السوال الوحيد الوجداني الذي يطرح على المجاهد الوطني ان يبدي رأيه بحريّة، ليواجه ويجبه فإن المبتغى ان نعرف أنفسنا قائمين في الحقيقة ونخدمها بحريّة ممن نشايعهم او من نخاصم. هل ترضى نفسك بوقًا تردد قول من جمعتك معهم منافع لتعزيز مصالحك ام تبدع انت رأيك في استقلال عمن تشايع او من تحب لأنك رأيت ببركات بحث او إلهام الرؤية المنقذة؟ اذًا لك ان تكون في تفاهم مع بعض ممن حولك او في تواطؤ فكري ومع ذلك انت تختلف بتباينات (nuances) قلّت أم كثرت وانت مستقلّ عمّن أحببت في فواصل ترى انت أهميّتها وهم لا يرون.
أضعف الإيمان أن تكون زاهدا بكل شيء من دنياك لا تبغي ربحًا ولا مدحًا ولا استتباعًا ولكنك تجهد في سبيل تبيان موقفك لإيمانك ان الحقيقة تمليه عليك وتحرّرك لتضمن استقلالك وإخلاصك لله الذي لا يقول ابدًا قول كل الناس ولا معظم الناس. انت تأتي من تاريخ اي من سياسة لأنك لست مولودًا اليوم. انت تأتي من قراءتك للماضي والحاضر ومن تطلعاتك. انت وليد الذين تنسجم معهم في البلد وفي العالم ولكنك ايضا مستقلّ عن التاريخ وعن وطأة طائفتك عليك. انت تحبّها لأن فيها أشياء مجيدة وتأخذ هذا المجد لتجعله عظمة الوطن وعظمة الأقربين اي العرب والأبعدين الذين يحملون حضارة محبة تبنيك وترفعك.
انت متجرّد ولو كنت موصولا وتقف من كل الكتل السياسيّة على مسافة تضيق او تتسع حسب قناعاتك التي تتخذها من إيمانك بالقديسين والفهماء من كل قطر ومن ماضي كل الأمم المتأدبة والذين لم يسفكوا فيها دما وتكوّن نفسك من كل بهاء روحي جذبك واخترته فإنك حامل التاريخ الناصع كله وهو وطن روحك الى جانب هذه القطعة الجميلة من أرضنا والتي تدعى لبنان.
واذا اخترت السياسة عملا لك فلكي تشيع هذه القيم المطهرة لكل انسان فيصبح فكرك الحر رأي جميع الناس الذين يتوقون الى حمل الحق فيرصفون نفوسهم بك لأنهم أنسوا الى ما تقول مبتغين ان ينقّوا ذواتهم بما تحمله من حق ويتحرّكون، اذ ذاك، حيث يستطيعون لينوجدوا في سطوع الحق الذي به يحدد أفلاطون الجمال.
انت اذًا مع اولئك الذين يحبونك من اجل الحق الذي فيك المستقل عن قبيلتك واستقلالك هذا هو نزاهتك ولا يحبونك الا لكونهم يشاركونك هذا الحق وتتجلّى، اذ ذاك، انسانيّتهم التي على سعتها تلتزم شيئا خاصا وهو البلد. هذا هو فن الحقيقة وليس من فن الا في الخاص، في المحلي. وليس اذًا من تعارض بين ان تكون من البشريّة وللبشريّة كلها وبين ان تكون من بلدك.
# #
#
هذا الموقف قد يقودك الى الفعل السياسي او الى الفكر السياسي لأن الإنسان كما يعرّفه أرسطو حيوان سياسي. وهذا يجعلك في مواجهة مع الحكم لا دفاعا عن خيار اتخذته، ولكن دفاعا عن الدولة التي تريدها نقية. واذا التزمت هذا الجهاد الوطني لا بد ان تكون موضع اتهام لأن معظم الناس متحيزون ويحسبونك متحيزا اذا وقفت موقفا في قضيّة تبدو لهم صغيرة وتبدو لك عظيمة لأنك تنطلق منها الى إصلاح الدولة اي الى الكل الجماعي الذي تحيا انت برقيه وهو يحيا بإصرارك على الحق.
يهمك ان يكون أوّلو الأمر في البلد على الحقيقة نظرا الى الفاعليّة التي في ايديهم اذ الحكم يصلح الجماعة اذا ارتضى ان يصلحه الخيّرون.
انت تكلّم الناس جميعا بحريتك وتصونها لإيمانك بأنك تحمل الحق الذي يبرّرك امام الله. سوف يضطهدك الكثيرون ويحاكمونك على ما يعتبرونه نياتك. من الأسئلة التي أسمعها دائما: لما قصدتني يا سيدنا لما لِمتَ الرعية في موعظتك. او اسمع سؤالا كهذا: ماذا دفعك ان تكتب هذا المقال؟ يعتقدون انك ترغب في إرسال رسالة «شخصيّة» من وراء كلمات تعتبرها انت من الحقيقة. كثيرون لا يؤمنون بموضوعيّتك او بحبّك للحقيقة. هناك استلذاذ بالنميمة وبتحويل كل كلمة منك او موقف الى انفعال ذاتي ما يعني عندهم انك تنطلق من مشاعرك الخاصة لتعود اليها. في الكلام اللبناني هذا محسوب على فلان وذاك على آخر. قلّة تعتقد باستقلال أصحاب القلم. فإلى جانب طائفتك يخلقون لك قبيلة وهميّة يرصفونك فيها لأنهم لا يتصوّرون الا الفئويّة. من هنا ان الخطاب الحقيقي يبطل بين الناس.
# #
# أطلق رأيك حرا ولا تدارِ احدا الا الفقراء والمظلومين. وليرتطم به من يرتطم. واعلم ان شدّة الفكر يمكن ان تقترن برقة تجاه الإشخاص اذ لا تفتعل انت صداما شخصيا وهم قد يفعلون.
وقد يكلفك هذا احيانا ان تخرج من الحزب ان كنت منحزبا لأن العقيدة تستلبها اللجنة المركزيّة وهذه كثيرا ما يستلبها شخص. العظماء في الإبداع قلّما يطيعون قرارا يُملى عليهم من فوق. وانقسام الأحزاب علامة صحّة في كثرة من الأحوال لأنه اكتشاف الحريّة.
غير اني في تأكيدي المفرط على حريّة الرأي أقول ان القيمة التي تعلو حريّة الرأي هي استقامة الرأي. انت تتراجع عن رأيك بعد مناقشة اذا تبيّن لك ان الصواب هو عند من يناقشك. فالشورى كثيرا ما كانت أعظم إبداعا من رأي الفرد لأنها قائمة على المحبة وبالمحبة تنجلي الحقيقة.
التربية الأولى هي في الانتقال من العبوديّة الى حريّة الفكر والقول والعمل والتربية الثانية هي التعظيم لاستقامة الرأي ولو جرّ ذلك عليك عذابا شديدا.
ما أكّدته الديموقراطيات انها ركّزت على مواجهة الآراء في حريّة شخصيّة ولكنّّها لم تؤكّد على المسعى المشترك الى الحقيقة. ليس في الديموقراطيّة تركيز على الشركويّة مع ان الشركويّة قائمة على استقلال الشخص. الديموقراطيّة اذا فسدت تولّد الشرذمة. فقط اذا نزل هاجس الحقيقة على جماعة سويّة متحابة ولو تنافست في الآراء نكون في مسعى تحويل الدولة الى كنيسة كما يقول دوستويفسكي.
حريّة الرأي شرط استقامة الرأي واذا ما تحقّق الصدق في تلاقي الجماعات نكون قد أقرنّا السياسة والنور.
