Author

Aziz Matta

2012, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة أوّل التلاميذ/ الأحد في 17 حزيران 2012 / العدد 25

هذه دعوة التلاميذ الأوائل كما رواها متى، وهي إيّاها في مرقس. انها تصف البيئة التي كان يعيش فيها يسوع التي تحيط ببحر الجليل وهو بحيرة طبريا. بيئة صيادين. رأى أَخوين وهما سمعان الذي سمّاه هو بطرس في ما بعد وأخوه أندراوس وهو اسم يونانيّ لأن الجليل كان فيه الكثير ممّن كانوا يتكلّمون اليونانيّة وممّن تأثروا بالثقافة اليونانية ما يجعلنا نظنّ أن بعض الرسل كانوا يتكلمون شيئا من اليونانية العامية.

هذان الأَخَوان كانا يُلقيان شبكة في البحر. كل تلاميذ يسوع كانوا صيادين ما عدا متى الذي كان رئيس جباة. دَعاهُما يسوع قائلا: هلمّ ورائي فأَجعلكُما صيادي الناس أي حمَلة للإنجيل (فهِما هذا في ما بعد). لا بدّ أنهما فهما أن هذا صاحب رسالة روحية، رئيس تجمّع صغير يهتم بكلمة الله والدعوة اليها. هذه الجمعيات الروحية الصغيرة كانت معروفة في شعب إسرائيل. توّا «تركا كل شيء وتبعاه». هذا يعني أنهما تركا الصيد المنتظم، ولا يعني بالضرورة أنهما تركا على شاطئ البحر السفينة ليأخذها اي عابر، بدليل أننا نقرأ أن الرسل لم يقطعوا علاقتهم بالبحر.

«جاز من هناك» تدلّ على انه كان يتمشّى على ضفاف بحيرة طبرية. قام بمسافة قصيرة «ورأى أَخوين آخرين وهما يعقوب بن زبدى ويوحنا أخوه (الذي صار يوحنا الإنجيليّ) في سفينة مع أبيهما زبدى يُصلحان شباكهما فدعاهما» على الطريقة نفسها. لعلّ الأربعة كانوا من بيت صيدا. «وللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه». هذان الأخيران تركا ليس فقط عملهما ولكن أباهما أيضا وهذا انسلاخ أعظم.

أربعة تبعوه ورافقوه في تجواله في الجليل. الى أين ذهبوا؟ الى المجامع، والمجمع قاعة كبيرة يجتمع فيها اليهود يوم السبت خصوصا لقراءة العهد القديم والوعظ المؤسَّس على النص الذي قُرئ. من هذا النص يتبيّن أن مَن يعرف الكتاب المقدّس يُعلّم وهو ليس مُعيّنا مسبقًا.

«يكرز ببشارة الملكوت». ماذا كان يقول؟ صميم بشارته: «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات» (متى 4: 17). الى هذا كان «يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب».

من هم المرضى الذين كان يشفيهم؟ يقول الكتاب: «أَحضروا اليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة»، يذكر المجانين والمصروعين (اي المصابين بداء الصرع (ومثلها بالإنكليزية (épileptiques) والمشلولين فشفاهم. بعد هذا المشهد نرى أنه كان يشفي كل الأمراض بالقوة الإلهية التي كانت فيه، وهذا لأنه كان متحننًا على الضعفاء جسديا كما كان متحننا على الخطأة. كان يريد أن تظهر رحمة الله على كل إنسان ولا سيما على المعذّبين.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 16 حزيران 2012

المرأة ليست متسمة بالأنوثة فقط. انها متجهة الى الأمومة ايضا. الكيانية الأنثوية لا تبدو لي واردة في سفر التكوين الا اذا رأيناها مندرجة في الوحدة الزوجية التي عبر عنها آدم عند ظهور حواء بقوله: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي» (2: 23). اما الأمومة فواضحة في قول الله للمرأة: «بالوجع تلدين اولادًا» (3: 16). هذا قيل بعد السقوط. توا بعد هذا يقول: «والى رجلك يكون اشتياقك». هل هذا متعلق بطبيعة الأنثى؟ الفكر العبري لا يتحدث في جوهر الأشياء ولكن في حركيتها. يبقى ان سفر التكوين يتحدث عن الرجل والمرأة معا اي عن الزوجية كما يتحدث عن المرأة مع اولادها. اذ ذاك نحن في صميم الأمومة.

لن اغوص على التحليل النفسي. الغوص الذي ادخله فرويد على العلم لقلة معرفتي به ولكني أبسط للقارئ تأملات في بساطتها. سمعت غير مرة غسان تويني يستعمل للدلالة على اي انسان عبارة «ابن امرأة» فأخذت اتأملها. لماذا هذا الوصل بين كل منا وامه بإقصاء الوصل بأبيه؟

في الكتاب كلمة عن الأم مذهلة ليس ما يوازيها في الكلام عن الرجل وهي قول الرب انها «ستخلص بولادة الأولاد ان ان ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل» (1تيموثاوس 2: 25). هذا ليس «تقديسا» للولادة. انه تقديس للتربية. هذا غير الحديث عن الزوجية التي فيها كلام كثير ومرتبط بالقداسة. انه حديث ليس عن وضع الزوجية ولكن عن الأمومة المتصلة بالربوبية هدفا للأولاد.

يجري حديث العامة دائما عن عاطفة الوالدة. هنا ينبغي التدقيق وقول ان هذه العاطفة مرتبطة مباشرة بأن الولد كان طوال تسعة اشهر محضون امه. هناك وظائف كالتنفس بالرئتين ليست عنده وهو في حشا امه اي انه، بصورة ما، جزء منها لكونه لصيقا بها ولا يأخذ استقلاله الا اذا خرج منها او ادرك فطامه. تبعيته لها في الظاهر الجسدي تتحقق بقطع حبل السرة وبالفطام.

هنا يدخل العنصر السيكولوجي. بعد انفصاله عنها ماذا يبقى منها فيه على صعيد النفس؟ ما العقد التي ورثها؟ ما قرباه وما بُعده؟ هذه اشياء تصدى لها علماء النفس من بعد فرويد ولكن العامة في خبرة اجيال تعرف الكثير منها.

غير ان الأم ليست معقدة. تعاني من اخلاقها هي التي تؤثر في تربيتها. من الأمومة لا ترث الا الانعطاف الناتج من الحضن الرحمي. وفي الحديث الشريف -انقل من الذاكرة- أطلق الله اسم رحمته على رحم المرأة.

#   #

#

مهما يكن من امر الاشتقاق يبدو من الوجهة السيكولوجية ان الوالدة لا تقبل قطع حبل السرة ولا الفطام فتحس ان وليدها تابع لها او هي مسؤولة عن الاشراف عليه طوال حياته. تعنى به مهما بلغ من العمر كما كانت تعنى به لما كان طفلا.

ما وددت قوله ان الأم مندفعة بهذا الشعور تأسيسا على تركيبها الجسدي او تأثرا به ومما يقوي الشعور حملها الطفل على ذراعيها او في حضنها. القضية فيها شيء من اللصوق. شعور الأب مرتبط ايضا بكونه حمل ولده على ذراعيه. هي قضية لصوق هنا ايضا يختلط بها استقواء الوالد بارتباطه بالذرية. شعور الأم فرادته انه مدعوم بأساس جسدي.

ربما قويت عاطفة الأم بكونها راعية (تطعم الولد، تهتم بكسائه، بنومه). هي ربة البيت. في العربية يسكن الولد الى امه اي يجد عندها السكينة والدفء. بكلام آخر يجد الولد عندها الحضور.

تحمل الحياة بمعناها الشامل ومن هذا التقوى. هي مميزة بنقلها الإيمان الى اولادها وأحفادها وهذا لوحظ في القرن العشرين في الأنظمة الملحدة التي أغلقت الكنائس. كان الايمان ينقل من الجدات الى الأحفاد لأن الجدة كانت لا تخشى دوائر الاستخبارات. ولعل الجدين معا يقدمان عطفا للأحفاد لشعورهما باستمرار الحياة فيهم.

تقديس الانسان لأمه قوي في هذه البلاد بحيث لا يحتمل احد ان تشتم امه لإيمانه بطهارتها، هذه الهالة بادية بسبب ما أخذ الولد من والدته من عطف شديد يتسم بطابع القداسة.

على ذلك كله ما أردت ان أقول ان هذا الذي يبدو فضيلة في الأم ليس ناتجا حصرا من تركيبتها الجسدية فالأمهات لسن متساويات في العطاء الروحي يوزعنه مما نزل عليهن من فوق. فهناك نساء مهملات، غائبات، قليلات الحكمة، غير مؤهلات للتمييز بين اولادهن ما يؤثر على نمو الاولاد تأثيرا كبيرا. غير ان الولد الحكيم يرعى امه وما كان عندها رعاية قادرة. في الحقيقة ان العائلة دائرة كل منا فيها يستلم ويعطي في كل الجهات.

طوبى للتي تستطيع ان تصبح على صورة مريم عظيمة العطاء. هذا لا يعني انه ليس للأم الا وظيفة الأم. انها كائن بشري كامل »يعمل ويعلّم«، قادر على الإبداع في كل مجال من مجالات المعرفة والتضحية. وبهذا تعظم امومتها. هي انسان كامل الانسانية مبذول في كل محبة أفي البيت كانت ام خارج البيت. مثل الرجل تعطي الخيرات لمن كان فقيرا اليها. هذه الانسانية الكاملة متوفرة عند التي لم ترزق ولدا او عند التي تبتلت لله. هناك قوة عطاء عندنا جميعا. الوالدة ايقونة من ايقونات العطاء.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

تعزيز الكاهن / الأحد 10 حزيران 2012 / العدد 24

تعزيزك له ماليًا تعبير لإيمانك أنه رُكن أساسيّ في كنيسة الرب التي يخدم لأنه، حسب الكتاب، يعيش من الهيكل، وأنت عضو في هذا الهيكل. الى هذا قد تشعر بأنه قريب منك شخصيا بحُسن رعايته لك وعائلتك واهتمامه بأحوالك. المحب يهتمّ بمن يحبّ في معيشته.

يُحزنني جدا الكثير من أبنائنا عندما يصدمونك بكلام كهذا: «دع المسؤولين عن الأوقاف يزيدون للكاهن معاشه». يبدو عند ذاك اهتمامك بالمطالبة وانت لا تبذل شيئا. وكثيرًا ما يعرف هؤلاء القليل عن أوضاع الوقف. كثيرًا ما لا تجد وقفًا في القرى بحيث يقتصر الدخل على ما يدفعه الحاضرون في الكنيسة يوم الأحد وهم قلة لا تتجاوز العشرة بالمئة من أهل الرعية في معظم الأماكن.

لأن غيرك يغيب عن الكنيسة يبقى الواجب عليك أنت الذي تحمل الكنيسة على عاتقك. بهذه العبارة لا أُعفي من المسؤولية الغائبين. كلنا «جسد المسيح وأعضاؤه أفرادا».

لا تترك العطاء للمناسبات (معمودية، إكليل، جنازة). كل واحدة منها تحدث مرة واحدة في العمر. في مناسبة الأسرار أنت حُرّ أن تُعطي وحُرّ أن تُحجم عن العطاء. والوقاحة كل الوقاحة ان يرفض الكاهن عطاء قليلا. هو لا يخدم لقاء شيء. بادره في العطاء لئلا يحزن، والحزن يُعطّل الرسالة او يُضعفها.

لا تُرجئ عطاءك الى الغد. ومهما كان قليلا قم به لتربح الله. هذا الذي خصّص لك كل حياته وعمقه ألا تُخصّص له كل فترة زمنية تُحدّدها مبلغا من المال على قدر طاقتك وهو يذكُرك باسمك أمام الله ويكون قد علا في حضرة ربه بفضلك. اذا فتحت قلبك تهون عليك ملمّات الحياة. لا تعطِ نفسك ذريعة أننا في ضائقة. قد يبقى لك في الضيق فلسُ الأرملة وهو ينجّيك كما نجّاها. ما تبذله للمحتاجين من أهل الأرض يبقى لك ذخرا في طريقك الى الملكوت.

شجّع أصدقاءك على أن يتشبّهوا بك اذ يمكن أن تسدّوا عجز الرجل بذلك. أنا شاهد على أن تأفّف الكاهن يؤذيه ويؤذي الرعية. ارفعْ عنه ثقل الخطيئة حتى ينصرف الى خدمته بفرح ولا يشغله هاجس المال فينكبّ على قداسة الخدمة والقراءة. مَن كان الرب شاغله يرتاح من أعباء هذه الحياة. فإذا لم ينصرف الى النشاط الرعائيّ لك أن تلومه.

ليس لنا عتابٌ عليه اذا سعى أن يكسب معيشته بعمل إضافيّ، ولكن كل عمل إضافيّ يأخذ من الوقت المخصّص كله مبدئيا للخدمة. اذا بقي محتاجا يصبح إغراؤه أن يلوذ بأغنياء الرعية. لا ينبغي أن «يمون» بسبب ما له على الكاهن. كذلك لا ينبغي أن نُفضّل مشروع بناء او ترميم او أي عمل مادّي على تعزيز الكاهن لأن البناء ينتظر وأكل أولاد الكاهن لا ينتظر.

في حضارة اليونان القديمة كان الفلاسفة لا يملكون شيئا ويعيشون من المدينة. اذا أُتي بشاب من معهد اللاهوت ليصير كاهنا فهذا لا يملك شيئًا. يعيش اذًا من الكنيسة كما ينبغي لمثقّف أن يعيش (شراء كتب، سَفَر الى مؤتمرات، إحسان يقوم به). واذا لم نذكر شيئا من هذا تبقى المعيشة العادية لعائلة متوسطة الحال.

حرّكوا قلوبكم من اجل من يخدم المسيح.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة / الأحد 3 حزيران 2012 / العدد 23

العنصرة هي تفعيل الخلاص الذي تم على الصليب مرة واحدة ولكن كان ينبغي ان ينتقل الى الناس وينتقل إذا قبلوه. «الرسل كانوا معًا في مكان واحد» معنى ذلك أن الكنيسة كانت مجتمعة والروح القدس نزل على الكنيسة وعلى كل واحد من الكنيسة.

بعد صعود المسيح الممجّد بالقيامة والمنتصر على الموت، كان يمكن أن ينزل الروح القدس حسب قول يوحنا الرسول في إنجيل اليوم: «لم يكن الروح القدس بعد» -أي لم يكن في الناس وعلى الناس- «لأن يسوع لم يكن قد مُجّد» أي لم يكن قد مات وقام. الروح القدس منبثق من الآب ومستريح في الابن. يأتي منهما معًا ولكن لا يأتي إلا من المسيح الغالب الموت، ويحمل الى البشرية مفاعيل الموت الخلاصيّ ويُظهر التلاميذ أنهم حصلوا على الخلاص وصاروا قادرين أن يُعطوه للمؤمنين بالمسيح والمعمّدين باسمه.

وهذا يحصل دائمًا حتى نهاية الدهر. ما حدث في العلّيّة يحدث في كل معمّد اذا آمن واعترف وتناول جسد الرب ودمه. كل الأسرار المقدسة كانت طاقتها في المسيح المصلوب وتفعّل فينا في حياة الكنيسة.

نحن اذا كنا من الكنيسة بالمعمودية نقدر أن نستمدّ كل قوى الثالوث المترجمة فينا ميرونًا ومناولة قرابين وتوبة وزواجًا وكهنوتًا وجنازة وإشارة صليب ومسحة مرضى. الكنيسة كل هذه معًا لأنها في حالة استدعاء الروح القدس على الكون كله، واذا نزل الروح علينا تبدو الكنيسة فينا.

الذين صاروا للمسيح وحده يكون الروح القدس هابطًا عليهم في كل حين ولا يتركون في قلوبهم شيئًا لغير المسيح. هؤلاء هم هياكل الروح القدس ومسحاء بالنعمة، وهؤلاء يتكلمون بعظائم الله لكونهم في حالة اقتراب من الله على الدوام.

كلّ يتكلّم بلغته اي بمقدار القداسة التي فيه وبمقدار الفهم اذا استلم موهبة الفهم. هذا ينقل الروح القدس بالبشارة ويفهمها كل حسب عقله ويأخذ كل واحد منا البشارة حسب قدرة قلبه ولا فرق بين نزول الروح يوم الخمسين ونزوله اليوم في الأسرار المقدسة وكلمة الإنجيل اذا قرأناه بانفتاحِ كل حواسّنا وطاعة.

لا يستطيع إنسان أن يأخذ كل المواهب التي هي في الروح القدس. هذا يعطي ما يشاء حسب قدرة الإنسان على التفعيل. فهذا واعظ او معلّم او خادم في إدارة الكنيسة او كاهن او علمانيّ ناشط. كل هؤلاء معًا يشهدون للروح وعمله. من هذا المنظار كانت الكنيسة حركة او تيارا وليست مجرد ترتيب او نظام او تجمّع.

هي تنمو بالمواهب التي نزلت على أعضائها. فإذا استجاب الكثيرون للروح الإلهي وأسلموا أنفسهم له، بدت الكنيسة حيّة وفاعلة في المجتمع البشريّ وتُغيّر أحوالنا ونكتسب بالروح بعضُنا من بعض لأن المواهب تتكامل وتتفاعل، واذا انطفأت مواهب كثيرة تكون حاجتنا الى أن نطلبها من الله ليظهر الله حيّا وفاعلا ويتمجّد المسيح القائم من بين الأموات.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأب / السبت 2 حزيران 2012

الوالد تدل على لحظة الحبل عند المرأة والأبوة استمرار وبهاؤها في انها على صورة الأبوّة الإلهيّة. اجل لا يخفى عني ان الخبرة في هذا الموضوع أصل الكلام ولكني سأحاوله بسبب من حاجتنا اليه.

ما أودّ قوله بدءًا على الصعيد السيكولوجي ان الزوجية شيء والأبوة شيء آخر فقد يكون ربّ البيت ضعيفا مع امرأته ويقول العامة، عند ذاك، انه ليس برجل لأن هذه الكلمة مرادفة للسلطان المعترف به للرجل وكثيرا ما كان هذا الزوج متسلطا وهو ضعف آخر.

الولد في حاجة الى سلطان والسلطان عنده يمثله والده. ولعلّ هذا ميزة الرجولة علما بأن الوالدة قد تكون شرسة حتى العنف. كيف يكون الانسان ذا سلطة بلا تسلط اي كيف يكون حازما للتربية ورقيقا بآن؟ هذه موهبة هذا الجنس البشري الذي يسمى الرجال ولكن الموهبة في حاجة الى تنمية.

تقويم السلطة الأبوية بالوداعة يعاش مع الأم بمواهبها الطبيعية ما لا يعني ان عاطفتها اقوى من عاطفة الزوج. انها لون آخر من الشعور يقوم بخاصة على رعاية الطفل ثم الحدث باستمرار وانتباه اي خدمة. هذا يختلف عن قيادة الأب. واذا جاء الأب كثير الحنان وقويا بآن لا يعوّض عن المرأة التي جعلتها الطبيعة دفوقة العطاء. الأب والأم معا في توافق المواهب وتمايزها هما مصدر التربية العظيمة والعافية النفسية عند الولد.

صورة الأب في ذهن ولده حاسمة في مشاعر الولد. هي تنشأ من المعاملة وردة الفعل عليها. فإن كانت المعاملة سليمة، محبة، دائمة السلامة، هادئة يشدّ الأب ابنه اليه ويصبح كائنا حاضنا في أعمق معاني الكلمة فيرى الطفل او الشاب ان الله أب وانه هو من عائلة الآب. هذا ما تعلّمته من اطروحة الدكتوراة التي قدّمها كوستي بندلي الى جامعة ليون. لقد أثبت ان ثمّة علاقة حميميّة بين الأبوة العظيمة والايمان.

الأمومة تحضن والأبوّة تحضن. لم يبقَ من شكّ عند العلماء ان ثمّة سيكولوجية ذكورية وسيكولوجية انثوية وهما في وضع مشاركة في الحياة الزوجية. لذلك كان اليتم صعبا على الصغار غير ان الله يتمم في كل جنس ما كان في حاجة اليه بحيث يغدق احيانا كثيرة نعمته على التي توحّدت بوفاة قرينها.

#   #   #

ماذا نعني بقولنا ان السلطان يكمن اولا اوكليا في الأب؟ قبل الاشراف على تربية الأولاد التي هي مسؤولية يبدو لي ان ماهيّة الأبوّة قائمة في رغبة الرجل في الاستمرار. في تأكيد  ذاته. يولد ذكر يتماهى معه لأن الذكر حامل الاسم والاسم هو الشخصية في عقل الساميين وانتشر هذا الموقف في كل مكان. لما أراد موسى ان يعرف اسم الله كان يلتمس معرفة طبيعته. والله كشف لبني اسرائيل لا اسمه ولكن عمله اي استمراره فيما بينهم بقوله: «سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا» اي عندما تعرفون اني راعيكم ومبدئ حياتكم من كل جوانبها. قال: سأكون ما سأكون اي تعرفون هويتي بالنسبة الى عملي في وسطكم. واذا رأيتم حركتي فيكم تعلنون أنفسكم شعبي. انتم اذًا ذرية الله. «به نحيا ونتحرك ونوجد كما قال بعض شعرائكم ايضا لأننا ايضا ذريته. فاذ نحن ذرية الله…» (أعمال الرسل 28: 17 و29). هذا هو معنى العبارة المسيحية التي تقول اننا ابناء الله.

من هذا المنظار ساغ القول ان بين الرجل واولاده وحدة. من هنا كان اهتمام جميع الشعوب باسم العائلة وصحة النسب. ما عدا بعض الشعوب في حضارة اليوم الإنسان منسوب الى أبيه وهذا ما يفسّر امتياز الذكر في الإرث عند الكثير من الأمم. هذه صورة من صور الخلود على هذه الأرض.

هذا ما يفسّر ايضا انكباب الوالد على الانتاج. الذين سيرثون اسمه ينبغي ان يتمتعوا بالحياة التي يتمتع هو بها. العاطفة الأبوية تجعل الوالد يساوي شعوريا بين كل اولاده او يفضل احيانا الإناث ولكن الإناث محفوظات معاشيا في الزواج واولادهنّ من رجل آخر ومن هويته في حين ان الأحفاد الذكور يلبثون في العائلة. ذرية الرجل التي يؤلفها الصبيان هي هو.

#   #   #

الأبوّة تمرّ بامتحان صعب احيانا. السلطوية تغريها واذ ذاك، يصبح الاولاد أدوات بيد الوالد. يستبدّ هذا بذريته فتقتله انانيته. انسان لا يخرج من نفسه كان لا ينبغي ان يتزوج ويبقى في الواقع الشعوري منبوذ ذريته وتنفك العائلة عاطفيا.

لذلك كان على الوالد ان يعتبر نفسه خادما لأولاده، ساهرا عليهم لكي ينموا في ما عندهم من مواهب. عليه ان يفهم انه كان وسيلة حياة لآخرين وانه ليس رب واحد ولكن الله وحده هو الرب وشخصيّة الأولاد تبنى على الحرية وعلى الفضيلة والعائلة ليست ذاتا انما هي مشاركة احرار والمشاركة هي التواضع من حيث انك به ترفع الآخرين الى أعلى درجات الرقي اذا أحبّ الانسان ان يترقى.

الأبوة تعززها زوجية صالحة فلا يستأثر احد من الرجل والمرأة بكل شيء ولا يعطل فاعلية الآخر او دوره في التربية او استقلال شخصيته. بالتعاون الوثيق الصادق تسير الأبوة في منحاها والأمومة في منحاها. اي الغاء فريق للآخر يعطل أثر الوالد او الوالدة. الزوجية المعطاء عند الرجل تساعده على ان يبقى ابا صالحًا ودودًا. وبخاصة في تربية رائدة يقوي حبه الزوجي.

الأبوّة تفويض إلهي من اجل حراسة العيلة. والتفويض يفرض عناية الرجل بفضائله وحسناته فلا يبدد الموهبة التي نزلت عليه. لذلك لا يخرج عن الإخلاص الزوجي ولا يبدّد أمواله في طريق الرذائل ويسلك على الدوام طريق العفة وملازمة اولاده خارج ساعات عمله وبهذا يقدس بيته ويتقدس اذا فهم ان عليه ان يتشبّه بأبوّة الله لنا.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن الراعي/ الأحد 27 أيار 2012 / العدد 22

وظيفة الكاهن أن يقود الناس الى الله. غايته من إقامة القداس والأسرار أن يجعل المؤمنين يذوقون الرب ويتقرّبوا منه. لا تستطيع الجماعة أن تقول: مات الكاهن ونحتاج الى قداس، فلنفتّش عمّن يقدر أن يُقيم الخدمة الإلهية ويكون جميل الصوت ولا يعرف شيئا عن الدين. هذه حقبة من التاريخ انتهينا منها.

عندما نقول ان هذا الرجل يجب أن يكون موهوبا للرعاية نعني بهذا أنه قادر أن يوصل كلمة الله. هذه الكلمة تفعل أحيانًا بذاتها اذا سمع الإنسان الإنجيل، ولكنها في الواقع البشري تتطلب أن يحملها إنسان تكون قد وصلت الى فهمه ويُدخلها الى فهم الآخرين بالوعظ او بالاتصالات البشرية، بالمحادثات والزيارات والإرشاد. المسيحية قائمة على أن الله صار إنسانًا ليُكلّم البشر. جعل نفسه على صعيدهم. اما الذي يكتفي بإقامة القداس فيجعله مسموعًا ولكن معناه يصل أو لا يصل.

كلمة الله مائدة اي طعام موضوع أَعَدّه الله لأحبّائه. ولكن لا بدّ من خادم ينقل إليك هذا الطعام. في الفنادق هو محترف. في بيتك هذا عمل ربّة المنزل. اما الاتكال على فاعلية الكلمة بلا ناقل لها فهذه مغامرة كبرى تُعفيك من الدرس ومن أن تتحول الكلمة الى شخصك وقلبك وذهنك وتنتقل الى شخص آخر وقلبه وذهنه. الكنيسة تقوم على الوساطة التي لا تكون الا اذا وُجد كهنة عالمون بالمسؤولية التي على عاتقهم.

الطريقة المألوفة في أيامنا لإيجاد وسيط هي مدرسة لاهوتية او معهد لاهوتيّ او تدريس لإعداد كهنة. ولكن أن نأتي بإنسان من مهنته ليصير كاهنًا دون إعداد علميّ فهذا لا يصير شيئًا. يبقى أن هناك من اتصل بحركة روحية لشبابنا قضى فيها سنوات واحتكّ بمرشدين وقرأ كتبًا كثيرة، فهذا يفحصه الأُسقف ويُقدّر استعداده لإعطاء الفهم.

نتكلم كثيرًا عن افتقاد العائلات او الأفراد. اذا ظنّ أحد الكهنة نفسه راعيًا لأنه عند وصوله الى عائلة يسأل عن صحتها ووضع الأولاد في المدرسة، كان هذا اتصالا اجتماعيا وليس رعاية لأن هذه مبنية على كلام الله. اذا كان هذا الكاهن لم ينطق بالكلمة الإلهية فلا يذكر مثلا آيات من الكتاب المقدس او من سيرة قديس او كان غير قادر على أن يُجيب على سؤال يُطرَح عليه، تكون هذه الزيارة ضياعًا للوقت. الراعي من ساق الرعية الى المراعي الخُضر لتأكل وتشرب، فإذا لم تُعطَ غذاء تضعف وتموت.

عندما قال يسوع عن الراعي الصالح وعن نفسه: «الخراف تتبعه لأنها تعرف صوته» (يوحنا 10: 4)، نأخذ من هذا القول أن هذا الراعي عنده صوت وأما الأخرس فليس عنده صوت. وعندما يقول: «أَعرف خاصتي وخاصتي تعرفني» (يوحنا 10: 14)، نفهم من هذا أن الكاهن يعرف بالأقل كل العائلات إن لم يستطع أن يعرف كل فرد والفرد يعرف الراعي. عشرات من الناس قالوا لنا: أنا مقيم في هذه القرية منذ سنوات ولم يدخل بيتي كاهن. طبعًا كان عليهم أن يذهبوا الى الكاهن ويقولوا: صرنا نحن عندك. ولكن إن لم يفعلوا، فهو المسؤول أن يفتّش عنهم ليجعلهم للمسيح أكثر مما كانوا، ويأتي بهم الى مراعي الخلاص، ويدلّهم على باب الكنيسة، ويرشدهم الى اقتناء كتاب الله وكتب أُرثوذكسية اخرى. كل منا يحتاج الى إرشاد والى افتقاد اي الى محبة.

إلى اي حد يجب ان يفتقد؟ الجواب في يوحنا: «أنا أضع نفسي عن الخراف» (يوحنا 10: 15). المعنى أنّي أموت عنها. مات كهنة في لبنان لما انتشر فيه الطاعون لأنهم لم يريدوا أن يتركوا الرعية. الوباء لا يحصل كل يوم، ولا يتعب الكاهن اذا قام كل يوم بزيارة بضعة بيوت. ولكن الذي يتململ من رؤية نفسه متعبًا فيداري نفسه بما يفوق المطلوب، فهذا ما كان عليه ان يقبل الكهنوت.

ربما لم يسمع أحد الإخوة بهذا وظنّ أن القضية كلها طقوس. عند قراءة هذه الأسطر، هذا الرجل يجب أن يفهم ويُدرك أنه مخصّص لله ولخدمته عن طريق الكلمة. بعد ان كان قليل العلم، فليبدأ بالدراسة للمرّة الأولى. عندي كهنة صاروا ممتازين بعد أن فهموا هذا وأدركوا أن الكهنوت لا ينفصل عن التعب. هذا هو حمْلُ صليبٍ ثقيل، ولكن محبتنا ليسوع تتخطّى كل صعوبة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

البشرية والألوهية معًا / السبت 26 أيار 2012

الخميس الماضي يسمى عندنا خميس الصعود لقول الكتاب في لوقا ان المسيح بعد القيامة فيما كان يبارك تلاميذه انفرد عنهم وأُصعد (همزة مضمومة) إلى السماء. واما في أعمال الرسل ومؤلفها لوقا نفسه جاء «ارتفع إلى السماء». هذا حدث أربعين يومًا بعد القيامة كما ورد في مطلع أعمال الرسل.

ماذا يعني انه ارتفع إلى السماء؟ ما السماء؟ ليست السماء مكانا وقد رأينا في ظهورات السيد في الأناجيل ان يسوع بعد القيامة ما كان محصورا في مكان ولكنه يدخل المكان أو يُشاهد (ياء مضمومة) في مكان. في سياق الحديث عن الصعود جاء القول انه ارتفع على سحابة والكلمة يجب ان تؤخذ رمزيا فالسحابة في العهد القديم ترافق الحضرة الالهية وتظهرها. الفكرة اذا ان جسد المسيح رفع إلى الآب أو جلس على عرش الآب (أعمال 2: 30). المعنى طبعا ان الجالس هو يسوع القائم من بين الأموات بجسده. وهذا ما أكده دستور الإيمان في القرن الرابع »وجلس عن يمين الآب».

عندما يجلسك كبير القوم عن يمينه فهو ليدل انه يعترف لك بكرامته نفسها واذا أجلسك في مكان آخر لا يقول شيئا عن كرامتك أو عن تساويك. كل العهد الجديد يتكلم عن مساواة الابن للآب وعن انه لم يترك احضان الاب لما نزل إلى هذه الأرض.

لا معنى للصعود اذا حسبنا ان ألوهة المسيح اعتبرت مساوية لألوهة الآب لأنها هي إياها. هناك اذًا شيء آخر عن ألوهة المسيح. هو يشريته المكملة بالآلام أُعلنت (همزة مضمومة) واحدة مع ألوهة الآب. المسيح ليس دون أبيه وقد كفرنا السنة الـ325 في المجمع المسكوني الأول اريوس لأنه قال ان المسيح دون ابيه ومخلوق. القول بمخلوقية المسيح يلغي كل سر الخلاص ويبطل فاعلية الصلب. بلا الوهية المعلم كل الفداء لفظ لا معنى له.

المسيحية، معتقدا، هي ان ابن الله الوحيد المشارك الله ازليته هو الذي تجسد وبقي إلها طوال حياته على الأرض وكانت ألوهيته مصاحبته على الصليب وان لم يقع الموت عليها ورافقته في القبر وبعد القبر بمعنى ان جسده لا يحصرها. فعند تجسد ابن الله لم يحد جسده ألوهته وظلت مالئة السماوات والأرض. وعند دفنه كانت مالئة السماوات والارض.

واذا دخل المسيح كيان البشر عند تناولهم جسده ودمه الكريمين لا يحده الانسان المتناول ويبقى مالئا السماء والارض. كذلك السماء لا تحده لانها ليست مدى.

#   #

#

وهي تعرف به ولا يعرف بها. واذا قلنا ان القديسين في السماء لا نوحي بأنهم في مكان فإنهم مع الله أو في الله. ومعيتهم هذه اي صفة كونهم متحدين بالرب هي سماؤهم وهي تسمية تدل على التحاقهم بالرب أو دخولهم فيه. وهذا معنى العبارة «في المسيح» التي يكررها بولس مرات عديدة.

فالله من حيث هو اياه لا يصعد ولا ينزل ولكن الانسان يصعد اليه بالنعمة ويغادره بالخطيئة. والصعود سماؤه والسقوط جحيمه الا اذا انقذه ربه بالرحمة. ليس من فوق ولا من تحت اذ الله فيك وانت فيه وهذا فيه حديث يطول. وانت لا تكون حقا ما لم تكن فيه بعد ان كنت وراءه. تبقى في مخلوقيتك في اية حال ولكن لها ان تكون منورة أو ان تكون مظلمة. واذا كانت نفسك مظلمة فكأنها عدم. جوهريا من حيث مخلوقيتها هي قائمة وتبقى على محبوبيتها في تنورها وعتمتها إلى ان تبدد العتمات بالتوبة فيحل فيها الروح القدس نورا وكأنها خلقت منذ بداءة التكوين حسب قوله المبارك: «ليكن نور فكان نور».

هنا لا بد ان اعرج على القرآن بلا استفاضة اذ بعد قوله «وما قتلوه يقينا يقول بل رفعه الله اليه» (النساء 158). توا بعد هذا يتكلم على موته وقد أكده في سورة مريم بقوله: «والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا» (الآية 33). هل حصل رفع الله للمسيح قبل الموت كما يبدو من سورة النساء؟ في هذه الحال لماذا يجب ان يموت اذ أكد الله هذا الموت؟ ليس من مجال في هذه العجالة لاستعرض التفاسير المختلفة لموته. فقط ما اردته كشفه ان القران يذكر رفع الله للمسيح اليه.

#   #

#

الألوهة والبشرية معية في المخلص بلا انقسام ولا انفصال ولا اختلاط لأن الألوهة لما نزلت إلى مريم حلت بشرا. هذه ليست صيرورة لأن الألوهة لا تصير. انها سكنى. لا تحتمل تهمة الحلولية كما أراد أحد اصدقائي الكبار ان يلصقها بي. قلت له ان الألوهة لا تصير بشرا. تلازم البشرة، تداخلها، تتحد بها والطبيعتان طبيعتان لا تخسر احداهما خصائصها وان تلاقت والخصائص الأخرى. المسيح في الكون وخارج الكون، في المدى الذي كان فيه واللامدى الذي صار اليه بصعوده. هو إله متأنس في جسدانية متألهة.

وهذا كله ينعكس فينا وفق ما تقدر بشريتنا. لهذا قال القديس أثناسيوس الكبير: «تأنس الله ليتأله الانسان». هذا عليه ايضاح كثير في اللاهوت الأرثوذكسي اذ ليس المعني ان تكتسب جوهر الله الخالق ولكن المعنى ان تسهم في قوى من الله الأزلية ونحن نقول بأزلية النعمة.

يكون عندك أو فيك شيء غير مخلوق والا لما استطعت ان ترتفع. لا رفعة لك من ذاتك البشرية ولكن لك رفعة من الوهية سكنتك بصورة غير مدركة.

كل غير هذا القول يعني ان ليس من تلاحم بينك وبين الله وان ربك لم يردم الهوة بين السماء والأرض. كل هذا القول يعني ان الله فوق وانك تحت وانه يحكمك بالكلمة، تلك التي لا يمكن ان تدخلك ما لم تصر حبا اليك. والكلمة لا تصير حبا لمجرد ان الله قالها. وجب ان ينزل الكلمة الذي كان من البدء إلى لحمنا وعظامنا.

ان ارتفاع الرب يسوع إلى السموات سبب تحويلنا اليه فإنه «سيغير جسد تواضعنا ليكون على صورة مجده» (فيليبي 3: 21). لكونه جعلنا بانبعاثه قياميين نستطيع ان نصبح تواقين إلى المجد الذي سنسكنه في اليوم الأخير.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

معيشة الكاهن/ الأحد 20 أيار 2012 / العدد 21

الكاهن يريده ربه منزّها عن عشق المال بنوع خاص، لأنه اذا وقع في هذا العشق يتعثّر به المؤمنون ومنهم من يبتعد عن الكنيسة بسببه. ربما كانت هذه السقطة نتيجة قلّة موارده او ضعف راتبه. ولكن الصمود الروحيّ أمام التجربة يريده الله. حتى لو حُلّت قضية الراتب لا يتحوّل الشغوف بالمال الى نزيه آليًا. هذا التحوّل ثمر النعمة فقط.

لا يجوز ان يتأفف الكاهن من وضع له ضيّق. الكثيرون من الناس هم في هذا الوضع، وقد لا تأتي الحلول سريعة، ولكن لا بد أن نتدارس أحوال الكاهن بصورة جدية بدءا من إيجاد راتب مرضيّ، وهذا لا يتوفر اذا كانت الرعية الصغيرة وحدها مسؤولة عن إعاشة هذا الرجل وعائلته. لا بد من وضع مركزيّ بحيث يتساوى خادم رعية كبرى وخادم رعية صغرى او يتقاربان. ربما يتراءى حلّ من جمع الرواتب كلها في المطرانية ليتم توزيع أقرب الى العدالة. فالرعايا الكبيرة اذا تمسّكت باستقلالها الكامل لا تحل المشكلة.

اذا لم نركّز كل الأموال في المطرانية يمكننا على الأقل أن ندفع لصندوق مشترك نسبة من مواردنا لنغذّي كهنة الرعايا الفقيرة. ما من شك عندي أن بعضا من رعايا ولو قليلا تخزن مبلغا من المال يبقى سنين لا ينفع أحدا، تجني منها الرعية فوائد وقت يعيش خدّام المذبح الآخرين في ضائقة كبيرة.

متى نفهم أننا إخوة وأنه عيب على الوافرة أموالُه أن يترك بعضا من الإخوة في عوز كبير. لا نقدر أن نهرب الى الأبد من تنظيم مشاركة أخوية حرة او إلزامية حتى لا يحسّ أحد بعزلة.

أنا لم ألجأ الى نظام إلزاميّ اتكالا منّي على أن المشاركة تأتي عفوية لأقوم بتوزيع أقرب ما يكون الى العدل، ولكن لم يفت الأوان إذ قد يأتي الإلهام فنصبح الواحد أقرب الى الآخر.

بانتظار تنظيم كامل، تبقى قضية البطرشيل اي العطاء الحر من المؤمن لكاهنه في المناسبات كالإكليل او العمادة او المأتم. اعتاد أهلنا هذه الطريقة. لا مانع أن نبقى عليها حتى يأتي يوم الإصلاح الكامل. غير أن نظام البطرشيل لا يقوم إلا بالكرَم الكثير، والسوء فيه أن المؤمن يتعمّد مرة واحدة ويتزوّج مرة واحدة ويموت مرة واحدة. هذا يعني أنه يدفع ثلاث مرات للقائم بالخدمة. وأَزيد على هذا أن شعبنا قليل الممارسة، موسميّ، بمعنى أنه يحضر الصلوات في الأعياد الكبرى، وحتى في الأعياد لا يحضر الكل. فإذا كانت الصواني لا تجمع الا القليل، من أين يجمع راتب الكاهن؟ عندنا اذًا مشكلة لا تزال عالقة.

غير أن الحل الجزئي هو أن نُكرم كاهننا بالمناسبات إكراما يليق به وبنا حتى لا نموت ببخلنا ويحزن الكاهن المعوز وأولاده أولادنا. لماذا كُتب على كثيرين من خدّام الهيكل أن يحسّ ابناؤهم وبناتهم بالبؤس او بفقر يشبه البؤس؟

فكّروا فيما بينكم بهذه الأوضاع. قولوا لي ما يخطر ببالكم حتى نتنادى للحلول.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

العائلة / السبت 19 أيار 2012

فتشت عبثًا في العهد الجديد عن لفظةعائلة او عيلة الا اذا سعيت الى المعنى مداورة في كلام متى على المنحدرين من ابراهيم وفي كلام لوقا على المنحدرين من آدم. ذكر العائلةككيان غائب لأن المسيح جاء ليخلّص الإنسان لا كتلة مجتمعية فيها السوء والصلاح واختلاف الطبائع. الفرد هو الذي يهتدي الى الرب او ينشز فيصبح اذا اهتدى من عائلة الآب ويبقى ابواه واخوته من شراذم الدنيا. تتبعثر الجماعة ويبقى المهتدي الى ربه والضالّون الى شياطينهم.

غير ان العهد الجديد لا ينسى مسؤولية الوالد والوالدة والأبناء والبنات. اما القول في بعض الأوساط ان العائلة خليّة في الكنيسة فلم أجد له أثرًا في ما دفع مرة واحدة الى القديسين. ليس من دعوة الى ان تصلّي العائلة معا في وقت واحد وان تستخدم كلّها النصوص اياها فهذا من باب التربية وقد ينجح الأمر هنا ولا ينجح هناك.

العيلة واقع عملاني وليست واقعا كينونيا. على مستوى العمل والرعاية والافتقاد لا غنى عن هذا الواقع وقد أجمع علماء النفس المعاصرون انه وان كثرت المساكنة وتشريعها بالزواج في عدة بلدان من الغرب تبقى العائلة حاجة انسانية لا غنى عنها. قرأت بسرعة هذا الأدب غير انه يزيّن لي ان التوازن النفساني والنضج العاطفي معرضان للاختلال الكبير ان كان احدنا لا يعرف اباه وامه او عاش صريع خلافاتهما او رأى احدهما يرتكب الكبائر والظلم والعسف والغضب الشديد بحيث امكن القول ان انفكاك العائلة ينتج عنه انفكاك الشخصية.

في الطائفة الارثوذكسية قاضيت كل العائلات التي تقدّمت استئنافا بدعاوى طلاق خلال اثنتي عشرة سنة كما قاضيت جزءًا من هذه الطائفة بداءة. لن أحدّثكم عن فحصي للعائلات التي رغبت في الانفصال. هذا يخرج من اهتمامي في هذا المقال يهمني الأذى النفساني اللاحق بالاولاد. هنا امكن التقرير ان الاضطراب النفسي وخلل الطبائع والاكتئاب سيئات تلحق بالبنين والبنات لا سيّما اذا كانوا صغيري السن لا أطفالا رضعا ولا متقدمين في الرشد. ولكن القاعدة العامة ان الأذى يحلّ بالأولاد كذلك الخيبة من الأهل ولاسيّما  اذا بانت خطاياهم للولد. كل خطيئة تولّد صدمة وكل صدمة تصدعا في النفس بمقادير مختلفة حسب الوضع العائلي المنهار.

في الواقع كان الانهيار واقعا قبل الخلاف واستدعاء الطلاق وكان الحزن قد دخل الى هذه النفس او تلك النفوس التي تؤلّف العائلة.

لست أعرف نفسيّة الأولاد في الكنائس المسيحية الأخرى التي ليست عندها قانونيا طلاق ولكن عندها الإبطال. تصوّري انه مهما كانت التسمية فالعائلة الكاثوليكية تعرف الانفصال ونتائجه.

لا أعرف شيئا عن سيكولوجية الأولاد المسلمين الذين ينفصل ذووهم بالطلاق. هل تشريع الطلاق في الإسلام يجعل الولد أكثر قبولا لهذه المؤسسة؟ نحن في حاجة الى دراسة سوسيولوجية مستفيضة هنا ولكن ظنّي ان الولد المسلم اية كانت الشريعة التي يألفها يحب بقاء ذوويه معا وان يظلّ ملتصقًا بهما.

#   #

#

ما يجعلني أوافق على ان مؤسسة الزواج باقية هو ان الزواج وحده يرعى صحة الأولاد وعافيتهما السيكولوجية بدءا من انه ليس من بديل عن الأم. يهمّ كل انسان ان يعرف ممن جاء الى هذا العالم. لذا يبقى الغربي سنوات اذا فقدهما او فقد معرفتهما يفتش عنهما في كل اقاصي الأرض. هكذا الانسان مفطور على انه يريد صلة على الأقل بأمّه. هو يعرف انه نما فيها طوال تسعة أشهر وانها حاضنته مهما طال عمره لأن حبل السرة وان قطع حسيا لا يقطع نفسانيا وكأن الانسان ابدا جنين وعندما يوارى الثرى يعود ابنا للأرض التي منها أُخذ. الأم والأرض والمدينة واحد ومنها جميعا جاء الانسان.

علاقتنا بالأب هي علاقتنا بالتاريخ العائلي المعروف عند اهل المال وغير معروف عند الفقراء ولكن الشعور بالماضي يلهمنا الشعور بالاستمرار. هناك رعاية للأب تتمثل في قوته وسيادته. وهذه القوة نعرفها متصلة بالأحشائية. كيف تتواصل سيادة الوالد على ولده والتصاقية الأم به في هذه الموهبة التي تدعى العائلة لمن استعملها سالمة هذا هو من نعم الله علينا. هذا يكشف حب الله لنا في هذا الثالوث الذي هو الأب والأم والوليد.

هنا تثار علاقة الأخ بأخيه او أخته. كيف تتجلّى العائلة عند ذاك؟ هل من مكانة لهذا التعدّد؟ اذا كان حب الأهل للأولاد عموديا فالحب الأخوي أفقي بمعنى تشابه الإحساس عند الإخوة والأخوات بقوة الأب او سيادته من جهة وبالأصول الرحمية تجاه الأم. طبعا هذا كله غارق في العقل الباطن. شعور هذا الولد تجاه امه وأبيه ليس واحدا او ليس بالعمق نفسه بين الاخوة والأخوات. لهذا أرى ان الصداقة بين البنين والبنات هي الطاغية على شعور أحدهم للآخر. من هذا المنظار كانت العائلة مكان التلاقي الشعوري بين الإخوة.

واذا كانت الأخوة هي صداقة أكثر من انتمائها الى اللحم والدم يكون ايثار الولد الواحد على بعض من الكثرة إضعافا لنمو الصداقة عند الإنسان في العيلة. البيئة العائلية دفء مفيد جدًآ للنمو الأسري. قد يعطل الخفر والخجل او عوامل أخرى تنمية المودات خارج العائلة وكثيرا ما يظهر العداء بين الإخوة ولكن الناموس الطبيعي ان ينشأ الحب ويكبر في اخوّة سليمة.

أنا أجيء من عائلة فيها ثمانية أولاد وما كان أبي على ذلك اليسر الذي يقال اليوم انه واجب لإكثار الولادات. ولم أسمع اصلا ان والدي يتأفف من اقتصاد علئلي معتدل. ذقنا صعوبات قليلة في الحرب العالمية الثانية. أءخلنا جامعات وما كان احد يقول في وسطنا الجامعي كيف يسجل هذا  ابن متري خضر في جامعة ويعيش في العاصمة ونحن لسنا ابناء العاصمة.

كنّا ندرس على ضوء القنديل اذ لم تكن الكهرباء تضيئنا آنذاك ونمشي على أقدامنا وكانت العائلة تصادق عائلات مسلمة. كنا نعيش معا في الحي وتعلّمنا نحن ان نحب المسلمين وما سمعت واحدا من الناس يقول لفقره لا أريد ان استخلف.

النصيحة الوحيدة التي كنت استمعها من الكهنة ان أطع أباك وأمك وعليها كانوا يزيدون احبب قريبك كنفسك. المسيحية العملية كانت هذه عند مرشدينا الروحيين والمسيحية النظرية تأتي من القداس واذا انت أتممت هذا كانوا يعتبرون انك بلغت الرشد الروحي الذي يكلل فيك كل مسعى.

العائلة كانت في عمقها الروحي تقوم على انشاد امي وبهاء ايقوناتها والخفر يضطرني الا أتكلّم على نقاوة والدي. الطهارة الكاملة في الكلام كانت مما لا يناقش لزومها. واستقامة الرأي التي كنا عليها مذهبيا كانت تقتضي استقامة السلوك اذا اردت ان تحس انك من هذه العائلة.

لست أعلم اذا تقيدنا بكل ذلك ولكن هذه كانت سياسة العائلة اذا أريد للعائلة البقاء. هي لا تبقى في الإيلاد ولكنها كانت تنمو بالولادة الجديدة التي من فوق.

العائلة تتلاشى في عائلة الآب او لا تكون.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

السامرية / الأحد 13 أيار 2012 / العدد 20

هذا الفصل الإنجيلي يحتوي على حوار من أجمل حوارات السيد. الحادثة السابقة للمقطع الذي نقرأه ان السيد لما كان لا يزال في اليهودية، وهي المقاطعة المحيطة بأورشليم، أحس بكيد الفريسيين وتآمرهم عليه، فقرر ان يذهب الى الجليل، وهي بلاده، وكان لا بد له ان يمر بالمنطقة الوسط وهي السامرة. فوصل الى مدينة سوخار وكانت قريبة جدا من نابلس، التي كانت في ذلك الزمن ولا تزال الى يومنا. في هذه الضيعة كانت عين يعقوب او بئر يعقوب، وهذه البئر قائمة حتى اليوم وعندها كنيسة ارثوذكسية.

نحو الساعة السادسة اي عند الظهر جاءت امرأة سامرية. في بلادنا في طفولتي كانوا يتبعون هذا التوقيت ويسمونه الساعة العربية. المرأة حاملة جرة خزفية والبئر عمقها 32 مترًا وكان بإمكانها ان ترفع الماء، ولم يكن ليسوع دلو ليرفع الماء. طلب منها الرب ان تسقيه فرفضت لكونه يهوديا والسامريون فرقة انشقت عن اليهود لاختلاف في العقيدة ولاختلاف عنصري اذ كانوا قد اختلطوا بشعوب أجنبية. لما رفضت ان تعطيه ماء ليشرب قال لها: «لو عرفت عطية الله ومن الذي قال لك اعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا». قالت له: من أين لك الماء الحي؟ قال لها عند ذاك: «كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا وأما من يشرب من الماء الذي انا أعطيه فلن يعطش الى الأبد». أي ماء قصد؟ لم تفهم شيئا من كل هذا.

أراد السيد ان يوقظها روحيا وطلب منها ان تدعو رجلها (في الترجمة الاميركية زوجها). ترجمتنا نحن أفضل اذ لم يكن لها زوج وساكنت في الماضي خمسة رجال وهي الآن تساكن رجلا. رأت ان يسوع يعرف وضعها فقالت: «يا سيّد أرى انك نبي» وطرحت عليه سؤالا لاهوتيا: «آباؤنا سجدوا في هذا الجبل (المُسَمّى جريزيم) وأنتم تقولون ان السجود هو في هيكل اورشليم». عند ذاك قال لها ما معناه انه ليس هنا ولا في اورشليم يكون السجود لله. الله لا يهمّه مكان. «الله انما يُسجَد له بالروح والحق» اي في القلب، في عمق الكيان البشري. في الحق تعني الله نفسه اي السجود المباشر الذي لا يحتاج الى تلة صهيون حيث كان الهيكل ولا الى جبلكم حيث كان في القديم هيكل السامريين. وكان قد دُمر قبل مجيء المسيح الى العالم.

هذا الحوار أهم ما ورد في إنجيل اليوم. والمرأة تركت جرتها، وهي لأجل استقاء الماء جاءت، وأخذت تبشّر قومها بالمسيح وهيأتهم لبشارة الرسل التي يذكرها سفر أعمال الرسل. وسمّتها الكنيسة القديسة فوتيني، وفي التسمية العربية في أوساطنا هي فوتين اي المستنيرة.

أعطنا يا رب ان نهتدي من كل قلبنا كما اهتدت المرأة السامرية.

Continue reading