Author

Aziz Matta

2011, مقالات, نشرة رعيتي

عيد ارتفاع الصليب / الأحد 11 أيلول 2011 / العدد 37

هذا العيد مرتبط بحادثتين أُولاهما اكتشافُ القديسة هيلانة الصليب تحت تراب الجلجلة فيما كانت في فلسطين تبني الكنائس. اما الحادثة الثانية فهي أن عود الصليب كان موضوعًا في كنيسة القيامة وسرقه الفرس الذين كانوا قد احتلوا اورشليم في السنة 628، وبعد أن انتصر عليهم الامبراطور البيزنطي هرقل أعاد الصليب الى المدينة المقدسة، فرفعه البطريرك أمام المؤمنين.

من هنا عبارة ارتفاع او رفع الصليب. وفي يوم العيد يصير طواف قبل القداس اذ يوضع صليب صغير على صينيّة فيها زهور، ويوضع على طاولة امام الهيكل، ويرفعه الكاهن فوق رأسه وينزل به الى الأرض أثناء ترتيل «يا رب ارحم» خمس مئة مرة، فيعطي الكاهن زهرة لمن قبّل الصليب الكريم.

في كنيستنا لا يوجد صليب بغير مصلوب مرسوم عليه او منحوت موضوع عليه فيصبح، عند ذاك، أيقونة. السجود هو اذًا لصورة المصلوب على رجاء القيامة.

إيماننا كله مرتكز على صلْب المسيح وقيامته. وهذا الصلب نحتفل به بمناسبات مختلفة خارج الأسبوع العظيم منها هذه المناسبة. بلا موت المسيح ليس عندنا رجاء. وإذا المسيح لم يمُت ولم يقُم ليس لنا قيامة ولا أساس لإيماننا. المحبة التي بشّر بها المسيح ظهرت بنوع خاصّ على الصليب وتجلّت بالقيامة. المحبة ليست فقط تعليمًا. هي واقع الصلب وواقع نهوض المسيح من بين الأموات. هذا نُعبّر عنه بوضع الصليب في عنق الولد المعمَّد ليفهم طوال حياته أنه دُفن مع المسيح وأنه سيقوم على رجاء الحياة الأبدية.

هذا العيد يجدّد دعوتنا الى أن نسلك حياة جديدة، أن نصبح خلائق جديدة بالروح القدس. الصليب رمز لهذه الحقيقة التي كشفها لنا المُخلّص والتي نسعى أن نختبرها بذوق كل جمالات المسيح إذا أردنا التغلّب على شهواتنا. بمقدار انعتاقنا منها نكون قد أعلنّا أننا نتبع المسيح القائم من بين الأموات.

الحياة الجديدة تعني التوبة التي هي الرجوع الى وجه يسوع وترك مُغريات الدنيا. «من أراد أن يتبعني فليكفُر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». تُقرّر انت أوّلا أن تمشي وراء المسيح، وأن تتحمّل كل شيء بصبر، وفي الوقت نفسه أن تحبّ الإخوة ليراكُم الناس أنكم أحرار من الخطيئة وقياميّون.

أجل أنت متألم ككل البشر، والمسيح حمل آلامكم. كل يوم سوف تعاني وقد تقلق كثيرًا، وإنْ أَردت الفرح فهو الذي يعطيك إياه يسوع اذا سلّمته قلبك ليسكن فيه. هذا يعني أن تتخذ الصليب رفيقًا لك لتتحمّل هذا الوجود وتسير به الى فوق.

ولكن قيام الوجود معك ورَفْعَه الى المسيح يتطلّب منك الجهاد لمعرفة كلمة الله التي في الإنجيل. إقرأه كل يوم وتأمله ليرى الرب أن وجهك صار نيّرًا وأنك سائر الى حياة جديدة. وإلى جانب معرفتك للإنجيل اختبارك للصلاة اليومية الى جانب مشاركتك في القداس الإلهي كل أحد.

لا حياة لك إلا بحديثك مع الله صباح مساء ليكون فيك الشعور بالله ورحمته وجلاله واحتضانه إياك.

تجديد حياتك الروحية هو الذي يكفل لك القوّة لحَمْل الصليب فالسير الى القيامة.

إشارة الصليب على وجهك وصدرك تَمّمْها بوعيِ أهميةِ الصليب والتصاقك به بهذه الإشارة حتى تعرف أنك سماويّ.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

عيد الصليب / السبت 10 أيلول 2011

في الرابع عشر من ايلول تعيّد الكنائس لارتفاع الصليب. وغني عن القول ان المسيحيين لا يعبدون خشبة الصليب ولا يضعون في الكنائس الصليب الا اذا صار ايقونة اي رسم عليه المسيح. فكل ذكر للصليب في العبادات يعيدنا الى الذي مات عليه. لماذا هذا العيد؟ الأعياد المسيحية فئتان: الأعياد الفكرية مثل الميلاد والفصح والأعياد التي هي تذكارات لحوادث تاريخية يضاف اليها الفكر اللاهوتي.

ما سميناه عيد ارتفاع الصليب يؤرخ لحادثة اولى هي اكتشاف صليب المخلص مطمورًا تحت تراب الجلجلة حيث مات واكتشفته القديسة هيلانة ام الامبراطور قسطنطين التي بنت كنيسة القيامة وكنيسة المهد. وضع عود الصليب في كنيسة القيامة حتى 4 أيار 614 فسرقه الفرس في تلك الفترة بعد احتلالهم اورشليم (القدس). في الـ628. بعد ان انتصر الامبراطور البيزنطي هرقل على الفرس اعاد هذا الامبراطور الى المدينة المقدسة فرفعت الكنيسة هذا العود امام المؤمنين وابتدأ العيد. وجزئ الصليب اجزاء صغيرة جدا ووزع على المؤمنين في كل الدنيا بمعنى انه الآن مجرد ذخائر عند ألوف مؤلفة من المسيحيين.

الجانب الطقوسي لهذا العيد غاية في الجمال في الكنيسة الأرثوذكسية اذ يرفع الكاهن قبيل القداس الصليب فوق رأسه وينزل به الى أرض الكنيسة وذلك خمس مرات وسط ترتيل مطول وبعد ان يقبل المؤمن الصليب يدفع الكاهن اليه زهرة كانت تحيط بالصليب عندما كان يحمل في الطواف ليؤتى به الى المائدة التي يتم عليها التكريم.

كل المسيحيين على درجات مختلفة من الأبهة والبهاء الطقوسي يعبرون عن ايمانهم ليس فقط بالكلمات والانشاد ولكن بالرموز ايضا بحيث ساغ القول ان القداس الشرقي بنوع خاص مسرح ديني فيه انواع من الفنون المختلفة وسجدات وركعات وحركات كإشارة الصليب على الوجه والصدر وفي العبادات ايضا ماء وخبز وخمر وزيت وزهور واكاليل للعرسان وزيت وتراب على الجثمان وثياب تختلف ألوانها حسب المواسم وثياب خاصة بكل رتبة وايقونات وتصوير جداري لشعور المؤمنين انهم يمجدون الله في نفوسهم وأجسادهم معا وذلك بسبب ايمانهم بقيامة الأجساد.

هناك ملموسية ضرورية لك معرفتها لتفهم المسيحية كما تجسدت في الألفية الأولى -وكل ما نتممه اليوم- قائم وتام في الألفية الأولى. تفهم الناس كما يفهمون هم انفسهم.

#   #

#

لك ان تقبل موت المسيح ولك الا تقبله ولن اناقشك. ولكن ان اردت ان تعاشر المسيحيين لك ان تفهم عمق ايمانهم بالمصلوب. لن تفهم ذرة واحدة من ايمانهم وبالتالي لا تستطيع ان تودهم ودا كبيرا ما لم تدرك سرهم اي ما يحركهم في العمق وتبقى حرا بتصديق حادثة الصلب او عدم تصديقها. كل حرارة الحب في المسيحية أتت اليهم فقط من صلب المخلص. كل صلاتهم وطهارة بعضهم وانجازاتهم الفكرية في الشرق والغرب، كل ادائهم الشهادة بملايين من الشهداء جيلا بعد جيل، كل تقشف عندهم ونسك، كل غفران، وسلام في النفس ومحبات تبذل حتى الموت نازلة عليهم من المصلوب. لولاه لكانت المسيحية مذهبا من مذاهب اليهود.

انجيلهم ليس فيه سوى هذا الحدث كائنا ما كان صوغ الأناجيل اسلوبا ولغة، الأناجيل تبدو بسيطة ولكن مضمونها اللاهوتي غاية في التركيب. انها قائمة على جدلية موت المسيح وقيامته. اي تجليه الثنائي وسيادته على القلوب.

هذا الصلب هو الذي جعل المسيحية ايمانا بشخص يدعى يسوع الناصري وليست اساسا تصديقا بكتب. الناصري لم يكتب حرفا وأتباعه يومنون به لأنه مات ثم قام ودونت الأناجيل بعد موته بضع عشرات من السنين (الانجيل الرابع بعد السنة التسعين). فقبل نصها كان هذا الايمان الواحد قائما وكانت دماء الشهداء تهدر لا بسبب كتب ولكن بسبب الحب لهذا الشخص.

هذا صار الكاهن العظيم بآلامه واتخذ خطايا البشر على نفسه لكي تزول عنهم بالحياة الجديدة التي يعطيهم اياها بدخوله مملكة الموت ونزوله الى الجحيم اي الى قاع اللعنة التي لحقت بمن ماتوا قبله وبعده. ذلك ان «اجرة الخطيئة هي الموت» الذي صار موت ابن الانسان.

هذه الأوجاع التي تحمّلها هي أوجاع الناس جميعا، هي معاصيهم. اخذها في ذاته لكي ينجيهم منها. «دفنا معه بالمعمودية للموت (اي لنصير الى موته) حتى كما أقيم المسيح من بين الأموات نسلك نحن ايضا في جدة الحياة».

ولكن قبل ان تنال الحياة الأبدية حالتك حالة الإنسان الساقط والمتألم معا. اي انك انت ايضا مصلوب ولا تنجو من اي صليب وضع علي عاتقك الا بصليبه هو فتقوم منذ الحياة التي أنت فيها الى حياته لتصبح خليقة جديدة. انت لا تخترع الألم. هو يأتي من هذا العالم الذي هو تحت الشرير. يقلقك ويوجعك حتى تتساقط قيامة المسيح عليك بالتوبة وهي رجوعك بكل جوارحك الى وجهه وهذا هو الايمان الكامل تحياه على الرجاء وفي محبة ليسوع يغدق بها عليك فتصير اليه كائنا فصحيا.

«من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» المسيح لا يلقي عليك صليبا. تؤتاه من ظروف وجودك علي الأرض. وان حملته تصير انسانا سماويا. لذلك كان عيد ارتفاع الصليب مسيرة لك دائمة. كل يوم مثقل وكل يوم ترفع عنك القيامة أثقالك.

من هذا المنظار كان هذا العيد ممتدا فيك كل يوم. هل الصبيان الذين يشعلون النار عشية ذلك اليوم يعرفون انهم مدعوون ليحملوا بها النور الى العالم فيصيرون قياميين؟ هل كان ذلك تبيانا لهويتهم؟

ما عيد ارتفاع الصليب الا قصة حب، أعظم قصة حب في التاريخ لأنها كتبت بالدم. هي زواج المخلص مع الإنسانية جمعاء. حبيبته ليست حصرا طوائف المسيحيين. هي الانسانية المطهرة من كل أطراف الدنيا. هذه هي جسده اي كيانه المعمد بماء او المعمّد بالروح. الذين يؤمنون بيسوع يؤمنون بالمحبة والناس كلهم احباؤهم لأن الناس جميعا يأتون من المسيح بطريقة او بأخرى وهو حاملهم بدمه الى أبيه وروحه حتى يكون الله الكل في الكل.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل بولس/ الأحد 4 أيلول 2011 / العدد 36

عندما يتحدّث بولس عن إنجيله يقصد تعليمه وبشارته ولا يقصد الأناجيل الأربعة. مهما يكن من أمر، لما كان الرسول يبشر ويكتب رسائله لم يكن اي إنجيل قد دُوّن. ويقول ان الناس يخلُصون بإنجيله اي انه يحتوي على أساس ما علّمه السيد وما عمله. وهو يشرح في مطلع الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس وفي مواضع أخرى أن الإنجيل هو البشارة بموت السيد وقيامته، وكل كلام آخر يقود الى الصلب والقيامة او يأتي منهما.

قوله «سَلّمتُكم ما تسلّمتُه»، غالبا لا يقصد أنه تسلّم من الرب مباشرة المعلومات المتعلّقة بموته وقيامته، او أنه يتكلّم عن التقليد الذي ورثه من الرسل بعد أن عاد من بلاد العرب الى اورشليم. لا بد أنه أخذ الوقائع الأساسية من حنانيا رئيس الجماعة المسيحية في دمشق قبل أن يعمده حنانيا بعد ظهور الرب له فيما كان ذاهبا الى دمشق لاضطهاد المسيحيين.

البشارة في هذا الفصل المنشور هنا ثلاث كلمات: المسيح مات وقبر وقام. عبارة «على ما في الكتب» ليست إشارة الى الأناجيل الأربعة، ولكنها تعني وفق ما جاء في كتب الأنبياء.

ظهور الرب لصفا وهو بطرس غير مذكور في الإنجيل صراحة، ولكنّ تلميذي عمواس ينسبان الى التلاميذ قولهم ان الرب ظهر لسمعان (لوقا 24: 34). ثم يوحنا الإنجيلي يقول ان السيد تراءى لسمعان في الجليل (21: 7). ربما يشير بولس الى هذا. أما الظهور لـ500 أخٍ في الجليل فلا بد أن يعني جمهورا من المؤمنين بيسوع.

اما الظهور ليعقوب فوارد في الإنجيل المنحول المعروف بإنجيل يعقوب. وعندما يقول انه ظهر للاثني عشر فلا يعني بالضرورة أنهم كانوا جمعا واحدًا في مرة واحدة.

تراءى لي انا ايضًا كأنه للسِقْط اي الولد المبكرة ولادته وانه يعتبر نفسه كآخر الكل لكونه اضطهد كنيسة الله بإفراط (أعمال 3: 3، وغلاطية 1: 13 وفيليبي 3: 6). إلا أنه خلصته النعمة التي انسكبت عليه كما انسكبت على الذين قبله. غير أن تواضع الرسول لم يمنعه من أن يحس أنه عمل أكثر منهم جميعًا في البشارة (2كورنثوس 11: 23). غير أن قناعته كانت أن عمله آت من النعمة.

المقابلة التي قام بها بينه وبين الرسل ذكَرها هنا لمّا كتب هذه الرسالة اي عشرين سنة بعد القيامة. اما بعد هذا التاريخ فقد جاهدوا هم كثيرا واستشهد الكثيرون منهم، وعندنا رسائل بطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا غير الإسخريوطي والأناجيل. ومهما كان أمر المقارنة فعمق بولس يبقى جذّابا لنا الى هذا اليوم، والكثيرون من آبائنا القديسين استمدّوا فكرهم من فكره ورسائله هي التي تقرأ معظم أيام السنة. ورؤيتنا للمسيح وطبيعته ومحبته وأفعاله يجب أن تكون لها أبعاد الرؤية التي لبولس لنحبّ يسوع حبا كبيرا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المحبة كإكليل وفحوى / السبت 3 أيلول 2011

قال باسكال العظيم ما معناه ان «للإنسان ثلاث مراتب: مرتبة الجسد ومرتبة العقل ومرتبة المحبة» وانا اواجه كل هذه المراتب باستقلالها وبتواصلها قبل موتي حتى تغلب الواحدة الأخرى ويقبضني الله بما يرضيه.

اما مرتبة الجسد ففيها هذا البدن مع جماله وضعفاته، مع ما يخبئ من تعقيدات وبما يعظم فيه ويهبط، بما يفرح ويولم الى ان يوارى الثرى على رجاء القيامة ان كنا مؤمنين. انه ركيزة، مجرد ركيزة لعقل يتوهج او يغيب. ويريد باسكال بكلمة جسد ما يملك في هذه الدنيا من منازلها، من ترهاتها ومسرات على مستواها وما في هاتين اليدين من فناء وحب فناء يبدو للأكثرين وجودا وما هو بوجود ولكن فيه سلوى وانبساط والبسط هو هذه الأشياء التي نتمدد فيها وتلهينا وتحجب عنا ما هو أعظم منها لأن الأعظم أصعب منالا اذ يتطلب جهدا كبيرا يبعد عنا شبح الموت. يذكرني هذا بما قاله بولس: «آخر عدو يبطل هو الموت». لا بد اذًا ان نتسلى. الكارثة اذا بقينا عند هذه التسليات ان نشاهد أنفسنا في فراغ مخيف يشبه اللاشيء حتى ندرك مرتبة العقل التي هي الإحاطة بالكون. الكون بالنسبة الينا معارف. هي حسرة الا تعرف كل شيء ولكن لا بد ان تجهل الكثير مما يفيدك في حياتك ولا سيما امور صحتك. وجد في الماضي من عرف كل شيء أمثال الغزالي وليوناردو دافينشي ولكن الموسوعية زالت في عصرنا. لذلك كان المتعلّم متعلما نسبيا والجهل عميم في بلدان كثيرة وشبه قارات هذه هو واقعنا ان العقل قوة للحياة العملية ولا يرشدك كثيرا الى الفكر الذي يعطيك الفرح. كيف لا يتحرك وجودك كله ان عرفت ان كاهنا مارونيا كان حافظا لمئة ألف بيت. كيف لا تشتهي ان تكون فيك كل الأحاسيس التي كانت تحيي هذا الرجل اذا كنت قادرا فقط على حفظ عشرة ابيات من الشعر. لا يعيش اذا في ذهنك الشعراء الذين كتبوا عندنا منذ امرئ القيس.

أليس ذهني مبتورا انا كاتب هذه الأسطر الذي غابت عنه كل العلوم الرياضية وكل العلوم الطبيعية وكان جاهلا بالكلية كل الثقافة الالكترونية وانتمي تاليا الى حضارة منقرضة. محتوى ذهني اذًا قليل.

العقل اذًا مجرد قدرة وليس فحوى. وليس عندك متسع من الوقت لتعرف كل شيء. الإنسان مجموعة فراغات.

كان معنا في أحد أديرتنا راهب روماني يتقن عدة لغات عصرية الى جانب اللغات القديمة منها السنسكريتية ويعرف كل العلوم العصرية ويستشهد بالشعر باللغات الأصلية كما يستشهد بالعهد الجديد باليونانية. وكنت أجلس عند قدميه ساعات في النهار الواحد لأتعلم ما أريد معرفته. لم أعرف احدا في ذكائه في كل العالم الأرثوذكسي. وهذا هو العقل.

#   #

#

عرفت القرون الوسطى اشكالية العلاقة بين الدين والعقل او بين النقل والعقل وذلك في الاسلام والكثلكة (توما الاكويني) واليهودية. ومن قرأ نصوص هذه الديانات الثلاث يلاحظ ان الاشكالية واحدة وهي التوفيق بين الوحي والعقل. كان ارسطو المعلم الأول غير المنازع في التيار الديني في هذه المذاهب.

الكنيسة الشرقية البيزنطية لم تعرف هذه الاشكالية ربما لعدم سيادة ارسطو عليها ومن جهة اخرى علم باسيليوس الكبير ان الطبيعة تعرفها بالعقل وان الإيمان يأتينا بالوحي وكأن باسيليوس يؤكد مصدرين للمعرفة وتاليا لا يرى مشكلة العلاقة بين العقل والوحي.

الى هذا ترى الكنيسة الأرثوذكسية ان العقل وقع ككل مكونات الإنسان في المعطوبية التي نتجت عما نسميه الخطيئة الجدية (أي خطيئة الجدين الأولين آدم وحواء) فلم يلغَ العقل ولكنه اهتز. الى هذا ايضا تقيم هذه الكنيسة علاقة بين العقل والقلب فنقول ان العقل ينزل الى القلب ثم يصعد متطهرا. العقل اذًا اداة لمعرفة هذا العالم.

ليس من خفض في الشرق المسيحي لمنزلة العقل ولكن سكر فيه ومحوه يعني عاطفية لا يراقبها شيء. والله معروف بالايمان الناتج عن لقاء العقل والقلب متلاقين بالنعمة الإلهية.

#   #

#

بدأ باسكال حياته الفكرية منذ طفولته ومر بعد هذا بالتكنولوجية وكان كاتبا مسيحيا كبيرا ولا سيما في كتابه «الأفكار» قبل ان يتوفى في التاسعة والثلاثين من العمر. و«الأفكار» مركز على معرفته للمسيح. فكان لا مفر له ان يجعل المحبة اعلى مرتبة في الكيان البشري. قال احد آبائنا ان يوحنا الإنجيلي عندما قال في رسالته الأولى الجامعة «الله محبة» لم يرد بها صفة من صفات الله ولكن الله في ذاته.

لعله من المفيد ان اروي لكم حديثا جمعني والمغفور له المفتي نديم الجسر في مجلس عزاء. بادرني بالقول انتم موحدون فشكرته ثم أردف ولكنكم فلاسفة. ولما أحسست بأنه يلمح الى ايماننا بالثالوث الأقدس اجبته: لا، لسنا فلاسفة. نحن عشاق الله ثم فسرت ان في الثالوث وحدانية تجمع بين الآب والابن والروح القدس وهذه الوحدانية هي المحبة.

نحن لا نفرق بين المحبة التي هي الله وتلك النازلة علينا اي انها ساكنة فينا. اظن ان هذا ما قصده باسكال لما قال ان المرتبة العليا في الوجود هي المحبة. وهذه تذهب بك الى الموت في سبيل الآخر ولا تأتي من مرتبة الجسد ولا من مرتبة العقل انت فيها تبقى ذاتك ولكنك تصبح مسكوبا حتى اماتة الأنا المنغلقة تصير واحدا مع الآخر بلا حلولية.

هذه المحبة هي لنا منه منذ الأزل وتبقى الى الأبد اذ يأخذنا الله اليه او فيه سرمدا. نصبحها وتصبحنا ولا تبقى الا وحدها في الملكوت.

غير انها لا تحل فينا الا بعد تطهر كبير ونسك شديد وعند ذاك، تتصور فينا وفي اهل السماء وجميعهم وحدة كاملة. انها لا تقوم مقام العقل ولكنها ترفعه اليها. لا تفنيه في ما له من ذاتية ولكنها تسموه وتنقيه بحيث يخسر كل اعوجاج له وكل اهتزاز ويصير بدوره أداة لرؤية الله.

فقط في هذه الرؤية يسيطر العقل على اشياء الدنيا كما تسيطر هي عليه. واذا صار الناس واحدا بالمحبة في اليوم الأخير يصير الله الكل في الكل اذ ينكشف الله فيهم محبة في طبيعته وعمله. بمعنى انه لا يبقى فيهم سواه فيعرفون انه مخلصهم لا أثر فيهم الا تنازله الكامل اليه ويجعلهم كالمسيح جالسين عن يمينه على العرش. المحبة لا تصير اكليلا لنا الا بعد ان كانت هي فحوانا.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

مكافحةُ بعضٍ لبولس/ الأحد 28 آب 2011 / العدد 35

يقول الرسول في مطلع هذا المقطع للمسيحيين الآتين من الأُمم أنهم ختْمُ رسالته. انهم اهتدوا بكلامه. لقد شكّ بعضٌ من كون بولس رسولا. لعلهم الجناح المتهوّد في الكنيسة الذين يريدون الحفاظ على السبت وأحكام يهودية وأن تستمر في الكنيسة او كان جناح يعتدّ بالروحانية. أيّا كان السبب رأى بولس أن عنده خصوما في الكنيسة.

ثم يتكلم على حقوقه «أن نأكل ونشرب». غير أنه لا يريد أن يأكل من الرعية. نقطة أخرى أن المبشّرين لهم الحق أن يصطحبوا نساءهم. كلمة «رُسل» التي يستعملها تدلّ على من كانوا غير التلاميذ الاثني عشر. مِن هؤلاء المسمّون «إخوة الرب» وهم أنسباؤه، وكلمة أخ كانت تُستعمل للدلالة على الأنسباء المقرّبين. ثم يذكر صفا أي بطرس اذ كان بعض المؤمنين في كورنثوس متحزّبين له.

برنابا المذكور هنا قد رافق بولس في تبشير جنوبي آسيا الصغرى (تركيا الحالية)، وذهب كل منهما في طريق. غير أنه يَذكُره هنا بلا تشنّج.

يُدلي بولس بأربعة حجج للدفاع عن حقّه في أن تساعده الرعية: 1) هذه هي العادة في الحياة اليومية، 2) هذا مؤسس على الكتالب المقدس، 3) هذا كان قائما في الهيكل، 4) هذا أمر واضح من الرب. هل يعمل الجندب على نفقته والغارسُ الكَرْمَ والراعي؟ يُثبت بولس أن هذا الموقف ليس منه ولكنه مسنود الى الشريعة. مع ذلك لا تهمّه الأشياء الدنيوية، فالحارث يحرث على الرجاء والدارس على الرجاء. ثم يعلو عنده المنطق ويسأل المرسَلة اليهم الرسالة: إنْ كنّا نحن قد زرعنا لكم الروحيات (التعليم، الوعظ والرعاية) أفيكون عظيما أن نحصد منكم الجسديات (المال). ثم يُبيّن أن له سلطة عليهم أُوتيها من الروحيات التي قدّمها لهم. غير أنه يقول: «لم نستعمل هذا السلطان ولم نأخذ منكم شيئا ماديا بل نحتمل كل شيء لئلا نُسبّب تعويقا ما لبشارة المسيح».

الهاجس الوحيد عنده البشارة أأتاه طعام أَم لم يأته. أأسكنوه بيتا أَم لم يُسكنوه. هو مخصّص للبشارة لكي يبنيهم على المسيح. لا يهتمّ لجسده. يصنع خياما ليأكل. يتّكل على الله وحده ليأكل. إنه قد جاع ولم يهتمّ. اضطهده الوثنيون ولم يهتمّ. غرق ورُجم ولم يهتمّ. حفظه الله في ظروف صعبة. حفظه من اضطهاد نيرون الذي قتل بطرس بعد كتابة هذه الرسالة. ولكنه عاد الى رومية واستُشهد فيها سنةً أو سنتين بعد اضطهاد نيرون للكنيسة.

حقّه في الطعام والشراب الذي أثبته ولم يتمسّك به هو حق كل كاهن او خادم في الكنيسة. تعزيز الإكليريكي أمرٌ من الله لأنه علينا أن نحافظ على صحّته لكي يُعطينا الحد الأقصى من عطائه الروحي. كيف يصلّي في الجماعة إن كان جائعا او مريضا لأن الرعية لا تُعنى به. الرعية تنمو روحيا اذا كان كاهنها ناميا على كل صعيد ليتمجّد الله بالكاهن والرعية معا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المرأة / السبت في 27 آب 2011

موضوع المرأة وارد في اللاهوت الذي تعنى فيه هذه الزاوية ولكنه في معظم جوانبه موضوع إناسي (انثروبولوجي بلغات الغرب) ولكني أحببت ان أتطرق اليه بسبب المغالطات الكثيرة والأخطاء التي يقع فيها المفكرون في الحديث عنه. المشكلة كامنة في ان الرجال يتحدثون عن النساء وهم قوامون عليهن بسبب من دين او بسبب من الأثر الذي تتركه المخالطة فيما بينهم ولكني احببت ان أخوض المغامرة علي اسهم في شيء من التقويم.

مرة قال القديس غريغوريوس اللاهوتي الذي تثقف عندنا في مدرسة الحقوق البيروتية في القرن الرابع: الرجال غير منصفين في حق المرأة لأنهم هم يشرعون وكأن هذا الكلام يعني انه لا بد من المنافسة بين الجنسين. هل الخلاف في طبيعتيهما أصيل ويتأزم في الحياة الزوجية فيظهر عنف أسري من هذا الطرف او ذاك ام ان الخطيئة تستثير القوة البدنية او قوة الإغراء لتسود؟ يدل هذا التساؤل على انك لا تقدر ان تعالج شأن المرأة الا بنسبتها الى الرجل. اذا كان الأمر كذلك يبطل عنوان هذا المقال.

اما اذا أحببنا ان نعود الى البدايات لنتفهم شيئا نقرأ: «خلق الله الانسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وانثى خلقهم» (تكوين 1: 27). قال: خلق الانسان على صورته ولم يقل خلق الرجل. لذلك يبدو لي ان الصورة الإلهية ليست في الذكر والأنثى مجتمعين، ليست في الزوج الذي يقول له الفرنسيون Couple. في الرواية الثانية للخلق: «فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وامه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا» (تكوين 2: 23-24). يتضح من هذا انها على تكونها منه صارت انسانًا آخر ولا يصيران واحدا الا بإرادة الوحدة الزوجية، بالعقد يقول الكل بطريقة او بأخرى وبالعهد كما يقول المسيحيون ولا سيما الأرثوذكسيون منهم. الوحدة موقف روحي واستمرار روحي بين كائنين مستقلين. الشوق لا يخرج الانسان عن وحدته. القربى مسعى او تدرج واشتهاء وحدة. فلو كانت انصهارا يقرب من الذوبان لا يكون احدهما وحده على صورة الله. الحب بينهما ان يكون هناك محب ومحبوب.

استقلال المرأة عمقه في ما كتبه بولس في رسالته الى أهل غلاطية اذ يقول: «ليس عبد ولا حر ليس ذكر وانثى» (3: 28). ليس ذكر وانثى تعني انه لا يعطف الواحد على الآخر من حيث ان واحدا منهما لا يحددها الآخر ولا تحدده العلاقة الثنائية وان كلا من الرجل والمرأة كامل في المسيح يسوع وغير المتزوج ليس دون المتزوج لأن كلا منهما على صورة الله. الزواج ينشئ علاقة لا تغير صورة الله عند احدهما. وهنا يأتي الرسول في ما كتبه الى اهل أفسس ليبين طبيعة العلاقة.

#   #

#

يبدأ بالخضوع المتبادل بين الانسان والانسان قبل الخوض في المسألة الزوجية وعلى وضح هذه الآية 21 في الاصحاح الخامس ينبغي ان نفهم ما سيأتي. يقرأ الكثيرون نصف الآية الذي يوافقهم «ايها النساء اخضعن لرجالكن» يتبعها لأن الرجل رأس المرأة التي لا تُفهم الا بما يتبعها «كما ان المسيح رأس الكنيسة وهو مخلّص الجسد». المسيح مات من اجل الكنيسة. على هذه الشاكلة يموت الزوج من اجل زوجته وانت تطيع من يموت من أجلك. ويؤكد هذا قوله: «ايها الرجال احبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها». ثم يقول: من يحب امرأته يحب نفسه. من اجل هذا يصيران واياها كيانا واحدا كما ان المسيح والكنيسة كيان واحد. خارج سر علاقة الموت والقيامة ليس من زواج مسيحي.

هذا كله مستند الى الفرق الشاسع بين العشق eros والمحبة. فالعشق من الطبيعة والكنيسة تقدسه في حفلة الإكليل. اما المحبة فهي نازلة من الله على العروسين وهي دعوة الى ان يموت كل من الاثنين عن الآخر فاذا هي لم تنسكب او لا يريدانها يصير العشق معرضا الى الزوال والى البغض ويهدم الوحدة الزوجية. لذلك كان غير المؤمنين معرضين للانفصال بعد زواج ابتدأ فقط باللهب ولم يبدأ بالإيمان.

العهد الجديد لا يتكلم عن المرأة منفردة ولكنه يتحدث عن علاقتها بالرجل في الحياة الزوجية اذ يتقدس بها وتتقدس به. ما هو من الحياة المجتمعية ان الرجل يرى نفسه اهم من المرأة وسيدها لمجرد كونه ذكرا. هذا تفشى في حياتنا الشرقية وربما في العالم كله اذ يرى ان الاغراء يأتي منها والحقيقة ان الاغراء ليس حصرا على جنس من الجنسين وما من شك انه قامعها لأنه يرى نفسه في آن معا عظيما ويسعى الى تأكيد عظمته بلا مبرر ويضربها لكونه يرى نفسه مؤدبا لها. وكلما استمر هذا يحدث الخلل في الحياة الزوجية.

الواقع انها أقوى منه على مستوى الصحة وتعيش حول سبع سنوات أكثر منه في العالم كله. ولكنها تتكل عليه وتتوكأ عليه ربما لأنه هو المنتج الا اذا كانت تعمل فتصير متكلة على إنتاجها وترى انها تستقل عنه بالمال الذي تجني. بسبب هذا التساوي الذي صارت اليه بالعمل اخذت تتحرر من وطأته. ربما عقده هذا الوضع الجديد تعقيدا كبيرا. فقط الحياة الروحية عندها وعنده يجعلانهما على صعيد واحد من الكرامة. والى ان يتم استقلالها بسبب انتاجهما معا يمارس عبوديتها وبالمقابل تمارس عبوديته الى ان يعتقدا انهما بشر وان البشرية الصالحة لا دخل لها بالمال.

متى تتحرر من استعبادها له؟ هذا لن يحصل قبل فهمها انها ليست جسدا محضا وان الجمال الذي تتمتع به ليس شيئا بحد نفسه وانه فقط هبة من الله في النوع البشري.

غير ان الحياة الزوجية من أصعب الأوضاع. والحل ان يفهما معا ان الزواج ليس مجرد لقاء جسدين وان الروح عند كل منهما ينبغي ان تسمو ليتشاركا بالروح. لا مشاركة الا اذا ادركا ان الحياة الزوجية عطاء كل منهما للآخر.

#   #

#

هذا يفترض ان الفتاة يجب ان تعي نفسها كاملة قبل دخولها الحياة الزوجية وبالاستقلال عنها وان كان في الزوجية تكامل اذ لها مواهب خاصة بها وللرجل مواهب خاصة به. واذا ترمل كل منهما يبقى كاملا ولو كان في ذلك عذاب. فالأمومة مصلحة لها كما ان الأبوة مصلحة له.

لما قال بولس ان هذا السر عظيم اراد ان الحياة المشتركة طوال الحياة سر كما ان علاقة المسيح بكنيسته سر.

سوء الرجل ان يحس ان زوجته تريد السيطرة عليه بما وهبتها الطبيعة من جاذب. ربما كان هذا صحيحا في حالات كثيرة. فالحقيقة انها تستعمل الجمال لحمايتها وتمتعها بالاحترام الكامل. ويجب على الرجل ان يفهم ان فيها حماية لذاتها وانه هو في خدمتها كما هي في خدمته. الحياة الزوجية تبادل بين متساويين ونمو مشترك نحو الله من جهة وتربية الاولاد من جهة. فاذا نظر كلاهما لبنيهما وبناتهما كهدف لهما واحد لا يبقيان كديكين متصارعين. يترهبان من اجل الذرية لأن الذرية لله وهما لا يملكانها.

الاولاد لله في طهارتهم ومنفتحون على المعرفة والتقدم والحياة البارة. لا يمكن ان يتقدس الرجل ان لم يفهم ان المرأة ليست دونه كرامة واخلاقا ومحبة. والله لا الاشتياق هو الموحد بينهما طيلة العمر بما فيه الشيخوخة الصالحة وهو الذي جعلهما جسدا واحدا وقلبا واحدا على صورة قلبه.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

يسوع الشافي /الأحد 21 آب 2011/ العدد 34

كان للسيد نشاطات: التبشير بملكوت الله وشفاء الأمراض. والشفاء كان عنده علامة لمجيء الملكوت لأن الملكوت هو صحّة النفس ورجوع الإنسان الى سلامته الكاملة.

في إنجيل اليوم حديث عن مريض يقع في نوبات عصبية في بداءة العمر، ويقع في النار وفي الماء، وهذه عوارض داء الصرع.

قدّمه ذووه الى التلاميذ فلم يستطيعوا أن يشفُوه، فقال يسوع عن تلاميذه انهم جيل غير مؤمن، أَعوج، وأمر أن يُحضر المريض اليه، وانتهر الرب روح الشر الذي كان مستحوذا عليه أي أمره أن يخرج فشُفي الغلام من تلك الساعة. بكلمة يسوع شُفي هذا الصبي. الى إعادة الصحة يشفي السيد القلب من الخطيئة اذا تاب الإنسان.

عند عجز التلاميذ قالوا للرب لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه. اذ ذاك، قال لهم المعلّم «لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من ههنا الى هناك فينتقل». المعنى الواضح أن لا صعوبة تقف أمام المؤمن. يتخطاها. عندئذ تكلّم عن الروح الشرير قائلا: «هذا الجنس لا يخرج الا بالصلاة والصوم». الصلاة الحارة أكانت من صلوات الكنيسة في اجتماع المؤمنين أَم صلاة منفردة ولكنها مبنيّة على الثقة بالله تشفي صاحبها او المريض او الخاطئ. لها فاعلية من الله نفسه الذي هو شريك المؤمن اذ يمدّه بالنعمة «التي للناقصين تكمّل وللمرضى تشفي». الله مُرسل الشفاء وانت تلتمس الشفاء. لذلك رتّبت الكنيسة بناء على رسالة يعقوب الرسول مسحة المرضى وتُمارسها كل سنة في الأسبوع العظيم او في بيت المريض.

الصوم لكونه توجّها الى الرب هو كالصلاة. إنه قوّة الرب فينا وليس هو مجرّد حمية. الصوم إمساك ليس فقط عن أنواع طعام ولكنه، قبل كل شيء، إمساك عن الخطيئة. فمن تحصن بالصلاة والصوم تنزل عليه قوة المسيح. صلوات الكنيسة هنا وصلوات القديسين الذين هم الكنيسة الظافرة هي معًا قوة الشفاء وقوة التوبة.

بعد هذا الكلام قال يسوع لتلاميذة: «ان ابن البشر مزمع أن يُسلم الى أيدي الناس وفي اليوم الثالث يقوم». كل عمل صالح قام به المخلّص إعداد لنا حتى نرى آلامه وقيامته. لبّ الإيمان المسيحي هو آلام الرب وانبعاثه من بين الأموات. كلّ مسيرته هي الى هذا. لذا نعيش مع الرب يسوع اذا تقبّلنا عذاباته وقيامته بفرح المنتصرين على الخطيئة. نحن قوم فصحيون نغلب الخطيئة التي تعزّينا ونصعد منها لأنها موت الى وجه المسيح.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

القانون / السبت 20 آب 2011

لم أعثر على كلمة قانون في لسان العرب ولكن اللفظة واردة في اليونانية وتعني القاعدة غير ان ثمّة احتمالا على انها من قناة وهي كل عصا مستوية وفي اللاتينية تدلّ على القصبة. فمن اي مصدر لغوي اشتقت تدل على مفهوم الاستقامة. منشئو اللغات وضعوا المفهوم ضد الاعوجاج المطبوع الإنسان عليه منذ سقوط آدم. فاذا قلت بالقانون تقبل ان ثمة اعوجاجا وتدعو الى الا يبقى مضمنا ان التقويم ممكن ولهذا كان القانون.

هذا عرف بالشريعة في العهد القديم وعرفها بأنها «الشهادات والضرائب والأحكان التي كلّم بها موسى بني اسرائيل عند خروجهم من مصر» (تثنية الاشتراع 4: 45). والمعنى ان هذه الشريعة اعطاها الله وهذا في الإسلام ايضا.

الفكرة في هذا السياق ان هناك كلمة فوق الانسان يحقق نفسه بها اي ان الكلمة تجعله مستقيما. لا اتطرق هنا الى الشريعة او الشرع ولكن الى القانون الذي تضعه الأمة بمعناها المدني لكل من أعضائها لأنها حريصة على سلامتها وسلامته وتقدمها وتقدمه اذ نفترض في الشارع حرصا على المواطنين. نأخذ هنا القانون الوضعي الذي يستلهم في بعض البلدان الشرع. والشرع في تطبيقه تصير له حوانب وضعية.

المهم ان هناك قانونا فوق رأس الجميع ليس فقط لأن سلطة شرعية وضعته ولكن لكون هذه السلطة -ان كانت غير مستبدة- تعمل لصالح الجماعة. غير ان هذا الكلام يعني ان الناس يومنون بأنهم جماعة اي قوم يؤمنون بأنهم يعيشون بالمشاركة فيما بينهم وانهم ليسوا شرذمة مؤلفة من أفراد غير مترابطين.

هل شعبنا يؤمن بأنه شعب، مجتمع متراص او يسعى الى ان يكون ويبقى متراصا خاضعا لسلطة منبثقة عنه ومفوضة بأن تسعى الى خيره؟ قد يكون قبلي العقلية والقبيلة الواحدة متآلفة ومتجانسة ولها رئيس. المشكلة هي اننا قبائل متعددة او شعوب كما يحلو لسركيس نعوم ان يسمينا. وبين القبائل تنافس او خصومة. المشكلة في الذهنية اللبنانية ان كلا منا يؤمن بنفسه فقط واننا لم نصل بعد الى القبلية.

انه لأمر عظيم لو آمنا اننا «كلنا للوطن». ايماننا ان كلا منا لنفسه وربما كان لعائلته اي ان كلا منا يحس بفرديته، بانفراده وهذا ما يسمى باللغة الفلسفية فردانية. ليس لأحد لحمة مع الآخر. لا يقول اثنان في المعاملة انهما اثنان. يقول كل منهما انا واحد والى جانبي شخص آخر. كل منا يتقابل بمصلحته ويسعى اليها في الأنا الجامدة، المنغلقة على ذاتها، الراغبة في توسعها على حساب الآخر. وشعورنا ان السلطة السياسية او الادارية قائمة للعقاب اي انها تحديدا عدوتنا. السلطة في احساسنا قائمة لإقصاء الشخص لأن لها في ذلك منافع وكأن السياسة لأهل السياسة وليست راعية للجماعة والمجتمع بقرة حلوب عند اهل السلطة وتحلبه بتجديد قوتها في الانتخاب على اي صعيد كانت.

هل السلطة تشعر انها فوق وان الشعب كله تحت وقد يدعو هذا الشعب ان يشعر ان السلطة تستغله لمنفعتها هي. اذ كان وضعنا ان ثمة ناسا فوق وناسا تحت لا مجال للخضوع للقانون. اما اذا كان هناك حد أدنى من الإخلاص عند الحكام فالسؤال الشرعي المطروح على الناس هو لماذا تخالفون القانون؟

#   #

#

قد تكون الحالة اللبنانية اليوم ان شعبنا لا يثق بالسلطة وهذا لا ييسر حل المشكلات وهذا يتطلب تداول السلطة. غير ان هذا عندنا ليس بالأمر السهل. مثل على ذلك في كنيستي عندنا من يناط بهم المحافظة على الأوقاف. اننا نسميهم وكلاء الكنائس ونسميهم اليوم مجالس رعية وقد أقررنا مبدأ تغييرهم بعد انتهاء ولايتهم وبعض منهم متمسكون بالمقام الذي وضعوا فيه. يحسون ببعض المجد اذا بقوا في منزلتهم وهذا المجد لا ينبغي ان يخسروه او ينقلوه الى اولادهم. السلطة، السلطة هي المشكلة في اي مقام بلغته. وتتحول الى سلطة مطلقة احيانا. وتحتاج انت الى صدام لتغيير الواقع.

التلميذ الزعيم بين أقرانه لا يقبل ظهور وجه آخر لأن المجد لا ينتقل ولا ينبغي ان ينتقل. وفي العائلة الأولية للرجل ولا يسمح ان تأخذ امرأة شيئا منها ولو كانت أذكى او أحكم او أطهر. الفردانية هي ذلك النظام العقلي والنفساني الذي لا يقبل التلاقي لأن الآخر تحديدا غير موجود وينال من الآخر نعمة او هدية او عطفا ولكن لا ينال حقا. شيء من هذا يفسر الصدام او الكراهية بين لاعبي كرة القدم. الآخر مطلوب ان ينكسر لأنه ان لم ينكسر فهو موجود. في هذا الجو الاعتراف بالآخر تنازل عن وحدانية الطرف الذي يشعر بأنه وحيد. ترى شيئا من هذا في لعب النرد او الورق. الآخر لا ينبغي ان يربح لأن الربح وجود.

من مظاهر الفردانية عندنا ان الكثيرين عندهم سجلات للمحاسبة احدهما مزور يظهرونه لمفتش المحاسبة ليسرقوا الدولة اي ليعطلوا الشراكة بينهم وبين المواطنين الآخرين، ليبقى الفقير مدوسا في الوطن مع ان بين هؤلاء من يحسن الى المحتاج ولكنه يريد ان يحسن هو لا ان يحسن الوطن ممثلا بالدولة. والإحسان ان كان في طبيعته شركة يكون احسانه هو اي عطاء من خير كان له. وما كان شركويا يصبح عملا فردانيا يحمل متعة العطاء لا فرح العطاء الى الله بواسطة المعوز حبيب الله.

لا يدخل الله ولا يخرج في حياة اللبناني الا في الطقوس الدينية التي تحمل فرحا فينا. في ترتيل النصوص المقدسة يتقدس او لا يتقدس، يسمو او لا يسمو هذا ما يعرفه ربك وحده. ان هذا الانسان لا يبتهج لسرمديّة الجماعة. ينظر الى تأثره الداخلي اي انه لا يزال على فردانيته ولو أقام صلاة الجماعة. لذلك يقول لك المسيحي انا آصلي في بيتي يوم الأحد. انا لا أنكر عليه علاقته بالله ولكنها علاقته هو لا علاقته بإخوته مجتمعين. اظن ان كل المسيحيين الذين يقولون انهم يصلون في منازلهم في الآحاد منعزلون عن الإخوة. المفروض ان القامة هي الى القامة في حضرة الله ليرى ان هؤلاء ابناؤه مجتمعين لطاعته.

#   #

#

غير ان أبلغ ما في الشعور الفرداني الانعزالي تصرفنا في قيادة السيارات. انت ترى من سيارتك انها معرضة للصدمة لأن سائقا آخر يهجم عليك بسرعة جنونية ولولا هذا الجنون لما مات عدد رهيب من الناس كل سنة.

سؤالي البسيط ان كل هؤلاء الذين يقدمون امتحانا لنيلهم شهادة السواقة اعترفوا ضمنا او صراحة انهم سوف يتمسكون القانون وهم يعرفون كيف ان التمسك ينجيهم من الكارثة تقع عليهم وعلى سواهم ويعرفون ان السرعة المعتدلة توصلهم الى الهدف الذي يقصدون ولو تأخروا على موعدهم دقائق قليلة.

انا بت واثقا بأن خلاص عقليتنا من الفردانية يبدأ بتطبيقنا قانون السواقة لأن تطبيقه يدل اننا آمنا بجانب من القانون. لعل اول اصلاح تقوم به الدولة هو حرصها الشديد على سلامة السير لأن الدولةمربية. وما لا بد لنا من علمه اننا نحن والدولة مهما طغى الفساء على بعض من دوائرها عائلة واحدة وما من احد فوق او احد تحت اي لنا ان نعتقد ان الدولة تحبنا وان بعضا من الحب القانون. المسلم يعرف ان دولته تطبق الشرع الإلهي او تستلهمه. والمسيحي مفروض ان يؤمن ان «كل السلاطين قائمون من الله» مدوارة بالديموقراطية.

مرة كنت في احدى دول الإمارات وكان في يدي ورقة رميتها على الأرض وكان كل رفقائي لبنانيين فانحنى احدهم على الأرض ورفع عنها هذه الورقة. لم افهم لماذا لا يعمل مثل هذا في بلدنا. لماذا يتقيد بقوانين البلد الذي يقيم فيه في الاغتراب ولا يتقيد بقوانين لبنان؟ هل الإصلاح يأتينا من ان نرى الحكم عندنا يستقيم ليؤمن به الشعب ام اننا نحن والدولة نسعى الى خيرنا مجتمعين؟

ما من شك عندي ان القانون يصلح المساوئ الكثيرة التي ورثناها من عهد المماليك الى آخر عهد الانتداب. ما من شك عندي اننا قادرون ان نصير حضاريين مثل اوربا التي كانت مثلنا قبلية قبل ثلاثة او اربعة قرون. اما آن الاوان ان نصلح قلوبنا وعقولنا لنبني وطنا على الشراكة بين كل شرائحه وهذا يكفي بمعانقتنا الشرائع وبها يتجلى الله فينا.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله / الأحد 14 آب 2011/ العدد 33

قولة الرسول: «نحن عاملون مع الله»، ولكن الله هو المبادر في كل شيء صالح فيكم. أنتم تتقبلون نعمته، وهذه هي المشاركة. الرب لا يجبر على شيء. تتقبل انت الموهبة وتُثمرها. لذلك أوضح بولس بعد هذا: انتم حرْثُ الله (وهذا تشبيهٌ زراعيّ) وبناءُالله (وهذا تشبيهٌ بالعمارة). يرى كاتب الرسالة أنه على أساس الله بنّاء حكيم.

ثم يتوجّه الى كل مؤمن ليلفته الى مشاركة الله في البناء. ويُذكّره أن ليس من أساس إلا يسوع المسيح. اذًا لا نبني على دِينٍ آخر فلا نمزج عقيدتنا بعقيدة اخرى.

اذًا نسير على استقامة الرأي، وسيكون عملُنا بيّنًا في اليوم الأخير. كل سلوك لنا سيظهر في يوم الرب عند الدينونة، وهذا الفحص الذي يفحصنا الله به سمّاه بولسُ النار لأن النار تُفرّق المعادن عن الذهب. فإذا بقي عملك بالفحص ستنال أُجرةً، ولكن بالفحص يمكن أن تخسر.

وحتى يفهم أهل كورنثوس أنهم مضطرّون على فحص أنفسهم قال لهم: «انتم هيكلُ الله»، فالله لا يسكن في ما بعدُ هيكل اورشليم. جسد المسيح هو الهيكل وانتم جسد المسيح. الكنيسة هي انتم. وتصيرون هيكل الله بسُكنى الروح القدس فيكم، وهذا تأخذونه بالميرون الذي هو مسحة الروح على أن تحافظوا على هذه المسحة ولا تمحوها.

تستمرّ المسحة ويُقال لكم مسحاء. انت مختوم كالرسالة المختومة التي لا يقرأها إلا من أُرسلت اليه. مختوم اي انك خاصّ المسيح ولست تخصّ زعيما او أُسقفا. انت من أهل الذين يحبّون المسيح.

حذار عليك أن تُفسد هيكل الله ببيعه لغير المسيح، بتدمير أجزاء منه لأنه يصير خرابا ويتركه الروح القدس. هناك من يعيش بلا روح قدس. أخشى ان يتركك الروح وكأنك جثة هامدة. وانت تفسد الهيكل اذا اقتبلت أية فكرة لا يرضى عنها المسيح وخضعت لفكر هذه الدنيا. كذلك تُفسد الهيكل اذا ارتكبت الخطيئة عمدا وتركت الشيطان يسوس فكره في قلبك.

لمّا قال الرسول «انتم هيكلُ الله»، لم يقل هياكل الله لأننا جميعا واحد بالمسيح يسوع. المحبة تجعلنا هيكلا واحدا له. فإذا خضعت لبغضٍ واحد تخرج من انتمائك لهذا الهيكل.

الكنيسة واحدة لأنها آتية من المسيح، ولكن وحدتها لا تُحفظ الا بلُحمة أبنائها. اتحادٌ مع المسيح واتحادٌ مع الإخوة. وإن لم تحافظوا على هذا فيعني أنكم تعيشون في الكيد وفي الكبرياء والاستعلاء. واذا حافظتم على الوحدة في كل ظرف فاعلموا أن هذا آتٍ من المسيح وأنه هو حافظُكم في محبته لكم لكي لا تموتوا كل يوم بالخطيئة.

لقد قام المسيح من بين الأموات لكي لا يبقى أحدكم ميتا روحيا اليوم أو غدا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

عيد رقاد السيدة / السبت 13 آب 2011

في التسمية المسيحية هو رقاد والدة الإله والرقاد تسمية شرقية للموت. الأموات في المصطلح العبادي يسمّون راقدين للدلالة على غلبة المسيح لموته وموتهم لكونهم محضوني الله قبل القيامة في اليوم الأخير. منشأ العيد شرقي تأسس في القرن السادس في اورشليم (القدس) حيث قامت كنيسة في الجثسمانية. وعمم الامبراطور مفريكيوس (بالفرنسية موريس) العيد على كل الامبراطورية. تبنى البابا سرجيوس الاول المتوفى في بداءة القرن السابع هذا العيد. وأعلن بيوس الثاني عشر ان انتقال العذراء الى السماء نفسا وجسدا هو عقيدة.

لم تحدد الكنيسة الارثوذكسية انتقال مريم الى السماء عقيدة. واللاهوتيون الارثوذكسيون منقسمون بين من يعتقد بانبعاث جسدها ومن لم يعتقد لأنه حيث غياب عقيدة محددة مجمعيا أمر متروك لحرية التأويل. غير ان طقوس العيد واضحة لجهة القول بالانتقال (انك انتقلت الى الحياة بما انك ام الحياة اي المسيح). ايضا في صلاة العيد: «نهضت بعد موتك لتكوني مع ابنك سرمدا». وبصورة اوضح: «ان الإله… حفظ جسمك في اللحد ومجدك معه بانتقالك الإلهي».

السؤال الذي يطرح نفسه للمسيحيين الشرقيين هو هل نصوص العيد ملزمة كالعقيدة؟ الجواب المبدئي العام ان العبادات تكشف موقفا اعتقاديا بعامة ولكن هذا لا يعني اننا قادرون ان نستخرج من العبادات موقفا عقديا ملزما ونبقى في التحرك النقدي ما لم يصدر تحديد واضح في مجمع مسكوني مؤلف من كل الكنائس الأرثوذكسية.

توفيقا للموقفين الارثوذكسي والكاثوليكي يمكننا القول ان مريم استبقت القيامة فلا تحضر محاكمة او دينونة وتقيم في المجد اي الحالة التي نكون جميعا اليها بعد القيامة الأخيرة. هذا ما ادركه القديس يوحنا الدمشقي في القرن الثامن الميلادي لما توجه اليها في احدى العظتين اللتين وضعهما عن رقادها. قال: «لن اسمي رحيلك المقدس موتا بل رقادًا او سَفرًا والأفضل تسميته إقامة. ففيما خرجت من مدى الجسد دخلت مدى أفضل».

قلت هي مقيمة في المجد الإلهي وليست مثلنا خاضعة للحكم الإلهي في اليوم الآخر. لذلك نعظمها تعظيما كبيرا. انها سفيرتنا الى السماء.

#   #

#

هي الممتلئة نعمة كما قال لها جبرائيل لحظة البشارة اي انها كانت حرة من كل خطيئة، مسلمة لله وحده ومهيأة لاقتبال كل كلمة منه. هذا ما عناه الملاك لما قال لها: الرب معك. مباركة انت في النساء«. كان هذا الكلام البدء في المسيرة الى المجد. وبدء المسيرة ان السيدة تجسد منها ومن الروح القدس كلمة الله الذي كان في البدء. سلام الملاك يوضح لمريم: «الروح القدس يحلّ عليك وقوة العليّ تظللك». ما من شك ان استعمال جبرائيل لفعل ظلل يشير الى المظلة التي كانت ترافق شعب الله قديما وصارت فيما بعد هيكل اورشليم. الفكرة اذًا، ان مريم هي هيكل الله الجديد او اول كنيسة للمسيح ولا كنيسة الا اذا أقامت هي فيها. في اول كنيسة اجتمعت في اورشليم في العلية التي كان التلاميذ مجتمعين فيها »يواظبون بنفس واحدة على الصلاة كانت مريم ام يسوع معهم« (اعمال الرسل 1: 14). اذًا، لما حلّ عليهم الروح القدس حلّ ايضًا على مريم كما حلّ عليها عند البشارة ليكون الكلمة جسدًا. رافقها هذا الروح حتى منتهى سكناها الأرض. وهذه هي الحياة في المجد قبل انتقالها الى المساكن السماوية.

لم يبقَ من حديث عن مريم في الإنجيل بعد هذا اذ بدأ الحديث عن الروح القدس في تكوينه للكنيسة. كانت العذراء ملازمة للكنيسة اذ قالت هي: «ها منذ الآن يطوبني جميع الأجيال» (لوقا 1: 48). الكلام الإنجيلي هكذا يوحي بأن الإنسانية التي تعتمد الإنجيل كتابا لها تلتفت الى البتول، الى تلك التي صنع القدير بها عظائم (لوقا 1: 49). الذين يعرفون قيام مريم في المجد يخاطبونها مستشفعين.

نظر اليها كاتب سفر الرؤيا صورة عن الكنيسة. قال: «وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها اكليل من اثني عشر كوكبا» (1: 12). الفن البيزنطي ما عدا نموذجا استثنائيا يرسمها حاملة الطفل. هي تستمد منه كل ما عندها من بهاء. ليس عندها قدرة من ذاتها. انها تعطي ما نأخذ من الرب. واذا كنت انت محبا للرب تذهب الى كل سطوعاته فإنه عظيم في قديسيه وبينهم هي الأولى. فالعلم بمريم هو جزء من العلم بالمسيح.

#   #

#

لعلّ هذا العيد مناسبة لأقول ان ما يسمى شفاعة القديسين او توسلاتهم او وساطتهم كلمات لا تلغي وساطة المسيح الوحيدة. ان الخلاص قد تم دفعة واحدة في شخص المخلص ولا يزيد عليه احد شيئا اذ ليس خارج هنا الخلاص قوة.

نحن الأرثوذكسيين لا نقبل اعتبار مريم شريكة في الخلاص. ليس من انسان يقدر ان يخلّص انسانا. ولكنا نؤمن ان اهل السماء يصلون كأهل الأرض لأن قيامة المسيح فاعلة منذ الآن والذين ذاقوها وطئ المسيح بها موتهم. الذين انتقلوا الى المجد قائمون على صلاتهم وليسوا مجرد عظم رميم. هم احياء عند ربهم اي يخاطبونه ونحن نخاطبهم ونواكبهم ويواكبوننا في وادي البكاء الذي نحيا فيه هنا. كنيسة السماء وكنيسة الأرض واحدة. والسماء ترتيل بعد لطف إلهي بالقديسين. هل يحق لك ان تقول ان السماويين صامتون وان مريم غائبة عن مجد ابنها وإخوتها واخواتها في البرارة! هي كلمة بعد ان سكنها الكلمة وبعد ان اعطى المدعوين الى عرس قانا الجليل في حضرتها خمرا ليفرحوا.

ما معنى قول بعض: أليس يستطيع الرب ان يستجيب لنا مباشرة؟ هل اذا اودعت مريم نعمة التمستها انت وانسكبت من عندها لا يكون المخلص يعاملك مباشرة. في ملكوت المحبة فوق. ما المباشرة وما المداورة؟ ألسنا وكبار الذين سبقونا الى الرحمة جسد المسيح الواحد نتعايش في الروح القدس؟

Continue reading