Author

Aziz Matta

2013, جريدة النهار, مقالات

الله والإنسان / السبت 24 آب 2013

الإنسان توق لا إلى أوهام ولكن إلى وعد والوعد هو الله نفسه. والله آت. انه فيك وأمامك وفي غدك. كان حضوره الحقيقي الأول بمسيحه وهو عائد به في اليوم الأخير وهو يبث ذاته في كل يوم بك. اقتبله ما دمت يقظًا. وهو حاضر في كل زمان فيك تشاؤه له.

وهو لا يأتيك الا بالحب وبه يتجلّى فيك. اسهر على ان يكون ساكنا فيك لئلا تتصحّر. لا تنخدع بأنك تأتي من ذاتك. اذا لم تمتد إلى فوق تنطوي أي تنتحر داخليا. تُق دائما لتنوجد. أحببه يحبك اذ يعطيك أكثر مما تعطيه. لا تتأمّل بما تظن انك تحويه. ثق انك فقير وانك تأخذ منه ما طلبت. يصير لك هذا ان آمنت انه يغنيك.

وأنت تستغني فقط به. ان ادركت هذا تخسر فقرك وتقيم فوق. بهذا الفقر العظيم تشعر انك مقيم في السماويات، «حرّ بين الأموات» مكمل ناسوتك. الألوهة تصبح ساكنة فيك إلى ان يبدو وجهك وجه إله.

أنت مدعو إلى ان ترث الله نفسه أي كلّ ما فيه من قوى. لست شيئا عظيما ان تقت إلى ما هو دون الله. هذا لا يشبع شوقك إلى الحق. واعلم ان ليس من حق خارج الله وما هو اليه. السموات ليست فوق. ما هي بمكان. هي في روحك اذا امتدت أو اقامت في الرب الذي هو مسكنها لأنك ان سكنتك المحبة تكون ساكنا في الله. أنت لا تتوق إلى اوهامك، تتوق إلى موجود تنوجد به. يقال انك ساكن في السماء. معنى هذا انك ساكن في ربّك.

ربك هو المحبة نفسها. هي اسمه. ليس لها وجود خارجا عنه. من قال انه يحيى يقول ان الله فيه أو هو في الله. لأن الله اذا رفعنا اليه يكون في حق ساكنا فينا اذ ليس له مدى الا القلوب.

ان أنت تحوّلت من محب إلى ان تندمج بالمحبة ذاتها تكون قد استدعيت الرب ليجعلك مسكنا له. أنت فيه وهو فيك لأنه هكذا يشاء. وأنت تحقق إنسانيتك ان أردت ما أراد.

أنت مدعو بحضور الله فيك وليس له أفق آخر. كل رؤية أخرى هي من هذا العالم ولكن ربك يريد ان تراه هو لا ان ترى العالم. كل ما تختبره في العالم غاية الله منه ان يدنيك اليه. هو يريدك متشبها به لكي يرى ان وجهك إطلالة من وجهه عليك. واذا رآك وجهه لا يبقى فاصلا بين الوجهين.

المعرفة تبدأ بالمحبة. فإن أحببت ربك تعرفه أي تتحد به اتحادا هو يذوقه أولا ويعرفه. ولكون ربك يعرفك ويعرفك ذلك تذوق انك عشيره. هذه كلمة لا تنتقص شيئا من كرامة الله. فالله بالقربى والا كان إلها وثنيا. قرباه تثير فيك الايمان به اذ الايمان ايمان بكائن قريب إلى درجة الاتحاد.

اذ ذاك، لا يعوزك شيء لأنك تكون قد فهمت ان ربك في كل شيء وانت به تحب ما يحب وتقيم حيث يقيم.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الفكر الواحد/ الأحد 18 آب 2013/ العدد 33

عندما يطلب الرسول الى أهل كورنثوس ان يقولوا قولا واحدًا لا يريد أن نقبل اي كلام يقولونه ولو كان واحدًا ولكنه يريد ان يأتي هذا الكلام من روح الرب يسوع.

فالمؤمنون يمكن أن يجتمعوا على خطأ. الإجماع الصادر عن المحبة يدل مبدئيا على ان مصدره المسيح. اذ ذاك يأتي قولا واحدًا لأن المسيح لا يُلهم هذا شيئا وذلك شيئًا آخر. أنت تقبل قولا اذا أتى من روح يسوع.

لقد شجّع بولس على ان يقول المؤمنون قولا واحدًا يأتيهم من إلهام الروح القدس. فإذا تطهروا وكانوا في المسيح لا يمكن ان يختلفوا. اما اذا كان بينهم شقاقات فكلامهم ليس من المسيح.

المسيح يُلهم الناس اليوم ما يوافق الإنجيل. اذا تكلّمت كما يريد الإنجيل لا خوف عليك والجماعة التي تخاطبها، اذ ذاك، تكون قد استلمَت عنك الإنجيل. في ظرف واحد ومكان واحد الذين هم للمسيح يقولون قولا واحدًا في أمور دنياهم. اختلاف الناس كثيرًا ما يعني ان ليس في عقولهم معايير روحية يرجعون اليها. الذين يحتكمون الى الله ان لم يكونوا أغبياء يقولون قولا واحدا. على الأقـل عنـدهم حكمـة المسيـح الأقـوى من حكمة اهل هذا العالم. أنت ان كنت حكيمًا حسب المسيح تذهب بالناس الى هذه الحكمة. انت لا تقتبس مواقفك مما اصطلح الناس عليه على انها الأحسن. في الإنجيل معايير تمكنك من الحكم على ما يجري حولك. هناك تحليلك للأوضاع المحيطة بك ولأحوال عائلتك ووضع طائفتك الاجتماعي وطوائف اخرى. ولكنك لا تحكم انت على الأشياء فقط مما تلحظ حولك. أنت تأتي من فوق، من حقيقة الله التي لا تتغير. هناك كلام إلهي يحييك لأنه ثابت وكلام بشري يأتي من العلم والفلسفة والتأمل بالعيش. كلام الرب لا يلغي واقعية الحياة ولكنك لست عبدًا للواقع. تسكب عليه دائمًا الرؤية الإلهية. أنت وُلدت في الأرض ولكن أعماقك تأتي من السماء. وإذا نزلت من السماء تصعد اليها. أنت حراك بين السماء والأرض ولكنك تبقى مشدودًا الى فكر المسيح الذي “أخلى ذاته واتخذ صورة العبد. وتواضع وأطاع حتى الموت على الصليب” (فيليبي ٢: ٨). ففكر المسيح فينا يعني اولا قبولنا للرب بالإيمان ومن بعد ذلك السلوك بالأعمال الصالحة.

الإيمان والعمل الصالح معًا هما ينبوع القول الأحد لأننا نتكلّم من مصدرين مما أخذنا اولا من كلمة الله وما ألهمنا به العمل الصالح الذي نتممه. هذا هو ايضًا مصدر للفكر فالإيمان يؤتينا العمل والعمل الذي تثمره الفضائل يصير عندنا مصدر فكر مستقيم.

الفكر الصالح وان صدر عن الفرد انما يأتيه من الإلهام الذي جاءه من الصالحين. عندما نتكلم عن استقامة الرأي التي تترجم الكلمة اليونانية “أرثوذكسية” نفهم انها فكر الأنقياء المستنيرين بالإيمان القويم والذي تُمارس به الأعمال الصالحة.

الإيمان ليس عملا فكريا مجردا. هو نفحة إلهية فينا مدعومة بما ورثناه من القديسين والآباء الأوائل. هو ما نزل على الجماعة المصلية كلها. يعبر عن صلاتها. القديسون عندهم إيمان واحد لأنهم أخذوا فكرهم من الإنجيل الواحد والصلاة الواحدة ولكونهم تمرسوا بالفضائل الإلهية الواحدة. هذا هو فكر المسيح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت 17 آب 2013

صمنا مع مريم لله في هذا الصيف لأننا اذا ذكرناها في إقامة أعيادها انما نختلي بهذه الصوامة الكبيرة لتطهير النفس والشوق المريمي الى الله. مريم تنتظرنا للتطهّر معها اذ ليس لها انتظار آخر. لكونها كانت اما للسيد امست أم جميع الذين يحبونه من اي حي روحي كانوا. نحن جميعا حيزها وبها نتقبل الله اي ننقطع عن اي ما كان غير إلهي. المسيحيون منا مريميون وبعض من الموحدين الآخرين يذوقون مريم لكونهم لامسوا المسيح. هي تجالس الناس اذا دنوا منه او هي معهم اليه لأن من ذاقت نفسه الحب الإلهي يقدر ان يذوق مريم.

يلفتني دائما ان لوقا لما تكلّم عنها قال الله به: «وأنتِ سينفذ سيف في نفسك» اي انك ستعرفين الآلام برؤية ابنك مجروحا. ستكونين شريكة المصلوب في القدر الذي يعطيكِ. وأنت معنا في كل اوجه حبنا له. لما كنتِ واقفة عند صليبه كنت تتألمين من اجلنا. مشاركة الآلام هي مشاركة الفرح. في وجه لا يعرفه الا الخاصة انت تحمليننا كما حملته.

نحن نقول في الكنيسة ومع الآباء انك حواء الجديدة. في الدقة اللاهوتية نحن مولودون من المعمودية ولسنا مولودين منك الا اذا قلنا اننا لما كنا في المسيح عند ولادته رجونا ان نجيء منك. فأنت مع كونك والدة السيد في الجسد جئت منه بالروح القدس ونحن في صورة سرية ننحدر من احشائك. لا يفهم هذا الا من تمرس في الحياة الروحية ونما في الذوق الالهي. وكل مقاربة اخرى باطلة.

أنت تلديننا بعذريتك والعذرية وحدها تلد. والمراد بهذا انك ان جئت فقط من الله فأنت أُم لذرية جديدة هي ذريته. عندما نقول ان العذرية وحدها تلد نريد بها عذرية الروح اي مولوديته الوحيدة من الله. من جاء من غير الله لا يلد. لا يلد الا الذين «وُلدوا لا من دم ولا من رغبة جسد ولا من رغبة رجل بل من الله» (يوحنا 1: 13). الذين يضعون أولادا من أجسادهم هم ككل الكائنات الحية. اما المولود من الله فيلد ناسا إلهين.

الأجساد أجساد. اما من جعلته النعمة ابنا لله فهو مولود من فوق أي ليس من جسد أمه.

مريم تعلمنا اننا نقدر ان نولد من جديد بلا أب وبلا أم، بمشيئة النعمة وان نبقى في الحضن الإلهي. نحن لا نحتاج الى نزعة انثوية فينا لنقيم لمريم مكانة عظمى في نفوسنا. نحن نحتاج الى بتولية الروح اي الى الانضمام الكلي الى الله بلا شرط ولا إضافات عليه. ان اللقاء بالله وحده هو الذي يؤهّلنا لنجعل لمريم مكانة علينا في نفوسنا وهي التبتل لله وحده. التبتل له لا يعني العذرية. انه يعني الانضمام اليه بلا شرك ولا انصهار. بلا شرك بحيث لا نجعل احدا مع الله وبلا انصهار لأن الله لمحبته ايانا يريدنا امام وجهه لا ذائبين فيه.مريم امام المسيح لا تطوعه ولا تطوعنا. ليس في الحب تطويع. انها هادئة، محبة، حاضنة. لذلك نرجو ان يفهمنا اولئك الذين يشكون بأن المسيح عندنا هو المعبود الوحيد. ان يكون السيد لنا كل شيء لا يفضي الى إقصائنا احباءه من حوله. هم لا يضيفون اليه بهاء. هم يكشفون بهاءه.

كل القول اننا نعبد مريم حكي يحكى. نحن لم نكتشفها حقا الا لكونها مختارة الله. ليس لها وجود ازاءه. لها وجود معه اي منه وبه. فمن احبه يحبها ويتعظ بها. من ذاق المسيح حقا يحب مريم ويجلّها ويبجّلها. هذه اشياء متماسكة ان كنا عالمين.

محبتك للمسيح مشعة. هو لا يفصلك عمّن أحبهم. وهو احب امه وتلاميذه. فأنت مخلص له ان أحببتهم. نحن لا نكلّمهم في صلاتنا الا لأنهم هم يكلمونه. نحن لا نخترع صلة روحية بيننا وبين القديسين. هو اخترعها. نحن ورثناها. فاذا شعرنا بمريميّتنا لا يضعف ايماننا بانتمائنا الى الوسيط الوحيد بين الله والناس الذي هو يسوع المبارك.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الأقوياء والضعفاء/ الأحد 11 آب 2013/ العدد 32

لا يجوز أن يفتخر القويّ على الضعيف، فكل قوة روحية عندنا هي من الله. ولا نعرف سر انحرام الضعيف من القوة. لا يحق للضعيف أن يكتفي بضعفه ويعزّي نفسه بقوله انا هكذا. عليه أن يسعى الى ما هو أحسن لأن موهبة الله لا تنزل علينا آليّا إنما تعمل فينا بمؤازرتنا.

في أية حال كنا عليها، نسعى لأن الترقّي ممكن في كل حال. ليس هناك ذروة نبلغها. هناك دائمًا ذروة أعلى حسب قول الرب “كونوا كاملين”. وان لم تكن هناك حالة كمال قصوى، فنحن مدعوّون إلى أن نتخطّى كل وضع نكون فيه إذ هناك دائمًا الأفضل. لم يضع الرب حدًّا للكمال في السعي، في دوام السعي إذ المُبتغى أن نبلغ الله الذي فوق كل سعي.

كلمة الرجاء التي يذكُرها الرسول في هذه الرسالة تعني أن هناك دومًا مستوى أعلى من الذي وصلنا اليه علينا دائمًا أن نطلبه لنتفوّق على الحال التي نحن عليها، اذ لا يجوز ان نتجمّد في الموضع الروحي الذي وصلنا إليه. الوضع الذي يطلبـه الـرب إلينا هو ليس فقط وضعا الى الأمام، الى المستقبل. انه قبل كل شيء، الوضع الذي يريدنا الله أن نسعى اليه.

وليس المعنى أن الأفضل وضع المستقبل ولكن المعنى أنـه الحالـة هي التي يـريـدنـا الرب أن نكـون عليها. وهذا يتطلّب كما تـوحي الـرسالـة “رجـاء وصبـرا”. والرجاء أن نعمل مع الرب، والصبـر أن نستـمـرّ على العمل معـه. فكـرة العهـد الجـديـد أننا شركاء الله في عمله فنُثمر النعمة التي يعطينـا. نحن لا نتلقّى النعمة وننتـظـر أن تثمـر من ذاتها اذ انها تثمر بقبولنا إياها اي بسكب ما فينا من قوى لنلبّي إيحاء الرب لنا فنكـون وإيـاه واحدًا في العمل. نحن بطاعتنا نقـدّم له مواهبنا، وهو يُثمرها، فيكون كل منا، اذ ذاك، شريكًا له. الله لا يغتصبنـا. ينتظـر تلبيتنـا نـداءه وأن نعمـل معـه. لا يعطّـل الله عقلنا ولا يجعل عقله مكان عقلنا. وإذا قلنا ان الرب يُلهمنا، نريد أنه يعمل من خلال إرادتنا.

نحن في الطبيعة شركـاء اللـه. نصبح هكذا بنعمتـه، اي نصبـح بها أقـوى مما كنا وأنجع. الله لا يلغينا. هو يمدّ بنعمته بشـرًا موجـودين. هو يريدنـا معـه. من المسيحية الإيمان بأننا شركاء الله. لقد تنـازل الله الينا في سر تجسّد ابنه ورفعنا حتى نُتمم خلاصنا معـه وبه. هو يخلّص ناسًا موجـودين ويريدهم أن يحفظـوا ذواتهم لا أن يلغـوا ذواتهم، ولكن لا ذات لهم خارجـا عن عطائـه. لا يريد الرب أن يعمل هو كل حياتنـا. يريد هذه آتية من حياته، ولكن يريد لنا وجـودًا ذاتيا وأن نتخذ بعضُنا بعضا. ليس أحـد مع الآخـر إن لم يكن مع الله. أنت لا تكون مع أخيـك ما لم تكـن اولاً مع ربك. معيّتك معه هي التي تجعل لك معيّة مع أخيك، وهو إذ ذاك يراك واحدًا معه.

إن تقوّيت انت به ُ. وحدك لست بشيء. معه تصبح ذاتك حقًّا. لا يمكنك أن تُكمل نفسك وحدك. إن لم تُرِدْه شريكًا لك لا تصل الى شيء. به انت قويّ.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

المواهب / الأحد 4 آب 2013/ العدد 31

نعمة الروح القدس تعطينا مواهب مختلفة يذكر الرسول أوّلها وهي موهبة النبوّة. هذه لا تعني كما يظن الكثيرون موهبة الكلام على المستقبل. هذا جانب منها. انها تعني إيصال كلمة الله عن الحاضر اولاً اي تُبدي ما يطلبه الرب من الكنيسة الآن.

الرب يعطي قوة الخدمـة للقادر على الخدمـة وهي أولاً إعانـة الفقـراء. ثم هناك من وَهبه اللهُ التعليم وفي عصر الرسل هو تعليم الإيمان كاملا اي في كل أقسامه. هو يختلف عن الوعظ الذي يستند الى ما يُقـرأ من الكتـب المقدسـة ولا سيما نصوص العهـد الجديد. اما في الوقت الذي كُتبت فيه هذه الرسالة، فالأناجيل لم تكن قد دُوّنت، ولذلك كان يستند الوعظ على كتُب العهد القديم وربما على ما كتبه بولس قبل رسالته هذه مثل الرسالتين الى أهل كورنثوس. ونحسب أن ما قرأه أهل كورنثوس من بولس وزّعـوه على كنـائس اخرى. هذا كـان طبعًا على أساس أن ما استلمته إحدى الكنائس خصيصًا لها كانت تشعر أن عليها ان توزّعـه على كنـائس اخرى. وهكذا بمرور الوقت، صارت كل كنيسة في القداس الإلهي تقرأ على المؤمنين ليس فقط ما استلمته هي على وجه التخصيص ولكن تقرأ ما أَخذَتْه عن كنائس اخرى. فما من شك مثلا أن كنيسة كورنثوس التي استلمت من الرسول رسالتين وزّعتهما على الكنائس المجاورة. وهكذا باتت كل كنيسة تقـرأ ما استلمته هي من الرسول ومن تلك التي استلمتها كنائس اخرى وهذا كان يتم بالتـوزيع.

الواضح أن بولس تكلم عن مواهب مختلفة. فالخدمة (الاجتماعية) موهبة، والوعظ موهبة اخرى. وغالبا ما كانت كل كنيسة تحصل على المواهب التي استلمتها كنيسة اخرى. فالخدمة لم تكن محصورة في كنيسة واحدة، وما كان الوعظ محصورا، ولا الصدقة محصورة، ولا الإدارة. كلها مواهب وزّعها الروح القدس على كل الكنائس. ولكن في كل كنيسة من وهبه الله موهبة التعليم ومن وهبه مشاركة الفقراء. وتكون هكذا هذه الكنيسة تمتاز بقوة التعليم وتلك بموهبة العطاء. ومع الوقت صارت كل مواهب الروح القدس تنزل على كل كنيسة، فتظهر هكذا مثلا كنيسة الاسكندرية مُحبة للفقراء وكنيسة القسطنطينية قوية بالتعليم. «الروح يهُبّ حيث يشاء» ويوزّع المواهب كما يشاء.

كل المواهب تأتينا من المحبـة ويهـب الـروح القدس هذه الموهبـة لهذا وتلك الموهبـة لذاك كما يرى هو. والروح الإلهي فعّال في هذا بطريقة وفي ذاك بطريقة. والطرُق مجتمعة تكشف عمل الروح في هذه الكنيسة او تلك.

ما يؤكده بولس بعد كلامه عن المواهب أن المهم أن نكون «حارّين بالروح (اي بالروح القدس الساكن فينا)، عابدين الرب» بقلوب طاهرة لا بالشكل الظاهر، مجتهدين، صابرين، مواظبين على الصلاة، «مؤاسين القديسين (اي الفقراء) في احتياجاتهم». هكذا كان بولس ينعت الفقراء بالقديسين لأنهم أَعطوا نفوسهم للرب. وكان يهمّه جدا إضافة الغرباء الذين يجب ان يشعروا انهم إخوة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الحياة الجديدة / السبت 3 آب 2013

كل كتابة حاجة لشعورك بأنك موجود اذا سمعك ناس. طبيعة الإنسان شراكة. كل منا يشعر انه مواجه (بالفاعلية والمفعولية). ليس من فرد مغلق. أنا أفهم تأكيد الثورة الفرنسية للفرد اذ رفضت التبعية للملوك ولكنها أكدته قائما في الجماعة. الجماعة ليست الجمهرة. انها التلاقي أي وجود واحدنا في اللقاء. اللقاء ينعت الواحد، يؤكده اذ ليس أحدنا قائما الا مع الآخرين وبهم. ذلك انك وجه، أي في حالة دائمة من المواجهة.

الآب عندنا يؤكد الابن وروحه والابن يؤكد الآب. الثالوث ليس تراكما. هو مواجهة ولذلك كان حبا وكان وحدة. الكاتب من اضطره داخله إلى الكتابة، من ينوجد اذا قال. أنت تكتب لمن أحبك والا لما فهمك أحد. ما من وجود الا بالتلاقي. هذا ما يسميه المسيحيون الكنيسة. ما من حياة بتراكم الأفراد. أنت تحب أو أنت تصطدم وكلاهما لقاء. أنت لا تبغض الآخر الا لأنك تؤكده. وقبل ان تمحوه تقر به. البغض اعتراف بالآخر على طريق الموت أو في استمرار الحياة. القبول أو الرفض كلاهما اعتراف لأن الحياة شركة تريدها أو تبغضها ولكنها قائمة من حيث هي شركة.

لا يحيا احد في عزلة. من اعتزل يعتزل عن ناس يكرههم أي يعترف بوجودهم. من قتل لا يقتل الا لشعوره بأن المعد للقتل يتمتع بوجود هو يكرهه. كلمة جماعة ذات مفهوم نفسي أو إنساني لا تجد مدلولها بكلمة مجتمع التي تفيد، عادة، العدد. الناس ليسوا عددا. بينهم إنس أي تعارف وهو الإيمان بشيئين بإستقلال كل وجه وباجتماع الوجوه.

الإنسان وجه يَرى (بفتح الياء) ويُرى (بضم الياء) أي انه مع ناس يتلاقون. البغض نفسه تلاق على نوع. الناس غابة، الفرق بينها وبين غابة الشجر ان هذه لا تعي وتلك تعي تلاقيها. الإنسان السوي من عرف انسانية الآخر أي فرادته وقيمته وقدرته على العطاء. والمعطون متلاقون وأحيانا متحابون. المجتمع ليس تراكما. انه اتحاد بل وحدة.

ليست الوحدة وصية فقط. انها وجود في طبيعتنا. لذلك كنا في مفهوم القرآن أمة وفي المفهوم المسيحي كنيسة وللكلمتين مدلول واحد. والمجتمع الذي لا يصبو إلى ذلك شرذمة. المجتمع ليس معطى الا ابتداء. انه يصير بالحب والا كان ركام بشر لا هوية لهم.

يصبو المجتمع ان عرف طبيعته ان يصير كنيسة ولا أريد بها حصرا مدلولا مسيحيا ولكن كل كيان عضوي ينزع إلى وحدته في الحب. خارج الحب إحصاء. كل مجتمع مشروع لقاء للقلوب والا كان مجموعة مهن. الناس اذا انفردوا غابة بشر. لا يصيرون مجتمعا الا اذا تلاقوا بمقدار من المحبة فالتعاون. فكرة النقابة العصرية تقوم على مشاركة أبناء المهنة الواحدة. فكرة التنافس نفسها غايتها التعاون، والارتقاء من أجل التعاون. تلاقي أهل المهنة الواحدة في سوق واحدة في القرون الوسطى الاوربية أو عندنا ليست قائمة على التنافس ولكن على المشاركة. وابتغى الناس من وراء التنافس التعاون.

النقابة ولو تضمنت فعليا التنافس بين أهل المهنة انما تسعى إلى جمع المهارات لإبراز المهنة وما وراء ذلك التعاون. شرط التعاون المحبة التي هي الاعتراف الأساسي بضرورة الآخر لك، لحياتك ولشعورك.

كل هذا الكلام يعني المشاركة التي في عمقها تعني انك موجود اذا أحببت. بكلام آخر أنت قائم بالآخر، مصون بوجهه اذا رأيته واذا رآك. أنت اذا أنكرت نفسك وأحببت أي اذا سكبت نفسك في الآخر تنمو والآخر ينمو. ليس انك تنكر وجهك ولكنك تعي ان وجهك قائم ليرى الآخر وليراك هو. ولتصيرا حسب منطوق الكتاب «جسدا واحدا» وفي اللغة الحديثة وجودا واحدا.

أنت تحب اذا رأيت نفسك قد جعلت الآخر يسعى إلى الله في كل إنسان. أنت تحب للآخر ان يصبح كما يجب ان يكون أي قائما في الحب لكي يبيد أنانيته. من أحب نفسه فقط يموت في أناه المنغلقة. من أحب الآخرين لما يجب ان يصيروا يذهب بهم إلى الأسمى المشتهى ويصير هو نفسه إلى هذا المشتهى.

ما لم يكن تحركك إلى الأسمى تكون في تحرك حول ذاتك فلا تنتج شيئا. ما فوقك يعطيك أي ينزل عليك نعمة.

عندما يدعوك الإيمان إلى ان تنسى نفسك هو لا يدعوك إلى إهمالها ولكن الا تموت في الشغف بها. يريد انك ترفض تقوقعها لتسمو بها إلى معانقة كل النفوس بالله وفي الله. ذلك انك تتحقق بالرب الذي يفوقك، تمتد، تطول. هذا هو الخروج من الاختناق بالأنا. هذا هو معنى كلام السيد «من أراد ان يخلص نفسه يهلكها ومن اهلك نفسه من اجلي يجدها» (متى 16: 25).

أنت موجود بالآخر بمعنى انك ان درت حول نفسك تختنق. أنت غير موجود بتأكيد نفسك. أنت موجود برؤيتك الآخر وتكونك بهذه الرؤية. أنت موجود بخروجك من رؤية وجهك بالمرآة ورؤية الآخر كما يراه الله أي بالمحبة. كل ما كان غير رؤية المحبة للآخر استيلاء عليه.

يوجد الإنسان بما يعطي لا بما يأخذ الا اذا أخذ بالحب. الناس معية بمعنى ان كلامنا يعطي ويعطى. بلا هذا التبادل ليس من مجتمع. المجتمع هو التلاقي وفي أعلى مراقيه هو الحب. التراكم مشروع دولة ليس مشروع محبة بحيث انك لا تأخذ حقا الا اذا بذلت نفسك. وما طلبه الله بفم مسيحه ان تعطي حتى النهاية أي ان تبذل حياتك ليحيا الآخرون فيحول عطاؤك تلقي حياة جديدة لك وظهور الله بك.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

مناداة الله/ الأحد 28 تموز 2013 / العدد 30

لكون الله حدّثنا بالكتاب نكلّمه نحن ايضًا بصلاتنا التي بها نحسّ بها او التي نؤلّفها. هو يريد جوابا من كل واحد لما قاله له. الجواب، إن أحببنا، يمكن أن نأخذه من كتب الصلاة او نضعه نحن. الرب يريدنا أن نسعى الى حوار معه. غالبا ما نستمدّه من الكتب الطقوسية، وهذا لا مفرّ منه اذا استعملنا هذه الكتب وتقيّدنا بها. ولكن صلاتنا الفردية لنا أن نؤلّفها. غير أننا كثيرا ما نؤْثر كلام الرُتب الطقوسية المستعملة في الكنيسة لشعورنا بأن الأقدمين الذين وضعوها أَلهمهم الله اياها. هذا حسن. ولكن لنا في صلاتنا الخاصة أن نضع الكلمات التي نشعر ان الحُب يُلهمنا اياها. الطريقتان ممكنتان والرب لا يفضّل طريقة على اخرى.

المألوف والمضمون أن ما وضعه أسلافُنا في كتب الصلاة نافع لنا. طبعا اذا تلوْنا من كتُب الصلاة ما هو موضوع للسحر او الغروب او سواهما فهذا حسن، ولكن لنا أن نستقي كليا او جزئيا عمّا موضوع وأن نُكلّم الله صباحا ومساء حسب شعورنا في الوقت الذي نصلّي فيه. خبرة العارفين تقول الأفضل أن تختار شيئا من النصوص الموضوعة وأن تضيف عليها ما تؤلفه حسب حاجتك الروحية في الوقت الذي تصلي فيه لأن كلامك الى الرب يتبع احيانا الشعور الذي تكون عليه. فالسؤال الذي تسأل ربك الليلة قد يختلف عن ذاك الذي سألته بالأمس بسبب تغيير حاجتك. اذا لم تتقيد بالصلوات الموضوعة كليا لهذا المساء او ذاك، تعبّر عن حاجتك بالكلام الذي يُلهمك الله به لأنه يريد هو هذا الكلام. اذا لم يُلهمك شيئا جديدا، تأتي بالكلام الذي يصعد من قلبك. المهم أن تفهم ما تقول وأن تحسّ بالكلام الذي تؤلّف لأن الصلاة حوار ويحب الرب كثيرا ما تقوله له حسب شعورك في هذا الوقت او ذاك.

أحيانا كثيرة تُضطرّ ان تقول كلمات لا تعيها كلها او لا تحسّ بها من كل قلبك. ليس هذا بالأمر المهم. انت تتكل على كتُب الصلاة التي عندنا. احيانا تحس بها كثيرًا وأحيانا قليلا. المهم أن تؤمن بما تتلوه، وقد لا يرافق هذا شعور مستفيض. المهم قبولك لهذا الكلام وطاعتك له.

التوازُن في أمر الصلاة الشخصيّة -خارج الطقوس-أن تفهم ما تقول وأن تنتبه الى ما تقول حتى لا يفوتك معنى أراده الله لخلاصك. والمهم مع التوازن تواصُل صلاتك صباح مساء وألا تُهمل أية صلاة اعتدتها انت في هذا الوقت او ذاك.

لا تنسَ انك تُناجي الله، أي كائنا عظيما لا يقبل المُزاح ولا الإهمال ولا تكرار الكلام بلا فهم ولا تمعّن. تابع دائما بالفهم لأنّ الله إله الحكمة اي الفهم. أحيانا تُدركُ أنك لم تُحسّ بالكلمات التي تلوتها. لا تعُد اليها. تابع لأن كل هذا كلام الله. المهم ألا تنسى انك وضعت نفسك في مهابة الله، واذًا لا تُثرثر ولا تهمل متابعة المعاني لأن الله إله المعنى لكونه أوحى للقدماء المعنى، اولئك الذين وضعوا صلواتنا.

آمن في العمق أن أعظم عمل تقوم به أن تُناجي الله. هذا يتطلّب رصانة عقل وانتباه قلب وان تستوعب كل حكمة تقولها. لذلك لا يمكن أن تكون رخيصا في صلاتك، مهملا لمعانيها. اجمع نفسك بكل قواها وشُدّها الى الله اذا كنت في حالة الصلاة.

هو لا يستجيب لك إن أَهملت الانتباه اليه. اربط نفسَك به بكل قواك ليربط نفسه بك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

إقرأ / السبت 27 تموز 2013

«إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم اذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لا يعلم. علم الإنسان بالقلم» سورة العلق (1 و2). قراءتك لهذا النص المعتبر منزلا واذا عرفنا ان الاسم في المعاني العبرية يعني القوة أو الحضور، قراءتك لاسم الرب أسلوب لتقول اقرأ الرب اذ يستدخلك كيانه لتعرفه بالحب. الاسم عند العبرانيين هو الذات فالمبتغى ان تقرأ الرب نفسه أي ان تعرفه بما يعطيك من ذاته والا تكون قد اسقطت عليه ما تقوله عنه والمبتغى ان يسقط عليك ذاته.

أنت في واقع ضعفك تقرأ عنه والمطلوب ان تقرأه بالحب وكل تفسير لا يكشف لك حبه جزئي أو ضعف. ان تقرأ هو ان تصير أنت ما تقرأ أو ان تلاصقه كأنك صرته.

إقرأ الماضي الذي تجلى الله فيه. لا تقرأ الخطيئة لأن فيها العتاقة. إقرأ الله في ما مضى وفي ما حلّ عليك اليوم وفي ما تتوقعه منه غدًا وفي كل زمان. إقرأ أي اسع إلى كل حق تجلى قديما ويتجلى عليك بالحب. لا تخف من الكتب. فيها الغث والثمين لأنه من الممكن ان يتجلى فيك الحق. المهم أبدية الحق لا زخرف ما مضى وما يصير. لا تقرأ فقط ما يرضيك ولكن ما ترضيه حتى تصبح من الحق الذي تجلى اذ تتجلى فيه الآن. أنت لا تأتي من الأقدمين من حيث مضوا ولكن من الحقيقة التي كشفوها لك. وهنا لا فرق بين ما غبر وما يأتيك اذ لا يسوغ ان تأخذ الحق مما مضى فالحق لا يمضي. انه يثبت ويجعلك خادمًا له في الأيام الآتيات. الذين سبقونا فيهم حق وفيهم باطل. تمسك بالحق واترك الباطل اذ تحيا انت من الحق الذي تتقبله بإيمان. لا تأتي أنت ممن مضوا ولكن من الحق الذي كانوا عليه اذ لا يمر عليه زمان.

لا تقدس الماضي الا من حيث حمل الحق. في الماضي جمالات كثيرة وباطل كثير. لا تجعل الباطل يغريك. أنت ثابت في ما ورثته من ربك. الأقدمون ليسوا بالضرورة مرجعًا. فيهم خطايا كما عليهم بهاء. اذ عرفت هذا من الله اقتبسه. بعد هذا نقرأه فيك. أنت لست وريث الماضي الا اذا شئته حالا فيك. أنت وريث الأبدي الذي لا يحول. إقرأ القداسة فقط. قيمها لا تتغيّر. قد يهزأ بك الساخرون ان فعلت لأنهم يكرهون الحقيقة التي تفضحهم. هم يبيدون كالهباء الذي تذريه الريح عن وجه الأرض والحقيقة التي أنت تحمل باقية وتبقيك. الحقيقة لا تخضع لأزياء الزمان العابرة. أنت تصير إلهيا ان تجاوزت الأزمنة إلى ما هو نازل عليك من فوق.

إقرأ الخيرين الذين مضوا ولكن خيرهم لم يمضِ. عاصر أهل الحقيقة الذين لا يمر عليهم زمان. اذ ذاك أنت برؤية الله أبدي مثل كلمته. هو يجعلك كلمته أي كائنا منه. الحقيقة التي فيك ترفعك فوق كلّ زمان.

نحن اذا تحدّثنا في الكنيسة عن التراث لا نكون مجرد مجترين للماضي. الماضي فقط قد استحليناه. ليس لما مضى قيمة الا اذا حمل حقيقة أبديّة. ليس للزمان مكانة في الحقيقة. هو يأخذ منها كلّ قيمته. الحقيقة ليست حقيقة لكونها من زمان سبقك. هي كذلك لأن الله قالها مباشرة أو بمن فوّضهم قولها.

الماضي يحمل جمالات القديسين أو أهل الفكر اذا جاء على الاستقامة. نحن لا نقدس التراث لمجرد انه عبر قبلنا. نحن نقدس الحق في التراث.

لا نقرأ الفكر الا لحفظ الخير منه. لأن الخير هو الحق. ولكنك مضطر إلى قراءة كل شيء لئلا يفوتك خير في ما حفظته الشعوب.

إقرأ مما تيسّر لك من التراث لأن الحقيقة في الكثير مما تركه لنا الأقدمون ولكن لا ينحصر التراث في ما ورثته من آبائك. كلّ عظام التاريخ آباؤك. والأقدسون منهم هم الأهم.

قوّم فكرك بما قاله الصالحون. هذا هو الميراث الحق. آباؤنا من كل مكان ان كانوا أهل الحق. الله ترك آثاره في عقول كل الشعوب. لا تتعصّب لقومك ولا لأهل الفكر في قومك. الحقيقة وحدها موطنك ومصدر فكرك وحياتك.

إلى جانب تراثنا الايماني خذ الحقيقة من حيث استطعت وتمسك بها كاملة ولو ذقت الأشياء الجميلة في كل تراث. يجب ان تحب الحقيقة حيثما وجدتها. اجعلها مالكة لك لأن الملك لله وللحقيقة المنبثقة عنه. في كل ما تقرأ فتش عن الحقيقةلا عن زخرف القول. كل قولة حق هي من الله. تمسك بها لئلا تموت روحيا. الحقيقة هي وجه الله. اسعَ إلى الله. فيه وجودك وبهاؤك. به تقرأ كل ما هو جميل وحق وخير وبدونه ليس من شيء.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

إقرأ / الأحد 21 تموز 2013/ العدد 29

يقول بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس: «اعكُفْ على القراءة والوعظ» (1تيموثاوس 45: 3). يحث الرسول تلميذه على قراءة شخصية للكتاب ولا يرتضي فقط أن يستمع الى ما يُتلى في الكنائس.

فالكتاب المقدس جاء عنده لنطالعه شخصيا ونستدخله كياننا بالفهم والحب. لا يكفي تاليًا أن نستمع الى كلمة الله في الكنائس. يريد أن يقرأها كل واحد لنفسه وأن يسعى الى تفهّمها بما تيسّر له أن يسمع في الكنيسة.

ويقول بولس هذا لتلميذه المدعوّ الى أن يُعلّم. انت قادر أن تُعلّم دائمًا لأنك تقرأ على الدوام اذ بالقراءة تُجدّد فهمك وتُعمّقه. ولا يرتضي بولس أن تقرأ قليلا او من وقت الى آخر ما شئت وما حلا لك اذ يقول: «اعكف على القراءة» ثم يقول «اعكف على الوعظ» فإنك قادر عليه فقط إن قرأت. فالواعظ الذي لا يقرأ يتذكر ما قاله سابقًا ويُردّده. اما إذا قرأ دائمًا، فيُصبح الكتاب الإلهي عنده ينبوع فكر وينبوع حياة. فالكتاب الإلهي ليس فقط كلمات نُكرّرها ونجترّ معانيها. المعاني تفيض دائمًا أي تأتيك من مصدرين: من النص الإلهي بمعناه اللغوي الظاهر، وبالمعنى الذي يُلهمك إياه الروح القدس. النص حيّ لأن الكلمات حيّة بالروح القدس الذي فيها.

«إقرأ»، ولم يقل «اكتف بما قرأت» لأن الروح الإلهي يُلهمك دائمًا إذا أَطعته، وإذا قرأت تتقدّس ويزداد فهمُك. الكلمات الإلهية ليست جامدة فإنها كلمات الروح، وتصبح لذلك مجدّدة نفسك. هناك قلة من الناس استظهرت كتاب الله. هذا لا يكفي لأن الكلمة جديدة بإلهام الروح، وهي تجددك إن أنت قبلتها. كلمة الله ليست رصفًا من الكلام. انها ينبوع. لذلك تجدُ دائمًا، إن أنت تتقدّس، الجديد في كلمة الله. دائما تكتشف معنى جديدا لما كنت تظنّ نفسك عارفه. النص الإلهي يحتوي حياة أبدية اذ به تعرف المسيح الذي يقول بولس انه حياتنا. الكتاب حياة مخزونة في الكلمات المقروءة. فكلما قرأتها يفيض منها ينبوع تحيا انت به، واذا حييت تُجدّد الآخرين.

إقرأ لأن ربك يقول لك دائما أشياء جديدة. تطلع كل كلمة او آية بمعان ماٍ كانت مكشوفة لك في الماضي. ما كتبه عظماء الكتّاب والشعراء لا يكون لك جديدا. ما قاله الله جديد لأن الله جديد ويريد أن يجدّدك بكلامه. لذلك كثيرا ما أتتك الكلمات نفسها بحياة ما كنت تحسب لها حسابًا. فلا تضجر من قراءة مجدّدة لنصوص تظنّ أنك تعرفها لأن الكتاب المقدس ليس كتابا جامدًا. يحرّكه الله لك كلما رأى أن نفسك تطلبه. هذا يعني انك لن تفهم شيئًا مما تقرأ ما لم تكن تائبًا اي راغبًا في محبة الله وطاعتك.

إقرأ ولا تملّ ظانًّا أنك حفظت، فالكلمات إن استعدتَها تتجدّد فيك حيويتها.

إقرأ كل يوم لأنك تجوع الى الله كل يوم، ولا تتّكل على قراءتك الماضية فكثيرا ما تلحظ ان قراءة جديدة تأتيك بحياة جديدة.

المهم أن تُعاشر الرب. وكتابه مَحَلّ لعشرته. انت طالب الله اي طالب لكلمته وليس فقط لمشاعر فيك. انت تزداد محبتك للرب إن عرفت كلماته لأن الله في كلماته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

البلد / السبت 20 تموز 2013

أنت وليد البلد ولست فقط مولودًا فيه. أنت تجيء من تاريخ ومن حاضر. ان كنت من لبنان أو مشرقيًا أنت محمول في ثناياك ومشاعرك وتطلعاتك. أنت محدود بالبلد وحامله بآن. تأتي اليه وان كنت عظيما يأتي اليك. أنت من جسده وعلى قدر إحساسك به تأتي من تاريخه وتذهب إلى آتيه. تحيا به اذا أحسسته كثيرًا أو قليلا. لذلك ليس له من بديل فيك. إلى حد ما هو مكونك وان صرت عظيما تكونه. وكما تأتي من حشا امك ومن إرثك كله ولو كنت روحيا عظيم الاستقلال بما يحيط بك.

ما من انسان منعزل عمن جاء بهم وعما يحيط به. على صعيد النفس المتصلة بسائر النفوس ما من عزلة أو فردية. الإنسان جماعي التكوين أو شركوي. يعرّفه انتماؤه إلى جماعة وهي تعرف بانتمائها إلى عظمائها. كل منا يحافظ على شخصيّته الروحية في ملكوت السموات وفي مواهب الروح الإلهي. البلد، أولا، جماعة قائمة في تعدد المواهب والتقائها. والجماعات الصعيرة كذلك. أنت لست في كل ولست جزءًا من كل. كلّنا فريد وبعض من الجماعات الموهوبة فريدة في كليتها.

البلد هو كل الجماعات متعاونة، متحابة. هو ميراثنا أي ماضينا الحي فينا وتوقنا إلى المستقبلات الصالحات. ولعلّ ما يزيدنا فعاليّة وبهاء تلاقي كل الصالحين والفاهمين والمريدين بناء مجتمع واحد متلاقية فئاتها وحركاتها الصالحة ابناء وطن. البلد موروث تاريخا وتوق إلى مستقبل له فاضل. صح انه متعدد ولكنه كذلك على رجاء لقاء كل جماعاته بالسعي الكبير والانتاج الطيب. اذ لا يصح الكلام عن التعدد الا بالكلام عن المواهب المختلفة المتلاقية بالإبداع.

وقد يزيد لبنان جمالا اذا سعت هذه المواهب المختلفة إلى توحدها في العطاء وتكاملها في السعي. هذا هو الانصهار الحق أو الانصهار هو تلاقي الألوان في تعددها ووحدتها بآن.

ليس من بلد ينشئ تعدده. يرثه من مواهب الأجيال السابقة واختلافها في إرادة وحدتها. وعندنا ان ادياننا مصادر مواهب متنوعة. ان تقول جماعة دائما قولا واحدا نوع من أنواع الببغائية. الوحدة في التناغم أي في تعدد الألحان المتلاقية في أصوات مختلفة ولكنها كلها جميلة.

وان تعدد الأديان والمذاهب فيه غنى روحي وحضاري. والحضارة بنت الروح المتجلية الخلاقة. ومن قرأ الأديان عندنا في الحق يكشف فهما يغنينا جميعا. ان يقرأ المسيحي الخاشع الإسلام على حقيقته وفي سمو كباره لمن الاثراء العظيم لنا جميعا. وان يقرأ المسلم المسيحية في صفائها لإغناء لنا جميعا أيضا. أنت غني في ما تقول ولكنك تستغني أيضا بما يرثه عمقك من التراثات الروحية التي عليها نقوم. الينابيع تتلاقى في ما تصب أي في النفوس العطشى إلى الحق.

أنا لست بقائل بوحدة الرسالات في ما تقول اذ لا تقول هي الشيء الواحد. أنا أقول انك ان فتشت عن الحق تجده في ما أنت تفتش عنه. انت بهي بما تسعى اليه اي في حركة سعيك أو تحرك قلبك ليس كل ما كتب واحدا ولكن الحق الذي تتوق اليه القلوب واحد وهذا ما بعد الكلمات أو قبلها. لذلك نقول في اللاهوت المسيحي المعاصر ان من كان على غير ديانتك ان كان طاهرا لله يقرأ الله حيثما سعى اليه لأن الله في السعي أيضا.

البلد ليس حدوده. البلد أهله. فان كنت من أهله حقا يقرأ حبك لهم ما يقولون. وحبك لهم يكشف لك ما يعنون في ما يقولون.

والبلد ليس جغرافيته. هو ما يقوله أهله انهم ورثوه من أسلافهم الصالحين وما يقوله الصالحون فيهم اليوم. البلد ليس لقاء طوائف. هو لقاء الصالحين من كل الطوائف لأن كل هؤلاء هم بمعنى ما ملة ابراهيم. والتعريف عن ابراهيم في كتبنا انه آمن بالله وحسب له ايمانه برا. البلد، قلت، ليس مدى. انه اعتراف بالحق وقولة حق إلى ان نصبح فقط مدى الله في قلوبنا وفي ما نعلّمه. ما ليس قولة الله في أفواهنا ليس بشيء. الحق ما ينزل على شفاهنا من الرب. بعد هذا نصير بشرا سويًا.

واذا غدونا كذلك نصبح مدى الله ويصير الله معروفا بنا. الله ينكشف بعباده اذ يتكلّم على وجوههم وفيما ينطقون به من حق.

البلد من هذا الحق الهي أو ليس من مدى إلهي في هذا الكون. الله يمحو بلدا ليس فيه حقه حتى يصير الله «كل شيء في كل شيء».

Continue reading