبا. لذلك يتقلص ويحزن ان انت افتريت عليه. كذلك يحزن ان نقلت عن لسانه ما أسره لك شخصيا. خذ هذه القاعدة ان تعتبر ان ما يقوله احد لك كثيرا ما لا يريد او يجرؤ الى قوله لسواك. كل ما نسمعه اعتبره سر كما يقول المسيحيون. اما اذا أدركت ان إشاعة حديث بلغك ينفع الناس ويقويهم في الحق فأشعْهُ على الا تكشف حديثا ائتمنت عليه وما أراد صاحبه ان تذيعه.

«المجالس في الأمانات» قاعدة سلوكية عندنا. لذلك كان الصمت اولى وأنفع في معظم الحالات. هنا استعفاف يبنيك ويبني الآخرين. ليس كل ما تعرفه مشاع. معظم الأشياء ملك لأصحابها ولمن ائتمنوهم، فتقيّد بهذا حفظا لطهارتك وحفاظا على سلامة الآخرين وصيتهم.

كل انسان سره له وقد تسمح له الصداقة ان يخبر عنه اذا تأكد ان ما يقوله ليس فقط لا يؤذي ولكنه نافع. تحصّن بالصمت يجعلك مبلغا بصمتك. انه لا يحتاج دائما الى كلماتك لينقل الخير الذي اختزنته. الانسانية شركة محبة والمحبة تحتاج الى شهود يحيون انفسهم بالوصايا الإلهية ويحيون الناس بعطفهم ولطفهم ومعاضدتهم في الخدمة. هؤلاء كان الله بهم رحيما.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

مِن سيرة بولس/ الأحد 23 تشرين الأول 2011 / العدد 43

في رسالة اليوم يقول بولس الرسول انه بَشّر أهل غلاطية بالإنجيل. هو يدُلّ بهذه الكلمة على تعليمه ولا يقصد الأناجيل الأربعة التي لم تكُن مدوّنة عندما أَرسل هذه الرسالة الى أهل غلاطية. ثم يقول انه لم يتسلّم هذا التعليم من إنسان ولا من واحد من الإثني عشر، بل تسلّمه من الرب مباشرة اي بإعلانٍ أَعلنه له السيّد.

ويُثبت هذا الكلام بأنه لما كان في ملّة اليهود كان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويُدمّرها، ونحن نعلم هذا من أعمال الرسل حيث قال هذا. فلما ظهر له المُخلّص على طريقه من اورشليم الى دمشق حوّله الى تلميذ له لم يوجد آنذاك في حماسته وإخلاصه وسعة علمه وعمق لاهوته أحد.

هذا لمس عند ظهور الرب له على طريق دمشق أن الله أَفرزه اي اختاره من جوف أُمه ليكون له تلميذا ودعاه الآب بنعمته أن يُعلن ابنه فيه ليبشّر به بين الأمم الوثنية، وبهذا أخذ في ما بعد تفويضًا من التلاميذ حتى قال: «لساعتي لم أُصغِ الى لحمٍ ودمٍ» أي لم أَسلُك حسب انفعالات بشرية، ولكن أَسلمتُ نفسي لصوت يسوع وأمره.

كان بولس يعرف أنه أساسيّ أن يتّصل بالرسل ليوحّد نفسه بهم لا ليأخذ منهم سلطانًا إذ اتخذ هذا السلطان من المسيح مباشرة. ويوضح أنه من دمشق انطلق الى ديار العرب. ويعتقد المفسرون أن هذه الديار هي حوران وكانت في الإدارة الرومانية تسمّى العربية.

ماذا فعل هناك؟ ربما وجد بعض المسيحيين القلائل وعايشهم لأن حوران ليست بعيدة عن دمشق. وما من شك فيه أنه كان يصلّي ويختلي بربّه ويعلن له ربّه حقائق الإيمان، وهذا يؤكد ما قاله في مطلع هذه الرسالة.

ثم يقول: «إني بعد ثلاث سنين صعدتُ الى اورشليم». هو لم يقضِ سابقًا، أي بعد تنصّره، وقتًا في اورشليم. وذهابه اليها بعد هذا الغياب الطويل كان هدفه أن يزور بطرس. معنى ذلك أنه كان يعرف أن بطرس لم يكن قد غادر فلسطين في السنين التي قضاها بولس في ديار العرب. عرف بولس ذلك بطريقة ما. فقال: «أَقمتُ عنده خمسة عشر يومًا، ولم أرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب» (اي نسيب الرب يسوع).

ماذا كان يعمل بولس هناك؟ لا شك أنه كان يصلّي كل يوم مع بطرس ويتحادثان في اللاهوت.

الى هذا يدلّ هذا الكلام على أن بقية الرسل كانوا قد غادروا فلسطين الى بلاد التبشير. ولا نقرأ في أعمال الرسل أن بولس استطاع أن يتصل بأحد منهم، ثم نراه على علاقة مع بطرس في أنطاكية.

نستدلّ من هذا الكلام أن بولس سعى أن يبقى ملاصقًا للرسل. نحن نبقى مع كنيسة الرسل التي هي كنيستنا. لا نستطيع ان نعيش بعيدين عن الإخوة. إنهم جسد المسيح.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأرض الجديدة / السبت في 22 تشرين الأول 2011

الله في كل نفس بشرية. يملأها ولا تحده لأنه ليس في مكان ويملأ كل مكان. وهو الذي يحيي النفس ولو تسربت اليها الخطيئة لأن هذه لا تستطيع ان تلغي الحضور الإلهي في الذات البشرية. فان هذه صنعها لما جعلها على صورته. القلب البشري وحده سماء الله وانت تدخل قلبك لتراه أكان ذلك قبل الموت ام بعده. واذا اواك الرب في نعمته لا يلغي موتك مأواه. بعد فراقك هذا الوجود انت لا تصعد الى السماد اذ ليست هي فوقك ولا تنزل الى الجحيم لأنها ليست تحتك. انت «في الصعود» امام الله تعزية لك وحياة ابدية وانت ايضا امامه في الجحيم وليس هو الذي يعذبك ولكن خطيئتك تعذبك. المواجهة مؤلمة اذا لم تشأ هنا ان تصبح من جنس الله.

فاذا كنت لا تصعد ولا تنزل تكون انت المقر للحسن وللسوء فتجيء بالحسنات اليك وبالسيئات اليك. يقول القديسون عندنا ان البهاء الإلهي والقباحة لا يجتمعان فيك بمعنى ان الله يطرد المعاصي المتعششة فيك وهم ينطلقون من ان الفضائل متماسكة والرذائل متماسة. هذا نعرف شيئا منه. فالسارق لا محال يكذب ومن قتل يرتكب كل المعاصي او قادر ان يرتكبها. القديسون نظروا الى نهاية الجهاد حيث تتلاحم كل الفضائل فينا واذا انقطع الجهاد تتواصل الرذائل. ولكن على طريق السمو او السماء وهما واحد . انت في صراع مع ما في نفسك التي تلتقي فيها مشاعر متصادمة كأنها ملعب لأحاسيس متضاربة تختلف بين شخص وآخر. الواقع ان ثمة فضائل تتضمّن اخرى او تقويها اذ ما من شك مثلا انك لا تبلغ التواضع الا تجمعت فيك ذروة المحاسن.

اذا صحت هذه القراءة تكون النفس مشدودة بين مشاعر متناقضة الا عند الذين تحرروا من الهوى كما يقول المتصوفون الارثوذكسيون اي الذين بلغوا ذلك الهدوء الذي يقيمهم في عدم الانفعال بالشهوة. اما نحن ساكني الارض فنبقى في الصراع حتى يتم الله علينا رضاه ويرفعنا فوق هذه الترابية المحزنة.

#   #

#

ليس عندنا شيء مقبل لا نذوقه في هذه الدنيا بمقدار. لذلك صح قول المشككين ان جهنم هنا والسماء هنا ولكن الخطأ عندهم نكرانهم ان الـ «هنا» يمتد الـ «الهناك» لكون الانسان دائما بقوة القيامة التي يحملها او بقول الله انه باعثنا من القبور. في المصطلح المسيحي عندنا الدهر الحاضر والدهر الآتي. مشكلتنا مع الملحدين ان بنكرانهم وجود الخالق ينكرون اي وجود للإنسان بعد موت. ينتهي الإنسان عندهم مع هذا الدهر. ربما لهذا سماهم الرب دهريين. عندنا ان الدهر الآتي تتويج للدهر الحاضر. فاذا كان زمانك الحالي زمانا الهيا يبقى كذلك بعد موتك واذا كان ملؤه الشر يبقى قبيحا بعد فراقك هذه الدنيا. عندما نتكلم نحن عن سماء وجهنم كحالتين من الدهر الآتي لا ننسى ان هذا الآتي يبدأ هنا. السماء ليست اذًا، حسب التصور التقليدي، ما تسعى اليها فوق ولكنها الاتية اليك هنا. هي تنزل. انه مصطلح لغوي فقط ان نقول سماء بالعربية لندل على السمو والارتفاع لأننا نشبهها الى الجبال التي ترتفع اليها من السهول.

كذلك جهنم التي تعني بالعبرية وادي هنم الذي كان محرقة الزبالة في اورشليم (القدس) يملكها انسان مدعو هنّم تعني بالتصور الموروث مكانا لعذاب النار. طبعا ليس من نار خارج ما يحرق الجسد او المتاع في هذه الدنيا. ليس في الدهر الآتي من امكنة. الله وحده هو الوجود. الكتب المقدسة استعارت لفظة النار لأنها مؤلمة جدا وأقصى درجات الحريق تسبب الموت.

جهنم فيك ولست انت فيها. ما لم يمت ضميرك – ولا يموت الى النهاية- فعذابك هو الخطيئة. وكلما قوي ايمانك وارتكبت يقوى ألمك الداخلي ولا نجاة منه الا بالتوبة اي بالاقلاع الكامل عن الخطيئة وحب الرجوع الى وجه الله. عند التماسك هذا الوجه تنزل اليك السماء وتطرد ما فيك من بقايا الخطيئة اي يمكنك انت طرد السماء او طرد الجحيم. ويمكنك -ان لم تكن مؤمنا جديا- ان تتلاعب بينهما.

هنا تتبين ان من نسميهم قديسين هم وحدهم أنصار الله حتى الأخير لأنه هو وحده حبيبهم. انهم آثروا وجهه على كل وجه وحلاوته على كل حلاوة. يدفعون ثمن هذا الحب غاليا. انهم لقد انقطعوا عن كل ما يعيق اتحادهم بالرب. كل معصية اتحاد. لذلك عليك ان تميتها فيك لتتحد بربك. وهذا حسب تعبير الروحانيين عندنا زواج. النفس في لغتنا عروس الله اذا أبادت نزواتها وقالت فقط ما يقوله لها الرب وحفظت وصاياه.

#   #

#

هذا الذي ينشئ نفسه على كلام الله يكون من كلام الله. لا يعمل من اجل ربح السماء. انه ربحها منذ الآن. عير ان من تأكلته خطاياه يحس انه في الجحيم لأن بين الإنسان ذي الضمير الحي والخطيئة نفورا. انه عند كل خطيئة هو مرمي في النار. في الوقت نفسه يجوع الى الله. حتى الانسان الطاهر جائع الى الله اذ يتوق الى ان يسكنه روح الله دائما وفي عمق. يأبى الانسان الصالح ان تلطخه المعصية ويعطش الى ان يجبهها في كل حين. من المحزن طبعا الا يحس بعض القوم بخطورة المعصية وقباحتها. تدخل اليهم ولا يأبهون لها، يعايشونها بلا احساس منهم بخطورتها. يبقى واجبنا ان نكشف لهم جلال الله لينجذبوا اليه ويحيوا به ويتحسسوا جسامة الخطايا. هناك خطايا يصعب استئصالها ولا سيما اذا عتقت. لها كيانها، حضورها الفاعل. مع ذلك لا يسوغ ان نيأس من انسكاب نعمة الله على هؤلاء. اذا اكثرنا الصلاة من اجلهم لهم بها فرصة التجلي فيسكنون بهذه الأنوار التي حلّت فيهم بعد ان صاروا خلائق جديدة.

اهمية الصلاة من اجل من نعرفه غارقا في بحر من سيئات ان السماء لجميع ساكنيها. ان ودنا لهم ان يبتغوا البرارة حتى لا يرضوا انفسهم في الرذائل. ونحن لا يجوز لنا ان نفرح بخلاص فردي. الله يريد الكل ان يخلصوا. ان نتمم مشيئته هو ان نريد ما يريد وان نسعى اليه. واذا هبطت السماء الى هذه الأرض تتجلى الكنيسة -العروس ونصير واحدا في القداسة.

الى الصلاة تأتي هذه الوحدة بالقدوة. ان ترى مثلا ناسا صادقين طوال معرفتك بهم يدفعك الى الصدق. الناس بالقدوة يطهرون بعضهم بعضا وينشئون جسد المسيح.

كل ما في الأرض باطل قبل ان تصبح الأرض سماء فيما تقوم بأعمالها العادية، فيما تأكل وتشرب وتتآلف على الحب. القضية الوحيدة ان نستعيد الفردوس المفقود الى الدنيا التي نسكن حتى تردم الهوة بين الله والناس ليفرح الرب بأبنائه ونفرح نحن بأبوته.

السماء الجديدة التي يتكلّم عليها سفر الرؤيا هي الأرض الجديدة التي يسكن فيها العدل. هذه الأرض يجددها الله وأحباؤه في كل حين. اليوم، اليوم اصنعوها لمجد الله وفرحكم.

Continue reading