Author

Aziz Matta

2004, مقالات, نشرة رعيتي

أحد النسبة/ الأحد في 19 كانون الاول 2004 / العدد 51

هو الأحد السابق للميلاد يحتوي على “شجرة العائلة” التي وُلد منها السيد وعلى رواية الميلاد. غاية إيراد نَسَبِ المخلّص عند متى الذي وضع كتابه لليهود وللهيود المتنصرين ان يبين لهم ان يسوع هو ابن داود ليقول انه وريث الملك ولكن ملكه روحي. ثم ليقول انه ابن ابراهيم ابي المؤمنين والذي انحدر منه يهود ذلك الزمان (يهود اليوم ليسوا معظمهم اولاد ابراهيم). كان هّم متى ان يدل ان يسوع بشر حقيقي وثمرة السلسلة التي ورد معظم اسمائها في العهد القديم.

            من اول الكلام يُظهر متى ان يسوع هو المسيح. كلمة “المسيح” هي صفة ليسوع. وردت في الكتاب ووردت عند علماء اليهود وكانت تعني عندهم منقذ اسرائيل الذي يأتي في آخر الأيام ليقيم العدل ولكنه ليس المخلّص بالمعنى الروحي. المسيح مخلّصا من الخطيئة والموت فكرة مسيحية صرفة.

            السلسلة اوردت ثلاث مراحل، الاولى من ابراهيم الى داود، الثانية من داود الى جلاء بابل (لأنه حدث مهم في تاريخ اسرائيل)، والثالثة من جلاء بابل إلى المسيح. اربعة عشر جيلا في كل واحدة، والرقم 14 هو رمز داود التي تكتب في العبرية بلا ألف. رمز الدال 4 ورمز الواو 6 في ما يسمى عندنا علم الجمَّل. الحصيلة 14. فرتب متى السلسلة هكذا مستقيا الأسماء من العهد القديم.

            الى ذلك اورد اسماء اربعة نساء: تامار، وراحاب، وراعوث، اما الرابعة فلم يذكر اسمها ولكنه ذكرها بقوله “التي لأُوريا”. الاوليان ارتكبتا زنى. راعوث اجنبية، والاخيرة اخذها داود الملك بعد ان قتل زوجها. هذا ليوحي بأن السيد منحدر من جنس بشري خاطئ وان الطهارة هي فيه هو.

            يقف النسب عند يوسف لأن الولد منسوب الى أبيه او المحسوب أباه (يوسف لم يكن أبا لسيد). عرّفه الإنجيلي على انه خطيب مريم اي زوجها حسب العقد الذي كان معروفا عند اليهود بحيث انه ولو لم تقترن به فعليا ترثه. غير انها لم تكن مقيمة عنده. زفافها اي انتقالها الى بيته تم بعد الميلاد وهذا ما يشير اليه هذا الفصل بقوله: “فأخذ امرأته” بمعنى آواها في منزله لتحسب زوجة بنظر الناس. كان لا بد ان يظهر يسوع، لحماية مريم، ابنا ليوسف. اسم يسوع مؤلف من الياء وهي اول حرف من كلمة “يهوه” التي تعني الله بلغتهم، ومن “يشوع” وهو فعل يعني خلّص، يخلص. الاسم كان معروفا عندهم واختاره الآب ليسمي به ابنه على الأرض. اما اسم عمانوئيل (وفيه إيل وهو اسم آخر لله في العهد القديم) فهو اسم آخر للسيد ولكنه لم يُستعمل بالمناداة. غير ان هذا الاسم يشددنا بالايمان ان الله صار معنا بمسيحه.

            ثم قد يأتي السؤال من آخر القراءة: ما معنى “لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر”؟ كل ما أراده متى ان يذكر ان العذراء حبلت في عذريتها. الانجيل يروي هذه الحقيقة بقولتين: “ها العذراء تحبل وتلد ابنا”. والقولة الثانية “لم يعرفها” تؤيد الاولى، ولا يقول شيئا عما اذا جرى زواج فعلي بين يوسف ومريم بعد الولادة. انه يؤكد عدم وجود تواصل بينهما قبل الميلاد ولا يهتم لما جرى بعد. الأمثلة عديدة في مخاطبة الناس بعضهم بعضا ،فاذا سألتك: هل كنت امس حتى الظهر في بيتك؟ وقلت لي: نعم. تكون مجاوبا عن سؤالي. انا ما سألتك عما فعلت بعد الظهر، وانت اجبت عن سؤالي ولم تكشف لي عما فعلته بعد الظهر. هاجس متى لم يكن ان يروي شيئا عن حياة مريم بعد ولادتها يسوع. كان هاجسه ان يؤكد الميلاد البتولي.

            اما كونها “الدائمة البتولية” فهذا نعرفه من اعتقاد المسيحيين الموثق مند القرن الثاني للميلاد وما نحن نردده في العبادات وما أكده المجمع المسكوني الخامس. وهذا عندنا نحن الارثوذكسيين جزء من معتقدنا. هذا هو تقليدنا او تراثنا.

            اليوم يزداد تهيؤنا لميلاد الرب الذي ظهر قديما بالأنبياء والآن يظهر لنا بشخصه لابسا جسدا مثلنا ومتخذا كل اوضاعنا ما عدا الخطيئة. الآن نحن نولد ايضا، اذا شئنا، بالتواضع وانكسار القلب. الآن نصير فقراء اليه لأنه هو إله الفقراء. واذا صرنا الى وداعته وحلاوة نفسه نقدر نحن ايضا ان نُظهره في العالم لأن المطلوب ان يولد يسوع في كل قلب. ما يَسُرُّ الله هو عيد موصول في النفس البشرية العائدة اليه.

Continue reading
السيرة, اليوبيل, مناسبات

الكاهن أيقونة / ذكرى خمسين سنة لرسامته الكهنوتية، دير سيدة النورية، 18 كانون الأول 2004.

أيها الأحبة،

تذكَّر بعض الإخوة أنه مرّ عليّ خمسون سنة من القسوسية. فرغبتُ أن تأتي التلاوتان، الرسائل والإنجيل، مناسبتين لأتذكّر وأتوب. وما وددت أن أقوله لكم هو ما فهمتُ من الكهنوت. وأما ما تعلّمته حقًا فإن الديان الرهيب سوف يكشف لي إنْ تعلّمْتُ. تذكرون أن حزقيال قال ويلات ضد رعاة إسرائيل، وقال إنهم يُهملون الرعية ويَرعَون أنفسهم حتى أنهى إصحاحه الشهير الرابع والثلاثين بقوله إن الله سيبعث داود راعيًا لشعبه. ما معنى هذا القول وقد مات داود؟ فبدا لي أن داود هذا الذي يقصد، إنما هو ابن داود، حتى جاء المخلّص في هذه التلاوة العظيمة من يوحنا يقول: «أنا هو الراعي الصالح»، ثم يقول «الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف»، سأقف عند هذا. «أنا الراعي الصالح» مع ال التعريف المطلقة التي تعني أنه لم يكن قبله راع صالح، ولن يجيء بعده راع صالح.

نحن الذين نُسمّى رعاة إنما نحاول بصورة باهتة جدًا أن نُساهم مع المعلّم في رعاية قطيع يخصُّه ولا يخصّنا. ربما جُرّب الكاهن أن يظن أن الإخوة الذين هم حوله في كنيسته إنما هم رعيته. هذا من باب التسمية. إنهم ليسوا رعيته، إنهم رعية المخلّص. وقدَرُ المخلّص أن يرعانا خلال ألفي سنة مع رعاة خاطئين، أساقفةً كانوا أم قسسًا. وكانت فترات من الزمان، ليست ببعيدة، لم يكن أحد يعرف شيئًا، ولا أحد يُعلّم شيئًا. وما كانت الكلمة تُنقَل، ما عدا هذا الفُتات القائم في الليتورجيا والمعبَّر عنه باللغة الفصحى. مهما يكن من أمر، هناك راع صالح واحد فقلِّدوه ولو بصورة باهتة.

كيف كان راعيًا صالحا؟ أَتخذُ كلمة من الرسالة إلى العبرانيين لأفهم هذا «وإله السلام الذي أقام من الأموات راعي الخراف العظيم ربنا يسوع المسيح بدم العهد الأبدي يُكمّلكم في كل عمل صالح». ومعنى هذا أن السيد المبارك صار راعيًا لـمّا اقتبل أن يصير حَمَلاً لله، أي على هذه الخشبة، فلما سُفِك دمه حبًا صار راعيًا صالحًا. هذا كان الشرط.

لذلك ليس من كاهن ولا أسقف يمكن أن يكون راعيًا كاملاً لأنه لا يستطيع في هذا الجسد أن يحب حبًا كاملاً. ولكننا نسعى. والويل لمن لا يسعى. كيف تكون صالحًا بالقدر البشري الممكن؟ تنظر إلى هذا الذي نسي نفسه على الخشبة ومُحِقَ محقًا كليًا. فمن لا يمحق نفسه محقًا تامًا فهو ليس براع، أي ليس بموجود. قلت لكم، خلال سنوات، الكاهن غاسل أرجل أي إنه مُوحَّد مع الأرض. وهو لا يتطلّب من أحد أن يوقّره. هذا الذي يطلب توقيرًا لنفسه واحترامًا وإمارات تقدير، هذا يظن نفسه شيئًا. والتعظيم يذهب إلى المسيح. فمن لا يُقدّرك كاهنًا قَبّل أنت رجليه لكي يعرف أنك كاهن. قبل هذا لا يستطيع أن يعرفك.

الشيء الآخر الذي فهمته، وهو في هذا الخط، أننا في العهد الجديد لا نعيش على نظام الكلمة، ولكن على نظام الأيقونة. ما معنى هذا؟ العبرانيون الذين لم يكن لهم إله في الجسد كانوا يعتبرون أن الله يُعبّر عن نفسه بكلمات. كانوا بدوًا كالعرب. والبدو يتكلّمون تحت الخيام. ويظنون أن الله بدويّ كبير، رئيس قبيلة. ولذلك يحكي. وكان هذا النظام نظامًا صحيحًا لأن الله كان يعامل بدوًا.

صح أن آباءنا أعطوا قوة كبيرة للكلمة. والسيد نفسه قال «إنكم أنقياء بسبب الكلام الذي كلّمتكم به»، وهذا الكاهن الحقير الذي يكلّمكم الآن لم يركّز أحد مثله في هذه البلاد على ضرورة الكلمة وقراءتها وتمحيصها ودرسها ولا أزال أُركّز. ولكن هذه وسيلة فقط، تربية. أنتم لستم كلمات، الله ظهر في الجسد فأتى المسيح أيقونة لأبيه.

ماذا يقول يوحنا في مطلع سِفره؟ «الكلمة صار بشرًا ونَصَبَ خيمتَه في حيّنا». هذه هي الترجمة الصحيحة. «نَصَبَ خيمتَه» ولكنه لم يحكِ كالبدو. صار إنسانًا في حي البدو. وتاليًا، الذين يحاولون أن يصبحوا رعاة، إن لم يصيروا أيقونات مثله سيظلّون حكيًا يُحكى وأصحاب ليتورجيات رائعة تُدغدغ المؤمنين وتجعلهم يَحسبون أنهم اختُطِفوا ولعلّهم اختُطِفوا إلى لحن. الكاهن أيقونة. فمن رآه يرى الله. ومن لم يَرَ الله مرتسمًا على وجهه لا يستطيع أن يتخذه راعيًا. لذلك وَهْمٌ أن نقول إننا نُعلّم الكتاب المقدس فيمرّ. لا يمرّ. الكتاب المقدس إن لم يصر أنت لا يمرّ. هذا استيهام أكاديميين. لا يمرّ. يجب أن يصير أنت. الحب وحده يمرّ.

ولذلك جاء يسوع ليقول أنتم لا تعيشون وفق نظام الكلام. في الأخير لا تحتاجون إلى كلام، نحن لسنا في الأخير الآن، يجب أن نتمرّن حتى نصل إلى الأخير، وأفتخر بأني أول مذكّر بهذا منذ ستين سنة، أول مذكّر بضرورة الكلمة. ولكن هذا ليس الأخير، هذا قبل الأخير. الأخير هو أن تموت وأنت هنا قبل انقضاء عمرك، أي إنك تسكب دموعك ودمك واهتمامك وحضورك في سبيل الإخوة، لكي يتمكنوا من أن يفهموا ما أتمّه المصلوب. لقد حيينا نحن، نحن حيينا بموته. القيامة كانت كشفًا وبشارةً لهذا الذي حصل قبل ذلك. غاسل أرجل، متواضع ووديع، هذه نتيجة. محبّ حتى النهاية، معلّم كبير. معلّم كبير لماذا؟ لا ليفهموا. الدماغ لا يعبر إلى الدماغ. أنت تُعلّم لا ليتعلّموا ولا ليحفظوا ولكن لكي يصيروا.

فإذا ما خُطَّت فيك خطوط أيقونة، إذا كُتبَت فيك، تكون قد شرعت أن تصير راعيًا لرعية المسيح وتكون هي أيضًا حاولت أن تصير مجموعة أيقونات، آمين.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

أحد النسب / السبت 18 كانون الأول 2004

تقرأ الكنيسة الأرثوذكسية غدا نسب يسوع كما ورد في إنجيل متى ثم تذكر ميلاده. النسب قراءة لاهوتية غاية الإنجيلي فيها ان يبين ان المسيح ابن ابرهيم وابن داود ولم يهتم كثيرا بإيراد الأسماء الأخرى بدقة. عندنا شجرة عائلة لا نعرف ارتباطها بمريم. ذلك ان الكتاب يؤكد انها أم المسيح ولكن لانعرف متى التصقت بهذه الشجرة اذ لا نسب للنساء. كذلك لوقا مضطر إلى ان يقيم ارتباطا قانونيا بيوسف بقوله عن يسوع: “وكان الناس يحسبونه بن يوسف بن عالي” (23:3) ما يدل على ان لوقا مؤمن ايضا بأن مولده من عذراء وان يوسف محشور باللائحة من أجل تأكيد النسب إلى ابرهيم وداود.

في كرازة الرسل وعند بولس تأكيد ان المسيح انما هو من داود. هذا يعني انه يستمد ملكه من السلالة الملوكية الشرعية وسجلت على صليبه. ورثها ليرفعها إلى ملوكية الروح والسيادة على التاريخ. يسوع متأصل بزمن، بشعب دعاه الله بابرهيم ولكنه تجاوز كل زمان وكل شعب وكل أرض. ولقد جاء جزء كبير من اللاهوت المسيحي للتكلم على العلاقة بين الزمان والابدية، بين الارض والملكوت، بين بشرية المسيح وألوهته.

اذا كان أمرنا مع المسيح غاية في حبنا له واذا عانقنا حبه بموته ونصره يأتي كل خلاف حول أصل كيانه الجسدي غير ذي فائدة. فالكتاب في كلامه على بني اسرائيل يقول: “ونمهم المسيح حسب الجسد” أو في الترجمة اليسوعية: “من حيت انه بشر” (رومية 4:9) ثم يكمل: “وهو فوق كل شيء إله مبارك أبد الدهور”.

الذين تهمهم الأعراق والأنسال والسلالات أذكرهم بما ورد في سفر تثنية الاشتراع 5:26 بأمر الله لكل انسان عبري: “ثم تتكلم فتقول له امام الرب إلهك: ان أبي كان آراميا تائها” ويريد بذلك ابرهيم الذي كان حسب الجنس آراميا. اما لماذا أظهر الله وحيده في الشعب العبري وليس في الصين؟ ان هذا مرتبط بختم النبوءة. يسوع الناصري كان ينبغي ان يأتي في خط الانبياء وفي بلد الأنبياء. كذلك هذا مرتبط بموته اذ كان لا بد ان يقتله اليهود تحقيقا للنبوءة. نحن بهذه الرؤية نخرج من الحديث عن الأعراق والدم.

***

لنقرأ ما قرأه الرسول بولس ان السيد “هو فوق كل شيء اله مبارك ابد الدهور”. واذا كانت الهوية شيئا من الارض فليس للمسيح ضيق الهويات. كان دائما جالسا فوق لما كانت قدماه تطأان ضفاف بحيرة طبرية. المسيح ليس من مكان.

ثم في اللاهوت نقول ان مركز شخصية المسيح في لاهوته. ان هذا الجسد “يتأقنم” اي يتبنى في الاقنوم الالهي فليس هو منفصلا عن الالوهية. هذا لا يعني اننا نبتر المسيح عن الخط النبوي لان هذا لا يكتمل الا به ولاننا مضطرون إلى ان نجعل المسيح من التاريخ ولو فاق التاريخ. فالمسيح ليس مفصولا عن الزمن ولو لم يستغرقه الزمن. نؤكد الامرين دائما معا.

***

قبل ان اتبسط قليلا بموضوع النسب ينغي ان اذكر ان نسب متى ينزل من ابرهيم إلى المسيح وان نسب لوقا يصعد منه ليس إلى ابرهيم فحسب ولكن إلى آدم اذ كان برنامج لوقا يدل على ان يسوع مخلص العالم وليس مخلص اسرائيل وحده. ولكن مع ان الاسماء التي يوردها واردة جميعا في العهد القديم الا ان الانتساب إلى آدم اشارة إلى الانتساب إلى كل من انحدر منه سواء اكانوا عبرانيين ام امما”.

ما لا ينبغي نسيانه ان آباء الكنيسة سعوا إلى وجه المسيح في الحضارات السابقة لظهوره فتحدث اقليمس الاسكندري عن ان الفلسفة اليونانية كانت “عهدا” اي انه استعمل اللفظة نفسها التي تطلق على التوراة والانجيل. ورأى الآباء مقاربات بين العقيدة المسيحية وما قيل قبلها حتى ان الفيلسوف الروسي نيقولاي برديايف قال لا شيء يمنع ان نرى في اساطير الشعوب القديمة تلمسا لحقيقة الانجيل. ليس ان المسيح قرأ الديانات الوثنية او فلسفة الاغريق. هو ما كان يتكلم الا الآرامية ويقرأ التوراة في لغة الاصل. ما اراده آباؤنا ليس ان المسيح وريث الماضي بمعنى انه اطلع عليه ولكن بمعنى ان شيئاً مما سبق يمكن تنقيته واستيعابه. نحن لا نقول ان النص الانجيلي بدء مطلق فان الانجيل لا ينقض الشريعة في جوهر غرضها ولكنه لا ينقض ايضا ما كان صحيحا في الماضي غير اليهودي. انه يعمده تعميدا اي يميت ما كان فيه مغلوطا ويحيي ما كان قابلا للحياة.

موقفنا مما سبق المسيح جدلي اي اننا نرمي اشياء ونحفظ اشياء وهذا الذي نحفظ نجلعه – فكريا – يمر بالمعمودية اي نميته ثم نحييه. قد لا يقال هذا عن كل الحضارات الدينية. شخصيا احس ان لا شيء يجمعنا بديانات الهند المختلفة ذلك انك لا تجد أي اثر للفكر الهندوقي في العهد الجديد. كانت محاولات من قبل النساطرة الذين بشروا الهند في القرن الثامن الميلادي ان يسكبوا المسيحية بمقولات هندوقية وبدت محاولات شبيهة عند اليسوعيين في ما بعد. ويحاول بعض المرسلين ان يتلمسوا الشبه ولكني لست اراه. كلما اوغلت في قراءة النصوص الهندوسية والبوذية ارى نفسي غريبا.

في اعتقادي ان ما يدعم حقيقة سكب هذا التراث او ذاك في المسيح ما قاله الكتاب نفسه عن ملكيصادق. ملكيصادق هذا “كاهن الله تعإلى… وتفسير اسمه اولا” ملك البر، ثم ملك شليم، اي ملك السلام. وليس له اب ولا ام ولا نسب، وليس لايامه بداية ولا لحياته نهاية، وهو على مثال ابن الله… ويبقى كاهنا ابد الدهور” (عبرانيين، الاصحاح 7). فأية كانت جزئيات هذا الكلام عندنا هنا كاهن كنعاني هو ليس المسيح ولكنه كان ايقونة المسيح.

هذا يعني على الاقل ان السيد كما بدا لنا جعل لنفسه صورا بالكلمات او بالوجوه او بالرموز في الحضارات القديمة. وهذا يعني تاليا انها كانت مهيأة لاستقباله اذا قبلت ان تموت بسببه وان تحيا به في معمودية فكر.

***

يبقى التجسد. غير ان القديس مكسيموس المعترف قال ان الكلمة تجسد في كلمات العهد القديم. يمكنني ان امد فكره حتى القول ان “الكلمات المزروعة” هنا وهناك (وهذه عبارة لآبائنا) كانت نوعا من التجسد. غير ان ما هو حقيقي في هذا التراث او ذاك لا ينبغي ان يبقى مستقلا بحيث نتمسك به لجاذبيته ونحيد عن المسيح. هناك قولات كثيرة اغرت بعض قراء الفلسفات والحضارات عن السيد. ما يهمني هنا قوله ان المسيحية ليست انظومة فكرية تقارنها بأنظومة  اخرى فتستغني انت بما يبدو مغنيك او تمزج بين الانجيل وغير الانجيل مزجا في ما نسميه التلفيق. ذلك اننا لسنا مدرسة فلسفية وقد لا نكون نظاما دينيا او عمارة دينية متنوعة الاجزاء.

نحن لسنا فلاسفة اي لا نبني بيتا عقليا متماسكا. نحن فقط للمسيح. نحن لسنا فلاسفة. نحن عشاقه ويغنينا بشخصه. هو حب ولو احتجت إلى العقل لتفسير لماذا هو حب. وعندنا ان المحبة هي المعرفة فاذا اكملت التلاقي الكينوني بينك وبين السيد تعرف كل شيء اي كل ما يجعلك انسانا سويا فاعلا الحق ومستنيرا بالنور الذي تدفق مرة وإلى الابد. وبعد هذا تقلب بذهنك ويديك العلوم والثقافة والسياسة. ولكنك، انسانا، وليد يسوع وكلمته وتواضعه ولطفه في الانكساء والرحمة التي يكشف.

وكل ما ساعدك في دنياك وثقافتك ونضالك ان ترى المسيح شفافا وان تراه حاضنا اياك فأنت ترحب به لانه لا يخرجك عن عشق المعلم وتقدر ان ترى كيف ينبسط في هذه الاشياء وكيف تعود اليه في هدأة الانسانية العالمة او الانسانية المناضلة. واذا كانت في رؤيتك لا تعود فيكون قد شوهها شيء او مسخها قائلوها او صانعوها.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأجداد/ الأحد في 12 كانون الاول 2004 / العدد 50

هذا هو الأحد السابق لأحد النسبة، نذكر فيه أجداد المسيح في الجسد، اي الذين سبقوه من اول الخليقة اليه الذين كانوا من الأمم (اي الوثنيين) والذين انحدروا من ابراهيم. والكنيسة  أرادت بتلك الذكرى ان تبيّن ان كل الجمالات الروحية في الشعوب كلها جمعها المسيح في بشريته المقدسة، فلا فضل في هذا ليهودي على أممي لأنهم جميعًًًا سوف يخلصهم المسيح، اي انه خلّص بموته الذين كانوا في مملكة الموت يهودًا كانوا أم أمميين. فالذين ماتوا قبله  نقول انهم في الجحيم ونعني بها نطاق الموت وقد زارهم بروحه  عند صلبه. أما الذين جاؤوا بعده فقد خلصهم بالإيمان.

            فقد اتجهت كل الأفكار الصالحة التي ظهرت قبله اليه اذ كان عند الوثنيين ولا سيما اليونانيين فكر عظيم تجلّى بالفلسفة. الفلاسفة التمسوا بعض ما قال به المسيح التماسًا. كذلك كانت هناك حكايا وثنية فيها تعاليم روحية او صوَر تشبه بعض ما جاء في الإنجيل. فقد عاش هؤلاء على بعض من الحقائق ولم يعيشوا الحقيقة كلها.

            ما من شك عندنا ان الحقيقة الأسطع كانت في العهد القديم الذي يبدأ في سفر التكوين بذكر الله خالقًا ثم بذكره مخلّصا لشعبه من مصائب حلّت به ومن معصيات ارتكبها. كانت  في شريعة موسى إشارات الى السيد ورموز. فالهيكل رمز الى الهيكل الوحيد الذي هو المسيح. والختانة رمز للمعمودية. غير ان ذروة العهد القديم الذي تكلّم بصوَر تتراوح بين الغموض والوضوح عن مولد السيد (ها ان العذراء تحبل وتلد، وذلك في اشعياء) او عن موته (كشاة سيق الى الذبح وكنعجة أمام جازيها هكذا لم يفتح فاه). لهذا قال آباؤنا ان اشعيا هو الإنجيلي الخامس. فالله قاد الشعوب كلها، على قدر ما كانت تستطيع ان تفهم، الى المسيح فلما جاء الكامل بَطَلَ الناقص.

            بسبب هذا التهيؤ لظهور المخلّص كان الرسل يكلمون الوثنيين بطريقة قريبة اليهم ويكلمون اليهود استنادا الى كتاب كان الرسل واليهود يعتبرونه معا ملهَمًا من الله.

            اما نحن المؤمنين بيسوع فتكون قلوبنا قريبة من قلوب الوثنيين او من قلوب اليهود، فيها غلط او فيها تحجر. وقد دعانا يسوع اليه بالمعمودية اي بأن نميت شهواتنا ونلتصق به ولكنا نفضل احيانا كثيرة خطايانا على المسيح وكأننا لم نتعمد. لهذا يدعونا السيد باستمرار اليه بالأعياد والصلوات المختلفة وكلمات الإنجيل ويدفعنا بالنعمة الى ان نوقظ النداء القديم الذي استمعناه وعشنا منه في عائلات مسيحية.

            ها ان ذكر الميلاد يتكثف. وقد بدأنا ذلك من اسابيع بالترتيل واستعدت قلوبنا لنستقبل حلاوة يسوع وطراوته ونترك ما هو ضده من فكر وسلوك. فالوثنيات تستيقظ في تيارات فلسفية او شبه فلسفية، والفكر الذي يدمر العائلة ويسعى الى انفكاكها يظهر بصورة قاسية. والابتعاد عن الكنائس يقوى في مكان او لا يزال هو اياه في مكان آخر. ليس هيرودس وحده اراد خنق المسيح. كل البدع الخارجة عن الكنيسة مدعيةً إخلاصها للمسيح هي ايضا من القوى المعادية لنا.

            زد على ذلك الإهمال في هذه الرعية او تلك. هل كل رعية دافئة كالمذود؟ هل كل انسان حاضن للطفل الإلهي مثل مريم؟

            هذا العيد يتم في قلبك او ليس عيدا. وانت قادر ان تجعله عيدا للآخرين اذا اجتمعتم بالغفران والعطاء جميعا حول يسوع الآتي من اجلنا.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

كره الإكليروس المسيحي / السبت 11 كانون الأول 2004

لماذا لم أقل كره الناس لرجال الدين اطلاقاً؟ لأن الاسلام يقول ان ليس عنده رجال دين كون المسلمين سواسية. عنده فقط علماء دين. وفي كل حال اهل البيت أدري بما فيه. انصبابي على هذا الموضوع ناتج من امرين: ان اللغة الفرنسية التي كانت (وربما لا تزال) لغتي الاولى فيها كلمة anticlericalisme اي معاداة بعض الناس للكهنة او القسس كما يقول اخواننا الانجيليون واقباط مصر. والامر الثاني انها ظاهرة قائمة لست اعرف مدى انتشارها في صف المدنيين المسيحيين في هذه البلاد. لكني اذكر انني كنت اقوم مرة بنزهتي الصباحية وسمعت صبايا مسيحيات يستعذن بالشيطان. واعرف ان بعض العامة عنده كره للمحامين، وان بعضا آخر يقول عن الاطباء انهم تجار (اي ان هؤلاء يكرهون التجار أيضًا). ثم درست الحقوق وفهمتها مهنة شريفة وان المحامي يدافع ولا ينكر وقائع ثابتة، وتدرجت عند محام كبير كان طاهراً جداً.

غير اني اود ان اقول بادئ انه لمن الظلم بمكان ان تعتبر كل الناس في حرفة واحدة اشراراً او خبثاء او كاذبين. ان لفي هذا اجحافاً مبيناً لا ضرورة لفضحه. واخشى ما اخشاه ان تأتي كراهة القسس عندنا لصيقا بابتعاد عن الدين نفسه. ولكنك، في هذه البلاد، لا تجترئ الا قلة على التفوه بهذا وتتستر وراء امتعاض من الذين احترفوا خدمة الدين احترافاً. لنقل اذاً من اجل الانصاف ان الناس في اي موقع كانوا هم على مستويات من الاخلاق مختلفة، وان احداً لا يحتمل معصية أخر الا اذا كان مسبباً لها. والناس عرضة للتأويل ولسوء الظن. فقد تحتضن انت انساناً آخر احتضاناً كبيراً، ولكنك لا تبدي له غنجاً او تملقاً ويظن مع ذلك انك عدوه.

الكراهية في كل حال عقيمة وتؤذي صاحبها وتحجب عنه الجمالات وهي دائماً ظالمة. فقد يكون من تبغضه على بعض حسن وانت لا تراه لأن عينك باتت شريرة واظلمت كل كيانك اذ تعلمت ان تبحث عن السيئات ولم تسع نفسك الى حلاوة الوجود لتحيا بها. ان بغض اي شخص لمجرد انتمائه الى فئة من فئات المجتمع امر فيه خفة كثيرة ودنس كثير وإعثار كبير لأن من أبغضته قد تسبب له جرحاً بالغاً.

من هذا البغض تأتي النميمة والتشفي والشتم والفتنة. ولا يربح من الفتنة الا الشيطان. انه في لغة الكتاب المقدس يعني المفتن. وكل نميمة تزرع الشقاق اي تقيم جهنما في هذا العالم. جاء في الادب النسكي عندنا: “ماذا تعمل اذا رأيت أباك الروحي يزني فأتى الجواب: “اني آخذ غطاء واغطيه”. معنى ذلك انك لا تكشف عورة سواك ولا تقول بأحد سوءاً لئلا تخور قوى الذين لم يسمعوا بالخطيئة التي تفضح. وبخ اذا شئت او انصح الذين وقعوا في معصية ولكن لا تذع امراً قبيحاً. ثم “لا تدينوا لئلا تدانوا” لأن الله وحده قادر ان يدين القلوب بعدل لأنه وحده قادر ان يفحصها.

قد تثرثر بحق الكاهن لانك ذهبت اليه طلباً لمعاملة مغلوطة وصدك او تكون خسرت دعوى على زوجتك في المحكمة الروحية. عدد رهيب من الشكاوى لا تأتي من سوء التصرف عند الإكليروس ولكن من حزازات قد تكون انت عنها مسؤولاً. بعض تشكيك في الكاهن مسؤول هو عنه ولكنك احياناً تضخم الاسباب وتجعل من الحبة قبة وكان الاعتدال في الحكم اولى.

بعد هذه التصفية تأتي حالات يكون فيها القس مذنباً. لك ان تشكوه الى السلطة العليا فتؤدبه عند الاثبات ولك ان تذهب اليه وتعاتبه بسلاسة وخفر بحيث لا تقيم نفسك قاضيا ولكن تجعل نفسك اخا له متواضعاً ولو تسلحت بالصراحة والحزم. واذا بلغ سوء التصرف عند القس مبلغا كبيراً حتى الإثم والإعثار فتتابع القضية في المقام الاعلى.

تذكر انك ترعى الراعي كما يرعاك لانه مسكين ككل الناس وفي حاجة الى ان يكون محبوباً، تسنده كما يسندك فقد يحل فيك الروح ويكون الكاهن قد نسي انه لا يستطيع ان يحيا ويتكلم وينعش القوم بلا روح الاله. واعلم ان تطهر النفس شرط لتطهير الاخرين وان اصلاحك للآخرين يبدأ باصلاح نفسك وان لا بنيان بالنميمة.

انت تنتظر من الاب الروحي عظمة وبرا وقداسة قد تأتي وقد لا تأتي الا قليلاً. وانا افهم تعجبك اذا قلت: “ليش هدا خوري”؟ القصة طويلة جداً وفيها وجهان: وجه العلم ووجه التقوى او الرسالية. اما وجه العلم عند القسس اعني علم اللاهوت فقد اخترعته الكنائس الانجيلية ولم يكن الكاهن الكاثوليكي متعلما قبل القرن السادس عشر ثم جاء التعلم للحاق بالقسس الانجيليين. اما الكهنة الشرقيون على اطيافهم المختلفة وطوائفهم… كهنتهم جميعاً حتى القرن الثامن عشر او عند بعض بعد ذلك بكثير شبه اميين، غير متفقهين بأي علم من علوم اللاهوت ولا يقاس على الرهبان الموارنة الذي تعلموا في روما والعواصم الاخرى او الرهبان الروم الكاثوليك في هذا الدير او ذاك. اما كهنة الرعايا فبين الكنائس تفاوت على هذا الصعيد. غير ان الوضع افضل الآن. الكنائس تبذل جهداً كبيراً لرفع المستوى عند الكهنة. غير ان هذا لا يكفي هنا وثمة.

الا انه ينبغي الا نظلم الشرق المسيحي. فكهنة الريف في الغرب الكاثوليكي كثيراً ما كانوا دون كهنة المدن الكبرى. ومن الخطأ الاعتقاد ان الكاهن الغربي يستطيع ان يجيبك عن كل سؤال تطرحه عليه. انه في المعهد اللاهوتي يعطى الاساسيات وان لم يتابع مطالعاته لن يخدمك كثيراً من الناحية الفكرية. ثم مواجهة الفكر الحديث وسكب العقيدة المسيحية بصيغ تخاطب العقل المعاصر قادر عليها بعض من الناس فقط. فإذا لم تكن على اعلى ذروة من معرفة المجالات التي تخطوها العلوم الحديثة ولا سيما الفيزياء لن يأتي لاهوتك على مستوى العقول القلقة المتقدمة فكرياً. يجب اذاً ان نواكب الكهنة في المسيرة البطيئة التي يسيرونها في العلم وان تسعى مع السلطات الروحية الى ما هو اعلى.

غير ان ما يتطلبه الشعب هو العناية به على صعيد الافتقاد ووعي تعبه الروحي والتقرب اليه في الضيق باعطائه شيئاً من الدفء. يسعى كل انسان منا الا يكون متروكا. فاقتراب الكاهن اليه يجعله يحس ان الكنيسة كلها احتضنته وانه بات محبوباً. المشكلة كلها هنا. الا ان دنو الكاهن من شخص او عائلة لا ينبغي ان يكون مجرد تقرب عاطفي. هذا ينفع قليلاً. المهم ان يحمل كلمة الله. تعزيته ليست على طريقة العامة بالتعزية ولكن بالكلمة. هو ليس مجرد صديق لعائلات رعيته. انه أب يغذي بما تغذى به.

يبقى ان القديسين ليسوا كثراً وان كنيسة الارض ليست كنيسة السماء والله يصبر على كنيسة الارض. احمل اثقال راعيك واحفظه في دعائك كثيراً حتى يرفعه رب باحساناته ويزينه بالتقى عله يتبين تقصيره وضعفاته ويصغي الى كلام الرب: “لي عليك انك نسيت محبتك الاولى”. حاول احاطته مع الآخرين لتنقذه من الخطيئة. هل انتم حقاً تعززونه في معاشه اليومي ام تتكلون على تقواه تؤتيه خبزاً واسباباً لاعاشة عائلته. عاتبه على خطاياه بعد ان تكون قد صرت مع اخوتك سنداً له.

كنت قد عقدت مرة مجمع كهنة في منطقتي. قلت لهم: “من اكتشف انه ليس كاهناً كفوءاً فليبدأ ان يكون اليوم كاهناً. اما ان يغط في النوم في انتظار راتبه في آخر الشهر والمآتم وما اليه فهذا يؤذيه ويؤذي الآخرين”. لا ينفع السؤال لماذا رسمه المطران. الاكيد ان المطران يستند الى بعض الاشارات: منها مثلاً حصول الرجل على شهادة لاهوت او الشهادات الحسنة عن المرشح او هذه مجتمعة ويقوم المطران بتحقيق. مع هذا يمكنه ان يخطئ. لا يبقى لك بعد هذا الا ان تقبل الواقع المرير وتتعامل واياه.

ليس الله لطيفاً كثيراً بالرعاة الذين يهملون غنمه ويبددونه ولا يحب الرعاة الغارقين بشهوة تكبلهم اذ لا يستطيعون ان يقدموا للناس شيئاً. غير ان الرب حصر الدينونة بنفسه. وانت سألك الحب الذي يشفي وحده المسؤول عنك. فلا ترتكب حماقة ان تكره فئة من الناس او تتعامل بقسوة واي مخلوق لان هذا يدمرك اولاً ثم يدمره. كلنا يحمل عبء التاريخ. خفف هذا العبء عن رعاتك. المحبة ترفع كل البشر الى فوق.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (غلاطية 5: 22-6: 2)/ الأحد في 5 كانون الأول 2004 / العدد 49

ما يلفت في بدء الرسالة قول بولس “ثمر الروح” بالمفرد ثم يعدد الفضائل التي يزرعها الروح القدس فينا. المحبة والفرح والسلام الخ… ليوحي ان ليس من حسنة فينا الا ومعطيها الروح الإلهي وليوحي ايضا ان الفضائل متماسكة فمن عنده المحبة التي يسميها اولا تأتيه الفضائل الأخرى لكون مصدرها واحدا.

            وحتى لا يظن القارئ ان الفضائل محفورة فينا الى الأبد يلفتنا الرسول الى ان هناك جهدا نبذله لنحافظ عليها فيأتي الخلاص موآزرة بين الجهد البشري والنعمة الإلهية. الفضائل ليست خزانة حديد اذ يجب العمل على حفظها وإذكائها والاقتناع بما يلغيها او يدمرها فينا. لذلك قال: “الذين للمسيح صلبوا اجسادهم مع الآلام والشهوات”. ويريد بالجسد الجانب الخاطئ فينا المكون من الأهواء التي ننفعل بها (ويسميها الآلام) وكذلك الشهوات التي هي تحقيق للأهواء الكامنة. لذلك يريد ان نضرب لا الخطيئة الظاهرة وحسب ولكن الأعماق النفسية التي نبتت منها الخطيئة. وهذا ما سيتكلم عليه كثيرا آباؤنا النساك الذين سموا الأهواء واعتبروها ثمانية وتحدثوا عن العلاج الروحي الذي نتقبله لنستأصلها من النفس حتى نصير احرارا من الهوى بمعنى النزعة المؤذية المولدة للشر على انواعه.

            اذًا نعيش بالروح اي بالروح القدس، نمتلئ منه فنسلك به. سلوكك يأتي من الداخل الذي كوّنه الله بالنعمة وبعد هذا يأتي العمل. ثم العمل بدوره يستدعي الروح الإلهي لينزل عليك. عندئذ يختار الكاتب ثلاث رذائل كأمثلة ويذكر العُجب او التباهي والمجد الباطل وهما مرتبطان بالكبرياء ثم الغضب الذي يدل على ان النفس ليست مطمئنة الى الله ولا تحب الإخوة واخيرا يذكر الحسد الذي يجعلنا غير محبين للخير عند الآخرين او نشتهي الذي عندهم من خيرات الدنيا ونكره ان يكونوا افضل منا.

            بعد هذا يلاحظ الرسول ان كل الناس معرضون للزلل فيقول: “اذا أخذ احدكم في زلة فأصلحوا انتم الروحيين مثل هذا بروح الوداعة”. لا تكرهوا احدا بسبب خطيئته فإن كل انسان حبيب الله ولو سقط وكل انسان افتداه يسوع ولكنه غفل عن رؤية الحق وعن مراقبة نفسه وأهملها فدخلت اليها عتمات الخطيئة. هذا اصلحوه باللوم او التأنيب او النصيحة الهادئة حسب احواله فلكل من الناس كلمة تقولونها له. ولا تكونوا قساة عليهم ولو كنتم ذوي حزم وعزم.

            اصلحوه بروح الوداعة التي قال عنها يسوع: “تعلموا مني انني وديع ومتواضع القلب”. تسلس بالوداعة علاقتك بالناس فاذا احبوك بسببها تستطيع ان تقول لهم كلمة الله وهي تصلحهم بقوة ذاتها. ولكن اذا أصلحت الآخرين “تبصر انت لنفسك لئلا تجرب انت ايضا” اي لا تستكبر اذا اصلحت ولا تحسب نفسك خيرا من الآخرين وتواضع امام الله لتعبر كلمته من فمك الى قلب الآخرين.

            ويختتم بولس هذا المقطع بقوله: “احملوا بعضكم اثقال بعض وهكذا أتموا ناموس المسيح”. فالناس متعبون ومرضى نفسيا وروحيا وكثيرون منهم غليظة قلوبهم وغليظة اقوالهم. احتملوهم جميعا كما حملنا السيد على كتفيه. واذكروهم في ادعيتكم اذا خطئوا وهذا افضل حمل لهم. احملوهم بحب يرضَ الله عنكم وعنهم.

            ذلك لأننا واحد في المسيح وكنيسة واحدة. وتتجلى الكنيسة اذا صبرنا بعضنا على بعض وتآزرنا ولم نحاسب احدا على خطيئة ثم رفقنا به وخدمناه حتى الموت.

            وينهي بولس قوله اذا فعلتم هذا تتمون ناموس المسيح الذي تختصره كلمة محبة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

العيد يقترب/ الأحد في 28 تشرين الثاني 2004/ العدد 48

دخلنا صيام الميلاد في الخامس عشر من تشرين الثاني. نبقى اربعين يوما ننتظر ميلاد الرب ونرجو ظهوره في احداث الدنيا، في تاريخ الناس وفي قلوبنا لئلا يفوت الدنيا وجهه وتبقى قلوبنا فارغة من دواخلها. الزمان في ظاهره زمان إمساك لمن أَلِفَ هذا الصوم ليكون لنا جميعا زمن توبة. “ما احلى الرجوع اليه”. ويتعالى نداؤنا اياه في الخدمة الإلهية اي اننا نستبق البركات ونذوق معاني العيد قبل ان يحل يوم الخامس والعشرين من الشهر القادم.

            نستقبل يسوع طفلا ليّنا، طريئا، فقيرا. معنى هذا لنا انه يريد نفوسنا لا خشونة فيها ولا تَصلُّب ولا عناد ولا رغبة كسر لأحد. هذا عيد لحلاوة النفس وليس فقط لهدايا الأطفال. الطفولة البكر طفولة النفس في براءتها من الخبث وبساطتها في المواجهة. طفولة داخلية ضد الخطيئة التي تعقدك وتربكك وتكبلك. والمسيح ولد فقيرا ومات عاريا، يملك الدنيا ولا تملكه. وجهه دائما الى الآب طيلة خدمته البشارية وفي اللحظات الأخيرة من مكوثه في الجسد لأن الآب يعضدك في المحنة ويقيك شر التجارب وينشلك من الضيقات. تتعامل هنا مع الناس جميعا ولكنك لا تستطيع ان تتعاطى علاقاتك بهم اذا أسروك بمنافعهم ومنافعك. استقلالك عنهم من اجل حسن العلاقة لا يعطيكه الا الرب برحمته وقوّته. ان يكون الله وحده مرآك ومبتغى روحك هو الضمانة الوحيدة لتقدر على محبة البشر وسلاسة المعشر والصبر على الكيد والضغوط. واذا قويت الفضائل فيك يكون المسيح مولودا فيك، واذا اديت صلاتك تكون باحثا عنه. انت تنشد وجهه وحده ولو طابت الوجوه. واذا قلت له في وسط ما يعتريك من ضيق: “تعالَ ايها الرب يسوع” يقول لك: اتكئ على صدري كما فعل التلميذ الحبيب في العشاء السري. بعد هذا لا تحتاج الى متكأ.

            حوّل هذا العيد من ذكرى في الطقوس الى لقاء معه في داخل نفسك لئلا يمر عيد على عيد وانت فقط في التسليات الاجتماعية والطعام والشراب في بيتك. المطلوب ان تصير انت بيت يسوع وان تأكل جسده وتشرب دمه ليس فقط في الأسرار الإلهية ولكن في كل كلمة يصورها في ضميرك لئلا تأتيك فقط الكلمات التي تأتي من ضجيج العالم، وتصغي الى الكلمات التي تخرج من فمه لتحييك.

            المهم ان تصير انت خزانة لكلماته محفورة في ثنايا القلب ليعبر العيد الآتي الى حضور للمسيح فيك دائم. واذا حل، حقيقة، فيك لا يأتي العيد الا دعوة اليك الى الإخلاص ودوام الطاعة. ما وُضع العيد في يوم من ايام السنة الا ليصير فيك ديمومة حضور. غير ان الديمومة تفترض منك دوام الإصغاء الى ما تسمع. وهذا يعني ان كان في بيتك إنجيل ان تبادر بفتحه او تستمر على قراءته. نفسك قاحلة بلا هذا الماء الحي الذي يصير فيك ينابيع يرتوي بها الآخرون.

            انتظر العيد ولكن بحركة. لست انت مولدها. دع يسوع يحركها بحضوره. لا فاعلية لنفسك ما لم يصبح هو وحده حركتها. تَفَحَّصْ قلبك ترَ اذا كنت جائعا الى الحبيب او عطشان اليه. والجائع يركض الى الطعام والعطشان الى الماء. لا تمت جوعا ولا تمت عطشا.

            ربما مضت الأعياد السابقة كنت فيها في تسليات الزينة واللباس والأطعمة. يسوع لا يسكن الظاهر. اجعل من الميلاد الآتي ترحابا عندك بالمخلّص اي طاعة لكلماته والتماسا لحضوره الدائم فيك، لئلا يبقى قلبك باردا كمغارته فيصبح هو دفء كيانك وانت في التجلّي.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

دخول السيدة إلى الهيكل/ الأحد في 21 تشرين الثاني 2004 / العدد 47

لا نعرف شيئا عن والدة الإله قبل أن يجيئها جبرائيل ليبشرها بولادة المخلّص. لذلك دخولها إلى هيكل أورشليم وإلى قدس الأقداس فيه ليس مذكورا في الكتاب ولكن في احد الأناجيل المسمّاة “منحولة” أي التي لم توافق الكنيسة على قانونيتها. مع ذلك أقامت الكنيسة هذا العيد وهو غير مؤسَّس في الواقع. يسمّيه العلماء عيدا فكريا أي أرادت الكنيسة أن توحي إلينا بأن الله اختارها منذ طفوليتها لتكون والدة المخلّص.

            ولما لم تجد الكنيسة أساسًا لحادثة الدخول نقبل معناه، ومعناه أن مريم اختارها الآب وصارت هي قدس الأقداس الذي كان رئيس الكهنة يدخله مرة في السنة ليكون في حضرة الله. مريم صارت اذًا في حضرة الله منذ طفوليتها.

            ولما كان ممنوعا أن نقرأ في الكنيسة نصا منحولاً، غير رسمي، اعتمدنا في صلاة السَحَر الفصل الذي يتحدث فيه لوقا عن لقاء مريم وأليصابات حيث يبدأ الحديث عن أن اليصابات أم المعمدان “ارتكض الجنين في بطنها وامتلأت اليصابات من الروح القدس”. وسلّمت على مريم بقولها: “مباركة انت في النساء ومباركة ثمرة بطنك”. هذه الكلمات إذا أضفناها إلى كلام رئيس الملائكة تؤلف صلاة معروفة في الكنيسة: “افرحي يا والدة الإله العذراء مريم الخ…”.

            عند ذاك قالت مريم: “تعظم نفسي للرب” إلى آخر النشيد الذي نرتله في كل صلاة سَحَر آية آية ونقول بين الآيات “يا من هي أكرم من الشيروبيم وارفع مجدا بغير قياس من السيرافيم…”. وهو يعتمد بلا شك على عيد رقاد والدة الإله حيث بانت مريم في انتقالها إلى الملكوت أعظم شأنا من الملائكة.

            في رسالة العيد المأخوذة من الرسالة إلى العبرانيين مذكور “قدس الأقداس”.

            في لقاء مريم اليصابات نجد عدة تأكيدات بعضها ذو طابع عقائدي. ولا سيما قول اليصابات للعذراء: “من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ” أي إن أم يوحنا المعمدان تعترف بأن يسوع هو الرب. والتأكيد العقائدي الثاني قول مريم: “ها منذ الآن تُطوّبني جميعُ الأجيال”. مريم تتنبأ بأن الأجيال المسيحية القادمة سوف تقدّسها. هذا الكلام الإنجيلي يبني اعتقادنا على إنها الأولى بين القديسين. ثم يدحض موقف الذين لا يطوبونها. فنحن اذًا إنجيليون أي موافقون للكتاب عندما نخاطبها وندعوها شفيعة لنا أي مصلية أمامنا ومعنا إلى الله وابنه. فاستقامة الرأي التي نحن عليها هي في جوهرها أننا موافقون للإنجيل وأننا لا نحرّفه ولا نزيد عليه شيئا.

            إن الشيء الأساسي في المسيحية الأرثوذكسية أن المؤمن ليس وحده ولكنه شريك في الصلاة والمحبة مع أولئك الذين انتقلوا إلى الملكوت. فإذا كنت في الكنيسة فلست منعزلاً عن أجواق القديسين الذين سبقوك إلى الحضرة الإلهية. الله يجعل من المؤمنين الراقدين والأحياء كنيسة واحدة هي جسد المسيح أي كيانه الحي الممتد منه رأسًا إلى كل أحبائه وكل منهم في المعمودية عضو من هذا الجسد الكلي الشامل.

            وإذا كنا إخوة للمسيح لكونه “اشترك في اللحم والدم” تصير مريم أمّنا جميعا إذ قال وهو على الصليب للتلميذ الحبيب دالاً على مريم الواقفة هناك: “هذه أمك”. والمعنى طبعا أنها حاضن لنا جميعا كأمنا الطبيعية وأنها تسهر على الكنيسة وأنها في وسطها كما كانت مع التلاميذ والإخوة وحاملات الطيب في العليّة لما انحدر الروح القدس بشكل ألسنة نارية.

            لا ينبغي أن ننسى أن مريم أم وعذراء معًا. نحن نتقبل بفرح أمومتها وتصبح كل نفس عذراء إذا أَخلصت للمسيح واحتضنته بالإيمان والحب. دور مريم تجاهنا مستمر بأمومتها العجيبة وبكونها تغذي العذرية الروحية فينا أي استعدادنا لنتقبل كلمة الله زرعا فينا ولا نتقبل زرعا آخر. وإذ ذاك نكون ليس في هيكل أورشليم القديم ولكن في هيكل الله الوحيد الذي هو يسوع.

Continue reading