Author

Aziz Matta

2012, مقالات, نشرة رعيتي

توصيات إلى أهل رومية/ الاحد 22 تموز 2012 / العدد 30

يبدأ بولس حديثه في اللاهوت وينهيه بالأخلاق كما في هذه الرسالة الى أهل رومية. يلاحظ في بدء المقطع أن في الكنيسة أقوياء وضعفاء وكلهم إخوة. الأقوياء هم المتمسّكون بالمسيح بشدة ويعرفون عنه الكثير بالفضائل التي في نفوسهم تستقبل السيد. والضعفاء ليس عندهم هذه الغيرة او ليس عندهم معرفة كبيرة. في الكنيسة نتقّبل أحدُنا الآخر لأن الله قبله. الكنيسة لا تقبل كبرياء العارفين كما لا تقبل أن يقول الضعيف انا هكذا وأُصرّ أن أبقى ضعيفًا ولستُ أُريد ان أتعلّم او ان أُجاهد في سبيل بهاء روحيّ أعظم. كلنا يجاهد ليصل الى الذروة.

أمام هذا المشهد لنا «الرجاء بالصبر وبتعزية الكتب». نصبر من أجل رجاء أكبر وتمسّك بالإيمان عظيم. والإيمان يأتي من الكتب المقدسة أذا قرأناها. وسطورها لا تنتقل الينا إن لم نقرأ. ودائمًا أنا مصدوم لأن الكثيرين من إخوتنا لا يعرفون العهد الجديد، واذا واظبوا على الصلاة يسمعون 52 مقطعًا من الأناجيل الأربعة ويدركون قليلا قراءة الرسالة وربما سمعوا شيئًا في الصيام. كيف تأتيهم تعزية الكتب؟

يضيف بولس، الى رجاء معرفتهم بالكتب، أن يكونوا متّفقي الآراء بحسب المسيح يسوع مستندين على العقيدة الواحدة واستقامة الرأي وما همّه أن يكونوا متّفقين في أمور هذه الدنيا، في السياسة مثلا. الكنيسة ليس لها رأي في هذه السياسة او تلك إلا أنها مع الفقراء والمظلومين وضد الهدر والسرقة.

ينتج من هذا أننا «بنفس واحدة وفم واحد نُمجّد الله أبا ربنا يسوع المسيح». نمجّده من كل كياننا ونحن متّفقو الآراء التي تأتينا من إنجيله.

ثم يختم بقوله: «فليتّخذ بعضُكم بعضا كما اتّخذكم المسيح»، اي فليكن كلّ منكم للآخر مثل أب او ابن او أخ. تعهّدوه في الخدمة لأنكم معًا عائلة الآب. وفي كل هذا لا يسعى أحد الى مصالحه او إكثار محبّيه بل تعاونوا وأَقيموا بنيانًا روحيا واحدًا لمجد الله. أنتم لستم غاية لذواتكم. تخدمون بعضكم بعضًا لكي يبقى الله سيدًا على الكنيسة. ساندوا بعضُكم بعضًا ليس للمنافع المتبادَلة ولكن لتكونوا واحدًا لله في يسوع المسيح ربنا.

الله هو الذي يجعلكم واحدًا بيسوع المسيح اذا أَطعتموه. تعاونوا في تفعيل كل منكم موهبته للآخرين. هذا يعطي تعليمًا وذاك افتقادًا او إحسانًا والآخر وعظًا او تدبيرًا لشؤون الكنيسة. فلا يفرّق بينكم أحد لأن المسيح اذا أُعطي من كل واحد للآخر يكون هو الجامع بينكم وتصير الكنيسة، اذ ذاك، جسدًا واحدًا عاملا في كل فرد من أفرادها وهي موحّدة بنعمة المخلّص لها وبقبول كل مؤمن فيها عطاء الرب، وفي هذا تبدُون جسدًا واحدًا للمسيح حتى إنّ من رآكم موحّدين يكون شاهدًا للمسيح الواحد القائم في كل واحد منكم.

«المحبة لا تسقُط أبدًا» وهي التي تبني كُلاّ منكم وتَبنِيكم مجتمعين.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الصديق / السبت 21 تموز 2012

قال أرسطو: «يا أصدقائي، ليس من أصدقاء». لن أناقش المعلم الاول في ما ذهب إليه مغاليا. فالبشرية لا تخلو من محبين صادقين كما لا تخلو من مبغضين كثر. في اللغة صادقته أي خاللته. ومعنى صديق فلان انه صدقه المودة والنصيحة. هناك اذا نأي عن الكذب. هناك مبيت في الاخلاص: «أحبب صديقك كنفسك». بذا تجعله قريبًا وكأنكما واحد. لعل كل سر الصداقة انه يكمن كليا في المحبة التي يصير فيها المحبوب واحدًا مع المحب.

مرة خاطب احد قياصرة روسيا الرئيس الفرنسي في رسالة اليه قائلا: صديقي العزيز، فأراد الرئيس الفرنسي ان ينقح له العبارة قائلا: في العرف الديبلوماسي يقال يا أخي العزيز. أجابه الروسي: أخوك مفروض عليك (بالطبيعة) اما صديقك فتختاره.

كيف تتلاقى القلوب هذا سر الوجود. ما اجرؤ على قوله ان هذا سر إلهي. الله عاقد القلوب وفيه وبه تتوحد بحيث تنطق نطقا واحدا فلا يبقى محل للخلاف في الوجدان ولو بقي محل للاختلاف العقلي. ولا ينثلم القلب بذا ولا يخشى الاختلاف ولو بمباينة قليلة اذ المصدر واحد وهو الحقيقة الوجدانية العميقة التي تتبلر واحدة فيك وفيه.وتطمئن الى الآخر لعلمك بإخلاصه للحق صدر منك او صدر من الآخر. لم يجعلكما التماهي واحدا ولكن الحق انشأ فيكما التماهي لأنكما ثمرته الواحدة. للانسان قلب رحب بالحق او هو ليس بشيء.

فيها حركة شبيهة بالتنزيل والرب يختار لإلهامه آنية مختلفة في ما يبدو منها وكأنها واحدة لأنها قادرة على تقبل كلمة منه واحدة فاذا استوعبت تجعل من الاثنين واحدا. الباقي فروق في التعبير او النبرة او الصيغة. واحدكما اقوى منطقا او حدة ذكاء. وحدتكما ليست بهذه ولكن بما استلمته من فوق. التصرف الواحد يمكن ان يكون لغة الله اذا ظهرت.

لغة الله تصير لغة الناس سلوكا وكأنهم مرآة ربهم. قول الله نفسه نسميه اللاهوت وقول الانسان نفسه نسميه الناسوت. والقول والكيان واحد. ويقترب الانسان من الله احيانا بقوة بحيث لا تقدر ان تميز على مستوى الكلام ما هو للخالق وما هو للمخلوق. اذا كنت مع اهل التجلي لا تقدر بسهولة ان تؤكد ان قول الانسان هو له وحده. الرؤية اذا انكشفت تجعلك تميل الى انها سقطت عليك من المحل الأرفع.

#   #

#

ما المقولة الوجدانية التي فيها تنوجد الصداقة؟ هي الشركة او المشاركة اي ذلك الاتحاد الذي لا يلغي الإثنينية الكيانية ولكن يحول طاقتها الى وحدة عطاء، الى تكامل بمعنى ان الشخصية لا تتحقق الا بالآخر. الذات ليست الفردية التي هي تأكيد الأنا بالانعزال عن الآخر. الآخر ليس آخر بمعنى ضد أناك ولكن بمعنى انكما بتما حركة واحدة لا إقصاء فيها لصوت واحد منكما ولا ذوبان.

الوحدة تفترض دائما وجها آخر ليس مرآة لوجهك ولكنه نحوه او اليه. ما سميناه مشاركة يمكن تسميته المعية والمعية تفرض سيرا جنبا الى جنب في التآزر في حالة سلامة المشي او صعوبة المشي عند أحدكما. انت تعطي صديقك نفسك اذا رأيته يعرج فيحس انه قد بلغ السلامة.

غير انه يتعذّر عليك الذهاب ان لم يمسك الله بيدك. ما من تجاوز للثنائية الخطرة الا بالثالوثية التي الله مبدؤها وغايتها. الصداقة لا تنتهي الا اذا خان احدكما ربه فيخون منطقيا صديقه. ما من لقاء بشري محتوم مهما تأججت العاطفة. انها تسقط عند نتوء الأنا. فاذا غاب وجه الله عنكما يذبل انت او هو او كلاكما وكأن شيئا من صفاء القربى لم يكن. في عالم القصة وضع فرنسوا مورياك كتابا عنونه «صحراء الحب».  اية كانت فلسفة المؤلف احتسب ان الصداقة الجامعة هي التي تلغي جفاف الوجود فاذا زرعت المحبة تتفجر من تحتها الجنات التي تروي كل العطشى.

#   #

#

انتقدني بعض الأصدقاء لأني تجرأت في «لو حكيت مسرى الطفولة» على قول ما مفاده ان الصداقة اصفى عاطفة او اجمل. قد لا اكون متمسكا بهذه الصياغة ولكني أردت انها العاطفة الوحيدة على مستوى الطبيعة التي لا تتضمن تبادلا لأن التبادل يسري من نفسه. فاذا علاك المحب تعلو وتعليه بدورك ولا تطلب شيئا خارج نطاق الصداقة من متاع هذه الدنيا.

اجل عندك مشاعر اخرى طبيعية ايضا كتلك التي تربط الرجل بالمرأة وقد تصل هذه الى التجرد الكبير والى الصفاء ولكن تضاف عليها مكونات اخرى كالمال والبيت وذوو القربى التي تهدد احيانا الصفاء الكامل. قلت احيانا لأني لا أشك في إمكان الإخلاص الكامل في الحياة الزوجية. جل ما اردته في موقفي القديم في «لو حكيت مسرى الطفولة» ان الصداقة في طبيعتها الحالية كالماء العذب الذي لا لوثة فيه وانها في أحايين كثيرة طريقنا الى الحياة الزوجية العظيمة. انت تأخذ رفقاءك امام وجه الله فيستضيئون به ويقتربون.

في طاعة الله لا تستطيع ان تحب الله كما احبك لأن قلبه اوسع من قلبك. ولكن على صورة حبه لك تقدر ان تحب الآخر لأن الرب يوسع قلبك في كل حين ويجعل قلبك مثل قلبه على قدر ما تستطيع البشرة ان تكون متقبلة.

اذا مات الأصدقاء تبقى متشبها بفضائلهم فتحيا. الذين في الفردوس ومن استبقوا على الأرض يظلّون واحدا لأن الوجوه تظل الى الوجوه اذ الرب هو الجامع. اخرجوا من الصحراء.

قال أرسطو: «يا أصدقائي، ليس من أصدقاء». لن أناقش المعلم الاول في ما ذهب إليه مغاليا. فالبشرية لا تخلو من محبين صادقين كما لا تخلو من مبغضين كثر. في اللغة صادقته أي خاللته. ومعنى صديق فلان انه صدقه المودة والنصيحة. هناك اذا نأي عن الكذب. هناك مبيت في الاخلاص: «أحبب صديقك كنفسك». بذا تجعله قريبًا وكأنكما واحد. لعل كل سر الصداقة انه يكمن كليا في المحبة التي يصير فيها المحبوب واحدًا مع المحب.

مرة خاطب احد قياصرة روسيا الرئيس الفرنسي في رسالة اليه قائلا: صديقي العزيز، فأراد الرئيس الفرنسي ان ينقح له العبارة قائلا: في العرف الديبلوماسي يقال يا أخي العزيز. أجابه الروسي: أخوك مفروض عليك (بالطبيعة) اما صديقك فتختاره.

كيف تتلاقى القلوب هذا سر الوجود. ما اجرؤ على قوله ان هذا سر إلهي. الله عاقد القلوب وفيه وبه تتوحد بحيث تنطق نطقا واحدا فلا يبقى محل للخلاف في الوجدان ولو بقي محل للاختلاف العقلي. ولا ينثلم القلب بذا ولا يخشى الاختلاف ولو بمباينة قليلة اذ المصدر واحد وهو الحقيقة الوجدانية العميقة التي تتبلر واحدة فيك وفيه.وتطمئن الى الآخر لعلمك بإخلاصه للحق صدر منك او صدر من الآخر. لم يجعلكما التماهي واحدا ولكن الحق انشأ فيكما التماهي لأنكما ثمرته الواحدة. للانسان قلب رحب بالحق او هو ليس بشيء.

فيها حركة شبيهة بالتنزيل والرب يختار لإلهامه آنية مختلفة في ما يبدو منها وكأنها واحدة لأنها قادرة على تقبل كلمة منه واحدة فاذا استوعبت تجعل من الاثنين واحدا. الباقي فروق في التعبير او النبرة او الصيغة. واحدكما اقوى منطقا او حدة ذكاء. وحدتكما ليست بهذه ولكن بما استلمته من فوق. التصرف الواحد يمكن ان يكون لغة الله اذا ظهرت.

لغة الله تصير لغة الناس سلوكا وكأنهم مرآة ربهم. قول الله نفسه نسميه اللاهوت وقول الانسان نفسه نسميه الناسوت. والقول والكيان واحد. ويقترب الانسان من الله احيانا بقوة بحيث لا تقدر ان تميز على مستوى الكلام ما هو للخالق وما هو للمخلوق. اذا كنت مع اهل التجلي لا تقدر بسهولة ان تؤكد ان قول الانسان هو له وحده. الرؤية اذا انكشفت تجعلك تميل الى انها سقطت عليك من المحل الأرفع.

#   #

#

ما المقولة الوجدانية التي فيها تنوجد الصداقة؟ هي الشركة او المشاركة اي ذلك الاتحاد الذي لا يلغي الإثنينية الكيانية ولكن يحول طاقتها الى وحدة عطاء، الى تكامل بمعنى ان الشخصية لا تتحقق الا بالآخر. الذات ليست الفردية التي هي تأكيد الأنا بالانعزال عن الآخر. الآخر ليس آخر بمعنى ضد أناك ولكن بمعنى انكما بتما حركة واحدة لا إقصاء فيها لصوت واحد منكما ولا ذوبان.

الوحدة تفترض دائما وجها آخر ليس مرآة لوجهك ولكنه نحوه او اليه. ما سميناه مشاركة يمكن تسميته المعية والمعية تفرض سيرا جنبا الى جنب في التآزر في حالة سلامة المشي او صعوبة المشي عند أحدكما. انت تعطي صديقك نفسك اذا رأيته يعرج فيحس انه قد بلغ السلامة.

غير انه يتعذّر عليك الذهاب ان لم يمسك الله بيدك. ما من تجاوز للثنائية الخطرة الا بالثالوثية التي الله مبدؤها وغايتها. الصداقة لا تنتهي الا اذا خان احدكما ربه فيخون منطقيا صديقه. ما من لقاء بشري محتوم مهما تأججت العاطفة. انها تسقط عند نتوء الأنا. فاذا غاب وجه الله عنكما يذبل انت او هو او كلاكما وكأن شيئا من صفاء القربى لم يكن. في عالم القصة وضع فرنسوا مورياك كتابا عنونه «صحراء الحب».  اية كانت فلسفة المؤلف احتسب ان الصداقة الجامعة هي التي تلغي جفاف الوجود فاذا زرعت المحبة تتفجر من تحتها الجنات التي تروي كل العطشى.

#   #

#

انتقدني بعض الأصدقاء لأني تجرأت في «لو حكيت مسرى الطفولة» على قول ما مفاده ان الصداقة اصفى عاطفة او اجمل. قد لا اكون متمسكا بهذه الصياغة ولكني أردت انها العاطفة الوحيدة على مستوى الطبيعة التي لا تتضمن تبادلا لأن التبادل يسري من نفسه. فاذا علاك المحب تعلو وتعليه بدورك ولا تطلب شيئا خارج نطاق الصداقة من متاع هذه الدنيا.

اجل عندك مشاعر اخرى طبيعية ايضا كتلك التي تربط الرجل بالمرأة وقد تصل هذه الى التجرد الكبير والى الصفاء ولكن تضاف عليها مكونات اخرى كالمال والبيت وذوو القربى التي تهدد احيانا الصفاء الكامل. قلت احيانا لأني لا أشك في إمكان الإخلاص الكامل في الحياة الزوجية. جل ما اردته في موقفي القديم في «لو حكيت مسرى الطفولة» ان الصداقة في طبيعتها الحالية كالماء العذب الذي لا لوثة فيه وانها في أحايين كثيرة طريقنا الى الحياة الزوجية العظيمة. انت تأخذ رفقاءك امام وجه الله فيستضيئون به ويقتربون.

في طاعة الله لا تستطيع ان تحب الله كما احبك لأن قلبه اوسع من قلبك. ولكن على صورة حبه لك تقدر ان تحب الآخر لأن الرب يوسع قلبك في كل حين ويجعل قلبك مثل قلبه على قدر ما تستطيع البشرة ان تكون متقبلة.

اذا مات الأصدقاء تبقى متشبها بفضائلهم فتحيا. الذين في الفردوس ومن استبقوا على الأرض يظلّون واحدا لأن الوجوه تظل الى الوجوه اذ الرب هو الجامع. اخرجوا من الصحراء.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

المؤمنون نور العالم/ الأحد 15 تموز 2012 / العدد 29

«أنتم نور العالم» يستمدّه التلاميذ ومن بعدهم المؤمنون من المسيح الذي وصف نفسه بأنه نور العالم (يوحنا 9: 5). ومن الطبيعي أن يضيء نورُنا قدام الناس ليروا أعمالنا الصالحة فيمجدوا الله الذي أعطانا هذا النور.

تكونون مثل أورشليم الواقعة على جبل. ولعل المعنى ايضًا أن الكنيسة ككل التي تؤلّفونها هي نور للعالم أجمع.

الأعمال الصالحة لا نقوم بها لتمجيدنا بل لتمجيد الله الذي في السموات. نضيء الناس بالمحبة التي فينا، والمحبة لا تنتفخ كما يقول بولس. الناس يرون الأعمال الصالحة، ومن قام بها ينسبها دائمًا الى الله.

بعد هذا يقول السيد: «لا تظنّوا أني أَتيتُ لأحُلّ الناموس (أي شريعة موسى والأنبياء). يسوع لا يُلغي النصوص المقدسة لأنه يشدّنا الى البر الذي فيها. في الواقع ألغت الكنيسة الذبائح الدموية. لذلك نسمّي القداس «الذبيحة غير الدموية». المسيح يريد الناس أن يروا غاية الناموس والأنبياء وهي البِر.

لقد حافظنا على أنبياء العهد القديم في الكنيسة لأنهم يُشيرون الى المسيح ويتنبأون عن مجيئه. نحافظ عليهم لندلّ على غايتهم التي هي المسيح.

أجل «لا يزول حرفٌ واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يتم الكل». الناموس علي صعيد الحرف يزول بمعنى أننا لا نحافظ على محظوراته كالامتناع عن أكل بعض اللحوم كالخنزير، ولكن المقصود من الناموس ان يقودنا الى الله. «الناموس بموسى أُعطي، اما النعمة والحق فبيسوع المسيح حصلا». هذا ورد في مطلع إنجيل يوحنا ويدلّنا أننا بالمسيح بلغنا غاية الناموس وهي النعمة والحق.

يسوع يحلّ الحرف القديم ولا يحلّ معناه وهو الاتحاد بالله عن طريق ابنه ولا سيما في موته وقيامته.

خلاصة كل هذا أن «الذي يعمل ويُعلّم يدعى عظيمًا في ملكوت السموات». القائم في نعمة المسيح، المتقدس في الكنيسة يعمل بالبر الذي اقتناه من الإيمان والرجاء والمحبة. هذه تُنتج أعمالا صالحة. يضيف يسوع إلى العمل التعليم. العمل بحد نفسه تعليم بالقدوة. ولكن هناك تعليم بالكلام. هذا أشار اليه السيد بإرسال تلاميذه الى البشارة، وأشار اليه بولس الرسول باعتباره المعلّمين فئة نالت موهبة التعليم من الروح القدس في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس ورسالته الى أهل رومية.

من المؤكد أن الجاهل ليس كالمعلّم، والله يُخلّص هذا وذاك، ولكن الرب جعل لتعليم اللاهوت مكانة كبرى في كنيسته، فاللاهوتيون حافظون للإيمان، يدافعون عنه في ما يكتبون.

واللاهوت ليس وقفًا على أساتذته في كليات اللاهوت، ولكن كل من علّم الإيمان المستقيم في الكنيسة او صفوف المدارس اللاهوتية على أيّ مستوى كان يلقّن الصغار والكبار حقائق الإيمان. والوالد والوالدة يحملان شيئًا من التعليم المسيحي ويُلقّنانه أولادهم. المجلاّت والمقالات الدينية ونشرات الأبرشيات تنقل الإيمان ايضًا.

هذا التعليم ليس حكرًا على الكاهن. كل منّا مدعوّ الى أن يتلقّن الإيمان ويعطيه بمحيطه ولئن كان الكاهن المعلّم المسؤول عن طريق الوعظ في الخدمة الإلهية. والمهم أن يكون المسيحي في تعليمه وعمله موافقًا للروح القدس واستقامة العقيدة.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

تسعون / السبت 14 تموز 2012

اليوم اذا قرأتم هذه السطور تجدون كاتبًا أوصله ربه الى باب التسعين ليشكر ويتعظ ويحاول الا ينأى عن وجه الله الذي يريد ان يكوّن له وجه بشر متقبل للحب الإلهي وغير مصالح لخطاياه. لماذا اكثر الخالق العطاء والمخلص انعطافه، هذا سر لا يكشفه لأحد. هذا متعلق بأبوته التي تنزل علينا نعمة تضعنا في يد الرب التي تحملنا بحنان عظيم وتحمينا هذه القبضة من كل شر، من كل عطب.

رافقتكم بضعة عقود من السنين في هذه الزاوية اكتب من حب في فرح وأبسط لكم تفكيرا نزل عليّ وأريد الا يختلط في أذهانكم بما هو من ضعفي. امنيتي الصادقة ان تنسكب النعمة نفسها في قلوبكم لا لتقرأوني ولكن لتقرأوها حتى لا انتصب بسبب من بشريتي حاجزا بينكم وبينها. «انا عبدك يا رب، عبدك انا وابن أمتك». ولئن شئت كلماتي ممسوحة بيسوع الناصري بلغني من اوساط كثيرة ان معظمها حرك قلوبكم أكنتم، على صعيد المذهب، له ام لم تكونوا. كنت احس اني معكم معية مؤلهة واحدة تجمعنا كلمة كانت تصدر احيانا عن بكاء ولكن دائما عن صدق احببت ان يسهم في شفائكم وفي شفائي.

نحن اذا في صباح كل سبت كنا نتقاسم فطور حب وإخلاص واحد لهذا الذي الذي حاولت ان ابلغكم رسالته أاخذت معقولي من كتابه ام من شوقي اليكم ولعل هذا واحد. سأبقى معكم ما دام هذا القلم وما دام هذا الجسد وما دمتم ترغبون في ان نلتقي صباح كل سبت وقلوبنا مطهرة.

هذه الرسائل لم تكن لو لم يرد غسان تويني ان تكون. في الكثير منها كنا نجيء معا من ينبوع واحد. كان يطيب لي ان اسكن في «النهار» حتى اطل عليكم وان صعب علي احيانا إنتاج هذه الأسطر.

لعلي لم اكن دائما على زخم روحها ولكني سعيت بتواضع ان أقول لكم الحق كما الترائيات التي اكرمني بها رسولا منه اليكم.

#  #

#

لم تكن كلماتي كلها حديثا في الله مباشرا. ولكني اعرف ان لله انتشارا في هذه الصياغة او تلك اذا قضى ان يلمس لساني لينطق به. فالله وحده المبدئ والمنهي وأردت ان أتلقاه هكذا وارجو الا يكون خذلني.

لما كنت اكتب اليكم أردت في الحقيقة ان أخاطبه لكي اتمكن في نهاية كل اسبوع ان آتي اليكم بما اوحى وان نطقت بغير ذلك اكون قد خنته عن عير عمد. «عبدك انا يا رب، عبدك انا وابن امتك».

الى حديثنا انا وانتم عنه كانت بعض الكلمات عن الوطن وعن المشرق. وما قصدت ان اكتب في السياسة مباشرة اذ بقيت مشيئتي ان اكتب عن الفكر الإلهي في السياسة علّ المستغرقين فيها ينظرون من خلالها الى وجه الله لأن «كل حديث بغير الله لغو». رجائي الا اكون قد خلطت بين الدنيا والآخرة. «وللآخرة خير لك من الأولى». كنت احيانا اسمع منه همسات يقول فيها ان السياسة ليست ميدانك. هي موضع من مواضع سيادتي اذا اراد اهلها سيادتي. اي شيء غير هذا باطل الأباطيل. ولكني لم استطع الا اشاهد من جرحتهم امور دنياهم والكلمة على قدر نفعها كانت تضمد لهم جراحهم.

كان غسان تويني المؤمن يعرف ان هذه المساهمات فيها شهادة للرب الذي كان يجمعني به. ولكن غسانا يقرأ الآن ما هو افصح وأبهى في ملكوت المحبة.

#   #

#

ماذا يبقى بعد هذا العمر الطويل؟ لا يحق لانسان ان يطرح عن نفسه هذا السؤال. السؤال الوحيد الذي يسوغ لكاتب يرى نفسه خادما ان يطرحه ليس سؤالا بالحقيقة ولكنه دعاء. ربي اعطني ان اطيعك بطاعة اكبر من تلك التي عشتها وباخلاص لك ليس فيه شرك. فلا يضاف الى وجودك وجود ولا الى فكرك فكر وادعو لكي تسكن وحدك القلب وان يكون هذا القلب مثل كنيسة كل جدارها الشرقي مزين بالأيقونات اي بحضرة قديسيك.

بعد هذا لا يهم ان اكون قادرا على إطلالة عليكم. متى ينكسر القلم؟ المهم ان تبقى فيكم صورة المخلص الذي رغب اليّ ان انقلها اليكم. ما يريده ربكم هو ان تتقبلوا دائما الكلمات التي صدرت عنه قديما وتصدر الى قلوب الكثيرين منكم. هكذا تطمئن روحي اليكم وهكذا تساكنون روح الرب الى ان يطل علينا جميعا فجر الحياة الملكوتية.

هذه السطور ليست وداعا ولا خوف فيها. انها التماس ادعيتكم لي حتى نبقى في هذه المعية المقدسة التي أرادتها جريدة «النهار» بيني وبينكم واعرف ان الرب لن يترك امة بلا شاهد له.

لا تتمسكوا في اية قراءة لكم وجدانية روحية كانت ام غير ذلك الا بما يريده الله لكم ولبلدنا حتى نظل دائما نستضيء بنور القيامة.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الاعتراف بالإيمان/ الأحد 8 تموز 2012 / العدد 28

ليس الإيمان فقط في القلب، انه ايضًا على اللسان. «فكل من يعترف بي قدام الناس أَعترف انا ايضًا به قدام ابي الذي في السموات» (متى 10: 32). يقابلها ايضا قول السيد: «من يُنكرني قدام الناس أُنكره انا ايضًا قدام أبي الذي في السموات» (متى 10: 33).

أَطلقت الكنيسة صفة المعترف على من يُقرّ بانتمائه الى المسيح تحت التعذيب. واذا مات يُسمّى شهيدًا. هذا التطابق بين الباطن والظاهر يُعبّر عنه بولس في رسالة اليوم: «إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله قد أقامه من بين الأموات فإنك تخلُص».

شهادة الدم عندنا إلزامية فلا حق لك بالكفر. أنت تشهد حتى يُراق دمُك. لذلك تؤمن الكنيسة أن الشهداء لا يدعوهم الله الى الدينونة لكونهم اتّحدوا بالمسيح اتّحادًا كاملا.

قد يظنّ بعض الناس أن عدد المسيحيين يقلّ بموت الكثيرين عن طريق استشهادهم. العكس هو الذي حصل إذ الكثيرون من الذين اهتدوا ليس بالبشارة ولكن برؤيتهم قتل السلطات الرومانية وغير الرومانية للمسيحيين. مَن أحبّ المسيح حتى الموت كان يوحي للوثنيين انه يؤمن بإلهٍ حيّ وأنه ينضمّ اليه بالموت.

الذين كانوا يموتون في الشهادة انما جاؤوا اليها بالتعليم، بالبشارة. آمنوا حتى ماتوا. جيلا بعد جيل كنا نموت وفي كل البلدان. الاتحاد السوفياتي قتل الألوف المؤلفة من الشهداء بدءًا بـ250 مطرانًا وستة آلاف كاهن. كذلك هتلر قتل عددا من المسيحيين.

إذا أُلقي القبض على المسيحيّ بسبب من إيمانه لا يهرب من الاعتراف. ولكن يحق له أن يختفي. هذا ليس بنكران. اما اذا سأله المحقّق إن كان مسيحيا فلا بد له أن يعترف والرب وعد بتقويته في حالة الضعف او الشك.

طبيعيّ أن يُقتل المطران والكاهن اولاً ظنًّا من الظالمين أنهم يُبيدون الرعية هكذا. ولكن هذا الحساب لا يصحّ. تنتعش الرعية بموت القادة ويُدبّر الله كنيسته.

استعدادًا للشهادة اذا طُلبت نتمسّك بكل كلمة من كلمات يسوع لنتغذّى بها وتثبتنا حتى اذا برز مَن يضطهدنا يجدنا أقوياء، متأهبين للاعتراف بيسوع ربًّا ومخلّصًا.

«سحابة الشهود» كما يُسمّيهم الكتاب هم أساسنا في السماء وهم يشجّعوننا على الاقتداء بهم. انهم الأعظمون بيننا وإخوتنا الكبار الذين يُثبّتوننا بمحبة المسيح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الله معرفة / السبت 7 تموز 2012

هالني دائما ان أرى نصف البشرية أمية والربع شبه أمي، وقد ظهرت المعارف في كل أنواعها لنمو العقل، فالإنتاج لحياة كريمة خدمة للآخرين. حراثة الأرض بمعناها الشامل زراعة وصناعة يؤمنها العلم هذا اذا لم نذكر الفرح الذي ينعش قلب الإنسان ويقوي علاقاته بالآخرين.

بلا معرفة حقيقية تواجه بها عقول اقرانك يسود تصرفك الانفعال ويتحكم بك الغضب. لكن الثقافة هدؤك في المبدأ وطاقة معالجة لقضاياك وطريقك الى السلام. بركات الرب عليك أفعل إن استطعت أن تصبح سيد مسالكك. أجل عند بعض الأميين حكمة كبيرة. ولكن القاعدة أن تقتني بعض الحكمة بالمعرفة وتتلقى فضل الله عليك.

الى هذا هالني أنّ المتعلّمين الكبار أولاد الاغنياء في المرحلة الجامعية الخاصة لأن هذه المرحلة فيها إنفاق مالي. العلم العالي رديف اليسر وهذا فيه ظلم لمن لا يقدر أن ينفق عليه ابوه ما تتطلبه الجامعات او المعاهد العليا. وهذا امر لا يتعذر علاجه اذا رتبت الدولة ميزانيتها بحيث تربي المتفوقين على الأقل اذا لم تتمكن من تربية الجميع. كم حُرمت الأمة من مواهب الكثيرين من أبنائها وبناتها بسبب ربط الدراسة بالمال.

الدنيا ورشة تعليم دائم اذا شئنا للبلد الكبر ومساهمته في الحضارة العالمية. قال لي أحد كبار علمائنا القاطن الولايات المتحدة أن أكثر الاوائل في كل قطاعات التخصص لبنانيون. هؤلاء ما كانوا في حاجة الى الهجرة لو كان عندنا وسائل الرقي العلمي او التكنولوجيا فنصدرهما من هنا ويفيد كل مواطنينا من هذه المعارف العليا.

طبعًا هذا يقتضي أن تتوفر هذه الرؤية في طبقات اهل السياسة. هذا القول يذكّرني بما فعله الامبراطور بطرس الاكبر في روسيا لما قرر نقلها من بدائيتها الى أن تصبح دولة اوربية راقية. كان له أن يختار بين تأسيس الوف من المدارس الابتدائية وبعض المعاهد العليا، فآثر الخيار الثاني وأنشأ ما سماه الأكاديميات في كل نواحي المعرفة، وأدركت روسيا بسرعة المستوى الألماني بالمعرفة.

نحن قادرون أن نغرف من العلوم كلها وفي بعضها لسنا مقصّرين، ولكن لا بدّ من بلوغ كل المعارف الضرورية للانسان المعاصرين ولا بد من تعميمها على كل الموهوبين.

من المؤكد أنه لا يمكنك ان تصل بكل أحوال الوطن الى أعلى مستوى ممكن ولكن لا يجوز ان تبقى طبقات من الناس كثيرة كبير جهلها. انا أعرف أنّ ثمة فرحا لا يأتي من العلم وأنّ القداسة تنزل عليك من فوق ولكن العلم بمتناول يديك. يسهم كثيرا في إنعاشك الداخلي ولا يسوغ لك آن تبدد كل إمكانات نموّك الانساني بسبب من ضعف ميزانية الدولة. أجل هنا بحث سياسي في شأن الميزانية اذ لا بد أن تتكيف بالخيار الروحي الذي أمامنا وهو أنّ المعرفة أسبق من كل شيء.

#   #

#

ما هو أهم من علوم الدنيا هو علمك بالله وبشؤونه القائمة على المعرفة. أن تكون مألوها أي متلقيا ربك في قلبك يقتضي إلمامك بالنص الديني. أنا لست أنكر أنّ ربنا ينشىء لنفسه محبين وعالمين به دون أن يمسوا النصوص. ولكن لا شك عندي أنّ الإحاطة الطبيعية بما يجب آن يعرف عن الله يأتينا من الكتب المقدسة وما أوحت به لكتّاب لاحقين فسّروها أو بنوا لاهوتا عليها ولكن لا ريب عندي أيضا أنّ العارفين قلائل على اختلاف الأزمنة. فاذا كان قصد الوحي ان يعرف الناس مضمونه ليصلوا به الى ذوق الله بدراسة كلمته فالجهل رهيب.

أقتصر على تأمل الوضع المسيحي حتى لا أخطىء في التصور ولا أعلم من لهم معلمون. ففي الأسبوع الماضي كنت أقيم القداس الالهي في إحدى الكنائس ورأيت الى المؤمنين فوثقت أنّ عددا كبيرا منهم لم يقرأ العهد الجديد وذلك في سياق الموعظة اذ عدت بهم الى نصوص انجيلية لم يسمعوا بها. قلت لهم أنا لا أشك أنّ ذويكم اشتروا انجيلا لحق به الغبار فاذهبوا وامسحوا الغبار وافتحوا الكتاب تجدوا في البدء إنجيل متى فطالعوه كما هو منشور حتى تصلوا الى سفر الرؤيا فيعطيكم ما لا تعطيه الطقوس.

هذا النص يحرك القلوب وتحتاجون أنتم الى كل العوامل التي تلهب قلوبكم وتملأها ايمانا. فتشوا عن كل ما ينعش قلوبكم ويطهرها. القداس بني على كلمة الله ولكن كلمة الله هي حجر الأساس الذي لا يوضع أساس سواه. لقد تجلى الله بطرق مختلفة. لا حق لكم آن تنحصروا بطريق واحدة له. أنتم لا تقررون عنه. فإن شاء الكتاب فعليكم بالكتاب. وان شاء الانشاد فخذوا بالانشاد وان شاء الكنيسة فاجتمعوا فيها. غير هذا التفكير استسلام للهوى، للأذواق العابرة. واعلموا ان الله لا يُدرك الا بجهد عظيم وان معرفته ليست سهلة. اذا كنت مؤمنا فاعلم ان الإيمان التبليغ وليس فقط التبلغ الذي وصل اليك: «ليكن كلامكم بنعمة مصلحا بملح لتعلموا كيف يجب ان تجاوبوا كل واحد» (كولوسي 4: 6).

هذا كلام مرسل الى كل المؤمنين وليس فقط الى الكهنة. فإن كانوا أرباب التعليم فليس محصورا فيهم. كل منكم حامل كلمة الله ويجب اذًا إطلاقها حتى لا تبقى سجينة الكتب.

صح ان الله محبة ولكنه ايضا معرفة والدليل انه عرّف عن نفسه بكلمات. اذا ساغ لي تعبير تصويري عن الله أقول على كل منا ان يتساءل: «اي مقدار معرفي عن الله عندي». هل هو المقدار الذي اراده للإنسانية ام هو يرتضي ان يلملم الجهلة والعالمين. هل هم جميعا يرونه بالكثافة نفسها. قد يحبه الأمي اكثر من العارف بكلماته. ولكن هذا ليس شأني. أنا شأني ان أقول لربي: «بنعمتك انا تبلغت وان زدتني علما أبلغ حتى لا تبقى كلمتك مرمية في صحراء»؟

«انت ليس همك الكتب المطبوعة. انت جئت لتسكن القلوب بالكلمات التي تفوهت بها بالأنبياء ورسل ابنك الوحيد. وتريد كلماتك ان تعود اليك محملة برجاء البشر الذين أخصبوا النعمة التي أنزلت عليهم لكي يحسوا انهم أخذوا يتسلقون سلم الوصول اليك وعرفوا ان لك الحمد فيهم. السبب الوحيد الذي جعلك ترزقهم اولادهم هو ان يعرفك هؤلاء الاولاد ويدشنوا الملكوت من هنا».

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

نشيد المحبة/ الأحد في أوّل تموز 2012 / العدد 27

رسالة اليوم مقطعان، أوّلهما عن المواهب، وثانيهما معروف بنشيد المحبة. اما المواهب فهي عطاء الروح القدس الى الكنيسة التي يسمّيها بولس جسد المسيح اي كيانه في العالم او امتداده في التاريخ ويقول اننا نحن أعضاء هذا الجسد أفرادا.

ويُعدّد الرسول المواهب المختلفة فيذكُر الرسل وهم غير الاثني عشر، والأنبياء وهم الذين يُلهمهم الرب أن يُبلّغوا الكنيسة مشيئته في الزمن الذي يعيشونه، ثم يذكر المعلّمين الذين يعرفون العقيدة ويشرحونها، ثم صُنع العجائب (مواهب شفاء والنطق بألسنة مختلفة). الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس من أوّل أسفار العهد الجديد وتتطرّق الى أعمال الروح القدس في الناس لا الى مراتب المسؤولية الإدارية (أُسقف، شماس) التي كانت في بداءة تكوينها.

بعد هذا يأتي بولس الى ما يسمّيه طريقا أَفضل من كل هذه وهي المحبة التي اذا لم تكن بينكم تكونون لا شيء. ويُعظّم الكاتب المحبة ويجعلها فوق النبوّة وفوق كل علم لاهوتيّ وفوق الإيمان، ويتصوّر إنسانا يُطعم الفقراء جميع أمواله خاليا من المحبة، وانسانا يُستشهد وليس فيه محبة، ويقول ان هذا وذاك ليسا بشيء، وهو عالم أن ليس من شهيد لا محبة عنده اذ كيف يُستشهد بلا محبة، ولكنه يذكر متصورا هذا ليُعلي شأن المحبة فوق كل عمل صالح.

ثم يصف صلاح المحبة وإيجابيّتها ويقول انها تتأنّى وترفُق. هي قرينة الصبر والتأنّي على كل إنسان مهما كان شريرا إذ ترأف به وتعطف عليه ولا تُحاسبه فلا تذكُر خطيئته، حتى يصل الى القول ان المحبة لا تحسُد، فالرب يوزّع مواهبه على من شاء ولتكن لكلّ موهبته، وانت تشكر الله ما أعطى هذا وحرمك منه، وتفرح لعطاء أَنزله الرب على فلان ولم يُنزله عليك.

ثم يصعد بولس بالوصف فيقول ان المحبة لا تتباهى ولا تنتفخ، فإن كان عندك حسنات روحية وفضائل فهذه نازلة عليك بالنعمة وآتتك لتُحسن بها الى الناس لا لتفتخر. لا شيء حسنا انت صانعُه من قوّتك الذاتية فلِمَ تنتفخ؟ ومن الطبيعي ألا تأتي المحبة قباحة ولا تسيء لأحد ولا يطلب فيها الشخص ما يرغب فيه ولكنه يطلب ما يرغب الله فيه. انها لا تحتدّ لأن الغضب هو العدم، والمحبة ليس فيها عدم، لأنها تجريح. كذلك لا تظن السوء عند بدء المعاملة. تختبر الناس اولاً، وبعد ذلك تصل الى اليقين او الى الشكّ.

لا تَفرح بالظُلم اذا وقع على أحد الناس بل تفرح بالحق اذا قال به أيّ إنسان. تصبر على كل المشقّات وتُصدّق أن كل خير من هذا ومن ذاك ممكن، وترجو الى الله كل شيء لأي إنسان صالح او شرير. ويختم الرسول هذا النشيد بقوله: المحبة لا تسقُط ابدا هنا وفي الدهر الآتي.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

هل من عائلة؟ / السبت 30 حزيران 2012

بعد ان قلت كلمات مؤخرًا عن الأب والأم والطفل لاحظت في الرؤية اللاهوتية ان كتابنا لا يجمع هؤلاء الثلاثة في متحد يسمى العائلة. ليس عندنا تاليًا كلام إلهي عنها ولو ورد كلام مستفيض نسبيا عن كل فريق من هؤلاء الثلاثة يتعلّق بخاصة في العلاقة الرعائية أو السلوكية ضمن هذا الثالوث.

العائلة، قائمة متحدا واحدا، ليست في الرؤية الإلهية ذاتا ولكنها اجتماع والعلاقات فيها بين شخص وشخص ككل علاقة بين الناس فينفتح الواحد على الآخر بالمحبة والقربى تقررها وصية المحبة القائلة ببساطة «أحبوا بعضكم بعضا كما انا أحببتكم» اي تفانوا حتى الموت. النسب لا يزيد مواهبك شيئا ولكنك تعظم ان مارست فيه عطاء النفس فتنمو نفسك اذا انسكبت في النفوس الأخرى.

انت تعطي الآخر ما استلمته من ربّك أكان لك نسيبا ام لم يكن. ليس عند امرئ شعور مخزون. هناك للعاطفة استعداد مكنون بسبب هذا الجسد كشفناه في مقالاتنا الثلاث الأخيرة. ولكن العاطفة تعطيها انت ان كنت ابا او اما ولا تعود اليك بالضرورة من اولادك ولا تدور بين الإخوة والأخوات بالضرورة. احيانا تدور بينهم شراسة او عداء. اما الشعور الأخوي فتؤتاه انت من مدى المعاشرة وامتداده وقد يغذي الله العشرة بنعمته.

لذلك كانت العلاقات  في العيلة ثنائية وتصبح ثالوثية فقط اذا اختار الرب هدفا لها. لذلك لا يقنعني من قال ان العائلة خلية للكنيسة. انها تحيا على الصعيد الطبيعي واذا دخلت الكنيسة اليها تقدسها واذا بقيت العائلة تعيش على صعيد الطبيعة ولم تستلهم ربها لا تكون عنده شيئا.

ختاما لهذا الجزء من حديثي أقول ان العائلة ليست في الكنيسة ولكن الكنيسة في العائلة.

#   #   #

من هنا يتضح لك ان العائلة قادرة على الفساد ان ابتعدت عن ربها واذ ذاك، تصبح خطرا فتضطر انت ان تؤدبها بأدب الرب. انت مدعو ان تبشر اباك وامك والإخوة والأخوات فتنشأ عائلة روحية بين المؤمنين منكم هذه العائلات الجديدة غير القائمة على رباط الدم حبيبة الى الله. محبو الرب نسميهم رعية واما الذين نأوا عن الرب فيصيرون من عائلته اذا التقطته قلوبهم.

#   #   #

تبقى العائلة على كونها طبيعية، مجتمعية هيكليا، مكانا من أماكن المحبة. لك ان تجعل نسيبك قريبك بالمعنى الانجيلي اي حبيبا واذا لم تحب ذويك حسب قلب الرب تفسد العلاقة وتصبح ضحية العائلية اي فريسة العصبيّة التي هي من مشاعر هذا العالم الشرير لكونها عداء للمتحدات العائلية الأخرى. العصبيّة تشديد للعواطف المنكمشة حتى الاختناق. الطبيعة مجرّدة من الانعطاف الإلهي عليها تقتل فينا الكيان الطيب. ولكن اذا احببت الأقربين تتروض بهم على محبة الناس جميعا. ليس الدم يجعل أنسباءك أقربين. الله وحده يقيم بالنعمة لحمة بين من تقاربوا. النسب ييسر القربى ولكنها حاصلة فقط بالرضاء الإلهي.

يقول الرسول ان المحبة لا تتباهى. انها نازلة عليك. لذلك كان الافتخار بعضوية لك في عائلة تحسبها انت مجيدة كان لها في العظمة مكانة من أتفه المشاعر البشرية. انت، عند ذاك، صريع المجد وهو طبيعيا باطل لأنه يأتيك من العالم الباطل. القلب الخاشع، المتواضع  هو وحده المجد. وانت وحدك تأتي من النور او تأتي من الظلمة. لذلك كان التفاخر بالآخرين او بالأنا من صميم التفه.

كل افتخار بالعائلة تحقير للعوائل التي لم تحفظ لها مجدا من هذه الدنيا الزائلة. ان تنأى بنفسك عن كل مجد شرط لإقرارك بالمجد الإلهي. ان لم تولد من هذا تكون مقرًا بأن دنياك تعطيك جمالات وانك تاليا آت من تراب هذه الدنيا.

العائلية تنشئ القبلية التي هي اليوم تحالف عائلات هي بقبولها الحلف هذا تقبل نفسها من لحم ودم واللحم والدم لا يرثان ملكوت الله اذ لا تدخله اسرة بل يدخله أفراد. انت تأخذ هويتك من النعمة وليس لك خارجها من هوية. كل تكوينك الباطني معطى لك من فوق ويبقى لك التراب. ويعرف التراب انك مغادره في اليوم الأخير وانك عائد الى الوجه الذي احبك وكونك بحبه.

احفظ نفسك من صنميّة العائلة ومن صنميّة القبيلة لكي تصير من عائلة الآب. انت بتحررك من كل صلة بشرية آسرة تدخل عائلة الآب وتبقى فيها ما دامت طاعتك. وفي مفهومنا هي الكنيسة التي بلا حدود، المكونة ممن يعترف الله ببنوتهم له اذا تابوا اليه وتاب اليهم. الأبوة الإلهية لا تقوم على خط تجميع ولكن على انتقاء الرب لمختاريه. الله ليس رئيس قبيلة او حلف قبائل او حضور قومي. هذا كله من طبيعة الدم. الله سالت دماء ابنه ليبطل الدم وشرعية الدم. الرب يؤلف ذريته من روحه ويضع فيها كلمته ونفحاته. ويكتب مجده بروحه واذا انت أسهمت بكتابة هذا المجد تصبح ايقونة المسيح الذي عندما تخلى عن مجده بالموت سر الله الى الأبد.

واذا انت أمتّ مجدك الموروث يجعل الله لك مجدا آخر لك ان تكفر به ان عدت الى عالميتك ولك ان تثبّته بانتهاجك القداسة اي باعتزالك هيكليات هذا العالم وبناء هيكل الله في جسدك ونفسك لأن الله يبغي ان يضع مجده فيك.

كل هذا لن يحصل لك الا بعد ان تفهم انك على الدوام صنع الله بعطائه المجاني وتكون، اذ ذاك، معمدا بالروح والنار. الكائن الناري فقط يدخل عائلة الآب.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

مولد يوحنا المعمدان/ الأحد في 24 حزيران 2012 / العدد 26

معظم الإصحاح الأول من لوقا مخصص لمولد يوحنا المعمدان. الإصحاح الثالث عند متى مخصص لرسالة المعمدان. كذلك أول السطور في مرقس. ويرد ذكره مع الآية السادسة من الإصحاح الأول من يوحنا. لماذا كل هذا الاهتمام بالصابغ والسابق؟ الى هذا كل سيرة المعمدان من مولده الى موته واردة في الأناجيل وتستغرق منها كمًّا كبيرًا من السرد.

ماذا كل هذا الاهتمام بيوحنا المعمدان؟ وبالأخص لماذا الاهتمام الكبير بمولده عند لوقا؟ لماذا عيد لمولده، وعيد لقطع رأسه، وأعياد القديسين هي أعياد استشهادهم او موتهم الطبيعي. لا أعرف عيد مولد آخر الا لوالدة الإله. الموت هو مولدنا في الملكوت. ما من شك أن في الأناجيل حديثًا مكثفًا عن المعمدان لا بدّ من تفسيره.

هنا لا بد من افتراضٍ أوّل هو أن المعمدان هو الشخصية المتوسطة بين العهد القديم والعهد الجديد. يمتّ بصلة للعهد الجديد لأنه رأى المسيح، ولكنه من فئة الأنبياء القدامى.

الافتراض الثاني لوفرة السرد عن المعمدان هو أن يوحنا بعد استشهاده بقي له تلاميذ كانوا تاليًا خطرًا على الرسالة الجديدة. كان ينبغي إذًا أن يُظهر الإنجيل أن يوحنا نفسه شهد أن المسيح أعظم منه. وبالرغم من انتشار المسيحية، بقي للمعمدان تلاميذ يُسَمّون المندَئيين ولهم دينُهم الى هذا اليوم في العراق ويمارسون معمودية تُميّزهم.

التأكيد على مولد يوحنا في المسيحية القديمة في الطقوس أن المولد له كنيسة في عين كرم في فلسطين مبنيّة على آثارٍ بيزنطية من القرن الخامس. نظر لوقا الى هذا المولد على أنه حدثٌ عظيم باعتباره عجائبيًا مثل مولد عدة أشخاص في العهد القديم صورة عن ميلاد يسوع الذي كان فيه تدخّل إلهيّ مباشر.

كل السرد المتعلّق بالمعمدان شبيه بالسرد المتعلّق بميلاد المخلّص ولكنه أكثر اتصالا بالعهد القديم. بشارة زكريا تمّت في الهيكل لأن العائلة كانت كهنوتية. الشخصية الروحية التي سيكون عليها المعمدان هي شخصية نذير (لا يشرب خمرًا ولا مُسكرًا) من العهد القديم، ولكنه يتّجه الى العمل فيما كان يسوع يعمل، ويتم الاتصال بينهما بمعمودية السيد، ويصير كلام المعمدان قريبا جدا من تعابير الإنجيل حيث يجري حديثه عن المسيح الرافع خطايا العالم، وهذا ليس مذكورًا في التراث اليهوديّ. لم تكن هذه وظيفة المسيح.

المبشّر هو جبرائيل الواقف أمام وجه الله والذي بشّر العذراء. واضح أن لوقا أراد أن تقوم قربى بين الرب يسوع والمعمدان إذ البشارتان كانتا متقاربتين يحملهما رئيس الملائكة. الى هذا قربى أساسية بين اسم «يسوع» واسم «يوحنا». «يو» هو مختصر «يهوى» أي الله، و«حنّا» هو فعل حنَّ بالعربية. حنوّ الله على البشر قائم باسم يسوع ومعناه «الله يُخلّص».

غير أن الفرق كبير منذ بداءة لوقا بين المسيح والمعمدان. هذا يهيء طريق ذاك اذ يقول: «تتقدّم أمام وجه الرب» (أي المسيح).

ما نصّه الكتاب عن مولد يوحنا إن هو إلا تقدمة لما يتعلّق بمولد المسيح عند لوقا نفسه.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الطفل / السبت 23 حزيران 2012

حرّكتني الجملة الأخيرة من مقال أنسي الحاج الرائع في عدد السبت الماضي في جريدة الأخبار اذ يقول «سلام على الأطفال يوم ولدوا ويوم يموتون ويوم يبعثون أحياء في عالم لا يقتل الأطفال». لماذا يهتز كل كياننا عند قمع الأطفال؟ أظن ان الجواب العميق هو لكونهم لا يملكون أدنى مقاومة للبالغين وان هؤلاء في حال تعذيبهم الصغار او قتلهم انما يخلون من كل انسانية. اذا فعلوا هذا يكونون قد صاروا اسوأ من الوحش لأن الوحش لا يفترس وحشا من جنسه. هم في ذلك خارج المعقولية.

في الكنيسة عيد الأطفال الذين أبادهم هيرودس اذ كان سيقتل المسيح مع الجمهور. كل صغير آنذاك، حمل الطفولة التي كان عليها يسوع الناصري. كل صغير يحمل فجر الوجود. والفجر تمتمة النور لنفسه. جمال الفجر ان فيه طيب الانتظار.

دائما سألني الغربيون لماذا شعبكم يأكل الثمار على فجاجتها. نوع من الشراهة قد يعني اننا نحب الاشياء قبل نضجها. عند الأجانب بلوغ الفواكه نضجها هو أعلى مستوى فيها. هذا كسب وليس بالضرورة المعيار.

ألف الإنسان فكرة النمو اذ يولد وينمو وكأن الولادة بدء الوجود والموت آخره. هل حقيقة الانسان الجسدي اطوار ام هي حالات مختلفة تلعب فيها النفس دورا كبيرا. واذا كانت رؤيتنا صحيحة تكون الطفولة نعمة وجود لها كمالها بذاتها ولو كان فيها تهيؤ بحيث ساغ القول ان الطفل ليس رجلا (أو امرأة) صغيرا كتبت عليه قفزات تبلغ به الكمال. انه في الحقيقة كامل وليست الكهولة او الشيخوخة كماله. كل سن تحمل اكتمالها في ذاتها. لذلك كان للولد لغته وللراشد لغته. وللصغير منطق وللكبير منطق وعليك ان تقرأ اذا استطعت والنفس تدخل النفس وان كانت ذات مقاييس مختلفة. الحب وحده العمق. لذلك امكن الولد ان يكون قديسا في اواخر الطفولة وهي تنتهي في تصنيف العلماء عند الثانية عشرة.

#   #

#

ذاتية الطفولة لا تعني انها منقطعة عما ورثته. فالكثير فينا ميراث فتجد طفلا اسمر وأخاه اشقر لأن احدهما ورث عن والد من والديه والاخر عن جده او جد جدّه. هذه مسائل لا قاعدة لها اذ ليس في الطبيعة منطق صارم. نحن نتقبل الأسلاف ونبني على ما اتخذناه منهم. التربية امر ضخم وحركتها فينا سر ولا تعرف شيئا عن مستقبل الاولاد اي لا تعرف كيف سيتصرفون او دوافع النفس عندهم وبخاصة لا تعرف النعمة التي تنزل عليهم وكيف يتقبلونها او كيف يرفضونها. نحن في رعاية الله الذي يعرف وحده سر عمله في العقول والأمزجة. انت، طفلا، مسيرتك كلها في استجابتك لعطاء الله او تمنعك عن افتقاده. هناك من يقرأ محبته وهناك من لا يقرأ الى ان يكسر هو الحواجز ويقر في الروح كما يشاء ويكمل القداسة في من شاء.

#   #

#

الله معطى للجنين في مقدار. هذا امر خفي ومستور عنّا. وعند تشكّل الجنين في لحظة تشكّله يحمل اساس كل عمره وتلتصق به التغييرات فيما بعد. تبقى المواهب او لا تبقى فاعلة اذا مرت الأيام. هذا ايضا تحجبه الأسرار. ولكن الهيكلية العقلية والعاطفية تتكوّن في حشا الأم فيصح القول ان أفلاطون تصورت شخصيته منذ البدء كما آلت اليه من بعد والذين يسبرون غور النفوس في ايامها او اشهرها الأولى يعرفون كيف تتفتق المواهب وتنشئ البالغين.

حدسي – هو مجرد حدس – ان الشعراء لما كانوا أجنة انما اعدهم تكوين ما للشعر وان العلماء مدعوون عند خلقهم ان يصيروا كذلك. لذلك كان عليك ان ترافق طفلك وفق عطاياه ليعطي من حوله فيما بعد ما أعدّه الله له.

هناك أطفال ادهشوني جدا. جيء اليّ بطفلة عمرها ثماني سنين مع أبيها ودهشت دهشا كبيرا لما سمعتها تجيب عن أصعب أسئلتي في شتى حقول المعرفة. يزيّن لي ان اباها رباها على معارف دقيقة جدا ولكن هذا لا يفسّر كل العمق التي كانت عليه.

في مثل هذه القوة كان موزار لما اخذ في الخامسة من عمره ليقدم حفلة موسيقية (Concert) في باريس في حضرة الملك والبلاط. والموسيقى الكلاسيكية من اصعب الفنون. في ايماني اقول ان الله كان دخيل هذه الموهبة.

كل الأطفال في كل بلدان العالم تأتيك بنماذج كهذه. كلمة «ولد استثنائي» لا تكفي تفسيرا. طرحي ان الطفولة عالم كامل يتمتع بمواهب خاصة محجوبة على كثيرين منهم ولكنها مكشوفة لبعض.

هنا يحضرني ما جاء في انجيل لوقا عن حادثة فقدان يسوع في اورشليم لما بلغ الثانية عشرة من عمره. لما وجده يوسف ومريم في الهيكل شاهداه في وسط المعلّمين يسمعهم ويسألهم وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته».

هذا طبعا فيه لاهوت كثير. وهذا قادر عليه بعض الأطفال الذين بلغوا نهاية الطفولة او قبلها.

واذا انت علمت بهذا ينبغي ان تفهم مسؤوليتك الكبرى تجاه اولادك الصغار حتى تكون بلا عيب أمامهم اذ ويل لك ان اعثرتهم أو ضربتهم أو شتمتهم أو جعلت بيتك مليئا بالصراخ وبذاءة الكلام.

اعلم ان اولادك يصلون الى الله بك. هذا هو الذي يرثونه وهذا هو الذي يبقى فيهم. كيف تجمع بين اللطف والحزم والحب الزوجي النقي هذه معرفة ينبغي ان تجهد لاقتنائها. اعلم تاليا ان الطفل مقدس وجمال وجهه ليس هاما عند الله.

طلع الفجر. لك فيه طيب قبل سطوع النهار. افهم انك مؤتمن على طهارة اولادك واتساع ادراكهم ليكون لك في عطائك هذا بنيان روحي لك لتهيئ لنفسك شيخوخة يلقاها الله فيك عافية حلوة.

Continue reading