الدين يحتاج صاحبه ليحقّقه على أصوله الى معرفة حقيقيّة لجوهره ومصادره والى توازن نفسيّ كبير ورجاحة عقل. ولقّلة هذه العناصر ينحرف الكثيرون وينخدع الناس باولئك يُبدون حماسة كبيرة من أجل الله وتقوى ملتهبة ويكون هذا اذا راقبتهم جيدا من بشريّتهم لا من الله. يحتاج المرء الى عافية روحيّة نامية ليميّز بين ما يهمسه في قلبه اللحم والدم وما يوحيه الله مما قاله هو قديما ولا يقول غيره لأن لله كلمة واحدة عبر الأجيال اذ لا يتناقض فيه شيء.

هناك مشكلة مرتبطة بالتركيبة الدينيّة نفسها وهي أن الدين ليس مجرّد كلمة. إنه كلمة ذات تجسيدات او تعابير وأداء وتاريخ ورواية ولغات ما يجعلك تخلط بسهولة بين كيان الدين وأثوابه فتميل أحيانا الى الثوب أكثر منك إلى الإيمان الذي استعاره و«الإنسان بالإيمان يحيا» ولو اضطرّ بسبب صلاة الجماعة وعيشها وتنظيم الطائفة الى تجسيدات تكون سليمة أحيانا او غير سليمة احيانا. هناك طفيليات تنمو على شجرة الدين، هناك تراكمات لفظيّة ومحسوسات نافعة حينا وغير نافعة أحيانا ما يقرب الدين من الخيال البشريّ ما لم يجعل الإنسان ربه في الحقيقة سيّدا عليه. وبلا حكم ظالم على النيات يبدو لي أحيانا أن المسؤولين الروحيين يتهاونون مع الضعفاء الذين يغذّيهم خيالهم او يدفعهم الهوى الى تصوّرات لم تذكر عنها المصادر شيئا وجعلها الناس تراثا وما هي بتراث.

كيف تقرأ؟ هذا سؤال طرحه العهد الجديد، أي كيف تفهم ما جاء في الكتب المقدّسة. هذا سؤال يستتبع سؤالا عن الحرية. هناك نص ولكنك انت قارئه. في خضوعك للمراجع التأسيسيّة انت مرتبط بالنص ولكن على أساسٍ موضوعٍ في منهجيّة الفهم. من هنا الضرورة لوجود علماء وفي المسيحيّة وجود قديسين قريبين الى استلهام الله ولكن بالتأسيس على ما كُتب.

المسيحية على مستوى الفهم لا تعطي المكانة الأولى للعلماء ولكنها لا تحصر المعرفة بالأبرار. هناك لقاء وجدانيّ في الجماعة بين العقل الفاحص اذا استنار بالإيمان ومبرّات الفاحصين. بهذا المعنى ليست المسيحية دينَ كتاب فقط ولا هي الآن وهنا ذلك المجتمع المقدّس الذي لا ينعقد الا بعد القيامة في اليوم الأخير حيث نفهم كل شيء.
# #
#
العقبة الكبرى دون الفهم الحقيقي هي محسوسية المقدّس او ما يُعتبر كذلك. عند ظهور السيد للجماعة الرسولية في اليوم الثامن للقيامة كانت مشكلة توما مع المحسوس حتى تنازل اليه الرب القائم من بين الأموات فأراه جنبه المطعون وآثار المسامير وقال له: «طوبى لمن آمنوا ولم يَرَوا». أفهم جواب يسوع أنه يؤْثر الكلمة المقولة على المحسوس وطلب المحسوس الذي تتجاوزه بالإيمان الذي عرّفه الرسول بقوله: «واما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا تُرى» (عبرانيين 11: 1). كل آبائنا اعتقدوا أن ما كتبوه جاء من الإيمان الذي حفظه الكتاب المقدس وانتقل فهمه اليهم عن طريق التراث. وعندما يصمت الكتاب كليا عن شيء وفي غياب كل لفتة في التراث يكون أيّ تأكيد من طبيعة دينية اجتهادا حتى حدود المغامرة الاعتقادية ولا يكون معتقدا.

من هنا قوّة حريتي إزاء ما تؤكّده عندما لا أراه راسخا في القول القديم ولا أقدر أن استخرجه من العبارات، وعليك انت أن تحترم حريتي. في المسيحية هذه الطراوة والانفتاح يجعلانني أَسكت عندما لا أجد شيئا في ما تقلّدته من الأقدمين اذا كان فكرا او أسكت عندما تروى لي حادثة لست مضطرا على تصديقها. كما لست مرغما على تسمية كل خارقة أُعجوبة وذلك لتمسّكي بغير المرئيّ على حساب المرئيّ.

يتحدّثون مثلا عن رسائل من السماء بالسمع او بالفكر لست أعلم. لماذا هي رسائل متشابهة بالمضمون او باللفظ. انا لا أنكر حقيقة هذا المكتوب، وليس مطلوبا مني شهادة فيه، ولكن الكنيسة تتحفّظ في أكثر الأحيان وانا أتحفّظ معها. ويعجبني صمت الكنيسة الكاثوليكية عن معجزات تُنسب الى هذا وذاك من الذين يُلتَمس تطويبهم؟

القاعدة عندنا أن تصدّق عجائب المسيح (وهنا عندك حرية تفسيرها) لأنها مدوّنة في كتابٍ مضمون إلهيا. ولكن إن دعاك جارك أن تذهب الى حيث يقول إن العذراء تظهر، فاستعمل حكمتك وأنت لست بكافر إن لم تتحرّك.

أنا لست أُنكر حدوث معجزات بعد العهد الجديد ولكني أقول إن المعجزة اذا حدثت هي أساسا لمن شفته اي رسالة إلهية اليه. كتاب السنكسار (اي سِيَر القديسين) فيه على هذا الصعيد روايات لك ألاّ تقبلها لأن السنكسار كتاب تقويّ شعبيّ وليست له سلطة إلهية دامغة في كل مواضعه. من هنا أن كنيستنا تحرص على أن تنعت بعض القديسين فقط بالعجائبيين. وقد قدّست كنيستُنا في الماضي وفي الحاضر أُناسا بسبب طهارة حياتهم او عمق تعليمهم مع معرفتها أنهم لم يأتوا بعجائب.

ما يهمّني قوله أننا نؤمن بالتعليم المستقيم الرأي وبما يوافقه ونؤثر غير المرئيّ وغير المحسوس على المحسوس. هناك دستور إيمان وتراث يفسّره، ويختلف علماء اللاهوت في ما هو خارج عن هذا الإطار. مثال ذلك الحديث عن تحرّك النفس في اليوم الثالث واليوم التاسع واليوم الأربعين لا يُلزمني بشيء. أقيم المواسم وأصلّي في هذه الأيام مع تحفّظي على هذه التأويلات وقد جاءت في عدة كتب مطبوعة باللغات الأرثوذكسية، والتأويل ليس من الإيمان ولا يسوغ لأحد أن يقهر عقول الآخرين لكونه هو اعتنق هذه التفاسير.

الدين ليس موسوعة كُتِب فيها كل شيء. «فالحرف يقتل والروح يُحيي» (2كورنثوس 3: 6). عندما تظهر في الكنيسة حركات تكفيريّة نكون قد اقتربنا من الاستبداد. إن كان «في بيت أبي منازل كثيرة» (يوحنا 14: 2)، ففي مجرى هذا المنطق في الفكر المسيحي الذي لم تحدّده المجامع المقدّسة ايضًا منازل كثيرة. وفي ما يقال انه حادث بعد العهد الجديد عندك حجج وعندي حجج وقد دعانا السيد الى «حرية مجد أبناء الله»، والإرغام على تصديق ما يسمّى حادثا هو من باب خنق هذه الحرية. الروح القدس يضمن فكر القديسين لأنه ينقل اليهم فكر المسيح. وأما المحسوس بشريا عندك فقد لا يدخل في محسوسي أنا. حسبي أن أنقاد الى الكلمة التي نطق بها الروح.