Author

Aziz Matta

2013, مقالات, نشرة رعيتي

كلمات الرب/ الأحد 14 تموز 2013 / العدد 28

يدعو الرب يسوع تلاميذه ليُظهروا أعمالهم الصالحة في سبيل الشهادة والبنيان الروحي لبعضنا البعض. السيد ليس مع إخفاء الصالحات، ولكنه طبعا ليس مع التظاهر. الصالح يبدو للعيان، ولكن لا نفتعل ظهوره. هو يظهر من نفسه.

فإذا رأى الآخرون أعمالنا الصالحة ينتقلون من هذه الرؤية الى أن النعمة أتت لنا بهذه الأفعال فلا يمجّدنا الناس ولكن يمجّدون الآب. وإذا افتخروا بعملنا الصالح وحسبوا انه من الله، لا نفتخر به ولكنا نشكر الله.

العمل الصالح يبدو من نفسه. لا يحتاج الى دعاية. المهم إذا شكرنا لأحد المؤمنين عملا خيرا ألاّ نستسلم لمديحه بل أن نرتفع توا الى أبي الصالحات الذي في السماوات ونشكره.

اما المقطع الذي يقول فيه السيد إني ما جئتُ لأَحُلّ الناموس والأنبياء فليس هو تأكيدا لدوام شريعة موسى المحتوية فرائض كحفظ السبت والإمساك عن بعض الأطعمة وما الى ذلك، إنما هي تأكيد على أن ناموس الفرائض هذا اذا زال إنما تبقى الشريعة الأخلاقية التي لا تزول بزوال مرحلة من الزمان ولكن طبعا تزول الفرائض (السبت، الختان مثلا) فلا يحفظ المسيحيّ وصية الامتناع عن العمل يوم السبت لأننا دخلنا في يوم القيامة، ولا يختن صبيانه لأنهم اتخذوا سر المعمودية.

ليس على المسيحيّ فريضة موروثة من العهد القديم كفريضة الذبائح او السبت او الختان. ليس عليه إلا وصية المحبة التي لا تفرض شكلا.

الايحاء الذي تعطيك المحبة يكشف لك كيف تسلك مع الله وكيف تسلك مع الإخوة. ليس هناك شكل. انت تقوم بالعمل الذي تفرضه عليك كلمة الله والضمير، وأشكال سلوكك تأتيك من هذا الإلهام الداخليّ الموافق لكلمة الله. تبقى في عقلك وقلبك الكلمة وتدلّك على تصرفاتك العملية في هذا الظرف او ذاك وفي يومياتك.

لا تأخذ امرا محددا في العهد القديم. لكن تستمد من المحبة ما يوحي لك ضميرك أن تقوم به. وهذا يتضمّن ألا تُهمل وصية تبدو لك صغيرة من أقوال الله. انت لا تفرّق بين كلمة الله وكلمة اخرى. انت تأخذ كل الكلام الإلهي وتتقبله على ضوء المحبة الإلهية التي نزلت عليك. انت لا تختار بين كلمة تُعجبك كثيرا وكلمة تُعجبك أقلّ. انت لا تحكُم بين كلمات الله. كلّها تُلزمك بكل ما تقول، وتعرف أن لك بكلمات إلهك خلاصا كاملا.

إذا آمنت بربك والتصقت به تؤمن بكل ما قال وتعرف أن لك بذلك بذلك خلاصا، وتعرف أنك تُغني حياتك بكلمات ربك.

تأخذ كل كلمة خرجت من فم الرب لأنه لم يتفوّه بها إلا لخلاصك. انت لا تُضيف كلمات من عندك. في موضوع خلاصك هو يتكلّم. والمشترك بينك وبين المؤمنين هو كلمة الله. كلمات البشر كلها إذا تراكمت لا تصير كلمة الله. فإذا سمعت الناس يتكلمون او يكتبون، عندك أصلا موهبة التمييز التي تجعلك تعرف في ما تسمع من كلمات او تقرأ ما هي كلمات الرب وما ليست كلمات الرب.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الله حبيبًا / السبت 13 تموز 2013

كيف تكتب عن الحبيب؟ تقول: «أنا عبدك يا رب، عبدك أنا وابن أمتك» (مزمور 115: 7). ما كانوا مفتونين بالشعر الذين قالوا ان هذا عبودية. قولهم هذا لغتهم. عرفوا العشق الذي يفوق كلّ عشق عنيته الافتتان بالله. هذا لا يعطى الا للذين كُتب لهم.

كان مؤرخو الفلسفة قاتلي اللغة عندما سلخوها عن قول الحب. العقل وحده ليس اللغة. هو أداة اللغة، التي هي قول المعنى والمعنى من التاريخ فاللغة، ما من شك في هذا، هي تعريب كلمة اللوغوس الأفلاطوني او اليوحنائي ودليلي على ذلك عدم الاشتقاق للفظة اللغة من فعل ثلاثي.

والعربية قابلة لهذا التأويل وانعدام القول هذا عند علماء اللغة الأقدمين في انهم كانوا يجهلون اليونانية والسريانية ويكتفون بإسناد كل فكرة او لقظة الى الجاهليّة ظنا منهم ان الخلق كله يأتي من جزيرة العرب ولكن بعد ان خرج العرب الى الشام. لم تبقَ العربيّة لغة الجزيرة وحدها. تمدينت وتقرأها الآن استنادا الى ما طرأ عليها في بلاد الشام فأضحت تكوينا جديدا. الجزيرة رحم فقط والولادة الحضارية تأتي من بعد ذلك. العربيّة ليست موحاة وما قال الإسلام بذلك. قال ان كتابا نزل بالعربيّة استخدمها الله لأداء وحيه. لم يجعل الاسلام العربيّة صنما اذ لم يعبد غير الله. مهما قدست العربية لا يقبل المؤمنون موقفا منها ينزل عليهم تهمة الشرك. آن الأوان لنرى الى العربيّة على انها لسان وان أحببنا البقاء في التاريخ فهي سابقة للإسلام وجاء بها وما جاءت به. ولم ينسب الإسلام اليها قدسية ولذلك انفتح المسلمون الأوائل على لغات عصرهم السريانية اليونانية والفارسية ولم يرتبكوا بكون العربية لفظة الوحي. يصنع التأريخ قدسيات لا يعرفها الأوائل القريبون من المصادر.

نحن الذين تمسكنا بالعربية التي كتبها امرؤ القيس والأخطل وسواهما من نصارى العرب وتجلّى فيها تلامذة الفارابي المسيحيون نبقى عليها وطوعناها في ترجمة الإنجيل. عرفنا ان نحافظ عليها في القرون الغابرة وجددناها بروحنا منذ عصر النهضة فصارت لغة جديدة لكل الناس. في الحقيقة العلميّة ليس من لغة دين ولذلك لا يفتخر عقلاء الغة العربيّة على انهم يتقنون العربية من اسلامهم فقد غدا الإسلام حضارة لغوية لنا جميعا.

نحن نصارى العرب نستلذ اللغة كما يستلذها علماء المسلمين بصرف النظر عن حديث الهويات. كلنا عرب حضاريا ايا كان ادعاؤنا القومي. لست اعرف لغة علمانية مثل العربية. آن ان تبطل الاندماجات الوهمية القائمة على السياسة. والدليل في حياة المسيحيين البارعين في اللغة انهم يعرفون القرآن بقدر ما يعرفه مثقفو الاسلام وما تخيل يوما احد ان الكتاب المسلمين أبلغ منا في معرفة لغتنا المشتركة ولا سيما ان ظاهرة بلادنا ان اللغويين المسيحيين ليسوا دون الآخرين درجة. فإن قرأت حافظ ابراهيم ولم تعرف أصله كيف تعرفه مسلما. وان قرأت ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم كيف تعرف انهما مسيحيان جاءا الى كفرشيما من مرمريتا الأرثوذكسية ولم يفوقهما احد في عصرنا قي قدرته على العربية. كفى ان تعيش في هذه البلاد على اسطورة التمايز الطائفي في هذا الباب.

هذا لا علاقة له بما يسمى اليوم القومية وهي مفهوم افرنجي استوردناه . امي التي كانت تقول لي: «نحن أولاد عرب» ما قرأت شيئا في القوميات وما كانت قادرة. قبل الثورة الفرنسية في اوربا المتمدنة كنت تقول انا فرنسي وتتميز عن جارك الألماني بلا بغض. عند الانسان المتحضر التمايز ثقافي ولا يحمل الحقد. ولما دعا ابراهيم اليازجي العرب الى ان يستفيقوا كان يعي انه مسيحي من كفرشيما وأصله من وادي النصارى وان كفرشيما ووادي النصارى واحد عند المسيحيين المستقيمي الرأي.

كل هذا الاختلاط بين القومية والدين الى مشارف القرن العشرين لم تعرفه الأذهان. عندما كانت امي الأرثوذكسية تقول انها «ابنة عرب» كانت تعني انها ليست من الفرنجة وكانت تعني ان العروبة انتساب الى هذه الأرض وان ايمانها انتساب الى المسيح وما كانت تضع في عروبتها عنصرا ايديولوجيا. هذا كان يجيء عندها من أعماق تاريخية متصلة بالأصول المسيحية لهذه البلاد دون أدلجة أتتنا صيغها من الغرب.

ليس عندي شيء على الغرب. عشت فيه سنوات طويلة وذقته منذ طفولتي ولكني أعشق الكثير منه وأهذبه بما ورثت من هذا المشرق العظيم بكل ألوانه او أنغامه. كنت احس نفسي مشرقيا في سنوات اقامتي في الغرب على تذوقي الكبير لأوربا وهي ممتدة في شروشها التي أستطيب.

أنا مسيحي أرثوذكسي لغة صلاتي العربية الفصحى ليس فقط في الكنيسة ولكن اذا اختليت الى الله. في بعض حقباتي كنت في الفرنسية أقوى ولكني في انفرادي ما كانت لغة صلاتي. لكون قلبي كان عربيا كنت أصلي بالعربية وما زلت ولا استعمل لغة اخرى الا اذا أقمت القداس الإلهي لأجانب. والصلوات التي كان يحق لي الا أتلوها جهارا فيما اقيمها في رعية اجنبية في اوربا استظهرها صامتا في لغتي وليس في الكتاب الذي بين يدي.

هل هذا من إصراري على اني من حارة النصارى ام هذا مشاركة للمسلمين «لست أعلم الله يعلم». اظن ان هذا الإلحاح مني مصدره ان كنيستي من هذه الأرض وانها غير مرتبطة بأرض غربة. انا لا أخلط القومية بصلاتي ولكني من هذه الأرض بلا عصبية ولا عنت. من ايماني انا سليل يوحنا الذهبي الفم والدمشقي وغيرهما حتى مجيء ربنا يسوع المسيح. هذه قوة المسيحية التراثية المحفوظة على نقاوتها انها تجعلك وريث العظام تقلدهم كما يقلد الجمال وتحفظهم بفهم وليس بمجرد استظهار.

ما لا يفهمه الذين غادروا الكنائس القديمة اننا على جدة ايماننا وحيويته نحس ان الكلمات القديمة تحفظنا لأنها أتتنا من الأقدمين الذين هبط الإلهام في ايامهم. نحن نحاول تجديد قلوبنا بالنعمة لا بكلمات من هذا العالم. قد نستحدث الألفاظ او نتبنى صيغة التعابير الحديثة لنقل الرسالة ولكنا اشداء الحرص على التراث اي على ما قاله الأقدمون الملهمون لأن هذا من الإخلاص. السؤال هو هل انت مع العمق او مع الظاهر الحديث الذي يبدو جديدا ولكنه خيانة.

ما فهمته حركة شباب تجديديّة ان الجدّة ليست باللفظ الجديد ولكن بالنعمة الإهية التي تنزل عليك. فالله جديد كما هو قديم والله لا يتحجر في قدم كما لا يتغير في جدة مخلصة. انه هو الجدة.

وهكذا نمضي الى ان يغير الله الوجود ويغيرنا بنعمته. كل شيء فانٍ الا وجهه. كلماتك ان كانت منه غير فانية. ان صار هو فيك وفي كل تحركك ما أنت بجامد. وان تبعته وكنت فيه فأنت متحرك به او فيه. بصورة من الصور انت تصيره واذا رأى الناس إلى وجهك يرون مجد الله.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة التلاميذ الأوائل/ الأحد 7 تموز 2013/ العدد 27

بحر الجليل او بحيرة طبرية التي يؤلفها نهر الأردن هو في وسط منطقة الجليل التي عاش فيها السيّد وفيها الناصرة التي دُعي بها يسوع. في المدن الصغيرة التي كانت تحيط بالبحيرة ظهرت بشارة الإنجيل.

التلاميذ الذين دعاهم الرب اليه كانوا من هناك. والبحيرة كانت رزقهم. فيما كان السيد متجولا هناك وهذا كان كثيرا في حياته رأى أخوين هما سمعان الذي سمّاه السيد بطرس فيما بعد واندراوس أخوه يلقيان شبكة في البحر اي في البحيرة. كل التلاميذ ما عدا متّى كانوا صيادين. فقد اختار المعلّم رسله من البيئة التي كان هو منها.

بعد هذا السرد يقول النص الإنجيلي ان الرب توجه الى بطرس وأخيه قائلا: تعاليا اليّ فأجعلكما صيّادي الناس. كيف دخل يسوع هكذا، توًا الى حياتهما وأخرجهما من بيئة الصيد ليجعلهما مبشرين؟ هذا سر شخصيته وجاذبيته. كان معروفا ان بعضا من الروحانيين كانوا يؤلفون جماعات صغيرة تطلب حكمة الله مع بقاء الانسان في مهنته. هنا يكشف يسوع انه صاحب مجموعة تتبع تعليمه اي نهجا روحيا له ضمن شريعة موسى. مثل هذه الجماعات كان معروفا عند يهود ذلك العصر. يبقى اليهودي في الأمة ولكنه يتحرك روحيا مع فئة صغيرة. ينصرف الى حياة تقوى مكثفة.

في كل الأديان ناس تشتد حياتهم الروحية ويتآلفون دون ان ينشقوا عن الجماعة. الذين صاروا تلاميذ ليسوع لم ينفصلوا عن أمة اليهود ولم يتركوا الاجتماعات في السبوت، في تلك القاعات المسماة مجامع. والرب نفسه كان يحضر اجتماع السبت والناس يلتفون بعضهم الى بعض في المجامع بصورة حرة اي بلا انتظام قانوني. يعجبهم هذا المعلّم او ذاك ويلتحقون به او ينضمون الى مجمع يستخدم اللغة اليونانية او اللغة الوطنية الآرامية حسب استعداده العلمي. الى بطرس وأخيه اللذين تركا شباكهما في ذلك الحين ثم عادا في الواقع الى البحر كان يوحنا ويعقوب ابنا زبدى، ويوحنا هو الذي صار يوحنا الحبيب، مع أبيهما في البحر. دعاهما السيد فتركا أشياءهما المادية وأباهما معًا.

ما سرّ يسوع في التأثير على هؤلاء القوم؟ هذه دعوة الى ان نتبعه كلما دعانا، الا نتردد بينه وبين أشياء هذا العالم.

اثنان تركا شباكهما واثنان الى هذا تركا أباهما. أنت اذا أعطيت يسوع قلبك وما فيه تنسى كل شيء آخر فإذا لازمته أخلص له حتى النهاية لأنه يشبعك من ذاته ولا تحتاج الى شيء آخر. أشياء هذه الدنيا تضاف اليك. كل شيء تراه ثانويا اذا ملأ يسوع قلبك. لا بدّ من الأشياء الثانوية ولكن الخطيئة ان تجعلها مكان الشيء الحيوي الأساسي الوحيد وهو ان تلازم يسوع في كل شؤون حياتك.

هذه الدنيا تأخذك الى آفاق كثيرة والى نشاطات كثيرة. هذا لا مفر منه ولكن حيثما ذهبت وحيثما انشغلت اعلم ان مرجعك يسوع وانه هو الذي يملأ قلبك وينعشه. اذا شعرت ان شيئًا صار يأخذ مكان يسوع في قلبك اعلم انك ضللت. عد الى وجهه. أن تلازمه في كل أمورك هذا ما يحييك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

السن / السبت 6 تموز 2013

هذه الكتابة لا علاقة لها بسني ولا سيما ان معظم القراء لا يعرف عني شيئا. لهذا يزين لي أني قادر أن أكتب حرا من اعوامي المنصرمة والآتي الممكن لا يعرفه الا ربّك. نحن نجيء من ماضينا ولا نعرف ان كان لنا آتٍ. لا يقاس الانسان بعدد ما مر عليه من أعوام. قد تكون فارغة او الكثير منها كذلك. الإنسان ما استلم او ما ارتضاه مما استلم وهو من حاضره المقبول او المرفوض او ما كان منه تحت السؤال. نحن حركة بحيث اننا لسنا مجرد ثمرة لما مضى علينا لكوننا ارتقاء او أقلّه تغير.

لذلك لا يعني تقدم العمر شيئا. لا هو نضج بالضرورة ولا هو اهتداء. ليس العمر بشيء. ما تملأه فيه من حضرة انسانية هو كل الوجود لأن الزمن لا يأتيك، ضرورة، بمضمون. كان لك وعاء والوعاء يحمل كل شيء. انت لست نتيجة مرور السنين عليك فقط. انت حضور الحضرة الالهية ان نزلت. وانت بذا متطلّع الى الآتيات او الى الباقيات الأبقى من الآتيات. انت ما كنت وما تصير وتريد في الآن ان تصير.مرة أراد كبير في كنيستي منذ خمسين سنة ان يرد حجتي عليه بقوله لي خبرة سنوات عديدة. أجبته ليست الخبرة بشيء اذ قد تكون خبرة خير او خبرة شر. وكل واحدة منها تعلّمك شيئا. لذلك لا تستطيع ان تفرض عليّ ما تعتبره علما جاءك من الخبرة. ربما كان الرجل على حق ان يعتبر جوابي له تحديا. ولكن من قال ان التحدي لا يحمل الحق او من قال ان خبرة الشيوخ تحمل معها الحقيقة. ربما حملت معها المرارة. فالانسان لا ينمو دائما رفيق الله اي عارفه. غالبا ما يكبر ذواقا لخطاياه ومستخلصا فكره من تراكمها فيه. غير صحيح ان الكهولة او الشيخوخة تأتينا دائما بالفضيلة. فكثيرا ما حملت أتعابنا والفكر الآتي من الأتعاب اي من المرارة.

كثيرا ما أتاك العمر بالكآبة ولكن لك ان تقاوم لأن مسؤوليتك العطاء الذي يستحيل اقترانه بالحزن الشديد. المسؤول من عرف ان له غدًا يملأه بالحب لأنه وحده الخلاق في الزمان.

ليس في اية مرحلة من العمر مضمون روحي واحد. الطهارة والدنس ممكنان في اية حقبة من وجودنا الأرضي الى أن يتبرأ الإنسان بالموت كما يقول الرسول. لذلك يصرّ آباؤنا على القول ان من أهم ما يعطاك في جهادك ان تذكر الموت كل يوم. أرادوا انك ان فعلت هذا لا تقوم على الخطيئة لأن الموت الذي تنتجه رهيب لديك.

تعلّم السن او تفسد المعرفة التي تنسب الى الشيوخ فيها سلام او فيها اضطراب. كمّ الأعوام يعطي هذا او ذاك. لا يأتيك النضج دائما من تقادم الزمان عليك. انه في أعماقه هبة إلهيّة، فوق استواء العقل وأعلى ذرى السلام وهذا ينزل عليك من الرب. ومن هذه المقاربة قد يأتيك فتى أعلى قدرا في العقل من طاعن في السنّ. العقل العظيم ما ينزل عليك من ربّك المنشئ للعقول ومربيها.

غير ان أهمية السن عند الصالحين ما كانت في توبتهم وهذه غالبا ما تتطلب مراس زمان لأن التوبة جرح بالغ ولا يستقر الإنسان فيها الا اذا انتظر الموت او ترجاه. ما منع الله هذا الترجي. انه منع الحزن امام ما نتوقعه اذ فتح لنا باب الرجاء الذي هو انفتاح على القيامة.

أنت تلميذ كل حقبات العمر والا كنت غبيا. لك خبرتان: خبرة خطاياك وخبرة فضيلتك. واذا وهبك الله نعمة من عنده تضرب خطيئتك بما اكتسبت من فضيلة اي اذا رأيت وجه الله أبهى شيء في الوجود، غير ان هذا تتعلّمه بالمراس، بالصبر على خطيئتك ورجاء خلاص منها. والصبر لا يعني الاستكانة او الانهزام. انه يعني شكرك لما استلمت من تعزيات الرب والبقاء عليها. ليس الصبر الدوام على كل حال. انه فقط الديمومة مع النعمة لأن شريكك فيه هو الله ذاته.

من هذه الزاوية لا تعني السن شيئا. قد تأتي بارتقاء روحي وقد تأتي بهبوط او تخلّف او فساد. تقادم الزمان لا يعطيك شيئا بالضرورة ولا يحرمك شيئا ان شئت المثابرة. الله وحده معطيك في كل ظرف من ظروف حياتك. وحياتك العميقة هي النعمة فيك. انت تحيا ان كنت تستلم النعمة بشكر وتفهمها وتصر على البقاء فيها.

فاذا تجلّت الرؤى الإلهيّة فيك يسجّل الله لك عمرًا روحيا لا علاقة له بالسنين. فالله حضور وليس تعاقب أعوام الى ان يزول تحكّم الزمان فيك وحكمتك النعمة. عندئذ، تسكن الأبديّة وانت في حدود الزمان.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/الأحد 30 حزيران 2013/ العدد 26

في كل يوم من السنة عيد لقديس أو أكثر، ولكن هذا التعييد اليوميّ لا يشمل كل القديسين الذين مجّدهم الله وجعلهم إليه في السماء. لذلك تذكُر الكنيسة اليوم الذين طوّبتهم بأسمائهم كلّ يوم والذين لم تُطوّبهم والله يعرفهم.

رأت الكنيسة أن يُخطف فكرنا إلى القديسين الذين جعلهم الله له وهم كثيرون ولا تكفي أيام السنة لتعدادهم بأسمائهم. فأقامت هذا الأحد بعد العنصرة تُقيم فيه ذكراهم. وجاء تعيين هذا الأحد في محلّه لأنّ حلول الروح القدس يقودنا إلى ذكْر القديسين. الروح الإلهي هو مُنشئ القداسة وموطّدها. فكان من الطبيعي بعد أن أقمنا ذكرى للروح القدس أن نقيم ذكرى لمن يُظهرهم ويُظهر أعمالهم في الكنيسة عنيتُ القديسين.

ليس لكلّ قديس نعرفه عيد لأن القديسين يتجاوزون عدد أيام السنة، فاضطررنا أن نقيم ذكرى القديسين مجتمعين، أولئك الذين نعرف سيرتهم والذين لا نعرف سيرتهم. فعدد الـ365 يومًا في السنة لا يكفي لنعيّد فيه لكلّ القديسين الذين طوّبناهم ونعرفهم بأسمائهم. إلى هذا الذين لا نعرفهم بأسمائهم ومجّدهم الله. فتمجيدًا لغير المذكورين في كل أيام السنة وتمجيدًا للذين يعرفهم الله وحده ولم يدخلوا في التقويم أَوجدْنا هذه الذكرى لتشمل كل الذين أَحبّهم الله ونقلهم إليه. انه موقف محبة أن نُخصّص لكل قديس نعرفه ذكرى، وقضية محبة أيضًا أن نُخصّص لمن لا نعرفهم بأسمائهم ذكرى. هذا عندنا شوق إلى القداسة وأن نملأ بذكرى كبارها كل أيام السنة.

يوم بلا وجه قديس نذكره ليس يومًا من الكنيسة. الشغور من استحضار عظمائنا يجعل قلوبنا بلا مرجع. القلب إن لم يجذبه عظماء التقوى ماذا يجذبه؟ السنة سنة الله المقبولة أو هي مجموعة أيام فارغة من ذكر القداسة. إن لم تذكُر عظماء التقوى والبر، من هم الذين تذكُر؟ هناك كبار في هذه الدنيا وحسب مقاييسها. ولكن الأحبّ إلينا في دنيانا من كان يشاركنا تقوانا، من كان من جنسنا في التقوى. هؤلاء المتجانسون في التقوى يؤلّفون الكنيسة. وغير المتجانسين في معرفة المسيح ليسوا له أو ليسوا منه.

نحن الذين استبْقاهم ربّهم في هذه الدنيا ليس بيننا رباط الا الرب نفسه. هذا الرباط يجعلنا كنيسة أي مجتمعا للدهر الآتي، يتخذ هويته من كونه للرب.

نحن لسنا من هذا العالم وإن كنا في العالم. نحن من الدنيا التي ألّفها الرب بمحبّته وهي كنيسته. إليها نحن مشدودون ولو كانت أجسادنا تمشي على الأرض. نحن نتحرّك في الحقيقة مع أهل السماء ونتّجه جميعًا إلى العرش الإلهي لنُشاهد الله ومسيحه ونحيا بهذه المشاهدة.

عندما نعيّد لجميع القديسين ولكل قديس في كل يوم نشهد أن إرادتنا هي القداسة. نعمل في هذه الدنيا كل في مهنته أو وظيفته، ولكن غاية كل أعمالنا أن نبلغ القداسة وأن نسكب فيها القداسة. الطعام والشراب والمسكن والمهنة ليست كل شيء أو ليست الغاية. غاية الوجود فيما نأكل ونشرب ونقوم بأعمالنا اليومية هي ابتغاء الوصول إلى الله. كل نشاط في هذه الدنيا إن لم نطلب فيه الله ورضاه وبركاته هو من هذه الدنيا ويفنى فيها. أما غايتنا الحقيقية فهو أن نلتمس وجه الله ليرضى عنا فنحيا برضاه.

عندما نقيم في يوم واحد ذكرى لجميع القديسين، نشهد أننا نحبهم جميعًا وأننا فوق ذلك طلاب قداسة. لك أن ترغب أن تكون عظيمًا في مهنتك ووافر الصحة أو كاتبًا عظيمًا. هذه كلها جيدة، وإن كنت متواضعًا يباركك الله. ولكن أعظم الأشياء في دنياك ليست بشيء إن لم تكن طريقَك إلى القداسة، إلى كراهية الشر وحب الخير، إلى اللصوق بالله.

لك أن تسعى إلى أن تكون خادمًا لوطنك عظيمًا وطبيبًا حاذقًا أو محاميًا ماهرًا أو كاتبًا جذابًا. هذا كله طيّب، ولكنه محدود، ولكن ما هو غير محدود أن تطلب كمال أخلاقك حسب وصية الرب: «كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو».

كل شيء عظيم يأتي من الذي طلب كماله من الله. خارجًا عن ربك يمكن أن تكتمل في أية مهنة على صعيد الاحتراف، وان كنت لا تكتمل بلا أخلاق عظيمة. لا يمكن أن تكون انسانًا كاملاً الا إذا ابتغيت كمالك من الله. قبل ذلك، لك أن تُتقن مهنتك، ولكن هذا ليس الكمال. أنت لا تكتمل الا بالكامل أي إذا تشبّهت بالمسيح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

المجمع المقدس / السبت 29 حزيران 2013

هو لقاء كل مطارنة الكنيسة الأنطاكية مع البطريرك. مجموعتهم هي المجمع المقدس. هو الهيئة التي تشرّع للكنيسة الأنطاكية. هذه خاضعة لنوعين من المجامع: المجامع التي تعترف بها كل الكنائس الأرثوذكسية في العالم والمجامع المحلية او الاقليمية التي تخضع لها فقط الكنيسة الأنطاكية.

المجامع العالمية يلتقي فيها مندوبون من البطريركيات وهي حسب الترتيب القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية، أورشليم. هذه هي البطيركيات الكبرى ومندوبون من الكنائس غير البطريركية مثل أثينا التي يرئسها رؤساء أساقفة. وليس من فرق بين الكنائس الملقبة بطريركية كالتي ذكرنا والكنائس التي يرئسها رئيس أساقفة ككنيسة اليونان وكنيسة قبرص وسواهما.

الكنيسة الأرثوذكسية في العالم مؤلفة من كنائس مستقلة لكل واحدة منها حق التعليم والتشريع وسن قوانين محلية. ولكل واحدة لها نظامها ومجمع مقدس مؤلف من مطارنتها. وهذا المجمع يرئس الأبرشيات المنضمة اليها. فالمجمع الانطاكي المقدس يرئس الكنائس المسماة أبرشيات ومجموعتها تؤلف الكنيسة الانطاكية. هذه المجموعة يديرها مجمع مقدس هو في منطقتنا المجمع الانطاكي. القرارات التي يتخذها تلتزم بها كل الأبرشيات التي يوقع رئيسها على قرارات المجمع.

الفكرة ان الارثوذكسيين في هذه المنطقة يوحدهم رأيهم الذي يُعبّر عنه المطارنة في المجمع المقدس. هذه فكرة المجمعية او الجماعية. فاذا كان الأسقف رئيس الجماعة المحلية (الأبرشية) يشترك في المجمع المقدس وينقل اليه فكر الكنيسة التي يرئسها. وشهادة الكنائس مجتمعة هي في المبدأ فكرة الكنيسة الواحدة. هذا يفترض ان لنا فكرًا واحدًا هو فكر المسيح. المطارنة ليس لهم رأي خاص بكل واحد منهم. هم يقيدوننا اذا كان لهم فكر المسيح. هذا ليس امرا قانونيا، تنظيميا. نحن نخضع للمطارنة اذا قالوا فكر المسيح. اذا جاؤوا بغير فكر المسيح فليس لنا علاقة بهم.

هذا الفكر في المبدأ يظهر في اجتماع المطارنة في المجمع. المجمع المقدس ليس هيكلية قانونية. هو المكان الذي يظهر فيه فكر المسيح. نطلب هذا الفكر فقط. نحن نرجو ان يلهم الروح القدس الأساقفة اذا اجتمعوا. نحن لا نطيع بشرًا. نحن نطيع فكر المسيح ونرجو ان يُعبّر المطارنة عن فكر المسيح. عندئذ يكونون فمه. بهذا المعنى هو وحده المطاع.

فإذا اجتمع المطارنة بعد استلهامهم الروح القدس استمدوا قداسة الحق. فإذا ألهمهم نطيعه في طاعتنا لمن حملوه. واذا خالف المطارنة الروح الإلهي فلا طاعة لهم. وكل من نزل عليه الروح يعرف بأي فم يتكلم.

المجمع ليس مقدسا بصورة آلية. اذا قال الحقيقة فهو مقدس. الشكل القانوني وحده لا يقيّد عندنا. المهم المضمون اي خضوع هذه القيادة لله. ليس أحد ينوب عن الله. ليس لأحد بحد ذاته مقام. المقام تأخذه انت من الحقيقة، من استمدادك التراث.

المجمع ليس مقدسا لمجرد التقاء الأبرشيات فيه ممثلة برؤسائها. هو يبقى او يصير مجمعا بسبب الحقيقة والحكمة اللتين يحمل. القوانين لا تكون أرثوذكسية بسبب قانونية الاجتماع ولكن بسبب الحقيقة في ما تقول وتشهد له. الحقيقة المضمونة في قرار كنسي وليس مجرد صدوره عن مجمع مطارنة تثبت صحة هذا القرار. القانونية لا تنشئ الحقيقة. الحقيقة تنشئ القانونية.

تمتاز الكنيسة الأرثوذكسية في ما تقول عن نفسها ان لا شئ فيها قائم على مجرد قانونية القوانين ولكن لكونها تحمل الحقيقة الروحية. القانون عندنا لا يحمل قدسية لمجرد صدوره عن مقام شرعي. قدسيته في ذاته اي في ما يحمل من الله. الأساقفة ليسوا مرجعا بمجرد اجتماعهم ولكن في ما قالوا. ولكون المجامع تثبت تلك التي سبقتها نعتقد ان المجامع قائمة فقط بما قالت لا بمن انعقدت بحضورهم.

ليس كل مجمع مقدسا بمجرد شرعية الذين عقدوه. انه مقدس في ما قال. ليس الأسقف عندنا مقدس المقام ولكن المقام يتقدس في ما يقوله الأسقف. ينشأ المقام من كلام الأساقفة. ليس الأسقف حجرا موضوعا في محل. الأسقف عندنا ينشأ من كلامه بمعى انه اذا انحرف عن استقامة الرأي يصير لا شيء. صنمية الأسقف انحراف معروف كثيرًا. ليس أحد قائما في ذاته. أنت تبقى وتصير فقط في استقامة الرأي.

المجمع مقدس بمعنى انه يسعى الى قداسة التعليم وعمقه وحكمة الرعاية والإدارة. ليست القداسة مصبوبة فيه. انه يسعى اليها. انه تيار حق او مصير الى الله. خارجا عن ألوهية مواقفه وكلامه هو بشر يفنى.

لكوننا ننتظر منه قداسة الحق نسميه مقدسا.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

حلول الروح القدس/ الأحد 23 حزيران 2013 / العدد 25

اليوم المذكور هنا هو يوم الخمسين بعد الفصح اليهودي. كان الرسل مجتمعين في عليّة صهيون غالبًا، تلك التي تناول فيها السيّد العشاء الأخير مع تلاميذه وأسس فيها سرّ الشكر (خذوا كلوا هذا هو جسدي). وغالبًا كان معهم المسيحيون الآخرون مع النساء حاملات الطيب.

العنصرة التي يصفها الكتاب كانت صورتها «ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرّت على كل واحد». كل من التلاميذ تقبّل الروح القدس. نزول الروح هو على كل الكنيسة ولكنّه أيضًا «على كل واحد» كما يقول سفر الأعمال. وهذه العنصرة ذاتها تكررت في ما بعد اذ يتلقى كل مسيحيّ بعد معموديته الروح القدس في سرّ الميرون المقدّس.

امتلأوا كلهم من الروح القدس بمعنى ان الروح نزل على الكنيسة كلها وعلى كل واحد. في القداس ينزل على الكنيسة كلها. في المعمودية مع سر الميرون يأخذه كل معمّد.

عند نزول الروح القدس أخذوا يتكلّمون بلغات أخرى ذكرها بعد أسطر قليلة سفر الأعمال. هل عنى سفر الأعمال أنهم نطقوا بألسنة غير الآرامية التي كان ينطق بها يهود فلسطين أَم أراد أن السامعين صاروا يفهمون هذا الكلام الغريب؟ التفسيران واردان. «كل واحد كان يسمعهم ينطقون بلغته» يمكن ان تعني انهم تطقوا بألسنة أخرى ويفهمها الجميع او أن كل واحد سمع لغته التي وُلد عليها.

سفْرُ الأعمال يُعدّد البلدان التي هاجر اليها اليهود الذين جاؤوا إلى أورشليم للعيد وتعلّموا لغة البلد الذي قطنوه. وهنا يذكُر فصل الأعمال بلدانا مختلفة من الشرق والغرب وشمالي افريقيا. العرب الذين يذكُرهم بين هؤلاء الأقوام كانوا عرب حوران، وليس ما يدلّ على أنّه في ذلك الزّمن الغابر كان اليهود يسكنون الحجاز على أيّة حال. غالبًا أتى اليهود الى الجزيرة العربية نتيجة دمار اورشليم السنة السبعين. هاجر قسم من اهل اورشليم الى الحجاز كما هاجر آخرون الى مناطق اخرى.

يذكر الكتاب شعوبا كثيرة كان منها مَن حَجّ الى فلسطين للفصح. هؤلاء نُسمّيهم أهل الشتات كانوا منتشرين في العالم المتمدّن آنذاك اي في الامبراطوريّة الرومانيّة. هؤلاء عرفهم بولس الرسول في جولاته الثلاث. يذكُرهم سفر الأعمال باسم البلدان التي هاجروا اليها. هؤلاء شهدوا على أنّ الرسل والمسيحيين الأوائل، بعد أن حلّ عليهم الروح القدس، أخذوا ينطقون بلغات اليهود الذين كانوا قد تجمّعوا للعيد في أورشليم.

هذه العنصرة إياها مستمرة في الكنيسة بما يسمّيهم العهد الجديد مواهب الروح القدس في الكنيسة الأولى. وتشترك فيها اليوم، الى هؤلاء، كل الجماعات التي تُقيم القداس الإلهي وينزل عليها الروح في الاستحالة. كما يشارك فيها من خصّه الروح بمواهب خاصة معطاة الى هذا او ذاك لمنفعة الكنيسة كلها.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الأنا والأنت / السبت 22 حزيران 2013

أنت تقول ذلك أو لا تكون قلت. ولا تستطيع أن تقولها ما لم تكن محاورا أي ملاقيًا آخر فالملاقاة بين وجهين والوجه ذات. هكذا يقولون باليونانية واللغات الأخرى تعابير عنها. الكلمات لا تفتت فكرًا. هي إياه. والفكر بعض من ذات ان لم يكن كلها. والذات حوار لأن الإنسان لا يكلم نفسه. انه يواجه ليكون. أنت أمام آخر لتكون نفسك. بلا هذه الرؤية أنت عاشق ذاتك. وإذا لم تقرأ إلا ذاتك أنت غريقها. أنت في مرآة أي أنك لم تخرج من الأنا والأنا والأنت معا هما لغة. الأنا وحدها صمت إذ لا تعرف ذاتها إلا بالمواجهة. والمواجهة لغةً أن يكون الوجه إلى الوجه فيعرف ليس فقط الآخر ولكن نفسه.

الأنا وحدها، منغلقةً، تكرر نفسها. لا إلهام فيها إذ لا إلهام بلا حب. والحب في أدنى تحديده هو الاعتراف بالآخر حتى التعاطف. عندما يشدد المربون على تقوية الشخصية أو الإرادة إذا نسوا أن كل هذا يتكون بالتحاب يكونون جاهلين أن لا امتداد للشخصية إلاّ بلقاء الآخر ولا تأكيد للذات بحد نفسها. هي تؤكد بانعطافها. الأنا ان لم تمتد في اللقاء تنتحر. يتكون الإنسان بما يأخذ من حب وإلا كان وجوده انتحارا دائما. أنا ممدودا إليك أحب أي أكون. أنا دونك لا تحديد لي إذ أكون بلا وجه أو بلا وجه مطل. أنا إن رأيت فقط إلى وجهي أكون في حالة نحر لي وللآخر. في حالة نحر لذاتي إذ لا أتكون إلا بالآخر. في حالة نحر للآخر إذ لا يستطيع أن يعرف نفسه ما لم يعرفها محبوبة.

أنت لا تقوي نفسك بالتشدد ولكن بالانفتاح أي بالعطاء والتقبل بآن. والانفتاح أن تعترف ان الآخر أساسي لك «حتى التنفس». والانفتاح ثالوثي إذ لا حياة في الثنائي المنغلق على نفسه. لا تستطيع أن تحيا عميقا إذا ركزت على آخر وحده. لك أن تركز عليه متصلا بالوجود الذي تقتبس منه ويعطيه بآن. أي لا تقدر أن تكون ذاتك ما لم تأت من الكون كله وما لم يكن الكون الذي يتصور فيك آتيا من الله. الله يأتي مباشرة إذا أحبك ويأتي إليك من الآخرين الذين يحب هو أو تحب أنت ويأتي إليك من الوجود الكوني الجميل الذي له كلماته إليك.

لقد بيّن مارتن بوبر ان ليس من أنا بلا أنت فعنون كتابه   Ich und du(أنا وأنت). أنت لا تكون ثم تحب. أنت تحب فتكون. الله نفسه ما عرفناه إلا بكلمته. «في البدء كان الكلمة» هذا أول الكلام في إنجيل يوحنا.

لا نعرف معنى خارج عن الكلمة. المعنى لباسه اللفظ حتى ندركه. انه حروف متناسقة ليصل إلينا. لا ينتقل المعنى إلى المعنى توًا. يستدعيه بحروفه. كل معنى يتجسد ثم يتروحن. ليس عندنا في الكتابة روح بلا كلام. في بدء الكلام الإنسان المتجسد. الكلام هو الصوت المعني. يجعل ما يسمعه كلاما أي بعضًا منه. هو، إذ ذاك، معقول أي داخل في الذات. بمعنى عميق الإنسان كلمته ان كان إنسانًا سليمًا لا تحريف في ذاته ولا زغل. وإذا اقتبل الله تقوى كلمته فيه لأن الإنسان قبل حلول الله فيه عي. الإنسان يجيء من قراءته لله لئلا يكون تكرارا لذاته. وإذا لم يقرأ الله فيه يسمع ذاته مكررا أي يسمع صدى. ولا يذهب الصدى إلا إذا نزل المعنى.

المعنى يشبه الله لأنه ليس لفظًا ولو لبسه. هو عمق الله من جهة وعمق الإنسان من جهة. وإذا أردت الفهم فالله وحده عمق العمق ولذلك ما كان منظورا. ولكونه هكذا فهو سائر إلى ما لا نهاية وأنت، مؤمنا، في لا نهائية سيره وإذا وقفت فلا تحديد انسانيا لك وليس لك مع الإله شبه والمكتوب أنك على صورته وحسب مثاله.

عندما قال: «في البدء كان الكلمة» ما أراد الكلمة بمعنى الإطلاق إذ قال بعد كليمات «وإلهًا كان الكلمة». الكلمة في هذا التناص اليوحنائي كيان وليست معنى للفظ. ولكون الكلمة هي الإله الأزلي أصر الناقل العربي لإنجيل يوحنا أن يوردها في صيغة المذكر كما هي في اليونانية. هي إذًا اسم للإله وليست صفة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

استمرار التراث الرسوليّ/ الأحد 16 حزيران 2013 / العدد 24

بولس في عودته الأخيرة من أوربا الى أورشليم ارتأى الا يمرّ بأفسس خشية أن يتأخر في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) اذ كان يرغب أن يصل إلى أورشليم يوم العنصرة (اليهوديّ). ففيما كان في ميليتس في البحر، استدعى قسوس أفسس. «فلما وصلوا اليه قال لهم: احذروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه». القسوس مُسَمّون هنا أساقفة.

من هذا النص لا نعرف إن كان القس في هذه الفترة دون الأسقف رتبة أَم أن هذا وحدة تسمية مع اختلاف الرتبتين. بعد العصر الرسولي بين اواخر القرن الأول وبدايات الثاني عند القديس إغناطيوس الأنطاكي لا نرى فرقا واضحا بين القس والأسقف مع أن مكانة الأسقف أخذت تبرز.

لاحظوا ان في عبارة «كنيسة الله» لفظة الله هي يهوه العبرية، والواضح في تعبير بولس أن يهوه اي الله هو الذي سكب دمه على الصليب. النص هنا يوحد بين الله والمسيح (الله هو الذي سكب دمه).

عندما يقول ان الله هو الذي سكب دمه يوضح بأعظم وضوح أُلوهية المسيح. هذا هو إيماننا الذي ينقله الينا الرسول بقوله ان الله نفسه هو الذي عُلّق على خشبة.

من هذه الرسالة نفهم بعد هذا أن الذين أُقيموا رؤساء على الرعية يُسمّيهم الرسول أساقفة وتعني المراقبين او الرقباء. والرقيب (المطران) في الكنيسة يراقب صحة التعليم أو أُرثوذكسيته. هذه هي وظيفته الأساسية، وأنت تنظر مبدئيا الى ما يقوله المطران لتعرف منه سلامة العقيدة. ومجموعة الأساقفة في الكنيسة المحلية (مثل الكرسي الأنطاكي)، المنعقد اجتماعهم في المجمع المقدس، هم بالتآزر فيما بينهم يُلقّنوننا الإيمان. فالإيمان يسهر على صحته وسلامته المطارنة مجتمعين في المجمع المقدس برئاسة البطريرك. هذا في الكنيسة المحلية، وفي الكنيسة العالمية مجموعة المجامع المقدسة الأرثوذكسية التعليم هي التي تراقب صحة التعليم في العالم كلّه.

الكنيسة فيها إشراف خلفاء الرسل وهم المطارنة المسؤولون عن حفظ الوديعة سالمة كما أتتنا من تلاميذ المسيح وخلفائهم جيلا بعد جيل.

أنت لا تؤسس كنيسة جديدة ولكنك تحيا من التراث الذي وصل سالمًا بالخلافة الرسولية، فإن من نرسمه مطرانا إنما نجعله حافظا للإيمان القويم، وإذا تثبّتنا أن عنده الإيمان القويم، نعلنه أسقفا على كنيسة الله. يجيئون واحدًا بعد واحد ولكن بالتعليم نفسه، فمن خالف هذا التعليم وشوّهه نعتبره مبتدعا اي آتيا بآرائه الخاصة وليس بالرأي الرسولي.

الإيمان واحد جيلا بعد جيل ولو اختلف أسلوب التعليم. «اومن بإله واحد آب…. ورب واحد يسوع المسيح… وبالروح القدس». وظيفة الكنيسة ان تحفظنا في هذا الإيمان. والأسقف هو الحامل الأساسي لهذا الإيمان.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الكتابة البهيّة / السبت في 15 حزيران 2013

الكتابة البهيّة أو القول المليح تبدو للشخصيّة الجميلة الطيبة في اقتبالها لآلامها أو في تأججها وهذا أبعد من مخاض. انه ولادة في الحق أو ولادة في البهاء. وهذا أو ذاك صدور من الله واذا خفتم العبارة فخلق من الله. ليس الإنسان خالقًا يؤتينا أشياء من لا شيء. المبدع يجهّز لك ما استلم من إلهامه من حيث ان ربّك وحده هو المبدع وانك تتلقى ما أوحى به لك ليظهرك جديدًا ويظنّ الناس انهم يعيشون منك والحق انهم يستلمون منك ما استلمت من ربك.

هل الإبداع مشاركة كما الجنين؟ هذا يأتي من ذكر وأنثى تلاقيا. من أين أو ممن يأتي جنين الفكر أو الفن؟ أنت تسمى مبدعا ان قلت الأشياء كما لم يقلها أحد ولكن الأشياء نسميها لك أو منك والحق انك مستودعها. لا يزيد الإنسان شيئا على الخلق الذي وُجد مرة واحدة. انه يرتّب الخلق الذي تلقّاه. ينسب له لأنه عرف ان يتقبّل وان يسلّم.

وتسلّم من تراث وليس الثرات تكرارا آليا. هو احتضان بحب أي انه ولادة جديدة. ولكنك تلد من بذرة زرعها الله فيك. الجديد في القول الحسن جميل فالكلمة كان في البدء وما جاء بعده صور عنه فالله وحده مبدع الكلمات. وقياسا على هذا الإبداع الذي لا يزيد على الله شيئا نقول عن أهل الفن والكلمة الكبار انهم مبدعون.

نحن هنا أمام سؤال صعب يتعلّق بطبيعة الكلمة. أنت تقولها جديدة في هذا الالتحام البديع بين معناها وصورتها اللفظية. هذه مشكلة لن نتعرّض لها لأننا في الأخير لا نعرف كيف تجيء الكلمات. ما صورتها فينا، كيف تصير على اللسان؟ أنت طبعا لا تستطيع ان تعقل المعنى ما لم يرتسم اللفظ على لسانك أو قلمك اذ ليس من فكر بلا لباس. ما من كلمة (معنى) بلا جسد لها. عن المسيح قال يوحنا: «الكلمة صار جسدا ونصب خيمته في حيّنا». هذا معنى الترجمة المألوفة: «وحلّ فينا» والمراد حلّ بيننا لأننا نتبدى على الأرض ونصير حضرا ان هو جاورنا فالتصقنا به ينصب خيمتنا إلى خيمته.

في مطلع الإنجيل الرابع نقرأ: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلهًا كان الكلمة». وردت لفظة الكلمة بصيغة المذكر وأردنا الترجمة هكذا لنطابق اليونانية ولنعني ان ما ورد هكذا هو كلمة الله أي كيان قائم بذاته، إلهيّ، لا مجرّد نطق إلهي عرضي.

الله يبدو فيك ثم منك لتكون كلمته. وتكون أنت كذاك بمقدار ما أنت مسيح، ذلك ان يسوع الناصري ينتج مسحاء. واذا قلنا ان المسيح حيّ إلى الأبد من بعد قيامته فلكي نعني انه والد الحياة فينا يوما بعد يوم ولحظة من بعد لحظة. فالمسيح يتوالد بمعنى انه يصدر عنه مسحاء أي ناس ممسوحون بنعمة روحه.

لا تصدر منك كلمة حياة ما لم تكن ثمرة العطاء الإلهي. ليس الإنسان بخالق يأتي بالأشياء من لا شيء. ليس للعدم وجود من بعد الخلق. انت يقويك الله ولذلك لك معنى. ولكونه حقا تصبح بقوله ناقل حق. لذلك لا معنى لهذا البحث المزعوم فلسفيا عن العلاقة بينك وبين الله. أفهم التمايز الفلسفي بين هذين الكائنين ولكن العاشقين طلقوا الفلسفة من بعد الاتحاد.

وما دمنا أسرى العقل المحض نبحث عما لنا وعما لله في ثنائية عقليّة ولكن العاشقين لا يناقشون العلاقة بين ما لهذا وما لذاك. اما في العشق فالبحث عما لي بخاصة وعما للآخر هو ثنائية الطلاق. العقل المستضاء بالنعمة لا تميّزه عن النعمة. واذا عشت فيها وبها لا تبحث عن مقولات. انا أفهم هذا الإصرار على العقل في اهتمام فلسفات القرون الوسطى التي كانت أسيرة اليونان. اما الذين عرفوا ضياء الله في الوحي فقد تحرروا من اليونان وباتوا من الكلمة الإلهية التي هي حياة الله.

لا يعني هذا اننا نبطل العقل ولكنا نضيئه بالعقل الإلهي الذي هو الوحي. واذا نزلت علينا كلمته نعيش من النور المسكوب علينا فيسكن في كلماتنا. وفي هذا نتكون أي تأتي كلماتنا صورة عن الكلمة الإلهية والكلمة الإلهية والفم الإلهي واحد في آذاننا وقلوبنا حتى لا نسمع ما وضعه ربك في هذه القلوب.

والنعمة كلمة الله أو هما واحد حتى تزول الكلمات المخلوقة التي على لساننا. ونصغي فقط إلى ما رسب فينا من العقل الإلهي.

Continue reading