2005, جريدة النهار, مقالات

لعب مع الله؟ / السبت 8 نيسان 2006

فيما ينصرم الصوم عندنا نخشى ان يغيب النسك عن القلب. وما النسك في مصطلحنا سوى رياضات نبتغي منها وحدة النفس مع الله من حيث انه يكون وحده الحبيب لا شريك لنا في حبه. العاشق يفهم هذه اللغة ولو احب اشياء في العالم كثيرة ولكنه يحبها في رتبتها او على صعيدها وهي مؤذية ان حجبت وجه الله عنه. القضية كلها ان يكون وجهه وحده اليك لئلا تفني في الزائلات وعلى رأسها المجد الباطل.

ان تشغلك اناقة ملبس او سكن او اية اداة من ادوات الترف او وجاهة سياسة او معرفة فيعني ذلك انك عابد لنفسك وملتمس عبادة الآخرين لك. عظمة الفكر والبطولات. ارتسام الجمالات عليك هذا ما كانت تطلبه الامم قبل المسيح. فمن المألوف كثيرا ان تفتخر الحسناء بحسنها. هذا حافز لتكاثر البشر. ولكن هذا الافتخار بحد نفسه باطل اذ لا بد ان تتروض الحسناء على انها تراب ولا بد ان تحجب جمالها الشيخوخة حيث لا بد ان تموت ذاكرة الافتخار.

والشأن الاعلى رتبة من الجمال هو رشد العقل وان يعظم ويتلألأ. قلما عرفت ذكيا خارقا تواضع امام الله ويهم الذكي ان يغريك حينا كما تفعل الجميلة ولكل منهما وسائله. ولكن غاية الاغراء في كل حقل اخضاعك للقوة اي جعلك عبدا لإله جديد.

ما حاولنا ان نكونه في الصوم هو ان نصير خلائق جديدة، في العمق، في عمق التوبة، ان نزيل العتاقة عن النفس. التوبة قناعة قبل اي شيء آخر، قناعة لو كنت اغنى انسان في الدنيا ان كل ما تملك لا قيمة له في عيني الرب اي لا قيمة له على الاطلاق. وان بدا لك ذلك فيما تكون نفسك قد هلكت. واذا بدا لك ذكاؤك شيئا عظيما تلتمع انت فيه وتتعاظم تكون نفسك قد هلكت. وان انت اوليت طعامك اللذيذ مكانة في معاشك اليومي تكون نفسك قد هلكت. فأنت تمسك في ما تبقى لنا من هذا الموسم لتتروض على ان الانسان لا يحيا من الخبز فقط وان كان لا بد له ان يقتات.

كل مسألة الصيام ان تنشئ القيمة الوحيدة في الوجود وهي ان ترى وجه الله وحده لك ساحرا.

رؤيتك الوجه الالهي في صميم نفسك اذا تألمت هي الاعجوبة التي تحل فيك في اوان الرضاء. ليس لك قبل ذلك الا ان تراقب نفسك وتعرف عيوبها وما من هذه العيوب في قعر النفس والكامن المؤذي هو ما نسميه الهوى. ومشيئة الله الاولى ان تقتلع الاهواء من جذورها بمعرفتك اولا انها دمارة واذا لم تشأ ان تضربها ضربا موجعا لتسلخها عنك سلخا قاسيا فلا توبة لك حقيقية ولكن تبقى رغبات مترددة وما تسميه توبة لن يكون الا تغنيا بجمالات روحية لست جادا في اقتنائها فيدغدغك البهاء الروحي من بعيد اذ بقيت مازجًا بين خير يحلو لك وشر لا عزم فيك حقا للمضي فيه الى النهاية.

تضع الكنيسة لمعرفتها ذلك امامك صورة القديسين الذين خلقوا مثل سائر البشر ونعرف ضعفات هذا وذاك منهم. جلّ ما امتازوا به انهم كانوا جديين في جهادهم وآمنوا ان مشيئة الله قداستهم. نعرف الذين جاؤوا من بيوت باذخة واعتبروا كل هذا تفاهة. ونعرف الثقافة المتينة التي كان عليها بعض وما اهتموا الا بوضعها في خدمة الانجيل فطوعوا له فلسفة عصرهم وما ولدوا كلهم في عائلات مسيحية ولكن لما عرفوا المسيح ساد نفوسهم وقلوبهم فماتت شهواتهم من ذاتها لأن سحره كان اعظم من سحرها.

والسؤال هو لماذا ما حققه بعض بهذه القوة لا استطيع انا تحقيقه. انه الخوف من اقتحام الوجود الصعب. الذات جذابة، مغرية والبر لا يبدو من هذا العالم. احساسي ان بعضا منا يزين له ان الله يلعب معنا بالكرة وانه غير جدي في التعامل وايانا. ونتوكل على كونه يعرفنا ضعفاء وكأنه يقول في نفسه هؤلاء الذين خلقتهم انما هم من طين وان معطوبية الخزف طبيعتهم وهم يعرفون ذلك ولا يريدون ان يعرفوا اكثر من ذلك وهو انهم قادرون على التروض على مواهبه وقادرون على توق القداسة ولكنهم في الحقيقة الحقيقية لا يريدون حتى لا يتعبوا كثيرا ويأخذهم هو برحمته كأن الرحمة رخيصة ولا تستوجب جهادًا حتى الدم.

جهاد حتى الدم قامت به امرأة تدعى مريم المصرية عاشت في دعارة مستفحلة في الاسكندرية وكاتب سيرتها صفرونيوس بطريرك اورشليم الذي استقبل الخليفة عمر عند فتح القدس. وما يقوله لنا البطريق ان مسلكها لم يكن مسلك النقيات اللواتي ترميهن ظروف الحياة كالفقر أو الاغتصاب في هذه الطريق ولكنها كانت ترغب في الشبق من أجل نفسه.

كانت بلا شك مسيحية في أولى مدن الاغريق في العمارة والفلسفة آنذاك فخطر في بالها الحج الى القدس ولم يخطر على بالها التوبة حتى اهتدت الى ربها عند عتبات كنيسة القيامة. وتقول السيرة إنها لفترة لم تستطع دخول الكنيسة لعلها أحست بالتنافر الكامل بينها وبين قدسية المكان فجاءها الهدى دفعة واحدة هز كيانها الداخلي وذهبت الى برية الاردن حيث عاشت حوالى خمسين سنة في نسك شديد كان ضروريًا عندها ليبيد الشبق الشديد.

تأتي سيرتها على تفاصيل في ممارستها الصلاة والصوم واشتياقها الى مناولة الكأس المقدسة التي كانت قد انقطعت عنها سنين طولى. هم كنيستي التي تعيد لها غدًا اذ تقيم لها الذكرى ان التائب يستطيع ان يطهر جسده وروحه وان كنا لا نزال في البشرة. والصوم اذًا في غاياته وليس فقط في رياضاته انما هو طلب النقاوة حتى النهاية وذلك حتى نقيم في الله أو يقيم هو فينا. الله وحده هو المشتهى وهذا ما يسألنا الرب ان نتابعه معه في كل يوم.

ان تنثني أنواره فيك في كل حين يقتضي انقطاعًا كليًا عن كل ما يحول دون إقامتك عنده أو إقامته عندك. واذا تراءى لك شيء من هذا تشتاق الرؤية كلها لا في الدهر الآتي فقط بل في الدهر الحاضر. اذ لا فرق بين الحاضر والمستقبل في خلوة الحب التي هي التوبة.

قد لا تبقى في كل أزمانك على الزخم نفسه أو الحرارة الواحدة. قد لا تكون ملتهبًا بالعشق الإلهي كل يوم. ذلك لان التراب ضاغط عليك. ولكن المطلوب الاول الا تعقد صلحًا مع الخطيئة. هذه أولى درجات الحب. ثم اذا قطعت الصلح مع الخطيئة المطلوب منك صلح مناقض ألا وهو الصلح مع الله. بحيث تكون ضربت الخطيئة كضربك رأس الأفعى فتعرف عند ذاك ان السم لن يدخل كيانك وان الرب مخلصك من كل إثم ومن كل خوف وآخذك في احضان حبيبه.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الشفافية/ الأحد 2 نيسان 2006/ العدد 14

من تعابير الصيام ان تنقي نفسك بحيث تكون كالبلور ولا تعذر نفسك إذا أدركت خطيئتك، وان تكون مقدَّما للآخر مثل قربان لكونك صاعدا على سلّم الفضائل التي نقيم ذكرى لصاحبها اليوم أعني البار يوحنا السلّمي الذي كان رئيسا لدير طور سيناء منذ 1400 سنة. وعندنا أيقونات تمثّل سلّمًا يصعد عليه رهبان إلى المسيح فيسقط هذا من الدرجة الثانية وذاك من الخامسة وذلك من العشرين، حتى إذا أدرك احدهم التواضع يستقبله المسيح في أحضانه.

المتواضع هو من رأى عيوبه وأقرّ بها ولم يحسب لنفسه مزايا حسنة وكان من هذه الزاوية مكشوفا للآخرين. ومن حجب نفسه دون فحص الآخرين انما هو خجول أي متمسك بعيوب يراها جزئا من شخصيته.

ومن أبواب صد الآخرين عن فحصنا اننا نقرأهم كما نريد ان يكونوا لا كما هم عليه حقيقة. وهذا يولّد موقفا يتماوج بين الافتراء والنميمة. والنميمة عيب موجود ولكنا نذيعه. والافتراء كذب يهمنا ان نضرب فيه إنسانا آخر لانه لا يروقنا أو عندنا أسباب انفعالية لنصدّه أو نبتعد عنه حتى الانشقاق. وهذا تفتيت لجسد المسيح الموحدة أعضاؤه بالمسيح الرأس.

نحن لسنا واحدا بسبب انجذابي إليك وانجذابك إليّ أي العاطفة البشرية المحضة. نحن المسيح لحمتنا وليس لنا ولاء لأحد. أو إذا شئتم لنا مودة للذي انعكس نور المسيح على وجهه. هذا بدوره يعكسه على الآخرين. ولكن هذا غير ممكن الا إذا سحقنا الأنا المقيت في تقوقعها وبانت لنا أنا جماعية التي هي روح الله في جسد المسيح.

وما يصحّ على كل المؤمنين يصحّ أولاً على خدام الهيكل الذين إذا أرشدتهم النعمة يسترشد الناس بهم. وعليهم يطبق قول السيد عن نفسه: أنا الراعي الصالح. أجل لا يستطيع كاهن أو مطران ان يسمّي نفسه راعيا صالحا. هذا ما سوف يعترف له به الديان العادل أو لا يعترف. ولكن الشفافية سلوك أساسي عند الإكليروس حتى يضيئوا ما استطاعوا الآخرين ولا يصدموهم. وضع الكهنة كوضع الأساقفة الذين قال عنهم القديس قبريانوس القرطاجي: «الأسقفية واحدة». رباطها المحبة والثقة. وأنت تولي الثقة أولاً لشريكك في الخدمة قبل ان تتحقق من شكوكك وتفاتحه بالأمر وتقدم له معرفتك.

والشفافية هي ان تسأله عن قول له وسلوك وتعاتبه عند اللزوم. فإذا سمعت انه قال عنك شيئا، حسنا تعاتبه كقول الرب في متى «وإذا لم يسمع تقول للكنيسة» التي تعني هنا زملاء محبوبين لديك أو المطران الذي يلدنا جميعا بالمسيح.

وهكذا نصل بهذه الشفافية والبساطة إلى ان يكون كل منا في قلب الآخر وجميعنا في قلب المسيح.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

ما مصير لبنان؟ /السبت 1 نيسان 2006

هو كذلك في دستوره الذي وضعت مسوّدته بالفرنسية السنة 1926 ولم تكن كلمة امة في تلك اللغة شتيمة لاحد ولا تبريكا. ودخلنا في مبادئ الثلاثينات في التمييز بين القومية والوطنية بحيث تكون الوطنية صفة لكيان قائم بحدوده وشرعيته الدولية وتوحيد شعبه. وشك الكثيرون فيه لما اكتفوا بتسميته كيانا.

نهائية لبنان، غير واقعي ان تقتنع بها سوريا واسرائيل معا. ولا يكفي لإحقاق هذا الحق ترسيم الحدود. ولعلي أسرّ لو انتصر في اسرائيل من يريد لها صادقا حدودا معنا كما تفعل كل الدول ولكن سوريا مترددة. واذا الححنا على ذلك لا يمكن اتهامنا باننا نتخطى حدود القلوب الى دنيا الحقوق.

امنيتي ان تكون علاقاتنا قائمة على القلوب لئلا يأتي حديثنا عن روابط التاريخ والجوار لغوا. والى القلب علاقات مميزة ولكن الحب لا يكون من طرف واحد.

الا ان اللبنانيين وكلهم مؤمن يجب ان يصلّوا كل يوم ليوحي الله الى الطرف الآخر ان يزداد عشقا او يبدأ عشقا.

ليس الحب امرا مقضيّاً بالمعنى القضائي وكل خلاف قضائي ينهيه الابرام، هل الحب بيننا وبين الشقيقة لا يزال في حاجة الى احتدام؟

ليس من مسألة سورية – لبنانية لتبحث حول طاولة. هناك الاعتراف الصريح بنا بمقولة القانون الدولي مثل اعتراف دمشق باستقلال زيمبابوي فتكون هي في الف خير ونثبت لها حرارتنا في عشقها.

#  #

#

الى هذا ماذا تعني عبارة دستورنا ان لبنان ذو انتماء عربي؟ هو عربي على مثال قولنا ان فرنسا لاتينية او ان روسيا سلافية. هذه صفات يطلقها علماء الإناسة (الانتروبولوجيون) على اي بلد ولكن هذه لا تعني التزاما سياسيا لأي قطر. فاذا اختلفنا مثلا مع موريتانيا أيعني ذلك اننا فقدنا الانتماء العربي؟ أنا افهم الصفة سلبيا بمعنى اننا نرفض اسرائيل. فقد اصابني نوع من القشعريرة والدوار لما رأيت علم اسرائيل يرفرف فوق القاهرة. وان عربا كثيرين يتبادلون واياها الاعتراف. ولكن ازاءنا نحن الشقيقة تتردد كأن التمثيل الديبلوماسي اذا طالبنا به يعني اننا فاترون في العروبة. انا لا افهم ان لبنان في حاجة الى تأكيد عروبته وان اية دولة من الجامعة العربية لا تحتاج الى مثل هذا الصك.

نحن لسنا مع احد في وحدة مصير. ليس من امة يعرف مصيرها الا الله. بين يديه وحده مآل الشعوب. تعلو الشعوب وتهبط. ويذريها الرب كما تذري الريح الهباء عن وجه الارض. نحن لسنا في مسيرة واحدة مع احد اذ تبدأ انت من نقطة يحلو لك المسير منها لان مسيرك من كيانك وهو من نقطة وتستهدف نقطة ويستهدف هو اخرى. السياسة تجربة متواضعة لا تدعي تحريك التاريخ وعلى طرقه تسير اقوام البشر بكل هزالتها.

#   #

#

في سذاجتي اطرح هذا السؤال: جيشنا من يصد اذا اقتحمتنا اية قوة عسكرية جدية، اية كانت جبهة الاقتحام؟ ليس من المستبعد كليا ان يقتحمنا جيش غير عربي من حدودنا الشرقية الشمالية اذا بلغها. سألت مرة ضابطا كبيرا: من نستطيع ان نصد؟ قال: لا احد. ثم سألته ما وظيفة جيشنا؟ قال تهدئة الاضطرابات الداخلية. قلت هذه وظيفة قوى الامن المختلفة، فلماذا لا تعطي الاسم للمسمى؟ ولكن حتى في الحالة الداخلية اي بمعنى تمرد مدني في منطقة اسلامية او في منطقة مسيحية من ترسل؟ هل زال خطر الانقسام، كهذا الذي خشيته الحكومة السنة الـ1975؟ هنا يأتي فهمنا لدور المقاومة المرتجى.

ليس مرادي ان اسائل حزب الله على صداقته منفردا لايران ولكني اخشى المال على نفسي وعلى كل فرد وبالحري على جماعة تعيش منه. اتمنى ان يذكر حزب الله لو قرأني اسطرا او فقرات في عدة مقالات كتبتها عن مفكريه واركان فيه باعجاب كبير ومودة منذ ما قبل التحرير وبعده. في هذه الروح اطرح سؤالي: اذا قدر الاخوة في المقاومة ان يقوموا بمناوشات او بحرب انصار بصورة مؤذية للعدو سببت طرده، ما قدرة المقاومة وما قدرة الجيش الذي يدعمها لرد اسرائيل غازية؟ من يحمينا من اسرائيل؟

السؤال الاعم المطروح على الدولة في هيكليتها هو، ماذا اعدت عسكريا ضد العدو، بما يحتوي من قوة نظامية وغير نظامية متناسقتين؟ اقرأ ان المقاومة يحلو ان تنضم الى الجيش، اي الى ان تنتظم عسكريا وهي تحديدا غير نظامية. هناك دولة في العالم هي سويسرا لا جيش فيها ولكن كل شعبها مدرب على السلاح والمواطن يحفظ سلاحه الحربي في بيته ويشكلون جيشا عند الاستنفار فقط. غياب الجيش قد يدعمه الحياد السويسري الذي تضمنه الدول المجاورة. هناك حل آخر عندنا: ممكن ان يؤلف اللبنانيون جميعا جيش انصار في كل مدينة وقرية، وهذا مخيف لأي جيش اجنبي الا اذا دمّرَنا تدميرا كاملا من الجو. اما الجيش الرمزي في عدده فمعمد للذبح اذا نمونا جديا.

ليست القضية الا تكون المقاومة الحالية اسلامية. اذا انوجدت نخوة عند مجموعة كبيرة أفهذا يؤذي؟ كلام انشائي ان تقول ان لبنان كله مقاوم. ماذا يعني هذا عسكريا؟ هل عندنا تربية ومحافظة بعضنا على بعض حتى لا يستعمل الانصار – اي نحن جميعا – السلاح الا عند إمرة قيادة مسؤولة منبثقة من كل الشرائح؟ لا احد يؤمّن استمرار اي بلد ولكن هناك ترتيب مدني – عسكري يعطيك الحد الادنى من الطمأنينة او حلم البقاء.

اذا لم نواجه قضية الدفاع الحقيقي عن انفسنا نكون كبقية العرب ظاهرة صوتية.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 26 آذار 2006/ العدد 13

كل احد من آحاد الصوم له تعليمه الروحي الخاص. هذا الأحد الذي يشرف على النصف الثاني من الصيام مخصص لتكريم الصليب الذي هو منطلقنا الى القيامة. نتوق في هذا الاحد الى الآلام المقدسة وكأننا فيها، بصورة صغيرة، قبل ان تحل.

جاء في كتبنا ان المسؤولين في الكنيسة لاحظوا ان بعض المؤمنين يتعبون من الصوم او يملّون بعد انقضاء ثلاثة اسابيع منه، والخوف ان يقطعوا صومهم. فأمام هؤلاء المتعبين وضعت الكنيسة صورة الرب المتألم لكي ينضم اليه الذين تعبوا في الطريق فيذوقون في هذه الخدمة انوارا من يوم الجمعة العظيم. الحديث في خدمة العيد يدور حول الضياء والسرور الدائم وبهاء جمال الصليب. نخاطبه كأنه كائن بقولنا: افرح ايها الصليب الحامل الحياة، يا فردوسا بهيا للبيعة. والمراد بذلك طبعا ان المسيح لما تقبل الموت صار هو الفردوس لكونه حاملا الحياة.

في صلاة السَحَر نذكر يوم الجمعة العظيم بـوضوح ثم يعـود فـي الإنشاد حـوادث العهد القديـم التي تحمل تنبؤا عن قيامة المخلص. ويطلق المرتلون الدعوة الى السجود للصليب الكريم. والسجود طبعا هو السجود للمصلوب على ان عقيدتنا في تكريمنا للايقونات اننا نكرم المرسوم عليها. والصليب هو ايقونة الايقونات، ونحن لا نستعمل في الكنائس صليبا عاريا.

الى هذا تذكرون اننا نقوم بزياح الصليب قبيل القداس الإلهي اذ يوضع على صينية محاطا بالرياحين او الأزهار وبثلاث شموع. وبعد ان يصل الكاهن حامل هذه الصينية الى وسط الكنيسة يرتل: “لصليبك يا سيدنا نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد”. ويسجد المؤمن امام الصليب ويقبله ويعطيه الكاهن زهرة تحقيقا لما نقوله كل احد في السَحَر: “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم”.

نحن لسنا كنيسة متفجعة. نحن لا نبكي المسيح المصلوب. المسيح لم يرغمه احد على الموت بل هو بذل نفسه وذلك على طريق نصره. وان أتى الحديث عن نوح والدة الإله في أمومتها الا ان الغالب على مدائحنا وصلواتنا نبرة المسيح الظافر.

ينتج من هذا اننا لا نقف عند اوجاعنا الشخصية وأمراضنا واحزاننا. ان كل هذه سمح الله بها من اجل تقديسنا وانتصارنا عليها. في كنيستنا ليس من تقديس للألم وليس هو بحد نفسه عطاء اليها. الله يريد الشفاء وجعل مسحة المرضى سرا من الأسرار المقدسة. والشفاء في الإنجيل من علامات الملكوت. طوبى لذلك الانسان الذي يقدر في آلامه ان يمجد الله.

قد يكون في الصوم عذاب لبعض المؤمنين الذين لم يعتادوا هذا التقشف. ولكن الممارسين الجيدين يتخذون الصيام ربيعا للنفس، فرصة للتطهر وقفزة الى قيامة المخلص. سمعت من قال يا ليتنا نصوم في كل حين. المهم ان نصوم وكأننا نذوق القيامة. المهم في هذا اليوم ان نعانق السيد في كل بهائه ونكمل مشوار هذه الأربعينية العظيمة وندخل الأسبوع العظيم الذي فيه نتجلى.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

صوم وسياسة واقتصاد / السبت 25 آذار 2006

الاحد الماضي دعاني الى العشاء صديق مسلم مع ستة مسيحيين، خمسة منهم ارثوذكسيون وهيأ لنا مائدة صيامية على الطريقة الارثوذكسية اي نباتية مطلقًا لا لحم فيها ولا مشتقات اللحم تحتوي على ما لا يقل عن عشرة اطباق على جودة عالية. كان واضحا ان الضيافة التي تعني ان تحب لضيفك ما يحبه لنفسه كانت كاملة. وسبق المائدة وتبعها الاستماع الى موسيقى كلاسيكية.

يقابل ذلك ان المسيحيين ينتظرون شهر رمضان لانهم يتحسسون صعود المسلمين على معارج التقوى ومن المسيحيين من يشتهي الافطار وهذه الشهوة فيها شيء من التقوى لانها تقوم على مشاركة الوجدان واللقاء في الفرح.

ما ينبغي التذكير به ان صيام المسيحيين مؤسسة كنسية وليس فيها امر الهي في العهد الجديد ولو اشار الانجيل الى مبدأ الصيام بلا تحديد فترة. من هنا، ان الكنيسة حرة في تنظيم هذا الامساك وفكرة التعديل واردة عند الارثوذكسيين على المستوى العالمي. والكنيسة الكاثوليكية اخذت تميل الى تخفيف من الحمية باتجاه اباحة اللحم في معظم الايام. ما يجمع ممارسة الكنيستين ان المسيحي الذي كان يأكل في البدايات وجبة واحدة بعد صلاة الغروب اخذ يفطر عند الظهر. ان يمسك الانسان الذواقة عن اللحم ومشتقاته ليس بالامر السهل.

الكنيسة الشرقية مع حبها الكبير للصوم تقبل في الفصح من صام ومن لم يصم. الى هذا نلاحظ ان الصوامين كثروا من حوالى ثلاثين او اربعين سنة اذ قوي الشعور بالتزام الحياة الكنسية بالنسبة الى عقود خلت. كذلك تكاثر عدد الذين يؤمون الكنائس في الآحاد فصار هؤلاء يستلذون الصوم وينتعشون به.

الاتجاه الكاثوليكي ان التقشف الروحي او مكافحة الرذائل افضل من التقشف الجسدي. لا احد منا ينكر ذلك لكن المؤمنين العاديين في الكنيسة الارثوذكسية يشعرون ان الانسان الملتزم مدعو بعمق الى ضبط اهوائه على الطريقة القديمة وانك لا تقدر على ان تفصل بين الجسد والروح في رؤية لاهوتية صحيحة.

#   #

#

مهما يكن من امر – وهذه الكلمات ليست جدلية – فالصوم ممارسة تجمع المسيحيين والمسلمين في السلوك الروحي غير ان المسلمين يلتمعون روحيا في الزكاة ايضا. هذا الركن من اركان الاسلام ليس معروفا في المسيحية بمعنى ان الاحسان فيها طوعي وغير محدود حسابيا. لكن مراجعنا القديمة تدل على ان الصوم كان دوما مقرونا بالصدقة عند المسيحيين والان يبدوان منفصلين. فتبقى الدعوة المسيحية الى الصوم متصلة بتكثيف الصلاة كمًّا وعمقًا.

ما يجمعنا بعضنا الى بعض من هذه الزاوية اننا نسعى في هذه الرياضة النسكية الى ان نصير حبا بالله، احرارا من وطأة الجسد ومن تحكم الشهوة وساعين الى وجه الله الكريم. اولية الرب او مركزيته او محوريته هذا ما نطلبه في هذه المواسم. فان كنت خاليا من العزم الروحي تحول هذا الى حمية. ان انتظامنا في هذا المنحى ينفعنا في تربية النفس على التماس الله.

في هذا التأمل ما يؤلمني ان الفقير صائم الدهر قسرا لان الحرمان كثير عليه ونحن بتنا اليوم شعبا محروما نرتضي قسوة فرضت علينا لان تحسس آلام المحتاجين ضعيف جدا في مصف الحكام. ان يرتضي المرء حرمان نفسه تخشعًا وتعبدًا هذا له موسمه. ولكن ان يحكم على الشعب بأسره ان يكون قليل الدخل، وان يفرض هذا على الاطفال فأمر لا يطاق. تعيش الدولة وكأن رعايتها للمحتاج ضعيفة جدا. نحن نشتكي من الهجرة ولكن الكثيرين بسبب فقرهم ليسوا قادرين على ان يدفعوا عن كل افراد العائلة ثمن تذاكر السفر. ويدعي هذا المواطن الفقير انه يتمسك بالارض ولكن اي ارض. هي لا تعطي ثمرا او لا تصدر الفاكهة او ليس لها حماية كافية والبطالة في قطاعات كثيرة متصاعدة وهبوط الدخل ينذر باقترابنا الحقيقي من الجوع.

#   #

#

ازاء ذلك لست ادعو الى ان نترك المسائل السياسية الحادة التي يتحاور فيها الكبار لننصرف الى اولية الاقتصاد. هذه كلها امور متماسكة طائفيا. الحرمان ينتقل بسبب من السياسة من منطقة الى منطقة. ورجاؤنا ان يزول من كل الشرائح وكل الملل حتى يتوحد الناس بالوفرة والرخاء.

هذه هي الوحدة الافقية ولكن لسنا على وحدة عمودية بين الحاكم والمحكوم. حسنة الحاكم انه يعترف بالهدر عند زميله ولكن لم اسمع احدا أعلن في وسائل الاعلام انه كان من الهادرين. هذا بلد ليس فقط خاليا من المحاسبة ولكنه خال من الاعتراف. ليس احد في لبنان مستعدا ليتخلى عن صداقاته. كل منا يعاشر كبار الهادرين. الكثير منهم «مهضوم». من قال ان السارق ليس خفيف الروح؟

اجل اقرأ في صحف العالم ان هذا او ذاك من الرؤساء ارتشى. ولكني اقرأ ايضا ان المرتشي اذا انكشف امره يقع تحت المحاكمة. انا اعرف محترفا ان لبنان عظيم في تشريعه ولكنه ضعيف في قضاته هنا وهناك وهنا لا اتهم احدا فقد يكون معظم القضاة نزيها ولكن التشكي من الهادر لا يصل اليهم. هل اذا اتينا ببعض القديسين الى الدولة يتغير الحكم عندنا. هل امنيتي هذه تأتي عن سذاجتي؟

قال لي اكثر من عالم مالي ان بعضا من التدني بوضعنا المالي نتج في هذا الامر او ذاك من ضعف في العلم الاقتصادي. هذا ما علمته في غير لقاء جمعني مع كبار العلماء ولا استطيع ان افصل المنطق الذي اتخذه هؤلاء لانني مقصر في هذا العلم. ولكن ما اجمع عليه هؤلاء هو هذا. جهل وهدر اذًا اجتمعا لنكون على هذا القحط الذي نحن عليه اليوم. هل اذا اتانا رئيس جمهورية في يوم رضاء الهي قادر على ان يطلق تحريرنا من هذا الكابوس؟

يبدو انه يجب ان نصوم اي ان نقلع عن ابتلاع اموال المواطن. ترجمة هذا اننا اذا لم نحسن المحاسبة فأقله ان زمان التوبة قد اقبل. هل يتناهى هذا الليل لنعيش في وضح النهار واذا ساغ في الحلم ان نحيا في فجر ابدي. «انما الامم الاخلاق» بداهة. من يصرخ، من يصفع، من يحرك الضمائر. قد يكون السلاح الوحيد في بلد صغير تحريك الوجدانات الحاكمة والمحكومة معا. «الاولاد جياع وليس من يقدم لهم طعاما»، هذا جاء في كتابنا.

ألا ألهم الله المتحاورين حتى ينكبوا على هذه المسألة دون ان يتركوا المسألة السياسية. من تسوس اذا لم يبق احد؟ كيف يبقى من لا يقتات بدنه؟ تلك هي العقدة الكبرى التي تنتظر فكها في تجلي القلوب.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

على طريق الصوم/ الأحد 19 آذار 2006 / العدد 12

كلما مشينا خطوة على طريق الصوم واستمعنا الى المزامير في الليل والأناشيد وتلاوات الكتاب، نشعر أن المسيح يحفظنا اليه لنبيت عنده ويسكن هو فينا ونتدرّب على أنه هو -لا الطعام- مشتهانا، ونحس بأنّ الحديث معه يعوّض عن كل تحرّك أرضي. نبقى شاهدين لضعفنا ولكنا نشتاق أن تكمل في ضعفنا قوّة المسيح.

نفهم انه هو الذي يمكّننا من التغلّب على شهواتنا الضارة. هي تحاول أن تطغى وأن تعيدنا الى قذارة الخطيئة ولكننا نتسلّح بالنباهة حتى لا ننام نومة الموت، ليكون صحونا اندفاعا الى الفصح الذي هو غاية رياضاتنا كلها في هذا الموسم. قد نتموّج بين الحزن والفرح، ولكن اذا انتابنا الحزن بسبب سقطة طارئة يوقظنا الروح القدس الى معاشرة المسيح بحميمية أعظم ليكون مكان المسيح في القلبِ القلبَ كلّه.

يؤلمنا طبعًا أن بعضًا لا يصوم. نحن لا نـدينهم، وربما كانوا أقـرب الى السيد مـن الصائمين. مع ذلك نتابع الصلاة من أجل الجميع حتى يرأف الرب بغير الصائمين ويلهمهم على أن يمشوا معنا على الطريق الواحد المؤدّي الى القيامة.

نحن اذًا همّنا أن نشهد أننا خطأة وأننا نتلهّف لغفران يسوع. عندما يأخذنا المخلّص الى خلوة معه والصيام خلوة نفهم فيها أننا في حاجة الى دوام اليقظة وأننا مكلّفون أن نوقظ الآخرين بالمثل الصالح حتى لا يبقى أحد ساهيًا أو غافلًا. وطلبا لليقظة نقرأ ما استطعنا كلمة الله في بيوتنا لأنها تحتوي طاقة على إيقاظنا عظيمة ونرى من خلال الكلمة يسوع نفسه. منا من اشتاق أن تؤدّى صلاة السحر وصلاة الساعات والغروب في كل كنيسة. منا من اشتاق في هذا الزمان المبارك أن يقضي كل يومه في الكنيسة حتى يصبح كلّ منا هيكلا لله يسكنه المسيح الى الأبد.

هذا يستتبع أن نعف عن اللهو، عن المناظر اللاهية في المرئي والمسموع. فالعين باب من أبواب اللذات المؤذية. كذلك الأذن. لذلك كان الموسم زمان الدخول الى النفس اذا جعلها المسيح مسكنا له. اذا لم نفتحها نحن بالطاعة الى السيد ليمتد فيها ويطرد ما كان فيها ضده، يصير صومنا مجرد حمية طعامية لا قيمة لها.

قد لا نكون مع المسيح كليّا ولكن صيامنا شهادة على أننا نريد ذلك، والشهادة دعوة على أن يكون الجميع كذلك. هذا الموسم موسم تنظيف كامل وجهد موصول، فنذوق أننا لسنا فقط من طين ولكنا من نور أيضا. والرب يكلّل الجهد ويعضدنا بنعمته ويقينا الأخطار المحدقة بنا. إنّه حافظ حياتنا بتأمين منه، فإنه هو الذي يدفعنا الى الا نتكاسل ولا نستكبر ولا نبغض، وهو الذي يسكب علينا محبته فنتعلّم اذا لمسناها أن نحبه نحن أيضا. الله مربينا بالنعمة وبالكلمة وبتضميد جراحنا حتى نعرفه أعظم من كل شيء في الدنيا وأجمل.

واذا رأيناه كذلك لا نبقى نرى جمالا في الخطيئة أو في إهماله أو نسياننا إياه. يجذبنا اليه من بعد هذا التمرين الصيامي الطويل أكثر مما كانت أهواؤنا تشدنا اليها. فإذا ارتحنا الى الرب نكره كل ما كنا نظـن أنه يريحنا وكان ضـده. فـاذا حملنا صليبه على أكتافنا، نلمس أن حمله خفيف وأننا سائرون به الى القيامة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الارثوذكسيون في لبنان / السبت 18 آذار 2006

لست اعرف عددهم على وجه الدقة. هذا سؤال ممنوع الاجابة عنه في لبنان الذي يخشى الارقام لخشيته خللاً في التوازن. ولكني قلت – منذ عدة سنين – وقال غسان تويني ومنير ابو فاضل، رحمه الله، بلا تشاور بيننا ان الارثوذكسيين اربعمئة الف واذا انجبوا يكونون اكثر من ذلك، اليوم. “تعيرنا انا قليل عددنا  “لا يؤخذ بها هنا.

هذه الطائفة تمتاز من بعد معركة ميسلون وارتحال فيصل عن دمشق بانها، جملة، لم تتردد بين لبنانيتها وغربة لها عن لبنان في الازمات الحادة مثل حوادث السنة الـ 1958 حتى اليوم ومرورا بالحرب الاهلية حيث التزمت خطا وطنيا وبقيت، في وثيقة رسمية صادرة عن المجمع المقدس في تموز من السنة الـ 1975، متبنية القضية الفلسطينية.

غير انها لا ترتاح الى النظام القائم في البلد او لا تستعذبه ولا تستسيغه. وهذا بخلاف ما يظنه البسطاء له علاقة بتاريخنا وبلاهوتنا. تاريخنا، نحن منبسطون في كل الرقعة الجغرافية التي تقيم عليها الكنيسة الانطاكية. ولنا مع هذه الرقعة صلة تعود الى الرسل والى الآباء القدامى بمعنى اننا ملأنا كل البقاع التي تؤلفها بلاد الشام ولا نتعقد من اي امتداد جغرافي لان كل جغرافية الكنيسة الانطاكية جغرافيتنا الروحية واعطينا شهداء في كل مكان ووضعنا مؤلفات روحية في كل مكان. ووجودنا في لبنان يرافقه ولاء لهذا الوطن بلا شرط نفرضه وبلا مطلب لنا دائم او مؤقت. نتقبل لبنان من التاريخ ونعمل له وفيه. وبعثنا بأساقفة من لبنان الى كل الابرشيات في هذه المنطقة من العالم وفي بلاد الانتشار.

لاهوتياً المثال البيزنطي لعلاقة الدولة والكنيسة سمي سمفونيا اي التناغم بينهما وليس سلطة الكنيسة على الدولة ولا الدولة على الكنيسة معنى ذلك ان الدولة كان لها نطاقها الخاص ولا تتلقى اوامر من بطريرك القسطنطينية. اي ان الحكم لم يكن حكما إلهياً بل حكم بشر يستلهمون الانجيل لانهم كانوا مسيحيين. لم تكن دولة الروم دولة دينية بخلاف ما ذهب اليه المستشرقون. لذلك يندمج الارثوذكسيون بسهولة بدولة لبنان خصوصا انها مدنية لا رأي فيها بالاديان ولو قالت باجلال الله. فالفلسفة السياسية الارثوذكسية تحمل بذار التمييز بين الدين والدولة وتحمل بذار الاعتراف بنطاقين مختلفين. لذلك كان الارثوذكس قابلين بسهولة الانتماء الى احزاب علمانية او تقدمية او قومية او اشتراكية. وكانوا في طليعة بعض الاحزاب او مؤسسين لها. في خلفية تفكيرهم ربما او في فكر ابناء كنيستهم ان هذه لا تمارس السياسة او لا تحترفها. وان كانت توجه المؤمنين الى التمسك بالوطن والدفاع عنه والى رفع شأن الفقراء. ولئن عرف الارثوذكسي ذاتية الشأن العام وذاتية الكنيسة اي التمييز بين نطاقين الا ان النطاق الوطني والسياسي تسوده عند المناضل وجدانيات تأتيه من روح الانجيل.

• • •

في هذا المنطق يسلك الارثوذكسي الاصيل في السياسة غير رهين لها الا اذا كان نأى عن تراثه ولم يعرف من اين اتى. هو يعرف انه في العالم وانه تاليا في السياسة وليس منها ويعرف على الاكثر ولوج ابواب الدنيا الا انه ليس من الدنيا وعلى قدر استقلاله عنها يخوضها بسلامة من اجل المواطنين جميعا. لذلك ليس من سياسة ارثوذكسية بمعنى ان الطائفة لا تطلب ما لنفسها ولكنها تطلب ما هو للمجتمع الوطني. من هنا ان الارثوذكسي ولو ارغمه الدستور اللبناني على ان ينتمي الى طائفة بمعناها المجتمعي السياسي الا انه يحس بانه ينتمي الى الوطن كله ولا يعبر بطائفته ليصل الى الوطن. الدستور يريدها جزءا من الوطن فتخضع لمنطق الدستور عمليا ولكنها روحيا تنتمي الى ملكوت الله.

اعرف طبعا ان ثمة مواقع مفروضة علينا اذ لا بد لك في عالم الحقوق من اصطفاف لتسجل على انك واحد بين كثيرين لكن قلبك او مثالك ليس في هذا. ليس انك غدوت علمانيا بالمعنى الغربي ولكنك حر داخليا من ضغوط الممارسة السياسية اللبنانية لتعالجها بروح الاخوة للمجتمع.

هذا لا يعني – كما قال لامارتين – اننا في السقف لما سئل في مجلس النواب الفرنسي اذا كان عن اليمين او عن اليسار. لا يفهمن احد من كلامي ان شأنا من شؤون الوطن لا يخصنا وتضطر احيانا ان تختار حلفاء لك ليس عندهم منطقك المتعالي عن التحزب وتصطف احيانا وانت حر لتكون ابعد ما يكون عن ضغوط اللعبة السياسية. لكنك تذكر انك طائفة بالمعنى السياسي لان واضعي الدستور رأوا ذلك.

ولكن على رغم دخولك اللعبة يبقى قلبك مستقلا عن الالاعيب وتحاول ان تكون طاهرا ما امكن في هذا العالم الساقط. انت ملتزم الشأن العام ولكن في روحيتك انت ووفق تراثك الذي يجعلك ترى كل مواطن اخا لك، ابنا للارض التي تتحرك عليها ومتطلعا الى آفاق تفوق توقعات الكثيرين وحساباتهم.

• • •

تحالف او لا تحالف ضمن ثوابت ايمانك وتراثك التاريخي. على مستوى المشرق العربي هذا يعني انك منه وانك حملت الدولة وهمومها ومنذ مطلع القرن العشرين كنت من طلائع الاحرار لتخرج العالم العربي من سكونيته بروح وحدة فيه وذاتية فكرك بآن. ومن هذه الزاوية تحيا حريتك وحرية كنيستك في دنيا العرب وازاءها بآن. ترى نفسك للعرب وليس دائما مع كل العرب لانك منهم وناقد لهم. انت للمصير التاريخي الذي يتحررون فيه ليكونوا عاملين في حضارة العالم.

ولا شيء يمنع ان تكون من لبنان في كل اطيافه اذ ليس هناك كنيسة لبنانية. هي في لبنان ولكنها من الله. ايمانك يجعلك واحداً من الذين يؤمنون بيسوع مخلصا للعالم. لذلك تتألم معهم وتفرح معهم وكل شيء يدعوك ان تحاورهم سياسيا ليكونوا مشاركين في تحرير العالم العربي باعتبارهم منه وله ولو كان العرب حاليا يعانون ازمات كثيرة تهدد تقدمهم في معارج الحضارة.

الى هذا اقول انه من التكاتف العربي من جهة وتوقا الى الرسالة المسيحية في لبنان من الضروري ان ينشأ تضامن مسيحي على اساس الندية بين الجماعات المسيحية التي لا تريد ان ترى نفسها ازاء المسلمين. نحن لسنا ازاء احد. فالحوار المسيحي السياسي مطلوب الى جانب الحوار الكنسي في هدف ايجابي بناء وهو بناء الوطن مع المسلمين وذلك لاقامة بلد موحد في خدمة الجميع.

انا لا ادعو الى مسيحية سياسية. هذه مقولة لا معنى لها بعدما تجاوزنا الوطن المسيحي. هذا واقعيا لا يمكن ان يقوم وليس مستحبا ان يقوم. ذلك لاني اعتقد ان طائفة مسيحية منفردة لا تستطيع ان تبني مسيحية دينامية في الحقل السياسي تكون في خدمة كل لبنان. ان يكون لهذا الوطن نكهة مسيحية مميزة ونكهة اسلامية خير لتلاقينا جميعا في خدمته. واني لاظن ان للارثوذكسيين نكهة خاصة في اخصاب التوحد المسيحي والوحدة اللبنانية الشاملة.

لقد برهن الارثوذكسيون انهم لا يريدون او لا يستطيعون ان يكونوا كتلة سياسية واحدة. هذا آت من تاريخهم ومن لاهوتهم. واذا استطاعوا ان ينشئوا وحدة مسيحية ما في الوطن فهم عنصر فعال بما لهم من طاقة ان يدفعوا المسيحيين الآخرين على ان يكونوا مع المسلمين وطنا واحدا.

قد يكون هذا التطلع على شيء من الطوباوية ولكنه ممكن بعدما اقتنعنا ان كل الطوائف اللبنانية لا ترى بديلا من هذا الوطن وان طائفة ما لا تعمل لسؤددها وانها تؤمن او اضطرت ان تؤمن بوحدة اللبنانيين في المساواة الكاملة. بناء هذا الوطن اضحى ممكنا بعد آلام كثيرة علمتنا الا نرتهن لاحد مع انفتاحنا بعضنا على بعض.

في مؤتمر صحافي لي في موسكو منذ عشرين سنة سألني صحافيون سوفيات: هل انتم معنا او مع الاميركيين؟ اجبتهم ببساطة: نحن اللبنانيين مع الذين هم معنا. تنفتح السياسة الخارجية على ما اظن على هذا الاساس.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الارثوذكسية/ الأحد 12 آذار 2006 / العدد 11

الأحد الأول من صيام السنة الـ843 اعلنته كنيسة القسطنطينية أحد الأرثوذكسية لانتصار الأيقونات على محطميها، وهذه كانت حربا حقيقية دامت حولى مئة سنة. وقد كشفت الكنيسة إيمانها بالأيقونة في المجمع المسكوني السابع (787)، ومع ذلك بقيت الحرب علينا واستشهد من استشهد على يد أباطرة الروم (البيزنطيين). صار تكريمنا للايقونة جزءا من العقيدة. لذلك يسمي العامة احيانا هذا الأحد احد الايقونات. ولكن انطلقت الكنيسة من هذه العقيدة التي أعلنت اخيرا لتعلن ايمانها بالعقائد الأساسية (الثالوث، التجسد الإلهي) التي عبّرت عنها المجامع الستة السابقة.

فالفكرة التي يمكن استخراجها من هذا التعييد ان الصوم لا ينفع فيه امساك او تقشف الا اذا كان ايمانك سليما وما كنت واقعا في معتقد فاسد. فماذا ينفعك الصيام لو كنت تشك في ألوهية المسيح او في حقيقة قيامته؟ القلب المفعم بالنعمة والمتطهر بالإيمان يأتي اولا، وبعد ذلك يأتي السهر على ضبط النفس بالصوم. لذلك رتبت الكنيسة آحاد الصوم الثلاثة الاولى ليكون اولها مخصصا للإخلاص للأرثوذكسية وثانيها للقديس غريغوريوس بالاماس الذي دافع عن سلامة العقيدة في القرن الرابع عشر، والثالث للسجود للصليب الكريم، حتى اذا انتهينا من التركيز على سلامة ايماننا ننتقل في القسم الثاني بنوع اخص الى التوبة فيأتي في الأحد الرابع ذكرى القديس يوحنا السلمي الذي علمنا في كتابه العظيم “سلم الفضائل” عن الفضائل التي يجب اقتناؤها، وفي الأحد الخامس نكرم القديسة مريم المصرية استاذة الأجيال في التوبة، وعند سبت اليعازر ينتهي الصوم. فندشن صومًا اعظم شدة مع احد الشعانين.

تعليم اليوم الذي نحن فيه الا يستهين احد بسلامة المعتقد. فالأرثوذكسية هي في العربية استقامة الرأي اي ان تقول في الله وفي كنيسته ما استلمناه مرة واحدة من القديسين، وما كان غير الارثوذكسية نسميه الرأي الآخر او المختلف ولا نقول مثل عامة الناس: “كل واحد على دينه الله يعينه”. نحن صلاتنا ان يعتنق كل البشر الإيمان المسيحي السليم الذي جعلتنا النعمة نحافظ عليه، وقد مات من اجله الشهداء وجاهد في سبيله الأتقياء في كل جيل، وكلفنا احتمال القهر في كل بلدان العالم. وقد تدارسه اللاهوتيون في معاهدنا ويسهر على استمراره ونقائه الأساقفة لأننا به نخلص.

وإيماننا هذا ليس مجرد حفظ العقائد بتلاوتنا دستور الإيمان، ولكننا به نخلص حسب قول الكتاب: “آمن ابراهيم بالله فحُسِبَ له ايمانه برًّا”. الإيمان يقدسنا. ولذلك اذا اوحى الله لنا ان نعلن قداسة احد نفتش ان كان في معتقده زغل او خطأ او انحراف صغير. فاذا كان شيء من هذا وبدا هو في ايامه طاهرا فلا نعلن قداسته.

لهذا يقول السيد في إنجيل اليوم: “الحق الحق اقول لكم انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر”. انت لا يمكنك ان تتسلق سُلّم السماء وان تجلس عليها مع الملائكة الا بايمان سليم. هذا الايمان هو سُلّمك الى السماء. وفيه ينكشف المسيح ويكشف لك كل جمالات أبيه. انت تذوق الايمان بالقلب وينزل عليك بالعبادات وتقويه بالدرس وهو الذي ينشئ فيك محبة الله ومحبة الإخوة. فاذا استقامت لك هذه الأشياء وحركت قلبك يكون صومك نافعا لخلاصك وتكمله مطهرا من كل خطأ في الفكر وتحاول ان تكمله بتطهير للقلب ليسكن الله في عقلك وفي قلبك معا وتستأهل ان تعاين الفصح.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

المسيحية والمسيحيون / السبت 11 آذار 2006

قضيت سهرة ممتعة مع أربعة او خمسة أصدقاء أحدهم يلامس الايمان وكان تحديه عظيما وجدّيا للفريق المؤمن اذ قال: أين المسيحيون من المسيحية. وهذا معروف منذ جحود بطرس وخيانة يهوذا وهما من المختارين. وما من شك ان الله يعرف كل خونة الدهور المتعاقبة أي انه يعرف ان الكنيسة في أيدي أناس خطأة. المسألة الحقيقية تدور حول هذا السؤال: هل يمكن المسيحي أن يكون كاملاً؟ تأمل في هذا السؤال أحد آبائنا الأقدمين وقال ان الكمال الذي دعا اليه المسيح هو ان تسعى إلى الكمال. غير ان غريغوريوس النيصصي صاحب هذا القول عاش في القرن الرابع حيث كانت الكنيسة تقطع من عضويتها مرتكبي بعض المعاصي الجسيمة وهي الوقوع في الوثنية والزنا والقتل. ثم سرعان ما أعرضت عن هذا الانضباط لتعوضه بعقوبة ابعاد المرتكب عن الكأس المقدسة فيبقى الزاني بحسب قوانين باسيليوس الكبير خمس عشرة سنة خارج المشاركة الكنسية بحيث يقبل حضوره القداس ولكن من دون سر مناولة جسد الرب.

ثم سقط هذا التدبير واستُعيض عنه بسر التوبة الذي يمارَس بالاعتراف ويستتبع أحيانا عقوبة الابعاد عن الشركة لفترة طالما عرفناها قصيرة فيبقى المؤمن الذي أخطأ صمم تصميما صادقا على الرجوع الى الله. هنا يقول القديس افرام السرياني: «الكنيسة هي جماعة الخاطئين الذين يتوبون». احصاء المسيحيين الذين يقعون في هذا الذنب أو ذاك – ونحن لا نعرف ذنوب الآخرين – إحصاء غير ممكن واذا أمكن لا ينفع اذ «ليس من إنسان يحيا ولا يخطئ». ولكن ما من شك ان ألوفا مؤلّفة من الناس يبتعدون عن الإيمان بسبب خطايا المعتبرين مسيحيين ولا سيما اذا كان هؤلاء الخطأة يصلّون في الآحاد والأعياد ويمزجون بين آثامهم وأعمال الرحمة التي يقومون بها. المؤكد ان كلاً منا يعرف أنه من طين وأن أحدا لا يحمل صك براءة واننا ندخل ملكوت الله فقط بالرحمة ولكنّا، مسيحيين، نتوق دوما إلى الجمالات التي كشفها لنا المسيح في نفسه. المسيحية هي الشوق إلى البهاء الإلهي ينسكب علينا في أويقات الرضاء الذي يرضى به عنا القائم من بين الأموات.

لست أريد على ذلك ان أقتنع بما قاله نيتشه: «آخر مسيحي هو ذلك الذي صُلب على الصليب». مع ذلك اشتهى كتاب العهد الجديد أن نحيا حياة المسيح فينا، أن نُدفن معه ونقوم معه، والمصطبغ بالمعمودية عنده شيء من هذا أو الكثير. ثم عندك صبغة الشهادة بالدم. يقول علماء الاحصاء ان المسيحيين في الالفي سنة التي عشناها يقدرون بستين مليار نسمة. ذبح من هؤلاء الملايين في أصقاع عديدة من هذه الدنيا. هؤلاء أحبوا المسيح حتى النهاية في شجاعة أذهلت علماء النفس. فمن زهد بحياته يكون بلغ الكمال، استطاع هؤلاء اذًا ان يلبسوا المسيح بصورة كاملة. انهم وصلوا اليه في قلوبهم وأجسادهم. والشهادة في المسيحية واجبة ولا خيار أمامها.

إلى هذا نُعجَب نحن بالقديسين الذين كانت حياتهم ذبيحة غير دموية بحيث انهم قضوا على شهواتهم. ونحن نعلن قداستهم بعد تحقق دقيق ليقوموا نماذج أمامنا ويجذبونا إلى طهارة السيد. واذا بلغ هؤلاء هذا المجد يعني اننا قادرون جميعا على بلوغه. معنى ذلك ان المسيحية ليست فقط حلما أو تغنيًا ببهاء من سبقنا إلى حب الله حبا كبيرا، لكن المسيحية بالإنجيل وما يحوط به من حس إلهي تحمل طاقة أن تكون مثل الله في القوة الصادرة عنه ولو بقيت عبدًا مخلوقا. فالقدرة الإلهية التي تنزل علينا بنعمة التروض تمكننا اذا استطعنا ان نطيع، إلى مقامات مذهلة من الجمال الروحي ساطع في سيرة قديس أو غير قديس نعيّد له كل يوم من أيام السنة. وهذه سِيَر لك ان تقرأها اذا شئت وتعرف ان المسيح عاش في ألوف مؤلفة من القلوب وقدر ان يحوّلها اليه.

غير ان الذين لم ترد أسماؤهم في التقويم هم هذا وذاك من الناس، من الرجال والنساء الذين يتطهرون كل يوم ليتمسحن كيانهم. فهذا معروف بالصدق الكامل وذاك بالتواضع الكبير أو بمجموعة من الفضائل واذا كنت تعرف ان تقرأ فانك تقرأ الجمالات الأخاذة في أقوالهم وأفعالهم ويكدحون بجدية ودموع لئلا يتلطخوا أو ليعودوا من سقوط لأنهم لا يرضون ان تعشش الخطيئة فيهم وقد آمنوا انهم ليسوا فقط من طين ولكنهم من طين مجبول بنور حتى يسقط التراب عنهم ليراهم ربهم قامات من ضياء اذ المؤمن بيننا من جعل الله أمينا له ومأمنا فيعيش خلاص الله فيه ليس فقط وعدا ولكن تحقيقا.

«لا بد من العثرات ولكن ويل لمن تأتي عن يده العثرات». وأفهم فهما جيدا ان من انكشفت ذنوبه يبعد الآخرين عن الرب الذي يقيلنا من العثرات اذا التمسنا عفوه وتُقنا إلى ألا تنثني فينا الخطيئة وجاهدنا حتى الدم ليتنقى وعاؤنا الداخلي ويسكنه روح الله وحده.

وهذا ممكن إن آمنا ان المسيح هو «الطريق والحق والحياة» واننا به قادرون ان نصبح خلائق جديدة واذا آمنا ان «تناهى الليل واقترب النهار». لقد اخطأ صديقي في تلك السهرة لما قال ان المسيحية مستحيلة، انها فوق طاقات الانسان. لو كانت كذلك لما بشر بها يسوع الناصري. لكن الكمال الذي دعا اليه يفترض ان سقف الإنسان هو السماء وليس ما هو دونها وأنت مدعو إلى ان تغتصب الملكوت اغتصابًا وهذا يكلّفك حياتك كلّها بمعنى ان كل ما تقوم به في هذه الدنيا انما هو وسيلة للعيش والمعيشة فيها غفلات واخطار كثيرة. لكن الحياة الأبدية التي فيك قادرة ان تنقذك ليس فقط من الغفلة ولكن من خطيئات ترتكبها عمدًا فيما لا يموت شوقك إلى الله. معنى ذلك ان المؤمن متأرجح بين الشوق والكسل، بين الرغبة في الإله ورغبة الشهوة. معنى ذلك ان الذي غلب الموت وحاكم الخطيئة في جسده قادر ان يقيمك من الموت الروحي الذي ترتضيه.

معنى ذلك في الاخير ان المسيحية هي في المسيح وان المسألة – وأقولها لصديقي في تلك السهرة – هي ان تصبح أنت مسيحيًا آخر أي ممسوحًا بالنعمة التي كانت فيه ليتجلى كلمة الله فيك قولاً وعملاً ورجاء ومحبة لتصبح أنت بدورك كلمة الله بين الاخوة، إنجيلاً حيًا يقرأه الناس فيعرفوا انك أنت – لا الكتاب وحده – تجليات إلهية فيما لا تزال ساكنًا هذا الجسد الفاني.

أريد ان أقول مع نيتشه ان المسيحي الوحيد هو المسيح فتغفر للناس زلاتهم ويغفر لك هو زلاتك فترضى ان تعيش مع نفسك جريح الخطيئة ولكن راجيًا ان تغلبها بحبه اياك وحبك الاخوة. الا تذكر قول المخلّص في خطبة الوداع: «من منكم يبكتني على خطيئة»؟ في الأخير أمام آثامك وآثام الناس ليس لك الا ان تبكي. اذ ذاك يمسح السيد عن عينيك كل دمعة وينعشك لتصير إنسانًا جديدًا أي ان تصير له في أعماق النفس ولا تقلق لمعصية ارتكبتها أنت أو ارتكبها الناس لانه قال: «لا تضطرب قلوبكم». أنت مدعو إلى الهدوء الداخلي أمام كل ويلات الأرض. وهذا يحل فيك ان دعوت الروح القدس ليساكنك حتى تشاهد الخطيئة وتكرهها وتربي نفسك في حضن الرب كما فعل التلميذ الحبيب في العشاء السري. هذا نسي كونه إنسانًا خاطئًا ليتقبل نفسه من المحضونية التي نالها في اخلاصه الكامل للحب الإلهي.

لقد خسرت كرامتك بالمعصية. لكن الله يغرق معاصيك في محبته الكاملة وفي غفرانه الكامل اذ يراك ابنًا له مع ابنه الوحيد فترتفع بالقدرة التي احلها فيك فتنسى نفسك إلى الأبد لتراه فيها مصدرًا لتنقية فيك ترجو ان تلازمك إلى الأبد.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أحد مرفع الجبن/ الاحد 5 آذار 2006 / العدد 10

بعد أن أمسكنا عن اللحم الأسبوع الماضي نبدأ غدًا الإثنين الصيام المقدّس فنرفع كل مشتقّات اللّحم (الأجبان والألبان) عن الموائد. لذلك سمّي اليوم الذي نحن فيه مرفع الجبن وتبدأ القراءة الإنجيلية بقول السيّد:”إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضًا، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضًا لا يغفر لكم زلاتكم”. لذلك يسمّى أيضا هذا اليوم أحد الغفران وتنتهي صلاة الغروب فيه أن كلاً من المؤمنين الحاضرين يستغفر الآخر، وفي بعض كنائسنا الأرثوذكسيّة ليس فقط يستغفر بالكلام ولكن يجثو كل من المؤمنين أمام الآخر ويقبّله.

المهم إن أساء أحد إليك الا تقيم عليه خطيئة لعلّه يعود الى محبّتك. المهم الا تشقى أنت بالإساءة التي وجّهت اليك وأن تنسى جرحك لئلا تصبح سجينه.

المطلوب منك أن تنتقل من جرحك الى بناء الآخر وخدمته وأن تسعى اليه سعي الراعي الى الخروف الضال وأن تجعل في قلب المسيء السلام ليحس بأنّه أضحى أخاك وابن الرب الذي في السماء. فاذا ما بقيت على حقدك وغضبك تصبح أنت تسيء الظن بكل تحرك يصدر عن المسيء فتحوّله الى عدو دائم.

بعد هذا ينتقل يسوع الى مظهرنا في الصوم. كان الوجه المتجهّم في الصوم شائعا عند اليهود. هذا لم يبقَ معروفًا في أوساطنا، ولكن لنذكر أنه واجبنا أن نصوم بفرح ولا نتأفّف من طول امتناعنا عن بعض الأطعمة. ومن اعتاد على الصوم عندنا فيتمنّى أن يبقى عليه في انتظار العيد.

أخيرًا يقول السيّد: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يُفسد السوس والآكلة وينقب السارقون ويسرقون. لكن اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يُفسد سوس ولا آكلة ولا ينقب السارقون ويسرقون، لأنّه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. هذا الكلام مرتبط بالصوم عندنا فإنّ معلّما مسيحيّا في القرن الثاني للميلاد رفع رسالة الى الإمبراطور الروماني ويقول له: “لماذا تضطهدنا ونحن قوم محبّون لأنّه اذا جاع واحد منّا نمتنع عن الطعام ونعطي الجائع ثمنه”. فالصوم لم يكن للتقشّف الا لكونه كان تعبيرا عن المحبّة. ولذلك شهد أحد آبائنا القديسين في القرن الرابع انه ليس جائع واحد في روما، مسيحيّا كان أم وثنيًّا، لأن المسيحيّين يصومون ويعطون الناس جميعا من أموالهم.

الإحسان اذًا واجب في الصوم، وعند ذاك لا يُعتبر المال شيئًا عظيما. في الصدقة تربّي نفسك على أنّ الله وحده هو القيمة الكبرى. “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولكن بكل كلمة تخرج من فم الله”. الصوم تاليًا يحوّلنا الى أنّ الله هو مشتهانا الكبير وأن الشهوة الرديئة تحوّلنا الى عدم.

لذلك قال بولس في رسالة اليوم: “إن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنّا. قد تناهى الليل واقترب النهار”، ويؤكّد: “لا تهتمّوا لأجسادكم لقضاء شهواتها” ويذكر عدة خطايا ومنها الحسد والخصام، وينهي بقوله: “البسوا الرب يسوع” ويريد بذلك أن التصقوا به كما يلتصق الثوب بالجسد فلا تبقى هوّة بينكم وبين المسيح. فالشهوات تتوالد وتتماسك. فالكذب موجود دائما عند السارق وموجود غالبا عند الزاني. وبسبب تماسك الخطايا يقول الرسول: “محبّة المال أصل كل الشرور”. نحن نعرف عائلات انهارت بسبب البخل اذ تحس المرأة انه تعبير عن عدم محبّة زوجها.

لماذا تعشق المال اذا كنت لا تخاف من الموت؟ كل من أخطأ تحسبه الرسالة الى العبرانيين انه يعيش في العبوديّة مخافة من الموت. المسيح القائم من بين الأموات الذي تتوق اليه أنت بالصوم هو وحده الذي يحرّرك من عبودية الموت لأنّه قد غلبه في جسده. والصوم يعلّمك أن تصير توّاقًا الى المسيح وأن تستطيبه هو وأن تتناول جسده ودمه الكريمين ليس فقط في الآحاد ولكن في القداس السابق تقديسه الذي نقيمه الاربعاء والجمعة في كل أسابيع الصيام. واذا اشتركت في صلاة النوم الكبرى يوما بعد يوم، تحس بحاجتك الى الصلاة أي الى يسوع وأنت دائما فقير اليه والى أبيه وروحه القدوس، وتعرف نفسك خاطئا وتائبا بآن. الصوم زمن التجلّيات الكبرى والذوق الروحي العظيم. لذلك سمّاه آباؤنا ربيع النفس. خذ هذا الربيع اليك.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

سلام هذا البلد / السبت 2 كانون الأول 2006

بين الجماعات المسيحية المختلفة طائفة «الكواكرز» او جمعية الاصحاب التي اسست المدرسة الانكليزية في برمانا احدى خصائصها انه اذا تعذر اتخاذها قرارا في الاجتماع تنهي الاجتماع ويذهب كل واحد...