Author

Aziz Matta

2004, مقالات, نشرة رعيتي

المجد الباطل/ الأحد 14 تشرين الثاني 2004 / العدد 46

إذا تكلمنا على المجد الباطل فمعنى ذلك ان هناك مجدا حقيقيا. فقد قال السيد للفريسيين: «انكم لستم تستطيعون ان تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه» (يوحنا 5: 44). هناك مجد ينزل عليك من فوق ان كنت من المؤمنين، وهناك مجد يأتيك من مالك أو مركزك السياسي أو من سيارتك. نقول باطل لأنه فارغ ليس فيه شيء بنظر العارفين بالله.

هناك أشياء عظيمة كالعلم تصير من المجد الباطل إذا افتخرت بها. أي شيء مخلوق لا يجوز الافتخار به. أية فضيلة فيك لا يجوز الافتخار بها، فلا تنسبها إلى نفسك وإذا أحسست بها تشكر الله. إذا أحس الإنسان بفراغ يسعى إلى الحياة الاجتماعية السطحية حتى لا يشعر بأنه ملغى من الوجود.

عند النساء الطعام الفاخر الذي تُعدّه وتُقدّمه في السهرات يمكن ان يغذي المجد الباطل. الثياب الثمينة يمكن ان تكون سببا للاعتزاز مع ان آخرين قد صمموها أو خاطوها.

أمام هذا، كيف يمكن ان يميز الإنسان إذا كان يحب المجد الباطل أم المجد الإلهي؟ التمييز هو في هذا: إذا كنت تعيش ليراك الناس ويروا سيارتك أو قصرك أو إذا كنت تفتش عن رضاهم فأنت واقع في المجد الباطل. أما إذا كنت ملحّا على ان يراك الله ويرضى عنك فأنت في المجد الحقيقي.

الفرق بين الناس ليس بين بائع خضار وصاحب معمل كبير. فالبائع الصغير يمكن ان يكون منتفخا ومالكُ المعمل متواضعا. السؤال هو هذا: هل أنت تطلب الله أم تطلب نفوذك ومقامك وتمجيد الناس إياك؟ أن تظن ان حجمك يزيد لأنك قابلت موظـفا كبيرا أو وزيرا، فمعنى ذلك انك غير مقتنع بوجودك المستقل الذي لا يزيد حجمه الا إذا اتصل بالأطهار. من أَمَّدك بخُلُق كريم وشدد إيمانك وعزّاك تعزية بالروح فهذا يكون قد أعطاك كنزا يفوق كل ثروات العالم. ما ينزل من الله عليك فوحده ذو قيمة.

ما هو الذي لا يتغير فيك إذا قَلَّتْ مواردك أو ساءت صحتك أو خسرت مكانة اجتماعية؟ إذا رأيت ان شيئا منك لا ينتقص إذا زالت عنك هذه الأمور، فأنت في الخط المستقيم طالب رضاء الله. أما إذا حزنت حزنا شديدا لكونك خسرت شيئا، فمعنى ذلك انك تطلب هذه الدنيا.

من الدنيويات التي صارت متحكمة ببعض الأوساط «العالية» انها تقتل الوقت بالسهرات الطويلة. يذكرني هذا بعشاء دعيتُ إليه في الولايات المتحدة. فابتدأنا عند السادسة والنصف وانتهى العشاء بعد ساعة وودعنا وانصرف كل منا إلى برنامجه المسائي. يقال لك في لبنان ان العشاء يبدأ في التاسعة وتحضر في الوقت المعين وتنتظر الآخرين ساعة أو أكثر. وقد لا يبدأ العشاء قبل العاشرة والنصف أو ما بعد ذلك ولا ينتهي الا عند منتصف الليل أو بعد هذا، أي انك تنفق ما لا يقل عن ثلاث ساعات لا تستطيع ان تقرأ بعدها كتابا ولا تنام مرتاحا. كل هذا مجد باطل.

إزاء هذا بساطة العيش في الفضيلة. ومنها ألاّ تدّعي معرفة كل شيء والا تبحث بما لا تفهم وخصوصا الا تُردّد ما قرأته في الجريدة. فان كنت غير عارف فالصمت أولى، وإذا كنت عارفا كثيرا فقد لا يكون سامعوك قادرين ان يفهموا فلا تفلش معرفتك لان هذا مجد باطل أيضا. وفي كل حال الصمت يوفّر عليك الغلط.

ولكن هذا السلوك الخفر لا ينزل عليك الا من التواضع بحيث لا تحس انك شيء، وإذا شعرت بمواهبك فأَعِدْها إلى الله. عند ذاك ينزل عليك مجد الله فإذا بك كائن إلهي وأنت لا تَعرف.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

«البطرشيل»/ الأحد 7 تشرين الثاني 2004 / العدد 45

ليس قصد هذه الكلمات أن أبين من الكتاب أن الفاعل يستحق أجرته (لوقا 10: 7) وان خادم المذبح يأكل من المذبح (2كورنثوس 9: 13). هذا تعرفونه وقد استغرق هذا وقتا طويلا ليفهم المسؤولون ان راتبا للكاهن كافيا هو من الأمور التي تصرفه عن التسول ولا سيما إذا لم يكن عنده دخل من كرم أو ايجارة بيوت. وقبل الشروع بالراتب من وقت قريب نسبيا (ربما نهاية الحرب العالمية الأولى) كان الكاهن معوزا بصورة عامة ويستند إلى «البطرشيل» أي إهدائه مبلغا إذا قام بخدمة روحية كالعماد والإكليل أو سواهما. وسمي هذا الدخل باسم البطرشيل الذي يضعه الكاهن حول عنقه أثناء إقامته أية صلاة.

هناك رعايا فهمت ان دعمها الحقيقي للكاهن هو راتب كافٍ. مع ذلك لم تمنع مؤمنا إذا شاء ان يهدي راعيه ما يشاء تعبيرا عن محبته له. لم نعمم نحن هذا في هذه الأبرشية لاعتبارات نفسية وربما كانت هذه العلاقة بين المؤمن وراعيه توطيدا للصلة الروحية بينهما. ولا شيء يمنع ان تكون الهبة كثيرة ولا هي محددة في معظم الأحوال والأماكن. والمبدأ ان نترك للمؤمن حريته الكاملة فيدفع إذا شاء ولا يدفع إذا شاء، فالكاهن يقوم بتعميد ابنك وهذا لك فرح عظيم أو يكللك وهذا فرح أيضا. وانه لمن المحظر على الكاهن ان يتذمر لقلة المبلغ لأن هذا يؤذي المؤمنين كثيرا. فالبطرشيل إذًا دفع ظرفي ويتغير حسب المواسم وحجم الرعية بحيث يصير رمزيا في رعايا الزيجات فيها قليلة والمعموديات تاليا قليلة.

وضع المطران شبيه بوضع الكاهن. والمتعارف عليه انه لا يتقاضى راتبا من صندوق الأبرشية ولم اسمع عن زملائي انهم «فوتروا» ثمن جبة أو حاجات أخرى. وقد يقوم أحيانا بإحسان. وقد اعتاد بعض المؤمنين ان يدعوا المطران إلى مشاركتهم في مناسباتهم العائلية.

هنا أريد ان أؤكد لكل المؤمنين ان لا شيء يضطرهم ان يدفعوا للمطران شيئا إذا هو لباهم وليس لمأتم أو اكليل أي تعرفة، ولذا أستغرب سؤال من سأل: كم علينا ان ندفع؟ ليس على واحد منكم ان يدفع شيئا. الا انها مناسبة هنا لأوضح ان الدعوة إلى أية خدمة فيها طرفان: الداعي والمدعو. وليس على الداعي ان يتضايق إذا لم يلبه المطران فقد يكون لهذا أسباب هو يعرفها. فقد يدعوه مؤمن من دوما ويكون هو في الشويفات. وقد يكون مريضا وليس عليه ان يشرح ذلك لأحد. ومع أني كلمتكم غير مرة ان صلاة الكاهن كافية، مع ذلك ألبي دعواتكم الا عند الضرورة القصوى.

لا يدخلن في نفوسكم انكم تعوّضون الاكليريكي عن تعبه. مطلوب منه التعب. ولكن من أَعطى فليعطِ متهللا ليكسب نفسه عند الله. وبقدر ما يكون كريما يحس انه ابتعد عن محبة المال وانه قام بعمل مشاركة.

فكرة الراتب أو «البطرشيل» هو ان تساعدوا الخادم الروحي الا يفكر بجني المال حتى ينصرف لخدمتكم انصرافا كليا. فإذا عرفتم ان وقفكم المحلي فقير فزيدوا عطاءكم الشخصي حتى لا يحزن إذ لا يستطيع ان يكفي عائلته. أهمية العطاء انكم به تسترضون الله وتظهرون محبتكم.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أولادكم الطلاب/ الأحد في 31 تشرين الأول 2004 / العدد 44

أولادكم رعاية دائمة وحب عظيم. ولكن هذا يتطلب حضورا اليهم قدرا كبيرا من الوقت لاسيما إذا كانوا أطفالا لأن الولد يفهم العطف حضورا. وكما تُعنَوْنَ بهم عناية دقيقة منذ مولدهم حتى الخامسة مثلا فبعد ذلك تبقى العناية دقيقة ولو اتخذت اشكالا أخرى إذ تبين للعلماء ان نضج الولد وصحته النفسية مرتبطان بإحساسه ان له أبًا وأمًا يحضنانه حضنا رؤوفا. مرة أعجبت برجل قال لي انا لم أخرج ليلة واحدة من البيت لما كان أولادي صغارا. المهم ان التوازن بين المكث والسهرة يجب ان يكون لصالح الولد.

            من صور الاعتناء ان تساعدوا الولد في الدرس إذا امكنكم ذلك. فربما امكنكم جميعا ان تعأونوه في حفظ الدرس إذا كان لا يزال في الصفوف الابتدائية ولكن بعضا منكم -بسبب ثقافته- قادر ان يتابع ولده في المرحلة الثانوية. ولعل الميسورين قادرون ان يأتوا اليه بمن يعطيه درسا خصوصيا إذا احتاج إلى ذلك. هذا إذا كان متوسط الذكاء أو مقصرا، ولكن المدرسة بالمبدأ كافية.

            المهم ان تتيقنوا انه فهم الدرس الذي تلقاه في الصف وانه قادر ان يقوله للمعلم في اليوم التالي. الفكرة الأساسية ان يفهم جيدا وان يسمعكم ما فهم بلفظ جيد ولغة فصحى كائنة ما كانت اللغة التي يستعملها وذلك بلا تلعثم أو خوف. تأكدوا انه استوعب ما يقرأ فالقاعدة ان ما لا يستطيع الولد ان يعبر عنه لا يكون قد فهمه. كذلك تأكدوا انه يقوم بأعمال رياضة في المدرسة أو في البيت أو في الحي لأن هذا سبب كبير لحصوله على صحة جسد ترافقه طوال حياته. ان كثيرا من أتعابنا أو امراضنا في سن متقدمة سببه إهمال الرياضة في سن مبكرة.

            إلى هذا احرصوا إذا بلغ العاشرة أو قبل ذلك ان يطالع كتبا خارج البرنامج الذي يجب ان يحفظ لتقوى معرفته ويحصّل أسلوبًا في الكتابة وربما البلاغة. الذي لا يقرأ في طفولته لن يقرأ ابدا. ولكن اعرفوا من اين يأتي بالكتب واسهروا على سلامتها الأخلاقية وقد تكونون قادرين على ان تعرفوا جودتها الأدبية. وفي سن متقدمة نسبيا لا مانع ان يقرأ الجريدة ليتثقف سياسيا إذ يجب ان يعرف ما يحدث في البلد وفي العالم.

            طبعا ينبغي ان تولوا كل أولادكم عناية واحدة ولا تفرّقوا بينهم الا إذا اضطررتم ان تهتموا بالولد المقصر اكثر من اهتمامكم بالولد الناجح.

            إلى هذا أيضا احرصوا ألاَّ تغضبوا إذا كنتم تلقنون درسا والا ينفذ صبركم. وإذا كنتم عاجزين عن ذلك فالأفضل الا تهتموا بتدريس أبنائكم. إن الوداعة بالتعامل أهم من تلقين العلوم.

            وبعد هذا احرصوا على أن يصلي أبناؤكم وبناتكم قبل النوم أو توا بعد الطعام. وإذا كان الولد صغيرا جدا ربما احتاج إلى ان تقفوا إلى جانبه وتلقنوه بعض الصلوات البسيطة يؤلف بعضا منها من عنده أو يمكن العائلة أن تصلي معا عندما يصبح الولد مدركا لمعاني الصلاة.

            التربية متابعة وليست تغنيجًا. تابعوا كل يوم هذا العمل بطريقة هادئة وادرسوا انتم إذا لاحظتم أنكم مقصّرون عن متابعة الولد علميا. واحفظوا أنفسكم من الشرير لتكونوا قدوة فلا الدرس ينفع ولا النصيحة إذا لم تكونوا أعفَّاء اللسان ولم تقيموا في البيت وحدة وتفاهما بين الرجل والمرأة. الولد ينمو بالجودة التي يراها فيكم. الإنجاب يحصل مرة وأما نمو الأولاد فعمل مستمر وسهر وصبر. ليس المهم أن تلدوا أولادًا وحسب فالأهم أن تجعلوهم أبناء لله وبنات.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

مع المسيح صُلبتُ/ الأحد 24 تشرين الأول 2004 / العدد 43

المسيحية ليست مجرد كتاب. فقد عاش المسيحيون الأوائل ما لا يقل عن أربعين سنة قبل تدوين أول إنجيل، وعاشوا ستين سنة قبل ظهور إنجيل يوحنا. ما من شك ان الرسل حفظوا كثيرا من أقوال يسوع يتلونها شفهيا على المؤمنين. ولكنهم قرأوا رسائل بولس الذي استُشهد حول السنة الـ 65. اخذوا روح يسوع عن بولس وجوهر تعليمه. شخص يسوع الحي، القائم من بين الأموات هو ما تعلَّقوا به. فإيماننا نحن ركزه الرسل على محبتنا ليسوع. لذلك قال بولس في رسالة اليوم: «مع المسيح صُلبتُ فأَحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ» (غلاطية 2: 19).

المسيحية قائمة على هذه الخاصة ان حياة يسوع القائم من بين الأموات تنسكب على أتباعه إذا هم اعتمدوا وآمنوا به. فكما صُلِب هو وأمات الخطيئة وأباد الموت، أَنقطع أنا عن الخطيئة. وهذا هو صليبي. لست أنا أُبيد الخطيئة. انه هو الذي يبيدها فيّ. «حاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح» وأنا كنت في أعماقه لما صُلب. لذلك أنا مصلوب.

بعد هذا يقول: «ما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في إيمانِ ابنِ الله الذي أحبّني وبذل نفسه عني». بذل نفسه عني أخذها بولس من إنجيل يوحنا قبل تدوينه أي أخذها بالتواتر. فقد قال يوحنا: «ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه». هنا يؤكد كاتب الرسالة إلى غلاطية التي نحن في صددها ان الناموس الموسوي لا يعطي الحياة. هو أحكام لا تستطيع أنت تنفيذها، ومخالفتك اياها فضحتْ شقاءك. توا، وبلا تبرير الناموس لك، يبررك المسيح، وإذا بررك فهو يمجدك. لذلك يجمع بولس كل هذه المعاني فيقول: «ما لي من الحياة (أي الحياة بالروح القدس) في الجسد (أي في كياني كله)»، هذا أتاني من الله وأنا أحياه. كيف أحياه؟ إذا آمنت بابن الله («أنت المسيح ابن الله الحي» كما اعترف بذلك بطرس).

ابن الله هذا أحبني، وما قال أحبنا بصورة الجمع. كل واحد منا عليه ان يؤمن بأنه بات حبيب الله في المسيح يسوع. فكما كان المسيح حبيب الله في الجوهر والأزلية، أنا أصبح حبيب الله بالنعمة التي كشفها لي يسوع بموته وقيامته.

ما هو التعامل بيني وبين ابن الله؟ هو أحبني ويحب ان اعرف هذا. إيماني به هو إيماني بمحبته لي التي أبرزها أو جسّدها بالموت.

ما الذي يجمعنا نحن المسيحيين؟ هو إيماننا بيسوع. ما يعني هذا الإيمان؟ هو يعني أني أومن بأنه مات من أجلي ثم قام. المسيحية هي التعلق بشخص المسيح باعتباره المخلّص. أجل هو مخلص العالم. ولكنه مخلصي أنا أيضا شخصيًا. أنا أنضم إليه بالمعمودية فأموت فيها معه وأحيا معه وأكون قائما من الموت الروحي منذ الآن ومن الموت الجسدي عند القيامة. غير ان السيد يريد منك ان تفعّل معموديتك فتبقى على الدوام مميتا الخطيئة فيك، وعندما تتحرر منها تعرف وتحس انك قائم معه، حي ومنتصر معه.

ولكن هذه القيامة الدائمة تتطلب منك، إلى جانب الإيمان، جهدا موصولا فتهرب من الخطيئة أولا ثم تحيا بالبر، بالكلمة، بالصلاة الدائمة، وذلك في بيتك وفي الطريق وفي الخدمة الإلهية. فأنت لا تسير فقط إلى المسيح بهذه، ولكنك تسير في المسيح وكأنه بحر تسبح به. هذا هو الإيمان الحي الذي من أجله مات الشهداء. هذا هو الإيمان الذي يجعلك ناقلا إياه للآخرين بتبليغهم الكلمة والعمل الصالح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

مَثَلُ الزارع/ الأحد في 17 تشرين الأول 2004/ العدد 42

            افترض الرب يسوع في مثل اليوم ان كل اليهود يسمعون كلمة الله وانهم فئات لا تقبل الكلمة او ترتدّ عنها او تخنق فيها الكلمة ملذاتها. وافترض مع ذلك فئة تحفظ الكلمة “في قلب جيد صالح” وتثمر بالاستمرار. ان كلام السيد مبني على ان اليهودي يذهب إلى الكنيس يوم السبت ويسمع التلاوة وان الأهل يلقنون اولادهم الكلمة من مخطوطات التوراة التي استغرقت كتابتها سنة او اكثر لعدم وجود الطباعة آنذاك. كذلك نعرف ان عمل الرباني (وبالعامية الحاخام) أن يقضي معظم يومه يدرس التوراة ويحفظها ويستشهد بآيات منها.

            وفي الإسلام من يحفظ القرآن كله ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره وبعد الحفظ يفهم. هل ينطبق مثل الزارع في اوساطنا؟ اي هل في كل بيت نسخة عن الكتاب المقدس، واذا وجدت هل نقرأها. واذا اعتمدنا على الذين يشاركون في القداس فهل “يسمعون” بصورة جيدة انجيلا منغما اي لا يدخل كلمة إلى السمع. وهل من إصغاء إلى الرسائل وهي ايضا مرتلة على بعض من الطرب لسرور المرتل؟ وكم نسبة الحضور في كنائسنا. يقول لي كاهن في هذه الابرشية عليم بالإحصاء انها لا تتجاوز .2% هنا وثمة.

            اجل صلواتنا واناشيدنا فيها الكثير من معاني العهد الجديد اي يدخل شيء من الايمان بالسمع. ولكن لو كان الله يكتفي بالصلوات والاناشيد وهي سابقة لتدوين الأناجيل لما أوحى الرسل الانجيل. قد تكمن الصعوبة الكبرى بالكسل. وما يرضي الله ان نطلب اليه القوة لنمد يدينا إلى الكتاب الموضوع في خزانة او مكتبة وننظفه من الغبار التي تأكله ونقرأه من الدفة إلى الدفة. قرار حازم يأتي من ايماننا بأن هذا الكلام هو “روح وحياة” (يوحنا 6: 63). لما قال يسوع هذا هو كان يعني حقا ما قاله اي ان هذا الكتاب كما سكبه الله في قلوب الرسل ليس مثله ما يأتينا بالروح القدس والحياة المنبثقة منه. وأبسط حجة نقدمها لكم ان ليس مثل الله من تكلم عن الله. وهو القائل: “ليس من الخبز وحده يحيا الانسان بل من كل كلمة تخرج من فم الله”. واذا صعب عليكم في البدء ان تطالعوا على انفراد فاعقدوا حلقات إنجيلية مرة في الأسبوع وطالعوا الكلمة معا بإرشاد مرشد ان وجدتموه في الرعية كاهنا كان ام غير ذلك.

            يقيني الذي لا يزعزعه شيء ان الحياة الموجودة في كلمة الله لا يعوض عنها اية قراءة لكتب روحية مهما سمت. ليس ان معرفة الإنجيل تغنيكم عنها ولكن لا شيء يضاهي الانجيل. هو يدخل الروح القدس اليك مباشرة ان قرأته بروح التوبة ومثل انسان يفتش حقا عن الخلاص وان يصير “خليقة جديدة”. معنى هذا ان هذه القراءة المتأنية تصور المسيح في قلبك فيصير لك فكر المسيح. مع مرور الزمن تحس انك اخذت تواجه شؤون دنياك بفكر المسيح وليس بناء على مصالحك. تفهم ان مصلحتك الحقيقية هي ان تتبنى مشيئة الرب.

            كيف تقرأ؟ في البدء فلتكن قراءتك متواصلة بحيث تأخذ متى ثم مرقس حتى تصل إلى سفر الرؤيا. وتفعل هذا مرتين او ثلاثا او اكثر. وتقرأ في وقت تحدده لنفسك في النهار او في الليل. وبعد اكتسابك هذه المعرفة الشاملة تذكر اي مقطع تحتاج نفسك اليه حسب اوضاعها اي في فرحها او حزنها او بعد سقطة. تفهم مثلا ان العظة على الجبل في متى (الإصحاحات 5 إلى 7) تساعدك أخلاقيا، او تحس انك في حاجة إلى ان ترتفع روحيا بإنجيل يوحنا، او تدرك ان بعض المسائل التي تواجهها واجهها بولس قبلك فتعود اليه. وهكذا تنشأ ألفة بينك وبين الكلام الإلهي.

            وقد يكون من المفيد ان تقتني دفترا تُدوِّن فيه هذه الآية او تلك او هذا المقطع او ذاك مع الأرقام واذا استحسنت مثلا كلاما عن المحبة عند بولس او في رسالة يوحنا الاولى الجامعة فاكتب رقم الآيات واحفظها كما تحفظ الشعر لتعود من ذاكرتك إلى لسانك او إلى سلوكك، فاذا لاحظت في  وضع انت فيه انك قادر ان تستحضر من ذاكرتك قولة إلهية مناسبة للموقع تكون قد بت أليفا للكلمة. وانت في حاجة طوال حياتك إلى كتاب الله. وقد تقرأ مقطعا واحدا مئات المرات وتلاحظ انه ينبوع يتجدد فيك وانك تفهم باكثر عمق آية ظننت انك فهمتها، ويبدو لك عند كل تلاوة انك تفهم اكثر. هذه هي الحياة.

Continue reading