2010, جريدة النهار, مقالات

في التفجّع عند الموت / السبت 22 أيار 2010

رأيت قلّة من الرجال يتفجّعون، ورأيت اكثرهم صابرين، وهذا في الديانتين، وكأن المسألة نفسانية ومجتمعيّة. هل هذه إرادة في إظهار الرجولة، وهل في بكاء النساء وما يصحبه من غلوّ متعلّق بالطبيعة الأنثوية الأقوى عندها الانفعال؟ ما من شك أن المرأة تكره الموت. ربما كان ذلك في المسيحية والإسلام عندنا لأنها الكائن الحافظ الحياة والناقل الحياة وتاليا كان الموت ضد طبيعتها. ولكن ما من شك ايضًا أن في الأمر جانبا حضاريا، فالأوربية تعلّمت أن الغلوّ في التفجّع منافٍ للكياسة المطلوبة في المجتمع الراقي. من هنا أن المسألة تبدو بالغة التعقيد مع قناعتي أن تهذيب الطبائع ممكن بلوغه على مستوى التربية.

الى هذا أظن اننا كلّنا في حاجة الى دراسة المجتمعات الدينية لنعرف تأثير العامل الديني في موت يتحوّل الى فاجعة او موت يُزيّن بالصبر. فيما شاهدته على شاشة التلفزيون أن النسوة المسلمات يبكين ايضا والرجال المسلمون يبقون على هدوئهم. هل هذا ناتج من عقيدة القضاء والقدر ومن حكم هذه العقيدة للنفوس؟ ولكن يبدو أن موت الشهادة جعل في نفوس النسوة صبرا جميلا. الى هذا هل المشهد الشيعي أعظم إيلاما بسبب من كربلائيّته ولا سيّما في العراق؟

اما المشهد المسيحيّ فغاية في السوء حتى ولو بلغ الميت شيخوخة طاعنة. لا شك أن التفجّع في هذه الحالة أقل حدّة. مع ذلك الاضطراب عميم وحقيقيّ، ولست أظن أن ثمة تمسرحا دائما او تمسرحا كبيرا. المرأة لا تطيق الموت ولا يطغى عليها الّا تهذيب للنفس فعال.

أظن أن التفجّع واحد عند المسيحيات في لبنان في كل الطوائف، في الساحل والجبل، ولا فرق هنا بين مؤمنات يلتزمن عمل الله ويُمارسن الصلاة وربّات منازل لا يعرفن الصلاة الا قليلا، فلا قضاء الله في العقول ولا تأثر بمعزّين يَذكرون أن هذه مشيئة الرب، ولكن عند المعزّين كلمات استسلام. كلام من اللغة لا ينفذ الى القلوب كأن هناك طقس نوح وعويل. هذا هو الندب القديم على تمّوز. هذا هو الدين الفينيقيّ الذي يُفترض أن تكون المسيحية محته في سطوع ندائها الفصحيّ. هناك نسيان وجوديّ يحكم النفس حكما مريرا، ومواجهة صدامية بين الحياة والموت لا تغلّب فيها للحياة.

قبل بلوغي المسيحية في هذه الأسطر لفتني في القرآن ما جاء في سورة الزمّر 43: «الله يتوفّى الأنفس حين موتها». هذا يعطف على قوله في آية أخرى: «ربي الذي يُحيي ويُميت»، وهذا مِثْله في العهد القديم. الموت هو ما يحدث في الإنسان بأمر من الله ويستعيد الله النفس اليه، وهذا ما يسمّى الوفاة.

يقول الإمام الرازي في تفسيره ان الله «فوّض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع الأعمال الى ملك من الملائكة ففوّض قبض الأرواح الى ملك الموت» (المجلّد الثالث عشر ص 280). دون نكران هذا التفويض الإلهي الذي هو السبب الأول اي الله ألا يسوغ أن ننظر الى الأسباب الثانية القائمة في علم البيولوجية فيكون الموت من الطبيعة بأسبابه المباشرة وليس لعلماء البيولوجية أن يبحثوا في ما يتجاوز مراقبتهم للطبيعة.

السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سنّ الله نواميس الطبيعة. الفكر الأرثوذكسي يقول ان الله وضعها بعد السقوط وهي الآن تحكم الكون. هناك تمييز واضح عند كل المسيحيين الآن أن هناك فرقًا بين سابق المعرفة الإلهية وبين إرادته. فالله يعرف ما سيكون، ولكن هذا لا يعني أنه قرره منذ الأزل وجعل له وقتا في زمان الناس. يأتي اذًا موتي من الدورة الكونية ثم يتوفّاني الله اي يقبضني اليه.

اذا ذهب مسيحيّ عربيّ عند مسيحيّ ليعزّيه عن عزيز يقول له: »هذه مشيئة الله« اي انه لا يفرّق بين معرفة الله السابقة وبين إرادته إذ بقي وريث العهد القديم من هذه الزاوية وورث الإسلام في القضاء والقدر. ويهوّن على نفس أصدقائه الألم ولكنه لا يمنع التساؤل: لماذا كانت المشيئة الإلهية هكذا، او بتعبير آخر: لماذا أراد الله عذابي وتمزيق قلبي، او لماذا هذا التصادم بين الحكمة الإلهية والمعقولية البشرية؟ وهل نحن منتزعون شيئا من القدرة العلوية وتقويض النواميس الطبيعية التي تدور في آليتها؟

أما بعد فالمسيحية كل مضمونها قيامة المخلّص التي أبطلت فاجعيّة الموت والمسافة بين الأحياء والأموات. لقد قال يسوع عن نفسه: «انا هو خبز الحياة»، وتوسّع بهذا حتى قال: «انا هو الخبز الذي نزل من السماء. من أكل من هذا الخبز يحيا الى الأبد» (إنجيل يوحنا). يحيا فعل مستمر من الحاضر الى الآتي. الحياة الأبدية تساقطت علينا منذ موت السيد ولازمتنا أفي هذا العالم كنا أم في العالم الذي انتقلنا اليه بالموت. لذلك نسمّي الموت في عباداتنا رقادا بمعنى أنك ترقد في المسيح الحيّ اليوم وغدا والى دهر الداهرين. قيامة البشر جميعا في اليوم الأخير مستمدّة من قيامة السيد. لذلك نقول في واقعية روحية كاملة ان المسيح أبطل الموت.

السماء عندنا ليست حالة كلية الجدة. هي «كمال ملكوت السموات» الذي أُوتيناه لما «صار الكلمة جسدا وحَلّ فينا». ليست السماء مدى. انها هي المسيح ومعه أحباؤه. «قام المسيح وليس من ميت في القبور» (يوحنا الذهبي الفم). لذلك تستنير أجسادنا المدفونة في الأرض عند بعثها بالنور نفسه الذي تسربل المسيح به عند انبعاثه وتبطل نواميس الطبيعة الساقطة. هذا الجسم الذي تبدو عليه في الملكوت جسم روحانيّ.

فكر بولس الرسول يتجاوب وفكر يوحنا الإنجيلي فهو القائل: «الحقيقة هي أن المسيح قام من بين الأموات وهو بكر من قام من رقاد الموت… وكما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك هم في المسيح سيحيون… الإنسان الأول من التراب فهو أرضي، والإنسان الآخر من السماء… وكما لبسنا صورة الأرضيّ، فكذلك نلبس صورة السماويّ… فأين نصرك يا موت؟ وأين يا موت شوكتك» (1كورنثوس 15).

امام هذه الأقوال اذا استوعبناها، أين مطرح التفجّع اذا رحل عنا قريب او صديق او جار؟ كيف نسمح للأعصاب أن تثور. لنا أن نبكي كما بكى يسوع على صديقه لعازر. ولكن ليس لنا أن نقع في اضطراب وجود. لنا أن ندمع كمن لهم رجاء.

المسيحيون الأوائل كانوا يرتدون ثيابا بيضاء عند موت. من أين أتت الثياب السوداء وهذا اللطم للوجوه؟ هل ظللنا على الديانة الفينيقيّة ولم يعبر المسيح الحيّ الى قلوبنا؟ الفصح يا إخوة ليس عيدا وحسب. انه حياة جديدة تُقيمنا في السلام فإن المسيح سلامنا. انه هو طبيعتنا الجديدة ونورنا والهدوء.

عند وفاة واحد منا نقرأ عليه المزامير في البيت حتى نقيم جنازة كلها رجاء. كيف نُبيّن أننا أولاد الفرح.

أيقوم رجل مقدام مؤمن بالقيامة ليُقنع أفراد عائلته بأنهم مدعوّون أن يعيشوا قياميا ويلتزموا السلام وهدأة التصرف عند حدوث موت. اذا تصرفت إحدى العائلات هذا التصرّف ويتبعها العاقلون.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

خطاب بولس الى الكهنة/ الأحد 16 أيار 2010 / العدد 20

بولس، في رحلته الأخيرة الى فلسطين آتيا من أوربا، اشتهى أن يصل الى اورشليم قبل العنصرة اليهودية، وكان راكبا البحر، وكان بإمكانه أن يجعل أفسس محطة له. لكنه آثر أن يتوقف في ميليتس أي الى جنوب أفسس.

وهناك استدعى قسوس الكنيسة التي في أفسس. هؤلاء كانوا كهنة على الأقل. ولكنه سمّاهم في خطابه اليهم «أساقفة» لأن الكلمتين قسّ وأسقف كانتا مترادفتين. هذا لا يعني أن الكنيسة لم يكن عليها أسقف بالمعنى الذي أخذ ينكشف لنا في أواخر القرن الأول. الوظائف كانت مختلفة ولو كان القسّ يُسمّى أحيانًا أُسقفًا كما في هذا الموضع من أعمال الرسل.

عندما اجتمعوا اليه حذّرهم من القائمين بأمور ملتوية. فتلك المنطقة كان فيها يهود خطرون، وكان فيها أصحاب ما نسميه الغنوصة (العُرفان بالعربية) يُشوّهون التعاليم المسيحية ويحاولون غزو الفكر المسيحي، وبعضٌ من هؤلاء كانوا أعضاء في الكنيسة. من تعمّد لم يكن ليتحرر بسهولة من الفكر المغلوط الذي يسبّ فيه. اليوم تجد مسيحيين عندهم أفكار تناقض دستور الإيمان. اذا سألتم ناسا عما اذا كان المسيح إلهًا وإنسان معا اي قائما في الوجود قبل ان يولد من مريم قد لا يكون جوابهم واضحًا.

السهر على كنيسة الله عنى في هذا الخطاب محاربة البدع (الهرطقات) وحفظ الناس في استقامة الرأي. هذه تبقى وظيفة الكهنة وتنقضُ وجود كهنةٍ غير متعلمين اللاهوت الأساسي.

ذكّر الرسول كهنة أفسس انه اهتم برعيّتهم ثلاث سنين. كان إنسانا لا يتعب من البشارة ولا يملّ. ثم ذكرهم أنه «لم يشتهِ فضة أحدٍ او ذهبه» وأنه كان يؤمن دخْله من عمل الخيام بيديه. يعطي الكلمة ولا يأخذ شيئا في المقابل، وهمّه أن يساعد الضعفاء بالقليل الذي كان يكسبه، وكان يذكر دائما بواجب المشاركة. المحبة المسيحية تعبر عن نفسها بالعطاء المادّي، والذي لا يقوم به تبدو محبته كلاما.

وعلى هذا الأساس ذكرَ كلمةً للرب يسوع غير واردة في الأناجيل: «العطاء هو مغبوط أكثر من الأخذ». من يأخذ قد يعرفُ أن المعطي يحبّه بسبب يسوع وقد لا يعرف. ولكن مَن أعطى صادقا وتواضَعَ يُحبّ الذين يعطيهم بالمسيح. ثم الا يعني المال شيئا للكاهن أساسي لرسالته.

«ولما قال هذا جثا على ركبتيه». لا شك أنه شكر لله لقاءه بأهل أفسس وأهل ميليتس، وطلب الى الرب أن يُثبّتهم بالإيمان وأن يحفظهم من الشرير. وعرف أنه ذاهب الى الآلام في فلسطين، وهناك صدر الحُكم بسجنه، واستأنفه إلى قيصر.

إنه هو الذي كَتَبَ: «فإنْ عِشْنا فللرب نَحيا، وإنْ مُتْنا فللرب نموت، فإن عشنا او متنا فللرب نحن».

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الى أعضاء المجالس البلدية / السبت 15 أيار 2010

هذه الكلمات ليست توجيهًا وانتم الأعلمون، ولكنها لجوء مني الى ما عندكم من حكمة ومعرفة وحب لهذا البلد. أرجو أن تكونوا محطّ رجائنا في بلد مكسور ولا يبدو فيه منقذ كبير او كتلة منقذين ولئن كنت قد قرأت «انتم مخلّصون على الرجاء». سأغوص اذًا على الرجاء وأخاطبكم علّكم تسمعون.

أراكم في مناصبكم اي قائمين على مسؤولياتكم. أراكم من خارج الدائرة السياسة ولو كان كل لبناني مسيّسا بمقدار. غير أن المراكز التي تشغلون لا تتطلب اندراجا في هذا الحزب او ذاك لأنكم إن أخلصتم للمدينة او للقرية التي أتت بكم تحتاجون أولاً الى ان تحبوها والمحبة روح الإدارة او أصلها. ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الماء لأن كل إنسان يشرب عند عطشه، ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الإضاءة لأن احدا منكم لا يستطيع أن يعمل في الظلام. ولن تختلفوا في مجال الطرقات اذ لا يريد احد أن تنكسر سيارته، هذا اذا كان الطريق بلديا.

هذه أمور تتعلق بالحياة اليومية اي بالحياة الحقيقية ولا تحتمل الجدل السياسي. ربما دخلت المنفعة الخاصة أحيانا ورسم الطريق باتجاه لا بآخر. هنا لكم أن تتحصّنوا بالتقنية وبمصلحة الضيعة، ربما بهذا السلوك الحسن تربّون المتسيّسين على الطريقة اللبنانية اي المتحزّبين. هنا أخشى على البعض -دون اتّهام- لأني لم أقرأ اللوائح ولأني من حيّ صغير من إحدى مدن لبنان، قلت أخشى أن يحسّ العضو البلدي بضرورة ردّ الجميل لمن أتى به على قاعدة سياسية. انت لست راجعا الى حزب ولو كنت عضوًا فيه اذا جلست على كرسي العضوية باستقامة وليس في ظهرك التواء. انت خادم لا للفئة التي انتخبتك ولكن لمجموعة المدينة او القرية اذ لمّا قبلت انتخابك قبلت التزامك ايضًا. والأولون في مجالس الشعوب هم الأسرع في خدمتها.

مررت بالكورة الاثنين الماضي ثم عرّجت عل المتن وكان في يدي كتاب والقراءة عادة لي اذا كنت راكبا. فرميت كتابي الى يساري على المقعد اذ رأيت غابات جميلة ارتاح اليها نظري ودخل إليّ بعض الفرح. وفيما أنا أنظر الى الخضراء رأيت منازل جميلة مختلفة الألوان من الخارج وعلى سطوحها آجرّ وكان يغلب عليها في مطلع شبابي طابع الفقر. هذا كله ما قامت به الدولة. قام به الناس. قلّما ينبثق الجمال من الحكام إلا اذا أرادوه سمة لمنازلهم الخاصة. ولكني أعرف غير قرية في اوربا تأمر السلطات المواطنين فيها بالجمال. وسررت كثيرا لما لحظت ان شيئا من هذا يُطبّق الآن في لبنان.
# #
#
عودًا الى الشجر، فيما كنت أُقلّب احد أسفار العهد القديم قرأت أن الملك الأشوري الذي كان يحكمنا أخذ يقطع أرز لبنان. العداوة للشجرة اذًا قديمة. ثم قرأت عند الذين أرّخوا لطرابلس قبل ألف عام أنها مؤلفة من مدينة برّية ومدينة بحرية تفصلهما بساتين البرتقال. وعشنا جميعا هذا المنظر الى أن غزت بنايات الإسمنت هذه البساتين فصرتَ تتنزه على الطرق الثلاث اليوم التي تفصل المدينتين ولا تشم رائحة زهر البرتقال، اي حصل اعتداء على كيانك البيولوجي وربما على كيانك الشعري إن كنت شاعرا.

قرأت بسرور خبر تأليف جمعية تعنى بالتشجير. هذه اذًا جمعية تُذكّرنا بإنسانيتنا السليمة المشتهاة. وفهمت على قلة معرفتي بالتكنولوجيا أن الطوافات منها ما يقوم بهذا العمل بسرعة الى وسائل أخرى يعرفها أهل الاختصاص. اذا قررتم ايها السادة الأعضاء ألاّ تعطوا رخصة بناء الا اذا أمرتم بزرع عدد من الأشجار تحدّدونه وفق مساحة المبنى، تكونون قد مهّدتم عودة الجمال الى منطقتكم وتحسين الطقس وتكوين مياه جوفية وتصنيع الخشب والورق وما الى ذلك من غنى.

والمجلس البلدي لا يضطره شيء الى الانقسام اذ في المبدأ ينبغي ازدهار المنطقة الموكلة اليه، والازدهار معروفة مواضيعة ومعروفة مقاييسه. وهذه الرعاية يريدها المواطنون لكونهم يَنمون صحيا وأَمنا وفرحا بمكافحة التلوّث وتأمين النظافة. يحسّون بهذه النشاطات إحساسا شخصيا وعائليا ويُدركون أن الضرائب البلدية موظّفة لخيرهم المباشر في حين أن ليس عندهم الاندفاع نفسه لشؤون الدولة لأن الأقاليم الأخرى بعيدة وقد تهملها الدولة في حين أنهم يظنون -عن خطأ أحيانا- أن المجلس البلدي منهم وإليهم ويسهر أعضاؤه على عائلاتهم وأصدقائهم وتاليا يسهرون على مصالح الجميع.

لست أظن أني مبالغ في الغنائية او حالم بلا حدود. طبعا هذا يتطلّب أن تطالب وأن تتابع من تعرفهم في المجلس البلدي وأن تؤلّف حركات مطلبية على صعيد الضيعة او المدينة لا تأخذ طابعا سياسيا. البلدية حكم مصغّر ولكنه حكم فعّال إن توافرت المعرفة والحكمة والصدق.

والحاجات تُظهر نفسها. كنت اقترحت على رئيس إحدى البلديات في قرية جميلة مشروع تجميل يتضمّن تحسينا للبيوت الناقصة معالم الجمال لأنني كنت مقتنعا أن هذا العمل الهيّن نسبيا كان من شأنه أن يزيل الحزن عن قلوب الناس من هذا القبيل. هذا لأؤكّد فقط أن الناس مقتنعون بالجمال لأنهم مقتنعون بالفرح.

عودة ثانية الى الشجر بعد أن سألني أحد الأصدقاء: لو كنت ما زلت مدنيا وتمنّيت المشاركة في إدارة البلد أية وزارة كنت طلبت؟ أجبته توّا وزارة الزراعة. منذ فترة قريبة فرحت بشهوتي هذه القديمة بعد أن رأيت النخيل يتصاعد هنا وثمّة وهذه هي شجرتي المفضّلة. ألا يرى المجلس البلدي أنه يكفيه تحرّك خيال او قلب نحو النخلة حتى يزرعها طالما زعم واحد أن غابات النخيل تدفع ناسا الى مشاعر قد تصير فيهم ينابيع إبداع.

أهمية المجلس البلدي أنك تجد فيه مجموعة بشر تُلهمهم المحبة والحكمة والمعرفة وأنهم قادرون ألاّ يُدخلوا الخصومة اليهم لأنهم اختاروا حُبّ مطرح صغيرا كان أَم كبيرا على نزواتهم. المجلس البلدي، اذا أُتي به بتزكية او منافسة، بعد انعقاده مكانُ تسابقٍ في الحسنى ولقاء تقارُب بين أناس يتوقون الى الصلاح لتوقهم الى الحُسن والنظافة وقيام مشاريع والى الإيمان بأن الجنّات ممكن حدوثها في الأرض وأن زهو الجنّات ممكن أن يدفع الناس الى زهو القلوب.

فلنبدأ من هذه النقطة بلا منازعات فردية لعل كل بلدية تقتدي بالأخرى ولعل الدولة تتربّى على أن تتوق الحسن او الأحسن. هذا البلد في حاجة الى عقلية مجلسٍ بلديّ كما وصفناه هنا لتسكت السياسة الكيديّة وتبرز سياسة المدينة الفاضلة كما سمّاها أفلاطون وأُغسطينوس والفارابي ويصبح لبنان بعد ذلك مدينة الله.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

النور / الاحد 9 أيار 2010/ العدد 19

في إنجيل يوحنا حديث كثير عن النور. «أنا نور العالم» (12: 8). وعندما يقول السيد في متّى: «أنتم نور العالم»، إذا عطفناها على قوله: «أنا نور العالم»، يكون المعنى انكم تستمدون نوركم منّي.

نور المسيح ظاهر لك بعد صعوده الى السماء في كلمته. هو الذي يستنير به عقلك وقلبك معًا اي هو الذي يُبدّد الفكر المغلوط فيك وهو الذي يمحو خطاياك. هذان أمران يتّصل أحدهما بالآخر. فإذا كنتَ على استقامة الرأي وفهمت تعليم الله بالإنجيل يساعدك هذا على الابتعاد عن الخطيئة. بالمقابل اذا تبتَ عن خطاياك تزداد استقامة رأيك قوة. مثلا إذا كنتَ تكذب كثيرًا يميل عقلك الى القول ان الانسان لا يستطيع الا ان يكذب. أمّا اذا صرتَ فعليًا أقرب الى الصدق يميل عقلك الى القول ان الله كان على حق عندما أوصانا بعدم الكذب. فعلكَ ينحت عقلَك، وعقلك اذا استنار ينزل الى قلبك ليطهره.

الشيء الآخر ان هذه الدنيا مليئة بالأفكار المغلوطة في الفلسفة والآداب والسياسة وفي الكثير من حديث الناس. وأنت تصير على شكل ما تسمع وما تقرأ وتميل الى التشبّه بالخطأة والأشرار وتميل الى مشاكلة هذا الدهر اي تأخذ شكل عقل الناس وتجترّ كلامهم الفاسد.

في خضَمّ هذه الأفكار المغلوطة، الإنجيل وحده إن قرأتَه يُصحح فكرك المغلوط او المعوج. الإنجيل نورُك. إقرأ الكثير واسمع الكثير لأن لك مصلحة حياة في هذا. ولكن واجه ما تسمع وما تقرأ بنور المسيح الذي فيك. لا أقول لك أن تنعزل كليا إذ تصير فارغا. أقول اختلط بعد أن تكون قوّيت فكرك بفكر المسيح.

تريد أن تسمّي العلم نورًا؟ هذا صحيح الى حدّ. ولكن هناك معلومات تُفسّر وهي جزء من علوم هذا الدهر. اطّلع على كل شيء وتمسّك بالأفضل. الإنجيل لا يغلق عليك شيئًا. خذه في عقلك وقلبك واذهب الى هذا العالم غير خاضع له لأنك تحررتَ بالإنجيل.

مؤخرًا كنتُ على غداء في رعية، وكانت على المائدة أمامي امرأة يدلّ ظاهرها انها تفوق الستين من العمر. وكنا نسمع الى هذا وذاك من القريبين مني. أذكر انها تلت ثلاث آيات من العهد الجديد في مواجهة أغلاط كنا نسمعها. كان حديث هذه المرأة يدلّ على انها كبيرة الثقافة. كانت مثقفة إنجيليًا وأحسّت انها تسمع كلامًا مغلوطًا فأخذت من جعبتها الإنجيلية ما ساعد الناس أن يفهموا.

كلّ منّا عنده شيء من العمق بسبب علاقات له فيها شيء من السوء، وله مواقف وأقوال استمدّها من خطاياه. الإنجيل وحده يُنقذك من الأخطاء ويجعلك تبصر.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

العائلية / السبت 8 أيار 2010

لست متأملا بحقّ في المجالس البلدية التي تألقت والمستقبل كفيل بفحصها ولكن قيل في وسائل الإعلام ان الروح العائلية طغت عليها. هذا التقاطع بين الأحزاب والتكتّل العائليّ جدير بأن يُدرس بتدقيق لنعرف مضمون العقل اللبناني في الشأن العام. ماذا يحرّك هذا العقل. هل نحن لا زلنا قبائل اي هل العائلات تخشى بعضها بعضا؟ هل تطغى عليها العاطفة لتصبح قليلة التأثر بهذه التركيبة الوضعية، الموضوعية التي تسمّى الأحزاب. هذا إذا أقررنا أن شيئا من الأحزاب ليس فكريا كثيرا وأن الانفعال في اختيار الحزب ضاغط على الكثيرين.

نحن في حاجة الى درس الإنسان اللبناني أنثروبولوجيّا اي في إناسته. أظن أنه يمكن أن ننطلق بعامة من أن الطبائع اللبنانية في كل المناطق والطوائف واحدة او متقاربة. مع ذلك هذا يحتاج الى تمحيص سوسيولوجي دقيق لنعرف كيف نعالج شعبنا، كيف نأتي به من خصوصيته الى الفكر العام.

لفتني فيما كنت أُصغي الى المعلومات عن هذه اللائحة او تلك الإكثار من استعمال كلمة بيئة ففرحت بادئ بدء اذ قلت في نفسي إن المرشحين تهمّهم البيئة وهي نسبيا مفردة جديدة عندنا اذا خرج المواطن من زاروبه الى السعة. تحرر من منزله او سوقه ليذهب الى الضيعة كلها التي فيها عائلته وعائلات أخرى.

في سعي اللبناني الى البلدية او غيرها يخاف من أن يكون حبيس وحدته ويريد أن يلتصق بمن يخرجه من هذه المحبسة، وانت إن كنت حضاريا تخرج بالفكر او تخرج بالمحبة اي انك تتجاوز الأنا لأنك تحيا من الـ «نحن». أظن أن ابن بلدنا ضعيفة عنده روح المعيّة المرتكزة على أحاسيس مشتركة او مشاعر توحّد. أظن أنه يؤثر اللصوق بأهل بيته، بأعمامه او أخواله او أصهرته. يحب اللصوق ليجد نفسه. هو لا يعرف أن له ذاتا قائمة بنفسها، قادرة على لقاء من يختار حسب ذهنه وثقافته. هو وريث دم او حليف مصاهرة، قريب من أهل الحيّ بسبب الضيافة او المجاورة. ظاهره هذا الالتصاق الكبير الذي ينشئ عندنا ظاهرة السهرة التي لا تعرفها شعوب كثيرة. في اوربا واميركا تدعى الى العشاء فتجلس بعده ببضع دقائق تهذيبا. عندنا لا تدعى الى عشاء ولكن الى جلوس طويل قبله وبعده لتذوب في الآخرين، لتنسى نفسك، لتضيع في الوقت اذ لست قادرا أن تقضيه وحدك. أن تبقى وحدك في غرفتك تقرأ كتبا ليس ظاهرة لبناني. هذا البلد لا يقرأ ولا يأتي من كتب. يرث ثرثرة الأصحاب ولذلك تتفشّى فيه النميمة.
# #
#
من يقرأ ليس عنده وقت أن يقصّ قصص الآخرين. من يخاطب عندنا أصدقاءه بغير السياسة يرى نفسه يلعب. اما القراءة فهي رواية التاريخ او رواية الله اي انبساط الوجود بين شخصين او اكثر. نحن نلعب بالكلام كما نلعب بالنرد والنرد هروب اذ لا تُواجه الآخر ولكن الحجر يواجه الحجر اي انه بديل عنك وحجر مُلاعبك بديل عنه.

اللبناني كائن خائف ويظن أنه يبدد خوفه بكسب مال يضمنه والمال لا يضمن لأنه معرّض للأزمات او الربح والخسارة. المال ينتمي الى الطارئ وليس للطارئ وجود حق. ومن خاف ليس له ثابت اي ليس معه إله. فالله لا يحضر الا اذا دعوته ثم قبلته ثم أحببته فبات عشيرك وبتّ عشيره. بلا رب انت في فراغ لأن ربك وحده هو الملء.

عودًا الى الانتخابات ظننت نفسك مقيمًا في العائلة وتحسب أنك تحميها من المجهول لأنها راسخة. ربما كان هذا صحيحا جزئيا ولكنها لا تحميك من كل شيء. هي من العالم المهزوز، من العالم الذي يموت. وفي الانتخابات تريدها أن تبقى.

في شعورك العميق هي تبقى إزاء غيرها ولكن كل العائلات تموت او تبقى الى حين. أفهم أننا نطلب الدفء. فالدنيا باردة ولاسيما إن عرفت أن قلوب الآخرين قد لا تكون الى قلبك. ولكن كيف تستلم الدفء؟ على الصعيد الشخصي هو المحافظة على القربى. ولكن في الشأن السياسي ماذا تعني القربى، ما هي القربى؟ هل كل الذين ذكروا البيئة الأسبوع الماضي كان عندهم تأمّل في الشجر والماء والطرقات وبناء المنازل ومكافحة التلوث أَم أنها كلمة استعملوها ليوحوا أن لهم فكرا كاملا في هذه المجالات؟ واذا كان لك فكر او بعض فكر هل حدّثت أباك وأمك وإخوتك وأخواتك والأعمام والأخوال والأصهرة في هذه الموضوعات واتفقتم على توحيد الآراء، ثم رأيتم أن المتحدثين الآخرين عن البيئة لهم آراء أخرى فتنافستم، واذا اتفقتم علام اتفقتم لتؤكدوا لائحة موحّدة وتهربوا من انتخابات مخيفة. وهل تباحثتم في مشروع او اعتقدتم أنكم عند اجتماعكم في المجلس البلدي يهبط عليكم الوحي. هل شعرتم بأن هروبكم من الفرقة يجعلكم مفكرين؟ هل اخترتم من هذه الفروع العائلية المختلفة الأذكى والأطهر وانتدبتموهم لتحلّوا عن نفوسكم عار الخوف؟

هل ذقتم اشتداد الحزازات الكامنة أم كنتم سابقا مقتنعين أن في عائلاتكم كرامة ليس الآخرون عليها؟ كم من مرة سمعتكم تقولون لنا كرامة لأننا أصيلون؟ هل الآخرون أولاد زنا حتى لا تكون عندهم كرامة؟

العائلية لا تقوم الا على الضدّية، على نبذ تعلنونه لأنكم وحدكم في الوجود. العائلية تحديدا مذهب إلغاء لأنها اعتكاف او انكفاء اي انها موت بطيء غير معلن عنه او غير معترف به او جاء الاعتراف به نكرانا للسياسة التي هي إقرار بمجموعات مختلفة لا يُداخلها الدم. العائلة في المعترك السياسي أسطورة مجد اي مجد هذا العالم الذي كان الفريسيون عليه وخاطبهم يسوع الناصري بقوله: «إنكم لا تستطيعون أن تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدًا بعضكم من بعض». حضرت مرة في روما حفلة تنصيب لكاردينال كان من أصدقائي. ومدير الحفلة الطقسية في الكثلكة شماس وهي أدنى رتبة في المصفّ الإكليريكي، وعندما انتهت الحفلة قال الشماس للكاردينال باللاتينية: «هكذا يمضي مجدُ العالم» حتى لا يستكبر هذا الذي نصّبوه. والمعنى أن المنصب لا يمجّد صاحبه.

هكذا العائلة عندنا لا تمجّد أحدًا. واذا كانت عائلتك متعددة الخصال الحميدة منها وغير الحميدة تكون نصيرا لخليط من الفضائل والرذائل. وحلفاؤك هم أيضًا على هذا التنوّع الرهيب. كيف تريد الرذائل أن تُنتج جمالا وحقّا اذا اجتمعتم في اي مجلس من حياتنا اليوميّة؟ الحلف في الضيعة او المدينة لا يُنتجه الدم يا صاحبي. يُنتجه الإخلاص الوطني الذي يلتقي بالمعرفة. في السياسة ايضا «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». كذلك لا يستوي الذي يحبّون والذين لا يحبّون.

انا لست أقول ان الأحزاب بالضرورة طاهرة ولكن ميزتها أنها لا تعتمد الدم أساسًا وحده. فيها أحيانا ما ليس من الفكر. طهّرها انت بما في قلبك من نقاوة وبما في عقلك من رجاحة وبما نزل عليك من الكتب. اختر مما لم ترثه من أبيك مما تعتبره من عالم القيم وحتى أُبسّط الكلمة مما نزل عليك من الأخلاق ليكون لك ضيعة او بلدة او مدينة قائمة على البهاء الإلهي، هذا الذي نرجو أن يُكلّلنا معا اذا التقينا لخدمة لبنان.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

البلديات وغيرها/ الأحد 2 أيار 2010 / العدد 18

الانتخابات التي البلد مقبل عليها ندخل اليها بأخلاقنا. نحن في كل شيء نجيء من الإنجيل، من حلاوته ورصانة التمسّك به إذ ليست الانتخابات مشوارًا. انها التزام وتعبير عن حبّنا للبنان. نأتي اليها بالنقاوة، أحرارًا من البغض والكيد والتشنّج والعداوة، ببساطة، بلا طلب المجد، بلا إبادة للصداقات إذ السياسة نتعاطاها لعبة رياضية يربح فيها من يربح ويخسر من يخسر.

اختاروا المجلس البلديّ عندكم وأعضاء الهيئة الاختيارية بسبب نزاهتهم وحبهم للوطن وقدرتهم على الخدمة. اختاروا من أثبتَ في الماضي إخلاصه لمدينتكم او بلدتكم او القرية إن كان له ماضٍ في الشأن العامّ، او اذا كان مرشّحًا جديدًا فينبغي أن تعرفوه ناشطًا في الشأن العامّ وحريصًا على ازدهار البلدة التي أنتم منها اي اذا كان عنده كفاءة مقبولة للخدمة وشجاعة لمواجهة المناقشات في المجالس وما كان من التابعين لزعيم او نافذ. لا تأتوا بأزلامِ أحدٍ من الناس.

الاختيار شخصيّ، متعلّق بالضمير من جهة وبالتحليل من جهة. إن لم تكن مقتنعًا بالعمق بأهمية المرشّح او المرشّحة لا تضع اسمه لأنك تكون بذلك ساهمتَ في خراب البلدة او إهمالها.

اجتنب الحزازات الشخصية ولا تضطرب لنميمةٍ عليك او على فريقك. اذا كنتَ تنتمي الى حزب سياسي، غالبًا ما يفرض عليك اسم مرشح. هذه هي القاعدة في الأحزاب. في كل حال ابقَ إنسانًا حرًا.

لا تتأثر باعتباراتٍ طائفية اذا كان هناك توزيع المقاعد على أساس طائفيّ فلا مانع أن تتمسّك بعدد المقاعد المتّفق على عددها لطائفتنا: قد نكون أقلية في مكان، ولكنه ظُلْم أن نصير أقلّ من الأقلّية الحاضرة. الواقع اللافت أن الأرثوذكسيين ينقص عددهم في كل الوزارات أي إنهم موضوع إهمال في هذه الدولة. فلنحافظ في أدنى حد على وجودنا في مجالس البلديات والهيئات الاختيارية.

الجسم البلديّ شيء هام جدا لأنه هو الذي يعنى بالحياة اليومية للناس: شوارع، إضاءة، ماء، حدائق وما الى ذلك. البيئة باتت همًّا أساسيًا في كل مكان. والاهتمام بما هو داخل البلدات قد يعزّينا عن الإهمال السياسيّ للبنان. لذلك ننتظر من كل الأهالي الاهتمام الكبير في القرى التي ينتمون اليها.

الانتخاب مسؤولية أخلاقية فلا يجوز إهماله لئلا تقع أمورنا في أيدي ناس يحبّون تعذيب البلد. ادخُلوه في سلام ولكن في معرفة. ليس من إنسان بديلا عن إنسان آخر. ميّزوا بين أخلاق المرشّحين وفهمهم حتى يأتي الإنسان الصالح في المكان الصالح.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الديانة الشعبية / السبت أول أيار 2010

الدين يحتاج صاحبه ليحقّقه على أصوله الى معرفة حقيقيّة لجوهره ومصادره والى توازن نفسيّ كبير ورجاحة عقل. ولقّلة هذه العناصر ينحرف الكثيرون وينخدع الناس باولئك يُبدون حماسة كبيرة من أجل الله وتقوى ملتهبة ويكون هذا اذا راقبتهم جيدا من بشريّتهم لا من الله. يحتاج المرء الى عافية روحيّة نامية ليميّز بين ما يهمسه في قلبه اللحم والدم وما يوحيه الله مما قاله هو قديما ولا يقول غيره لأن لله كلمة واحدة عبر الأجيال اذ لا يتناقض فيه شيء.

هناك مشكلة مرتبطة بالتركيبة الدينيّة نفسها وهي أن الدين ليس مجرّد كلمة. إنه كلمة ذات تجسيدات او تعابير وأداء وتاريخ ورواية ولغات ما يجعلك تخلط بسهولة بين كيان الدين وأثوابه فتميل أحيانا الى الثوب أكثر منك إلى الإيمان الذي استعاره و«الإنسان بالإيمان يحيا» ولو اضطرّ بسبب صلاة الجماعة وعيشها وتنظيم الطائفة الى تجسيدات تكون سليمة أحيانا او غير سليمة احيانا. هناك طفيليات تنمو على شجرة الدين، هناك تراكمات لفظيّة ومحسوسات نافعة حينا وغير نافعة أحيانا ما يقرب الدين من الخيال البشريّ ما لم يجعل الإنسان ربه في الحقيقة سيّدا عليه. وبلا حكم ظالم على النيات يبدو لي أحيانا أن المسؤولين الروحيين يتهاونون مع الضعفاء الذين يغذّيهم خيالهم او يدفعهم الهوى الى تصوّرات لم تذكر عنها المصادر شيئا وجعلها الناس تراثا وما هي بتراث.

كيف تقرأ؟ هذا سؤال طرحه العهد الجديد، أي كيف تفهم ما جاء في الكتب المقدّسة. هذا سؤال يستتبع سؤالا عن الحرية. هناك نص ولكنك انت قارئه. في خضوعك للمراجع التأسيسيّة انت مرتبط بالنص ولكن على أساسٍ موضوعٍ في منهجيّة الفهم. من هنا الضرورة لوجود علماء وفي المسيحيّة وجود قديسين قريبين الى استلهام الله ولكن بالتأسيس على ما كُتب.

المسيحية على مستوى الفهم لا تعطي المكانة الأولى للعلماء ولكنها لا تحصر المعرفة بالأبرار. هناك لقاء وجدانيّ في الجماعة بين العقل الفاحص اذا استنار بالإيمان ومبرّات الفاحصين. بهذا المعنى ليست المسيحية دينَ كتاب فقط ولا هي الآن وهنا ذلك المجتمع المقدّس الذي لا ينعقد الا بعد القيامة في اليوم الأخير حيث نفهم كل شيء.
# #
#
العقبة الكبرى دون الفهم الحقيقي هي محسوسية المقدّس او ما يُعتبر كذلك. عند ظهور السيد للجماعة الرسولية في اليوم الثامن للقيامة كانت مشكلة توما مع المحسوس حتى تنازل اليه الرب القائم من بين الأموات فأراه جنبه المطعون وآثار المسامير وقال له: «طوبى لمن آمنوا ولم يَرَوا». أفهم جواب يسوع أنه يؤْثر الكلمة المقولة على المحسوس وطلب المحسوس الذي تتجاوزه بالإيمان الذي عرّفه الرسول بقوله: «واما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا تُرى» (عبرانيين 11: 1). كل آبائنا اعتقدوا أن ما كتبوه جاء من الإيمان الذي حفظه الكتاب المقدس وانتقل فهمه اليهم عن طريق التراث. وعندما يصمت الكتاب كليا عن شيء وفي غياب كل لفتة في التراث يكون أيّ تأكيد من طبيعة دينية اجتهادا حتى حدود المغامرة الاعتقادية ولا يكون معتقدا.

من هنا قوّة حريتي إزاء ما تؤكّده عندما لا أراه راسخا في القول القديم ولا أقدر أن استخرجه من العبارات، وعليك انت أن تحترم حريتي. في المسيحية هذه الطراوة والانفتاح يجعلانني أَسكت عندما لا أجد شيئا في ما تقلّدته من الأقدمين اذا كان فكرا او أسكت عندما تروى لي حادثة لست مضطرا على تصديقها. كما لست مرغما على تسمية كل خارقة أُعجوبة وذلك لتمسّكي بغير المرئيّ على حساب المرئيّ.

يتحدّثون مثلا عن رسائل من السماء بالسمع او بالفكر لست أعلم. لماذا هي رسائل متشابهة بالمضمون او باللفظ. انا لا أنكر حقيقة هذا المكتوب، وليس مطلوبا مني شهادة فيه، ولكن الكنيسة تتحفّظ في أكثر الأحيان وانا أتحفّظ معها. ويعجبني صمت الكنيسة الكاثوليكية عن معجزات تُنسب الى هذا وذاك من الذين يُلتَمس تطويبهم؟

القاعدة عندنا أن تصدّق عجائب المسيح (وهنا عندك حرية تفسيرها) لأنها مدوّنة في كتابٍ مضمون إلهيا. ولكن إن دعاك جارك أن تذهب الى حيث يقول إن العذراء تظهر، فاستعمل حكمتك وأنت لست بكافر إن لم تتحرّك.

أنا لست أُنكر حدوث معجزات بعد العهد الجديد ولكني أقول إن المعجزة اذا حدثت هي أساسا لمن شفته اي رسالة إلهية اليه. كتاب السنكسار (اي سِيَر القديسين) فيه على هذا الصعيد روايات لك ألاّ تقبلها لأن السنكسار كتاب تقويّ شعبيّ وليست له سلطة إلهية دامغة في كل مواضعه. من هنا أن كنيستنا تحرص على أن تنعت بعض القديسين فقط بالعجائبيين. وقد قدّست كنيستُنا في الماضي وفي الحاضر أُناسا بسبب طهارة حياتهم او عمق تعليمهم مع معرفتها أنهم لم يأتوا بعجائب.

ما يهمّني قوله أننا نؤمن بالتعليم المستقيم الرأي وبما يوافقه ونؤثر غير المرئيّ وغير المحسوس على المحسوس. هناك دستور إيمان وتراث يفسّره، ويختلف علماء اللاهوت في ما هو خارج عن هذا الإطار. مثال ذلك الحديث عن تحرّك النفس في اليوم الثالث واليوم التاسع واليوم الأربعين لا يُلزمني بشيء. أقيم المواسم وأصلّي في هذه الأيام مع تحفّظي على هذه التأويلات وقد جاءت في عدة كتب مطبوعة باللغات الأرثوذكسية، والتأويل ليس من الإيمان ولا يسوغ لأحد أن يقهر عقول الآخرين لكونه هو اعتنق هذه التفاسير.

الدين ليس موسوعة كُتِب فيها كل شيء. «فالحرف يقتل والروح يُحيي» (2كورنثوس 3: 6). عندما تظهر في الكنيسة حركات تكفيريّة نكون قد اقتربنا من الاستبداد. إن كان «في بيت أبي منازل كثيرة» (يوحنا 14: 2)، ففي مجرى هذا المنطق في الفكر المسيحي الذي لم تحدّده المجامع المقدّسة ايضًا منازل كثيرة. وفي ما يقال انه حادث بعد العهد الجديد عندك حجج وعندي حجج وقد دعانا السيد الى «حرية مجد أبناء الله»، والإرغام على تصديق ما يسمّى حادثا هو من باب خنق هذه الحرية. الروح القدس يضمن فكر القديسين لأنه ينقل اليهم فكر المسيح. وأما المحسوس بشريا عندك فقد لا يدخل في محسوسي أنا. حسبي أن أنقاد الى الكلمة التي نطق بها الروح.


Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

المَوسمِيّون / الأحد 25 نيسان 2010 /العدد 17

الكنيسة تحزن على كثير من أولادها لكونهم يَغيبون عنها يوم الأحد ويدخُلونها في بعض المواسم هم يختارونها، مثلا في جنّاز المسيح والفصح وربما في عيد الميلاد. الكنيسة أُمّك وتنتظر عودتك الى أحضانها، وهذا الحضن لا يهمّ بعض أولادها ولا يتأثّرون بدفئه.

ليس المجال هنا لنستمع الى شكاوى الناس ليُبرّروا غيابهم. الكاهن أحيانا عليه شكوى او بعضٌ من أعضاء مجالس الرعية. ومع أن مستوى الكهنة ارتفع بصورة محسوسة من حيث التقوى او من حيث العلم، لم يزدد عدد المصلّين إلا قليلا. يُقال لي أحيانا إن بعض أحبّائنا يذهبون الى الكنيسة القريبة من بيوتهم مع أنها غير أُرثوذكسية. سؤالي الى هؤلاء هو هذا: أأنتم منتمون أَم غير منتمين؟ وأنا واثق أنك إنْ سُقت سيارتك الى كنيسةٍ من كنائسنا لا يستغرق ذلك أكثر من دقائق.

أنت تستيقظ صباح الأحد كما في كل صباح. هذا إيقاع الجسم. ولكنك تسترخي. لماذا لا تتكاسل في الذهاب الى عملك؟ أمّا عملك للرب فتتّكل فيه على الرب حتى لا يُحاسبك كأنّ لك حقا في غُنجه. إن لم تسمع الى ما يقوله في القداس الإلهي، كيف تريده أن يقتنع أنك تحبه؟ قد تظن أنه يُناجي ضميرك وأن هذا يكفيه. هو يريدك في «كل مواضع سيادته» كما نقول له في القداس. ضميرك موضع واحد لحضوره. وكنيسته موضع اختاره لحضوره. انت لا تنتقي بين موضع وموضع لأن ربك يريدك في كل مكان يحلّ فيه.

وإن أنت تنزّهت يوم الأحد، فكأنك قائل إن البحر او الجبل او استقبال صديق تُحرّك قلبك أكثر مما يُحرّكك كلامه. هل أجمل من المسيح او أقوى منه في قلبك؟ هل حديث الناس أحلى من العسل في فمك، والعسل كلمة الرب؟

كيف تحيا ولا تأكل هذه الكلمة؟ هل هناك أفضل منها ليُغذّيك؟ كيف تستغني عن الترتيل الإلهي؟ كيف تصل الى ذروة الحب وليس لك حديث مع الله؟ هل المشاوير والنزهات والتزلّج والمقاهي وكل تسليات هذا العالم أطيب عندك من الطعام الإلهيّ؟

جرّب المحبة الإلهية لك أحدًا او أحدَين او ثلاثة. اعملْ هذا ترَ أن هذه المحبة أقوى من كل رغباتك. بدّلْ حُبّ دنياك بحُبّ إلهك لا تخزَ، واذكُرْ أنك في الكنيسة تجد جسد الرب ودمه، واسمَعْ هذا: «أنا هو الخبز الذي نزل من السماء… هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت، والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أَبذله من أجل حياة العالم».

في الكنيسة تجد هذا. في غيابك عنها، ألا تَظهر كأنك قائل: أنا أحيا دون القرابين المقدّسة، ويسوع قائل عكس ما تقول؟ تعال وانظُرْ.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مجد لبنان / السبت 24 نيسان 2010

في أي إطار روحي نضع الوطن؟ هو ليس ارضًا ينزل عليها مجد الله ولا يدخل في نطاق المقدس وما موعود به الى الذي يسكنه كائنا ما كان منشأه. هو إمكانية تحولها الى قدرة بولاء انت تقرره. له علاقة بالتاريخ تقرأه حسب ايديولوجيا لك. فمنّا من قال مثلا عن لبنان انه سكن الوجود منذ ستة آلاف سنة ومنها من جعلها أقل من ذلك بقليل. وحكاية الزمان تجعلك اقرب الى الاستكبار او ادنى الى التواضع وهي تحدد قربك او بعدك من مواطنين لا يحسون زمانا انت تحسه.الوطن في الأخير وليد تصورات وأحاسيس وانفعالات. أقول هذا من حيث الرؤية التي تختلف بين ذاكرة وذاكرة اي انك، في الواقع، تنشئ الوطن لا من الماضي ولكن من الحاضر وهو ايضًا متصوّر. الوطن يأتي من موقف لا من موقع. انه التزام اي انك تريد الوطن او لا تريده او تريده بمقدار. ومن هنا أقول انه صنيعتك وصنيع من يرى رؤيتك او يحس بخيارك وكل خيار ذاتي.

لسنا اذًا مع مقولة الموروث او الدائم وأقلهه مقولة الأبدي. ان كل ما يقرب الوطن من المطلق تقربه من الرب الأزلي وحده وتقيمه في ما لا يناقَش. دائما كانت تصدمني هذه العبارة: «انا اؤمن بالله وبلبنان». هذا العطف في ذاته كفر. ان مقولة الإيمان لا تغطي بقعة أرض فتعريف الإيمان كما ورد في العهد الجديد هو هذا: «الإيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه» (عبرانيين 11: 1). بربكم كفوا عن وضع لبنان في نطاق الإيمان. لبنان من هذه الأرض فقط. ومن خلط الله وبلدنا وقع في الشرك.

#   #

#

ما كان ليس في الاعتقاد يقع في مجال المحبة. تأخذ البلد الى قلبك كما هو بلا اسطورة ولا حياكات زمان اذ لا قداسة للزمان. ربما شعر كلّ منا بضرورة انتمائه الى أبيه. انا شخصيًا لست حساسا لهذا الشعور. لست حساسا للجذور.

أبدأ الآن. كلّ هذه السجالات القومية (فينيقي او عربي او سوري) سجالات تتضمّن ان الذين تعاطوها انما اختاروا زمانا لهم وجاؤوا الى انفسهم من الأرحام التي استهوتهم والإنسان السوي من انقطع عن رحم امّه ليثبت حريته في هذه الدنيا. الإنسان توّاق ان يضع في ذاكرته هوية اي ان يعرف عن نفسه بالـ «هو». انا ليس عندي هوية الا كوني حبيب الله. انا أنوجد بمحبوبيتي. عندما تعرف الكنيسة نفسها انها شعب الله لا تقول انها مجموعة شعوب قائمة اجتماعيا وسياسيا وبعد قيامها اختارت الله. ان عبارة «شعب الله» في اللاهوت المسيحي تعني فقط ان الله -لا الأرض- مكونها وهي تصير بنعمته وانعطافه عليها وقبل ذلك لم تكن. هذا هو المعنى نفسه الذي نجده في القرآن اذ قال: «كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر» (آل عمران، 110). اي اذا امرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر تصبحون خير امة. تتكون الأمة- بمعناها الديني- بشرط هو عمل الخير واجتناب المعصية.

في المفهومين الإنجيلي والقرآني ليس من هوية دنيوية او دهرية لأن الله وحده معطي الهوية. في الشأن الوطني لسنا اذًا في عالم المطلقات لأن الهوية مطلقة. نحن فقط في عالم العمل والتطبيق في المحبة. وضعتنا ظروف الحروب والاتفاقات الدولية وخبرة طويلة او قصيرة على بقعة من الأرض لها طقسها ومدنها وقراها وكتلها البشرية التي تعيش فعليا معا بكثير من الأمور المشتركة من مأكل وشراب ومنازل وهذه الشرائح منتصبة معا في الوجود اذ الوصية تقول: «لا تقتل». ولأن القتل حرام تفتش قلوبنا وعقولنا بما فيها من معرفة على وسائل السلام والنمو الدائم لأن كليهما تستبعدان القتل والإفقار والجهل وهذا كله يتطلب توقا من الحسن الى الأحسن فنصير بطريقة او اخرى امة إلهية.

#   #

#

نحن لن نختار التاريخ منذ آدم ولا نصطنع لأنفسنا امجادا ما لم نتق الى مجد الإنسان في ازدهار دائم. نحن يهمّنا الزمن الآتي والوطن جغرافية نرتضيها الآن لنطمئن الى السلام والحرية ولنا ابتغاء ديمومتنا ان ننفذ سياسة لا تحرمنا مبرر وجودنا على الأرض أعني السلام والحرية.

هنا يبدأ الجهد والدرس فنتكاثر ونعلم اولادنا ونعبد طرقنا وننقي مياهنا ونشجر جبالنا ونزرع سهولنا ونقيم بحيرات لنا من اجل تأمين زرعنا وفرح نفوسنا بالجمال. واذا لم يرد لبنان كل ذلك ولم يأتِ بدولة تفهم هذا يكون ضاحكا على نفسه. وما عدا ذلك سوق عكاظ.

وهذا يعني ان نسكن التفاصيل لأننا ان لم نفعل يسكنها الشيطان… وبدء البدايات للسيطرة على التفاصيل نزاهة الروح والفكر والمعاملة والكياسة والشجاعة معا في معاملتنا الشعوب. والطاهرون يفرضون أنفسهم مهما تعثرت أقدامهم في سيرهم الى الحقيقة والحب.

أعرف في كل شيء صعوبة التنفيذ. اعرف ان هذا يتطلّب وقتا غير يسير ولكن ما من خير ظهر في هذه المعمورة الا ان كان فيها خيّرون. لذلك بات لبنان مشروع قداسة وهي تملي شروط التنفيذ في كل مجال وهي تنير العقل اليه. واما ان تبقى هنا وهناك مجموعات لصوص او فاسدين وقلّة من الأطهار فالبلد لن يقوم.

قلما عقلنا ان القداسة تنشيء العمل وتنشىء السياسة وجعلناها حكرا على المتأملين بها. القداسة ام الإبداع في كل خير من الوجود. اجل نريد لبنان هيكلا وللهياكل امدادات. تسمو انت الهي القلب والقلب يطلق الأيدي الى العمل في الحداثة ووسائلها. اذا اهتدينا الى النقاوة فالمؤسسات ثمار والقوانين ثمار. يجب ان نعرف من اين نبدأ والى اين نريد ان نصير. انت تحصن النفس وبها يتحصّن البلد. والنفس اذا كبرت يكبر الوطن بها. هكذا يهبط المجد على هذه البقعة الصغيرة والجميلة التي تسمّى لبنان. واذ ذاك، يرث الأعلمون ونساك الفكر والنزهاء مجد لبنان.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم والفصح/ الأحد 18 نيسان 2010 / العدد 16

لفتني مؤخرًا أن الأرثوذكس يقولون «الأسبوع العظيم» ولا يستعملون كثيرا عبارة «أسبوع الآلام» الذي كابده السيد إنما كابده طوعا فجعل من هذه الأيام موسم فرح بحيث إن العيد كامن في كل أيام هذه الفترة وان كل كلمة فيها استعداد للقيامة فتأتي الخِدَم الإلهية كلها توبة وتأهبًا لتحرّر المسيح من الموت.

نُطلّ على قيامة المخلّص منذ أن قام لعازر، أي بين قيامة تنتهي بموت لعازر في آخر أيامه وقيامة قائمة الى الأبد، ولكن في الحالتين اللغة لغة حياة ولغة استمرار. أما الحياة فكونه قال: «أنا الطريق والحق والحياة». أما الاستمرار فلكوننا نقول: «اليوم عُلّق على خشبة» مع أن الصلب قد تمّ منذ ألفي سنة أي كأننا هناك معه على الجلجلة ولم يجرِ الزمان من بعد ذلك. هناك أبديةُ عملية الصلب. وبهذا المعنى يقول الرسول: «لما حان ملء الزمان أرسل اللهُ ابنه مولودًا من امرأة». أبدية الله خطفت الى نفسها كل زمان. لذلك كانت الليتورجيا ومجموعة الخِدم كامنة في الأحداث الخلاصية التي فعلها يسوع.

ولكي نعطي مضمونا لعلاقة المسيح بنا رتّلْنا خلال ثلاثة أيام: «ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل»، والخَتَن هو العريس. في مطلع ذاك الأسبوع عقدنا عرسا أبديا مع المعلّم. ومَن فهم هذه الترتيلة وقبلها معا تكون نفسه صارت عروسا للمسيح أي لا تقبل معه شريكا.

بعد هذا قرأنا أناجيل الآلام الإثني عشر كما وردت في الروايات الإنجيلية الأربع حتى لا يفوتنا تفصيل واحدا من آلام المعلّم. يا ليتنا نقرأ الكتاب كل يوم حتى لا تفوتنا كلمة حياة نطق بها الرب يسوع ونقلها إلينا الإنجيليون كما نقل بعضا منها بولس.

حبّنا للإنجيل جعلَنا نلتصق بيسوع في سر القرابين الإلهية. «خذوا كلوا هذا هو جسدي… اشربوا منه كلكم، هذا هو دمي». هذا مشروع الحب الذي أراده قائما بيننا وبينه. هذا جوابنا عن المحبة التي أبداها بإهراق دمه على الخشبة. ثم تبعنا المسيح الى القبر لنلازمه حيث أقام. ودُفنّا معه في التقاريظ التي كانت ذروة في الفرح لأنها خِدمة لسَحَرية السبت. تبعناه حيث يسير. وانتظرنا القيامة.

ولما بلغ فرحنا كثافته صرخنا: «المسيح قام». قام المسيح وليس -على الرجاء الذي أُعطيناه- ميت في القبور. ونحن قائمون -حسب وعده- من خطايانا. وإذا اجترأنا عليها عمدًا، نكون كمن لم يبصر القيامة او كأنها ليست له او كأنه لم تنفعه معموديته. ولكنّا نُصرّ على أننا قياميّون أي موهوبون نعمة النهوض بذاك الذي يستنهضنا ويُنهضنا بحنانه.

هذه المواسم أَحبّها المؤمنون فجاؤوا كثيرين ولم تَسَعْ بعضَهم الكنائس. منهم من رأى الخدمة، ومنهم من سمعها بالمكبّرات. ولكنهم جميعا أَخذهم بهاء الصلاة وانشدّ الكثيرون الى العريس الإلهي وأخذ العمق الروحي الكثيرين. أجمل شيء أنهم قضوا أسبوعا في الفردوس على رجاء ألا يتكروه اذا عادوا الى حياتهم اليومية.

والرجاء أن من تقبّل نعمة المتعة بمعاني هذه الصلوات أن يثابر عليها ليس فقط في الموسم الفصحيّ ولكن كل أسبوع لأننا نُعيّد كل أحد للقيامة. لا يستطيع أحد أن يكون إنسانا فصحيا في أسبوع وأن يُهمل قياميته في أحاد كل سنة. كل السنة موسم واحد نعيشه لمجد الله.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...