«ألف سنة في عينيّ الرب كيوم أمس الذي عبر أو كهزيع في الليل».

         عبرت سنة مؤلمة وأقبلت سنة نرجو أن تكون أقل إيلامًا حتى يحيا الشعب بكرامته ولا تسيل قطرة دم. ونحن في هذا البلد الصغير والقليل الموارد سعينا دومًا الى التفاهم. والناس العاديّون الذين يحتاجون الى لقمة عيش وتربية أولادهم يصلّون كلّ يوم ليرفع الله عنّا الغضب. لا أحد من الأذكياء والبسطاء مقتنع ان هذه الأزمة قائمة الى الأبد اذا الذين بيدهم الحل والربط يريدون ان يفكّوا عقدها. صح ان الله سيّد الأزمنة ولكنّه صح ايضًا ان الذين يرجون سلامًا قادرون عليه والتضحيات الآنية تعقبها جمالات حب بين ممن تولى شأن السياسة. والسياسة مجرد وسيلة غايتها الإنسان. ويأتي من يأتي الى الحكم ان كنّا له عاشقين ام لم نكن. والقائمون على أمورنا قادرون ان يتخالطوا. قلت «أن يتخالطوا» ليس فقط في ما سمي التوافق وهذه كلمة تحتاج الى ايضاح قانوني ولكن ما أردته ان تتحاب شرائحهم الاجتماعية كلها حقًا وان يستلم كلّ مسؤولية في الحكم وفي الأعمال الخاصة من كان مهيأ لها بصرف النظر عن معتقده الديني.

         اظن انك إن سألت اي لبناني عن مقولة «الشعب المختار» يضحك ويجيبك: بالمعنى الاجتماعي هذه خرافة وان الطوائف كلها غنيّة بالموهوبين ان ابتغينا الموهبة شرطًا للاضطلاع بالعمل. يبدو احيانا ان مجموعة يكثر أذكياء فيها اتخذوا تدريبًا فلسفيّا او سياسيّا. ولكن سرعان ما تجد المواهب الفكرية في كل مكان. لذلك عبارة وحدة الطائفة لا تعني لي  شيئا.

         مرات عديدة سألني بعض من أبناء كنيستي: ما هو المرجع عندنا. وهذا سؤال كنت أتّخذه بالمعنى الديني وكنت أجيب ان المطران عندنا هو المرجع ولكن جوابي ما كان يرضيهم لأنهم كانوا يطلبون مرجعيّة سياسيّة. وفي هذا قلت ان الارثوذكس لم يكن لهم يومًا منذ الاستقلال او قبله زعيم يعودون اليه. ان لاهوتهم القائم على الحرية او فيه حرية كثيرة كان يلهمهم الحرية السياسيّة ولم يؤسسوا حزبًا طائفيّا وينتمون -لا كلّهم- الى احزاب علمانية ويجتمعون معا صباح الأحد للصلاة على تباين آرائهم السياسيّة.

         انا في حقيقتي لست محلّلا سياسيّا ولي ثقة بالناس على تنوّع انتساباتهم وأريد ان اعتقد ان ليس هناك مشروع لتتسلط اية جماعة دينيّة على حكم لبنان لأنها لا تستطيع ان تضمن تفوّقها الفكري على سنوات عديدة واذا استبدلت تسلّطًا بتسلّط تكون قد وقعت بالخطأ الذي نسبته مرة للآخر.

         الأمر ليس سباقا على التناسل ان تكاثره لا يهم ولا يغني عن العظمة الفكرية وطهارة العيش. «قلت لها ان الكرام قليل». واذا حسدوك لكثرة العدد يحسدونك لقلّته ان باتت جماعتك متفوقة فكريا ونشيطة اجتماعيا. في فترة ليست بعيدة كانت الصين أكبر بلدان العالم ولم يكن احد يوليها قيمة لأنها كانت قليلة الإنتاج  في كل شيء. لذلك اذا بغيت الاختلاط اريده بالمعنى الحقيقي الصادق فنختار في كل شيء القادر ان يكون محبوبا لمزاياه.

#             #

         #      

         هذا يقودني الى القول ان السياسة ليست كل شيء وانها ليست أعظم شيء في دنيانا وان خير صورة للتمازج بيننا هو المحبة التي لا تدرّ عليك مالا ولا تعلو بك الى مقام ولكنها تجعلك مبدعا اي نافعا لقومك. التماسك بيننا هو في كل مجال وليس بالضرورة في شؤون الحكم، ومأخذي على بعض القادة ذهابهم الى انهم اذا تباوسوا صادقين حلت تلقائيا مشاكل البلد. هذا اذا اعتقده شعبنا يكون على غاية في السذاجة.

         لا بد من وضع أسس عميقة فكريا لاستعادة الثقة المفقودة. ولكن هذا لا يتم آليا ولن يتم قبل ما تنتهي المسائل العالقة التي تبدو في غاية الصعوبة. والمسألة الأساسيّة هي هذه هل نحن ممثلون أدوارا لغيرنا. صعوبة الصعوبات ان كل فريق يلقي هذه التهمة على الفريق الآخر. هل نحن دمى يحركها غير اللبنانيين اذ اختاروا البلد مسرحا لصراعاتهم وتاليا اننا اقنعة في لعبة تتجاوزنا. هل من التزام للأجنبي؟ هذا كان في كل احتراب جرى في الجبل بين مطلع الأربعينات والستينات في القرن التاسع عشر. في الحروب التي توالت منذ ١٩٧٥ انا بنفسي رأيت علامات بلدان على هذه البندقية او تلك. لعلّي قلت في هذه الزاوية استنادا الى أبحاث السفير عادل اسماعيل ان كل مجابهة تمت منذ القرن السابع عشر كانت فيها أصابع الأجنبي. هل نحن عملاء او حلفاء او مناصرون لهذه او تلك من الدول؟ اختر التسمية التي تريد. ولكن ما هو واضح اننا لسنا بلا علاقات تودد او محسوبيّة مع الأجنبي. هذا ما يضعف الثقة كثيرا ولكن هذا يمكن إلغاؤه اذا تبنا الى لبنان. هذا يعني -اذا صح الافتراض- ان نتوب نحن والا نطلبه الى حلفائنا القادرين كثيرا على تطويعنا.

         الأحد في ٢٢ كانون الأول في برنامج جورج صليبي سمعت ما حرّكني كثيرا في موقف ضيفه نصري الصايغ ومفاده قوله ان المشكلة لا تكمن في علاقاتنا الاقليميّة والدولية ولكن فينا، والمعنى كما ادركته اننا قادرون على التفاهم فيما بيننا. هو جزم بما فهمته ان ليس من طائفة مرتبطة ارتباطا عضويا بدولة خارج لبنان غير قابل للفك.

         لنعمل على هذه الأطروحة ونولي الثقة بصورة مبدئيّة للطرف الآخر. هذا أعمق من جدلنا على طبيعة الحكومة الحاضرة والآليات الآتية بمن سينصّب على هذه السدة او تلك، الأمر الذي يفرض الحوار من جديد. لا يمكن احدا ان يقول انا أولي الثقة ولكن… .اذا لم نجد حلا لأية مشكلة الآن ما لم نربطها بمشاكل اخرى فهذا يعني اننا أقفلنا كل الأبواب او علينا ان ننتظر تحوّلات عالميّة كبيرة ليس لنا رأي فيها ونرضخ لها على رجاء الممكن.

         ولكني في قرارة نفسي اودّ ان أتبنّى موقف الأستاذ الصائغ على أساس الافتراض اننا نسعى جميعا الى ان نكون قوامين على بلدنا.

#             #

#

         لعلّنا اذا اتفقنا على جامع واحد في الحد الأدنى من توافق القلوب لنا ان نكمل الطريق. غير ان هذا يفترض الا نقرع نحن باب الأجنبي ولا نجعله يستهين بنا. اذا برهنّا نحن اننا نحب البلد واننا قادرون على قيادته وضحينا ببعض من المواقف الجانبيّة نصبح قادرين على إلهام الأجنبي اننا نستحق التحرر منه والدخول في الأسرة الدوليّة بلا إملاء احد.

         هل في هذا أعجوبة؟ التاريخ السياسي مليء بالعجائب. ولكن المعجزات لا تنزل من السماء على غير مستحقيها. هل هذه السطور مكان لنطلب فيه من المسلمين والمسيحيين ان يدعوا الله ان يحفظ بلدهم وان يلجم الطامعين به؟ هل كل دولة تتحرش بنا تحسب نفسها عظيمة الى حد احتقارنا واستعمالنا كرة في ملعب الشعوب؟ واذ ذاك، لا تكون مُحبة للفريق الذي ترعاه. الدول لا تحب، انها تحسب.

#                 #

#

         نفتتح هذه السنة ونحن طالبون الإشفاق الإلهي علينا وعلى اولادنا فإن اليأس قتال. الشعب يختنق والقادرون على شفائه ينظرون الى هذا الاختناق بلا حراك ولا رحمة. الى هذا، نتّكل ونعقل معا ونرجو الا يقهرنا احد.

         وفيما نستمدّ أنوار الأعياد نصلّي بحرارة حتى لا نكسر بعضنا بعضا ونستعيد أخوة مصدومة ولا يجرح أحد في كرامته ونبني وحدة متصدّعة وننمي الخيرات التي منّ الله بها على أرضنا. فالبلد قائم بإرادتنا ونياتنا والحب.