2006, جريدة النهار, مقالات

الصدق / السبت 13 أيار 2006

في لسان العرب الصدق نقيض الكذب. ويبدي هذا التعريف القاموسي ان الكذب أكثر شيوعا لأن الكذب سببه الخوف، ومنه خوف العقاب عند التلميذ أو الموظف أو اي خائن لأية أمانة أو المرتكب لأية معصية أو الواقع في أي مأزق. هؤلاء كلهم مركزون على الأنا التي تبغي إنقاذ نفسها أي الاستفادة من هذه الدنيا. وفي هذا قال الأعشى: «فصدقتها وكذبتها/ والمرء ينفعه كذابه». وهل الخطيئة، كل خطيئة، غير الاستمرار في ما نحسبه الوجود، هذا الذي يظهر ويجعلك قائما في أعين الناس الذين هم من الدنيا وقد ارتضوها مسكنًا لهم أو مسكنًا فيهم.

أما الصادق فهو الذي انتصر على الخوف لأنه يحيا بالحق ويقوله. هو الذي يقابلك ويعايشك برؤيته أو بهذا الإله الذي يحييه. هو قائم في اليقين ويؤمن ان عليه ان ينقله الى الآخر ليحيا هذا به بدوره اذ الحقيقة مشتركة ولو اكتشفها واحد. الأنا عند هذا الانسان ليست منغلقة وتنوجد من انفتاحها على الأنا الأخرى، الصادق يدرك انه يتكون ليس فقط بمعرفة الحق ولكن بانتشار الحق. فاذا أتيت من الحق الذي تعرفه تشتهي ان يأتي منه الآخر. في النهاية الانسان الصادق رسالي، مسكوب ويعرف أن الله نصيبه اذ قد يأتيه الضر من اشاعته للحق ولكنه يعرف انه لا يثبت الا في النور ولا يهمه الا ان ينزل عليه البر من الضياء العلوي.

واذا نحدرنا من الرؤية الى الأرض يمكن تصور سوسيولوجية الكذب. لماذا يقول المتنبي: «لا تشتر العبد الا والعصا معه»؟ لا شك في ان الوضع الاقتصادي يلقي ضوءا على الطبائع. ما من شك في ان مجتمعًا ينتج عبيدًا بظلمه أو اشباه عبيد يدفعهم الى التملق والاختباء واخفاء بعض تصرف ما من شك أيضًا في عالم اليوم في ان المجتمعات التي تعيش على شيء من الرخاء أقرب الى الصدق في مجال التعاطي العام ويبقى اخفاء الخيانات في الحياة الخاصة. يبقى وضع التقرب من اكابر القوم للحصول على منافع أو للتسابق في المرافق السياسية في الحزب الواحد. ويبقى في المجتمعات الكنسية وهي قائمة على الهرمية ان يتقرب الادنى الى الأعلى بالكلام المنمّق او المديح. الترقية في تجمعات كهذه ليست مبنية فقط على الفضيلة ولكن على بعض من تحزّب وتكتّل لا علاقة له بالله.

#  #

#

عظيمة هي تعزية من يرجو قولاً صادقًا من صاحب مقام واستمرار الصدق عنده. انت تتقوّى دائمًا بانسان ركن أو ببعض من أركان لتخرج من ضعف أو حيرة وليزداد صدقك.

واذا عثرت على صدق في بيئة ملوّثة بالكذب تتشجع كثيرًا ويقوى رجاؤك. يبدو ان الكثيرين لا يحلمون ان يختار الصادق له مقامًا في الوسط السياسي. أنا لست مختلطًا بهذا الوسط ولا أميل بطبعي الى أن أدين أحدًا ولكن في متابعتي صحيفة أو صحيفتين والإعلام المرئي كل يوم، يتبين لي أن هذا أو ذاك من أهل السياسة ينقض نفسه في فترة وجيزة جدًا لم تتغيّر فيها الأحوال السياسية ليتخذ موقفًا معاكسًا بالكليّة في يوم آخر.

أفهم أن يتوب ناشط سياسي، أن يتراجع عن مواقف سابقة بصراحة كاملة ولكن المواطن يحتاج الى أن يسمع لماذا يخطئ هذا السياسي وبماذا يخطئ نفسه في مواقف له سابقة، ذلك إن تسبب بأذى للأمة كلّها ولا يكفي أن يقول: «عفا الله عما مضى». الله لا يعفو اذا استغفرته فقط. يعفو اذا فضحت سلوكك الماضي ببساطة وتواضع وفسّرت طريقك الجديد وأثبت صدقك. يجب أن تعرف الأمة كلّها سبب قناعاتك الجديدة.

السياسي لا يخرج اذا كذب عن القاعدة العامة. انه يكذب لأنه يخاف. ان يكذب النائب لإصراره على العودة الى المسؤولية الحاضرة يعني انه يخاف على أن يبذل نشاطًا خارج النيابة يكفيه وسائل العيش. ان يتملّق الأعلين من القوم بغية الوصول الى مقام أعلى يعني أنه يسعى الى منافعه الخاصة. لما قال يسوع الناصري: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا» أرسى قاعدة تقيّد الجميع بالصدق في كل ظرف وفي كل زمان. وغاية القول ان تريد النعم اذا قلت نعم وان تريد اللا اذا قلت لا.

#   #

#

سياسة أيضا هي الحياة العادية عند أصاغر القوم وأكابرهم الذين يجب أن يتعايشوا بصدق حتى يطمئن أحدهم الى الآخر ويأمن مسيرته في الوجود. أنا عشت زمنًا قديمًا في لبنان حيث كنت تستدين مبلغًا كبيرًا بلا كتابة سند وكنت ترد المال في حينه. كان جو الصدق في ذلك الزمن مسيطرًا على المعاملات واذا أردت أن تدعم قولك كنت تقول: «فلان قال لي كذا وكذا». لم يكن هذا مستغربًا وما كان أحد يظن أنك انسان ساذج.

أنا لست أقول إن الصدق يفرض عليك التصريح بكل ما تعرفه. الصراحة فضيلة اذا وجب التصريح، والكتمان واجب في مقامات الكتمان. انت لا تخبر بأخبار الناس في ما يؤذيهم ولكنك تشهد حيث وجبت الشهادة على ما قاله بولس: «الايمان بالقلب يؤدي الى البر، والشهادة بالفم تؤدي الى الخلاص» (رومية 10: 10). لذلك أوجبت المسيحية الشهادة حتى الدم حتى لا تقوم هوّة بين القلب واللسان أي حتى لا تقع الشخصية في فصام. الموت، اذذاك، يصير فيك وفي الآخرين حياة.

واذا ساغ السكوت عن بعض من وقائع لأن السائل قد يكون فضوليًا بلا مسوغ فلا يحق لك ان تخفي الحقيقة الالهية اذا طلبت اليك لأن من واجبك أن تدعو اليها لكونها تخلص.

أجل في الكتابة أو القول لك احيانًا أن ترجئ قول الحق الى حين اذا كان الآخر لا يستطيع تحمّله. قد لا تصد الآخر صدًا كليًا ولكن لا تشوّه الواقع. قد تنتظر في تخطيط حكيم خلاص الآخر وقتًا مناسبًا لتنبيهه أو تنتظر وصوله الى نضج عاطفي أو ذهني لتقول له الحقيقة كاملة. هذا من باب رعايته وحبك له. أعرف ان الخيار بين المواجهة وإرجاء القول صعب جدًا… ولكن أذا كنت مليئا بالنعمة الالهية ومتروّضا على الشهادة يلهمك الله أن تؤدّيها في زمن مبارك.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العجائب/ الأحد 7 أيار 2006 / العدد 19

الأعجوبة الكبرى هي انتصار السيد على الموت. وكل شفاء، إنما هو نوع من تكرار الفصح لأن كل مرض طريق إلى الموت أو شيء من الموت. كل شفاء حضور ثانٍ للمسيح في جسد المريض. وقد لخّص يسوع رسالته هكذا: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين ولأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر».

مع كل هذا كان السيد يضع الأعجوبة في المرتبة الثانية بعد الكلمة الإلهية، هكذا لما أطلق التلاميذ إلى العالم قال لهم: «اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها». حتى قال: «هذه الآيات تتبع المؤمنين الذين إذا شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مرقس 16: 15-18).

شيئان متلازمان للشافي وللمشفي: الإيمان وعمل الشفاء. وهذا كثير في الإنجيل.

بعد القيامة أخذ الرسل يشفون، مثلا شفاء بطرس ويوحنا للأعرج (أعمال الرسل 3). نلاحظ في العهد الجديد امتدادا من عمل يسوع إلى الرسل. بعد عهدهم لاحظنا أن الكنيسة تسمّي بعض القديسين صانعي عجائب (نقولاوس، اسبيريدون مثلا). لا تقول كنيستنا أن كل قديس بعد موته صنع معجزات. الرب يخص البعض بهذه الموهبة. هذا يدل على اننا نقتبل فاعلية القيامة.

ثم في الكنيسة نفسها سر قائم من أجل الشفاء وهو سر مسحة المرضى. من المحزن ان أحدا لا يمارسه في الكرسي الأنطاكي (ربما لفقدانه الفعلي، رتبت الكنيسة أن يقام هذا السر لمنفعة الجميع يوم الأربعاء العظيم).

في فكر المسيح أن الشفاء علامة مجيء الملكوت. لذلك كان تعظيم الألم مسلكا غير مبني على شيء. عودا إلى الأعجوبة أو الشفاء من مرض عادي، نطلبهما خوفا من ان يتحكم بنا الخوف، وثانيا لأننا نؤتى في العافية علامة من الملكوت.

في معتقدنا الأرثوذكسي ان ما يسمى النواميس الطبيعية ظهر بعد الخطيئة. فإذا اخترق الله الناموس الطبيعي إنما يعيدك إلى الوضع السابق للخطيئة.

مهما يكن من أمر، الله حر ولم يقيّد نفسه بنواميس الطبيعة. يشفي الأعمى بطريقة لا يعرفها الطب. يدخل مباشرة مسيرة حياة المريض وينتشله من حزنه حنانا. الحنان هو ما دعا يسوع أن يخلّص المرضى.

لا نعرف لماذا هذا الشخص يشفي، وذلك لا يشفي. كاهن يتلو صلاة، وكاهن آخر يتلو الصلاة نفسها. واحد يقوم بدعاء الكاهن الأوّل ولا يقوم بدعاء الكاهن الآخر. يبقى ان واجب الكاهن ان يضع يده على رأس المريض.

غير ان الدعاء ليس محصورا بالكاهن. يمكن للملتزم الحياة الروحية إذا عاد مريضا أن يصلي معه أو أمامه أو ان يجتمع بعض الإخوة ليصلّوا.

تبقى تعزية المريض وإرشاده بكلمات يسوع وتهيئة المريض لاحتمال أوجاعه ولكن دائما بكلمات المخلّص وقراءة الإنجيل. هذا يجب ان نهتم له كثيرا لأن الإنسان المعافى بكلمة الرب قد يصير تقيا عظيما.

وعلى المصاب أن يقبل وضعه وان يسلّم أمره إلى الله الذي يعرف وحده ما ينفع الإنسان المصاب. في كل حال ينفعه دوام ادعيته وهي دائما للخير أكان الخير منظورا أم غير منظور.

اذكروا قول السيد: «كنتُ مريضًا فعدتموني». في جسد المريض الملقى على فراشه يسكن المسيح ونحن نوقظه ويتخذه المريض في وعيه إذا ذكرنا المسيح باسمه وقرأنا كلماته أو رتلنا أناشيد الظفر. المريض ينتظر قيامته.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الخيبة والرجاء / السبت 6 أيار 2006

من طلب البهاء الروحي لكل الناس يصاب بصدمات من معظم الناس. يطلب ذلك اذ يريد ان يصبح كل انسان حوله صديق الله لايمانه بأن النور الالهي يجب ان ينزل على كل أبن امرأة ليتمجد الله به عسى نذوق معًا هذا المجد العلوي الذي يجعل الله ساكنًا السماء والارض معًا. غير ان القوم لا يريدون اقتحام السماء للارض او اشرئباب الارض الى السماء لئلا تختل ترتيبات صنعت لأهل الارض لتعزلهم عن ذائقي حلاوة الرب.

القناعة السائدة أن الله لا يبلغ اليه أو يعسر جدًا عليك ان ترتقي اليه ولكنك لا تعرف انك من الناكرين ولا تريد ان تعرف لئلا يتشوه وجهك في عينيك والاهم ألا يراه الآخرون مشوهًا اذ يهمك ان تنوجد في اعينهم وان تكون على صلة بهم هربًا من الوحشة. واذا عرفت نفسك على شيء من القباحة فتستتر. غير انك لن تستتر طويلاً اذ ليس زملاؤك اغبياء لتغشهم. لذلك قد تحتاج الى النفاق محافظة منك على قراءة من اصحابك لك حسنة فأنت لا تريد ان يذهبوا وقد تظن نفسك حسنًا عند الرب وحسنًا عند الناس لانك تتكل على سذاجة اصحابك وحسن قراءتهم لك لتبقى لهم عشيرًا.

وقد لا يكون صاحبك ساذجًا وقد يكون له ما نسميه في لغة آبائنا روح التمييز فيصل الى اعماقك وتنكشف امامه في عرائك. لكن هذا الانكشاف قد لا يحصل سريعًا اذا كنت لا تعرف ان تنفذ الى قلب الغير لانك من البسطاء او البلوريين الذين يحتاجون الى خبرة طويلة ليعرفوا الآخر اذ الآخر محجوب بلطفهم واللطيف بالآخرين يحجبهم احيانًا لأنه يأمل ان يعلو أو هو لا يريد ان يسمرهم على سوئهم خوفًا من ان يغرقهم. وقد دعانا الآباء ألا نتحجر على رؤية الإثم فينا وفي الآخرين وان نستر عيوب الناس عملاً بقول الرب: «طوبى لمن غفرت ذنوبهم وسترت خطاياهم. طوبى لمن لم يحسب الله عليه خطيئة». فنأخذ هذا بدورنا ولا نقيم على احد خطيئة ونغفر للآخر عساه يفهم ويرجع. هل الطيبون على عيونهم دائمًا غشاوة؟ هل انهم، في النهاية، غير فهماء؟

الا ان الانسان في افتضاح. لا يمكنه ان يختبئ الى الابد في عينيه او في اعين الناس. والسذاجة نفسها قد لا تدوم. والبلورية الحلوة قد لا تدين ولكنها تبصر اذا فحصت لتعرف او لم تفحص بشدة. ويل للمبصرين اذا ابصروا اذ ينكشف الناس امامهم في عوراتهم واذا كانت العلاقات قائمة على ما كنت اظنه نورا في الآخر وبان لي ان ما سميته في الآخر نورا كان ظلاما ينقطع الخيط الذهبي الذي كان يربطني به وتزول التعزية بما كنت احسبه صداقة.

هذه هي الخيبة الآتية من الفضح واذا بالاصدقاء يموتون في نفسك الواحد تلو الآخر. مشكلة من مشاكل الحياة انك تكتشف الآخرين على مراحل ان كنت طيبا شفافا او غير ميال الى التفحص والتعرية. لكن المعصية تعظم احيانا كالسرطان فترجو ان تبقى في النفس زوايا او ثنايا لا يصيبها المرض حتى تبقى متعزيا. واذا فحصت كثيرا ترى احيانا ان النفس تآكلت وانك لا تقدر على ان تعول على حسنة او انك امتعضت كثيرا وجُرحت كثيرا فبطلت رؤيتك لشيء من الحسن فتنزوي ويكون الشر في الآخر او فيك قد طواك في الحزن.

ليس كل من تحب يحدث فيك خيبة. هناك الاصحاء الذين لا يسقطون وتعرف جاذبيتهم وان اتكالك عليهم يحييك وانهم لا يموتون ابدا قبل ان يقبضهم الله. ما عدا هذه القلة العزيزة، معظم الناس اموات. طوبى لك اذا لم تمت ان هم ماتوا. كل فترة تتكدس في نفسك الخيبات وترى نفسك في صحراء الحب كما يقول مورياك. ولكن قد يُحكم عليك ان تعيش في الصحراء وان يتهاوى الناس امامك. وان كنت تعرف ان البهاء الروحي الله مصدره يزداد حزنك اذ يغدو الله لك غير معروف او معروفا قليلا. كنت تحج الى هذه الوجوه. واذا اقبل الزمان فلا يفيد شيئا لان الخيبات تتكاثر ويكون الكثير قد تأذى ولكن عند موتك يجيئون ربما لانهم لم يدركوا انهم جرحوك وربما ليكفروا عن خطاياهم عند جثمانك فيرتقوا قليلا بعد رحيلك.

ليس من مجتمع مهما صغر تتوهج فيه المحبة على الدوام. تتهشم عند هذا وعند ذاك. لذلك قال ارسطو لاصحابه: «يا اصدقائي ليس من صديق». انا لا اردد هذا القول ولكني اقول مع اصحاب المزامير: «لا تتكلموا على الرؤساء ولا على بني البشر لان ليس عندهم خلاص». هم يسقطون وانت تسقط وانت اول خياب لنفسك ولا تعلم لحظة اذا كنت مؤهلا لان تمثل في حضرة الله. انت تذهب اليه على الرجاء. واذا ذهب الاحبة ونأوا تسلمهم الى الله لئلا يظلوا وتظل انت بلا رجاء. ليست المصيبة ان يتركك اصدقاؤك او الا تقدر ان تدنو منهم الا قياما بالواجب. ان تركنا للعلاقة العاطفية ليس كارثة. فقد يبقى التعامل في الحياة اليومية قائما على تهذيب اذ لا نستطيع ان ننقطع عن كل الناس. انت تتحرك على رغم كل الصدمات وضمنها. وهذا محسوب عليك او انت محسوب عليه ولا بد ان تمشي فبركة الجامعات او فبركة الدولة او فبركة الجماعة الدينية على طريقة التراكم، بروح او بلا روح.

امام هذا قد يجعلونك وحيدا او شبه وحيد وبسبب من خيباتهم لك او خيباتك لنفسك ترى نفسك وحدك. يبقى الله، اذذاك، في رجائك. فأنت «مخلّص على الرجاء» بما لك من اله فيك الآن وبما يكون لك من اله فوق. انت والله مجتمع صغير جدا ولكنه يكفي ولا تستطيع ان تعتزل لان معظمهم قد يبقى هكذا وانت تتعامل على صعيد المنظور والناس قد يرون تهذيبك محبة. هذه دنياك ولا ينفع الحزن وتمشي في الصحراء ولا بد من واحة ولو بعد تعب شديد.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

احد توما/ الأحد 30 نيسان 2006 /العدد 18

الأسبوع الجامع بين الفصح واحد توما الذي نحن فيه انما يدعى اسبوع التجديدات حيث يتجدد قلب المؤمن بترتيله الفصحيات وعيشه روح القيامة. وهذا باق حتى الصعود بأناشيد فصحية مختلفة وكأن هذه الأربعين يوما يوم واحد. ولا نعجبنّ من هذا فإن كل احد في عباداتنا هي فصح مصغر لأن قيامة المخلص مذكورة بصراحة من الغروب الى القداس. وهذا يوضح ان الكنيسة الأرثوذكسيّة مركزة على القيامة باعتبارها كشف الخلاص الذي تم على الصليب.

ثم في كل هذه الفترة الأربعينية التي تلي الفصح القراءات الإنجيلية هي من بشارة يوحنا الذي يركز اكثر من البشائر الثلاث الأولى على ألوهية السيد وانتصاره على الموت في الجسد.

اما اليوم المسمى احد توما فيدور الحديث فيه عن ظهور السيد للتلاميذ المجتمعين في العلية مرة أولى مساء القيامة ومرة بعد ثمانية ايام، اي في الأحد الذي يلي الفصح. في المرة الأولى يعطيهم السيد السلام

الذي أتى مـن الخلاص فلا يخافون مـن اليهـود، ويعطيهم القوة ان يغفروا الخطايا لأن هذا هو الخلاص، ثم يقول الكتاب ان توما الرسول لم يكن معهم المرة الأولى وأعلن لهم شكه: “إن لم اعاين أثر المسامير في يديه وأضع اصبعي في أثر المسامير واضع يدي في جنبه لا اومن”.

طبعا لم يكن سهلا على انسان ان يؤمن بأن ميتا يقوم مع ان المعلم تنبأ بهذا ثلاث مرات. كان هذا شكا بكلام يسوع فيما كان مع تلاميذه. لذلك عند الظهور الثاني وبخه الرب: “لا تكن غير مؤمن”. مع ذلك تنازل الى شكه ودعاه ان يلمس يديه اللتين كانتا مسمّرتين وجنبه الذي كان مطعونًا. هل لمس توما المواضع التي كانت مجروحة في جسد الرب؟ لسنا نعلم. ما نعلمه قول توما ليسوع: ربي وإلهي. هاتان الكلمتان في الأصل اليوناني وردتا في صيغة المعرفة بحيث لا يدع الكلام شكا ان توما آمن بيسوع انه هو الرب والإله.

يتضح من هذا الفصل الإنجيلي ان الذي رآه التلاميذ هو اياه الذي مات على الصليب. اي لم يكن هناك شبح ولم يتخيل التلاميذ شيئا. هذا هو المسيح المجروح. وجاء شك هذا ليدعم اعتقاد التلاميذ هذا. يسوع يظهر ثانية مع الجراح ليس فقط ليؤمن توما ولكن لنؤمن نحن ايضا. لذا نستطيع ان نقول ان شك توما، وان استحق له توبيخ السيد، انما صار يقينا عندنا. هذا الظهور ناطق وفصيح ويزداد ايماننا بالسيد القائم بفضل توما الرسول ويقوى ايماننا بألوهية السيد المعبَّر عنها بأفصح طريقة في كل الإنجيل: “ربي وإلهي”.

لا تقول المسيحية: آمن كيفما كان لمجرد انك سمعت. تقول: كان هناك شهود وهم شهدوا في كتب تركوها لنا. انهم سمعوا ورأوا ولمسوا وآمنوا. وثمارهم حياتهم المقدسة وملايين من الشهداء الذين أهرقت دماؤهم في سبيل من آمنوا به انه قام من بين الأموات. لذلك نؤكد خلال اربعين يوما: المسيح قام. جعلنا هذه الكلمة تحيّتنا لتصبح سلاما عند من سمعها، فيجيب متعزيا: حقا قام.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

عجائب وظهورات/ السبت 29 نيسان 2006

اليوم أحد توما في كنيستي. قصته تبدأ بهذا ان التلاميذ رفقاءه كانوا مجتمعين لسبب الخوف من اليهود وظهر لهم السيد يوم القيامة مساء وما كان توما معهم ولما عاد الى البيت الذي كانوا فيه واخبروه بأنهم رأوا المعلم قال لهم: «ان لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا اؤمن». ثم في الاحد اللاحق حضر يسوع وقال لتوما: «هات اصبعك الى هنا وابصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل كن مؤمنا». فأجاب توما وقال له: «ربي والهي». والكلمتان معرّفتان باليونانية وتدلان على ربوبية يسوع والوهيته بما هو اقوى من آيات كثيرة.

ما همّني اليوم من ايراد هذه الرواية ان المعلم لم يأنف ان يتنازل الى شك توما فيدعه يفتش أثر المسامير والجنب المطعون ويأتي يقين توما هنا من تفتيشه جسد المخلص ما جعله أعظم شاهد للقيامة.

يتراءى السيد لهذا التلميذ من اجل رده الى الايمان. وهذا يطرح مسألة معنى العجائب التي اتمها يسوع. لم يرد في الكتاب انه قام بأعجوبة ليثبت قدرته. السبب الوحيد لانعطاف الناصري على المرضى انه تحنن عليهم مثل قول الانجيل: «فتحنن يسوع ومد يده» (مرقس 4: 41). والمصدر يرد مرات في الاناجيل.

الثلاثة الاولى وعندما يقول: «صدقوني اني في الآب والآب فيّ . والا فصدقوني لسبب الاعمال نفسها» (يوحنا 14: 11) فمن الواضح ان الاعمال اي المعجزات تأتي بالدرجة الثانية بعد الكلام. المعجزة صورة من صور البشارة.

#   #

#

ينسب التاريخ الكنسي عجائب الى الرسل واردة في سفر اعمال الرسل ليدلل على الامتداد لفاعلية القيامة عند من شاهدوها وفي المنطق المسيحي الذي كشفه بولس بنوع خاص ان المخلص ممدود الى احبائه وانهم يؤلفون جسده وفي المصطلح الحديث كيانه او حضوره. ويقيننا ان الكنيسة في ما نسميه الاسرار مثل القرابين او مسحة المرضى هي مطرح الشفاء. وهذا لاحظناه في كل اجيالنا وكل بلدان العالم والكلام في هذا كثير. وقد يحظى المريض بشفاء إذا استشفع احد القديسين او استشفع سواه من أجله.

وأقرباء الشخص المعافى او أصدقاؤه يلحظون هذا لعلمهم بأن المرض ثابت. ومع ذلك لا تفرض عليك الكنيسة ان كنت من الجوار او كنت بعيدا ان تصدق ان معجزة حصلت لسبب ان هذا ليس في الانجيل والانجيل انت تؤمن به وكل فحواه. وغير هذا وغير ما ورد في المجامع المقدسة ليس موضوع ايمان ولكنه موضوع قناعة بشرية. انت تؤمن بما هو كشف إلهي يلزم الضمير. وما لا يلزم الضمير هو من باب تقديرك وانت تحيا حياة الايمان. من هنا ليس من تكفير ممكن بين المؤمنين اذا قال قوم ان الاعجوبة المنسوبة الى هذا القديس او ذاك اليوم حدثت ام لم تحدث. التكفير يقع فقط على من أنكر العقيدة.

الى هذا موضوع الترائيات او الظهورات المنسوبة الى السيدة العذراء او غيرها من القديسين. بادئ بدء في الكنيسة حذّر من الظهورات ومن كثرتها في حقبة تاريخية خشية الاختلاط بين الترائي الحقيقي والتخيل الإبليسي. ومن الواضح حرص الكنيسة الكاثوليكية على امتحان هذه الظاهرات اذ فيها يكثر الحديث عن الظهورات. هي قليلة في الكنيسة الارثوذكسية ولست أعرف ادبيات عن ترائي مريم في الكنيسة الشرقية ولو عرفنا ذكر معجزات مريمية وغير مريمية. في الواقع الكنيسة الغربية تستمع الى ما يحكى عن ترائيات وتقبل القليل منها.

أما لبنان فقد أضحى بلد الظهورات المريمية في بعض الاوساط النسائية واللافت وحدة الكلام الصادر عن هذه الاوساط. وحدة الكنائس، سلام لبنان وبعامة حديث مسكوني ولبناني. لماذا رسالة واحدة من السماء؟

أما موقف الكثلكة الرسمي من هذه الترائيات فهو ان موافقة الكنيسة على رؤية خاصة لا يتعدى الاذن بتعريف هذه الرؤية لتعليم المؤمنين وخيرهم.

ثم هذه الرؤى وان قبلتها الكنيسة لا تعني قبول ايمان ولكن قبول اعتقاد بشري. وتاليا يمكن الا يقبل الانسان بحدوث هذه الرؤى.

هذا باختصار موقف الكثلكة كما عبّر عنه البابا بنديكتس السادس عشر.

أن يخترق أولياء الله بإذنه حجب المدى والزمان فهذا وارد. غير ان الأمر في قراءتي هو أولاً لخير من يشاهد الظاهرة كرسالة له من السماء. اذا اثبتها العارفون الاتقياء بعد تدقيق وفحص الشخص وقدسية حياته ورجاحة عقله وتوازن شخصيته يمكن ان يفيد منها المؤمنون الآخرون. ولكن أية محاولة منه أم من فريق داعم له لفرض التصديق لهذه الرؤية يدخل شكًا كبيرًا في الأمر كله لأن تصرفًا كهذا ليس من روح الله. ما لم يرد في كتاب الله متروك لتقدير المؤمنين الكبار والأسقف المحلي.

#  #

#

في هذا الصدد ما يقلقني أولاً ان عند بعض الناس سعيًا لا يهدأ الى العجيبة ودعوة الى تصديقها واخراجها الى الاعلام وفي هذا تحويل الانظار من الكلمة الى الاعمال الخارقة وديانتنا تقوم على الكلمة أولاً كما خرجت من فم الرب… أرجو ان يعود الذين يزورون الأماكن المقدسة تائبين وقد رأيت بعضهم يتكلمون باسهاب وحماسة عن هذه الظاهرة او تلك وما رأيتهم يعرفون كلمة الله ويتلون آية واحدة من الكتاب الالهي. اليست كلمة الرب نورًا وحياة كل يوم؟ اليست المائدة المقدسة التي عليها الخبز السماوي اعجوبة الاعاجيب وغذاء أوفر دسمًا من كل رؤية؟

شكواي أبدًا من الذين يهملون الكلام الذهبي الخارج من فم الله ليعوضوه برسائل – والكلمة لهم – تنزل من السماء على هذا الانسان وذاك.

ولئلا يساء فهمي أنا ما انكرت بصورة قطعية ظاهرة او ترائيًا وما انكرت اعجوبة تحدث عنها هذا او ذاك بصورة حاسمة ولكني وصدقت مرات وما صدقت مرات وفي هذه الأمور ليس من جزم. ولكني أخشى ان يحجب نور الانجيل بروايات التقوى التي لا أشك في طهارة صاحبها ولا يهمني ان أفحص طهارته أو ألا أفحصها ولكني أقرب الى تصديقه عندما أعرفه ممتلئًا من الكتاب الذي لا يزال المصدر الاول للاعمال الصالحة.

لما قال يسوع لتوما: كن مؤمنًا أراد ان يؤمن بصليبه وقيامته الرسول، وأن يبشر بهما ويحملهما، الى أقاصي الارض. هذا ما يخلص.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 23 نيسان 2006 / العدد 17

موت المسيح وقيامته هي مضمون إيماننا ومحوره. وقد عبّر بولس عن هذا بقوله الى أهل كورنثوس: “سَلّمتُ إليكم قبل كل شيء ما تسلّمته أنا أيضًا (أي من المؤمنين الأوائل مثل حنانيا الدمشقي) وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب أي موافقًا النبوءات التي وردت في العهد القديم وأنه قُبر وقام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للإثني عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ”.

يروي الرسول رواية الخلاص بطريقتين أنها فحوى إيماننا أولا وأن إيماننا هذا ثابت بالشهود. لا نعلّم فقط عقيدة ولكن ندعم عقيدتنا بأنّ لها أصولا عند ناس كانوا شهودا لوقائع. ثم يدعم بولس تعليمنا عن قيامة الجميع بكونها مؤسسة على قيامة المخلّص: “فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام”. نحن نتعامل مع عقيدة لأننا نتعامل مع حدث. قيامة يسوع أساس كل كرازتنا ودعامة لرجائنا الحياة الأبديّة.

ثم تأتي قيامة المخلّص ينبوعًا لسرّ أساسيّ وهو المعموديّة وفي الرسالة الى أهل رومية يبيّن بولس أننا نتعمّد لنحقّق في جسدنا أننا كنّا في الرب يسوع لمّا دُفن وأننا كنا معه أو فيه لمّا قام من بين الأموات ولكوننا كنا كذلك نسلك في حياة جديدة فلا تسودنا الخطيئة فيما بعد.

في الحقيقة إن قيامة المخلّص من بين الأموات كشف للنصر الذي تم له وهو على الخشبة. هناك كمُل كل شيء لأن حياة المسيح بموته دخلت العالم وتمجّد ابن الانسان وتمجّد الله فيه. فاعليّة الخلاص كانت كاملة فوق الصليب وأخذناها لما خرج روح يسوع الى العالم وهو معلّق على الخشبة. ولكن كان ضروريّا أن يظهر النصر اذ “لم يكن ممكنا أن يُضبط عنصر الحياة في البلى”. وكان يجب أن يقال هذا النصر بقوّة البشارة بعد أن قيل بكون جسد المسيح لم ينتنْ. تلك هي بلاغة القيامة.

وتحقّقت البلاغة لما ظهر للتلاميذ مرات عديدة ففهموا أنّ ربّهم حي أي أن جسده غلاّب للموت.

بعد أن وعينا هذا وآمنا به تهون كل المصاعب. فالمرض مغلوب مع الأوجاع، والموت مغلوب مع الحزن الذي يهيء له. لم يبقَ هذا العالم وادي البكاء. صار مدى الفرح والتعاون والحب وبات الجريح والمكسور والذي دخل الموت بيته، يتعزّى بالإخوة الذين حافظوا على نعمة المسيح وصاروا قادرين أن يسندوا الإخوة الضعفاء.

من أجل ذلك أتمنّى الّا يتكلم أحد بعد اليوم على رسالة الألم. الفرح وحده ينقل رسالة. لا نطلبنّ وجعًا لأجسادنا. هذه الدنيا مليئة بالأوجاع. لنسأل للناس جميعا الشفاء ونعمة الصبر ان لم يغادرنا الألم.

لقد جاء المسيح ليحرّرنا من الفقر، من كل نقص في الجسد وفي النفس، ليجعل لنا عائلات سعيدة تبتسم لكل عطاء تؤتاه. لا ننسَ يا إخوة أن الروحانيّة المسيحيّة روحانية فصحية وأن يوم الجمعة العظيم، يوم ينبلج فيه الفصح. نحن لسنا أبناء المأساة. نحن أبناء الملكوت الآتي الذي يزول فيه كل حزن وغمّ وتنهّد وحيث أجواق المعيّدين ترتل دوما: المسيح قام.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت 22 نيسان 2006

أنت تعيّد وسط آلام شعبك والانسانية ولا تنسى ليس فقط لأنك لا تقدر شيئا على عذاب جسدك ونفسك والوطن وستة مليارات من الناس معظمهم فقير ومرمي على هامش التاريخ. ولست أنت ازاء هذا ولكنك في وسطه ان كنت مؤمنا وتحس بما يجري لان هذا الذي يجري انما هو في لحمك وعظامك وأعصابك وعقلك ورؤيتك للكون.

في وسط هذا تقيم العيد وهذا ليس غريبا عما جرى للمسيح لانه انتصر وارتفع الى المجد فيما كانوا يرفعونه على الخشبة. ولم يدرك المجد حسب كتبنا لما أنزل عن الصليب ولكن فيما كانوا يسمّرونه ويطعنونه بحربة ويسقونه خلا ومع الخل يذوق مرارة العالم الجاحد لان العالم كله صلبه ووجد قبولا لصلبه، حبا لم ينقطع منذ تلك الايام. الفصح من حيث هو عبور يسوع الناصري بنفسه وفكره وصلاته وجسده الممزق الى الآب بما يرافق كل ذلك من ضياء وتضميد لجراحنا نحن، الفصح هذا يتم للبشرية المعذبة اذا لطف بها المسيح وحملها على كتفيه وضمها الى قلبه الجريح واستدخلها كيانه ليصعد بها الى أبيه وأبيها وإلهه وإلهها حتى تركن على الرجاء. واذذاك يمسح الله كل دمعة عن عيونها.

فمن الناس من يعرف انه فصحي لانه استدخل هو ايضا آلام السيد وارتفع بها الى وعود حياة أبدية. ومن الناس من لم يقرأ هذا او لم يفهمه او رفضه. ولكن المسيح يجعله فصحيا بحيث انه يتبنى آلامه ويضمها الى آلامه بتعزيات لا تنقطع. وفي وحدة الالم والرجاء ليس أحد قادرا على ان يرسم حدودا بين المسمّين مسيحيين والمسيحيين شيئا آخر او المسمين فقط على عذابات الفقر والمرض والعزلة واليأس.

لفتني فيما كنت أتأمل في سر الفصح قول بولس: «سلّمت اليكم قبل كل شيء ما تسلمته انا ايضا (أي من الشهود) وهو ان المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب (أي تحقيقا للعهد القديم) وانه قبر وقام في اليوم الثالث حسب الكتب وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر.

نحن أمام عقيدة اي نتعامل أولا مع حدث ثم يأتي تفسير الحدث. لذلك كان «إنجيل يهوذا» غير المبني على شهود لا قيمة له. أثار تساؤلات لأنه سمي «انجيلا». نحن نعرف ان ثمة عشرات الكتب المنحولة أي المنسوبة الى الرسل وهم ما كتبوها ولكن هذا كان اسلوب التزوير انك تضع انت مؤلفًا وليجد قرّاء له تنسبه الى شخصية هامة. وهذا امر معروف في كل الاجيال.

#   #   #

الى الاناجيل المنحولة رسائل منحولة. وهذه منشورة في اللغات الاجنبية. والكنيسة لم تعترف بهذه المصنفات لكونها لا تستند الى مرجعية وما عرفها المسيحيون في القرن الاول وهي مليئة بالاساطير. اما السؤال لماذا لم تعترف بها الكنيسة (وليس فقط ايريناوس) كما يدعي هذا الفيلم الذي شاهدناه فلكونها الى جانب عدم تاريخيتها او ضعف تاريخيتها تحتوي على مضمون عقائدي غريب عن الكنيسة. فالكنيسة الاولى اي الجماعة التي اخذت روح يسوع وروحية الرسل والحلقات الاولى من الشهود اعتمدت اناجيل اربعة فقط. طبعًا لو اردنا ان نبين للقارئ كيف تختلف الاناجيل الاربعة القانونية عن انجيل يعقوب او انجيل العبرانيين او انجيل توما مثلاً وكلها منحول لامكننا ذلك.

الاطروحة التي لخصتها «لوريان لوجور» جعلت المسيح يكلف يهوذا ان يسلمه الى اليهود اذ يقول له المعلم ما معناه اني اريد ان اتخلص من هذا الجسد. اي قارئ للعهد القديم يفهم توًا ان هذا انتحار وان يسوع لا يمكن ان يكون تلفظ بهذا الكلام كما يعرف ان المكيدة ضد الناصري ابتدأت منذ بداءة بشارته وان رؤساء اليهود ما كانوا في حاجة الى ان يشجعهم يسوع على اقتراف هذا الجرم.

#   #  #

الامر الآخر الذي يرافقنا في هذا العيد هو محبتنا للكنيسة القبطية الشقيقة. انا اعرفها جيدًا منذ خمسين سنة واعرف تقوى شعبها المذهل الذي يقضي ساعات في الكنيسة في الآحاد والاعياد بلا كلل ولا ملل. واعرف النهضة التي قامت بها شبيبتها منذ ستين عامًا وقد اعطت عددًا من الرهبان والاساقفة والقسس كبيرًا. هذه الكنيسة متألمة الآن مع المخلص بعد ان اعتدي على ثلاث كنائس من كنائسها في الاسكندرية.

انا لست اقول ان ثمة ملفًا للكنيسة القبطية لم يفتح بعد. انا مسرور بالمناقشات التي تجري في الاوساط المصرية المسيحية والمسلمة الراقية ومن كل الاشكالية المتعلقة بمشاركة الاقباط في الحياة السياسية وذلك بصرف النظر عن المخاوف التي انتابت مسيحيي مصر عند نجاح الاخوان المسلمين في الانتخابات الاخيرة. ان صعوبة خوضنا هذه المسألة ان الأنباشنوده بابا الاسكندرية للكرازة المرقسية ما شكا اية فئة من المسلمين وما تأفف وما نسب تقصيرًا، الى السلطات ويعتبر المصريين جميعًا مواطنين ويرفض دوما ان يبحث الاجانب في موضوع الاقليات في مصر اذ يأبى اطلاق صفة الاقلية على الأقباط.

قد أفهم ان أي احتجاج من شأنه ان يؤزم الوضع وقد أفهم ان انخراط الاقباط من جديد في احزاب وطنية من شأنه ان يعزز موقعهم الوطني الذي لا شك فيه من حيث الجوهر ولكنه يحتاج الى تفعيل أعظم.

غير اني لا استطيع ان اقتنع بأن مسألة حرق كنائس تحل بمجرد قول المحقق ان هذا الذي قام بهذا العمل وقتل قبطيًا مصاب بخلل نفساني. سيصدر حكم المحكمة وننتظره. وللمحكمة ان تقول اذا كانت قوى الامن مسترخية (وما قلت إنها متواطئة). وفي هذا مسؤولية.

غير ان ما لم يبحث فيه هو اذا كان هذا القاتل يجتمع الى مجموعات تكفيرية (تكفير النصارى والمسلمين المعتدلين) وهي ليست قليلة في مصر. هل مصر العزيزة خالية من كتل تشحن الناس بتعليم عدائي عن المسيحية؟ هذا هو الملف الحقيقي الذي يجب ان تفتحه لا السلطات فقط ولكن النخب المثقفة. لم يبق كافيًا في خطب التودد بين الازهر والرئاسات الروحية القبطية ان يقول كل فريق حسنًا عن الآخر وان يأتي بآيات القربى والحب ولا يعالج النفوس كما هي.

واذا كانت عامة المسلمين لا تعرف شيئًا عن المسيحية فعامة الاقباط لا تعرف شيئًا عن الاسلام والقربى الفكرية التي نعيشها في لبنان ظاهرة خاصة بلبنان. ولكن هذا لا يعفي المسؤولين في الدولة ان يطلعا على الادبيات ووسائل الاعلام المتعلقة بالدين الآخر وان يعمل المثقفون على وجود أدب رفيع يجمل صورة الآخر في مصادره وفي كل ما يحلو فيه.

عودًا الى القاتل، ربما لم يحرضه أحد. لب المشكلة هو التحريض الكامن في نفس هذا الرجل من وراء ما سمع وقرأ اي من وراء التعبئة الفكرية والانفعالية. حرية البغض هي مصدر حرية القتل.

غدًا سيعيد الاقباط الفصح ويغفرون كما فعل معلمهم. ان يقووا روحيًا بلا طائفية لا تعرفها مصر وان يخدموا كثيرًا كل الشعب المصري هو فصحهم المقيم. الاقباط ليسوا مشكلة مصر. المسيحيون ليسوا مشكلة العالم العربي. القليل عدده يبتغي كرامته وحقه في التعبير. هل يريد العرب ان يدخلوا حقًا في التعددية وتاليًا ان يجعلوا انفسهم تحت كل سؤال؟ اذ ذاك يكون رقيهم.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الدخول الى أورشليم/ الأحد 16 نيسان 2006 / العدد 16

لم يركب يسوع حصانا ولكن جحشا أي صغير الحمار، فإن موت السيّد أملى عليه دخولا متواضعا يواكبه فيه أطفال وبالغون لهم قلب طفل. يجلس على جحش “ليَحُلَّ بهيميّة الأمم القديمة” . يصوّر إلغاء الحيوانية التي نحن عليها ولكنّها لن تلغى إلا على صليبه.

“الله الرب ظهر لنا فأقيموا العيد”. عيد فيه اختفاء يسوع. ولكن الإله لن يظهر لنا حقيقته الا في حبه المسكوب على الخشبة وفي يوم نصره عند فجر الفصح. كم كنت أتمنّى الا يحصر الكبار العيد بأولادهم اذ الأحرى بنا، كبارًا، أن نحمل سعف النخل وأغصان زيتون لنقول ليسوع إن قلوبنا أمست معدّة لاستقباله على رغم خطايانا.

دخول أورشليم بدء الشروق وتطوع السيّد لآلامه، وبهذه الآلام نصير نحن بيته اذ نتجدّد بالكأس الإلهيّة التي نشربها من يديه الطاهرتين البريئتين من العيب. هذه الكأس هي دم العريس. لذلك نقول له الأحد مساءً “إنني أشاهد خدرك مزيّنا يا مخلّصي”. والخدر هو بيت العريس، ونتوق الى دخوله اذ كل منا يؤمن انه مدعوّ الى أن يكون العروس، ولكنا نعترف اننا لا نستحق ذلك.

ونعيش صلاة الخَتَن (أي العريس) ثلاث مرات منذ مطلع الأسبوع، اي اليوم وفي كل ليلة يتوق كل منا أن يكون العروس، غير اننا نعلم أن العرس لن يتم الا بالدم المراق ويظهر بهاؤه يوم القيامة.

لا نعرف بدقة كيف قضى السيّد كل هذه الأيام في أورشليم بعد دخوله حتى حلول العشاء السري. خمسة إصحاحات كاملة وردت في متى تروي أمثالا حكاها كمَثَل الكرامين القتلة ومَثَل وليمة المَلِك. فصول تتضمّن أيضا مناقشات بينه وبين الصدوقيين وتعنيفه للكتبة والفريسيين ثم حديثه عن الدينونة ونهاية العالم. هذه الفصول تأتي متفاوتة الحجم في الأناجيل الأربعة. يسوع يعلّم كثيرا وهو عالم أنه ذاهب الى الموت.

بين هذا التعليم المكثّف وإدانته والحكم عليه، المفصل الكبير هو العشاء السري الذي أعطانا فيه جسده أي ذاته وأعطانا دمه أي حياته كلّه لنحياه اذا أكلنا هذا الخبز وشربنا من هذه الكأس ولا نموت ابدا. إن موت السيد حياة لنا دائمة. ينتقل إلينا بالمعمودية وسر الشركة (القرابين المقدسة).

هذا هو معنى الذكرى ليس انها تَذَكّرٌ لحادثة صارت ومضت، ولكنها اتخاذ للحادثة اليوم. نحن لا نذهب الى العشاء السري بالخيال. هو يتحقق كل مرة نقيم فيها الذبيحة الإلهيّة “اقبلني اليوم شريكا لعشائك السري يا ابن الله”. ولكونه مات عن كل واحد، يغذّي كل مؤمن به أحدا بعد أحد وعيدا بعد عيد كي لا نجوع أبدا ونموت من الجوع.

وبعد أن أطعم التلاميذ ذاته ذهب الى الموت حتى لا نذوق الموت الى الأبد. وكان قد قال لمرتا التي ظنّت أنه سيُحيي أخاها في اليوم الأخير:”أنا القيامة والحياة”. هذا حديث جديد بالكليّة عن القيامة. القيامة الأخيرة ستأتي بلا شك وقال هو هذا. الا أنه قبيل إقامته لعازر قال لأخته: “أنا القيامة والحياة”. أنا شخصي الألف والياء، البداءة والنهاية. والمسيحيّة كلّها أن نؤمن به معلّما وربا ومخلصا. وايماننا به يمدّنا بالحياة الحقيقيّة الوحيدة.

واذا أقبلنا الى الفصح نعرف أننا سنرث المسيح أي نتقبل ذاته في ذاتنا ونتحد به في العرس الأوحد الذي نصير فيه واحدا معه حتى ينقلنا الى ملكوت أبيه.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الدخول إلى أورشليم / السبت 15 نيسان 2006

لقد تسربل المسيح المتواضع في بشريته ليقول للناس انهم قادرون عليه في بشريتهم، وان كل ما حققه في جسده انما كان هدفه ان يرتسم في اجسادنا واذا رآها الله هكذا لا تبلى. أعرف كل الجمالات الروحية في القديسين وكل جمال ساحر ولكن لا اعرف ميزة تجذبني مثل هذه ان رأيت انسانا عليها اذ تدلنا على ان وجه هذا الانسان الى الله وحده. هذا الانسان لم يبق له وقت او قدرة لينظر الى بهاء فيه ولو حاول لا يرى لأن عينيه الى الرب في كل حين. يشاهد عند الآخرين تواضعا ليقينه انهم جميعا افضل منه وان أنوار وجه الرب ترتسم على وجوههم التي لا يقرأ عليها مكتوبا الا الله.

قد يلبس المتواضع الموهوب في نفسه قدرات ولكنه لا ينسبها الى نفسه اذ يعيد كل ما يراه فيه وفي الكون جميلا الى الاله الجميل لينطلق في الشكر والتسبيح. انت ترى هذا الانسان منسحقا ولكن عندما يلامس الارض فهو في حالة اختطاف والجميل انه لا يعرف ذلك اذ لا يعرف انه متواضع.

ليس قصدي الآن ان اتحدث مليا في جزئيات سيرة المعلم لاكشف تواضعه. حسبي اليوم الذي نحن فيه ان يدخل اورشليم اي مدينة السلام وهو ملكها راكبا جحشا في رواية مرقس ولوقا ويوحنا والجحش صغير الحمار. لا يركب الخيل الذي يركبه الملوك اذ لا تُعلن ملوكيته إلا على الصليب. وتأكيدا لانسحاقه يقول عنه الكتاب انه في هذه المسيرة كان وديعا. انا افهم بصعوبة الفرق بين الوداعة والتواضع. في الحقيقة لا يمكن ان تكون خاليا من كل نتوء الا اذا تحررت كليا من العدوانية بادراكك التواضع إذ النتوئية تعني انك لا تزال معتقدا نفسك شيئا.

لست أعلم لماذا في العيش الطقوسي نبرز استقبال الاطفال له مع ان هذه الحصرية ليست في الكتاب ولكن الانشاد يبرزها وكأن الانجيل اراد ان تواضع الطفل ووداعته هما اللذان يستقبلان تواضع المسيح ووداعته. اما اليوم وبعد مضي الفي عام على الحدث فلا دعوة منك له الى قلبك الا اذا انكسر. لست في مجال المقارنة بين يسوع وقواد العالم. ولكنه حقق هذا النوع من القوة انه جمع ثلاث ميزات غير متوافرة معا بصورة مألوفة عند الناس: الوداعة الى التواضع، مواجهة السلطات الدينية على اشرس ما تكون عليه المواجهة، كون الرجل فقيرا حتى البؤس واعزل. وقمة القوة انه يدخل المدينة ليموت وهو كان عارفا بالمكيدة منذ بدء رسالته ويجبهها بلا تراجع ولا استرخاء.

#   #

#

هل يذهب عاقل الى موته طوعا؟ العهد الجديد يؤكد انه تطوع للموت وانه لم يخش المواجهة مع السلطة الدينية ومع روما. المواجهة كانت كبيرة حتى لم يحلم احبار اليهود ان الرجل قابل التراجع. لذلك لم يكن بد من الا يموت.

كان واضحا عند يسوع انه يحمل قضية الله ضد سلاطين العالم. ما كان ممكنا ان تنحل عقدة اليهود الا اذا امحى هذا الانسان من الوجود.

كان عليه على طريق الموت ان يكمل مشوار التواضع: الضرب واللطم واحتمال البصاق عليه والهزء والمحاكمة امام الوالي. وقمة التواضع في هذا هو هذه المحاكمة. يقول الحاكم: «ألست تعلم ان لي سلطانا ان اصلبك وسلطانا ان اطلقك؟» ويجيب السيد: «لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق». يعترف المخلص هنا بسلطان الحاكم الظالم. هذا لم يكن اعترافا بالسلطة الرومانية. قراءتي لجواب يسوع ان الاب الذي يريدني ان اموت من اجل حياة العالم خولك ايها القاضي الظالم ان تقتلني. انت اداة سيئة جدا ليضم الله الى حنان ابوته الانسان المارق. حسن انك هنا يا بيلاطس حتى يكتمل البر. اذلني قومي وتذلني روما. وتمحقني الديانة والسياسة معا لاكون لا شيء حتى يتم قول اشعياء: «وكنعجة امام جازيها هكذا لم يفتح فاه». يجب ان ادفن في الصمت قبل ان ادفن في الارض ليتحقق سلطان الظلام.

وبعدما أكملت القرية الظالمة عتوها قلت: «يا ابتاه في يديك استودع روحي» لتشير الى انك اقتبلت الانسحاق حتى المنتهى لشعورك انك انت بت كاملا في يدي الاب بعد امحاء جسدك في الموت وقد تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر بمظهر الانسان فوضع نفسه واطاع حتى الموت، موت الصليب».

#  #

#

ولعل من اهم مظاهر تواضعه انه لما ظهر لتلاميذه عند الفصح مساء اراهم يديه وجنبه المطعون ليقول شيئين اولهما ان هذا الذي تراءى لهم انما هو اياه الذي رفع على الخشبة وثانيهما وهو المضمون في الاول انه في المجد يحمل آثار الانسحاق. وتاليا ان الاتضاع من شيمه الاصلية والتي ليست فقط صفة من ناسوته. لماذا تطغى علينا صورة الاله الجبار والقدير الذي يزلزل الجبال ويجعلها تدخن؟ لماذا يبدو لنا عزيزا قابضا على السماوات والارض؟ ما اوحى الينا انه لم يقبض على العالمين الا بهاتين الذراعين الداميتين المبسوطتين على الصليب. ما بانت قدرته للرائين الفاهمين عظيمة الا بعدما تلاشت قوته الجسدية كامل التلاشي على الخشبة.

الواضح اننا لم نستطع ان ندرك تواضعه الا لكونه اتخذ جسدا. ففي هذا الجسد تجلى ابن الله الوحيد وبلا هذا الجسد يقول الله لنا كلاما. ان انكشاف التواضع في جسد المسيح ما كان الا لكشف الله نفسه متواضعا. فقبل بدايات الخلق اي في الظهور الابدي للآب والابن والروح القدس كان الآب مفرغا ذاته في الابن والابن في الآب لانك ان احببت تموت شهيدا ولا يعني هذا الكلام شيئا لمن لم يذق ان الآب دائم الانسكاب في الابن والابن دائم الانسكاب في الآب أي ان كلا منهما يزيل نفسه في الآخر وبذلك ينوجد ويدوم انوجاده. الاله يفنى ليبقى. الآب يثبت نفسه لانه يقول للابن انا فيك والابن يثبت نفسه لانه يفني نفسه ابديا في الآب.

هذا ليس كلاما في قالب فلسفة كينونية. ليس عند الله كلام في كينونة طبيعته. هذا كلام في الحب ولا كلام ثابتا الا فيه. واذا قلنا هنا ان المسيح تواضع امام الناس في البشرة فلنقول ان الله غير المنظور يتواضع امام الناس لانك انت لا تستطيع ان تحب الها ضخما، قهارا، يزلزل الاكوان. انا أعبد إلها ذا قلب اي يمحق قلبه لأحيا بحبه.

عندما يقول الله في العهد القديم: «سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا»، لم يكن يستخدم فلسفة الكيان بل فلسفة الحركة. ولما سأله موسى: ما اسمك اي ما طبيعتك لم يجب بما كان يتوقعه موسى اذ قال الله: «سأكون ما سأكون» اي سأكون معكم وتعرفونني بحركتي اذ لا يستطيع احد ان يرى وجه الله اي طبيعته ويحيا. لذلك ليس هو موجودا على صورة الانسان او الصخرة او الشجرة. انه كان وكائن وسيكون بكونه كاشفا نفسه بوحدانية الحب الذي فيه ومتغنيا بالبشرية العروس اي رافعا اياها على نفسه لانه اذا رحضها بالماء والروح بانسكاب ألوهيته عليها يراها جميلة به، دائمة بجماله المسكوب تحيا معه في فصح أبدي.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية/ الأحد 9 نيسان 2006 العدد 15

نسخـتُ ايقـونتها الأصلية التي كانت في قصـر هنـري فرعـون رحمه اللـه اذ لم أرَ مثلها في العالـم الأرثـوذكسي. وهـي تتصـدر جدارا من غرفتي لولعي بهذه القديسـة التي لم أعرف أحدا جبـارا في جهاد العـفـة مثلها.

          لا استطيع الا ان اذكرها لكم كل سنة في يوم ذكراها هذه. لا يلومنني احد على حبها وتعرفـون سيرة هذه الشابـة التي كانت فاسقـة وأعطاها الرب قامـة روحية ممدودة كثيرا. تعرفون بعد ان وصلت الى بريـة الأردن انها بقيت حوالى نصف قرن كومـة من عظام وشيئًا رقيقًا رقيـقًا من اللحم.

          ما لاحَ لي مؤخرا لمّا جاءها الراهب زوسيما ليناولها جسد الرب وجثا أمامها انه لم يستطع الا ان يفعل ذلك لأنـه لم يكن امام مشهد امرأة. كان أمام مشهد نور. وهي طبعًا لم تعرف انها مضيئة إذ ظلت تستغفر كل هذا الزمان وسمّت نفسها خاطئة حتى عـند دنو أجلها.

          زانيـة عظيمـة ثم قديسة عظيمـة تلك كانت أمّنـا البارة مريم المصرية في القرن الرابع للميـلاد. أجل دخـلت كنيسـة القيامـة بعـد ان حجـت اليها آتيـة من مصر، وكانت هي اعظـم من كنيسـة القيامة لأن يسوع كان وحده عائشا فيها تناجيه ليل نهار وكانت حافظـة لصلوات الكنيسة والإنجيل استيقظت فيها بعد ان وئدت خطاياها.

          القديس صفرونيوس الذي كتب سيرتها في القرن السابع كان يعلم بناء على شهادة الأقدمين انها في فترة اولى قبل حصولها على الهدوء الكامل كانت ذاكرة ذنوبها تُعاودها.

          وضعت الكنيسة هذه الذكرى في آخر احد من الصوم لتقول لنا انه بقي لنا أيام قليلة نلج فيها الأسبوع العظيم المقدس الذي ليس فيه حيرة بين البرّ والشرور، وان أحد الشعانين يؤذن بدخولنا اورشليم اي بلد السلام مع الرب، سلام النفس. وسلام النفس لا يمكن حصوله اذا بقينا مستلذين اية خطيئة، أزِنا كان هذا ام كذبا أم سرقة ام غضبا.

          هذا الأحد يوم تصميم على اننا تركنا المرحلة الأولى من حياة مريمنا هذه اي الغياب عن يسوع، لندخل المرحلة الثانية التي نرجو ان تكون الأخيرة وهي ان نلبس المسيح المبارك كليا، بلا تردد، بلا مشاركة لأعدائه، وبلا خلطة مع الظلمة، ليصبح السيد مالئًا كل كياننا الداخلي.

          هل أنا اريده وحده؟ هل أنا أجاهد بكل قواي حتى الدم ليكون هو حبي الأوحد؟ هل أعمل بالشهادة والبشارة واللطف والرحمة بالناس وخدمتهم اليومية لأجعلهم جميعًا أسيادًا علي، وهكذا يلتمسون وجه يسوع، ونمشي وراء المعلّم الى اورشليم العلوية التي يسوع مقيم فيها، حتى نبقى له هنا وهناك ونقيم امامه فصحًا أبديًا.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...