ليس هذا كتابًا مفتوحًا اليك ونحن على تعارف وجداني قديم ولكنّه تأمّل متواضع مجروح في حال الأمة. أخاطبك اليوم ليس لكونك قطبًا لبنانيًا كبيرًا آتيًا من جراح الجنوب متكئًا على الشعر الذي لولاه لما كلّمتك على السياسة اذا صحّت التسمية في هذه السطور.
أكون كاسرًا كل قواعد المعرفة لو اخترقت العرفان الشيعي الذي يجيء الخيّرون من طائفتك منه. ولكن أجرؤ على دخول العاصفة الحاليّة لأكلّم قادرًا على ان يتقبّلني بخفري.
ذهولي ان قومك حلموا ان تتسع أرائك جلوسهم في ساحة السياسة الواسعة بعد ان رفضوا خلال قرون مديدة كل حكم في الأرض ما خلا فترة واحدة من التاريخ الإسلامي لأيمانهم بأنّ الإمام المطهّر عند انتهاء غيبته سيحكم الأرض. غير أنكم تلبننتم وسعيتم مع الآخرين الى مصالح الدنيا (وما قلت مصالحكم) وأردتم أن تشاركوا. وهل المتميّز مشارك أم الاشياء تأتي كما تأتي وأنتم حاضرون فيها بالشهادة لكي تقوم كربلاء شاهدة على الناس؟
مرة قال لي الإمام محمد مهدي شمس الدين: «لماذا كتبت ان الشيعة فاجعيون»؟ فأدركت أن الإمام تلبنن وان السياسة لا تصنعها الذاكرة الجماعيّة فحسب ولكن يصنعها النضال في معطيات الوجود السياسي وفهمت أنّ المتلبننين قد يفقدون شيئًا من صفة أهل الآخرة. ولكني لن أعلم قومك شيئًا آخر وأنا من أهل الكلام المسيحي. غير اني سمحت لنفسي بهذا التجاوز العلمي ان أطمع بأن أهلك يغفرون لي هذا التدخل الفقهي في شؤونهم لمعرفتهم بمحبتي.
نتلبنن اذًا جميعا ولا سيّما ان قوة العدو تغري والعدو هو من الدنيا. لقد أراد قبلكم مسيحيون كنيستهم رهبانيّة نسكيّة أي تطلب الملكوت قبل كل شيء ان يصيروا من هذا العالم وان يصيروه في لبنان الذي اصطنعوه وتبعناهم جميعًا زمنًا بعد زمن ظنّا منا ان هذا قد نجعله معًا وطن التجلّيات وأراد هؤلاء المسيحيون ان يجعلوا بلدنا فردوسًا بعد ان أنكروا الطموح الفردوسي عند الماركسيين فأوصلوا البلد الى ما أوصلوه اليه وغابوا ولن يعودوا كالمهدي. غيّبت الحرب الموارنة أو هم هكذا يقولون ويريدون العودة الى السيادة من طريق الدنيا لأنها أكثر محسوسيّة من الملكوت. وانتم الملكوتيين عن طريق المهدية جلستم في أماكنهم وبعد ان انكر الجميع على الموارنة امتيازاتهم وسموها هم ضمانات لئلا يستكبروا قبلتم انتم ان تكونوا من الأرض والذين اشتهوها قبلكم قالت لهم كتبهم ان هذه أيضًا ستنزع منهم لتُعطى لأمّة أخرى.
# #
#
شيئًا قريبًا من هذا يا دولة الرئيس أقوله لك وهو ان مرشدك الروحي الإمام المغيّب السيد موسى الصدر عرف ان يجمع بين ما هو للآخرة وما هو للدنيا. وقد رأينا. أنا وأنت، ذلك معًا مع كونك كنت فتيًا. وما كان يطلب لقومه سوى العدل على رجاء ان يتحقق في كل لبنان وما طلب لكم تمايزًا لأنه كان يقيم في الرقة ويتجاوز التكتل الطائفي مع محافظته الشديدة على الفرادة الشيعيّة في كل أبعادها. أقام في السياسة سيدًا ولم تسحره وما اشتهاها. غير ان مواهب الكثيرين منكم جعلتكم طائفة ناهضة في فكرها وإنتاجها العلمي على المستوى العالمي وفي القضاء والشعر. ولن أوغل في الإطراء فهذا ممنوع عند آباء كنيستي. ولكني أحببت ان أتعزّى بكم، اثبتوا في الحق الحاضر كما يقول عهد الحب في كتابي.
أما بعد، فنحن في الخوف وان كنا ثابتين على الرجاء. هنا يأتي دورك يا دولة الرئيس اذا لم تنحل الأزمة حين صدور هذه السطور. وشعور الكثيرين انك انت منقذ ممكن ان لم أقل انك المنقذ اطلاقا لأرعى تواضعك. فكما جمعت كبار الساسة حول طاولة ثم حول أخرى، لك من القوة والنفوذ لتجمعهم للمرة الثالثة عسى لا ينهار البلد. انتم كنتم دائمًا على الصعيد الثقافي الروحي على علاقة وثيقة بإيران وليس من فهيم يعترض على ذلك لأن الإيمان يجمع وهذا دفع للمؤمنين. ولكنكم ما كنتم تنصاعون لأحد وما أغرتكم متعة الدنيا. وشاء تطوّر شعبنا وشاءت وطنيّتكم ان تكونوا في طليعة العاملين في السياسة وصار هذا الآن حسنا على ان تحفظوا وحدة البلد مع الذين يريدون حفظه. ومن هذه الزاوية قيض لكم ان تدخلوا التاريخ.
أدرك ان أحدًا منا لا يقرأ التاريخ مثلما يقرأه سواه. صعوبة مهمتك يا دولة الرئيس ان الخلافات ليست سطحيّة أي تبدو مسابقة على النفوذ ولكن على نظام التقية التي يدين بها كل اللبنانيين ولكن الخلافات أعمق من ذلك. السياسة في وضعنا ظاهر المرض وأما الباطن الذي من التاريخ وفوق التاريخ فلا أطلب اليك ان تعالجه. القلب لا يعالجه إلاّ ربّك.
لم يبق الآن من مجال ليحاكم فريق فريقًا. الحكومة لم تهمل المعارضة لقراءة مسودة القرار المتعلّق بالمحكمة. هذه حجة سقطت الآن جزئيًا ولن يهمل مجلس الأمن لبنان بأبيه وأمه ويقر النص. لم يبق في الواقع اذًا صدام بين اللبنانيين في هذا المجال وأحسب ان الجميع يريدون ان يعرفوا القتلة. يبقى موضوع عدد الوزراء من هذا المعسكر وذاك. بربكم حلّوا هذه المشكلة بالتي هي أحسن ويقال ان غير حل قد عُرض. أفهم من جهة اخرى ألا يعني تساهل الحكومة ما يقوله الفرنسيون: «اترك مكانك لاجلس فيه».
إن ما أدعوك اليه اليوم أن تجعل من حيث المنهجيّة العمليّة لا من حيث القناعة بينك وبين أمل مسافة مؤقتة من أجل تطهّرك الروحي لتقيم في مجلس لبنان كله وتضطر زعماء البلد الى أن يجالسوك في قلب لبنان ناسين مواقعهم الى حين لنخرج من الموت. هذا من باب الترتيب وما هو بكتاب موقوت لنحل مشكلة طارئة ولو ضخمة ولا نتذابح وما هو أعمق من هذا يترك للقناعات الايديولوجية التي هي عند حلفائك على عمق وتاليًا على حدّة ليس عليهما الآخرون.
في كل فئة من فريقكم شرعة ومنهاج لا يتسع الوقت لمناقشتهما. نريد فقط الآن ان نسعى الى حل الأمور البادية أو التكلم عليها ولو تعرضت لبعض خسارة في دنياك لأنك تعلو في ان تؤثر لبنان على نفسك. ادع زملاءك. أرجوك، الى الهدوء، الى كون السلام أفضل من الصراع لأن في الصراع شهوة والسلام اسم من اسماء الله الحسنى عندكم وعندنا.
فلنبدأ بهدنة بين الشوارع ووقف الإعلام التحريضي لنلازم منازلنا ومحالنا ونعمل ولا نفتقر ولنفهم المشاركة على انها ليست تعطيل فريق لفريق وانها تلاق صادق بين أهل السياسة ولو كان ذلك في احتدام.
أظن ان لم يحترق البلد بين اليوم الإثنين الذي اكتب فيه ويوم صدور هذه الأسطر ان مشاعر اللبنانيين اليك. انت الشاعر اجعل ترؤسك طاولة الحوار شعر لبنان حتى يبقى شعور فينا اننا قادرون وحدنا في معيّة طيبة مباركة على ان نواجه وضع البلد في صدق وحماسة ليكون الله في عقولنا وقلوبنا حميدًا.
