Author

Aziz Matta

2013, مقالات, نشرة رعيتي

العطاء الإلهي/ الأحد 9 حزيران 2013/ العدد 23

ماذا أراد داود النبي بقوله: «كل إنسان كاذبٌ، بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني»؟ هل أراد ان الإنسان لا يستطيع ان يعطي الإنسان اذ ليس عنده شيء ومع ذلك يعطي إذا اخذ من الله ووزع فيكون الله هو المعطي وحده؟

هل يجب ان تلغي من ذهنك او من قلبك من أعطاك لتعترف ان الرب معطيك وحده، أَم لك أن ترى أن الإنسان فقير وأنه معطيك مما أَخذ من فوق. في احتسابي أن قمّة غناك أن ترى نفسك فقيرا الى كل إنسان حتى ترى نفسك فقيرا إلى الله.

الله جعلَنا موزّعيه اي موزّعي نعمته لأننا جميعا فقراء، وإن لم نتملكه لا نستطيع عطاء. لقد أراد الله نفسه مترجما بالحب. جعل ذاته وسط التعاطي البشري لنعرفه. «الله لم يره أحدٌ قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبّر». هذا في مطلق التاريخ، ولكن هذا في حقيقة كل زمن نحن فيه. في عطاء نفسك تعطي الله، فما هي نفسك سوى فتات يُترجمه؟ إن أدركت أنت أنك لست بشيء يكون الله فيك فتعطيه. الفقير وحده يأخذ.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني»؟ صعوبة السؤال في هذا أنك لا تستطيع أن تكافئ الرب الا بما أعطاك، اي أن تردّ له نفسَهُ. عندما يقول اللاهوتيون عندنا ان الخلاص مشاركة الله وإرادتنا، طبعا لا يريدون أن الله وإرادتنا على مستوى واحد من الوجود او من الفعالية. هناك بينهما التقاء لا نعرف كيف يحصل لأنك إن أَحببتَ الله فهذا منه. انا لست أُنكر الإرادة البشرية اي لا أُلغي الإنسان بمعنى أني أُثبت وجهه امام وجه الله لأعترف له بذات، ولكني أؤكد بالقوّة نفسها انه آخذ هذه الذات بالنعمة. في الشدة لا تستطيع أن تقول إلا هذا: كل شيء نعمة. ربما لا يحس كل إنسان أنه في الجُبّ وأن يدًا يجب أن تنزل لانتشاله. ربما الخاطئون وحدهم يفهمون ما يقولون إذا قالوا ان كل شيء نعمة. لا يستطيع الخاطئ أن يقول انه قام لأنه قرر القيامة. يجب ان يقيمك آخر، وعندنا انه هو الله. في البكاء تقول هذا، وبلا بكاء لا تستطيع ان تكتب لاهوتًا. العقل، معزولا عن الألم او التوبة، لا يأتي بما هو عميق.

عندما يقول اللاهوت التراثيّ ان الخلاص مشاركة بين الله والانسان، لا يجعل الانسان وربّه على مستوى واحد اذ الإنسان لا يُخلّص الإنسان، هو يقبل الخلاص. وسرّ القبول من سرّ النعمة. القبول عطاء إلهيّ، وإذا قلنا ان الخلاص إلهيّ وإنسانيّ معا لا نعني هنا مناصفة تكون فيها المشاركة الانسانية بشرية فقط لا نعمة فيها. المشاركة بين الله والانسان ليست مُحاصصة. ما من عمل انسانيّ خلاصيّ المضمون بلا انعطاف إلهي. فإذا كافأت الله عن كل ما أعطاك، فهذا عمل منه ايضا. أنت لا تعطي إلا ما أَخذته من الله.

أنا لا أُحب كثيرًا التأكيد التقليديّ أن الله والانسان مشتركان أوّلهما بالنعمة وثانيهما بالجهد لأن الجهد نفسه ثمرة النعمة. لا خطر على الانسان إذا حجب نفسه قليلا فانكشفت له النعمة. اللاهوت الشرقيّ ليس عنده مشكلة في هذا لأنه يجمع دائما بين عطاء الرب ومجاهدة الانسان. اللاهوت الشرقيّ لم يجابه قط مشكلة المشاركة بين الله والانسان. هذا هو سر الله الذي نعيشه بالطاعة وهو مؤكّد بالوحي.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني» لا تعني أن عندي شيئا ليس من الرب أُكافئه به. كل ما عندي هو منه. ولكنه هو ردّ الحب لي. إنك لا تعطي الله الا ما وهبك. «التي لك مما لك نُقدّمها لك». هل جئت من عندياتك بما رددت لله؟ ليس عندك الا ما وهبك ربك. وسرّ طاعتك داخل في سرّ حبّه.

في الحقيقة إنك لا تكافئ الرب. هو يستردّ لنفسه ما أعطاك فإنه «الألف والياء، البداية والنهاية». انت إذا أَعطيت تبقى عطية الله ولا تنفد ولكنك تُرجع الى الله ما حصلته انت بنعمته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنت والبلد / السبت 8 حزيران 2013

أنت من البلد قليلاً أو كثيرًا. حسب مزاجك أو وضعك الروحي أنت مستقل عنه أو تابع. فإذا كنت متقلّبا كثيرًا يصرعك واذا عشت بقوة مع الله فهو موطنك لا البلد. الإنسان تابع قليلاً أو كثيرًا لما أو لمن يحيط به. ما هو بذائب فيه بالضرورة ولا هو حائد. لا يحيا الإنسان بالضرورة من مكان مع انه دائمًا في مكان. المكان أحيانًا يحيا منه. هذا تابع لقوة إشعاعه. لا بدّ من حيّز تكون فيه ولكن لك الا تكون عبدًا للحيز.

أنت في زمان وتجيء من أزمنة ولكنك لست بالضرورة صريعها ولا لصيقها. ان كنت كبيرًا تصنعها وهذا لا يأتي منك. ينزل عليك من فوق. عندما نقول بأبدية الله نريد انك حر من أزمنة سبقك أو أزمنة تعيشها. أبدية الله اذا انسكبت فيك ترى ربك نازلاً إليك. أنت متصل بالزمان ولكنك قادر على الحرية ان تجاوزته إلى الأبدي المسكوب فيك.

ان أدركت هذه الرؤية تعرف ان ترتبط بالبلد ارتباطًا سويًا فلا يستعبدك ولا تتجاهله. ان عدنا إلى إنجيل يوحنا نقول انك في هذا العالم ولست منه أي انك تأخذ منه ما ينفعك ولا يحصرك. على هذا المثال أنت من البلد. ولست ذائبًا فيه بجنون قومي. ولكن ان حدت عنه حتى الابتعاد تصبح خائفًا له ومدمّرًا لنفسك.

أنت من تاريخ، من هذا الذي تحسه فيك وهذا لا يملى عليك كما يفعل متطرفو القومية. لا يستطيع أحد ان يسحبك من سلالة. أنت تقرأ ما فيك في الآباء الذين تريد وتقرأ ماضيك حسب الإحساس التاريخيّ والذوقي الذي كونك. والوحدة في قراءات عديدة ممكنة. البلد لا يقرأه أحد عنك. أنت تذوق وفق تكوينك الداخلي ويشع منك بالقوة التي فيك. ولكن يجب ان تضع نفسك في قراءة. عدا ذلك بلبلة.

وإحساسك بمن تجيء منهم لا يجعلك بالضرورة غريبًا عن شرائح لها قراءة أخرى لما فيها. وعليك ان تقبل بماضي الآخر كما يقرأه هو. يوافق تحليلك الواقعي التاريخي أو لا يوافقه. أنت عليك ان تحب الآخر الذي يستمدّ نفسه من نسب تاريخي غير نسبك. المهم ان يحبك اليوم على اختلاف القراءتين. لقد أتعبنا الخلاف على الماضي. في الواقع كان مواجهة بين عقائديات تاريخية مختلفة غالبًا ما كانت في هذه البلاد تخفي عقائديات دينيّة متواجهة. في الحقيقة ان الاختلاف على التاريخ يخفي إرادة خلاف في الزمن الذي نعيشه.

الإختلاف حول الهويات التاريخية في لبنان ليس إختلافًا في قراءة التاريخ. غالبًا ما كان إختلافًا في العقيدة الدينيّة أو استقلالا عن العقيدة الدينيّة.

أنت في البدء آتٍ من موقف ديني تلبسه في النقاش تعبيرًا تاريخيًا لتبين عقلك العصري. على سبيل المثال تخفي العروبة عندك اما موقفًا إسلاميًا أو موقفًا مناوئًا للكثلكة المارونية أو علمانيّة محايدة. لا شيء في بلدنا يعني فقط ما تعبّر عنه اللغة. أنت تقف موقفًا في العمق العقائدي ثم تستعير له اللباس التعبيري. ليس أحد منا غير متحيز أي غير قائم في حيز، في مكان عقائدي. الفلسفة عندنا تغطي الدين وأحيانًا اللغة تغطيه.

أنت تجيء من الموقع العقائدي الذي تقفه فتنحت له لباسًا فكريًا متمدنًا. ويتصادم الناس في ما يطرحونه من مواقف هي ألبسة لقناعات أعمق معظمها ديني. وإذا لم يكن عندك موقف روحي واضح لا تدخل في صدام. تبقى في المقولات الظاهرها تاريخي.

فتش عن كل المفردات التي تخفي تاريخًا سياسيًا (لبناني، سوري، عربي) تراها متصلة بمواقف دينيّة أو لا دينيّة (واللاديني إقرار بالديني حتى ينفيه) ليس في نطاق الفكر حياد عن الله لابسًا ثوبًا دينيًا أو لا دينيًا.

سمعت اندره جيد (Gide) في بيروت منذ ستين سنة يكلمنا عن الفكر الفرنسي ويقول انه مثل قارب يسلك بين ضفتين ضفة الإيمان وضفة الإلحاد. فهمت انه يريد ان أهل بلده في زمانهم يختارون بين الإيمان والإلحاد. ماذا يختار مفكرو بلدي؟

فكر بلدنا فسيفسائي ليس فقط بمعنى التعدد ولكن بمعنى التصادم وأنت حر أمام هذا التعدد ولكنك لا تستطيع ان تبقى ازاءه فاترًا إذ يقول الله في سفر الرؤيا: «كن ساخنًا أو باردًا، لا تكن فاترًا لئلا أتقيأك من فمي».

ليس البلد فقط مدى جغرافيًا. هو قبل كل شيء تاريخ أي مواقف عقائدية أو إعتقادية تقفها آتيًا من مواقع تخفيها أو لا تخفيها. من هنا ان البلد ليس في قناعاتنا واحدًا لكوننا لسنا مثقفين على فلسفة للوجود ولا على نظرة دينية توحي غالبًا بفلسفة تعايش واحد أو توحي بعكسه. التوتر قائم في خياراتنا الفكرية ولذلك لسنا شعبًا واحدًا. نحن شعوب ترتبط بعضها ببعض بمتحد إجتماعي اتفقت عليه أو اضطرت إليه. وبسبب تعدد المفاهيم في الفلسفة الإجتماعية التي نقيم عليها البلد نحن منقسمون ولو سعينا إلى الوحدة. ما يعزينا ان كل بلد في العالم منقسم ولو ظن الناس كلاميًا انهم هكذا أو هكذا.

وأنت عليك ان تتحد في هذه الفسيفساء لتحسب نفسك واحدًا مع مواطنيك والاتحاد ان تصبو إلى وحدة عليك ان تقويها كل يوم. وعلى قدر العزائم من جهة وعلى قدر الإيمان بالبلد الآتي تتضح صورة الحياة العظيمة.

والإيمان يعني الجهاد الموصول في الفكر والعمل على قدر طاقات كل منا إلى ان يعطينا الله بركاته للأزمنة الآتية.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

انتشار البشارة/ الأحد 2 حزيران 2013/ العدد 22

بعد استشهاد استفانوس، وهو أول الشهداء وأول الشمامسة السبعة، تبدد الرسل أي تركوا فلسطين واجتازوا إلى فينيقية وبعضها لبنان الحاليّ وإلى قبرس القريبة وأنطاكية وكانت عاصمة سوريا الرومانية، وكانت خطتهم الا يكلّموا الا اليهود، وتبشيرهم أسهل من تبشير الوثنيين، وكان اليهود منتشرين في كل مدن الامبراطورية الرومانية التي كانت منها سوريا.

من هؤلاء اليهود كان قبرسيون وقيروانيون، وهؤلاء جزء من ليبيا الحالية، وكنت تجد اليهود في كل أنحاء الامبراطورية الرومانية وخارج فلسطين، وكان لا بد ان تخاطب الناس باليونانية التي كانت لغة المثقفين في العالم المتمدن آنذاك، واليهود أنفسهم خارج فلسطين كانوا مضطرين ان يخاطبوا الناس باليونانية.

اللغة العبرية لم تبقَ لغةً حية، لغة مخاطبة منذ قرون. اليهود كانوا يقرأونها في مجامعهم فقط وتُنقل إلى السامعين باليونانية أو بالآرامية حسب المناطق. لذلك اضطر الرسل والمبشرون المسيحيون أن يخاطبوا الناس بلغة الثقافة آنذاك أي باليونانية. ولما دخلت المسيحية إلى أنطاكية أخذت تُكلم اليونانيين الذين كانوا من أصل وثنيّ أو يهوديّ، فآمن بالرب يسوع كثيرون. فإذا نظرنا إلى كثافة المسيحيين العددية، نرى أن اللغة اليونانية كانت مسيطرة عليهم كالفرنسية عندنا في عصر الاستعمار أو الانكليزية اليوم.

العبرية كان اليهود نسوا التكلم بها بعد جلائهم عن فلسطين إلى بابل. في فلسطين، لما كان السيد على الأرض، لم يكن أحد فيها يتكلم العبرية. كانت لغة قراءة النصوص المقدسة في مجامعهم. السيد نفسه لم يكن يتكلم العبرية ولكن لغة الشعب أي الآرامية المشتقّة منها السريانية. اليوم أهلُنا في معلولا (سوريا) يتكلمون لهجة السيد.

في تلك الأثناء أرسلت كنيسة أورشليم تلميذًا يدعى برنابا إلى أنطاكيا. منها ذهب إلى طرسوس (غير طرطوس) في آسيا الصغرى، وهي مسقط رأس بولس (شاول)، ليطلبه فوجده وذهب به إلى أنطاكية وبشّر معه هذه المدينة سنة كاملة.

في أنطاكية أولاً دُعي التلاميذ «مسيحيين». منذ ذلك الحين لازمتهم هذه التسمية وبطلت واقعيا التسميات القديمة (تلاميذ، إخوة).

عندما نقول نحن «مسيحيين أرثوذكسيين»، ومعناها المستقيمي الرأي، نصف أنفسنا بالمسيحيين أي أتباع يسوع. وبقية الناس أحرار بتسمية أنفسهم كما يشاؤون. نحن نسمّي «مسيحيّا» من آمن بأن يسوع ربّ ومخلّص ومسيح. ما علاقتنا به من حيث اشتراكه أو عدم اشتراكه بالأسرار المقدسة شيء آخر ويختلف حسب الفئة التي ينتمي إليها.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الرجاء / السبت أول حزيران 2013

عند بولس الرجاء فضيلة يرصفها بين الإيمان والمحبة وكأنه يوحي انك ان آمنت ترجو الله فتحب. في عمق الأعماق طبعا الفضائل لا ترصف واحدتها مع الأخرى. انها جميعا متداخلة ولكن يريك الوحي انك تبدأ بالإيمان لأنه هو انعطاف الله عليك. يبدأك كائنا روحيا ويرافقك في مسيرتك اليه. بتعبير جسور، الله يخلقك بالروح القدس بعد ان أنشأك جسديا. هذا كيانك الجديد وحياتك الحق. ومكوث الله فيك هو ما نسميه الإيمان اي قناعتك ان الرب مكونك بروحه. والإيمان من الأمانة لله والأمانة من المأمن. ولست أقول هذا لغويا ولكن روحيا. أنت في بشرتك لست في مأمن، في مقر. الله فيك هو مقرك.ان رأيت الله في ذاته ومعانيه وإشعاعاته فيك وفي الاخوة تكون قد أدركت مقره الذي بات مقرك.

ولكن بينك وبين الله بون تتجاوزه بالإيمان بحيث تبيت في ربك وانت في الجسد. ذلك ان الإيمان انتقال وعلى الأرض أنت في حال انتقال إلى ان يحفظك الرب اليه في الرؤية. الإيمان ليس كل الرؤية. يحتاج إلى حركة إلى الله بالرجاء. ذلك ان الرب آتيك اليوم وغدا. الإيمان في حاجة إلى المحبة ليصبح إقامة في الله. وهو يبدأ بتربيتك على المحبة اذا زرع فيك الرجاء اليه.

الحضور الإلهي فيك ينشأ بالإيمان وهو «قيام الأمور التي ترجى وبرهان الحقائق التي لا ترى» (عبرانيين 11: 1). الأمور التي ترجى اي المستقبلية قائمة الآن في إيمانك. ويمتد قلبك اليها بالرجاء باعتبارها حاضرة في كلمة الله. هنا يمكن ان نقول ان الرجاء امتداد الإيمان من حاضره فيك إلى ما سيكون بحيث تكون الآتيات كالحاضرات لأن كلمة الله تجمع هذه وتلك. ولأن كلمة الله لا يقيدها زمان.

في المواقف الإلهية فيك لا تفريق بين الآن وما بعد الآن لأن الرب يملأ الزمان بحضرته. من هذه الزاوية أمكن القول انك ترى ما ترجوه. انت متغلب على امتداد الزمان لأن الله الذي فيك يملأه. من هنا ان فضيلة الإيمان حبلى بفضيلة الرجاء الذي هو حركة الإيمان. انت لا ترجو الا لكونك آمنتَ اذ الرجاء ليس أملا عاطفيا. هو معطى مع الإيمان كثمرة له.

ينبغي ان نفهم ان الإيمان ليس فضلا انسانيا. انه انحدار إلهي إلى النفس البشرية، تلاقٍ بينها وبين الصميم الإلهي وذلك في عمق يعسر علينا ان نسبر غوره. الله متحرك فينا اي يحركنا اليه. وحركتنا اليه هي الرجاء اذ نعرفه جزئيا في الإيمان. الإيمان بدء استلذاذنا به ولكن ذوقنا اياه يعطيه هو.

اذا كان الإيمان استقرار الله في القلب فالرجاء تحرك الله والله يتحرك إلى ذاته وبذا يحركنا اليه.

واذا جازت اللغة في هذا النطاق يحق لنا ان نرى ان انطباع الرب في القلب هو وجوده وايماننا به هو حركته الينا ويتبعها اخذه ايانا لإزالة البعد بين الخالق والمخلوق أو المحب والمحبوب. وبعد حركته الينا تأتي حركتنا اليه وهذا هو الرجاء. في اعماق الألوهة لا ينفصل الرجاء عن الإيمان وتتبعهما المحبة التي هي إكليل كل وجود.

كلمة رجاء توحي بالمستقبلات. وهذا صحيح لأننا اليوم نؤمن بما هو آت غدا وفي كل الآتيات الصالحات.

الرجاء ينطلق من حقائق الإيمان إلى ما يعلنه الله فينا من محبته. ولكن منعا لالتباس الكلمة اللغوي نريد ان نؤكد ان الرجاء عطية الهية ولا يأتي من مشاعرنا البشرية. الرجاء ليس مجرد تحرك للنفس. انه عطف الهي يذهب بنا إلى الباقيات الصالحات. هو امتداد مما أنزله الله علينا من نعمته إلى ما نرجوه من نعمته الكاملة حتى الرمق الأخير. الايمان، لغة، يوحي بالشيء القائم فينا ويوحي الرجاء بما سيكون. انهما متلازمان في النعمة التي تنسكب علينا.

ولكون الرجاء هو إلى الله يكون امتداده فينا حتى نبلغ كمال الرؤية. ولكن في السعي الروحي يجب ان نرسخه في الإيمان حتى لايظن المؤمن انه يأتي به كما يأتي بآماله. هو فوق كل أمل بشري. انه نعمة فائقة، انسكاب الهي فينا نبتغي فيه الله نفسه. من هنا انه يلتقي بالإيمان ويصب في المحبة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد الفصح/ الأحد 26 أيار 2013 / العدد 21

ليس شيء ما بعد الفصح لأن القيامة حيّة فينا. انها قائمة في عذاب الصليب اذ به «أتى الفرح في كل العالم». نحن لا نلد الفرح. إننا نتقبّله من انتصار المسيح على الموت، كل موت في حياتنا اليومية وذاك الذي ننتظره في آخر عمرنا. اذا كانت كل نفس ذائقة الموت، فهي أيضًا ذائقة الحياة الجديدة التي تفجّرت من قبر الخلاص.

نذوق هذه الحياة العظمى لأن المسيح أحيانا بموته. في إنجيل يوحنا الذي هو إنجيل الحياة، قيل عن موت السيد: «أَمال رأسه، وأَسلم الروح»، والحال أنك تُسلم الروح ثم تُميل رأسك. أجل أَسلم روحه البشرية، ولكن يحق لك أن تفهم «أمال رأسه وأَسلم الروح» القدس لتكون لنا بذلك العنصرة الأولى. الروح الإلهي الكامل تؤتاه بموت المخلّص. إطلالة القيامة تمتمتُها كانت على الصليب. لا بد للكاتب الإنجيلي أن يُلازم واقعية المحسوس في ما حصل للسيد، ولكن في رؤية الآب اياه هذه كلها أشياء واحده. المصلوبية بقيت فيه، والقيامة بما فيها قيامتنا تأتينا من موته. لقد مات المسيح مرة واحدة، وبعد هذا الذكرى. والذكرى تنقلنا إلى قيامته. وعندنا نحن المؤمنين به ليست القيامة حدثًا يمضي بمضيّ الزمان. انها نعمة دائمة نازلة علينا من السماء. فاذا كان موت السيد حدثًا مضى، إلا أن فاعليته أي إحياءه إيانا لا تزول. وحتى يتم هذا، يجب أن ننسلخ عن الزائلات ليحيا الرب وحده فينا. وإيماننا أننا حيينا منذ أن كان على الصليب معلّقًا. هذه جدلية موت المخلّص وقيامته عندنا. إنه كان حيّا منذ أن عُلّق على الخشبة، فيما كان معلّقًا عليها. في موته وبموته حصلنا على الحياة الأبدية. وفي دقة التعبير بدأت هذه الحياة الأبدية تنزل علينا منه بالإيمان. معنى ذلك أنه ولو مات مرة واحدة تبقى حياته فينا مستمرّة يومًا فيومًا حتى اننا لا نبقى مُلكًا لأنفسنا لأننا بتنا ننظر إليه فقط ونستمدّ حياتنا من حياته حتى نصير واحدًا معه.

إن لم تكن كل حياتك فصحًا، أي عبورًا من الأرض إلى السماء، فلا تزال نائمًا في خطيئتك. نحن لسنا مسيحيين بالمولد. نحن مسيحيون إن كنا نُلازم المسيح يومًا فيومًا، من عمق فينا إلى عمقه هو. كل وجودنا يصبح إلهيًا إن كان سيرًا إلى المسيح أو سيرًا في المسيح. ما كان العيد إلا حثًا لك لتقتبل أن يملأك السيد من حضوره الفصحيّ. هذا الحضور يعطيك حركة فصحيّة أي انتقالاً من مجد إلى مجد «كما من الرب الروح». إن استطعت أن تدرك أنك في الفصح تصير روحًا يصير كل يوم لك عيدًا وتصبح إنسانًا قياميًا لأن القيامة ليست ذكرى وحسب ولكنها واقع يغيّرنا على قدر طاعتنا. أن تتحوّل حقًا إلى إنسان فصحيّ هو أن تقبل صيرورتك جديدًا في المسيح. وتبقى فصحيا إن شئتَ أن تحيا كل يوم في حضرة الرب الغالب لهذا العالم، شاعرًا أنك لست من هذا العالم لكونك تحمل الحياة النازلة عليك من فوق. وهي تُمكّنك من أن تغلب مرارة ما يحلّ فيك أو ما يحلّ عليك ناشرًا فاعلية القيامة التي صارت فيك إلى كل مكان.

هكذا ترى الفصح فيك وفي الإخوة ومن حولكم حتى لا ينغلق العيد على يوم واحد. أنت، بعد أن حلّت فيك بركات العيد، تنقلها إلى من حولك ليصبح كل من نال هذه البركات فصحيّا. وبعد هذا، لك أن تقول كل يوم: «المسيح قام!».

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

من فصح إلى فصح / السبت 25 أيار 2013

نحن نقول ان الانسان على فساده يحمل بذرة الخلاص. ما يسميه الغرب الخطيئة الأصليّة ويعني به الموروثة من آدم مع ذنب لا يقبلها الشرق الأرثوذكسي. ليس هناك من ورثة ذنب. الطبيعة البشرية كعهدنا بها تلطخت وفسدت ولكنها ما صارت عدما أخلاقيا. فيك تقبّل لإلهك أو أثر إلهي. فيك خير كامن يعايش الخطيئة، يرافقها. ليس في الكيان البشري فساد شامل ولا من برّ يغطيه تغطية كاملة. هذه أشياء تتخالط في النفس البشرية؛ أعرف نفوسا قريبة من الصفاء ولكني لا أعرف صفاء مبدِّدا فينا كلّ ظلمة. القداسة توق وقبل القيامة الأخيرة ليس من قداسة مكمّلة. والحديث عن الكمال ليس حديثًا عن واقع مكتمل ولكنه دعوة. ما عناه المخلص بقوله: «كونوا كاملين» لا يتجاوز قصده ان اسعوا الى الكمال لأنه بقوله: «كونوا كاملين كما ان اباكم السماوي كامل» ما قصد الا ان توقوا الى الكمال. في السماء نفسها وفي اليوم الأخير ليس من انسان كامل. نحن ما قلنا مرة اذا اعلنّا قداسة انسان انه خال من الخطيئة. نقول انه كان نموذجا في السعي الى القداسة وان هذه كانت همّه الكبير. عندما قال الله: «كونوا قديسين» كان يريد ان هذه دعوة، اشتياق وما عنى القداسة تنصبّ فيك كانصباب الصلب. لو الفضيلة تنصب كاملة لما احتجنا الى صلاة سؤال. «ملكوت الله في داخلكم» عبارة يسوع هذه تعني انكم سائرون الى هذا الملكوت ولا يتحقّق الملكوت في أحد منكم قبل اليوم الأخير.

انتم اجتهدوا ان يكون كلّ يوم من حياتكم كأنّه اليوم الذي تنالون فيه اكليل المجد ولكن هذا الاكليل يضعه المسيح على رؤوسكم من بعد موت ومن بعد قيامة حيث يسطع البرّ في الانسانيّة الممجّدة.

هذه تربية عظيمة على التواضع ان يفهم الانسان انه مكسور ولا يظهر الا مضمّدا امام السيّد. وفي دعائنا القديسين لا نعترف انهم نالوا البرّ كاملا ولكنّا نرجو ان يشاركونا في الصلاة حيث هم لتتألّف جماعة القديسين الذين اكتملوا والذين لم يكتملوا. الأبرار كلّهم في حالة التوق الى ما سوف يعطيهم المخلص ولكنهم في لاهوتنا لم يبلغوا الكمال.

سئلت مرة عمّا اذا كانت مريم في السماء بجسدها. أجبت مع اعتقادي الشخصي بهذا ومع كل الأناشيد التي تبدو فيها هذه القناعة في عباداتنا اننا لم نحدد الأمر عقائديا. أضفت امام انعدام التحديد انا شخصيا اؤمن ان مريم في المجد اي انّ جسدها لم يطرأ عليه فساد. طبعا أعرف ان هذا لا يمكن ان يقوله الا العاشقون.

أنت تخاطب القديسين في الكنيسة التراثيّة لأن «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». القديسون أصدقاؤنا ولهذا يؤمون صلاتنا ولو غائبين في الجسد. انا لا أفهم ان مريم ليست إماما لي عند انتصابي في حضرة الله. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول في عظة الفصح انه لم يبقَ من ميت في القبور واذا أنشدنا في العيد : «المسيح قام من بين الأموات» ستين مرة ندلّ على ان انتقالا ما الى نور الثالوث يحصل في الإنشاد. انشادنا نور وهذا نحمله من أحد الى أحد اذ عندنا الى جانب العيد عيد في كل أحد وهذا العيد الأحدي طاغٍ على كلّ تعييد.

حياتنا فصح. نريدها كذلك. ونتوق ان نكون لأن في الفصح ومعناه العبور من تريد ان تصل اليه اي المخلص ويقول ارمياء النبي: «روح أفواهنا مسيح الرب». رجاؤنا الا نسقط في الحيرة التي وقع فيها التلاميذ قبل القيامة فالحيرة عدم مسيح.

المسيح يصبح بصليبه كل شيء فينا حتى يكشف لنا قوّة قيامته كل يوم بانتصارنا على الخطيئة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الخدمة / الأحد 19 أيار 2013 / العدد 20

الخدمة اليومية كانت مهمَلة عند المسيحيين المتكلمين اليونانية في أورشليم في العهد الرسولي. هؤلاء كانوا من أصل يهودي ساكنين المدينة المقدسة ولا يعرفون لغتها أي الآرامية. غالبًا كان يقال لهم ما يقال في لبنان اليوم: أنت غريب.

والخدمة هذه تعني توزيع الإعاشة. هذه كانت لهم دون تلك التي كانت توزع على المسيحيين المنحدرين من أصل يهودي. كان هذا سلوكًا عُنصريًا. مشكلة اجتماعية ضخمة تطلّبت تدخّلاً من الرسل.

أفضى هذا الاهتمام الرسوليّ إلى إنشاء مؤسسة اجتماعية تُعنى بالفقراء، قائمة على سبعة رجال ذكَرهم سفْر الأعمال. هذا لا يعني انه كانت مجموعة تُعنى حصرًا بالفقراء لأن أولها وهو استفانس قيل عنه انه كان «ممتلئًا من الإيمان والروح القدس» ودلّ خطابُه العظيم بعد اختياره انه كان فهيمًا من الناحية اللاهوتية.

هذا يدلّنا على أن الرسل لم يوجدوا كتلة منصرفة حصرًا إلى الإغاثة والمال لأنهم كانوا يختارون دائمًا الممتلئين من الروح القدس. لذلك ما نراه أحيانًا في الكنيسة المعاصرة من ناس يهتمّون بالمال فقط ومن ناس مهتمّين بالرعاية فقط شيء مستحدث لا علاقة له بفكرنا الأصيل. في الإدارة الكنسيّة عندنا نجد موكلين الرعاية وهم الكهنة وموكلين أمر الفقراء وهم علمانيون. هذا التفريق بين من يهتم بالحياة الروحية فقط ومن يهتم بالإعاشة فقط جديد على التراث. «مَن عملَ وعلّمَ يدعى عظيمًا في ملكوت السموات». أنت تبشّر المساكين كما طلب الرب وتُساعدهم ماديًا أيضًا. العطاء الروحي عندنا مقرون بأعمال الرحمة أي افتقاد المساكين. المرجوّ أن يكون كل خادم في كنيسة الرب مملوءًا من الروح القدس وموهوبًا لأمر العطاء. الكاهن إذا وعظ لا يكتفي بوعظه. يتّجه دائمًا إلى الفقراء ليُسعفهم فيحسّوا انه إلى جانبهم.

الملاحظ في هذا المقطع من سفْر الأعمال أن المُعَدّين للعمل الاجتماعي اختارهم الرسل بحيث أمكننا أن نقول ان التفريق الكامل بين العمل الاجتماعي والعمل الروحي غير وارد في الكنيسة. الموهوب اجتماعيًا ما لم يكن عنده مسحة من الروح القدس لا يؤخذ للخدمة. نحن لا نفرّق بين العطاء الروحيّ وتوزيع الأموال على المحتاجين. كل عطاء عندنا من الروح القدس.

ربما الذين اختارهم الرسل للعمل الاجتماعي صاروا أيضًا بهذا العمل شمامسة. قال هذا بعض من المفسّرين ولا سيما أن الرسل «وضعوا عليهم الأيدي». هذه عبارة معروفة بأنها تدلّ على رسامة. مهما يكن من أمر، هؤلاء أتوا من إدارة الرسل وصلاتهم. نموّ الكنيسة مبنيّ على الصلاة الدائمة، وهي التي تجعل كلمة الله تستقرّ في قلوب المؤمنين، وبهذا المعنى نفهم ما قاله الكتاب أن الكنيسة تنمو.

بعد هذا الكلام قال سفر الأعمال أن عدد التلاميذ كان ينمو في أورشليم وأن الكثير من كهنة اليهود كان يطيع الإيمان ويدخل في الكنيسة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الخطف / السبت 18 أيار 2013

الخطف الا يقر خصمك في مكانه لأن مكانه استقرار نفسه ويجب ان يدخل الخلل إلى نفسه حتى يضطرب ويخاف وفي هذا شيء من موت. العداوة هي أولا إقصاء عن المعية، بقاء في التشرذم فالمحبة معية، غلبة لعزلة الأحدية، فيها اثنان معًا ان كان الله بينهما. اذ لا يجتمع اثنان الا اذا الرب جامعهما والا يجتمعان على منافع الدنيا.

المكان الذي أنت منه امتداد لشخصيّتك. الله وحده ليس في حيّز. المكان لا يحدّك بالضرورة. يحددك أي يكون بعضًا من معناك. يصفك وهذا من ذاتك. الملائكة أنفسهم في اللاهوت الشرقي تلحق بهم محدوديّة ما وان كانت تختلف عن محدوديتنا. وأنت أليف الأشياء التي تحيط بك أي هي من مكوناتك. بت ألاحظ في شيخوختي أني لست أحيد عن الأسواق التي مشيت فيها في سني طفولتي. فالإنسان من عينيه والأشياء إلى عينيه. هكذا أحسست أني أشتاق الأسواق العتيقة في مدينتي وان العودة إليها تعيدني إلى اساس أنا قائم عليها في ناسوتي العتيق.

اذا سألوك عن مسقطك قد يكون هذا من باب الفضول ولكن في جوابك تتحرك لنفسك اذ لم تنفصل عن الجنين الذي كنته أو عن أمك التي تبقى أمك حتى رمقك الأخير. لذلك كان إقصاؤك عن مكانك إقصاءك عن الوجود. فالمكان منك وأنت منه إلى ان يردك الله إليه. هو وحده له الحق ان يردك إليه. اما المجرمون فيخطفون اذ لا يحبون شيئًا طيبًا مثل مكانك. اذا خطفوك يبيدون فيك مكانك، يسرقونه وهو ليس لهم.

من المرارات الا تعرف شيئًا عن أحبائك المخطوفين فهذا سلخ عن وجود لك واحد مع أحبة لك. هذا تعد على معية خيرة كانت فيك غنى. كل اعتداء على شراكة بشرية سرقة. الإنسان يعيش مع من يحب، مع الذين اختارهم لحبه وأنت ان خطفته تسرق حبه.

نحن نحيا مع الذين ارتضيناهم أصدقاء اذ لا نحيا بلا تكامل. يأتي الخاطف الشرير ويقول لك: أنا قررت ان هؤلاء ليسوا أساسيين لك فأنا أشردهم حيث أريد والمكان ليس ضروريًا لهم. الجواب ان المرء لا يتنزه في كل مكان ولكن في المكان الذي ارتضاه منذ وعيه المدى. الجمال ينقذ الإنسان من اللامدى. يضعه في وضع ينتعش فيه. واذا بمجرم يأتي ويسلخه عن أرضه، هذه التي نشأ عليها وأحب.

الخاطف لا يخطف إلى مكان، يخطف إلى اللاشيء. هو نفسه ليس عنده مكان الا الجريمة. سلخ الناس بعضهم عن بعض صورة عن الموت الذي لم يكتمل، رغبة في موت لم نتجرأ عليه. إقصاء الآخر عن الذين يحب يأتي من قرار لإماتة لم تحقق جسديًا. ذلك ان كل ما كان ضد المشاركة موت. ليس الإنسان دائمًا جريئًا حتى يقتل. حسبه ان يعذب أو ان يمرمر. «الإنسان ذئب للإنسان». يجب ان ينزل الله إليه ليحب أي ليلقى الآخر.

الخاطف جريمته القصوى تفريق الأحبة. يلجأ إلى ظن ان الإنسان قادر ان يعيش بلا شريك، بلا رفيق، الا يكون محبوبًا. لعل في الخطف نقصًا في شجاعة القتل. الإخفاء نصف إبادة ولكنه مخيف لأنه كثيرًا ما هيأ للإبادة ودائمًا كان مليئًا بالخوف. ومن أذاق الآخرين الخوف فكأنه أبادهم ولم يجرؤ. أظن ان خشية طائفة من طائفة في لبنان فيها رغبة موت ولكن ليس فيها قدرة عليه لعدم الجرأة أو للندم لحيظات قبل القتل.

من مرارات الخطف أنك لا تعرف شيئًا عن المخطوف. ومن أخذه لا يعلن هذا لئلا يقع تحت تأديب القضاء. الخطف يجعلك في اضطراب كبير مع انه لا يستتبع القتل بالضرورة. تخشاه لأنه ليس الموضع الطبيعي للإنسان. أنت، إنسانًا، في طبعك أليف المشاركة ولا تتوقع الإنسلاخ. إنسلاخك عن هذه الدنيا بموتك الطبيعي. فاذا افتعلوا الخطف يقلقونك وجوديًا ولو شعرت انه ليس إلى موت. غير انه ليس من خاطف يضمن أحدًا وأنت ساذج ان صدقت الخاطفين. وأتساءل لماذا يعلنون عن صفتهم هذه؟ ماذا يجنون؟ أنا عشت خطف بعض من أصدقاء كأنهم ماتوا. هم مرشحون للموت. والمجرمون يخيفوننا كما أخافوهم. ماذا يضمن المخطوف؟ الذي أقدم على سلخه عن أحبائه عاطفيًا قريب عن سلخه عنهم وجوديًا. هذا كله من مملكة الموت إلى ان يردنا الله إلى الحياة معه.

خطف نسيب لنا أو صديق يجعلني رجراجًا كالمخطوف اذ يزيل الوحده التي كانت قائمة بيني ومن كان حولي. الخطف كسر المعية التي كانت بيني وبين كثيرين. انه بدء لتسرب الموت، إخلال بوجودنا كجماعة. بالقتل تقول شيئًا صريحًا. تخطف لتخفي ماذا؟

خوفي ان الذي خطف ليس عنده شجاعة كافية ليعلن عن خطفه لأن الخطف يلقي عليه تأديب القانون وهو لا يعرف نفسه مجرمًا كاملاً لأنه ليس بقاتل ولعله يعلل النفس بأن الخطف ليس إلى نهاية. انه ينتهي بإعادة المخطوف كأن الإعادة تكفير عن الخطيئة أو كان الخطف لعب.

كل شيء في الخطيئة يشبه ألعابها لأن الخطيئة على جديتها فيها ما يخل بالنضج، ذلك لأنها في تعليمنا ليست من استقامة الوجود وفي لغة آبائنا ليست من الطبيعة السليمة. غير ان خطأ الخاطئ انه لا يرى ذلك اذ يرى الخطيئة في خط الوجود.

جاذبية الخطيئة انها كاذبة من حيث انها تجعلنا نعتقد انها في منطق الوجود عندما لا نميز بين الوجود السليم والوجود المريض. الفضيلة لتنزل عليك تحتاج إلى ربك. لا تأخذك إليها من مجرد قواك. أنت لا تخسر نتانتك الا اذا لبستك جدة الحياة وهي تنزل عليك من فوق. أنت لا تقدر على شيء من السماء ما لم تهبط عليك السماء وتعانقك. عندئذ تصبح من الإنسانية الجديدة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

لم يبقَ من باب مغلق/ الأحد 12 أيار 2013 / العدد 19

بنعمة القائم من بين الأموات لم يبق من باب مغلق أمام النفس المُحبة للمسيح. هي مفتوحة على آفاق المحبة. كان التلاميذ مجتمعين في بيت مغلق ودخل الرب إليهم وقال لهم «السلام لكم». هو يعطيهم سلامهم ليس كذلك يعطيه الناس.

سلامه صادق وحقيقي بمعنى انه اذا أعطى لهم سلامًا يكون فيهم. فلما رأوا على جسده آثار عذابه فرحوا. فرحوا لأنهم رأوا ان هذا هو الرب ولم يكن خيالا. قيامة الرب لا تُنسينا آلامه، فبجراحه شُفينا كما قال إشعياء. ثم للمرة الثانية سلّم عليهم حتى لا يكون هذا مجرّد تحية بل يكون سلامًا حقيقيًا في نفوسهم لأن السيد يُزيل اضطراب النفس ويمكث فيها. بالسلام الذي قرّ في نفوسهم أَرسلهم أي انهم يحملون إلى العالم سلامه وفيه سلامتهم.

ماذا يحمل سلامه لهم إلى العالم؟ «مَن غَفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت». هذا الكلام نتج عنه سر التوبة (بما فيها الاعتراف أو الإقرار بالخطايا). من لا يريد التوبة لا يمنحه الله غفرانا.

بعد هذا تجيء حادثة توما. التلاميذ قالوا له «رأينا الرب». كلامهم هذا يعني ان الرب ظهر لهم. توما لم يكن قد سمع أن الرب أراد أن يظهر أو يمكن ان يظهر. قبل القيامة كان التلاميذ جميعا في حالة شك بيسوع وفاعليته. القيامة صارت مفتاح كل الفكر الرسوليّ الذي ظهر في العهد الجديد.

القيامة ليست أمرا سهل الاعتقاد به. كيف يقوم إنسان من موت ويعود إلى ما كان؟ توما إنسان عنده عقل يُحلّل. هل كان عليه مأخذ لأنه لم يأخذ بمجرد كلام التلاميذ؟ ربما كان هذا كل ما أراد يوحنا الإنجيلي أن يقوله. غالبا ما أراد الإنجيليّ أن يوحي أن التلاميذ موضع ثقة. صار واضحًا في ما بعد أن قول الرسل مصدر لإيماننا.

الظهور برهان القيامة. لم يُعاين أحد جثمان يسوع يخرج من القبر. لقد استنتج الرسل هذا مِن ظهوره. هم رأوه ميتا، ورأوا ظهورات فقالوا انه قام.

عند ظهور الرب لتوما وقوله: «عاين يديّ ولا تكن غير مؤمن»، قال هو للسيد: «ربي وإلهي». كلمة «رب» كما هي واردة في اليونانية وكلمة «إله» فيهما أل التعريف بمعنى أنك هو الرب وأنك هو الإله. لا يعني شيئًا كلمة شهود يهوى أن هذه العبارة قد تعني إلها وليس الإله بالمطلق. في العهد القديم ليس من إله غير الله، ولذا كان كلام توما يعني بوضوح أن المسيح هو الله ذاته.

الإيمان هو الذي عبّر عنه توما بقوله للسيد انه هو الإله، وليس من احتمال لوجود إله آخر في العقل اليهودي.

«ربي وإلهي» التي قالها توما اعتراف كامل بأُلوهية يسوع. وقول شهود يهوى انه «رب» وليس «الرب» لا يعني شيئا اذ لا يمكن في الإيمان اليهودي أن يكون هناك رب أو إله وليس الرب والإله. ليس هناك تعدّد آلهة. فإذا قال توما ان يسوع رب أو الرب فالواضح انه هو الرب اذ ليس عند اليهود غير رب واحد.

Continue reading